الآية ٢٢ من سورة المطففين

الإسلام > القرآن > سور > سورة 83 المطففين > الآية ٢٢ من سورة المطففين

إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 92 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة المطففين: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة المطففين عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي يوم القيامة هم في نعيم مقيم وجنات فيها فضل عميم.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) يعني تعالى ذكره بقوله: ( عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ ) على السرر في الحجال من اللؤلؤ والياقوت ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة والنعيم، والحَبْرة في الجنان.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال:ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( عَلَى الأرَائِكِ ) قال: من اللؤلؤ والياقوت.

قال: ثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس ( الأرَائِكِ ) السُّررُ في الحَجال.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الأبرار أي أهل الصدق والطاعة .

لفي نعيم أي نعمة ، والنعمة بالفتح : التنعيم ; يقال : نعمه الله وناعمه فتنعم وامرأة منعمة ومناعمة بمعنى .

أي إن الأبرار في الجنات يتنعمون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلما ذكر كتابهم، ذكر أنهم في نعيم، وهو اسم جامع لنعيم القلب والروح والبدن،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"إن الأبرار لفي نعيم".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الأبرار لفي نعيم» جنة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن أهل الصدق والطاعة لفي الجنة يتنعمون، على الأسرَّة ينظرون إلى ربهم، وإلى ما أعدَّ لهم من خيرات، ترى في وجوههم بهجة النعيم، يُسْقَون من خمر صافية محكم إناؤها، آخره رائحة مسك، وفي ذلك النعيم المقيم فليتسابق المتسابقون.

وهذا الشراب مزاجه وخلطه من عين في الجنة تُعْرَف لعلوها بـ "تسنيم"، عين أعدت؛ ليشرب منها المقربون، ويتلذذوا بها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حالهم فى الجنة ، بعد بيان ما اشتمل عليه كتابهم من خير وبر فقال - تعالى - : ( إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ ) أى : لفى نعيم دائم ، لا يحول ولا يزول .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما عظم كتابهم في الآية المتقدمة عظم بهذه الآية منزلتهم، فقال: ﴿ إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ ﴾ ثم وصف كيفية ذلك النعيم بأمور ثلاثة أولها: قوله: ﴿ عَلَى الأرائك يَنظُرُونَ ﴾ قال القفال: الأرائك الأسرة في الحجال، ولا تسمى أريكة فيما زعموا إلا إذا كانت كذلك، وعن الحسن: كنا لا ندري ما الأريكة حتى لقينا رجلاً من أهل اليمن أخبرنا أن الأريكة عندهم ذلك.

أما قوله: ﴿ يُنظَرُونَ ﴾ ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: ينظرون إلى أنواع نعمهم في الجنة من الحور العين والولدان، وأنواع الأطعمة والأشربة والملابس والمراكب وغيرها، قال عليه السلام: «يلحظ المؤمن فيحيط بكل ما آتاه الله وإن أدناهم يتراءى له مثل سعة الدنيا».

والثاني: قال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون في النار.

والثالث: إذا اشتهوا شيئاً نظروا إليه فيحضرهم ذلك الشيء في الحال، واعلم أن هذه الأوجه الثلاثة من باب أنواع جنس واحد وهو المنظور إليه، فوجب حمل اللفظ على الكل، ويخطر ببالي تفسير رابع: وهو أشرف من الكل وهو أنهم ينظرون إلى ربهم ويتأكد هذا التأويل بما إنه قال بعد هذه الآية: ﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم ﴾ والنظر المقرون بالنضرة هو رؤية الله تعالى على ما قال: ﴿ ﴾ ومما يؤكد هذا التأويل أنه يجب الابتداء بذكر أعظم اللذات، وما هو إلا رؤية الله تعالى.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المعنى إذا رأيتهم عرفت أنهم أهل النعمة بسبب ما ترى في وجوههم من القرائن الدالة على ذلك ثم في تلك القرائن قولان: أحدهما: أنه ما يشاهد في وجوههم من الضحك والاستبشار، على ما قال تعالى: ﴿ ﴾ .

والثاني: قال عطاء إن الله تعالى يزيد في وجوههم من النور والحسن والبياض ما لا يصفه واصف، وتفسير النضرة: قد سبق عند قوله: ﴿ نَّاضِرَةٌ ﴾ .

المسألة الثانية: قرئ: ﴿ تَعْرِفُ ﴾ على البناء للمفعول ﴿ جنات النعيم ﴾ بالرفع.

وثالثها: قوله: ﴿ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في بيان أن الرحيق ما هو؟

قال الليث: ﴿ الرحيق ﴾ الخمر.

وأنشد لحسان.

بردى يصفق بالرحيق السلسل *** وقال أبو عبيدة والزجاج: ﴿ الرحيق ﴾ من الخمر ما لا غش فيه ولا شيء يفسده، ولعله هو الخمر الذي وصفه الله تعالى بقوله: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ  ﴾ .

المسألة الثانية: ذكر الله تعالى لهذا: ﴿ الرحيق ﴾ صفات: الصفة الأولى: قوله: ﴿ رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال القفال: يحتمل أن هؤلاء يسقون من شراب مختوم قد ختم عليه تكريماً له بالصيانة على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم ويصان، وهناك خمر آخر تجري منها أنهار كما قال: ﴿ وأنهار مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ للشاربين  ﴾ إلا أن هذا المختوم أشرف في الجاري الثاني: قال أبو عبيدة والمبرد والزجاج: المختوم الذي له ختام أي عاقبة والثالث: روي عن عبدالله في مختوم أنه ممزوج، قال الواحدي: وليس بتفسير لأن الختم لا يكون تفسيره المزج، ولكن لما كانت له عاقبة هي ريح المسك فسره بالممزوج، لأنه لو لم يمتزج بالمسك لما حصل فيه ريح المسك الرابع: قال مجاهد مختوم مطين، قال الواحدي: كان مراده من الختم بالطين، هو أن لا تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار، والأقرب من جميع هذه الوجوه الوجه الأول الذي ذكره القفال الصفة الثانية: لهذا الرحيق قوله: ﴿ ختامه مِسْكٌ ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال القفال: معناه أن الذي يختم به رأس قارورة ذلك الرحيق هو المسك، كالطين الذي يختم به رؤوس القوارير، فكان ذلك المسك رطب ينطبع فيه الخاتم، وهذا الوجه مطابق للوجه الأول الذي حكيناه عن القفال في تفسير قوله: ﴿ مَّخْتُومٍ ﴾ .

الثاني: المراد من قوله: ﴿ ختامه مِسْكٌ ﴾ أي عاقبته المسك أي يختم له آخره بريح المسك، وهذا الوجه مطابق للوجه الذي حكيناه عن أبي عبيدة في تفسير قوله: ﴿ مَّخْتُومٍ ﴾ كأنه تعالى قال من رحيق له عاقبة، ثم فسر تلك العاقبة فقال: تلك العاقبة مسك أي من شربه كان ختم شربه على ريح المسك، وهذا قول علقمة والضحاك وسعيد بن جبير، ومقاتل وقتادة قالوا: إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك، والمعنى لذاذة المقطع وذكاء الرائحة وأرجها، مع طيب الطعم، والختام آخر كل شيء، ومنه يقال: ختمت القرآن، والأعمال بخواتيمها ويؤكده قراءة علي عليه السلام، واختيار الكسائي فإنه يقرأ: (خاتمه مسك) أي آخره كما يقال: خاتم النبيين، قال الفراء: وهما متقاربان في المعنى إلا أن الخاتم اسم والختام مصدر كقولهم: هو كريم الطباع والطابع الثالث: معناه خلطه مسك، وذكروا أن فيه تطيباً لطعمه.

وقيل: بل لريحه وأقول: لعل المراد أن الخمر الممزوج بهذه الأفاويه الحارة مما يعين على الهضم وتقوية الشهوة، فلعل المراد منه الإشارة إلى قوة شهوتهم وصحة أبدانهم، وهذا القول رواه سعيد بن جبير عن الأسود عن عائشة تقول المرأة لقد أخذت ختم طيني، أي لقد أخذت أخلاط طيني، قال أبو الدرداء هو شراب أبيض مثل الفضة، يحتمون به آخر شربهم، لو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد طيب ريحه.

الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون ﴾ قال الواحدي: يقال: نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة إذا ضننت به ولم تحب أن يصير إليه، والتنافس تفاعل منه كأن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به، والمعنى: وفي ذلك فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله.

واعم أن مبالغة الله تعالى في الترغيب فيه تدل على علو شأنه، وفيه إشارة إلى أن التنافس يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم العظيم الدائم، لا في النعيم الذي هو مكدر سريع الفناء.

الصفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: تسنيم علم لعين بعينها في الجنة سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه، إما لأنها أرفع شراب في الجنة، وإما لأنها تأتيهم من فوق، على ما روي أنها تجري في الهواء مسنمة فتنصب في أوانيهم، وإما لأنها لأجل كثرة ملئها وسرعته تعلو على كل شيء تمر به وهو تسنيمه، أو لأنه عند الجري يرى فيه ارتفاع وانخفاض، فهو التسنيم أيضاً، وذلك لأن أصل هذه الكلمة للعلو والارتفاع، ومنه سنام البعير وتسنمت الحائط إذا علوته، وأما قول المفسرين: فروى ميمون بن مهران أن ابن عباس سأل عن تسنيم، فقال هذا مما يقول الله: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ  ﴾ ويقرب منه ما قال الحسن: وهو أنه أمر أخفاه الله تعالى لأهل الجنة قال الواحدي: وعلى هذا لا يعرف له اشتقاق وهو اسم معرفة، وعن عكرمة: ﴿ مِن تَسْنِيمٍ ﴾ من تشريف: المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر أن تسنيم عين يشرب بها المقربون، قال ابن عباس: أشرف شراب أهل الجنة هو تسنيم، لأنه يشربه المقربون صرفاً، ويمزج لأصحاب اليمين.

واعلم أن الله تعالى لما قسم المكلفين في سورة الواقعة إلى ثلاثة أقسام: المقربون، وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، ثم إنه تعالى لما ذكر كرامة المذكورين في هذه السورة بأنه يمزج شرابهم من عين يشرب بها المقربون؛ علمنا أن المذكورين في هذا الموضع هم أصحاب اليمين، وأقول: هذا يدل على أن الأنهار متفاوتة في الفضيلة، فتسنيم أفضل أنها الجنة، والمقربون أفضل أهل الجنة، والتسنيم في الجنة الروحانية هو معرفة الله ولذة النظر إلى وجه الله الكريم، والرحيق هو الابتهاج بمطالعة عالم الموجودات، فالمقربون لا يشربون إلا من التسنيم، أي لا يشتغلون إلا بمطالعة وجهه الكريم، وأصحاب اليمين يكون شرابهم ممزوجاً، فتارة يكون نظرهم إليه وتارة إلى مخلوقاته.

المسألة الثانية: عينا نصب على المدح وقال الزجاج: نصب على الحال، وقوله: ﴿ يَشْرَبُ بِهَا المقربون ﴾ كقوله: ﴿ يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله  ﴾ وقد مر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الأرآئك ﴾ الأسرة في الحجال ﴿ يَنظُرُونَ ﴾ إلى ما شاؤا مدّ أعينهم إليه من مناظر الجنة، وإلى ما أولاهم الله من النعمة والكرامة، وإلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك ﴿ نَضْرَةَ النعيم ﴾ بهجة التنعم وماءه ورونقه، كما ترى في وجوه الأغنياء وأهل الترفه، وقرئ ﴿ تعرف ﴾ على البناء للمفعول ونضرة النعيم بالرفع.

الرحيق الشراب الخالص الذي لا غش فيه ﴿ مَّخْتُومٍ ﴾ تختم أوانيه من الأكواب والأباريق بمسك مكان الطينة.

وقيل ﴿ ختامه مِسْكٌ ﴾ مقطعه رائحة مسك إذا شرب.

وقيل: يمزج بالكافور، ويختم مزاجه بالمسك.

وقرئ ﴿ خاتمه ﴾ ، بفتح التاء وكسرها، أي: ما يختم به ويقطع ﴿ فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون ﴾ فليرتغب المرتغبون ﴿ تَسْنِيمٍ ﴾ علم لعين بعينها: سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه: إمّا لأنها أرفع شراب في الجنة وإمّا لأنها تأتيهم من فوق، على ما روي أنها تجري في الهواء متسنمة فتنصبّ في أوانيهم.

و ﴿ عَيْناً ﴾ نصب على المدح.

وقال الزجاج: نصب على الحال.

وقيل: هي للمقربين، يشربونها صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَلا ﴾ تَكْرِيرٌ لِيُعَقِّبَ بِوَعْدِ الأبْرارِ كَما عَقَّبَ الأوَّلَ بِوَعِيدِ الفُجّارِ إشْعارًا بِأنَّ التَّطْفِيفَ فُجُورٌ والإيفاءَ بِرٌّ، أوْ رَدْعٌ عَنِ التَّكْذِيبِ.

﴿ إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ﴾ ﴿ كِتابٌ مَرْقُومٌ ﴾ الكَلامُ فِيهِ ما مَرَّ في نَظِيرِهِ.

﴿ يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ ﴾ يَحْضُرُونَهُ فَيَحْفَظُونَهُ، أوْ يَشْهَدُونَ عَلى ما فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ ﴿ عَلى الأرائِكِ ﴾ عَلى الأسِرَّةِ في الحِجالِ.

﴿ يَنْظُرُونَ ﴾ إلى ما يَسُرُّهم مِنَ النِّعَمِ والمُتَفَرِّجاتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ} تنعم في الجنان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَحاسِنِ أحْوالِهِمْ إثْرَ بَيانِ حالِ كِتابِهِمْ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا حالُ كِتابِهِمْ فَما حالُهُمْ؟

فَأُجِيبَ بِما ذُكِرَ؛ أيْ: إنَّهم لَفي نَعِيمٍ عَظِيمٍ ﴿ عَلى الأرائِكِ ﴾ أيْ: عَلى الأسِرَّةِ في الحِجالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ فِيها ﴿ يَنْظُرُونَ ﴾ أيْ: إلى ما شاؤُوا مِن رَغائِبِ مَناظِرِ الجَنَّةِ وما تَحْجُبُ الحِجالُ أبْصارَهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: إلى ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنَ الكَراماتِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: إلى أهْلِ النّارِ أعْدائِهِمْ ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضٌ لِيَكُونَ ما في آخِرِ السُّورَةِ تَأْسِيسًا، وقِيلَ: يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَلا يُحْجَبُ حَبِيبٌ عَنْ حَبِيبِهِ.

وقِيلَ: النَّظَرُ كِنايَةٌ عَنْ سَلْبِ النَّوْمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَنامُونَ وكَأنَّهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ النَّوْمِ مِن ذِكْرِ الأرائِكِ المُعَدَّةِ لِلنَّوْمِ غالِبًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا نَوْمَ في الجَنَّةِ كَما ورَدَتْ في الأخْبارِ لِما فِيهِ مِن زَوالِ الشُّعُورِ وغَفْلَةِ الحَواسِّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُناسِبُ ذَلِكَ المَقامَ.

وعَلَيْهِ يَكُونُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ يعني: المؤمنين الصالحين لفي نعيم في الجنة على الارائك ينظرون يعني على سرر في الحجال ينظرون إلى أهل النار، ويقال: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يعني: أثر النعمة وسرورهم في وجوههم ظاهر يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ يعني: يسقون خمراً بيضاء، وقال الزجاج: الرحيق الشراب الذي لا غش فيه، قال القتبي: الرحيق الخمر العتيقة، ثم قال: مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ يعني: إذا شرب منه رجل وجد عند فراغه من الشراب ريح المسك قرأ الكسائي مسك، وروي عن الضحاك أنه قرأ مثله والباقون ختامه مسك ومعناهما واحد، والخاتم اسم والختام مصدر يعني: يجد شاربه ريح المسك حين ينزع الإناء من فيه ثم قال عز وجل: وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ يعني: بمثل هذا الثواب فليتبادر المتبادرون، ويقال: فليتحاسد المتحاسدون ويقال: فليواظب المواظبون وليجتهد المجتهدون وهذا كما قال لمثل هذا فليعمل العاملون ثم قال: وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ يعني: مزاج الخمر من ماء اسمه تسنيم وهو من أشرف الشراب في الجنة وإنما سمي تسنيماً لأنه يتسنم عليهم فينصب عليهم انصباباً، وقال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الرجل يقول إني لفي السنام من قومه فهو في السنام من الشراب، وقال القتبي أصله من سنام البعير يعني: المرتفع ثم وصفه فقال عز وجل: عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ يعني: التسنيم عيناً يشرب بها المقربون صرفاً ويمزج لأصحاب اليمين ثم قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا يعني: أشركوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ يعني: من ضعفاء المؤمنين يضحكون ويسخرون ويستهزءون بهم وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ يعني: يطعنون ويغتابون وذلك أن علي بن أبي طالب-  - مر بنفر من المنافقين ومعه نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون، ويقال حكاية عن كفار مكة أنهم كانوا يضحكون من ضعفاء المسلمين وإذا مروا بهم وهم جلوس يتغامزون يعني: يتطاعنون بينهم ويقولون هؤلاء الكسالى: وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ يعني: رجعوا معجبين بما هم فيه وَإِذا رَأَوْهُمْ يعني: رأوا المؤمنين قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ يعني: تركوا طريقهم وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ يعني: ما أرسل هؤلاء حافظين على أصحاب النبيّ  ليحفظوا عليهم أعمالهم، قال مقاتل: هذا كله في المنافقين يعني: ما وكل المنافقون بالمؤمنين يحفظون عليهم أعمالهم، قرأ عاصم في رواية حفص انقلبوا فكهين بغير ألف وفي رواية حفص والباقون بالألف ومعناهما واحد وقال بعضهم: فاكهين ناعمين فكهين فرحين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ يعني الملائِكة قاله ابن عبّاس وغيره «١» ، ويَنْظُرُونَ معناه إلى ما عندَهم مِن النعيم، والنَّضْرةُ: النعمة والرونق، والرحيق: الخمر الصافية، ومَخْتُومٍ يحتملُ أنَّه يُخْتَمُ على كؤوسه التي يشْرَبُ بها تَهَمُّماً وتنظفاً، والظاهر أنه مختُوم شربُه بالرائحةِ المِسْكِيةِ حَسْبَمَا فسَّره قوله: خِتامُهُ مِسْكٌ قال ابن عباس وغيره: خاتمة شربه مسك «٢» ، [وقرأ الكسائي «٣» : «خَاتَمُهُ مِسْكٌ» ] ، ثم حرَّضَ تعالى على الجنةِ بقوله: وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ.

وقوله تعالى: وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ المِزَاجُ: الخلطُ، قال ابن عباس وغيره:

تَسْنِيمٍ: أشْرَفُ شرابٍ في الجنةِ، وهو اسْمٌ مذكرٌ لِمَاءِ عينٍ في الجنةِ، وهي عين يشرب بها المقربون صرفاً ويُمْزَجُ رحيقُ الأبرارِ بها «٤» وهذا المعنى في «صحيح البخاري» ، وقال مجاهد ما معناه: أن تسنيماً مصدَرُ من سَنَّمْتُ: إذَا عَلَوْتُ، ومنه السَّنَامُ، فكأنه عينٌ قَدْ عَلِيَتْ على أهل الجنةِ فهي تَنْحَدِر، وقاله مقاتل «٥» ، وجمهور المتأولينَ أنَّ منزلةَ الأبرار دونَ منزلة المقربينَ، وأن الأبرارَ هم أصحابُ اليمين، وأن المقربينَ هم السابقون.

وقوله: يَشْرَبُ بِهَا بمعنى يْشَرَبُها.

إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣)

فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما هم عَلَيْهِ، فَلْيَرْتَدِعُوا.

وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ.

وكانَ أبُو حاتِمٍ يَقُولُ: " كَلًّا " ابْتِداءٌ يَتَّصِلُ بِما بَعْدَهُ عَلى مَعْنى " حَقًّا " ﴿ إنَّ كِتابَ الفُجّارِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كِتابَ أعْمالِهِمْ ﴿ لَفِي سِجِّينٍ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الأرْضُ السّابِعَةُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، ومُقاتِلٍ.

ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: " سَجِّينٌ " صَخْرَةٌ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ، يُجْعَلُ كِتابُ الفُجّارِ تَحْتَها، وهَذِهِ عَلامَةٌ لِخَسارَتِهِمْ، ودَلالَةٌ عَلى خَساسَةِ مَنزِلَتِهِمْ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: إنَّ كِتابَهم لَفي سَفالٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: لَفي خَسارٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: لَفي حَبْسٍ، فِعِّيلٌ مِنَ السِّجْنِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما سِجِّينٌ ﴾ هَذا تَعْظِيمٌ لِأمْرِها.

وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا كُنْتَ تَعْلَمُهُ أنْتَ ولا قَوْمُكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كِتابٌ مَرْقُومٌ ﴾ أيْ: ذَلِكَ الكِتابُ الَّذِي في سِجِّينٍ كِتابٌ مَرْقُومٌ، أيْ: مَكْتُوبٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والرَّقْمُ: الكِتابُ.

قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: عَرَفَتُ الدِّيارَ كَرَقْمِ الدَّوا ةِ يَزْبُرُهُ الكاتِبُ الحِمْيَرِيُّ وَأنْشَدَهُ الزَّجّاجُ: " يَذْبِرُها " بِالذّالِ المُعْجَمَةِ، وكَسْرِ الباءِ.

قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: زَبَرَ: كَتَبَ، وذَبَرَ: قَرَأ.

ورَوى أبُو عَمْرٍو عَنْ ثَعْلَبٍ، عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ، قالَ: الصَّوابُ: زَبَرْتُ بِالزّايِ- كَتَبْتُ.

وذَبَرْتُ بِالذّالِ- أتْقَنْتُ ما حَفِظْتُ.

قالَ: والبَيْتُ يَزْبُرُها، بِالزّايِ والضَّمِّ.

وقالابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرْوى " يَزْبُرُها " و" يَذْبُرُها " وهو مِثْلُهُ، يُقالُ: زَبَرَ الكِتابَ يَزْبُرُهُ، ويَزْبِرُهُ.

وذَبَرَهُ يَذْبُرُهُ، ويَذْبِرُهُ.

وقالَ قَتادَةُ: رُقِّمَ لَهُ بَشَرٍّ، كَأنَّهُ أُعْلِمَ بِعَلامَةٍ يُعْرَفُ بِها أنَّهُ الكافِرُ.

وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهُ مُثْبَتٌ لَهم كالرَّقْمِ في الثَّوْبِ، لا يُنْسى ولا يُمْحى حَتّى يُجازَوْا بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ هَذا مُنْتَظِمٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ ﴾ ، وما بَيْنَهُما كَلامٌ مُعْتَرِضٌ.

وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " بَلْ رّانَ " بِفَتْحِ الرّاءِ مُدْغَمَةً، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " بَلْ رِّانَ " مُدْغَمَةً بِكَسْرِ الرّاءِ.

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ " بَلْ " بِإظْهارِ اللّامِ " رانَ " بِفَتْحِ الرّاءِ.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: أيْ: غَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ، يُقالُ: الخَمْرَةُ تَرِينُ عَلى عَقْلِ السَّكْرانِ.

قالَ الزَّجّاجُ: قُرِئَتْ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ، لِقُرْبِ ما بَيْنَ الحَرْفَيْنِ، وإظْهارُ اللّامِ جائِزٌ، لِأنَّهُ مِن كَلِمَةٍ، والرَّأْسُ مِن كَلِمَةٍ أُخْرى.

ويُقالُ: رانَ عَلى قَلْبِهِ الذَّنْبُ يَرِينُ رَيْنًا: إذا غُشِيَ عَلى قَلْبِهِ، ويُقالُ: غانَ يَغِينُ غَيْنًا، والغَيْنُ كالغَيْمِ الرَّقِيقِ، والرَّيْنُ كالصَّدَإ يُغْشى عَلى القَلْبِ.

وسَمِعْتُ شَيْخَنا أبا مَنصُورٍ اللُّغَوِيَّ يَقُولُ: الغَيْنُ يُقالُ: بِالرّاءِ، وبِالغَيْنِ، فَفي القُرْآنِ ﴿ كَلا بَلْ رانَ ﴾ وفي الحَدِيثِ: " «إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي» " وكَذَلِكَ الرّايَةُ تُقالُ بِالرّاءِ، وبِالغَيْنِ، والرُّمَيْصاءُ تُكْتَبُ " بِالغَيْنِ "، وبِالرّاءِ، لِأنَّ الرَّمْصَ يُكْتَبُ بِهِما.

قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا كَثُرَتْ مَعاصِيهِمْ وذُنُوبُهم أحاطَتْ بِقُلُوبِهِمْ.

قالَ الحَسَنُ: هو الذَّنْبُ عَلى الذَّنْبِ حَتّى يَعْمى القَلْبُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لا يُصَدِّقُونَ.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ﴿ إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهم عَنِ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ، والمُؤْمِنُ لا يُحْجَبُ عَنْ رُؤْيَتِهِ.

وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: لَمّا حَجَبَ أعْداءَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ تَجَلّى لِأوْلِيائِهِ حَتّى رَأوْهُ.

وقالَ الشّافِعِيُّ: لَمّا حَجَبَ قَوْمًا بِالسُّخْطِ دَلَّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِّضى.

وقالَ الزَّجّاجُ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُرى فِي القِيامَةِ.

ولَوْلا ذَلِكَ ما كانَ في هَذِهِ الآيَةِ فائِدَةٌ، ولا خَسَّتْ مَنزِلَةُ الكُفّارِ بِأنَّهم يُحْجَبُونَ عَنْ رَبِّهِمْ.

ثُمَّ مِن بَعْدِ حَجْبِهِمْ عَنِ اللَّهِ يَدْخُلُونَ النّارَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يُقالُ ﴾ أيْ: يَقُولُ لَهم خَزَنَةُ النّارِ: ﴿ هَذا ﴾ العَذابُ ﴿ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لا يُؤْمِنُ بِالعَذابِ الَّذِي يَصْلاهُ.

ثُمَّ أعْلَمَ أيْنَ مَحَلُّ ﴿ كِتابَ الأبْرارِ ﴾ فَقالَ تَعالى: ﴿ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾ وفِيها سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الجَنَّةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ لَوْحٌ مِن زَبَرْجَدَةٍ خَضْراءَ مُعَلَّقٌ تَحْتَ العَرْشِ فِيهِ أعْمالُهم مَكْتُوبَةٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّها السَّماءُ السّابِعَةُ، وفِيها أرْواحُ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ كَعْبٌ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّها قائِمَةُ العَرْشِ اليُمْنى، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: ساقُ العَرْشِ.

والخامِسُ: أنَّهُ سِدْرَةُ المُنْتَهى، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ في عُلُوٍّ وصُعُودٍ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقالَ الفَرّاءُ: في ارْتِفاعٍ بَعْدَ ارْتِفاعٍ.

والسّابِعُ: أنَّهُ أعْلى الأمْكِنَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ﴾ هَذا تَعْظِيمٌ لِشَأْنِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كِتابٌ مَرْقُومٌ ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ ﴾ أيْ: يَحْضُرُ المُقَرَّبُونَ مِنَ المَلائِكَةِ ذَلِكَ المَكْتُوبَ، أوْ ذَلِكَ الكِتابَ إذا صُعِدَ بِهِ إلى عِلِّيِّينَ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الِانْفِطارُ: ١٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَنْظُرُونَ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إلى ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الكَرامَةِ.

والثّانِي: إلى أعْدائِهِمْ حِينَ يُعَذَّبُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ " تُعْرَفُ " بِضَمِّ التّاءِ، وفَتْحِ الرّاءِ " نَضْرَةُ " بِالرَّفْعِ.

قالَ الفَرّاءُ: بَرِيقُ النَّعِيمِ ونَداهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا رَأيْتَهم عَرَفْتَ أنَّهم مِن أهْلِ النَّعِيمِ، لِما تَرى مِنَ الحُسْنِ والنُّورِ.

وفي " الرَّحِيقِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الخَمْرُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا أيُّ الخَمْرِ هي عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحُدُها: أجْوَدُ الخَمْرِ، قالَهُ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ.

والثّانِيَةُ: الخالِصَةُ مِنَ الغِشِّ، قالَهُ الأخْفَشُ.

والثّالِثُ: الخَمْرُ البَيْضاءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: الخَمْرُ العَتِيقَةُ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عَيْنٌ في الجَنَّةِ مَشُوبَةٌ بِالمِسْكِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الشَّرابُ الَّذِي لا غِشَّ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَخْتُومٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مَمْزُوجٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: مَخْتُومٌ عَلى إنائِهِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: لَهُ خِتامٌ، أيْ: عاقِبَةُ رِيحٍ، وتِلْكَ العاقِبَةُ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خِتامُهُ مِسْكٌ ﴾ ، أيْ: عاقِبَتُهُ.

هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

﴿ خِتامُهُ مِسْكٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ " خِتامُهُ " بِكَسْرِ الخاءِ، وبِفَتْحِ التّاءِ، وبِألِفٍ بَعْدَهُما، مَرْفُوعَةَ المِيمِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ " خاتَمُهُ " بِخاءٍ مَفْتُوحَةٍ، بَعْدَها ألِفٌ، وبَعْدَها تاءٌ مَفْتُوحَةٌ.

ورَوى الشَّيْزَرِيُّ " خاتِمُهُ " مِثْلَ ذَلِكَ، إلّا أنَّهُ يَكْسِرُ التّاءَ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعُرْوَةُ، وأبُو العالِيَةِ: " خَتَمُهُ " بِفَتْحِ الخاءِ والتّاءِ و [بِضَمِّ] المِيمِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خِتامُهُ مِسْكٌ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: خَلْطُهُ مِسْكٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّ خَتْمَهُ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ الإناءُ مِسْكٌ، [قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ طَعْمَهُ ورِيحَهُ مِسْكٌ، قالَهُ عَلْقَمَةُ.

والرّابِعُ: أنَّ آخِرَ طَعْمِهِ مِسْكٌ] قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ في آخَرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ ﴾ أيْ: فَلْيَجِدُّوا في طَلَبِهِ، ولِيَحْرِصُوا عَلَيْهِ بِطاعَةِ اللَّهِ.

والتَّنافُسُ: كالتَّشاحِّ عَلى الشَّيْءِ، والتَّنازُعِ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ عَيْنٍ في الجَنَّةِ يَشْرَبُها المُقَرَّبُونَ صِرْفًا، وتُمْزَجُ لِأصْحابِ اليَمِينِ.

والثّانِي: أنَّ التَّسْنِيمَ الماءُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قالَ مُقاتِلٌ: وإنَّما سُمِّيَ تَسْنِيمًا، لِأنَّهُ يَتَسَنَّمُ عَلَيْهِ مِن جَنَّةِ عَدْنٍ، فَيَنْصَبُّ عَلَيْهِمُ انْصِبابًا، فَيَشْرَبُونَ الخَمْرَ مِن ذَلِكَ الماءِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: إنَّ التَّسْنِيمَ أرْفَعُ شَرابٍ في الجَنَّةِ.

ويُقالُ: إنَّهُ يَمْتَزِجُ بِماءٍ يَنْزِلُ مِن تَسْنِيمٍ، أيْ: مِن عُلُوٍّ.

وأصْلُ هَذا مِن سَنامِ البَعِيرِ، ومِن تَسْنِيمِ القُبُورِ.

وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ، لِقَوْلِ المُسَيَّبِ بْنِ عَلَسٍ في وصْفِ امْرَأةٍ: كَأنَّ بِرِيقَتِها لَلْمِزا ∗∗∗ جِ مِن ثَلْجِ تَسْنِيمَ شِيبَتْ عُقارا أرادَ: كَأنَّ بِرِيقَتِها عُقارًا شِيبَتْ لِلْمِزاجِ مِن ثَلْجِ تَسْنِيمَ، يُرِيدُ: جَبَلًا.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا تَأْتِيهِمْ مِن تَسْنِيمٍ، أيْ: مِن عُلُوٍّ يَتَسَنَّمُ عَلَيْهِمْ مِنَ الغُرَفِ.

فَـ " عَيْنًا " في هَذا القَوْلِ مَنصُوبَةٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ ﴿ يَتِيمًا  ﴾ .

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " عَيْنًا " مَنصُوبَةً بِقَوْلِهِ: يُسْقَوْنَ عَيْنًا، أيْ: مِن عَيْنٍ.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " يَشْرَبُ بِها " في [هَلْ أتى: ٦] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَلا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ﴾ ﴿ كِتابٌ مَرْقُومٌ ﴾ ﴿ يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ ﴿ عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ ﴾ ﴿ تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَعِيمِ ﴾ ﴿ يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ﴾ ﴿ خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ ﴾ ﴿ وَمِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ ﴾ ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أمَرَ كِتابِ الفُجّارِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ كِتابٍ ضِدَّهم لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، و"الأبْرارُ" جَمْعُ بَرٍّ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ "الأبْرارُ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ بِفَتْحِها، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِإمالَتِها.

و"عِلِّيُّونَ" هو جَمْعٌ عِلِّيِّي، عَلى وزْنِ فِعِّيلٍ بِناءُ مُبالِغَةٍ، يُرِيدُ بِذَلِكَ المَلائِكَةَ فَلِذَلِكَ أعْرَبَ بِالواوِ والنُونِ، وقِيلَ: يُرِيدُ المَواضِعَ العَلِيَّةَ لِأنَّهُ عُلُوٌّ فَوْقَ عُلُوٍّ، فَلَمّا كانَ هَذا الِاسْمُ عَلى هَذا الوَزْنِ لا واحِدَ لَهُ أشْبَهَ "عِشْرِينَ" فَأُعْرِبَ إعْرابَ الجُمُوعِ إذْ أشْبَهَها، وهو أيْضًا مِثْلُ "قَنْسَرِينَ"، فَإنَّكَ تَقُولُ: طابَتْ قَنْسَرِينَ ودَخَلَتْ قَنْسَرِينَ.

واخْتَلَفَ الناسُ في المَوْضِعِ المَعْرُوفِ بِعِلِّيِّينَ، ما هُوَ؟

فَقالَ قَتادَةُ: قائِمَةُ العَرْشِ اليُمْنى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَماءُ السابِعَةُ تَحْتَ العَرْشِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام وقالَ الضَحّاكُ: هو عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العِلِّيُّونَ: الجَنَّةُ، وقالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ هو في السَماءِ الرابِعَةِ، وقالَ الفَرّاءُ عن بَعْضِ العُلَماءِ: هو في السَماءِ الدُنْيا، والمَعْنى أنَّ كِتابَهُمُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُهم هُنالِكَ تَهَمَّما بِها وتَرْفِيعًا لَها، وأعْمالُ الفُجّارِ في سِجِّينٍ في أسْفَلِ سافِلِينَ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أعْمالَهم يُصْعَدُ بِها إلى السَماءِ فَتَأْباها، ثُمَّ تُرَدُّ إلى الأرْضِ فَتَأْباها أرْضٌ بَعْدَ أرْضٍ حَتّى تَنْتَهِي في سِجِّينٍ تَحْتَ الأرْضِ السابِعَةِ.

و"كِتابٌ مَرْقُومٌ" في هَذِهِ الآيَةِ خَبَرُ "إنَّ" والظَرْفُ مُلْغًى.

و"المُقَرَّبُونَ" في هَذا المَوْضِعِ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللهِ تَعالى، أهْلُ كُلِّ سَماءٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ.

و"الأرائِكِ" جَمْعُ أرِيكَةٍ، وهي السُرُرُ في الحِجالِ، و"يَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى ما عِنْدَهم مِنَ النَعِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وقِيلَ -عَنِ النَبِيِّ  -: يَنْظُرُونَ إلى أعْدائِهِمْ في النارِ كَيْفَ يُعَذَّبُونَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "تُعَرِّفَ" عَلى مُخاطَبَةِ مُحَمَّدٍ  بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الراءِ "نَضِرَةً" نَصْبًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ "" وطَلْحَةُ "" ويَعْقُوبُ: "تُعْرَفُ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الراءِ، "نَضِرَةٌ" رَفْعًا، وقَرَأ قَوْمٌ "يُعْرَفُ" بِالياءِ لِأنَّ تَأْنِيثَ "النَضِرَةِ" لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، و"النَضِرَةُ": النِعْمَةُ والرَوْنَقُ، و"الرَحِيقُ": لِلْخَمْرٍ الصافِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: يَسْقُونَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمُ بِرَدى يُصَفِّقُ بِالرَحِيقِ السَلْسَلِ ومَخْتُومٍ، يُحْتَمَلُ أنْ يُخْتَمَ عَلى كُؤُوسِهِ الَّتِي يُشْرَبُ بِها تَهَمُّمًا وتَنْظِيفًا، والأظْهَرُ أنَّهُ مَخْتُومٌ شُرْبُهُ بِالرائِحَةِ المِسْكِيَّةِ حَسَبَ ما فَسَّرَهُ قَوْلُهُ تَعالى: "خِتامُهُ مِسْكٌ".

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "خِتامُهُ مِسْكٌ"، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وعَلْقَمَةُ مَعْناهُ: خَلْطُهُ ومِزاجُهُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْناهُ: خاتِمَتُهُ، أى تَجِدُ الرائِحَةَ عِنْدَ خاتِمَتِهِ الشُرْبَ رائِحَةَ المِسْكِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: المُرادُ لَذاذَةُ المَقْطَعِ وَذَكاءُ الرائِحَةِ مَعَ طِيبِ الطَعْمِ، وكَذَلِكَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَ مِزاجُها كافُورًا  ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "زَنْجَبِيلًا"، أيْ تَجِدُ في اللِسانِ، وقَدْ قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: مِمّا يُعْتَقُ في الحانُوتِ باطِنُها ∗∗∗ بِالفُلْفُلِ الجَوْنِ والرُمّانِ مَخْتُومُ وقالَ مُجاهِدٌ مَعْناهُ: طِينُهُ الَّذِي يَخْتِمُ بِهِ مِسْكٌ بَدَلَ الطِينِ الَّذِي في الدُنْيا، وهَذا إنَّما يَكُونُ في الكُؤُوسِ، لِأنَّ خَمْرَ الآخِرَةِ لَيْسَتْ في دَنانٍ، إنَّما هي في أنْهارٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خِتامُهُ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والكِسائِيُ، والضَحّاكُ، والنَخْعِيُّ: "خاتَمَهُ"، وهَذِهِ بَيِّنَةٌ، المَعْنى: أنَّهُ يُرادُ بِها الطَبْعُ عَلى الرَحِيقِ، ورُوِيَ عنهم أيْضًا كَسْرُ التاءِ.

ثُمَّ حَرِضَ تَعالى عَلى الجَنَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ ﴾ ، والتَنافُسُ في الشَيْءِ المُغالاةُ فِيهِ، وأنْ يَتْبَعَهُ كُلُّ واحِدٍ نَفْسَهُ، فَكَأنَّ نَفْسَيْهِما تَتَبارَيانِ فِيهِ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِكَ: شَيْءٌ نَفِيسٌ، فَكانَ هَذا يُعَظِّمُهُ، ويُعَظِّمُهُ الآخَرُ، ويَسْتَبِقانِ إلَيْهِ.

و"المِزاجُ": الخَلْطُ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الرَحِيقِ"، واخْتَلَفَ الناسُ في "تَسْنِيمٍ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: التَسْنِيمُ أشْرَفُ تُرابٍ في الجَنَّةِ، وهو اسْمٌ مُذَكَّرٌ لِماءِ عَيْنٍ في الجَنَّةِ، وهي عَيْنٌ يَشْرَبُها المُقَرَّبُونَ صَرْفًا، ويُمْزَجُ رَحِيقُ الأبْرارِ بِها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ، وغَيْرُهم.

وقالَ مُجاهِدٌ ما مَعْناهُ: إنَّ "تَسْنِيمًا" مَصْدَرٌ مِن "سَنِمْتُ" إذا عَلَوْتُ، ومِنهُ السَنامُ، فَكَأنَّها عَيْنٌ قَدْ عَلَتْ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ فَهي تَنْحَدِرُ، وقالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الأبْرارَ والمُقَرَّبِينَ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنًى واحِدٍ يَقَعُ لِكُلَّ مَن نَعِمَ في الجَنَّةِ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ مَنزِلَةَ الأبْرارِ دُونَ المُقَرَّبِينَ، وأنَّ الأبْرارَ هم أصْحابُ اليَمِينِ، وأنَّ المُقَرَّبِينَ هُمُ السابِقُونَ.

وَ"عَيْنًا" مَنصُوبٌ إمّا عَلى المَدْحِ، وإمّا أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "تَسْنِيمٍ" عَلى رَأْيِ مَن رَآهُ مَصْدَرًا، أو يَنْتَصِبُ عَلى الحالِ مِن "تَسْنِيمٍ"، أو "يُسْقَوْنَ"، قالَهُ الأخْفَشُ، وفِيهِ بُعْدٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَشْرَبُ بِها" مَعْناهُ: يَشْرَبُها، كَقَوْلِ الشاعِرِ: شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ∗∗∗ مَتى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا بِالكُفْرِ -أيْ كَسَبُوهُ- كانُوا في دُنْياهم يَضْحَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ويَسْتَخِفُّونَ بِهِمْ، ويَتَّخِذُونَهم هُزُوءًا.

ويُرْوى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ نَزَلَتْ في صَنادِيدِ قُرَيْشٍ وضَعْفَةِ المُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجِماعَةً مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَرُّوا بِجَمْعٍ مِنَ الكُفّارِ في مَكَّةَ، فَضَحِكُوا مِنهُمْ، واسْتَخَفُّوا بِهِمْ عَبَثًا ونُقْصانَ عَقْلٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

مضمون هذه الجملة قسيم لمضمون جملة: ﴿ إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ﴾ [المطففين: 15] إلى آخرها.

ولذلك جاءت على نسيج نظم قسيمتها افتتاحاً وتوصيفاً وفصلاً، وهي مبيِّنة لجملة: ﴿ إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴾ [المطففين: 18] فموقعها موقع البيان أو موقع بدل الاشتمال على كلا الوجهين في موقع التي قبلها على أنه يجوز أن تكون من الكلام الذي يقال لهم، وهو المحكي بقوله: ﴿ ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون ﴾ [المطففين: 17] فيكون قولُ ذلك لهم، تحسيراً وتنديماً على تفريطهم في الإِيمان.

وأحد الوجهين لا يناكد الوجه الآخر فيما قُرر للجملة من الخصوصيات.

وذُكر الأبرار بالاسم الظاهر دون ضميرهم.

خلافاً لما جاء في جملة: ﴿ إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ﴾ [المطففين: 15] تنويهاً بوصف الأبرار.

وقوله: ﴿ على الأرائك ﴾ خبر ثان عن الأبرار، أي هم على الأرائك، أي متكئون عليها.

والأرائك: جمع أريكة بوزن سفينة، والأريكة: اسم لمجموع سَرير ووسادتِه وحَجلةٍ منصوبة عليهما، فلا يقال: أريكة إلا لمجموع هذه الثلاثة، وقيل: إنها حبشيَّة وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ متكئين فيها على الأرائك ﴾ في سورة الإنسان (13).

و ﴿ ينظرون ﴾ في موضع الحال من الأبرار.

وحذف مفعول ﴿ ينظرون ﴾ إما لدلالة ما تقدم عليه من قوله في ضدهم: ﴿ إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ﴾ [المطففين: 15] والتقدير: ينظرون إلى ربهم، وإما لقصد التعميم، أي ينظرون كل ما يبهج نفوسهم ويسرهم بقرينة مقام الوعد والتكريم.

وقرأ الجمهور: ﴿ تَعرف ﴾ بصيغة الخطاب ونصب ﴿ نضرة ﴾ وهو خطاب لغير معين.

أي تعرف يا من يراهم.

وقرأه أبو جعفر ويعقوب «تُعْرَف» بصيغة البناء للمجهول ورفع «نضرةُ».

ومآل المعنيين واحد إلا أن قراءة الجمهور جرت على الطريقة الخاصة في استعماله.

وجرت قراءة أبي جعفر ويعقوب على الطريقة التي لا تختص به.

والخطابُ بمثله في مقام وصف الأمور العظيمة طريقة عربية مشهورة، وهذه الجملة خبر ثالث عن ﴿ الأبرارَ ﴾ أو حال ثانية له.

والنضْرة: البهجة والحُسن، وإضافة ﴿ نضرة ﴾ إلى ﴿ النعيم ﴾ من إضافة المسبب إلى السبب، أي النضرة والبهجة التي تكون لوجه المسرور الراضي إذ تبدو على وجهه ملامح السرور.

وجملة ﴿ يسقون من رحيق ﴾ خبر رابع عن الأبرار أو حال ثالثة منه.

وعبر ب ﴿ يسقون ﴾ دون: يشربون، للدلالة على أنهم مخدُومون يخدمهم مخلوقات لأجل ذلك في الجنة.

وذلك من تمام الترفه ولذة الراحة.

والرحيق: اسم للخمر الصافية الطيبة.

والمختوم: المسدود إناؤه، أي بَاطيَتُه، وهو اسم مفعول من خَتمه إذا شدّ بصنف من الطين معروف بالصلابة إذا يبس فيعسر قلعه وإذا قلع ظهر أنه مقلوع كانوا يجعلونه للختم على الرسائل لئلا يقرأ حاملها ما فيها ولذلك يقولون من كرم الكتاب ختمه ويجعلون علامة عليه، تطبع فيه وهو رَطْب فإذا يبس تعذر فسخها، ويسمى ما تُطبع به خاتَماً بفتح الفوقية، وكان الملوك والأمراء والسادة يجعلون لأنفسهم خواتيم يضعونها في أحد الخنصرين ليجدوها عند إصدار الرسائل عنهم، قال جرير: إن الخليفة أن الله سربله *** سِرْبَال مُلك به تُزجَى الخواتيم والختام بوزن كتاب: اسم للطين الذي يُختم به كانوا يجعلون طين الختام على محل السداد من القارورة أو الباطية أو الدن للخمر لمنع تخلل الهواء إليها وذلك أصلح لاختمارها وزيادةِ صفائها وحفظ رائحتها.

وجُعل ختام خمر الجنة بعجين المسك عوضاً عن طين الخَتم.

والمِسك مادة حيوانية ذاتُ عَرْف طيب مشهور طيبه وقوة رائحته منذ العصور القديمة، وهذه المادة تتكون في غُدّة مملوءة دَماً تخرج في عنق صنف من الغزال في بلاد التيبيت من أرض الصين فتبقى متصلة بعنقه إلى أن تيبس فتسقط فيلتقطها طلابها ويتجرون فيها.

وهي جِلدة في شكل فأر صغير ولذلك يقولون: فَأرة المسك.

وفُسر ﴿ ختامه مسك ﴾ بأن المعنى ختام شُربه، أي آخر شربه مسك، أي طعم المسك بمعنى نكهته، وأنشد ابن عطية قول ابن مُقْبِل: مما يُعتِّق في الحانوت قَاطفُها *** بالفُلفل الجَوْن والرُّماننِ مَخْتومُ أي ينتهي بلذع الفلفل وطَعْم الرمان.

وجملة: ﴿ ختامه مسك ﴾ نعت ل ﴿ رحيق ﴾ .

أو بدل مفصل من مجمل، أو استئناف بياني ناشئ عن وصف الرحيق بأنه ﴿ مختوم ﴾ أنْ يسأل سائل عن ختامها أي شَيء هو من أصناف الختام لأن غالب الختام أن يكون بطين أو سداد.

وجملة: ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾ معترضة بين جملة ﴿ ختامه مسك ﴾ وجملة ﴿ ومزاجه من تسنيم ﴾ .

واعلم أن نظم التركيب في هذه الجملة دقيق يحتاج إلى بيان وذلك أن نجعل الواو اعتراضية فقوله: ﴿ وفي ذلك ﴾ هو مبدأ الجملة.

وتقديم المجرور لإفادة الحصر أي وفي ذلك الرحِيققِ فليتنافس الناس لا في رحيق الدنيا الذي يتنافس فيه أهل البذخ ويجلبونه من أقاصي البلاد وينفقون فيه الأموال.

ولما كانت الواو اعتراضية لم يكن إشكال في وقوع فاء الجواب بعدها.

والفاءُ إما أن تكون فصيحة، والتقدير: إذا علمتم الأوصاف لهذا الرحيق فليتنافس فيه المتنافسون، أو التقدير: وفي ذلك فلتتنافسوا فليتنافس فيه المتنافسون فتكون الجملة في قوة التذييل لأن المقدر هو تنافس المخاطبين، والمصرح به تنافس جميع المتنافسين فهو تعميم بعد تخصيص، وإما أن تكون الفاء فاء جواب لشرط مقدر في الكلام يؤذن به تقديم المجرور لأن تقديم المجرور كثيراً ما يعامل معاملة الشرط، كما روي قولُ النبي صلى الله عليه وسلم " كما تكونوا يُوَلّ عليكم " بجزم «تكونوا» و«يُوَلّ»، فالتقدير: إن علمتم ذلك فليتنافس فيه المتنافسون.

وإما أن تكون الفاء تفريعاً على محذوف على طريقة الحذف على شريطة التفسير، والتقدير: وتنافسوا صيغة أمر في ذلك، فليتنافس المتنافسون فيه، ويكون الكلام مؤذناً بتوكيد فعل التنافس لأنه بمنزلة المذكور مرتين، مع إفادة التخصص بتقديم المجرور.

وجملة: ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾ معترضة بين جملة: ﴿ يسقون من رحيق ﴾ الخ وجملة: ﴿ ومزاجه من تسنيم ﴾ .

والتنافس: تفاعل من نَفِسَ عليه بكذا إذا شح به عليه ولم يره أهلاً له وهو من قبيل الاشتقاق من الشيء النّفيس، وهو الرفيع في نوعه المرغوب في تحصيله.

وقد قيل: إن الأصل في هذه المادة هو النَفْس.

فالتنافس حصول النفاسة بين متعدد.

ولام الأمر في ﴿ فليتنافس ﴾ مستعملة في التحريض والحث.

و ﴿ مِزاجه ﴾ : ما يمزج به.

وأصله مصدر مازج بمعنى مزَج، وأطلق على الممزوج به فهو من إطلاق المصدر على المفعول، وكانوا يمزجون الخمر لئلا تغلبهم سَوْرتها فيسرع إليهم مغيب العقول لأنهم يقصدون تطويل حصة النشوة للالتذاذ بدبيب السكر في العقل دون أن يغُتّه غتّاً فلذلك أكثر ما تشرب الخمر المعتقة الخالصة تُشرب ممزوجة بالماء.

قال كعب بن زهير: شُجَّت بذي شبم من ماء محقبة *** صَاف بأبْطَحَ أضحى وهَو مَشمول وقال حسان: يَسقون مَن وَرَدَ البريضَ عليهمُ *** بَرَدَى يُصَفَّقُ بالرحيق السَّلْسَلِ وتنافسهم في الخمر مشهور من عوائدهم وطفحت به أشعارهم.

كقول لبيد: أغلي السِّباء بكل أدكن عاتق *** أو جونة قُدحت وفُض ختامها و ﴿ تسنيم ﴾ علم لعين في الجنة منقول من مصدر سنَّم الشيءَ إذا جعله كهيئة السِّنام.

ووجهوا هذه التسمية بأن هذه العين تصبّ على جنانهم من علوّ فكأنها سَنام.

وهذا العلم عربي المادة والصِّيغة ولكنه لم يكن معروفاً عند العرب فهو مما أخبر به القرآن، ولذا قال ابن عباس لمَّا سئل عنه: «هذا مما قال الله تعالى: ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ﴾ [السجدة: 17]، يريد لا يعلمون الأشياء ولا أسماءها إلا ما أخبر الله به.

ولغرابة ذلك احتيج إلى تبيينه بقوله: ﴿ عيناً يشرب بها المقربون ﴾ ، أي حال كون التسنيم عيناً يشرب منها المقرّبون.

و ﴿ المقرَّبون ﴾ : هم الأبرار، أي فالشاربون من هذا الماء مقربون.

وباء ﴿ يشرب بها ﴾ إما سببية، وعُدي فعل ﴿ يشرب ﴾ إلى ضمير العين بتضمين ﴿ يشرب ﴾ معنى: يمزج، لقوله: ﴿ ومزاجه من تسنيم ﴾ أي يمزجون الرحيق بالتسنيم.

وإمَّا باء الملابسة وفعل ﴿ يشرب ﴾ معدّى إلى مفعول محذوف وهو الرحيق، أي يشربون الرحيق ملابسين للعين، أي محيطين بها وجالسين حولها.

أو الباء بمعنى (مِن) التبعيضية وقد عده الأصمعي والفارسي وابن قتيبة وابن مالك في معاني الباء، وينسب إلى الكوفيين.

واستشهدوا له بهذه الآية وليس ذلك ببيّن فإنّ الاستعمال العربي يكثر فيه تعدية فعل الشرب بالباء دون (مِن)، ولعلهم أرادوا به معنى الملابسة، أو كانت الباء زائدة كقول أبي ذؤيب يصف السحاب: شَرْبنَ بماء البحر ثم ترفَّعت *** متَى لُجَج خُضر لَهُن نَئيجُ <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ كَلا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ عِلِّيِّينَ الجَنَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: السَّماءُ السّابِعَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، قالَ قَتادَةُ: وفِيها أرْواحُ المُؤْمِنِينَ.

الثّالِثُ: قائِمَةُ العَرْشِ اليُمْنى، قالَهُ كَعْبٌ.

الرّابِعُ: يَعْنِي في عُلُوٍّ وصُعُودٍ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: سِدْرَةُ المُنْتَهى، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنْ يَصِفَهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَحُلُّ مِنَ القَبُولِ مَحَلًّا عالِيًا.

﴿ تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الطَّراوَةُ والغَضارَةُ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: أنَّها البَياضُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّها عَيْنٌ في الجَنَّةِ يَتَوَضَّؤُونَ مِنها ويَغْتَسِلُونَ فَتَجْرِي عَلَيْهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ، قالَهُ عَلِيٌّ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها اسْتِمْرارُ البُشْرى بِدَوامِ النِّعْمَةِ.

﴿ يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ﴾ وفي الرَّحِيقِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَيْنٌ في الجَنَّةِ مَشُوبٌ بِمِسْكٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ شَرابٌ أبْيَضُ يَخْتِمُونَ بِهِ شَرابَهم، قالَهُ ابْنُ أبِي الدَّرْداءِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الخَمْرُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ يُسْقَوْنَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمْ بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ لَكِنِ اخْتَلَفُوا أيُّ الخَمْرِ هي عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الصّافِيَةُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّها أصْفى الخَمْرِ وأجْوَدُهُ، قالَهُ الخَلِيلُ.

الثّالِثُ: أنَّها الخالِصَةُ مِن غِشٍّ، حَكاهُ الأخْفَشُ.

الرّابِعُ: أنَّها العَتِيقَةُ.

وَفي (مَخْتُومٍ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَمْزُوجٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: مَخْتُومٌ في الإناءِ بِالخَتْمِ، وهو الظّاهِرُ.

الثّالِثُ: ما رَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ما الرَّحِيقُ المَخْتُومُ؟

قالَ: (غُدْرانُ الخَمْرِ)» .

﴿ خِتامُهُ مِسْكٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مِزاجُهُ مِسْكٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: عاقَبَتْهُ مِسْكٌ، ويَكُونُ خِتامُهُ آخِرَهُ، كَما قالَ الشّاعِرُ صَرْفٌ تَرَقْرَقَ في الحانُوتِ باطِنُهُ ∗∗∗ بِالفُلْفُلِ الجَوْنِ والرُّمّانِ مَخْتُومًا قالَ قَتادَةُ: يُمْزَجُ لَهم بِالكافُورِ ويُخْتَمُ بِالمِسْكِ.

الثّالِثُ: أنَّ طَعْمَهُ ورِيحَهُ مِسْكٌ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.

الرّابِعُ: أنَّ خَتْمَهُ الَّذِي خُتِمَ بِهِ إناؤُهُ مِسْكٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: فَلْيُبادِرِ المُبادِرُونَ، قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ والكَلْبِيُّ.

وَفِيما أُخِذَ مِنهُ التَّنافُسُ والمُنافَسَةُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّغْبَةِ فِيما تَمِيلُ النُّفُوسُ إلَيْهِ، قالَهُ المُفَضَّلُ.

﴿ وَمِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها أنَّ التَّسْنِيمَ الماءُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّها عَيْنٌ في الجَنَّةِ، فَيَشْرَبُها المُقَرَّبُونَ صِرْفًا، وتُمْزَجُ لِأصْحابِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

وَقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ: تَسْنِيمٌ عَيْنٌ في عَدْنٍ، وعَدْنٌ دارُ الرَّحْمَنِ وأهْلُ عَدْنٍ جِيرانُهُ.

.

الثّالِثُ: أنَّها خَفايا أخْفاها اللَّهُ لِأهْلِ الجَنَّةِ، لَيْسَ لَها شَبَهٌ في الدُّنْيا ولا يُعْرَفُ مِثْلُها.

وَأصْلُ التَّسْنِيمِ في اللُّغَةِ أنَّها عَيْنُ ماءٍ تَجْرِي مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، ومِنهُ سَنامُ البَعِيرِ لِعُلُوِّهِ مِن بَدَنِهِ، وكَذَلِكَ تَسْنِيمُ القُبُورِ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا رابِعًا: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ لَذَّةَ شُرْبِها في الآخِرَةِ أكْثَرَ مِن لَذَّتِهِ في الدُّنْيا، لِأنَّ مِزاجَ الخَمْرِ يَلَذُّ طَعْمُها، فَصارَ مِزاجُها في الآخِرَةِ بِفَضْلِ لَذَّةِ مِزاجِها مِن تَسْنِيمٍ لِعُلُوِّ الآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك ﴾ قال: عاقبته مسك، قوم يمزج لهم بالكافور، ويختم لهم بالمسك ﴿ ومزاجه من تسنيم ﴾ قال: شراب من أشرف الشراب عيناً في الجنة يشرب بها المقربون صرفاً ويمزج لسائر أهل الجنة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن مجاهد في قوله: ﴿ يسقون من رحيق مختوم ﴾ قال: الخمر ﴿ ختامه مسك ﴾ قال: طينه مسك ﴿ ومزاجه من تسنيم ﴾ قال: تسنيم عليهم من فوق دورهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الحسن ﴿ يسقون من رحيق مختوم ﴾ قال: هي الخمرة ﴿ ومزاجه من تسنيم ﴾ قال: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ يسقون من رحيق مختوم ﴾ قال: الخمر ﴿ ختامه مسك ﴾ قال: آخر طعمه مسك.

وأخرج عبد بن حميد عن علقمة ﴿ ختامه مسك ﴾ قال: خلطه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مالك بن الحارث ﴿ ومزاجه من تسنيم ﴾ قال: هي عين في الجنة يشرب بها المقربون صرفاً ويمزج لسائر أهل الجنة.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: التسنيم أفضل شراب أهل الجنة.

ألم تسمع يقال للرجل إنه لفي السنام من قوله.

وأخرج ابن المنذر عن علي قال: ﴿ نضرة النعيم ﴾ هي عين في الجنة يتوضؤون منها ويغتسلون فيجري عليهم نضرة النعيم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود ﴿ مختوم ﴾ قال: ممزوج ﴿ ختامه مسك ﴾ قال: طعمه وريحه.

وأخرج سعيد بن منصور وهناد وابن أبي حاتم وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في البعث عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يسقون من رحيق مختوم ﴾ قال: الرحيق الخمر والمختوم يجدون عاقبتها طعم المسك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في البعث من طريق عليّ عن ابن عباس ﴿ من رحيق مختوم ﴾ قال: ختم بالمسك.

وأخرج الفريابي والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ختامه مسك ﴾ قال: ليس بخاتم يختم به، ولكن خلطه مسك.

ألم تر إلى المرأة من نسائكم تقول خلطه من الطيب كذا وكذا.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن علقمة مثله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن أبي الدرداء ﴿ ختامه مسك ﴾ قال: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شرابهم ولو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلى وجد ريحها.

وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي سعيد رفعه: «أيما مؤمن سقى مؤمناً شربة على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم» .

وأخرج البيهقي عن عطاء قال: التسنيم اسم العين التي تمزج بها الخمر.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس ﴿ تسنيم ﴾ أشرف شراب أهل الجنة، وهو صرف للمقربين ويمزج لأصحاب اليمين.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المبارك وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ومزاجه من تسنيم ﴾ قال: عين في الجنة تمزج لأصحاب اليمين ويشرب بها المقربون صرفاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿ ومزاجه من تسنيم ﴾ قال: هذا مما قال الله: ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن حذيفة بن اليمان قال: تسنيم عين في عدن يشرب بها المقربون صرفاً ويجري تحتهم أسفل منهم إلى أصحاب اليمين فيمزج أشربتهم كلها الماء والخمر واللبن والعسل يطيب بها أشربتهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي قال: تسنيم عين تثعب عليهم من فوق وهو شراب المقربين.

أخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون ﴾ قال: في الدنيا ويقولون والله إن هؤلاء لكذبة، وما هم على شيء، استهزاء بهم.

وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في الصمت والبيهقي في البعث عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المستهزئين بالناس في الدنيا يرفع لأحدهم يوم القيامة باب من أبواب الجنة فيقال: هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه، ثم يفتح له باب آخر فيقال: هلم هلم فيجيء بكربه وغمه، فإذا أتاه أغلق دونه، فما يزال كذلك حتى إنه ليفتح له الباب فيقول: هلم هلم فلا يأتيه من إياسه» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ﴾ قال: قال كعب: إن بين أهل الجنة وأهل النار كوى لا يشاء الرجل من أهل الجنة أن ينظر إلى عدوه من أهل النار إلا فعل.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ هل ثوِّب ﴾ قال: جوزي.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾ عليَّون اسم علم للكتاب الذي تكتب فيه الحسنات، وهذا جمع منقول من صفة علي، على وزن فعيل للمبالغة وقد عظمه بقوله: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ﴾ ثم فسره بقوله: ﴿ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ﴾ وهو مشتق من العلوّ لأنه سبب في ارتفاع الدرجات في الجنة، أو لأنه مرفوع في مكان علي، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تحت العرش، وقال ابن عباس: هو الجنة وارتفع كتاب مرقوم في الموضعين على أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره هو كتاب، وقال ابن عطية: كتاب مرقوم خبر إن والظرف ملغى.

وهذا تكليف يفسد به المعنى، وقد روي في الأثر ما روي في الآية وهو أن الملائكة تصعد بصحيفة فيها عمل العبد فإن رضيه الله قال اجعلوه في عليين، وإن لم يرضه قال اجعلوه في سجين ﴿ يَشْهَدُهُ المقربون ﴾ يعني الملائكة المقربين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ بل ران ﴾ حفص يقف على ﴿ بل ﴾ وقفة يسيرة ومع ذلك يصل.

وقرأ الحلواني عن قالون مظهراً ﴿ ران ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف وحماد ويحيى ﴿ تعرف ﴾ مبنياً للمفعول ﴿ نضرة ﴾ بالرفع: يزيد ويعقوب ﴿ خاتمه ﴾ بالألف بعد الخاء والتاء مفتوحة: عليّ.

﴿ أهلهم ﴾ بكسر الهاء والميم: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ حمزة وعلي وخلف بضمهما.

الباقون: بضم ميم الجمع فقط ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد وحفص ﴿ هل ثوب الكفار ﴾ بالإدغام: حمزة وعلى وهشام.

الوقوف ﴿ للمطففين ﴾ ه لا ﴿ يستوفون ﴾ ه للفصل بين تناقض الحالين ولكن يلزم تفريق الوصفين مع اتفاق الجملتين ﴿ يخسرون ﴾ ه للاستفهام ﴿ عظيم ﴾ ه لا لأن التقدير لأمر يوم عظيم في يوم كذا وهو بدل بني على الفتح للإضافة إلى الجملة ﴿ لرب العالمين ﴾ ه ط لأن " كلا " لتحقيق أنّ بمعنى " ألا " التي للتنبيه أو حقاً أو هو ردع عن التطفيف وكذا أخواتها في السورة ﴿ سجين ﴾ ه ط ﴿ ما سجين ﴾ ه ط للحذف أي هو كتاب ﴿ مرقوم ﴾ ه ط لأن ﴿ ويل ﴾ مبتدأ ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ الدين ﴾ ه ط للابتداء بالنفي ﴿ أثيم ﴾ ه لأن الشرطية بعده صفة أخرى له ﴿ الأوّلين ﴾ ه والوقف لما ذكر ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ لمحجوبون ﴾ ه لأن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿ الجحيم ﴾ ه ك لاختلاف الجملتين ﴿ تكذبون ﴾ ه ك ﴿ عليين ﴾ ه ك ﴿ عليون ﴾ ه ك ﴿ مرقوم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ المقربون ﴾ ه ط ﴿ نعيم ﴾ ه لا لأن ما بعده حال أو صفة ﴿ ينظرون ﴾ ه لا لذلك ﴿ النعيم ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً أو حالاً ﴿ مختوم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ مسك ﴾ ط ﴿ المتنافسون ﴾ ه ط ﴿ تسنيم ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ عيناً ﴾ حال كما قال الزجاج.

فإن أريد النص على المدح جاز الوقف ﴿ المقربون ﴾ ه ط ﴿ يضحكون ﴾ ه ط للآية ولكن إتمام الكلام أولى ﴿ يتغامزون ﴾ ه ك لذلك ﴿ فكهين ﴾ ه ك ﴿ لضالون ﴾ ه لا لأن المنفية حال ﴿ حافظين ﴾ ه ط لتبدل الكلام معنى ﴿ يضحكون ﴾ ه لا ﴿ ينظرون ﴾ ه ط ﴿ يفعلون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر في السورة المتقدمة بعض أشراط الساعة وأخبر عن طرف من أحوالها وأهوالها صدّر هذه السورة بالنعي على قوم آثروا الحياة الزائلة على الحياة الباقية، وتهالكوا في الحرص على استيفاء أسبابها حتى اتسموا بأخس السمات وهي التطفيف.

والتركيب يدل على القليل وطف الشيء جانبه وحرفه، وطف الوادي والإناء إذا بلغ الشيء الذي فيه حرفه ولم يمتلىء.

وقال الزجاج: إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف لأنه لا يكون الذي يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.

روي أن رسول الله  قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلاً فنزلت فأحسنوا الكيل.

قلت: إن كانت السورة مدنية فظاهر، وإن كانت مكية فلعل النبي حين قدم المدينة قرأها عليهم.

وهكذا الوجه فيما روي أن أهل المدينة كانوا تجاراً يطففون وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة يعني بيع الغرر كالطير في الهواء فنزلت، فخرج رسول الله  فقرأها عليهم فقال " خمس بخمس.

قيل: يا رسول الله وما خمس بخمس؟

قال: ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر" " وعن علي  مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له: أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت.

كأنه أخبره بالتسوية أوّلاً ليعتادها ويفصل الواجب من النفل.

وعن أبيّ: لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين.

والاكتيال الأخذ بالكيل كالاتزان الأخذ بالوزن.

قال الفراء: " من" و " على " يعتقبان في هذا الموضع.

فمعنى اكتلت عليك أخذت ما عليك، ومعنى أكتلت منك استوفيت منك.

وقال أهل البيان: وضع " على " مكان " من " للدلالة على أن اكتيالهم من الناس اكتيال فيه ضرر.

وجوز أن يتعلق الجار بـ ﴿ يستوفون ﴾ والتقديم للتخصيص أي يستوفون على الناس خاصة، فأما أنفسهم فيستوفون لها.

والضمير في ﴿ كالوهم أو وزنوهم ﴾ منصوب راجع إلى الناس والأصل كالوا لهم ووزنوا لهم فحذف المضاف وأصل الفعل.

قال الكسائي والفراء: هذه لغة الحجاز ومنه المثل " الحريص يصيدك لا الجواد " أي الحريص يصيد لك لا الفرس الجواد.

ويجوز أن يكون على حذف المضاف والتقدير وإذا كالوا مكيلهم أو وزنوا موزونهم.

وعن عيسى بن عمر وحمزة أنهما كانا يجعلان الضميرين للمطففين على أنهما توكيد للمرفوع ويقفان عند الواوين وقفة يبينان بها ما أرادا.

وخطأهما بعضهم بأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه، ولو كان الضميران للتأكيد لم يكن بدل من الألف، وزيفت هذه التخطئة بأن خط المصحف لا يقاس عليه فكم من أشياء فيه خارجة عن اصطلاح الخط.

وقد ذكر الزمخشري في إبطال قولهما أن المعنى حينئذ يؤل إلى قول القائل وإذا تولوا الكيل والوزن هم على الخصوص بأنفسهم اخسروا أي نقصوا، وهذا كلام متنافر لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر.

قلت: النظم على قولهما باقٍ على حالته من الإعجاز والفصاح لأنه يفيد ضرباً من التوبيخ، فإنهم إذا أخسروا وقد تولوا الكيل أو الوزن بأنفسهم ولم يمنعهم من ذلك مانع من الدين والمروءة، فلأن يرضوا بالإخسار وقد تولاه لأجلهم من تعلق بهم يكون أولى، ومن قلة مروأتهم ودينهم أنهم كانوا متمكنين في الإعطاء من البخس في الكيل وفي الوزن جميعاً ولهذا قال  ﴿ وإذا كالوهم أو وزنوهم ﴾ وأما في الأخذ فالميزان غالباً يكون بيد البائع فلا يتمكن المشتري من التصرف فيه بالزيادة المعتد بها فإن الكفة تميل بأدنى ثقل، وإنما يتمكن في الاكتيال بأن يحتال في مكياله بالتحريك ووضع اليد عليه بقوّة فلهذا لم يقل هناك " أو اتزنوا" وأعلم أن أمر المكيال والميزان عظيم لأن مدار معاملات الخلق عليهما، ولهذا جرى على قوم شعيب بسببه ما جرى.

وذهب بعض العلماء إلى أن المطفف لا يتناوله الوعيد إلا إذا بلغ تطفيفه نصاب السرقة.

والأكثرون على أن قليله وكثيره يوجب الوعيد.

وبالغ بعضهم حتى عد العزم عليه من الكبائر.

وقال الشيخ أبو القاسم القشيري رحمه الله : لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل، وفي إظهار العيب وإخفائه، وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ومن لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه فليس بمنصف.

والذي يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه فهو من هذه الجملة، ومن طلب حق من الناس ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلب لنفسه فهو من هذه الجملة، والفتى من يقضي حقوق الناس ولا يطلب من أحد لنفسه حقاً.

ويحكى أن أعرابياً قال لعبد الملك بن مروان: إن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ووزن؟

ثم زاد في توبيخهم بقوله ﴿ ألا يظن ﴾ فإن كانوا من أهل الإسلام كما روي أن أهل المدينة كانوا يفعلون ذلك فالظن بمعنى العلم، وإن كانوا كفاراً منكري البعث فالظن بمعناه الأصلي.

والمراد هب أنهم لا يقطعون بالبعث أفلا يظنون أيضاً كقوله ﴿ إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين  ﴾ وفي الإشارة إليهمبـ ﴿ أولئك ﴾ وقد ذكرهم عما قريب تبعيد لهم عن رتبة الاعتبار بل عن درجة الإنسانية.

وفي هذا الإنكار ووصف اليوم بالعظم وقيام الناس فيه لرب العالمين بيان بليغ لعظم هذا الذنب كما إذا قال الحالف والله الطالب الغالب الحي القيوم.

ففيه تعظيم شأن المقسم عليه.

عن النبي  " يقوم الناس مقدار ثلثمائة سنة من الدنيا لا يؤمر فيها بأمر " قال ابن عباس: هو في حق المؤمنين كقدر انصرافهم من الصلاة.

وفيه أنه إذا ظهر التطفيف الذي يظن به أنه حقير فكيف بسائر الظلامات؟

وحمل بعضهم هذا القيام على ردّ الأرواح إلى أجسادها حتى يقوموا من مراقدهم.

وعن أبي مسلم: أراد به الخضوع التام كقوله ﴿ وقوموا لله قانتين  ﴾ ثم بيّن أن كل ما يعمل من خير أو شر فإنه مكتوب عند الله.

وقدم ديوان الشرور لأن المذكور قبله هو وعيد أهل الفجور.

وسجين " فعيل" من السجن وهو الحبس والتضييق جعل علماً لديوان الشر الجامع لأعمال الكفرة والفسقة والشياطين، وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا العلمية ﴿ كتاب مرقوم ﴾ ليس تفسيراً للسجين بل التقدير: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وإن كتاب الفجار مرقوم.

وموقع قوله ﴿ وما أدراك ما سجين ﴾ اعتراض تعظيماً لأمر السجين، ولأن ذلك لم يكن مما كان العرب تعرفه أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك.

وقيل: مرقوم أي مطروح وعلى هذا يكون سجين اسم مكان.

ثم اختلفوا، فعن ابن عباس في رواية عطاء وقتادة ومجاهد والضحاك وعن البراء مرفوعاً أنه أسفل أرضين وفيها إبليس وذريته.

وعن أبي هريرة مرفوعاً أنه جب في جهنم.

وقال الكلبي: صخرة تحت الأرض السابعة.

والتحقيق أنه  أجرى أمور عباده على ما تعارفوه فيما بينهم، ولا شك أن السفلة والظلمة والضيق وحضور الشياطين الملاعين من صفات البغض فوصف الله كتاب الفجار بأنه في هذا الموضع استهانة بهم وبأعمالهم، كما أنه وصف كتاب الأبرار بأنه في عليين وتشهده الملائكة المقربون تعظيماً لحالهم.

ثم أوعد المكذبين ووصفهم بقوله ﴿ الذين يكذبون ﴾ للذم لا للبيان لأن كل مكذب فالوعيد يتناوله سواء كان مكذباً بالبعث أو بسائر آيات الله  فهو كقولك " فعل فلان الفاسق الخبيث ".

وإنما خص التكذيب بالبعث لتقدّم ذكره وذكر ما يتعلق به.

ثم بالغ في الذم بقوله ﴿ وما يكذب به إلاّ كلٌّ معتد أثيم ﴾ متجاوز عن حد الاعتدال في استعمال القوة النظرية إما في طرف الإفراط وهو الجريرة حتى عدّ الممكن محالاً وأقدم على التكذيب، وإما في طرف التفريط وهو البله والغباوة حتى قنع بالاستبعاد المحض وأعرض عن النظر في دلائل البعث من الخلق الأوّل وغيره.

أثيم في إعمال القوى البدينة في غير مواقعها حتى أثمر له الباطل بدل الحق، وحكم على آيات الله بأنها أساطير الأوّلين، وفيه إنكار للنبوّة أيضاً.

ثم أضرب عن أن يكون لهم اختبار فيما قالوه أو يكون لهم ارعواء عما ارتكبوه، لأن ما كسبوه قدران على قلوبهم أي ركبها كما يركب الصدأ وغلب عليها.

قال أهل اللغة: ران النعاس والخمر في الرأس يرين ريناً وريوناً إذا رسخ فيه، ولهذا قال الحسن: هو الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب.

قلت: الغين هو الحجاب الرقيق الذي يزول عن كثب ومثله الغيم.

والرين هو الغليظ الذي لا يرجى زواله ولهذا جاء في الحديث " إنه ليغان على قلبي " وأما الرين فمن صفة الكفار الذين صارت ملكاتهم الذميمة في غاية الرسوخ حتى أظلم سطوح قلوبهم بل دخلت الظلمة أجوافها وبلغت الكدورة صفاقها.

ثم قال ﴿ كلا ﴾ حقاً وهو ردع عن الكسب الرائن على القلب ﴿ إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ﴾ وذلك أن النور لا يرى إلا بالنور، فإذا كانت نفوسهم في غاية الظلمة الذاتية والعرضية الحاصلة من الملكات الردية احتجبوا عن نور الله ومنعوا من رؤيته.

قال أهل السنة كثرهم الله: وفي تخصيصهم بالحجب دلالة على أن أهل الإيمان والأعمال الصالحة لا يكونون محجوبين عن ربهم.

وقالت المعتزلة: المضاف محذوف أي عن رحمة ربهم أو كرامته.

وقال في الكشاف: هو تمثيل للاستخفاف بهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين.

ثم أخبر بقوله ﴿ ثم إنهم لصالوا الجحيم ﴾ أي داخلوها عن بقية حالهم وأنهم لا يتركون عن حجب الحرمان بل يعذبون بنار القطيعة والهجران لأنهما متلازمان ﴿ ثم يقال ﴾ في معرض التوبيخ ﴿ هذا الذي كنتم به تكذبون ﴾ جمعاً بين عذاب الوجل وعذاب الخجل.

ثم شرع في قصة الأبرار.

وعليون جمع " عليّ " " فعيل " من العلو وإعرابه كإعراب الجمع لأنه على صورته وإن صار مفرداً كقنسرين من حيث إنه جعل علماً لديوان الخير الذي فيه أعمال الملائكة وصلحاء الثقلين، إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، وإما لأنه مرفوع من السماء السابعة حيث يحضره الملائكة المقربون.

وقال مقاتل: هو في ساق العرش.

وعن ابن عباس: هو لوح من زبرجد معلق تحت العرش.

وبالجملة كتاب الأبرار ضد كتاب الفجار بجميع معانية كما عرفت من بقية حال الأبرار.

ومفعول ﴿ ينظرون ﴾ محذوف ليشمل أنواع نعيمهم في الجنة من الحور العين والأطعمة والأشربة والملابس والمراكب والمساكن وكل ما أعدّ الله لهم.

قال  " "يلحظ المؤمن فيحيط بكل ما آتاه الله وإن أدناهم منزلة من له مثل سعة الدنيا " وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوّهم حين يعذبون ولا يحجب الحجاب أبصارهم عن الإدراك.

وقال بعضهم: ينظرون إلى الله  بدليل قوله ﴿ تعرف ﴾ يا من له أهل العرفان ﴿ في وجوههم نضرة ﴾ وقوله في موضع آخر ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ ولا ريب أن هناك قرائن وأحوالاً تعرف بها بهجتهم وازدهاؤهم بالضحك والاستبشار بل بتجلي الأنوار والآثار.

والرحيق الخمر الصافية التي لا غش فيها ﴿ مختوم ﴾ أوانيه ﴿ ختامه ﴾ أي ما يختم به ﴿ مسك ﴾ مكان الطينة أو الشمعة.

وإنما ختم تكريماً وصيانة على ما جرت به العادة فكأنها أشرف من الخمر الجارية في أنهارها من الجنة.

وقيل: ختامه أي مقطعه رائحة المسك إذا شرب.

وهذا قول علقمة والضحاك وسعيد بن جبير ومقاتل وقتادة.

قال الفراء: الختام آخر كل شيء ومنه يقال: ختمت القرآن، والأعمال بخواتيمها، والخاتم مثله وأنت خاتم النبيين.

والتركيب يدل على القطع والانتهاء بجميع معانيه.

عن أبي الدرداء مرفوعاً: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شربهم، لو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريحه الطيبة.

قال بعضهم: مزج الخمر بالأدوية الحارة مما يعين على الهضم وتقوية الشهوة، فلعل فيه إشارة إلى قوة شهوتهم وصحة أبدانهم.

ثم رغب في العمل الموجب لهذا الكرامة قائلاً ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾ فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله.

قال أهل اللغة: نفست عليه الشيء نفاسة إذا ضننت به وأن لا تحب أن يصير إليه، والتنافس تفاعل منه فإن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به لما يظهر من نفسه من الجد والاعتمال في الطاعة والعبودية.

والجملة معترضة، وفي تقديم الجار إشارة إلى أن السعي والإتعاب يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم لا في النعيم الزائل.

وتسنيم علم لعين بعينها في الجنة من سنمه إذا رفعه لأنها أرفع شراب هناك، ولأنها تأتيهم من فوق على ما روي أنها تجري في الهواء متسنمة فتصب في أوانيهم، أو لأنها لكثرة مائها تعلو على كل شيء تمرّ به، أو يرى فيها ارتفاع وانخفاض.

والتركيب يدل على الارتفاع ومنه سنام البعير عن ابن عباس: أشرف شراب أهل الجنة هو التسنيم فالمقرّبون يشربونها صرفاً وتمزج لأصحاب اليمين.

فقال بعض أهل العرفان: وذلك أن المقرّبين السابقين لا يشتغلون إلا بمطالعة وجه الله الكريم، وأما أهل اليمين فإنه يكون شرابهم ممزوجاً لأن نظرهم تارة إلى الله وتارة إلى الخلق.

ثم حكى قبائح أفعال الكافرين على أن التكلم واقع في يوم القيامة بدليل قوله عقيبه ﴿ فاليوم ﴾ قال المفسرون: هم مشركو مكة أبو جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهما، كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبال وغيرهم من فقراء المؤمنين.

وقيل: جاء علي بن أبي طالب  في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه فنزلت هذه الآي قبل أن يصل علي كرم الله وجهه إلى النبي  .

والتغامز تفاعل من الغمز وهو الإشارة بالعين أو الحاجب أو الشفة، وأكثر ذلك إنما يكون على سبيل الخبث.

ومعنى ﴿ فكهين ﴾ متلذذين بذكرهم والسخرية منهم.

قوله ﴿ وما أرسلوا ﴾ حال معترضة إنكاراً من الله عليهم وتهكماً بهم أي ينسبون المسلمين إلى الضلال والحال أنهم لم يرسلوا على المسلمين موكلين بهم حافظين عليهم أحوالهم.

وجوز في الكشاف أن تكون المنفية من جملة قول الكفار فيكون إنكاراً لصدّهم إياهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام.

قلت: لو كان من جملة قولهم لكان الظاهر أن يقال: وما أرسلوا أي المسلمون علينا.

يروى أنه يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: اخرجوا إليها.

فإذا وصلوا إليها أغلق الباب دونهم يفعل ذلك بهم مراراً فيضحك المؤمنون منهم ناظرين إليهم على الأرائك.

ولا يخفى ما في هذا الإخبار والحكاية من تسلية المؤمنين وتثبيتهم على الإسلام والتصبر على متاعب التكاليف وأذية الأعداء في أيام معدودة لنيل ثواب لا نهاية له ولا غاية.

قال المبرد: ثوّب وأثاب بمعنى، وقد تستعمل الإثابة في الشر كالمجازاة، ويجوز أن يراد التهكم نحو ﴿ فبشرهم بعذاب  ﴾ وفي هذا القول مزيد غيظ وتوبيخ للكافرين ونوع سرور وتنفيس للمؤمنين.

ويحتمل أن يكون الاستفهام للتقرير أي هل قدرنا على الإثابة نحو ﴿ فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً  ﴾

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾ : ذكر الأبرار هاهنا مقابل الفجار في الأول، ثم بين الفجار أنهم المكذبون بيوم الدين، وذلك أول منازل الكفر، فإن أريد بالفجار: الكفار، أريد بالأبرار: الذين آمنوا؛ فلذلك قيل بأن الأبرار هم المؤمنون.

والبر هو الذي يكثر منه تعاطي فعل البر، فسمي: بارا؛ إذا كثر منه [البر]، والفاجر: هو الذي ثكر منه فعل الفجور؛ فجائز أن يكون الوعيد في الذين بلغوا في الفجور غايته، ويكون حكم من دونهم متروكا ذكره؛ فيوصل إلى معرفة حكمه بالاستدلال، ويكون الوعد في الذين أكثروا أفعال البر، ويكون حكم من دونهم معروفا بغيره من الأدلة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ : ذكر شهود المقربين في ذكر الكتاب الأبرار، ولم يذكر شهودهم عند ذكر كتاب الفجار، فجائز أن يكون شهودهم على التعظيم لعمله، والدعاء له، وغير ذلك.

وقيل: المقربون: هم مقربو أهل كل سماء.

وقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾ : البَرُّ هو الذي يبذل ما سئل عنه، ويجيب إلى ما جعي إليه، فإذا أجاب الله -  - فيما دعاه إليه من التوحيد، ووفى بأوامره، وانتهى عن مناهيه، فهو من الأبرار.

ثم ما ذكرنا يكون بوجهين: أحدهما: بالاعتقاد، وبتحقيقه بالفعل والمعاملة، فهذا قد وفى بما طلب منه قولا وفعلا؛ فيكون هذا ممن يقطع في القول باستيجاب الوعد المذكور للأبرار.

والثاني: أن يقوم بوفاء ما طلب منه اعتقادا، ولم يف ما اعتقده بفعله، فالحكم في مثله الوقف، ولا يقطع فيه القول باستيجاب الموعود، بل لله -  - أن يجازيه بما ضيع من حفظ حدوده بقدر ما وجد من التضييع ثم يلحقه بأهل كرامته، وله أن يعفوا عنه بفضله وسعة رحمته.

والفجور: هو الميل، والميل يكون بوجهين: أحدهما: بترك الاعتقاد والفعل جميعا.

و[الثاني:] ميل في المعاملة، وهو أن يخالف فعله عقده.

فالذي وجد منه الميل على الوجهين جميعا، يحل به ما أوعد لا محالة، وأما الذي خالف فعله عقده فإنه يوقف فيه، ولا يشهد أنه من جملة من يلحقهم الوعيد لا محالة.

قد ذكرنا أن البر إذا ذكر على الانفراد أريد به ما يراد بالتقوى جهة، وبالبر جهة، وذلك أن التقوى إذا أفرد اقتضى معنى البر، وإذا قرنا جميعا أريد بالتقوى جهة، وبالبر جهة، وذلك أن التقوى: هي أن يتقي المهالك، وذلك يكون بالإجابة إلى ما دعي إليه قولا وفعلا، والانتهاء عما نهي عنه قولا وفعلا، وهذا هو معنى البر أيضا، فإذا ذُكرا معاً أريد بالتقوى الاجتناب عن المحارم، وأريد بالبر إتيان المحاسن، وكذلك الإيمان، وإذا [ذكر] بالانفراد أريد به ما يقتضي الإسلام من المعنى والإيمان جميعا، وكذك الإسلام يقتضي معنى الإيمان إذا ذكر بالانفراد؛ لأن الإسلام هو أن يرى الأشياء كلها سالمة لله  ، لا يجعل لأحد فيها شركا، والإيمان أن يصدق الله -  - بأنه رب كل شيء، وإذا صدقت أنه رب كل شيء فقد جعلت [ما يقتضيه ظاهره من جعل] الأشياء كلها سالمة له؛ فهذا معنى قوله: إنه يراد بالإيمان إذا ذكر بالانفراد ما يراد بالإسلام، فإذا ذكرا معا أريد بالإسلام ما يقتضيه ظاهره من جعل الأشياء كلها سالمة [له]، وأريد بالإيمان ما يقتضيه ظاهره؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ...

﴾ الآية [الأحزاب: 35].

وكذلك الحكم في الخوف والرجاء إذا ذكر كل واحد من الحرفين مفردا، اقتضى كل واحد منهما معنى الآخر، وإذا ذكرا معا، إريد بكل واحد منهما ما يقتضيه ظاهره، ولم يصرف إ لى ما يراد بالآخر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَفِي نَعِيمٍ ﴾ : جائز أن يكون هذا في الآخرة، يصفهم أنهم أبدا في نعيم.

وجائز أن يكونوا في نعيم في الدنيا والآخرة معا؛ فيكونون في الدنيا في نعيم العقول دون نعيم الأبدان، وذلك أنهم يطعيون العقل فيما يدعوهم إليه؛ فيتنعمون بعقولهم، ولكن الذي تدعوهم إليه عقولهم ما تأبى أنفسهم الإجابة له، ويشتد عليها ذلك، فهم في نعيم العقول لا في نعيم الأبدان، ونعيم الآخرة نعيم البدن والعقل جميعا، فتتنعم أنفسهم وعقولهم، ولا يحلمون ما تأبى أنفسهم احتماله، قال الله -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً  ﴾ ، وقال -  -: ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً...

﴾ الآية [النحل: 97]؛ فثبت أنهم في الدنيا وفي الآخرة لقي نعيم.

وقوله -  -: ﴿ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ﴾ قد ذكرنا أن كل ماتتوق إليها الأنفس وتشتهى في الدنيا فعلى مثله جرت البشارة لأهل الجنة في الدنيا.

وذكر أن أهل اليمن كان إذا شرف قدر أحدهم وعلت رتبته في الدنيا، اتخذ لنفسه أريكة نسبت إليه؛ فيقال: هذه أريكة فلان، فجرت البشارة لأهلها بالأرائك؛ لما يرغب إلى مثلها في الدنيا، لا أن أرائكها شبيهة بالأرائك التي [تتخذ] في الدنيا؛ لأن أرائد الجنة مطهرة من الآفات التي هي آثار الفناء، لكنها ذكرت بهذا الاسم؛ لما لا وجه للوصول إلى تعريفها بغير اسمها المعتاد يما بين الخلق.

والأريكة: هي السرير في الحجال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَنظُرُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يقع النظر في الحجل، وذلك عند تلاقي الإخوان واجتماعهم على الشراب.

والنظر الثاني يكون إلى مملكته؛ فيكون ذلك خارجا من الحجال؛ على ما روي عن النبي  [أنه قال]: "إن الرجل من أهل الجنة ليرى جميع ما له بنظرة واحدة، وأقل ما يعطى الرجل مثل سعة الدنيا وعرضها" فذلك النظر يجاوز عما في الحجال؛ فيقع خارجا منها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ ﴾ ، أي: تعرف لو نظرت في وجوههم نضرة النعيم، فجائز أن تكون النضرة منصرفة إلى نفس الخلقة، وهو أنهم أنشئوا على خلقة لا تتغير، ولا تفنى، بل بهجة نضرة.

أو تكون نضارتهم بما أنعموما من النعيم.

ثم خصت الوجوه؛ لأن النظر من بعض إلى بعض يكون إلى الوجوه، لا إلى غيرها من الأعضاء؛ فخصت الوجوه بالذكر لهذا، لا أن تكون النضرة لها خصاة؛ بل النضرة تشتمل بائر البدن.

والثاني: أن السرور إذا اشتد في القلب أثر في الوجوه، وكذلك الحزن يؤثر في الوجه إذا اعترى في القلب؛ فيكون في ذكره نضرة الوجه إخبار عن غاية ما هم عليه من السرور.

وقوله: ﴿ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ ﴾ قال بعضهم: الرحيق: هو الخمر الذي لا عشق فيه، وهو أن يكون مطهرا من الآفات.

وقال بعضهم: هو شيء أعده الله -  - لأوليائه، لم يطلعهم على ما يتهيأ في الدنيا على ما قال: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ  ﴾ ، فهوشراب تقر به أعينهم مما أخفي لهم إلى الوقت الذي يشربونه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ ﴾ جائز أن يكون راجعا إلى حال الإناء الذي فيه الرحيق، وهو أنه مختوم لم تتناوله الأيدي، وكذلك ترى المرء في الدنيا يختم نفيس شرابه الذي في الإناء بالفدام في الدنيا، فيخبر أن ذلك الشراب في الإناء على الوجه الذي كانوا يؤثرونه في الدنيا، وأخبر أن ختامه بأنفس شيء عرفوه في الدنيا، وهو المسك، ليس كالختام في الدنيا؛ لأنهم يختمون أوانيهم في الدنيا بالشيء الرذل، وبما لا قدر له عندهم.

وجائز أن يكون منصرفا إلى الشاربين: أنهم لا يشربون أبداً، بل يكون له ختم ولكن لا تنقطع لذة الشراب عنهم؛ بل أبدا يجدون من ذلك ريح المسك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ ﴾ جائز أن يكون أراد به الشراب الذي وصفه في قوله: ﴿ رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ...

﴾ الآية.

والتنافس حرف يستعمل في الخيرات؛ كأنه يقول: فليرغبوا في الشراب الذي هذا وصفه، الذي [لا] غول فيه ولا هم ينزفون، لا في الشراب الذي يذهب بالعقول، ويضعف الأبدان، ويتلف الأموال.

أو فليتنافسوا في النعيم الذي وصف هاهنا، لا في النعيم الذي ينقطع ولا يدوم؛ فكأنه يقول: فليرغبوا فيما يعقب لهم النعيم الدائم والشراب الذي لا تنقطع لذته.

وقيل: ﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ ﴾ : ما بقي في الكأس من البقية يكون ذلك مسكا.

والتنافس إنما يكون في المسارعة في الخيرات، وترك الاتباع للشهوات، والانتهاء عن المعاصي، وهو كقوله: ﴿ لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ  ﴾ ، اي: فليكن عملهم بما يثمر لهم ما ذكر من النعيم، لا في الذي ينقطع، وتكون عقباه النار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ ﴾ ، قيل: التسنيم: شيء أعده الله -  - لأوليائه، لم يطلعهم عليه في الدنيا، وهو من قرة الأعين التي لا تعلمها الأنفس، فوصف مرة المزاج بالمسك، ومرة بالكافور بقوله: ﴿ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً  ﴾ ، ومرة أخبر أنه ممزوج بالتسنيم، ولم يبين ما التسنيم، والسنام: اسم ما ارتفع من الشيء؛ فيجوز أن يكون سمي: تسنيما؛ لأنه ينحدر إليهم من الأعلى، وأخبر أنه ممزوج بما إلى مثله ترغب الأنفس في الدنيا وتشتاق إليه؛ ألا ترى أن الشراب في الدنيا إذا كان ممزوجا فهو في القلوب أوقع، وتكون الأنفس إليه أرغب منه إذا كان غير ممزوج، فرغبوا بمثله في الآخرة.

وذكر بعض أهل التفسير أن المقربين يسقون من ذلك الشراب صرفا، ويمزج لغيرهم.

وقال الحسن: المزاج يكون للمقربين وغيرهم، وجعل الممزوج منه أشرف، على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ .

المقربون هم الذين يسارعون في الخيرات في الدنيا، فتركوا منى الأنفس، واتقوا المهالك والزلات، فهم المقربون، وأضاف التقريب إلى الغير؛ لأنهم بغيرهم ما وقفوا لاكتساب الخيرات، وعصموا عن ارتكاب المهالك والزلات، لا بأنفسهم؛ فنالوا فضل التقرب بما أجهدوا أنفسهم في الدنيا؛ للأمور التي ذكرنا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن المكثرين من الطاعات لفي نعيم دائم يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.WJEdK"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

سورة المطففين قيل مكية كما ذكر، وقيل مدنية، نزلت في حال أهل المدينة حين قدمها النبي  ، حيث كانوا أخبث الناس كيلًا كما رواه البيهقي وغيره عن ابن عباس.

(والمطففون) قد بينهم اللَّه في قوله: ﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ  ﴾ ، أي إذا كان لهم عند الناس في شىء يكال أو يوزن، وأرادوا أخذه منهم لا يأخذونه إلا تامًا كاملًا.

ولهذا عدى ﴿ اكْتَالُوا  ﴾ بعلى، فقال اكتالو عليهم ولم يقل منهم لأن؛ ما يأخذونه حق على الناس يستوفونه منهم ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ  ﴾ ، أي إذا كان للناس حق عندهم في مكيل أو موزون أعطوهم ذلك الحق مع النقص والخسار، ولما كان المعنى على الإعطاء، عدى (كال) إلى الضمير بدون حرف.

وقد يكون على حذف الجار والإيصال كما في قوله: ولقد جنيتك أكمؤًا وعساقلًا ولقد نهيتك عن بنات الآوبر أي جنيت لك، والأصل كالوا لهم.

والأكمؤ: جمع كمأة، وهي ما يعرف عند العامة الآن بعيش الغراب.

والعساقل ضرب منه أبيض، وقيل لونه بين البياض والحمرة.

وبنات الآوبر: ضرب منه كذلك رديء الطعم.

وإنما سمي من يبخس الكيل في حال ويملؤه أو يزيد عليه في حال مطففًا، لأنه يبلغ في كيله طفاف الكيل كسحاب أي ما يقرب من ملئه ولا يملأه في الحالة الأولى، ويبلغ الطفاف أو الطفافة بالضم -وهي ما فوق المكيال- في الحالة الثانية، ولأنه يطلب الغنى بشىء طفيف، وهو ما يأخذه من البخس إذا اكتال منك، ومن الزيادة إذا اكتال عليك.

وقد ذكر اللَّه في هذه السورة تفصيلًا لما أجمله في السورة السابقة، فقد جاء بنوع من أنواع الفجور، وهو التطفيف في المكيال، ثم جاء بنوع آخر وهو التكذيب بيوم الدين، وبمنشأ ذلك التكذيب وهو الاعتداء وملازمة الآثام، وأتبع ذلك بأثر من آثار التكذيب وهو دعوى أن آيات اللَّه في كتابه هي أساطير الأولين.

كل هذا بيان للفجور المؤدي بصاحبه إلى الجحيم، ثم زاد ما يلاقونه في الآخرة تفصيلًا من حيث ذكر أين يكون كتابهم، وذكر حجبهم عن ربهم، وما يقال لهم من قوارع التبكيت، وكذلك فصل في نعيم الأبرار ما أجمله في السورة المتقدمة كما ترى.

بعد أن قال: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ  ﴾ أي هلاك لهم عظيم ونكال ينتظرهم، قال: ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ  ﴾ أي إن تطفيف الكيل واختلاس مال الناس بوسيلة هذا العمل مما لا يصدر إلا عن شخص لا يظن أنه يبعث يوم القيامة، ويحاسب على عمله، ولو ظن البعث والحساب لما طفف ولا بخس الميزان.

ولهذا تنزل حالة المطفف منزلة حال من يجهل ظنه بالحياة الآخرة، فضلًا عن اعتقاده فيها، فيستفهم عنه، كما قال: إلا يظن أولئك أنهم مبعوثون لذلك اليوم العظيم، أي فيه؟

﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ ، أي يقفون للعرض عليه، ويطول بهم الموقف إعظامًا لجلاله وإجلالًا لمقامه جل شأنه.

واعتبار المطفف كأنه لا يظن سيبعث للقيام بين يدي ربه، وتنزيله منزلة المنكر للبعث، اعتبار حق لا يجادل فيه إلا مغرور باللَّه، أو جاهل بدينه، بل منكر لحقيقته.

وكيف يصر على إيذاء الناس والغض من حقهم من يظن بعض الظن أنه سيقوم بين يدي رب العالمين، وخالق الخلق أجمعين، القاهر الجبار، ليحاسب على النقير والقطمير والحبة والذرة ؟.

(كلا) لا يقيم على ذلك إلا منكر لما أوعد به، أو متأول فيها يدفع عنه العقاب وينجيه من الحساب، لا يبعد به تأوله عن منزلة المنكر، بل يسقطه مع صاحبه في النار وبئس القرار.

هذا ما ينذر اللَّه به المطففين الراضين بالقليل من السحت، فما ظنك بأولئك الذين يأكلون أموال الناس بلا كيل ولا وزن، بل يسلبونهم ما بأيديهم، ويغلبونهم على ثمار أعمالهم فيحرمونهم حق التمتع بها اعتمادًا على قوة الملك أو نفوذ السلطان، أو باستعمال طرق الحيلة؟

فهل يعد هؤلاء من الشاكين في يوم البعث، فضلًا عن الظانين أو الموقنين؟

لا ريب أن هؤلاء لا يحسبون إلا في عداد الجاحدين المنكرين، وإن زعموا بلسانهم أنهم من الموحدين المؤمنين.

يروى أن أعرابيًا قال لعبد الملك بن مروان: "سمعت ما قال اللَّه في المطففين"؟!

أراد بذلك أن قد حق الوعيد على المطفف على النحو الذي سمعت من التهويل والتعظيم، فما ظنك بنفسك وأنت تنهب وتسلب وتنتزع الأموال من أيدي أربابها بالقوة والقهر لا بالحيلة والخدعة، استعظامًا لقوتك، وغفلة عن جبروت اللَّه، وتكبرًا على الناس، ولا تكتفي من ذلك بالقليل كما هو شأن المطفف، ولا ترضى بما دون استئصال الأموال ومسح ما يبقى من غبارها بأيدي أهلها؟

فالويل كل الويل لك ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ .

قرىء (يوم يقوم) بالفتح والجر، وعلى الثاني هو بدل من يوم عظيم، وعلى الأول ظرفًا لـ (مبعوثون)، أو منصوبًا على الاختصاص، وهو ما نختاره لأن المقام له.

كلا ردع لهم عن التطفيف الذي يقترفونه لغفلتهم عن يوم الحساب، وضعف اعتقادهم به فإن ذلك غرور منهم لا يرجعون فيه إلى سند، وذلك أنهم بعلمهم هذا يعدون من الفجار، والفجار يحاسبون على أعمالهم لا يغفل منها شيء، فإن لهم كتابًا تحصى فيه أعمالهم خفيها وجليها، حقيرها وعظيمها، وذلك الكتاب يسمى بسجين وهو مرقوم، أي قد أُثبت فيه العلامات الدالة على الأعمال.

ويفهم من استعمال اللفظ في اللغة، ومن مقابلته بكتاب الأبرار الذي في عليين، أن فيه معنى التسفل، كما أن مقابله معنى التعلي، وقد رأيت في بعض كتب أهل البحث في اللغات أن الوحل يسمى في اللغة الأثيوبية سنجون (بالجيم العجمية مع إمالة في حركة الواو)، ولا يخفى ما في معنى الوحل من التسفل، وقد يكون هذا اللفظ من استعمال عرب اليمن، فإن فيها كثيرًا من الألفاظ الأثيوبية لكثرة المخالطة بينهم وبين أهل الحبشة، استعملوه فيما يقارب الوحل، فلا يبعد أن يقال إن الكتاب فيه أي أنه مكتوب به، أو على التصوير والتمثيل، أي إن الأعمال -لخبثها- تصور وتمثل كأنها مكتوبة به ويكون معنى كون الوحل وما يقاربه كتابًا مرقومًا، أن الأعمال بعد أن خطت به صار ذلك المداد القبيح كتابًا مرموقًا.

وعلى أن سجينًا اسم لما تحصى فيه الأعمال يجوز أن يكون لفظ (كتاب) الأول مصدرًا، أي أن كتبهم وإثبات أسمائهم وأعمالهم هو في ذلك الكتاب الذي هو كالسجل لتلك الأسماء والأعمال، ويقال كتب اللَّه فلانًا في الأشقياء أو في السعداء، أي أدرج اسمه بين أسمائهم فيما قد لهم، فكذلك يقال كتب الفجار في سجين، أي أودع أسماءهم فيه مقرونة إلى أعمالهم.

ويجوز أن يكون كتاب بمعنى المكتوب، ومعنى كونه في سجين أن سجينًا هو ذلك السجل العام المسمى بسجين.

﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ  ﴾ إعادة للوعيد الأول في قوله ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ  ﴾ بعبارة أدل على عظم الجرم وأعم تشمل تلك الجريمة وغيرها، وذلك أنه قال في المطففين ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ  لِيَوْمٍ عَظِيمٍ  ﴾ ليبين أن الإصرار على ذلك العمل القبيح يدل على ارتفاع الظن بالبعث، ثم أعاد الوعيد بلفظ المكذبين الذي يشمل أولئك المطففين وغيرهم، وهو الذين يكذبون بيوم الدين، أي يوم الجزاء، سواء كان التكذيب بجحد الخبر به مباشرة أو كان بعدم المبالاة بما يكون فيه من عقاب وعذاب.

وعدم المبالاة هو التكذيب المستبطن في النفس الذي تجري عليه في أعمالها، وإن كانت لا تظهره في أقوالها، وأعظم دليل على عدم المبالاة هو الإصرار على الجرائم، والمداومة على اقتراف السيئات.

ولهذا جعل الاعتداء والإثم مناط التكذيب في قوله ﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ  ﴾ ، فإن من كان ميالًا إلى العدل في خلائقه وأفعاله، واقفًا عندما حدد اللَّه لعباده في شرائعه وسننه، لا يعتدي حدو النصفة، فأيسر شيء عليه التصديق باليوم الآخر، وهو أعون له على ما مال إليه، أما من اعتدى الحق، وعمي عن الإنصاف، واعتاد ارتكاب الآثام وإتيان ما فيه الغض من حقوق الناس والإضرار بهم والإخلال بنظامهم فذلك الذي يصعب، بل يكاد يمتنع عليه الإذعان بأخبار الآخرة، لأنه يأبى النظر في أدلتها وتدبر البينات القائمة على صدقها، لأن في ذلك قضاء على نفسه بالسفه، وحكما عليها بالظلم -ذلك فيما مضى لها- ثم فيه تخويف لها من ارتكاب مثل عملها فيما يستقبل، وهي جامحة طامحة، فهو لا يريد إلا أن يعللها بالإنكار، ويهون عليها الأمر بالتغافل أو التعلق بالأماني، من نصرة الأولياء، أو توسط الشفعاء.

فلذلك إذا تليت عليه الآيات المنزلة الناطقة بأصدق الخبر عما يكون في ذلك اليوم مما لا مفر منه ﴿ قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ  ﴾ .

والأساطير أحاديث لا نظام لها، أي ذلك كلام مكرر الحكاية، يؤثره الآخر عن الأول، والخلف عن السلف، ولكنه ما لاينطبق على الواقع، فهو مما تعودت النفوس سماعه وتعودت سماعه وتعودت ألا تتأثر منه وألا تحلى منه بطائل، فلا يستحق النظر فيه.

هكذا حال القوم يتلى عليهم كتاب اللَّه، وفيه ما ينعى عليهم حالهم ويكشف لهم ما لبسوا على أنفسهم، وبينّ لهم سيئات أعمالهم، فيقولون هذا مفهوم ولكن من ذا الذي يعمل به؟

ولم لم يعمل فلان وفلان حتى كنا نسلك مسلكهم، ونستقيم على طريقهم؟

فهؤلاء واصفون لكتاب اللَّه بأنه أساطير الأولين، وإن لم ينطقوا باللفظ الدال على الوصف ليعللوا أنفسهم بأنهم مسلمون، وأنهم مع فجورهم ناجون.

(كلا) إن هذه الآيات ليست بأساطير تسطر، وأقاصيص تحكى، وتؤثر وتعاد وتكرر بدون حقيقة ولا أثر، بل هي الحق الذي لا مراء فيه، عرفه منها أهل العدل المتعرضون للرحمة والفضل، وإنما الذي غطى قلوب المكذبين، وحجبها عن فهم ما جاءت به الآيات، تلك الملكات الرديئة، والعادات السيئة والأعمال الخبيثة التي كانوا يكسبونها.

وران على قلبه: أي ركبه وغطاه، ومعنى رين الذنب وركوبه القلب حتى يحجبه عن الفهم هو ما ذكرناه لك من أن المسيء الذي ضربت نفسه بالقبيح يسعى جهده في البعد عن كل ما يكدر صفوه، فهو يعرض عن كل ما يجد فيه تهجينًا لعمله، أو تخويفًا من عاقبة فعله.

وهل يغنيهم هذا العمى من الحق شيئًا؟

(كلا) إنهم سيكونون يوم القيامة في المكان الدون، وموقف الهون، و ﴿ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ  ﴾ .

ولا يحجب عن الرب الكريم إلا المخذول المرذول، الذليل المهين ﴿ ثُمَّ إِنَّهُمْ  ﴾ -بعد أن يطردوا عن أبواب الكرامة- يقذف بهم حيث لا يلقون إلا الأسف والندامة، يقذف بهم في الجحيم يصلونها ويقاسون حرها ﴿ ثُمَّ يُقَالُ  ﴾ لهم ﴿ هَذَا  ﴾ هو العذاب ﴿ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ  ﴾ ، تبكيتًا لهم، وزيادة في التنكيل بهم، فإن أشد شيء على الإنسان إذا أصابه مكروه أن يذكر -وهو يتألم له- بأن وسائل النجاة من مصابه كانت بين يديه فأهملها، وأسباب التفصي عنه كانت في مكنته فأغفلها.

(كلا) ردع عن التكذيب المذكور في قوله: ﴿ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ  ﴾ ، وإنما يجب تجنبه طلبًا للكرامة في ملازمة التصديق الذي هو ضده، فإن كتاب الأبرار في عليين إلخ.

وقد بينا في السور السابقة معنى (الأبرار)، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات المفصلة في السور والآيات، فهؤلاء لا يضيع عمل عامل منهم، بل كل ما عمله فقد أحصاه اللَّه في كتاب مرقوم، اسمه عليون.

والكلام على لفظ كتاب الأول كالكلام عليه فيما سبق، وقد رأيت عن بعض الباحثين في اللغات الشرقية أن لفظ علوًا في اللغة الأثيوبية (الحبشية القديمة) معناه النقش باللون الأحمر، فإن لم يكن العليون من العلو فمن الجائز أن اللفظ دخل في لغة أهل اليمن وعرب الجنوب على معنى الزينة، ثم أطلق على كل مزين لطيف، وقد يدل على ذلك تخالف البناء والوزن مع ما هو من معنى العلو.

وهذه الكتب التي تكتب فيها أعمال المجرمين أو أعمال الأبرار مما استأثر اللَّه بعلم حقيقته، "فسجين" و "عليون" موجودان، أودعهما اللَّه أعمال الخاسرين والناجين وليس علينا أن نعرف أنها من أوراق أو أخشاب أو معادن أخر، أو من أرواح غير أجسام، كل ذلك مما لا حاجة إلى البحث فيه لاستكمال الإيمان، وقد يكشفه اللَّه للمصطفين من عباده.

ولهذا قال ﴿ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ  ﴾ وجاء بهذه الصفة ليدل بها على أنه أمر محقق الثبوت، حتى أن المقرب ليشهده شهود العيان إذا وصل من القرب إلى الحد الذي يكشف له فيه ذلك الكتاب وأمثاله.

ولما كان المقصود من شهود المقربين هو ما ذكرنا واللَّه أعلم، ظهر وجه ذكر هذه الصفة في جانب كتاب الأبرار، وعدم ذكر مثلها في جانب كتاب الفجار، لأن الفجار لا يشهدهم اللَّه كتبهم وكتب غيرهم لتسفل أرواحهم وتدنسها بأوضار الفجور، فأنَّى يكون لها الاطلاع إلى غيب لا تدنو منه إلا النفوس العالية، والعقول الصافية.

وقيل المراد بالقربين الملائكة، وعليه لا يظهر تخصيص كتاب الأبرار بذلك، فإن كتاب الفجار مشهود لهم كذلك.

بعد أن أكد الخبر بإحصاء أعمال الأبرار، وأن إحصاءها في كتاب رفيع مكرم جليل، أخذ يفصل ما ينالونه من الجزاء على البر والإحسان فقال: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ  ﴾ .

والنعيم والنعمى والنعماء والنعمة كله الخفض والدعة، وما فيه لذة وراحة وليس فيه ألم وعناء، وهو ضد البأساء والبؤس.

و ﴿ الْأَرَائِكِ  ﴾ هي الأسرة في الحجال، والحجال جمع حجلة مثل القبة، وحجلة العروس بيت -أي خيمة- يزين بالثياب والأسرة والستور.

وقوله: ﴿ يَنْظُرُونَ  ﴾ أي يمدون أعينهم إلى ما شاءوا، لا يغضى الخري من أبصارهم.

و(نضرة النعيم) بهجته وماؤه ورونقه.

و(الرحيق) الشراب الخالص الذي لا غش فيه، وهو قول الزجاج، وقيل هو أعتق الخمر وأفضلها، وقيل هو صفوتها، وهي معان كلها متقاربة.

و(مختوم) ختمت أوانيه وسدت، وكان ختامها المسك مكان الطينة.

وقيل المراد من (ختامه)، مقطعه بعد الشرب، أي أن الشارب يجد منه رائحة المسك بعد أن يشربه، ولا يجد تلك الرائحة الخبيثة التي يجدها شارب الخمر.

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ  ﴾ ، أي في ذلك النعيم وما تلاه يرغب الراغبون، ويسبق بعضهم بعضًا إليه بالأعمال التي تقرب منه.

وهذه الجملة معترضة ذكرها عقب أنواع النعيم المتقدمة قبل أن يأتي على بقية أوصاف الرحيق، إسراعًا إليك بالترغيب في التسابق إلى ما عد من أنواع السعادة، وقد يعود اسم الإشارة في ذلك إلى الرحيق المختوم، تمييزًا له من بين أنواع النعيم السابقة بالترغيب فيه، والجملة اعتراض على كل حال، وكل نوعين اختلطا فأحدهما مزج صاحبه ومزاجه.

فبعد أن قال: ﴿ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ  خِتَامُهُ مِسْكٌ  ﴾ بيّن ما يمزج بذلك الرحيق إذا رغب راغب أن يمزجه بشيء، ودل على أن مزاجه يكون من التسنيم: وهو ماء يأتي من الأعالي واسمه التسنيم، ليطابق الاسم مسماه، ثم زاده بيانًا بقوله: ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ  ﴾ .

فعينًا منصوب على الاختصاص بالمدح، وفيه من البيان ما لا يخفى.

﴿ يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ  ﴾ أي يشربون بها الرحيق مزاجًا له إذا أرادوا.

و(المقربون) هم الأبرار بعينهم، ذكرهم بهذا الوصف زيادة في تكريمهم.

كل هذه الأنواع من النعيم التي ذكرت في الآيات مما ترغب فيه الأنفس، وتتسابق إليه الهمم، لهذا حفز اللَّه بها عزائم المحسنين ليزدادوا إحسانًا، وليطمع فيها الواقف على أول الطريق، فليزم الجادة الواضحة، ويدع المعوجة الملتبسة، ويسلك سبيل السابقين، وليرد بها من جار على النهج ويقيمه على الصراط المستقيم.

هذا والمفهوم منها ما يشبه ما نحن فيه، فما ظنك بها لو كانت أرقى وأكمل، وأعلى وأفضل وأنه لا يدانيها شيء مما نعهده في الدنيا إلا في الاسم، أو ضرب من الشبه البعيد، كما هو حقيقة أمرها والحق في شأنها؟!

بعد أن ذكر ما أوعد به (الفجار) وهو أهل الجرائم ومقترفو السيئات، وما وعد به (المتقون) وهو أهل البر والإحسان، وما سيلاقيه كل من الفريقين في الدار الآخرة جزاء على عمله -أخذ يذكر ما كان لأحد الفريقين إلى الآخرة في الدنيا، وما سيكون من شأن الفريق الآخر مع الفريق الأول في الآخرة، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا  ﴾ وهو المعتدون الأثمة، الذين شريت نفوسهم في الشر، وصمت آذانهم عن سماع دعوة الحق، هؤلاء كانوا يضحكون من الذين آمنوا، ذلك لأنه حين رحم اللَّه هذا العالم ببعثه النبي  كان كبار القوم وعرفاؤهم على رأي الدهماء وفي ضلال العامة، وكانت دعوة الحق خافتة لا يرتفع بها إلا صوته  ، ثم يهمس بها بعض من يلبيه ويجيب دعوته من الضعفاء الذين لم تطمس أهواؤهم سبيل الحق إلى قلوبهم، فيسر بها إلى من يرجوه، ولا يستطيع الجهر بها لمن يخافه.

ومن شأن القوي المستعز بالقدرة والكثرة أن يضحك ممن يخالفه في المنزع، ويدعوه إلى غير ما يعرفه وهو أضعف منه قوة وأقل عددًا.

كذلك كان شأن جماعة من قريش -كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم- وهكذا يكون شأن أمثالهم في كل زمان متى عمت البدع وتفرقت الشيع، وخفي طريق الحق بين طرق الباطل، وجهل معنى الدين، وأزهقت روحه من عباراته وأساليبه، ولم يبق إلا ظواهر لا تطابقها البواطن، وحركات أركان لا تشايعها السرائر، وتحكمت الشهوات فلم تبق رغبة تحدو بالناس إلى العمل إلا ما تعلق بالطعام والشراب والزينة والرياش والمناصب والألقاب، وتشبثت الهمم بالمجد الكاذب، وأحب كل واحد أن يحمد لما لم يفعل، وذهب الناقص يستكمل ما نقص منه بتنقيص الكامل، واستوى في ذلك الكبير والصغير، والأمير والمأمور، والجاهل والملقب بلقب العالم -إذا صار الناس إلى هذه الحال، ضعف صوت الحق، وأزدرى السامعون منهم بالداعي إليه، وانطبق عليهم نص الآية الكريمة ﴿ وَإِذَا مَرُّوا  ﴾ بأحد من أهل الحق يغمز بعضهم بعضًا هزوءًا به.

وإذا انقلب هؤلاء الضالون إلى أهلهم، ورجعوا إلى بيوتهم، ورجعوا إليهم فكهين متلذين بحكاية ما يعيبون به أهل الإيمان، إذ يرمونهم بالسخافة وقلة العقل، كأن يقولوا: عجبًا!

هذا فلان يقول لا تدعوا إلا إلهًا واحدًا، ولا تتوجهوا بالطلب فيما يفوق طاقتكم إلا إلى اللَّه وحده خالق السموات والأرض، فأين الأولياء والشفعاء؟

وكم فعلوا وتركوا، وضروا ونفعوا، وهو ينكر جميع ذلك، كأن الناس جميعًا في ضلال وهو وحده يعرف الحق!

.

.

ونحو ذلك مما يعدونه فكاهة يتلذذون بحكايته.

وإذا رأوا المؤمنين قالوا: إن هؤلاء لضالون، لأنهم طرحوا ما عليه العامة وذهبوا يعيبون العقائد والأعمال المتوارثة عن الآباء والأجداد.

﴿ وَمَا أُرْسِلُوا  ﴾ : أي لم يرسل المؤمنون الصادقون الداعون إلى الحق لأن يكونوا ﴿ حَافِظِينَ  ﴾ عليهم، أي على الكافرين والمبتدعين المجرمين، أي لم يمنحهم اللَّه تلك المزية وهي: أن يكونوا رقباء عليهم، يعظونهم ويدعونهم إلى الخير وهجر الشر، فليسوا ملزمين بسماع دعوتهم والإصاخة لأدلتهم، فجملة (وما أرسلوا) وهي من كلام الذين أجرموا، حجدًا لحق المؤمنين في وعظهم وإرشادهم.

ذلك ما كان من معاملة المجرمين للمؤمنين في الدنيا: يهزأون بهم، ويضحكون منهم، ويجعلونهم أحاديث لهو ولغو -فانظر ما تكون معاملة المؤمنين لهم يوم القيامة.

(فاليوم) أي يوم الدين والجزاء ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ  ﴾ ، لا ضحك الجاهل المغرور، بل ضحك الموقن المسرور، ضحك من وصل به يقينه إلى مشاهدة الحق فسر به.

انكشف لهم بالعيان ما كانوا يرجونه من إكرام اللَّه لهم، وخذلانه لأعدائهم، فسروا بذلك وضحكوا من أولئك المغرورين الجحدة الذين تجلت لهم عاقبة أعمالهم، وظهر لهم سفه عقولهم وفساد أقوالهم فنكست أعناقهم لخزيهم وذلهم، فما أعظم مجد المؤمنين في ذلك اليوم!

﴿ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ  ﴾ إلى صنع اللَّه بأعدائهم، وتذليله لمن كان يفخر عليهم، وتنكيله بمن كان يهزأ بهم جزاء وفاقًا!

فجملة (هل ثوب) متعلقة بينظرون، ليتحققوا: هلى جوزي الكفار ما كانوا يفعلونه بهم في الدنيا؟

(وثوب) -مثل أثاب- بمعنى جازى.

يقع في الخير وفي الشر، وإن كان قد غلب الثواب في الخير أي: هلى جوزي الكفار إلخ، ويجوز أن يكون استئنافًا واستفهامًا تقريريًا، كأنه خطاب للمؤمنين.

أي: هل رأيتم كيف جازى اللَّه الكافرين بأعمالهم؟

أي أنه فعل وجازاهم شر الجزاء وأنتم تعلمون ذلك.

والأول أظهر كما لا يخفى.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل