تفسير الآية ١٦ من سورة العلق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 96 العلق > الآية ١٦ من سورة العلق

نَاصِيَةٍۢ كَـٰذِبَةٍ خَاطِئَةٍۢ ١٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 26 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٦ من سورة العلق من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة العلق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال "ناصية كاذبة خاطئة" يعني ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها خاطئة في أفعالها.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ) فخفض ناصية ردّا على الناصية الأولى بالتكرير، ووصف الناصية بالكذب والخطيئة، والمعنى لصاحبها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم قال على البدل : ناصية كاذبة خاطئة أي ناصية أبي جهل كاذبة في قولها ، خاطئة في فعلها .

والخاطئ معاقب مأخوذ .

والمخطئ غير مأخوذ .

ووصف الناصية بالكاذبة الخاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله تعالى : إلى ربها ناظرة .

وقيل : أي صاحبها كاذب خاطئ ; كما يقال : نهاره صائم ، وليله قائم ; أي هو صائم في نهاره ، ثم قائم في ليله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فإنها { نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ } أي: كاذبة في قولها، خاطئة في فعلها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم قال على البدل : ( ناصية كاذبة خاطئة ) أي صاحبها كاذب خاطئ ، قال ابن عباس : لما نهى أبو جهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة انتهره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال أبو جهل أتنهرني [ يا محمد لقد علمت ما بها أكثر ناديا مني ؟

ثم قال ] : فوالله لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ناصية» بدل نكرة من معرفة «كاذبة خاطئة» وصفها بذلك مجازًا والمراد صاحبها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أرأيت أعجب مِن طغيان هذا الرجل (وهو أبو جهل) الذي ينهى عبدًا لنا إذا صلَّى لربه (وهو محمد صلى الله عليه وسلم)؟

أرأيت إن كان المنهي عن الصلاة على الهدى فكيف ينهاه؟

أو إن كان آمرًا غيره بالتقوى أينهاه عن ذلك؟

أرأيت إن كذَّب هذا الناهي بما يُدعى إليه، وأعرض عنه، ألم يعلم بأن الله يرى كل ما يفعل؟

ليس الأمر كما يزعم أبو جهل، لئن لم يرجع هذا عن شقاقه وأذاه لنأخذنَّ بمقدَّم رأسه أخذًا عنيفًا، ويُطرح في النار، ناصيته ناصية كاذبة في مقالها، خاطئة في أفعالها.

فليُحْضِر هذا الطاغية أهل ناديه الذين يستنصر بهم، سندعو ملائكة العذاب.

ليس الأمر على ما يظن أبو جهل، إنه لن ينالك -أيها الرسول- بسوء، فلا تطعه فيما دعاك إليه مِن تَرْك الصلاة، واسجد لربك واقترب منه بالتحبب إليه بطاعته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ) بدل من الناصية ، وجاز إبدال النكرة من المعرفة ، لأن النكرة قد وصفت ، فاستقلت بالفائدة .وخاطئة : اسم فاعل من خطئ فلان - كعلم - فهو خاطئ وهو الذى يأتى الذنب متعمدا ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة مبالغة فى تعمد هذا الإِنسان الارتكاب المنكر ، على حد قولهم : نهار صائم ، أى : صائم صاحبه ، ولأن الناصية هى مظهر الغرور والكبرياء .أى : لئن لم ينته هذا الفاجر المغرور عن كفره .

.

لنذلنه إذلالا شديدا .

.

ولنسحبنه إلى النار من ناصيته التى طالما كذبت بالحق ، وتعمدت ارتكاب المنكر .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ففيه مسألتان: المسألة الأولى: المقصود من الآية التهديد بالحشر والنشر، والمعنى أنه تعالى عالم بجميع المعلومات حكيم لا يهمل، عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فلابد وأن يوصل جزاء كل أحد إليه بتمامه فيكون هذا تخويفاً شديداً للعصاة، وترغيباً عظيماً لأهل الطاعة.

المسألة الثانية: هذه الآية وإن نزلت في حق أبي جهل فكل من نهى من طاعة الله فهو شريك أبي جهل في هذا الوعيد، ولا يرد عليه المنع من الصلاة في الدار المغصوبة والأوقات المكروهة، لأن المنهي عنه غير الصلاة وهو المعصية، ولا يرد المولى بمنع عبده عن قيام الليل وصوم التطوع وزوجته عن الاعتكاف، لأن ذلك لاستيفاء مصلحته بإذن ربه لا بغضاً لعبادة ربه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عن ابن عباس ومجاهد: هي أول سورة نزلت وأكثر المفسرين على أن الفاتحة أول ما نزل ثم سورة القلم.

محل ﴿ باسم رَبّكَ ﴾ النصب على الحال، أي: اقرأ مفتتحاً باسم ربك، قل: بسم الله، ثم اقرأ.

فإن قلت: كيف قال: ﴿ خَلَقَ ﴾ فلم يذكر له مفعولاً، ثم قال: ﴿ خَلَقَ الإنسان ﴾ ؟

قلت: هو على وجهين: إما أن لا يقدّر له مفعول وأن يراد أنه الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه.

وإما أن يقدّر ويراد خلق كل شيء، فيتناول كل مخلوق، لأنه مطلق، فليس بعض المخلوقات أولى بتقديره من بعض.

وقوله: ﴿ خَلَقَ الإنسان ﴾ تخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله الخلق؛ لأن التنزيل إليه وهو أشرف ما على الأرض.

ويجوز أن يراد: الذي خلق الإنسان، كما قال: ﴿ الرحمن عَلَّمَ القرءان خَلَقَ الإنسان ﴾ [الرحمن: 1- 2- 3] فقيل: ﴿ الذى خَلَقَ ﴾ مبهماً، ثم فسره بقوله: ﴿ خَلَقَ الإنسان ﴾ تفخيماً لخلق الإنسان.

ودلالة على عجيب فطرته.

فإن قلت: لم قال ﴿ مِنْ عَلَقٍ ﴾ على الجمع، وإنما خلق من علقة، كقوله: ﴿ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ﴾ ؟

[غافر: 67] قلت: لأن الإنسان في معنى الجمع، كقوله: ﴿ إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ ﴾ [العصر: 2] .

﴿ الأكرم ﴾ الذي له الكمال في زيادة كرمه على كل كرم، ينعم على عباده النعم التي لا تحصى، ويحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه وركوبهم المناهي وإطراحهم الأوامر، ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم، فما لكرمه غاية ولا أمد، وكأنه ليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرم، حيث قال: الأكرم ﴿ الأكرم الذى عَلَّمَ بالقلم (4) عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾ فدلّ على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلاّ هو، وما دوّنت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلاّ بالكتابة؛ ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا؛ ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ولطيف تدبيره ودليل إلاّ أمر القلم والخط، لكفى به.

ولبعضهم في صفة القلم: وَرَوَاقِمُ رُقْشٍ كَمِثْلِ أَرَاقِم ** قُطْفِ الْخُطَا نَيَّالَةٍ أَقْصَى المُدَى سُودِ الْقَوَائِمِ مَا يَجِدُّ مِسِيرُهَا ** إلاَّ إذَا لَعِبَتْ بِهَا بِيضُ المُدَى وقرأ ابن الزبير: ﴿ علم الخط بالقلم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ لِلنّاهِي.

﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ ﴾ عَمّا هو فِيهِ.

﴿ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ ﴾ لَنَأْخُذَنْ بِناصِيَتِهِ ولَنَسْحَبَنَّهُ بِها إلى النّارِ، والسَّفْعُ القَبْضُ عَلى الشَّيْءِ وجَذْبُهُ بِشِدَّةٍ، وقُرِئَ لنَسْفَعَنَّ بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ و «لَأسْفَعَنَّ»، وكِتابَتُهُ في المُصْحَفِ بِالألِفِ عَلى حُكْمِ الوَقْفِ والِاكْتِفاءِ بِاللّامِ عَنِ الإضافَةِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ المُرادَ ناصِيَةُ المَذْكُورِ.

﴿ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ﴾ بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ وإنَّما جازَ لِوَصْفِها، وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى هي ناصِيَةٌ والنَّصْبِ عَلى الذَّمِّ ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ، وهْمًا لِصاحِبِها عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ لِلْمُبالَغَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{نَاصِيَةٍ} بدل من الناصية لأنها وصفت بالكذب والخطأ بقوله {كاذبة خاطئة} على الإسناد المجازي وهما لصاحبها حقيقة وفيه من الحسن والجزالة ما ليس في قولك ناصية كاذب خاطئ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ناصِيَةٍ ﴾ بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ وجازَ إبْدالُها عَنِ المَعْرِفَةِ وهي نَكِرَةٌ لِأنَّها وُصِفَتْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ﴾ فاسْتَقَلَّتْ بِالإفادَةِ، وقَدْ ذَكَرَ البَصْرِيُّونَ أنَّهُ يُشْتَرَطُ لِإبْدالِ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ الإفادَةُ لا غَيْرَ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّها تُبْدَلُ مِنها بِشَرْطَيْنِ؛ اتِّحادِ اللَّفْظِ ووَصْفِ النَّكِرَةِ، ولِيَشْمَلَ بِظاهِرِهِ كُلَّ ناصِيَةٍ هَذِهِ صِفَتُها وهَذا مِمّا يَتَأتّى عَلى سائِرِ المَذاهِبِ، ووَصْفُ النّاصِيَةِ بِما ذُكِرَ مَعَ أنَّهُ صِفَةُ صاحِبِها لِلْمُبالَغَةِ حَيْثُ يَدُلُّ عَلى وصْفِهِ بِالكَذِبِ والخَطَأِ بِطَرِيقِ الأوْلى، ويُفِيدُ أنَّهُ لِشِدَّةِ كَذِبِهِ وخَطَئِهِ كَأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ يُكَذِّبُ ويَخْطَأُ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ ﴾ وقَوْلِهِمْ: وجْهُها يَصِفُ الجَمالَ.

فالإسْنادُ مَجازِيٌّ مِن إسْنادِ ما لِلْكُلِّ إلى الجُزْءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: «ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً» بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ عَلى الشَّتْمِ، والكِسائِيُّ في رِوايَةٍ بِرَفْعِها؛ أيْ: هي ناصِيَةٌ إلَخْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: كَلَّا يعني: حقاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى يعني: الكافر ليعصي الله.

ويقال: يرفع منزلة نفسه أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى يعني: إن رأى نفسه مستغنياً عن الله تعالى، مثل أبي جهل وأصحابه، ومثل فرعون حيث ادعى الربوبية.

قال أبو الليث رحمه الله: حدثنا أبو جعفر بن عوف، عن الأعمش، عن القاسم قال: قال عبد الله بن مسعود-  : منهومان لا يشبعان، طالب العلم وطالب الدنيا، ولا يستويان أما طالب العلم، فيزداد رضا الله وأما طالب الدنيا، فيزداد في الطغيان ثم قال: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى.

ثم قال: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى يعني: المرجع إلى الله تعالى يوم القيامة، ويقال: معناه رجوع الخلائق كلهم بعد الموت إلى الله تعالى، فيحاسبون ويجازون، فريق في الجنة، وفريق فى السعير.

قوله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى وذلك أن النبيّ  ، كان إذا صلى في المسجد، رفع صوته بالقراءة، فلغطوا ورموه بالحجارة، فخفض صوته في الصلاتين الظهر والعصر، إذا حضروا.

وأما صلاة المغرب، اشتغلوا بالعشاء وصلاة العشاء ناموا، وصلاة الفجر لم يقوموا، فرفع في هذا، فصار سنة إلى اليوم فنزل أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى ويقال: إن أبا جهل بن هشام قال: لئن رأيت محمداً  يصلي، لأطانّ عنقه فنزل أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى يعني: ألم تر أن هذا الكافر، ينهى عبد الله عن الصلاة، وهو محمد  .

ثم قال: أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى يعني: محمدا  ، إن كان على الإسلام أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى يعني: التوحيد.

ثم قال: أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى يعني: إِنْ كَذَّبَ بالتوحيد وَتَوَلَّى عن الإسلام أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى أفعاله فيجازيه، وهذا جواب لجميع ما تقدم من قوله أَرَأَيْتَ ويقال في الآية إضمار وهو قوله: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى يعني: بهذا الذي يصنع، ويؤذي محمدا  ، أليس هو على ضلالة، أليس هو قد نهى عن الصلاة والخيرات أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى يعني: أرأيت أيها الناهي، إن كان المصلي على الهدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى يعني: بالتوحيد، واجتناب المعاصي، فينهاه عن ذلك.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ العَلَقِ وَتُسَمّى: سُورَةَ القَلَمِ، وسُورَةَ العَلَقِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَهِيَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.

وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ عَلَيْهِ في أوَّلِ الوَحْيِ خَمْسُ آياتٍ مِنها، ثُمَّ نَزَلَ باقِيها في أبِي جَهْلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ في الحَرْفَيْنِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ والباءُ زائِدَةٌ.

وَقالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: اذْكُرِ اسْمَهُ مُسْتَفْتِحًا بِهِ قِراءَتَكَ.

وإنَّما قالَ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ ﴾ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهُ الخالِقُ دُونَ أصْنامِهِمْ.

والإنْسانُ هاهُنا: ابْنُ آدَمَ.

والعَلَقُ: جَمْعُ عَلَقَةٍ، وقَدْ بَيَّنّاها في سُورَةِ " الحَجِّ " قالَ الفَرّاءُ: لَمّا كانَ الإنْسانُ في مَعْنى الجَمْعِ جَمَعَ العَلَقَ مَعَ مُشاكَلَةِ رُؤُوسِ الآياتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ ﴾ قالَ الخَطّابِيُّ: الأكْرَمُ: الَّذِي لا يُوازِيهِ كَرَمٌ، ولا يُعادِلُهُ في الكَرَمِ نَظِيرٌ.

وقَدْ يَكُونُ الأكْرَمُ بِمَعْنى الكَرِيمِ، كَما جاءَ الأعَزُّ والأطْوَلُ بِمَعْنى العَزِيزِ والطَّوِيلِ.

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الكَرِيمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ ﴾ أيْ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ ﴿ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ﴾ مِنَ الخَطِّ، والصَّنائِعِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ  .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ يرى ﴾ .

أكّد الردع الأول بحرف الردع الثاني في آخر الجملة وهو المَوْقع الحقيق لِحرف الردع إذْ كان تقديم نظيره في أول الجملة، لِما دعا إليه لمقام من التشويق.

﴿ كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بالناصية * نَاصِيَةٍ ﴾ .

أعقب الردع بالوعيد على فعله إذا لم يرتدع وينته عنه.

واللام موطئة للقسم، وجملة «لنسفَعَنْ» جواب القسم، وأما جواب الشرط فمحذوف دل عليه جواب القَسَم.

والسفْع: القبض الشديد بجَذْب.

والناصية مقدَّم شعر الرأس، والأخذ من الناصية أخذُ من لا يُترك له تَمَكُّنٌ من الانفلات فهو كناية عن أخذه إلى العذاب، وفيه إذلال لأنهم كانوا لا يقبضون على شعر رأس أحد إلاّ لضربه أو جرّه.

وأكدَ ذلك السفع بالباء المزيدة الداخلة على المفعول لتأكيد اللصوق.

والنون نون التوكيد الخفيفة التي يكثر دخولها في القسم المثبَت، وكتبت في المصحف ألِفاً رعياً للنطق لها في الوقف لأن أواخر الكلِم أكثر ما ترسم على مراعاة النطق في الوقف.

والتعريف في «الناصية» للعهد التقديري، أي بناصيته، أي ناصية الذي ينهى عبداً إذا صلى وهذه اللام هي التي يسميها نحاة الكوفة عوضاً عن المضاف إليه.

وهي تسمية حسنة وإن أباها البصريون فقدروا في مثله متعلِّقاً لمدخول اللام.

و ﴿ ناصية ﴾ بدل من الناصية وتنكيرها لاعتبار الجنس، أي هي من جنس ناصية كاذبة خاطئة.

و ﴿ خاطئة ﴾ اسم فاعل من خَطِئ من باب عَلِم، إذا فعل خطيئَة، أيْ ذنْباً، ووصفُ الناصية بالكاذبة والخاطئة مجاز عقلي.

والمراد: كاذب صاحبُها خاطِئ صاحبها، أي آثم.

ومُحَسِّن هذا المجازَ أنّ فيه تخييلاً بأن الكذب والخِطءَ بَاديان من ناصيته فكانت الناصية جديرة بالسفع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ العَلَقِ قَوْلُهُ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ رُوِيَ عَنْ عَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ  أوَّلَ ما أتاهُ بِنَمَطٍ فَغَطَّهُ فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: واَللَّهِ ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّهُ ثُمَّ قالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: واَللَّهِ ما أنا بِقارِئٍ فَغَطَّهُ غَطًّا شَدِيدًا ثُمَّ قالَ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ » أيِ اسْتَفْتِحْ قِراءَتَكَ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وإنَّما قالَ الَّذِي خَلَقَ لِأنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تَعْبُدُ آلِهَةً لَيْسَ فِيهِمْ خالِقٌ غَيْرُهُ تَعالى، فَمَيَّزَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ لِيَزُولَ عَنْهُ الِالتِباسُ.

«رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ثُمَّ بَعْدَها ﴿ ن والقَلَمِ ﴾ ثُمَّ بَعْدَها ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ ثُمَّ بَعْدَها ﴿ والضُّحى ﴾ » .

﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ ﴾ يُرِيدُ بِالإنْسانِ جِنْسَ النّاسِ كُلِّهِمْ، خُلِقُوا مِن عَلَقٍ بَعْدَ النُّطْفَةِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، والعَلَقَةُ قِطْعَةٌ مِن دَمٍ رَطْبٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَعْلَقُ لِرُطُوبَتِها بِما تَمُرُّ عَلَيْهِ، فَإذا جَفَّتْ لَمْ تَكُنْ عَلَقَةً، قالَ الشّاعِرُ تَرَكْناهُ يَخِرُّ عَلى يَدَيْهِ يَمُجُّ عَلَيْهِما عَلَقَ الوَتِينِ وَيَحْتَمِلُ مُرادُهُ بِذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُبَيِّنَ قَدْرَ نِعْمَتِهِ عَلى الإنْسانِ بِأنَّ خَلَقَهُ مِن عَلَقَةٍ مَهِيئَةٍ حَتّى صارَ بَشَرًا سَوِيًّا وعاقِلًا مُتَمَيِّزًا.

الثّانِي: أنَّهُ كَما نُقِلَ الإنْسانُ مِن حالٍ إلى حالٍ حَتّى اسْتَكْمَلَ، كَذَلِكَ نَقْلُكَ مِنَ الجَهالَةِ إلى النُّبُوَّةِ حَتّى تَسْتَكْمِلَ مَحَلَّها.

﴿ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ ﴾ أيِ الكَرِيمُ.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: اقْرَأْ بِأنَّ رَبَّكَ هو الأكْرَمُ، لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ما تَقَدَّمَ مِن نِعَمِهِ دَلَّ بِها عَلى نِعْمَةِ كَرَمِهِ.

قالَ إبْراهِيمُ بْنُ عِيسى اليَشْكَرِيُّ: مِن كَرَمِهِ أنْ يَرْزُقَ عَبْدَهُ وهو يَعْبُدُ غَيْرَهُ.

﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ ﴾ أيْ عَلِّمِ الكاتِبَ أنْ يَكْتُبَ بِالقَلَمِ، وسُمِّيَ قَلَمًا لَأنَّهُ يُقَلَّمُ أيْ يُقْطَعُ، ومِنهُ تَقْلِيمُ الظُّفْرِ.

وَرَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى أرْبَعَةَ أشْياءَ بِيَدِهِ ثُمَّ قالَ لِسائِرِ الخَلْقِ: كُنْ، فَكانَ، القَلَمَ والعَرْشَ وجَنَّةَ عَدْنٍ وآدَمَ.

وَفِيمَن عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن كَتَبَ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.

الثّانِي: إدْرِيسُ وهو أوَّلُ مَن كَتَبَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ كُلَّ مَن كَتَبَ بِالقَلَمِ لِأنَّهُ ما عَلِمَ إلّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ لَهُ، وجَمَعَ بِذَلِكَ بَيْنَ نِعْمَتِهِ تَعالى عَلَيْهِ في خَلْقِهِ وبَيْنَ نِعْمَتِهِ تَعالى عَلَيْهِ في تَعْلِيمِهِ اسْتِكْمالًا لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِ.

﴿ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الخَطُّ بِالقَلَمِ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: عَلَّمَهُ كُلَّ صُنْعِهِ عَلِمَها فَتَعَلَّمَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: عَلَّمَهُ مِن حالِهِ في ابْتِداءِ خَلْقِهِ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى خَلْقِهِ وأنْ يَنْقُلَهُ مِن بَعْدُ عَلى إرادَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾ ) (١) قال الكلبي: كاذبة على الله مشركة (٢) وقال أبو إسحاق: ناصية بدل من الناصية، المعنى: لنسفعًا بناصية (٣) (٤) قال ابن عباس: لما نهى أبو جهل رسول الله -  - (عن) (٥)  - (٦) (٧) (١) ما بين القوسين من قول مقاتل: "فتح القدير" 5/ 470.

(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٣) في (أ): (بناصيته).

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 345.

(٥) في (ع): (من).

(٦) ساقط من (ع).

(٧) في (أ): (أدباً).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى * أَوْ أَمَرَ بالتقوى ﴾ أرأيت في الموضوع الذي قبله والذي بعده بمعنى: أخبرني؛ فكأنه سؤال يفتقر إلى جواب وفيها معنى التعجيب والتوقيف والخطاب فيها يحتمل أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل مخاطب من غير تعيين، وهي تتعدى إلى مفعولين وجاءت بعدها إن الشرطة في موضعين وهما قوله: ﴿ إِن كَانَ على الهدى ﴾ وقوله: ﴿ إِن كَذَّبَ وتولى ﴾ فيحتاج إلى كلام في مفعولي أرأيت في المواضع الثلاثة، وفي جواب الشرطين وفي الضمائر المتصلة بهذه الأفعال، وهي إن كان على الهدى، وأمر بالتقوى وكذب وتولى، على من تعود هذه الضمائر؟

فقال الزمخشري: إن قوله الذي ينهى هو المفعول الأول لقوله: أرأيت الأولى وأن الجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد فهو زائدة لا تحتاج إلى مفعول وإن قوله: ألم يعلم بأن الله يرى هو جواب قوله: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى للذي نهى عن الصلاة وهو أبو جهل، وكذلك الضمير في قوله إن كذب وتولى وتقديره الكلام على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبداً إذا صلى، إن كان هذا الناهي على الهدى أو كذب وتولى؟

ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله من هداه وضلاله وتكذيبه ونهيه عن الصلاة وغير ذلك؟

فمقصود الآية تهديد له وزجر وإعلام بأن الله يراه.

وخالفه ابن عطية في الضمائر فقال: إن الضمير في قوله: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: إن كذب وتولى للذي نهى عن الصلاة، وخالفه أيضاً في جعله أرأيت الثانية مكررة للتأكيد وقال: إنها في المواضع الثلاثة توقيف وأن جوابه في المواضع الثلاثة قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى ﴾ يصلح مع كل مع واحد منها، ولكنه جاء في آخر الكلام اختصاراً.

وخالفهما أيضاً الغزنوي في الجواب فقال: إن جواب قوله: إن كان على الهدى محذوف فقال: إن تقديره إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أليس هو على الحق واتباعه واجب، والضمير على هذا يعود على العبد الذي صلى وفاقاً لابن عطية.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ﴾ : ذكر أهل التأويل أن هذه السورة أول سورة نزلت على رسول الله  ، وأول وحي أوحي إليه.

وقيل: غير هذه هي الأولى.

ثم الإشكال أنه أمره بأن يقرأ باسم ربك الذي خلق، وحق هذا ونحوه إذا قيل له: اقرأ، أو افعل: ألا يقول مثل ما قيل له: اقرأ أو افعل؛ لأنه أمر في الظاهر إنما يكون عليه الائتمار بذلك، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ  ﴾ ، و [، ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ  ﴾ ، و ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ  ﴾ ، و ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ  ﴾ ] وكذلك على هذا قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ...

 ﴾ وأمثال ذلك، يجب ألا يقول هو مثل ما قيل: له: ﴿ قُلْ ﴾ ، أو: ﴿ ٱقْرَأْ ﴾ ، ولكن يقول: "يا أيها الكافرون"، ويقول: "هو الله أحد"، "أعوذ برب الفلق"، "أعذوب برب الناس"، هذا هو وجه الكلام ومعناه.

وجوابه أنه يحتمل وجوها: أحدها: [أنه] أريد بهذا أن يكون قرآنا يقرأ هكذا في حق القراءة يبقى، ويثبت في المصاحف إلى آخر الدهر؛ ليعلم كيف قيل لرسول الله؟

وكيف أوحي إليه؟

وأنه لم يترك مما قيل له حرفا واحدا؛ ليكون حجة لرسالته وآية لنبوته، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون كذلك على خلاف المفهوم من كلام الناس؛ لئلا يكون المفهوم من وحي السماء والمنزل منها كخطاب بعض بعضا، ولكن خلاف [المفهوم] منه.

والثاني: أن يكون الخطاب منه لكل أحد، ومن كل أحد لآخر، خطاب جبريل -  - رسول الله  به، وأمره أن يقرأ، ثم يأمر رسول الله  غيره بذلك، وذلك الغير يقول لآخر كذلك؛ فيكون الخطاب منه لكل أحد، ومن كل أحد لآخر، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ﴾ يحتمل أن يريد به [أي]: افتتح القراءة باسم ربك على ما جعل افتتاح كل شيء باسم الرب -  - لينال بركة ذلك فيه.

والثاني: أن يكون ما ذكر على اثر اسم ربه، وهو تفسير اسم ربه؛ حيث قال: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ ؛ فيكون هذا تفسيرا لما ذكر من اسم ربه.

أو يكون قوله: ﴿ بِٱسْمِ رَبِّكَ ﴾ كما يقال: "أسألك باسمك الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت"، وذلك الاسم مكتوم بين أسمائه.

ثم قوله: ﴿ بِٱسْمِ رَبِّكَ ﴾ يخرج إضافته إليه مخرج التعظيم لرسول الله  ، وخصوصيته له؛ على ما ذكرنا إن إضافة خاصية الأشياء إلى الله -  - تخرج مخرج تعظيم ذلك الخاص، من ذلك قوله: [ ﴿ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ  ﴾ ] و ﴿ نَاقَةُ ٱللَّهِ  ﴾ ، ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ  ﴾ ، ونحو ذلك من إافة خاصية الأشياء إليه؛ وإضاضفة كلية الاشياء إلى الله -  - تخرج مخرج تعظيم الرب والمحمدة له، نحو قوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، و ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، و ﴿ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ .

ثم لا يجوز إضافة الخاص الذي لا خصوصية ظهرت له إلى الله -  - لا يجوز أن يقال: يا رب زيد، ويا رب عمرو، ونحو ذلك؛ إنما يجوز ذلك فيمن ظهرت له خصوصية [و] فضل من الأنبياء والرسل والملائكة، عليهم السلام، والبقاع والأمكنة التي ظهرت لها خصوصية وفضل؛ ليكون ذلك تعظيما لها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ : العلق: الدم الجامد، [ثم قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ ] أراد به كل إنسان، و ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ كذلك؛ ليعلم أن الاسم الفرد [إذا دخله] لام التعريف أريد به العموم، وهو كقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ  ﴾ .

ثم في الآية دلالة على إبطال قول من يدعي طهارة النطفة؛ بعلة أن الإنسان خلق منها؛ فإنه أخبر أنه خلق الإنسان من علق، نسب خلق الإنسان إليه، ولا شك أن العلق نجس، ثم أخبر أنه خلق الإنسان منه؛ فعلى ذلك جائز أن تكون النطفة التي منها يخلق الإنسان نجسة، وذلك غير مستحيل.

ثم أضاف [خلقه مرة أخرى إلى] الأحوال التي قلب منها، حيث قال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، وأضاف هاهنا إلى حالة واحدة، وهي العلقة التي ذكر، وإن لم يكن الإنسان في الحقيقة مخلوقا من العلقة والنطفة والتراب الذي ذكر؛ لأن هذه [الأسماء] أسامي هذه الأشياء باعتبار خاصيات فيها، وتلك الخاصيات تنعدم باعتراض حال أخرى عليها، وإنما يخلق الإنسان من المضغة وإنما خلق الإنسان منه، ونسبه إلى ما ذكر؛ لما أن الإنسان هو المقصود من [خلق ذلك، وهو النهاية التي ينتهي إليها، فذكر بالذي ينتهي إليه من] الغاية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ ﴾ : ذكر ﴿ ٱلأَكْرَمُ ﴾ ؛ ليعلم أن اختياره واصطفاءه لرسالته ونبوته، وتعليم القرآن ابتداء إحسان من [إليه] وتفضل عليه، لا بحق له عليه؛ إذا ذكر في موضع المنة والفضل والكرم؛ إذ الأكرم هو الوصف لغاية الكرم؛ كلأعلم وصف بإحاطة العلم وكماله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ .

جعل الله -  - القلم سببا به يحفظ، وبه يثبت، وبه يوصل إلى حفظ ما يحخاف فوته ونسيانه من أمر دينهم ودنياهم، ما لو لم يكن القلم، لم يستقم أمر دينهم ولا دنياهم.

ثم قوله: ﴿ عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ ﴾ ، أي: علم الخط والكتابة بالقلم.

وكذا ذكر في حرف ابن مسعود وأبي وحفصة -  م -: (علم الخط بالقلم).

ثم أضاف التعليم بالقلم إلى نفسه.

وكذلك قوله: ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ ؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون أضاف ذلك إلى نفسه؛ لما يخلق منهم فعل تعلمهم.

ويحتمل إضافته إليه؛ للأسباب التي جعلها لهم في التعليم، [والله أعلم].

ثم ذلك التعليم بالقلم لأمته، لا لرسول الله  ؛ لأنه علم أياه بلا كناية ولا خط؛ حيث قال: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ  ﴾ ، ثم في تعليم رسول الله  بلا قلم ولا كتابة آية عظيمة لرسالته، حيث جعله بحال يحفظ بقلبه بلا إثبات، ولا كتابة، ولا خط يخطه.

ثم قوله: ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ يحتلم رسول الله  ؛ لقوله: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً  ﴾ ، وكقوله: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ  ﴾ .

ويحتمل [قوله]: ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ : كل إنسان؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً  ﴾ .

وقوله - عز جل -: ﴿ كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ ﴾ : طغى بالغنى، أي: تكبر، وافتخر بما رأى نفسه غنية، وعلى هذا ما روي في الخبر [من] التعوذ من غنى يطغي، وفقر ينسي؛ لأن الغنى يحمل على التكبر والافتخار، والطغيان هو المجاوزة عن الحد والتعدي فيه، والفقر المنسي: هو المجهد الذي ينسي غيره من النعم، أعني: ينسي غير المال من صحة البدن والعقل والعلم ونحو ذلك.

وقوله: ﴿ كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ ﴾ ، ليس هذا وصف ذلك الكافر بعينه على ما ذكره أهل التأويل -: أبي جهل لعنه الله - ولكن كل كافر يطغى؛ إن رأى نفسه غنية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ ﴾ : أي: المرجع كذا قال أبو عبيد.

وقال غيره: الرجوع.

ثم يحتمل قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ ﴾ ، أي: المرجع للكل إلى ما أعد لهم: أعد للكافر النار، وللمؤمن الجنة؛ على ما ذكر في الآية.

وجائز أن يكون إخبارا عن رجوع الكل إليه.

ثم قوله: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ﴾ ، أريد به إنسان دون إنسان؛ إذ لم يطغ كل إنسان، ولا يخلف يقع في خبر الله  ؛ فكأن المراد منه: البعض؛ ليعلم أن الفهم بظاهر الخطاب والعموم ليس بواجب، ولكن على حسب قيام الدليل على المراد منهز وفيه أن المراد منه قد يكون مبينا مقرونا به، وقد يكون مطلوبا غير مقرون به.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

صاحب تلك الناصية كاذب في القول خاطئ في الفعل.

<div class="verse-tafsir" id="91.yxv9w"

مزيد من التفاسير لسورة العلق

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله