الإسلام > القرآن > سور > سورة 96 العلق > الآية ٤ من سورة العلق
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 103 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤ من سورة العلق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وفي الأثر قيدوا العلم بالكتابة وفيه أيضا من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يكن يعلم.
( الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) خَلْقَهُ للكتابة والخط.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) قرأ حتى بلغ ( عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) قال: القلم: نعمة من الله عظيمة، لولا ذلك لم يقم، ولم يصلح عيش.
وقيل: إن هذه أوّل سورة نـزلت في القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك: حدثني أحمد بن عثمان البصري، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، &; 24-520 &; قال: سمعت النعمان بن راشد يقول عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة أنها قالت كان أوّل ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة؛ كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان بغار حراء يتحنَّث فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ثم يرجع إلى أهله فيتزوّد لمثلها، حتى فجأه الحق، فأتاه، فقال: يا محمد أنت رسول الله، قال رسول الله: " فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتيَّ وأنا قائِمٌ، ثُمَّ رَجَعْتُ تَرْجُفُ بَوَادِرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلى خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، حتى ذَهَبَ عنِّي الرَّوْعُ، ثُمَّ أتانِي فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنا جِبْرِيُل وأنْتَ رَسُولُ اللهِ، قال: فَلَقَدْ هَمَمْت أنْ أطْرَحَ نَفسِي مِنْ حالِقٍ [مِنْ جَبَلٍ ] ، فَتَمَثَّل إليَّ حِينَ هَمَمْتُ بذلكَ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنا جِبْرِيلُ، وأنْتَ رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قالَ: اقْرأ، قُلْتُ: ما أقْرأ؟
قال: فأخَذَنِي فَغطَّنِي ثَلاثَ مَرَّاتٍ، حتى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ قالَ: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) فَقَرأتُ، فأتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقَلْتُ: لَقَدْ أشْفَقْتُ عَلى نَفْسِي، فأخْبَرْتُها خَبرِي، فَقالَتْ: أبْشِرْ، فَوَاللهِ لا يُخْزِيكَ الله أبدًا، وَوَاللهِ إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتُؤَدِّي الأمانَةَ، وَتحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ عَلى نَوَائِبِ الْحَقّ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِي إلى وَرَقَةَ بنِ نَوْفَل بنِ أسَدٍ، قالَتْ: اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أخِيكَ، فَسأَلنِي، فأخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقالَ: هَذا النَّامُوسُ الَّذِي أُنـزلَ عَلَى مُوسَى صَلى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ، لَيْتَنِي فِيها جَذَعٌ، لَيْتَنِي أكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، قُلْتُ: أوَ مُخْرِجيَّ هُمْ؟
قال: نَعَمْ، إنَّهُ لَمْ يَجِئ رَجُلٌ قَطّ بِمَا جِئْتَ بِهِ، إلا عُودِيَ، وَلَئِنْ أدْرَكَنِي يَوْمُك أنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ كانَ أوَّل ما نـزلَ عَليَّ مِنَ القُرْآنِ بَعْدَ( اقرأ ) : ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ و يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى فَجَثَوْتُ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: ثني عروة أن عائشة أخبرته، وذكر نحوه، غير أنه لم يقل: فَجَثَوْتُ ل ما أنـزل عليّ من القرآن...
الكلام إلى آخره.
حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا سليمان الشيباني، قال: ثنا عبد الله بن شدّاد، قال: أتى جبريل محمدا، فقال: يا محمد اقرأ، فقال: &; 24-521 &; فَجَثَوْتُ قال: فضمه، ثم قال: يا محمد اقرأ، قال: " وما اقرأ؟" قال: ( بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) حتى بلغ ( عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ).
قال: فجاء إلى خديجة، فقال: " يا خديجة ما أراه إلا قد عرض لي"، قالت: كلا والله ما كان ربك يفعل ذلك بك، وما أتيت فاحشة قطّ؛ قال: فأتت خديجة ورقة فأخبرته الخبر، قال: لئن كنت صادقة إن زوجك لنبيّ، ولَيَلْقَينّ من أمته شدة، ولئن أدركته لأومننّ به، قال: ثم أبطأ عليه جبريل، فقالت له خديجة: ما أرى ربك إلا قد قلاك، فأنـزل الله: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى .
حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، قال: ثنا سفيان، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة- قال إبراهيم: قال سفيان: حفظه لنا ابن إسحاق- إن أوّل شيء أُنـزل من القرآن: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ).
حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري، قال: ثنا سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن الزهريّ عن عروة، عن عائشة، أن أوّل سورة أُنـزلت من القرآن ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ).
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن عُبيد بن عُمير، قال: أوّل سورة نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ).
قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال.
ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت عُبيد بن عُمير يقول، فذكر نحوه.
حدثنا خلاد بن أسلم، قال.
أخبرنا النضر بن شميل، قال: ثنا قرّة، قال: أخبرنا أبو رجاء العُطارديّ، قال: كنا في المسجد الجامع، ومقرئنا أبو موسى الأشعري ، كأني أنظر إليه بين بُردين أبيضين؛ قال أبو رجاء: عنه أخذت هذه السورة: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) وكانت أوّل سورة نـزلت على محمد.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: أوّل سورة نـزلت من القرآن ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ).
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن بن مهدي، قالا ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: أوّل ما نـزل من القرآن: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) وزاد ابن مهدي: و ن وَالْقَلَمِ .
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت عُبيد بن عُمير يقول: أوّل ما أنـزل من القرآن ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ).
قال ثنا وكيع، عن قُرّة بن خالد، عن أبي رجاء العُطارديّ، قال: إني لأنظر إلى أبي موسى وهو يقرأ القرآن في مسجد البصرة، وعليه بُردان أبيضان، فأنا أخذت منه ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) ، وهي أوّل سورة أنـزلت على محمد صلى الله عليه وسلم.
قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: إن أوّل سورة أُنـزلت: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ).
ثم ن وَالْقَلَمِ .
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
قوله تعالى : الذي علم بالقلم فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : الذي علم بالقلم يعني الخط والكتابة ; أي علم الإنسان الخط بالقلم .
وروى سعيد عن قتادة قال : القلم نعمة من الله تعالى عظيمة ، لولا ذلك لم يقم دين ، ولم يصلح عيش .
فدل على كمال كرمه سبحانه ، بأنه علم عباده ما لم يعلموا ، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم ، ونبه على فضل علم الكتابة ، لما فيه من المنافع العظيمة ، التي لا يحيط بها إلا هو .
وما دونت العلوم ، ولا قيدت الحكم ، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم ، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة ; ولولا هي ما استقامت أمور الدين والدنيا .
وسمي قلما لأنه يقلم ; أي يقطع ، ومنه تقليم الظفر .
وقال بعض الشعراء المحدثين يصف القلم :[ ص: 108 ] فكأنه والحبر يخضب رأسه شيخ لوصل خريدة يتصنع لم لا ألاحظه بعين جلالةوبه إلى الله الصحائف ترفعوعن عبد الله بن عمر قال : يا رسول الله ، أأكتب ما أسمع منك من الحديث ؟
قال : " نعم فاكتب ، فإن الله علم بالقلم " .
وروى مجاهد عن أبي عمر قال : خلق الله - عز وجل - أربعة أشياء بيده ، ثم قال لسائر الحيوان : كن فكان : القلم ، والعرش ، وجنة عدن ، وآدم - عليه السلام - .
وفيمن علمه بالقلم ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه آدم - عليه السلام - ; لأنه أول من كتب ، قاله كعب الأحبار .
الثاني : أنه إدريس ، وهو أول من كتب .
قاله الضحاك .
الثالث : أنه أدخل كل من كتب بالقلم ; لأنه ما علم إلا بتعليم الله سبحانه ، وجمع بذلك نعمته عليه في خلقه ، وبين نعمته عليه في تعليمه ; استكمالا للنعمة عليه .الثانية : صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة ، قال : لما خلق الله الخلق كتب في كتابه - فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي تغلب غضبي .
وثبت عنه - عليه السلام - أنه قال : أول ما خلق الله : القلم ، فقال له : اكتب ، فكتب ما يكون إلى يوم القيامة ، فهو عنده في الذكر فوق عرشه .وفي الصحيح من حديث ابن مسعود : أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة ، بعث الله إليها ملكا فصورها ، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ، ثم يقول ، يا رب ، أذكر أم أنثى ؟
فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول : يا رب أجله ، فيقول ربك ما شاء ، ويكتب الملك ، ثم يقول يا رب رزقه ، فيقضي ربك ما شاء ، ويكتب الملك ، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده ، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص ، وقال تعالى : إن عليكم لحافظين كراما كاتبين .قال علماؤنا : فالأقلام في الأصل ثلاثة : القلم الأول : الذي خلقه الله بيده ، وأمره أن يكتب .
والقلم الثاني : أقلام الملائكة ، جعلها الله بأيديهم يكتبون بها المقادير والكوائن والأعمال .
والقلم الثالث : أقلام الناس ، جعلها الله بأيديهم ، يكتبون بها كلامهم ، ويصلون بها مآربهم .
وفي الكتابة فضائل جمة .
والكتابة من جملة البيان ، والبيان مما اختص به الآدمي .[ ص: 109 ] الثالثة : قال علماؤنا : كانت العرب أقل الخلق معرفة بالكتاب ، وأقل العرب معرفة به المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ; صرف عن علمه ; ليكون ذلك أثبت لمعجزته ، وأقوى في حجته ، وقد مضى هذا مبينا في سورة ( العنكبوت ) .
وروى حماد بن سلمة عن الزبير بن عبد السلام ، عن أيوب بن عبد الله الفهري ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تسكنوا نساءكم الغرف ، ولا تعلموهن الكتابة " .قال علماؤنا : وإنما حذرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لأن في إسكانهن الغرف تطلعا إلى الرجل ; وليس في ذلك تحصين لهن ولا تستر .
وذلك أنهن لا يملكن أنفسهن حتى يشرفن على الرجل ; فتحدث الفتنة والبلاء ; فحذرهم أن يجعلوا لهن غرفا ذريعة إلى الفتنة .
وهو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ليس للنساء خير لهن من ألا يراهن الرجال ، ولا يرين الرجال " .
وذلك أنها خلقت من الرجل ، فنهمتها في الرجل ، والرجل خلقت فيه الشهوة ، وجعلت سكنا له ، فغير مأمون كل واحد منهما في صاحبه .
وكذلك تعليم الكتابة ربما كانت سببا للفتنة ، وذلك إذا علمت الكتابة كتبت إلى من تهوى .
والكتابة عين من العيون ، بها يبصر الشاهد الغائب ، والخط هو آثار يده .
وفي ذلك تعبير عن الضمير بما لا ينطلق به اللسان ، فهو أبلغ من اللسان .
فأحب رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن ينقطع عنهن أسباب الفتنة ; تحصينا لهن ، وطهارة لقلوبهن .
الذي من كرمه أن علم بالعلم و { عَلَّمَ بِالْقَلَمِ}
"الذي علم بالقلم"، يعني الخط والكتابة.
«الذي علم» الخط «بالقلم» وأول من خط به إدريس عليه السلام.
اقرأ -أيها النبي- ما أُنزل إليك من القرآن مُفْتَتِحًا باسم ربك المتفرد بالخلق، الذي خلق كل إنسان من قطعة دم غليظ أحمر.
اقرأ -أيها النبي- ما أُنزل إليك، وإن ربك لكثير الإحسان واسع الجود، الذي علَّم خلقه الكتابة بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يكن يعلم، ونقله من ظلمة الجهل إلى نور العلم.
وقوله - تعالى - : ( الذى عَلَّمَ بالقلم ) أى : علم الإنسان الكتابة بالقلم ، ولم يكن له علم بها ، فاستطاع عن طريقها أن يتفاهم مع غيره ، وأن يضبط العلوم والمعارف ، وأن يعرف أخبار الماضين وأحوالهم ، وأن يتخاطب بها مع الذين بينه وبينهم المسافات الطويلة .ومفعولا " علَّم " محذوفان ، دل عليهما قوله ( بالقلم ) أى : علم ناسا التكابة بالقلم .وتخصيص هذه الصفة بالذكر ، للإِيماء إلى إزالة ما قد يخطر بباله صلى الله عليه وسلم من تعذر الراءة بالنسبة له ، لجهله بالكتابة ، فكأنه - تعالى - يقول له : إن من علم غيرك القراءة والكتابة بالقلم ، قادر على تعليمك القراءة وأنت لا تعرف الكتابة ، ليكون ذلك من معجزاتك الدالة على صدقك ، وكفاك بالعلم فى الأمة معجزة .
ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم: اقرأ أولاً لنفسك، والثاني للتبليغ أو الأول للتعلم من جبريل والثاني للتعليم أو اقرأ في صلاتك، والثاني خارج صلاتك.
المسألة الثانية: الكرم إفادة ما ينبغي لا لعوض، فمن يهب السكين ممن يقتل به نفسه فهو ليس بكريم، ومن أعطى ثم طلب عوضاً فهو ليس بكريم، وليس يجب أن يكون العوض عيناً بل المدح والثواب والتخلص عن المذمة كله عوض، ولهذا قال أصحابنا: إنه تعالى يستحيل أن يفعل فعلاً لغرض لأنه لو فعل فعلاً لغرض لكان حصول ذلك الغرض أولى له من لا حصوله، فحينئذ يستفيد بفعل ذلك الشيء حصول تلك الأولوية، ولو لم يفعل ذلك الفعل لما كان يحصل له تلك الأولوية، فيكون ناقصاً بذاته مستكملاً بغيره وذلك محال، ثم ذكروا في بيان أكرميته تعالى وجوهاً أحدها: أنه كم من كريم يحلم وقت الجناية، لكنه لا يبقى إحسانه على الوجه الذي كان قبل الجناية، وهو تعالى أكرم لأنه يزيد بإحسانه بعد الجناية، ومنه قول القائل: متى زدت تقصيراً تزد لي تفضلاً *** كأني بالتقصير أستوجب الفضلا وثانيها: إنك كريم لكن ربك أكرم وكيف لا وكل كريم ينال بكرمه نفعاً إما مدحاً أو ثواباً أو يدفع ضرراً.
أما أنا فالأكرم إذ لا أفعله إلا لمحض الكرم.
وثالثها: أنه الأكرم لأن له الابتداء في كل كرم وإحسان وكرمه غير مشوب بالتقصير.
ورابعها: يحتمل أن يكون هذا حثاً على القراءة أي هذا الأكرم لأنه يجازيك بكل حرف عشراً أو حثاً على الإخلاص، أي لا تقرأ لطمع ولكن لأجلي ودع عليَّ أمرك فأنا أكرم من أن لا أعطيك ما لا يخطر ببالك، ويحتمل أن المعنى تجرد لدعوة الخلق ولا تخف أحداً فأنا أكرم من أن آمرك بهذا التكليف الشاق ثم لا أنصرك.
المسألة الثالثة: أنه سبحانه وصف نفسه بأنه: خلق الإنسان من علق وثانياً بأنه علقة وهي بالقلم، ولا مناسبة في الظاهر بين الأمرين، لكن التحقيق أن أول أحوال الإنسان كونه علقة وهي أخس الأشياء وآخر أمره هو صيرورته عالماً بحقائق الأشياء، وهو أشرف مراتب المخلوقات فكأنه تعالى يقول: انتقلت من أخس المراتب إلى أعلى المراتب فلابد لك من مدبر مقدر ينقلك من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة الشريفة، ثم فيه تنبيه على أن العلم أشرف الصفات الإنسانية، كأنه تعالى يقول: الإيجاد والإحياء والإقدار والرزق كرم وربوبية، أما الأكرم هو الذي أعطاك العلم لأن العلم هو النهاية في الشرف.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ باسم رَبّكَ الذي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ ﴾ إشارة إلى الدلالة العقلية الدالة على كمال القدرة والحكمة والعلم والرحمة، وقوله: ﴿ الذى عَلَّمَّ بالقلم ﴾ إشارة إلى الأحكام المكتوبة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالسمع، فالأول كأنه إشارة إلى معرفة الربوبية والثاني إلى النبوة، وقدم الأول على الثاني تنبيهاً على أن معرفة الربوبية غنية عن النبوة، وأما النبوة فإنها محتاجة إلى معرفة الربوبية.
المسألة الخامسة: في قوله: ﴿ عَلَّمَ بالقلم ﴾ وجهان: أحدهما: أن المراد من القلم الكتابة التي تعرف بها الأمور الغائبة، وجعل القلم كناية عنها والثاني: أن المراد علم الإنسان الكتاب بالقلم وكلا القولين متقارب، إذ المراد التنبيه على فضيلة الكتابة، يروى أن سليمان عليه السلام سأل عفريتاً عن الكلام، فقال: ريح لا يبقى، قال: فما قيده، قال: الكتابة، فالقلم صياد يصيد العلوم يبكي ويضحك، بركوعه تسجد الأنام، وبحركته تبقى العلوم على مر الليالي والأيام، نظيره قول زكريا: ﴿ إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً ﴾ أخفى وأسمع فكذا القلم لا ينطق ثم يسمع الشرق والغرب، فسبحانه من قادر بسوادها جعل الدين منوراً، كما أنه جعلك بالسواد مبصراً، فالقلم قوام الإنسان والإنسان قوام العين، ولا تقل القلم نائب اللسان، فإن القلم ينوب عن اللسان واللسان لا ينوب عن القلم، التراب طهور، ولو إلى عشر حجج، والقلم بدل (عن اللسان) ولو (بعث) إلى المشرق والمغرب.
<div class="verse-tafsir"
عن ابن عباس ومجاهد: هي أول سورة نزلت وأكثر المفسرين على أن الفاتحة أول ما نزل ثم سورة القلم.
محل ﴿ باسم رَبّكَ ﴾ النصب على الحال، أي: اقرأ مفتتحاً باسم ربك، قل: بسم الله، ثم اقرأ.
فإن قلت: كيف قال: ﴿ خَلَقَ ﴾ فلم يذكر له مفعولاً، ثم قال: ﴿ خَلَقَ الإنسان ﴾ ؟
قلت: هو على وجهين: إما أن لا يقدّر له مفعول وأن يراد أنه الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه.
وإما أن يقدّر ويراد خلق كل شيء، فيتناول كل مخلوق، لأنه مطلق، فليس بعض المخلوقات أولى بتقديره من بعض.
وقوله: ﴿ خَلَقَ الإنسان ﴾ تخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله الخلق؛ لأن التنزيل إليه وهو أشرف ما على الأرض.
ويجوز أن يراد: الذي خلق الإنسان، كما قال: ﴿ الرحمن عَلَّمَ القرءان خَلَقَ الإنسان ﴾ [الرحمن: 1- 2- 3] فقيل: ﴿ الذى خَلَقَ ﴾ مبهماً، ثم فسره بقوله: ﴿ خَلَقَ الإنسان ﴾ تفخيماً لخلق الإنسان.
ودلالة على عجيب فطرته.
فإن قلت: لم قال ﴿ مِنْ عَلَقٍ ﴾ على الجمع، وإنما خلق من علقة، كقوله: ﴿ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ﴾ ؟
[غافر: 67] قلت: لأن الإنسان في معنى الجمع، كقوله: ﴿ إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ ﴾ [العصر: 2] .
﴿ الأكرم ﴾ الذي له الكمال في زيادة كرمه على كل كرم، ينعم على عباده النعم التي لا تحصى، ويحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه وركوبهم المناهي وإطراحهم الأوامر، ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم، فما لكرمه غاية ولا أمد، وكأنه ليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرم، حيث قال: الأكرم ﴿ الأكرم الذى عَلَّمَ بالقلم (4) عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾ فدلّ على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلاّ هو، وما دوّنت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلاّ بالكتابة؛ ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا؛ ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ولطيف تدبيره ودليل إلاّ أمر القلم والخط، لكفى به.
ولبعضهم في صفة القلم: وَرَوَاقِمُ رُقْشٍ كَمِثْلِ أَرَاقِم ** قُطْفِ الْخُطَا نَيَّالَةٍ أَقْصَى المُدَى سُودِ الْقَوَائِمِ مَا يَجِدُّ مِسِيرُهَا ** إلاَّ إذَا لَعِبَتْ بِهَا بِيضُ المُدَى وقرأ ابن الزبير: ﴿ علم الخط بالقلم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ اقْرَأْ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمُبالَغَةِ، أوِ الأوَّلُ مُطْلَقٌ والثّانِي لِلتَّبْلِيغِ أوْ في الصَّلاةِ ولَعَلَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، فَقِيلَ لَهُ اقْرَأْ: ﴿ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ ﴾ الزّائِدُ في الكَرَمِ عَلى كُلِّ كَرِيمٍ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُنْعِمُ بِلا عِوَضٍ ويَحْلُمُ مِن غَيْرِ تَخَوُّفٍ، بَلْ هو الكَرِيمُ وحْدَهُ عَلى الحَقِيقَةِ.
﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ ﴾ أيِ الخَطَّ بِالقَلَمِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ لِتُقَيَّدَ بِهِ العُلُومُ ويُعْلَمَ بِهِ البَعِيدُ.
﴿ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ﴾ بِخَلْقِ القُوى ونَصْبِ الدَّلائِلِ وإنْزالِ الآياتِ فَيُعَلِّمُكَ القِراءَةَ وإنْ لَمْ تَكُنْ قارِئًا، وقَدْ عَدَّدَ سُبْحانَهُ وتَعالى مَبْدَأ أمْرِ الإنْسانِ ومُنْتَهاهُ إظْهارًا لِما أنْعَمَ عَلَيْهِ، مِن أنَّ نَقْلَهُ مِن أخَسِّ المَراتِبِ إلى أعْلاها تَقْرِيرًا لِرُبُوبِيَّتِهِ وتَحْقِيقًا لِأكْرَمِيَّتِهِ، وأشارَ أوَّلًا إلى ما يَدُلُّ عَلى مَعْرِفَتِهِ عَقْلًا ثُمَّ نَبَّهَ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْها سَمْعًا.
<div class="verse-tafsir"
{الذى عَلَّمَ} الكتابة {بالقلم}
ثُمَّ كَرَّرَ جَلَّ وعَلا الأمْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ ﴾ أيِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ تَأْكِيدًا لِلْإيجابِ وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ورَبُّكَ الأكْرَمُ ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وأرادَ لِإزاحَةِ ما بَيْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ العُذْرِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ قالَ لَهُ اقْرَأْ فَقالَ: «ما أنا بِقارِئٍ».
يُرِيدُ أنَّ القِراءَةَ شَأْنُ مَن يَكْتُبُ ويَقْرَأُ وأنا أُمِّيٌّ فَقِيلَ: ﴿ ورَبُّكَ ﴾ الَّذِي أمَرَكَ بِالقِراءَةِ مُفْتَتِحًا ومُبْتَدَئًا بِاسْمِهِ ﴿ الأكْرَمُ ﴾ ﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ ﴾ أيْ: عَلَّمَ ما عُلِّمَ بِواسِطَةِ القَلَمِ لا غَيْرِهِ تَعالى، فَكَما عَلَّمَ سُبْحانَهُ القارِئَ بِواسِطَةِ الكِتابَةِ بِالقَلَمِ يُعَلِّمُكَ بِدُونِها.
وحَقِيقَةُ الكَرَمِ إعْطاءُ ما يَنْبَغِي لا لِغَرَضٍ فَهو صِفَةٌ لا يُشارِكُهُ تَعالى في إطْلاقِها أحَدٌ فافْعَلْ لِلْمُبالَغَةِ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ اقْرَأْ هَذا تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ وإنَّما ذُكِرَ لِيُوصَلَ بِهِ ما يُزِيحُ العُذْرَ.
فَجُمْلَةُ: ﴿ ورَبُّكَ ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
وهي تسع عشرة آية مكية قوله تبارك وتعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ يقول: اقرأ القرآن بأمر ربك، وهذه أول سورة نزلت من القرآن، وذلك أن النبيّ ، لما بلغ أربعين سنة، كان يسمع صوتاً يناديه يا محمد، ولا يرى شخصه، وكان يخشى على نفسه الجنون، حتى رأى جبريل يوماً في صورته، فغشي عليه، فحمل إلى بيت خديجة.
فقالوا لها تزوجت مجنوناً، فلما أفاق أخبر بذلك خديجة، فجاءت إلى ورقة بن نوفل، وكان يقرأ الإنجيل ويفسره.
ثم جاءت إلى عداس، وكان راهباً، فقال لها: إن له نبأ وشأناً، يظهر أمره.
فخرج النبيّ يوماً إلى الوادي، فجاء جبريل- - بهذه السورة، وأمره بأن يتوضأ ويصلي ركعتين، فلما رجع أعلم بذلك خديجة، وعلمها الصلاة وذلك قوله: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم: 6] يعني: علموهم وأدبوهم.
وروى معمر عن الزهري أنه قال: أخبرني عروة عن عائشة- ا- أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي، الرؤيا الصالحة الصادقة، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
ثم حُبِّب الخلاءُ إليه.
يعني: العزلة وكان يأتي حراء، ويمكث هناك، ثم يرجع إلى خديجة.
فجاءه الملك، وهو على حراء فقال له: اقرأ فقال له رسول الله : ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني ثانية، حتى بلغ مني الجهد.
ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني ثالثة، ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ فرجع ترجف بوادره، وقد أخذته الرّعدة، حتى دخل على خديجة، فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فذلك قوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ يعني: اقرأ بعون الله ووحيه إليك، ويقال معناه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ كقوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ يعني: اذكر ربك الذي خلق الخلائق.
ثم قال عز وجل: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ يعني: ابن آدم من دم عبيط، وقال في آية أخرى: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (20) [المرسلات: 20] وقال في آية أخرى: خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [الحج: 5] وهذه الآيات يصدّق بعضها بعضاً، لأن أول الخلق مِّن تُرَابٍ، ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثم من مضغة.
كما بين الجملة في موضع آخر.
ثم قال عز وجل: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ يعني: اقرأ يا محمد- - وربك يعينك ويفهمك، وإن كنت غير قارئ الْأَكْرَمُ يعني: ربك المتجاوز عن جهل العباد، ويقال: اقْرَأْ وقد تم الكلام، ثم استأنف فقال وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ يعني: الكريم ويقال الأكرم يعني: المكرم الذي يكرم من يشاء بالإسلام.
ثم قال: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ علم الكتابة، والخط بالقلم عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ يعني: علم آدم أسماء كل شيء، يعني: ألهمه ويقال عَلَّمَ الْإِنْسانَ يعني: محمدا ما لَمْ يَعْلَمْ يعني: القرآن كقوله مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الشورى: 52] ويقال: علم الإنسان ما لم يعلم، يعني: علم بني آدم ما لم يعلموا كقوله: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [النحل: 78] .
<div class="verse-tafsir"
الفاعِل في نفسِه كما تقول: وجَدْتُنِي/ وَظَنَنْتُنِي، ثم حقَّرَ تعالى غِنَى هذا الإنسانِ وحالَه بقولهِ: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
أي: بالحَشْرِ والبعثِ يومَ القيامةِ، وفي هذا الخبرِ وعيدٌ للطاغينَ من الناسِ، ثم صرَّح بذكْرِ النَّاهِي لمحمّد ع، ولا خِلاَفَ أن الناهِيَ أبو جهلٍ، وأن العبد المصلّي هو محمّد ع.
وقوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى إكمال للتوبيخ والوعيد بحسب التوفيقات الثَّلاثِ، يَصْلُحُ مَعَ كلِّ وَاحدٍ منها، ت: وفي قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى مَا يُثِير الهِمَمَ الرَاكِدَةَ، وَيُسِيلُ العيونَ الجَامِدَةَ، ويَبْعَثُ على الحياء والمراقبةِ، قال الغزالي:
اعلمْ أَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ على ضميرِكَ، ومشرفٌ على ظاهِرك وباطنِك، فَتَأَدَّبْ أيها المسكينُ ظَاهِراً وباطِناً بين يديه سبحانه واجتهدْ أن لا يَرَاكَ حيثُ نَهَاكَ وَلاَ يَفْقِدُكَ حَيْثُ أَمَرَكَ، ولاَ تَدَعْ عَنْكَ التفكرَ في قُرْبِ الأجلِ، وحلولِ الموتِ القاطِع للأملِ، وخروجِ الأمْرِ من الاختيَارِ، وحصولِ الحَسْرَةِ والنَّدَامةِ بطُولِ الاغترارِ، انتهى، ثم توعَّده تعالى لَئِنْ لم ينتَهِ لَيُؤْخَذَنَّ بناصيتهِ، فَيُجَرُّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلاً، تقول العربُ: سَفَعْتُ بِيَدِي ناصية الفَرَسِ، والرَّجُلِ إذا جذبتُها مُذَلَّلَةً، وقال بعض العلماء بالتفسير: معناه لتُحْرَقَنَّ، من قولهم: سَفَعَتْه النارُ، واكْتَفَى بذكرِ الناصيةِ لِدلالتِها على الوَجْهِ والرأْسِ، والناصيةُ مُقَدَّمُ شَعْرِ الرأسِ، ثم أبْدَل النكرةَ من المعرفة في قوله: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ ووصفَها بالكَذِبِ والخَطَإ من حيثُ هي صفاتٌ لصاحِبها.
قوله: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أي أهْلَ مَجْلَسِهِ، والنَّادِي والنَّدي: المجلسُ، ومنه دَارُ النَّدْوَةِ، وقال البخاري قال مجاهد: نادِيَه: عشيرتَه «١» .
وقوله: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ أي: / ملائِكَة العَذابِ، ثم قال- تعالى- لنبيه- عليه السلام-: كَلَّا لاَ تُطِعْهُ أي: لا تَلْتَفِتْ إلى نَهْيِهِ وكلامه واسْجُدْ لربك واقْتَرِبْ إليه بسجودِك، وفي الحديث: «أَقْرَبُ ما يكونُ العبدُ من رَبّه إذا سَجَدَ، فَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ في السجودِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُم» ، ورَوَى ابنُ وهب عَنْ جماعةٍ من أهل العلم: أنّ قوله: وَاسْجُدْ: خطاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم وَأَن قَوْلَه: وَاقْتَرِبْ: خطابٌ لأَبِي جَهْلٍ، أي: إن
تَجْتَرِىءُ حتى تَرَى كَيْفَ تَهْلَكُ، ت: والتأويلُ الأول أظهر يدل عليه قوله صلّى الله عليه وسلّم:
«أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربه وهو ساجِدٌ» «١» وعنْ ربيعة بن كعب الأسلميِّ قال: كنت أبيت مع النبي صلّى الله عليه وسلّم فآتيهِ بِوَضُوئِهِ وحَاجَتِه، فقال لي: سَلْ فقلتُ: أسألكَ مُرَافَقَتَكَ في الجنةِ، قالَ أوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟
قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَال: فأعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» «٢» رواه الجماعة إلا البخاريَّ، ولفظُ الترمذي: «كُنْتُ أَبِيتُ عِنْدَ بَابِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فَأُعْطِيهِ وَضُوءَهُ، فَأَسْمَعُهُ الْهَوِيَّ مِنَ اللَّيْلِ يقول: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَه، وأَسْمَعُهُ الْهَوِيَّ مِنَ اللَّيْلِ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ» «٣» ، قال الترمذيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، وليس لربيعةَ في الكتب الستَّةِ سوى هذا الحديثِ، انتهى من «السلاح» ، ورُوِيَ أن أبا جَهْلٍ جاءَ والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم يُصَلِّي، فَهمَّ بِأَنْ يَصِلَ إلَيْهِ، وَيَمْنَعَهُ مِنَ الصلاة، ثمّ كعّ وَوَلَّى نَاكِصاً على عَقِبَيْهِ مُتَّقِياً بِيَدَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا؟
فَقَالَ: لَقَدْ عَرَضَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِنْ نَارٍ، وَهَوْلٌ وَأَجْنِحَةٌ، فيروى: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «لَوْ دَنَا مِنِّي لأَخَذَتْهُ المَلاَئِكَةُ عِيَاناً» «٤» ت: ولما لم يَنْتَهِ عَدُوُّ اللَّهِ أَخَذَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمْكَنَ مِنْهُ، وذَكَرَ الوائليُّ الحَافِظُ في كتابِ «الإبَانَةِ» له مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بن مغول عن نافِع عن ابن عمر قال: «بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ بِجَنَبَاتِ بَدْرٍ إذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الأَرْضِ في عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ يُمْسِكُ طَرَفهَا أَسْوَدُ، فَقال: يَا عَبْدَ اللَّهِ، اسْقِنِي، فَقَالَ ابن عُمَرَ: لاَ أَدْرِي أَعَرَفَ اسمي، أَوْ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَقَالَ لي الأَسْوَدُ: لاَ تَسْقِهِ فَإنَّهُ كَافِرٌ، ثُمَّ اجتذبه، فَدَخَلَ الأرْضَ، قَالَ ابن عمر: فأتيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَأَخْبَرْتُه، فقال: «أَوَ قَدْ رَأَيْتَهُ؟
ذَلِكَ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وهُوَ عَذَابُهُ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» انتهى من «التَّذْكِرَة» للقرطبيِّ، وقد ذَكَرْتُ هذهِ الحكايةَ عَن أبي عمر بن عبد البر بأتَّم مِنْ هَذا عِنْد قوله تعالى:
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً ...
[فصلت: ٢٧] الآية.
سُورَةُ العَلَقِ وَتُسَمّى: سُورَةَ القَلَمِ، وسُورَةَ العَلَقِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَهِيَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.
وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ عَلَيْهِ في أوَّلِ الوَحْيِ خَمْسُ آياتٍ مِنها، ثُمَّ نَزَلَ باقِيها في أبِي جَهْلٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ في الحَرْفَيْنِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ والباءُ زائِدَةٌ.
وَقالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: اذْكُرِ اسْمَهُ مُسْتَفْتِحًا بِهِ قِراءَتَكَ.
وإنَّما قالَ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ ﴾ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهُ الخالِقُ دُونَ أصْنامِهِمْ.
والإنْسانُ هاهُنا: ابْنُ آدَمَ.
والعَلَقُ: جَمْعُ عَلَقَةٍ، وقَدْ بَيَّنّاها في سُورَةِ " الحَجِّ " قالَ الفَرّاءُ: لَمّا كانَ الإنْسانُ في مَعْنى الجَمْعِ جَمَعَ العَلَقَ مَعَ مُشاكَلَةِ رُؤُوسِ الآياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ.
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ ﴾ قالَ الخَطّابِيُّ: الأكْرَمُ: الَّذِي لا يُوازِيهِ كَرَمٌ، ولا يُعادِلُهُ في الكَرَمِ نَظِيرٌ.
وقَدْ يَكُونُ الأكْرَمُ بِمَعْنى الكَرِيمِ، كَما جاءَ الأعَزُّ والأطْوَلُ بِمَعْنى العَزِيزِ والطَّوِيلِ.
وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الكَرِيمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ ﴾ أيْ: عَلَّمَ الإنْسانَ الكِتابَةَ بِالقَلَمِ ﴿ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ﴾ مِنَ الخَطِّ، والصَّنائِعِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ .
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ [سُورَةِ العَلَقِ] وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وهي أوَّلُ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، نَزَلَ صَدْرُها في غارِ حِراءٍ حَسَبَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ: "يا أيُّها المُدَّثِرُ"،» وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ فاتِحَةُ الكِتابِ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والتَرْتِيبُ في أخْبارِ النَبِيِّ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ ﴾ ﴿ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ ﴾ ﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ ﴾ ﴿ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ﴾ ﴿ كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى ﴾ ﴿ أنْ رَآهُ اسْتَغْنى ﴾ ﴿ إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى ﴾ ﴿ أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى ﴾ ﴿ عَبْدًا إذا صَلّى ﴾ ﴿ أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى ﴾ ﴿ أو أمَرَ بِالتَقْوى ﴾ ﴿ أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ ﴿ ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى ﴾ ﴿ كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالناصِيَةِ ﴾ ﴿ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ﴾ ﴿ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ﴾ ﴿ سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ ﴾ ﴿ كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ ﴾ فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: « "أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ مِنَ الوَحْيِ الرُؤْيا الصالِحَةُ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ التَحَنُّثُ في غارِ حِراءٍ، فَكانَ يَخْلُو فِيهِ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ حَتّى جاءَهُ المَلَكُ وهو في غارِ حِراءٍ، فَقالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقالَ: ما أنا بِقارِئٍ، قالَ: فَأخَذَنِي فَغَطِّنِي ثُمَّ كَذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ لَهُ في الثالِثَةِ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، ﴾ ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ ما لَمْ يَعْلَمْ، ﴾ قالَ فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهَ عَيْه وسَلَّمَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ"» الحَدِيثُ بِطُولِهِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، اقْرَأْ هَذا القُرْآنَ بِاسْمِ رَبِّكَ، أيِ ابْدَأْ فِعْلَكَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ ﴾ هَذا وجْهٌ.
ووَجْهٌ آخَرُ في "كِتابِ الثَعْلَبِيِّ " أنْ يَكُونَ المَقْرُوءُ الَّذِي أمَرَ بِقِراءَتِهِ هو بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ هَذِه اللَفْظَةَ، ولَمّا ذَكَرَ "الرَبُّ" وكانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمِّي الأصْنامَ أرْبابًا جاءَ بِالصِفَةِ الَّتِي لا شَرِكَةَ لِلْأصْنامِ فِيها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِي خَلَقَ"، ثُمَّ مَثَّلَ لَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ ما لا مُدافَعَةَ فِيهِ، وما يَجِدُهُ كُلُّ مَفْطُورٍ في نَفْسِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ ﴾ ، وخِلْقَةُ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ العِبَرِ حَتّى أنَّهُ لَيْسَ في المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَدَيْنا أكْثَرَ عِبَرًا مِنهُ في عَقْلِهِ وإدْراكِهِ ورِباطاتِ بَدَنِهِ وعِظامِهِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ مِنَ الدَمِ، و"الإنْسانُ" - هُنا - اسْمُ الجِنْسِ، ويَمْشِي الذِهْنُ مَعَهُ إلى جَمِيعِ الحَيَوانِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَرَّرًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ أصْلَ الخِلْقَةِ وسِيقَ لَهُمُ الفَرْعُ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ تَقْرِيبًا لِأفْهامِهِمْ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لَهُ: ﴿ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ ﴾ عَلى جِهَةِ التَأْنِيسِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: امْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ، ورَبُّكَ لَيْسَ كَهَذِهِ الأرْبابِ، بَلْ هو الأكْرَمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ، فَهو يَنْصُرُكَ ويَظْهَرُكَ.
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى نِعْمَةَ الكِتابِ بِالقَلَمِ عَلى الناسِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأعْظَمُ مَنفَعَةً في المُخاطَباتِ وتَخْلِيدِ المَعارِفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ﴾ ، قِيلَ: المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقِيلَ: اسْمُ الجِنْسِ، وهو الأظْهَرُ، وعَدَّدَ تَعالى نِعَمَهُ اكْتِسابَ المَعارِفِ بَعْدَ جَهْلِهِ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا إنَّ الإنْسانَ ﴾ الآيَةُ..
نَزَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن شَأْنِ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ طَغى لِغِناهُ، ولِكَثْرَةِ مَن يُغْشى نادِيَهُ مِنَ الناسِ، فَناصَبَ رَسُولَ اللهِ العَداوَةَ، ونَهاهُ عَنِ الصَلاةِ في المَسْجِدِ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يَسْجُدُ عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ رَدَّ عَلَيْهِ القَوْلَ وانْتَهَرَهُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أيَتَوَعَّدُنِي مُحَمَّدٌ واللهِ ما بِالوادِي أعْظَمُ نَدِيًّا مِنِّي؟
ورَوى أيْضًا أنَّهُ جاءَ والنَبِيُّ يُصَلِّي، وهَمَّ بِأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ويَمْنَعَهُ مِنَ الصَلاةِ، ثُمَّ كَعَّ عنهُ وانْصَرَفَ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟
فَقالَ: لَقَدِ اعْتَرَضَ بَيْنِي وبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِن نارٍ وهَوْلٌ وأجْنِحَةٌ ويُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "لَوْ دَنا مِنِّي لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ عَيانًا"،» فَهَذِهِ السُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا" إلى آخِرِها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.
و"كَلّا" هي رَدٌّ عَلى أقْوالِ أبِي جَهْلٍ وأفْعالِهِ، ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "حَقًّا"، فَهي تَثْبِيتٌ لِما بَعْدَها مِنَ القَوْلِ.
و"الطُغْيانُ" تَجاوُزُ الحُدُودِ الجَمِيلَةِ، و"الغِنى" مُطْغٍ إلّا مَن عَصَمَ اللهُ تَعالى، و"الضَمِيرُ في "رَآهُ" لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: أنْ رَأى نَفْسَهُ غَنِيًّا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ تُقَرِّبُ مِنَ العِلْمِ، وكَذَلِكَ جازَ أنْ يَعْمَلَ فِعْلُ الفاعِلِ في نَفْسِهِ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُنِي وظَنَنْتُنِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتُنِي.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ رَآهُ" بِالمَدِّ عَلى وزْنِ "رَعاهُ"، واخْتَلَفُوا في الإمالَةِ وتَرْكِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ -: "أنْ رَأهُ"، دُونَ مَدٍّ، عَلى وزْنِ "رَعَهُ"، عَلى حَذْفِ لامِ الفِعْلِ، وذَلِكَ تَخْفِيفٌ.
ثُمَّ حَقَّرَ تَعالى غِنى هَذا الإنْسانِ وحالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ إلى رَبِّكَ الرُجْعى ﴾ ، أيِ الحَشْرُ والبَعْثُ يَوْمُ القِيامَةِ، و"الرُجْعى" مَصْدَرٌ كالرُجُوعِ، وهو عَلى وزْنِ العُقْبى ونَحْوِهِ، وفي هَذا الخَبَرِ وعِيدٌ لِلطّاغِينَ مِنَ الناسِ.
الناهِي أبُو جَهْلٍ، وأنَّ العَبْدَ المُصَلِّيَ مُحَمَّدٌ .
وقَوْلُهُ تَعالى: "أرَأيْتَ" تَوْقِيفٌ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ عَلى حَدِّ الرُؤْيَةِ مِنَ العِلْمِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللهَ يَرى ﴾ إكْمالٌ لِلتَّوْبِيخِ والوَعِيدِ بِحَسَبِ التَوْقِيفاتِ الثَلاثَةِ يَصْلُحُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَجاءَ بِها في نَسَقٍ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ الكافِي لِجَمِيعِها اخْتِصارًا واقْتِضابًا، ومَعَ كُلِّ تَقْرِيرٍ مِنَ الثَلاثَةِ تَكْمِلَةٌ مَقَدَّرَةٌ تَتَّسِعُ العَبّاراتُ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ يَعْلَمْ" دالٌّ عَلَيْها مُغْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كانَ" يَعْنِي العَبْدَ المُصَلِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ الَّذِي يَنْهى، ونَسَبَ تَعالى الرُؤْيَةَ إلى اللهِ تَعالى بِمَعْنى: يُدْرِكُ أعْمالَ الجَمِيعِ بِإدْراكٍ سَمّاهُ رُؤْيَةً، واللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُماثَلَةِ المُحْدَثاتِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى -إنْ لَمْ يَنْتَهِ- بِأنْ يُؤْخَذَ بِناصِيَتِهِ فَيُجَرَّ إلى جَهَنَّمَ ذَلِيلًا، تَقُولُ العَرَبُ: "سَفَعْتُ بِيَدِي ناصِيَةَ الفَرَسِ، والرِجْلِ" إذا جَذَبْتَها مُذَلِّلًا لَهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ: قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصِياحَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمٍ مُهْرَهُ أو سافِعُ فالآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ ﴾ .
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِالتَفْسِيرِ "لَنَسْفَعًا" مَعْناهُ: لِنَحْرِقَنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: "سَفْعَتْهُ النارُ" إذا أحْرَقَتْهُ، واكْتَفى بِذِكْرِ الناصِيَةِ لِدَلالَتِها عَلى الوَجْهِ والرَأْسِ.
وجاءَ "لَنَسْفَعًا" في خَطِّ المُصْحَفِ بِألِفٍ بَدَلَ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ هارُونَ-: "لَنَسْفَعَنَّ" مُثْقَلَةَ النُونِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "لَأسْفَعَنَّ بِالناصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ فاجِرَةٍ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: [ناصِيَةً كاذِبَةً خاطِئَةً] بِالنَصْبِ في الثَلاثَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ بِالرَفْعِ فِيها كُلَّها.
و"الناصِيَةُ" مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَأْسِ، ثُمَّ أبْدَلَ تَعالى النَكِرَةَ مِنَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ ﴾ ، ووَصَفَها بِالكَذِبِ والخَطَأِ مِن حَيْثُ صِفَةً لِصاحِبِها، كَما تَقُولُ: يَدٌ سارِقَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: "وَما بِالوادِي أكْثَرُ نادِيًا مِنِّي"، والنادِيَ والنَدى: المَجْلِسُ، ومِنهُ: دارُ النَدْوَةِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: وفِيهِمْ مَقاماتُ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: "سَيِّدُ نادِيهِ، وثِمالُ عافِيهِ".
و"الزَبانِيَةُ" مَلائِكَةُ العَذابِ، واحِدُهم "زَبَنِيَةٌ"، وقالَ الكِسائِيُّ: "زِبْنِي"، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ الأخْفَشُ: "زابِنٌ"، وهُمُ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ الناسَ في النارِ، والزَبْنُ: الدَفْعُ، ومِنهُ "حَرْبٌ زَبُونٌ"، أيْ: تَدْفَعُ الناسَ في نَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ومُسْتَعْجِبٍ مِمّا يَرى مِن أنّاتِنا ∗∗∗ ولَوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمُ وَمِنهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: "وَقَدْ زَبَتْنا الحَرْبُ وزَبْنّاها، فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَدَتْنِي عن زِيارَتِكَ العَوادِي ∗∗∗ وحالَتْ بَيْنَنا حَرْبٌ زَبُونُ وحُذِفَ الواوُ مِن "سَنَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، والمَعْنى: سَنَدْعُو الزَبانِيَةَ لِعَذابِ هَذا الَّذِي يَدْعُو نادِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْيَدْعُ إلى نادِيهِ".
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ "كَلّا" رَدًّا عَلى قَوْلِ هَذا الكافِرِ وأفْعالِهِ، "لا تُطِعْهُ"، أيْ: لا تَلْتَفِتٍ إلى نَهْيِهِ وكَلامِهِ، "واسْجُدْ" لِرَبِّكَ، ﴿ واقْتَرِبْ ﴾ إلَيْهِ بِسُجُودِكَ وبِالطاعَةِ وبِالأعْمالِ الصالِحَةِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ إذا سَجَدَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الدُعاءِ في السُجُودِ، فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَكُمْ".» وقالَ مُجاهِدٌ، قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا "واسْجُدْ واقْتَرِبْ"، ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "واسْجُدْ" خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ، وأنَّ "اقْتَرِبْ" خِطابٌ لِأبِي جَهْلٍ، أيْ إنْ كُنْتَ تَجْتَرِئُ حَتّى تَرى كَيْفَ تَهْلَكُ.
وهَذِهِ السُورَةُ فِيها سَجْدَةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ ابْنُ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ[القَلَمِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
هذا أول ما أوحي به من القرآن إلى محمد صلى الله عليه وسلم لِما ثبت عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مما سيأتي قريباً.
وافتتاح السورة بكلمة ﴿ اقرأ ﴾ إيذان بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيكون قارئاً، أي تالياً كتاباً بعد أن لم يكن قد تلا كتاباً قال تعالى: ﴿ وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ﴾ [العنكبوت: 48]، أي من قبل نزول القرآن، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل حين قال له اقرأ: " ما أنا بقارئ ".
وفي هذا الافتتاح براعة استهلال للقرآن.
وقوله تعالى: ﴿ اقرأ ﴾ أمر بالقراءة، والقراءة نطق بكلام معيَّن مكتوببٍ أو محفوظٍ على ظهر قلب.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللَّه من الشيطان الرجيم ﴾ في سورة النحل (98).
والأمر بالقراءة مستعمل في حقيقته من الطلب لتحصيل فعل في الحال أو الاستقبال، فالمطلوب بقوله: ﴿ اقرأ ﴾ أن يفعل القراءة في الحال أو المستقبل القريب من الحال، أي أن يقول مَا سَيُمْلَى عليه، والقرينة على أنه أمر بقراءة في المستقبل القريب أنه لم يتقدم إملاء كلام عليه محفوظ فتطلب منه قراءته، ولا سُلمت إليه صحيفة فتطلب منه قراءتها، فهو كما يقول المُعلم للتلميذ: اكتب، فيتأهب لكتابة ما سيمليه عليه.
وفي حديث «الصحيحين» عن عائشة رضي الله عنها قولها فيه: «حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ.
قال: فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجَهْد ثم أرْسَلَني فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطّني الثانيةَ حتى بلغ مني الجَهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني فقال: ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ إلى ﴿ ما لم يعلم ﴾ .
فهذا الحديث روته عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقولها قال: " فقلت: ما أنا بقارئ ".
وجميع ما ذكرته فيه مما روته عنه لا محالة وقد قالت فيه: «فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فُؤاده» أي فرجع بالآيات التي أُمليَتْ عليه، أي رجع متلبساً بها، أي بوعيها.
وهو يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى ما أوحي إليه.
وقرأه حينئذٍ ويزيد ذلك إيضاحاً قولها في الحديث: «فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك»، أي اسمع القول الذي أوحي إليه وهذا ينبئ بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قيل له بعد الفطة الثالثة: ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ الآيات الخمس قد قرأها ساعتئذٍ كما أمره الله ورجع من غار حراء إلى بيته يقرؤها وعلى هذا الوجه يكون قول المَلك له في المرات الثلاث ﴿ اقرأ ﴾ إعادة للفّظ المنزل من الله إعادة تكرير للاستئناس بالقراءة التي لم يتعلمها من قبل.
ولم يُذكر لِفعل ﴿ اقرأ ﴾ مفعول، إما لأنه نزل منزلة اللازم وأن المقصود أوجد القراءة، وإما لظهور المقروء من المقام، وتقديره: اقرأ ما سنلقيه إليك من القرآن.
وقوله ﴿ باسم ربك ﴾ فيه وجوه: أولها: أن يكون افتتاح كلام بعد جملة ﴿ اقرأ ﴾ وهو أول المقروء، أي قل: باسم الله، فتكون الباء للاستعانة فيجوز تعلقه بمحذوف تقديره: ابتدئ ويجوز أن يتعلق ب ﴿ اقرأ ﴾ الثاني فيكون تقديمه على معموله للاهتمام بشأن اسم الله.
ومعنى الاستعانة باسم الله ذكر اسمه عند هذه القراءة، وإقحامُ كلمة (اسم) لأن الاستعانة بذكر اسمه تعالى لا بذاته كما تقدم في الكلام على البسملة، وهذا الوجه يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ باسم الله ﴾ حين تلقَّى هذه الجملة.
الثاني: أن تكون الباء للمصاحبة ويكون المجرور في موضع الحال من ضمير ﴿ اقرأ ﴾ الثاني مقدَّماً على عامله للاختصاص، أي اقرأ ما سيوحَى إليك مصاحباً قراءتَك (اسمَ ربك).
فالمصاحبة مصاحبة الفهم والملاحظة لجلاله، ويكون هذا إثباتاً لوحدانية الله بالإلهية وإبطالاً للنداء باسم الأصنام الذي كان يفعله المشركون يقولون: باسم اللاتتِ، باسم العزى، كما تقدم في البسملة.
فهذا أول ما جاء من قواعد الإسلام قد افتتح به أول الوَحي.
الثالث: أن تكون الباء بمعنى (على) كقوله تعالى: ﴿ من إن تأمنه بقنطار ﴾ [آل عمران: 75]، أي على قنطار.
والمعنى: اقرأ على اسم ربك، أي على إذنه، أي أن المَلَك جاءك على اسم ربك، أي مرسلاً من ربك، فذكر (اسْم) على هذا متعين.
وعدل عن اسم الله العَلم إلى صفة ﴿ ربك ﴾ لما يؤذن وصف الرب من الرأفة بالمربوب والعناية به، مع ما يتأتى بذكره من إضافته إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم إضافة مؤذنة بأنه المنفرد بربوبيته عنده رداً على الذين جعلوا لأنفسهم أرباباً من دون الله فكانت هذه الآية أصلاً للتوحيد في الإسلام.
وجيء في وصف الربّ بطريق الموصول ﴿ الذي خلق ﴾ ولأن في ذلك استدلالاً على انفراد الله بالإلهية لأن هذا القرآن سيُتلى على المشركين لما تفيده الموصولية من الإيماء إى علة الخبر، وإذا كانت علة الإقبال على ذكر اسم الرب هي أنه خالق دل ذلك على بطلان الإقبال على ذكر غيره الذي ليس بخالق، فالمشركون كانوا يقبلون على اسم اللات واسم العزى، وكونُ الله هو الخالق يعترفون به قال تعالى: ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ [لقمان: 25] فلما كان المقام مقام ابتداء كتاب الإسلام دين التوحيد كان مقتضياً لذكر أدلّ الأوصاف على وحدانيته.
6 وجملة ﴿ خلق الإنسان من علق ﴾ يجوز أن تكون بدلاً من جملة ﴿ الذي خلق ﴾ بدل مفصَّل من مُجْمل إن لم يقدر له مفعول، أو بدل بعض إن قُدِّر له مفعول عام، وسُلك طريق الإبدال لما فيه من الإجمال ابتداءً لإقامة الاستدلال على افتقار المخلوقات كلها إليه تعالى لأن المقام مقام الشروع في تأسيس ملة الإسلام.
ففي الإجمال إحضار للدليل مع الاختصار مع ما فيه من إفادة التعميم ثم يكون التفصيل بعد ذلك لزيادة تقرير الدليل.
ويجوز أن تكون بياناً من ﴿ الذي خلق ﴾ إذا قُدر لفعل ﴿ خلق ﴾ الأول مفعول دل عليه بيانه فيكون تقدير الكلام: اقرأ باسم ربك الذي خلق الإنسان من علق.
وعدم ذكر مفعول لفعل ﴿ خلق ﴾ يجوز أن يكون لتنزيل الفعل منزلة اللازم، أي الذي هو الخالق وأن يكون حذف المفعول لإرادة العموم، أي خلق كل المخلوقات، وأن يكون تقديره: الذي خلق الإنسان اعتماداً على ما يرد بعده من قوله ﴿ خلق الإنسان ﴾ ، فهذه معاننٍ في الآية.
وخص خلق الإِنسان بالذكر من بين بقية المخلوقات لأنه المطَّرد في مقام الاستدلال إذ لا يَغفُلُ أحد من الناس عن نفسه ولا يخلو من أن يخطر له خاطر البحث عن الذي خلقه وأوجده ولذلك قال تعالى: ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ [الذاريات: 21].
وفيه تعريض بتحميق المشركين الذين ضلوا عن توحيد الله تعالى مع أن دليل الوحدانية قائم في أنفسهم.
وفي قوله: ﴿ من علق ﴾ إشارة إلى ما ينطوي في أصل خَلْق الإِنسان من بديع الأطوار والصفات التي جعلته سلطانَ هذا العالم الأرضي.
والعلق: اسم جمع عَلَقَة وهي قطعةٌ قَدرُ الأنملة من الدم الغليظ الجامد الباقي رطْباً لم يجفّ، سمي بذلك تشبيهاً لها بدودةٍ صغيرة تسمَّى علقة، وهي حمراء داكنة تكون في المياه الحلوة، تمتص الدم من الحيوان إذا علق خرطومها بجلده وقد تدخل إلى فم الدابة وخاصة الخيل والبغال فتعلق بلهاته ولا يُتفطن لها.
ومعنى: ﴿ خلق الإنسان من علق ﴾ أن نطفة الذكر ونطفة المرأة بعد الاختلاط ومضي مدة كافيَة تصيران علقةً فإذا صارت علقة فقد أخذت في أطوار التكوّن، فجُعلت العلقة مبدأ الخلق ولم تُجعل النطفة مبدأ الخلق لأن النطفة اشتهرت في ماء الرجل فلو لم تخالطه نطفة المرأة لم تصر العلقة فلا يتخلق الجنين وفيه إشارة إلى أن خلق الإنسان من علق ثم مصيره إلى كمال أشده هو خلق ينطوي على قوى كامنة وقابليات عظيمة أقصاها قابلية العلم والكتابة.
ومن إعجاز القرآن العلمي ذكر العلقة لأن الثابت في العلم الآن أن الإِنسان يتخلق من بويضة دقيقة جداً لا ترى إلا بالمرآة المكبِّرة أضعافاً تكون في مبدإ ظهورها كروية الشكل سابحة في دم حيض المرأة فلا تقبل التخلق حتى تخالطها نطفة الرجل فتمتزج معها فتأخذ في التخلق إذا لم يَعُقْها عائق كما قال تعالى: ﴿ مخلقة وغير مخلقة ﴾ [الحج: 5]، فإذا أخذت في التخلق والنمو امتد تكورها قليلاً فشابهت العلقة التي في الماء مشابَهة تامة في دقة الجسم وتلونها بلون الدم الذي هي سابحة فيه وفي كونها سابحة في سائل كما تسبح العلقة، وقد تقدم هذا في سورة غافر وأشرت إليه في المقدمة العاشرة.
ومعنى حرف ﴿ مِن ﴾ الابتداء.
وفعل ﴿ اقرأ ﴾ الثاني تأكيد ل ﴿ اقرأ ﴾ الأول للاهتمام بهذا الأمر.
﴿ اقرأ وَرَبُّكَ ﴾ ﴿ الاكرم * الذى عَلَّمَ بالقلم * عَلَّمَ الإنسان مَا ﴾ .
جملة معطوفة على جملة: ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ فلها حكم الاستئناف، و ﴿ ربك ﴾ مبتدأ وخبره إما ﴿ الذي علم بالقلم ﴾ وإما جملة: ﴿ علم الإنسان ما لم يعلم ﴾ .
وهذا الاستئناف بياني.
فإذا نظرتَ إلى الآية مستقلة عما تضمنه حديث عائشة في وصف سبب نزولها كان الاستئناف ناشئاً عن سؤال يجيش في خاطر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول: كيف أقرأ وأنا لا أحسن القراءة والكتابة، فأجيب بأن الذي علم القراءة بواسطة القلم، أي بواسطة الكتابة يعلمك ما لم تعلم.
وإذا قرنت بين الآية وبين الحديث المذكور كان الاستئناف جواباً عن قوله لجبريل: «ما أنا بقارئ» فالمعنى: لا عجب في أن تقرأ وإن لم تكن من قبل عالماً بالقراءة إذ العلم بالقراءة يحصل بوسائل أخرى مثل الإِملاء والتلقين والإِلهام وقد علم الله آدم الأسماء ولم يكن آدم قارئاً.
ومقتضى الظاهر: وعَلَّم بالقلم.
فعُدل عن الإِضمار لتأكيد ما يشعر به ﴿ ربّك ﴾ من العناية المستفادة من قوله: ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ وأن هذه القراءة شأن من شؤون الرب اختص بها عبدَه إتماماً لنعمة الربوبية عليه.
وليجري على لفظ الرب وصفُ الأكرم.
ووصف ﴿ الأكرم ﴾ مصوغ للدلالة على قوة الاتصاف بالكرم وليس مصوغاً للمفاضلة فهو مسلوب المفاضلة.
والكرم: التفضل بعطاء ما ينفع المعطَى، ونعم الله عظيمة لا تُحصى ابتداء من نعمة الإِيجاد، وكيفية الخلق، والإِمداد.
وقد جمعت هذه الآيات الخمسُ من أول السورة أصول الصفات الإلهية فوَصفُ الرب يتضمن الوجود والوحدانية، ووصف ﴿ الذي خلق ﴾ ووصف ﴿ الذي علم بالقلم ﴾ يقتضيان صفات الأفعال، مع ما فيه من الاستدلال القريب على ثبوت ما أشير إليه من الصفات بما تقتضيه الموصولية من الإِيماء إلى وجه بناء الخبر الذي يذكر معها.
ووصف ﴿ الأكرم ﴾ يتضمن صفات الكمال والتنزيه عن النقائص.
ومفعولا ﴿ علم بالقلم ﴾ محذوفان دل عليهما قوله: ﴿ بالقلم ﴾ وتقديره: علّم الكاتبين أو علّم ناساً الكتابة، وكان العرب يعظمون علم الكتابة ويعدونها من خصائص أهل الكتاب كما قال أبو حية النُّميري: كما خُطّ الكتابُ بكفِّ يَوماً *** يَهُودِيَ يقارِب أو يُزيل ويتفاخر من يعرف الكتابة بعِلمه وقال الشاعر: تعلّمْتُ بَاجَاد وآل *** مُرَامِرٍ وسوَّدت أثوابي ولستُ بكاتب وذُكر أن ظهور الخط في العرب أول ما كان عند أهل الأنبار، وأدخل الكتابة إلى الحجاز حربُ بن أمية تعلمه من أسْلم بن سدرة وتعلمه أسلم من مُرامِر بن مُرة وكان الخط سابقاً عند حمير باليمن ويسمى المُسْنَد.
وتخصيص هذه الصلة بالذكر وجعلُها معترضة بين المبتدإ والخبر للإِيماء إلى إزالة ما خطر ببال النبي صلى الله عليه وسلم من تعذر القراءة عليه لأنه لا يعلم الكتابة فكيف القراءةُ إذْ قال للملك: «ما أنا بقارئ» ثلاث مرات، لأن قوله: " ما أنا بقارئ " اعتذار عن تعذر امتثال أمره بقوله: ﴿ اقرأ ﴾ ؛ فالمعنى أن الذي علّم الناس الكتابة بالقلم والقراءة قادر على أن يعلمك القراءة وأنت لا تعلم الكتابة.
والقلم: شَظيَّة من قصب ترقق وتثقّف وتبرى بالسكيننِ لتكون ملساء بين الأصابع ويجعلُ طرفها مشقوقاً شقاً في طول نصف الأنملة، فإذا بلّ ذلك الطرف بسائل المداد يخُط به على الورق وشبهه، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ﴾ في سورة آل عمران (44).
وجملة: علم الإنسان ما لم يعلم } خبر عن قوله: ﴿ وربك الأكرم ﴾ وما بينهما اعتراض.
وتعريف ﴿ الإنسان ﴾ يجوز أن يكون تعريف الجنس فيكون ارتقاء في الإِعلام بما قدره الله تعالى من تعليم الإِنسان بتعميم التعليم بعد تخصيص التعليم بالقلم.
وقد حصلتْ من ذكر التعليم بالقلم والتعليم الأعم إشارة إلى ما يتلقاه الإنسان من التعاليم سواء كان بالدرس أم بمطالعة الكتب وأن تحصيل العلوم يعتمد أموراً ثلاثة: أحدها: الأخذ عن الغير بالمراجعة، والمطالعة، وطريقهما الكتابة وقراءة الكتب فإن بالكتابة أمكن للأمم تدوين آراء علماء البشر ونقلها إلى الأقطار النائية وفي الأجيال الجائية.
والثاني: التلقي من الأفواه بالدرس والإِملاء.
والثالث: ما تنقدح به العقول من المستنبطات والمخترعات.
وهذان داخلان تحت قوله تعالى: ﴿ علم الإنسان ما لم يعلم ﴾ .
وفي ذلك اطمئنان لنفس النبي صلى الله عليه وسلم بأن عدم معرفته الكتابة لا يحول دون قراءته لأن الله علّم الإنسان ما لم يعلم، فالذي علّم القراءة لأصحاب المعرفة بالكتابة قادر على أن يعلمك القراءة دون سبق معرفة بالكتابة.
وأشعر قوله: ﴿ ما لم يعلم ﴾ أن العلم مسبوق بالجهل فكل علم يحصل فهو علم ما لم يكن يُعلَم من قبل، أي فلا يُؤْيِسَنَّك من أن تصير عالماً بالقرآن والشريعة أنك لا تعرف قراءة ما يكتب بالقلم.
وفي الآية إشارة إلى الاهتمام بعلم الكتابة وبأن الله يريد أن يُكتَب للنبيء صلى الله عليه وسلم ما ينزل عليه من القرآن فمن أجل ذلك اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً للوحي من مبدإ بعثته.
وفي الاقتصار على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالقراءة ثم إخباره بأن الله علّم الإنسان بالقلم إيماء إلى استمرار صفة الأمية للنبيء صلى الله عليه وسلم لأنّها وصف مكمِّل لإعجاز القرآن قال تعالى: ﴿ وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون ﴾ [العنكبوت: 48].
وهذه آخر الخمس الآيات التي هي أول ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ العَلَقِ قَوْلُهُ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ رُوِيَ عَنْ عَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ أوَّلَ ما أتاهُ بِنَمَطٍ فَغَطَّهُ فَقالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: واَللَّهِ ما أنا بِقارِئٍ، فَغَطَّهُ ثُمَّ قالَ: اقْرَأْ، فَقالَ: واَللَّهِ ما أنا بِقارِئٍ فَغَطَّهُ غَطًّا شَدِيدًا ثُمَّ قالَ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ » أيِ اسْتَفْتِحْ قِراءَتَكَ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وإنَّما قالَ الَّذِي خَلَقَ لِأنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تَعْبُدُ آلِهَةً لَيْسَ فِيهِمْ خالِقٌ غَيْرُهُ تَعالى، فَمَيَّزَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ لِيَزُولَ عَنْهُ الِالتِباسُ.
«رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ بَعْدَها ﴿ ن والقَلَمِ ﴾ ثُمَّ بَعْدَها ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ ثُمَّ بَعْدَها ﴿ والضُّحى ﴾ » .
﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ ﴾ يُرِيدُ بِالإنْسانِ جِنْسَ النّاسِ كُلِّهِمْ، خُلِقُوا مِن عَلَقٍ بَعْدَ النُّطْفَةِ، والعَلَقُ جَمْعُ عَلَقَةٍ، والعَلَقَةُ قِطْعَةٌ مِن دَمٍ رَطْبٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَعْلَقُ لِرُطُوبَتِها بِما تَمُرُّ عَلَيْهِ، فَإذا جَفَّتْ لَمْ تَكُنْ عَلَقَةً، قالَ الشّاعِرُ تَرَكْناهُ يَخِرُّ عَلى يَدَيْهِ يَمُجُّ عَلَيْهِما عَلَقَ الوَتِينِ وَيَحْتَمِلُ مُرادُهُ بِذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُبَيِّنَ قَدْرَ نِعْمَتِهِ عَلى الإنْسانِ بِأنَّ خَلَقَهُ مِن عَلَقَةٍ مَهِيئَةٍ حَتّى صارَ بَشَرًا سَوِيًّا وعاقِلًا مُتَمَيِّزًا.
الثّانِي: أنَّهُ كَما نُقِلَ الإنْسانُ مِن حالٍ إلى حالٍ حَتّى اسْتَكْمَلَ، كَذَلِكَ نَقْلُكَ مِنَ الجَهالَةِ إلى النُّبُوَّةِ حَتّى تَسْتَكْمِلَ مَحَلَّها.
﴿ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ ﴾ أيِ الكَرِيمُ.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: اقْرَأْ بِأنَّ رَبَّكَ هو الأكْرَمُ، لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ما تَقَدَّمَ مِن نِعَمِهِ دَلَّ بِها عَلى نِعْمَةِ كَرَمِهِ.
قالَ إبْراهِيمُ بْنُ عِيسى اليَشْكَرِيُّ: مِن كَرَمِهِ أنْ يَرْزُقَ عَبْدَهُ وهو يَعْبُدُ غَيْرَهُ.
﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ ﴾ أيْ عَلِّمِ الكاتِبَ أنْ يَكْتُبَ بِالقَلَمِ، وسُمِّيَ قَلَمًا لَأنَّهُ يُقَلَّمُ أيْ يُقْطَعُ، ومِنهُ تَقْلِيمُ الظُّفْرِ.
وَرَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى أرْبَعَةَ أشْياءَ بِيَدِهِ ثُمَّ قالَ لِسائِرِ الخَلْقِ: كُنْ، فَكانَ، القَلَمَ والعَرْشَ وجَنَّةَ عَدْنٍ وآدَمَ.
وَفِيمَن عَلَّمَهُ بِالقَلَمِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن كَتَبَ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.
الثّانِي: إدْرِيسُ وهو أوَّلُ مَن كَتَبَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ كُلَّ مَن كَتَبَ بِالقَلَمِ لِأنَّهُ ما عَلِمَ إلّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ لَهُ، وجَمَعَ بِذَلِكَ بَيْنَ نِعْمَتِهِ تَعالى عَلَيْهِ في خَلْقِهِ وبَيْنَ نِعْمَتِهِ تَعالى عَلَيْهِ في تَعْلِيمِهِ اسْتِكْمالًا لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِ.
﴿ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الخَطُّ بِالقَلَمِ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: عَلَّمَهُ كُلَّ صُنْعِهِ عَلِمَها فَتَعَلَّمَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: عَلَّمَهُ مِن حالِهِ في ابْتِداءِ خَلْقِهِ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى خَلْقِهِ وأنْ يَنْقُلَهُ مِن بَعْدُ عَلى إرادَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: أول ما نزل من القرآن بمكة ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس وابن الأنباري في المصاحف والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن أبي موسى الأشعري قال: كانت ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ أول سورة أنزلت على محمد.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب: حدثني محمد بن عباد بن جعفر المخزومي أنه سمع بعض علمائهم يقول: كان أول ما أنزل الله على نبيه ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ إلى ﴿ ما لم يعلم ﴾ فقالوا: هذا صدرها الذي أنزل يوم حراء، ثم أنزل الله آخرها بعد ذلك ما شاء الله.
وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وصححه عن عائشة قالت: أول ما نزل من القرآن ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه والبيهقي من طريق ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: ﴿ اقرأ ﴾ قال: قلت: ما أنا بقارئ.
قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ.
قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإِنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ﴾ الآية، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني.
فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق.
فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى- ابن عم خديجة- وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإِنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك.
فقال له روقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟
فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني أكون فيها جذعاً، يا ليتني أكون فيها حياً إذ يخرجك قومك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟
قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً.
ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي» قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت، فقلت: زملوني.
فأنزل الله: ﴿ يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ﴾ [ المدثر: 1، 2، 3، 4، 5] فحمي الوحي وتتابع» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: أول سورة نزلت على محمد ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: أول ما نزل من القرآن ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ ثم ﴿ ن والقلم ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: أول شيء أنزل من القرآن خمس آيات ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ إلى قوله: ﴿ ما لم يعلم ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد بن عمير قال: أول ما نزل من القرآن ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ ثم ﴿ ن ﴾ .
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن عائشة قالت: كان أول ما نزل عليه بعد ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ ﴿ ن والقلم ﴾ و ﴿ يا أيها المدثر ﴾ و ﴿ والضحى ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الزهري وعمرو بن دينار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بحراء إذا أتاه ملك بنمط من ديباج فيه مكتوب ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ إلى ﴿ ما لم يعلم ﴾ .
وأخرج الحاكم من طريق عمرو بن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بحراء إذا أتاه ملك بنمط من ديباج فيه مكتوب ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ إلى ﴿ ما لم يعلم ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن عبد الله بن شداد قال: «أتى جبريل محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اقرأ.
قال: وما أقرأ؟
فضمه، ثم قال يا محمد: اقرأ؟
قال: وما أقرأ؟
قال: ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ حتى بلغ ﴿ ما لم يعلم ﴾ فجاء إلى خديجة فقال: يا خديجة ما أراه إلا قد عرض لي.
قالت: كلا والله ما كان ربك يفعل ذلك بك، وما أتيت فاحشة قط.
فأتت خديجة ورقة، فأخبرته الخبر.
قال: لئن كنت صادقة إن زوجك لنبي، وليلقين من أمته شدة، ولئن أدركته لأؤمنن به.
قال: ثم أبطأ عليه جبريل فقالت خديجة: ما أرى ربك إلا قد قلاك.
فأنزل الله: ﴿ والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف هو وخديجة شهراً فوافق ذلك رمضان فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع السلام عليكم.
قالت: فظننت أنه فجأة الجن.
فقال: ابشروا فإن السلام خير، ثم رأى يوماً آخر جبريل على الشمس له جناح بالمشرق وجناح بالمغرب.
قال: فهبت منه فانطلق يريد أهله فإذا هو بجبريل بينه وبين الباب.
قال: فكلمني حتى أنست منه ثم وعدني موعداً فجئت لموعده واحتبس عليّ جبريل فلما أراد أن يرجع إذا هو به وبميكائيل، فهبط جبريل إلى الأرض وميكائيل بين السماء والأرض، فأخذني جبريل فصلقني لحلاوة القفا وشق عن بطني فأخرج منه ما شاء الله ثم غسله في طست من ذهب ثم أعاد فيه ثم كفأني كما يكفأ الإِناء، ثم ختم في ظهري حتى وجدت مس الخاتم ثم قال لي: اقرأ باسم ربك الذي خلق ولم أقرأ كتاباً قط فأخذ بحلقي حتى أجهشت بالبكاء، ثم قال لي: ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ إلى قوله: ﴿ ما لم يعلم ﴾ قال: فما نسيت شيئاً بعده.
ثم وزنني جبريل برجل فوازنته، ثم وزنني بأخر فوازنته، ثم وزنني بمائة.
فقال ميكائيل: تبعته أمته ورب الكعبة.
قال: ثم جئت إلى منزلي فلم يلقني حجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، حتى دخلت على خديجة، فقالت: السلام عليك يا رسول الله .
وأخرج الطبراني عن ثوبان قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أعز الإِسلام بعمر بن الخطاب.
وقد ضرب أخته أول الليل وهي تقرأ ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ حتى ظن أنه قتلها، ثم قام من السحر فسمع صوتها تقرأ ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ فقال: والله ما هذا بشعر ولا همهمة.
فذهب حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد بلالاً على الباب، فدفع الباب.
فقال بلال: من هذا؟
فقال عمر بن الخطاب: فقال: حتى أستأذن لك على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال بلال: يا رسول الله عمر بالباب.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يرد الله بعمر خيراً أدخله في الدين.
فقال لبلال: افتح، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بضبعيه فهزه فقال: ما الذي تريد؟
وما الذي جئت له؟
فقال له عمر: اعرض عليّ الذي تدعو إليه.
قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، فأسلم عمر مكانه وقال: اخرج» .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ الذي علم بالقلم ﴾ قال: القلم نعمة من الله عظيمة، لولا القلم لم يقم دين، ولم يصلح عيش وفي قوله: ﴿ علم الإِنسان ما لم يعلم ﴾ قال: الخط.
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: منهومان لا يشبعان: صاحب علم وصاحب دنيا، ولا يستويان، فأما صاحب العلم فيزداد رضا الرحمن ثم قرأ ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ [ فاطر: 28] وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان ثم قرأ ﴿ إن الإِنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ والله أعلم.
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن مردويه وابن المنذر وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل «عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لأطأن عنقه.
فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لو فعل لأخذته الملائكة عياناً» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه، وابن المنذر وابن جرير والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا؟
ألم أنهك عن هذا؟
فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فزبره، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها رجل أكثر نادياً مني، فأنزل الله: ﴿ فليدع ناديه سندع الزبانية ﴾ قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله.
وأخرج ابن جرير والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن عاد محمد يصلي عند المقام لأقتلنه، فأنزل الله: ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ حتى بلغ هذه الآية ﴿ لنسفعن بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية ﴾ فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فقيل: ما يمنعك؟
فقال: قد اسودّ ما بيني وبينه.
قال ابن عباس: والله لو تحرك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه.
وأخرج البزار والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن العباس بن عبد المطلب قال: كنت يوماً في المسجد فأقبل أبو جهل فقال: إن لله عليّ إن رأيت محمداً ساجداً أن أطأ على رقبته.
فخرجت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى دخلت عليه، فأخبرته بقول أبي جهل.
فخرج غضبان حتى جاء المسجد، فعجل أن يدخل الباب فاقتحم الحائط.
فقلت هذا يوم شرّ فاتزرت ثم تبعته، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ فلما بلغ شأن أبي جهل ﴿ كلا إن الإِنسان ليطغى ﴾ قال إنسان لأبي جهل: يا أبا الحكم هذا محمد.
فقال أبو جهل: ألا ترون ما أرى؟
والله لقد سد أفق السماء عليّ.
فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر السورة سجد.
وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي «عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه إلا بين أظهركم؟
قالوا: نعم.
فقال: واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب.
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته.
قال: فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقيل له: ما لك؟
قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار وهؤلاء أجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً» قال: وأنزل الله: ﴿ كلا إن الإِنسان ليطغى ﴾ إلى آخر السورة يعني أبا جهل ﴿ فليدع ناديه ﴾ يعني قومه ﴿ سندع الزبانية ﴾ يعني الملائكة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ قال أبو جهل بن هشام: حيث رمى رسول الله بالسلا على ظهره وهو ساجد لله عز وجل.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ قال: نزلت في عدوّ الله أبي جهل، وذلك أنه قال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه، فأنزل الله: ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ﴾ قال: محمداً ﴿ أرأيت إن كذب وتولى ﴾ يعني بذلك أبا جهل ﴿ فليدع ناديه ﴾ قال: قومه وحيه ﴿ سندع الزبانية ﴾ قال: الزبانية في كلام العرب الشرط.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ قال: أبو جهل نهى محمداً إذا صلى ﴿ فليدع ناديه ﴾ قال: عشيرته ﴿ سندع الزبانية ﴾ قال: الملائكة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ لنسفعن ﴾ قال: لنأخذن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة مثله.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الحرث قال: الزبانية أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: ﴿ واسجد ﴾ أنت يا محمد ﴿ واقترب ﴾ أنت يا أبا جهل يتوعده.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر عن مجاهد قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ألا تسمعونه يقول ﴿ واسجد واقترب ﴾ .
وأخرج ابن سعد عن عثمان بن أبي العاصي قال: آخر كلام كلمني به رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ استعملني على الطائف أن قال: «خفف الصلاة عن الناس حتى وقت اقرأ باسم ربك الذي خلق وأشباهها من القرآن» .
قوله ﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾ قال الكلبي (١) (٢) (قال أبو إسحاق: أي علم الإنسان الكتابة بالقلم (٣) (٤) وقال أهل المعاني: قد نوه الله تعالى بالقلم (٥) (٦) (١) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 345 بتصرف.
(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٥) في (ع): (القلم).
(٦) لم أعثر على مصدر لقولهم، وبمعناه قال قتادة: القلم نعمة من الله عظيمة، لولا القلم لم يقم دين، ولم يصلح عيش.
"الكشف والبيان" 13/ 121 ب، و"زاد المسير" 8/ 279.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اقرأ باسم رَبِّكَ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن معناه اقرأ القرآن مفتتحاً باسم ربك، أو متبركاً باسم ربك، وموضع باسم ربك نصب على الحال ولذا كان تقديره: مفتتحاً، فيحتمل أن يريد ابتدأ القراءة بقول: بسم الله الرحمن الرحيم أو يريد الابتداء باسم الله مطلقاً، والوجه الثاني أن معناه اقرأ هذا اللفظ وهو باسم ربك الذي خلق فيكون باسم ربك مفعولاً وهو المقروء ﴿ الذي خَلَقَ ﴾ حذف المفعول لقصد العموم كأنه قال: الذي خلق كل شيء، ثم خصص خلقة الإنسان لما فيه من العجائب والعبر، ويحتمل أنه أراد الذي خلق الإنسان كما قال: ﴿ الرحمن * عَلَّمَ القرآن * خَلَقَ الإنسان ﴾ [الرحمن: 13] ثم فسره بقوله: ﴿ خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ ﴾ والعلق جمع علقة، وهي النطفة من الدم والمراد بالإنسان هنا جنس بني آدم، ولذلك جمع العلق لما أراد الجماعة ولم يدخل آدم في الإنسان هنا لأنه لم يخلق من علقة وإنما خلق من طين ﴿ اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم ﴾ كر الأمر بالقراءة تأكيداً والواو للحال والمقصود تأنيس النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يقول: أفعل ما أمرت به فإن ربك كريم.
وصيغة أفعل للمبالغة ﴿ الذى عَلَّمَ بالقلم ﴾ هذا تفسير للأكرم فدل على أن نعمة التعليم أكبر نعمة، وخص من التعليمات الكتابة بالقلم لما فيها من تخليد العلوم ومصالح الدين والدنيا، وقرأ ابن الزبير: علم الخط بالقلم ﴿ عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ يحتمل أن يريد بهذا التعليم لكل شيء على الاطلاق، وقيل: لأن الإنسان هنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والأظهر أنه جنس الإنسان على العموم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ اقرأ ﴾ بالألف: الأوقية والأعشى وحمزة في الوقف ﴿ رآه ﴾ ممالة مكسورة الراء: حمزة وعلي وخلف ويحيى وعباس والخزار وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل والنقاش عن ابن ذكوان.
وقرأ أبو عمرو غير عباس والنجاري عن ورش بفتح الراء وكسر الهمزة.روى ابن مجاهد وأبو عون غير قنبل مفتوحة الراء مقصورة على وزن" رعه ".
الوقوف: ﴿ الذي خلق ﴾ ه ج لاتباع صلة بلا عطف فإن الجملة الثانية مفسرة للأولى المبهمة، ولو جعل المعنى الذي خلق كل شيء ثم خص خلق الإنسان ازداد الوقف حسناً ﴿ علق ﴾ ه ج لأن ﴿ اقرأ ﴾ يصلح مستأنفاً وتكراراً للأول ﴿ الأكرم ﴾ ه لا ﴿ بالقلم ﴾ ه لا ﴿ يعلم ﴾ ه لا ﴿ ليطغى ﴾ ه لا ﴿ استغنى ﴾ ه ط ﴿ الرجعى ﴾ ه ط ﴿ ينهى ﴾ ه لا ﴿ صلى ﴾ ه ط ﴿ الهدى ﴾ ه لا ﴿ بالتقوى ﴾ ه ط ﴿ وتولى ﴾ ه ط ﴿ يرى ﴾ ه لا ﴿ خاطئة ﴾ ه لا ﴿ ناديه ﴾ ه لا ﴿ الزبانية ﴾ ه لا ﴿ كلا ﴾ ط على الردع ﴿ واقترب ﴾ ه.
التفسير: وقد مر في أوائل الكتاب أن أكثر المفسرين زعموا أن هذه السورة أول ما نزل من السماء.
وفي الباء وجهان: الأول إنها زائدة وزيف بأنه خلاف الأصل وبأن معناه حينئذ: اذكر اسم ربك فلا يحسن من النبي أن يقول: ما أنا بقارىء كما جاء في الحديث، وبأنه كتحصيل الحاصل لأنه لم يكن له شغل سوى ذكر الله.
والثاني وهو الأصح أنه نصب على الحال أي اقرأ القرآن مفتتحاً أو متلبساً باسم ربك وهو لغو.
والباء للآلة وقد مر وجهه في تفسير البسملة.
وكذا وجه من جعله متعلقاً بـ ﴿ قرأ ﴾ الثانية أي استعن باسم ربك واتخذه آلة في تحصيل هذا الذي عسر عليك.
وقيل: هي بمعنى اللام أي اجعل هذا الفعل واقعاً لله كقولك " بنيت الدار باسم الأمير".
" وصنفت الكتاب باسم الوزير".
فالعبادة صارت لله لم يكن للشيطان فيها نصيب.
وفي تخصيص الرب بالذكر في هذا الموضع معنيان: أحدهما ريبتك فلزمك القضاء والشكر فلا تتكاسل.
والثاني أن الشروع ملزم للإتمام وقد ربيتك منذ كذا فكيف أضيعك بعد هذا فلا تفزع.
ثم دل على كونه رباً بقوله ﴿ الذي خلق ﴾ أطلق الخلق أولاً ليتناول كل المخلوقات، ثم خص الإنسان بالذكر لشرفه أو لعجيب فطرته، أو لأن سوق الآية لأجله.
ويجوز أن يكون الأول متروك المفعول إشارة إلى أنه لا خالق سواه ولا يتصف بهذا الاسم غيره، وحينئذ يستدل به على إبطال مذهب المعتزلة في أن العبد خالق أفعال نفسه.
قال أهل العلم: إن الحكيم إذا أراد أمر استعمل فيه التدريج كما يحكى أن زفر حين بعثه أبو حنيفة إلى البصرة لتقرير مذهبه لم يلتفتوا إلى قوله وأبو عن قبوله، فرجع إلى أبي حنيفة وأخبره بذلك فقال: إنك لم تعرف طريق التبليغ لكن ارجع إليهم واذكر في المسألة أقاويل المتهم ثم بين ضعفها ثم قل بعد ذلك ههنا قول آخر واذكر قولي وحجتي، فإذا تمكن ذلك في قلبهم قل هذا قول أبي حنيفة فإنهم يقبلونه حينئذ.
والمقصود من الحكاية أن الله كان يقول لنبيه هؤلاء عبدة الأوثان والفطام من المألوف شديد، فلو خالفتهم أول مرة وصرحت عن محض الحق أبوا أن يقبلوه فاذكر لهم أولاً أنّهم المخلوقون من العلقة فلا يمكنهم الإنكار، ثم قل ولا بد للفعل من فاعل فلا يمكنهم أن يضيفوا ذلك إلى الوثن لعلمهم بأنهم نحتوه، فإذا تأملوا أنصفوا أن من لم يخلق لم يكن إلهاً، والعلق جمع العلقة وإنما لم يقل علقة لأن الإنسان في معنى الجمع وفي تكرار اقرأ وجوه: اقرأ لنفسك ثم اقرأ للتبليغ أو اقرأ في خارج صلاتك، أو الأول للتعلم والثاني للتعليم وهذا قريب من الأول.
والأوجه أن يراد بالأول أوجد القراءة ويكون قوله ﴿ باسم ربك ﴾ متعلقاً بـ ﴿ اقرأ ﴾ الثاني كما مر في تفسير البسملة، قلت: ويمكن أن يكون الأول إشارة إلى كونه قارئاً بالقوة ولهذا رتب عليه خلق الإنسان من علق، والثاني إشارة إلى كونه قارئاً بالفعل ولهذا وصف نفسه بالأكرمية ورتب عليه تعليم الخط والعلم.
وفضائل الخط كثيرة حتى مدح بالرسائل والأشعار وكفاك في مدحه أنه حين عدد على الإنسان نعمة الخلق والتسوية وتعديل الأعضاء الظاهرة والباطنة وصف نفسه بالكرم قائلاً ﴿ ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك ﴾ وحيث من عليه بالخط والتعليم مدح ذاته بالأكرمية فقال متعرضاً ﴿ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ﴾ أي علم الإنسان بواسطة القلم أو علمه الكتابة بالقلم.
يروى أن سليمان سأل عفريتاً عن الكلام فقال: ريح لا يبقى.
قال: فماقيده؟
قال: الكتابة فإن القلم صياد يصيد العلوم يبكي تارةً ويضحك بركوعه يسجد الأنام وبحركته تبقى العلوم على ممر الليالي والأيام، وقوله ﴿ علم الإنسان ما لم يعلم ﴾ يجوز أن يكون بياناً للأول أي علمه بالقلم كقول القائل " أحسنت إليك ملكتك الأموال وليتك الولايات." ويحتمل أن يراد علم بالقلم وعلمه أيضاً غير ذلك.
وفي الآية إشارة إلى إثبات العلوم السمعية الموقوفة على النقل والكتابة بل إلى إثبات النبوة كما أن أول السورة يدل على الأوصاف الإلهية.
قوله ﴿ كلا ﴾ ذكر بعض العلماء أنه بمعنى حقاً لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يتوجه إليه الردع.
وقال صاحب الكشاف: إنه ردع لمن كفر بنعمة الله عليه وطغى وهذا معلوم من سياق الكلام وإن لم يذكر.
وقال مقاتل: كلا لا يعلم الإنسان أنه خلق من علقة وصار عالماً بعد أن كان جاهلاً وذلك لاستغراقه في حب المال والجاه فلا يتأمل في هذه الأحوال.
ومعنى ﴿ أن رآه ﴾ لأن رأى نفسه فحذف حرف الجر على القياس، وحذف النفس لخاصيتة فعل القلب وهي جواز الجمع بين ضميري الفاعل والمفعول فيه.
وأكثر المفسرين على أن المراد بالإنسان ههنا إنسان واحد هو أبو جهل.
ومنهم من يقول: خمس آيات من أول هذه السورة نزلت أولاً ثم نزل باقيها في أبي جهل بعد ذلك بزمان فضم إليها وقيل: نزلت فيه من قوله ﴿ أرأيت الذي ينهى ﴾ إلى آخر السورة والإنسان عام فإن قيل: لم قال في حق فرعون ﴿ إنه طغى ﴾ وفي حق أبي جهل ﴿ ليطغى ﴾ قلنا: إنما أخبر بذلك عن فرعون قبل أن يلقاه موسى وقبل أن يعرض عليه الأدلة، وأما هذه الآية فنزلت تسلية للنبي حين رد أبو جهل عليه أقبح الرد.
وأيضاًً إن فرعون مع كامل سلطتته ما كان يؤذي موسى إلا بالقول وأبو جهل مع قلة جاهه كان يقصد قتل النبي ، وفرعون كان قد أحسن إلى موسى أولاً وقال آخراً ﴿ آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ وأما أبو جهل فكان يحسد النبي في صباه وقال في آخر عمره: بلغوا عني محمداً أني أموت ولا أجد أبغض إليّ منه.
وأيضاً إنهما وإن كانا رسولين لكن الحبيب في مقابلة الكليم كاليد في مقابلة العين، والعاقل يصون عينه فوق ما يصون يده بل يصون عينه باليد فلهذا كانت المبالغة ههنا أكثر.
واعلم أن المال ليس سبباً للطغيان على الإطلاق ولهذا ذهب جم غفير إلى أن الإنسان في الآية مخصوص وكيف لا وإنه لم يزد سليمان إلا تواضعاً وعبودية.
روي أنه كان يجالس المساكين ويقول: مسكين جالس مسكيناً.
وكان عبد الرحمن بن عوف من كبار الصحابة كثير المال، وقال " "نعم المال الصالح للرجل الصالح" " ولو أنصف العاقل وتأمل وجد نفسه في حال الغنى أشد افتقاراً إلى الله لأن الفقير لا يتمنى إلا سلامة نفسه والغني يتمنى سلامة نفسه وماله وأهله وجاهه: وقيل: السين في ﴿ استغنى ﴾ للطلب والمعنى أن الإنسان قد ينسى فضل الرب وعنايته في حالة أن رآه طلب الغنى فنال المنى بسبب الجهد والكد فينسب ذلك إلى كفاءته لا إلى عناية الله، ولم يدر أنه كم من باذل وسعة في الحرص والطلب لم يحصل إلا على خفي حنين، وأنه قد يرجع الغني آخر الأمر إلى حالة الفقر ليتحقق أن ذلك الغني لم يكن بفعله وكسبه، وإنما ذلك بحول الله وقوته.
وههنا نكتة وهي أن أول السورة دل على فضيلة العلم وبعدها دل على مذمة المال فكفى ذلك مرغباً في العلم ومنفراً عن الدنيا.
وفي قوله ﴿ إن إلى ربك ﴾ يا إنسان ﴿ الرجعى ﴾ أي الرجوع وعيد وتذكير كأنه قيل: مصيرك إلى الله وإلى حيث لا يدفع عنك المال والكسب فما هذه الحيلة والعصيان والكبر والطغيان؟
يروى أن أبا جهل قال لرسول الله : أتزعم أن من استغنى طغى فاعل لنا جبال مكة فضة وذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك فنزل جبرائيل فقال: يقول الله إن شئت فعلنا ذلك، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا ذلك، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة فكف رسول الله عن الدعاء إبقاء عليهم.
وروي أن أبا جهل لعنه الله قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟
قالوا: نعم قال: فوالذي يحلف به لئن رأيته توطأت عنقه فجاءه، وهو في الصلاة ثم نكص على عقبيه فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟
فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار فنزلت ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ أي أخبرني عمن ينهي بعض عباد الله وهذا خطاب للرسول على وجه التعجب، وفيه أنه كان يقول: " اللهم أعز الإسلام بعمر أو بأبي جهل بن هشام" ، وكأنه قال له: يا محمد كنت تظن أنه يعز به الإسلام وهو ينهى عن الصلاة التي هي أول أركان الإسلام وكان يلقب بأبي الحكم فقيل له: كيف يليق به هذا اللقب وهو ينهى العبد عن خدمة ربه ويأمر بعبادة الجماد؟
وفي تنكير العبد دلالة على التفخيم كأنه قال: هو عبد لا يكتنه كنه إخلاصه في العبودية ولا يوصف شرح أخلاقه بالكلية.
يروى أن يهودياً من فصحاء اليهود جاء إلى عمر في أيام خلافته وقال: أخبرني عن أخلاق رسولكم.
فقال عمر: اطلب من بلال فهو أعلم به مني.
ثم إن بلالاً دل على فاطمة عليها السلام وهي دلته على علي .
فلما سأل علياً قال: صف لي متاع الدنيا حتى أصف لك أخلاقه.
فقال اليهودي: هذا لا يتيسر لي فقال علي : عجزت عن وصف الدنيا وقد حكم الله بقلته حيث قال ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ فكيف أصف أخلاق النبي وقد شهد الله بأنه عظيم في قوله ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ والحاصل أنه كأنه قال: ما أجهل من ينهى أشد الخلق عبودية عن الصلاة، والنهي عن الصلاة مذموم عند العقلاء.
"يروى أن علياً رأى في المصلى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد فقال: ما رأيت رسول الله يفعل ذلك فقيل له: ألا تنهاهم؟
فقال: أخشى أن أدخل تحت قوله ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ " فلم يصرح بالنهي.
وأخذ أبو حنيفة منه هذا الأدب الجميل حين قاله له أبو يوسف: أيقول المصلي حين يرفع رأسه من الركوع: اللهم اغفر لي؟
فقال: يقول ربنا لك الحمد ويسجد ولم يصرح بالنهي عن الدعاء.
ويحتمل أن يراد بالتنكير الوحدة كأنه قيل: أيظن أبو جهل أنه لو لم يسجد محمد لي وهو عبد واحد لا أجد ساجداً غيره ولي من الملائكة المقربين ما لا يحصيه إلا الله.
وفيه تفخيم شأن النبي ، كان من شهرته بالعبودية لا يحتاج إلى سبق الذكر كقوله ﴿ أسرى بعبده ﴾ ﴿ أنزل على عبده ﴾ وعن الحسن أن الناهي أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة.
وأما الخطاب في قوله ﴿ أرأيت إن كان على الهدى ﴾ فالأكثرون على أنه للنبي أيضاً ليكون على نسق واحد.
وقال في الكشاف: معناه أخبرني أن ذلك الناهي إن كان على طريق سديد فيما ينهى عنه من عبادة الله تعالى.
أو كان آمراً بالتقى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد.
أو كان على سيرة التكذيب والتولي عن الدين الصحيح كما نقول نحن ﴿ ألم يعلم بأن الله يرى ﴾ ويطلع على أحواله من هداه أو ضلاله فيجازيه على ذلك وهو وعيد.
فقوله ﴿ الذي ينهى ﴾ مفعول أول لـ ﴿ أرأيت ﴾ الأول و ﴿ أرأيت ﴾ الثاني مكرر للتأكيد ولطول الكلام، وقوله ﴿ إن كان على الهدى ﴾ مع ما عطف عليه مفعول ثانٍ له، وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب الشرط الثاني وهو قوله ﴿ ألم يعلم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ أرأيت ﴾ الثالث أيضاً مكرراً والجواب بالحقيقة هو ما تدل عليه هذه الجملة الاستفهامية كأنه قيل: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أو كذب وتولى فإن الله مجازيه.
وقيل: إن جواب الشرط الأول شيء آخر يدل عليه سياق الكلام والمراد: أرأيت إن صار هذا الكافر على حالة الهدى أو أمر بالتقوى بدل النهي عن عبادة الله، أما كان يليق به ذلك إذ هو رجل عاقل ذو ثروة.
ففيه تعجيب من حاله أنه كيف فوت على نفسه مراتب الكمال والإكمال واختار بدلها طريقي الضلال والإضلال.
وقيل: الخطاب في ﴿ أرأيت ﴾ الثاني للكافر كأن الظالم والمظلوم عبدان قاما بين يدي مولاهما أو هما اللذان حضرا عند الحاكم أحدهما المدعي والآخر المبدعى عليه، فيخاطب هذا مرة وهذا مرة، فلما قال للنبي ﴿ أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى ﴾ التفت إلى الكافر وقال: أرأيت يا كافر إن كان صلاته هدى ودعاؤه إلى الدين أمراً بالتقوى أتنهاه مع ذلك؟
ثم إن كان الخطاب في ﴿ أرأيت ﴾ الثالث للنبي فالمعنى: أرأيت يا محمد إن كذب هذا الكافر بتلك الدلائل الواضحة وتولى عن خدمة خالقه ألم يعلم بعقله أن الله يرى منه هذه الأعمال القبيحة حتى يصير زاجراً عنها؟
وإن كان الخطاب للكافر فالمراد إن كان محمد كاذباً أو متوالياً ألا يعلم أن خالقه يراه حتى ينتهي فلا يحتاج إلى نهيك؟
قالت العلماء: هذه الآية وإن نزلت في حق أبي جهل إلا أن كل من ينهى عن طاعة الله فهو شريك في وعيد أبي جهل ولا يرد عليه المنع عن الصلاة في الدار المغصوبة وفي الأوقات المكروهة ومنع المولى عبده عن قيام الليل وصلاة التطوع وزوجته عن الاعتكاف، لأن ذلك لاستيفاء مصالح أخرى بإذن الله وحده، ثم ردع أبا جهل عن نهيه أو عن عدم علمه بإحاطة الله بجميع الكائنات أو عن عزمه على أن يقتل محمداً أو يطأ رقبته، فإن تلميذ محمد هو الذي يقتله ويطأ صدره، والسفع القبض على الشيء وجذبه بشدة ومنه سفع النار للفحها كأنها تأخذ من الجسد بياضه وطراوته.
وقد كتب ﴿ لنسفعا ﴾ في المصحف بالألف على حكم الوقف لأن النون الخفيفة المؤكدة يوقف عليه بالألف، واللام في قوله ﴿ بالناصية ﴾ للعهد والمراد لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار ثم إن هذا السفع إما أن يكون إلى نار الآخرة وهو ظاهر، وإما أن يكون في الدنيا كما روي أنه عاد إلى النهي فمكن الله المسلمين يوم بدر حتى جروه بالناصية.
يحكى أنه لما نزلت سورة الرحمن قال النبي : من يقرأوها على رؤساء قريش؟
فتثاقل القوم مخافة أذيتهم فقام ابن مسعود فقال: أنا.
فأجلسه النبي لما كان يعلم من صعفه ثم قال: من يقرأوها عليهم؟
فلم يقم إلا ابن مسعود فأجلسه ثم قال في الثالثة كذلك فلم يقم إلا هو فأذن له، فحين دخل عليهم وكانوا مجتمعين حول الكعبة قرأ السورة فقام أبو جهل فلطمه فانشق أذنه فأدماه فانصرف وعينه تدمع، فلما رآه النبي رق قلبه وأطرق رأسه مغموماً فإذا جبرائيل جاء ضاحكاً مستبشراً فقال: يا جبرائيل تضحك وابن مسعود يبكي، فقال: ستعلم فلما كان يوم بدر التمس ابن مسعود أن يكون له حظ في الجهاد فقال : خذ رمحك والتمس في الجرحى من كان به رمق فاقتله فإنك تنال ثواب المجاهدين.
فأخذ يطالع القتلى فإذا أبو جهل مصروع فخاف أن يكون به قوة فيؤذيه فوضع الرمح على منخره من بعيد فطعنه.
ولعل هذا معنى قوله ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ ثم لما عرف عجزه لم يقدر أن يصعد على صدره لضعفه فارتقى إليه بحيلة، فلما رآه أبو جهل قال: يا رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقى صعباً.
فقال ابن مسعود: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
ثم قال أبو جهل: بلغ صاحبك أنه لم يكن أحد أبغض إليّ منه في حال حياتي ولا أحد أبغض إليّ منه في حال مماتي فروي أنه لما سمع ذلك قال: فرعوني أشد من فرعون موسى فإنه قال " آمنت " وهوقد زاد عتواً.
ثم قال لابن مسعود: اقطع رأسي بسيفي هذا لأنه أحد وأقطع.
فلما قطع رأسه لم يقدر على حمله.
قال أهل العلم: ولعل الحكيم إنما خلقه ضعيفاً لأجل أن لا يقوى على الحمل لوجوه منها: أنه كلب والكلب يجر.
والثاني ليشق أذنه فتقتص الأذن بالأذن.
والثالث تحقق الوعد المذكور في قوله ﴿ لنسفعا ﴾ فإن ابن مسعود لما لم يطقه شق أذنه وجعل الخيط فيه وجعل يجره إلى رسول الله وجبرائيل بين يديه يضحك ويقول: يا محمد أذن بأذن لكن الرأس ههنا مع الأذن.
والناصية شعر الجبهة، وقد يسمى مكان الشعر ناصية، وقد كنى ههنا عن الوجه والرأس بالناصية قالوا: السبب فيه أن أبا جهل كان مهتماً بترجيل الناصية وتطييبها فلقاه الله نقيض المقصود حين أعرض عن حكم المعبود.
ثم وصف الناصية بأنها ﴿ ناصية كاذبة خاطئة ﴾ كذب صاحبها وخطأه حين سمى النبي الصادق ساحراً كذاباً، أو حين زعم أنه أكثر أهل الوادي نادياً، والخاطىء أفظع من المخطىء ولهذا قال ﴿ لا يأكله إلا الخاطئون ﴾ فالخاطىء معاقب مأخوذ والمخطئ لا يكون مأخوذاً ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
وقوله ﴿ ناصية ﴾ بدل الكل من الأول، ووجه حسنها كونها موصوفة كما علم من قواعد النحو.
يروى أن رسول الله لما أغلظ في القول لأبي جهل وتلا عليه هذه الآيات قال: يا محمد بمن تهددني وإني أكثر هذا الوادي نادياً أي أهل مجلس، لأملأن عليك هذا الوادي خيلاً جرداً ورجالاً مرداً فزاد الله في تهديده قائلاً ﴿ فليدع ناديه سندع الزبانية ﴾ والزباني كل متمرد من جن وإنس ومثله " زبنية " بتخفيف الياء كعفريت وعفرية وأصله من الزبن الدفع، ولعل كسر الزاي لتغيير النسب، عن النبي : لو دعا نادية لأخذته الزبانية عياناً.
قال مقاتل: هم خزنة جهنم أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء.
قال قتادة: الزبانية الشرط بلغة العرب أي الحرس، وقيل: هي جمع لا واحد له.
ثم ردع أبا جهل عن قبائح أحواله وأفعاله بقوله ﴿ كلا ﴾ وشجع النبي بقوله ﴿ لا تطعه ﴾ ثم قال ﴿ واسجد واقترب ﴾ أي دم على سجودك وتقرب به إلى ربك ومنه قوله " "أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد" وقيل: صل وتوفر على عبادة الله فعلاً وإبلاغاً.
وقيل: اسجد يا محمد واقترب يا أبا جهل وضع قدمك عليه فإن الرجل ساجد مشغول بنفسه وهذا تهكم به وتعريض بأن الله وتعالى عاصم نبيه وحافظه والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ﴾ : ذكر أهل التأويل أن هذه السورة أول سورة نزلت على رسول الله ، وأول وحي أوحي إليه.
وقيل: غير هذه هي الأولى.
ثم الإشكال أنه أمره بأن يقرأ باسم ربك الذي خلق، وحق هذا ونحوه إذا قيل له: اقرأ، أو افعل: ألا يقول مثل ما قيل له: اقرأ أو افعل؛ لأنه أمر في الظاهر إنما يكون عليه الائتمار بذلك، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ، و [، ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ، و ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ ﴾ ، و ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ ﴾ ] وكذلك على هذا قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ...
﴾ وأمثال ذلك، يجب ألا يقول هو مثل ما قيل: له: ﴿ قُلْ ﴾ ، أو: ﴿ ٱقْرَأْ ﴾ ، ولكن يقول: "يا أيها الكافرون"، ويقول: "هو الله أحد"، "أعوذ برب الفلق"، "أعذوب برب الناس"، هذا هو وجه الكلام ومعناه.
وجوابه أنه يحتمل وجوها: أحدها: [أنه] أريد بهذا أن يكون قرآنا يقرأ هكذا في حق القراءة يبقى، ويثبت في المصاحف إلى آخر الدهر؛ ليعلم كيف قيل لرسول الله؟
وكيف أوحي إليه؟
وأنه لم يترك مما قيل له حرفا واحدا؛ ليكون حجة لرسالته وآية لنبوته، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون كذلك على خلاف المفهوم من كلام الناس؛ لئلا يكون المفهوم من وحي السماء والمنزل منها كخطاب بعض بعضا، ولكن خلاف [المفهوم] منه.
والثاني: أن يكون الخطاب منه لكل أحد، ومن كل أحد لآخر، خطاب جبريل - - رسول الله به، وأمره أن يقرأ، ثم يأمر رسول الله غيره بذلك، وذلك الغير يقول لآخر كذلك؛ فيكون الخطاب منه لكل أحد، ومن كل أحد لآخر، والله أعلم.
وقوله - -: ﴿ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ﴾ يحتمل أن يريد به [أي]: افتتح القراءة باسم ربك على ما جعل افتتاح كل شيء باسم الرب - - لينال بركة ذلك فيه.
والثاني: أن يكون ما ذكر على اثر اسم ربه، وهو تفسير اسم ربه؛ حيث قال: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ ؛ فيكون هذا تفسيرا لما ذكر من اسم ربه.
أو يكون قوله: ﴿ بِٱسْمِ رَبِّكَ ﴾ كما يقال: "أسألك باسمك الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت"، وذلك الاسم مكتوم بين أسمائه.
ثم قوله: ﴿ بِٱسْمِ رَبِّكَ ﴾ يخرج إضافته إليه مخرج التعظيم لرسول الله ، وخصوصيته له؛ على ما ذكرنا إن إضافة خاصية الأشياء إلى الله - - تخرج مخرج تعظيم ذلك الخاص، من ذلك قوله: [ ﴿ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾ ] و ﴿ نَاقَةُ ٱللَّهِ ﴾ ، ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ﴾ ، ونحو ذلك من إافة خاصية الأشياء إليه؛ وإضاضفة كلية الاشياء إلى الله - - تخرج مخرج تعظيم الرب والمحمدة له، نحو قوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، و ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، و ﴿ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
ثم لا يجوز إضافة الخاص الذي لا خصوصية ظهرت له إلى الله - - لا يجوز أن يقال: يا رب زيد، ويا رب عمرو، ونحو ذلك؛ إنما يجوز ذلك فيمن ظهرت له خصوصية [و] فضل من الأنبياء والرسل والملائكة، عليهم السلام، والبقاع والأمكنة التي ظهرت لها خصوصية وفضل؛ ليكون ذلك تعظيما لها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ : العلق: الدم الجامد، [ثم قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ ] أراد به كل إنسان، و ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ كذلك؛ ليعلم أن الاسم الفرد [إذا دخله] لام التعريف أريد به العموم، وهو كقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ .
ثم في الآية دلالة على إبطال قول من يدعي طهارة النطفة؛ بعلة أن الإنسان خلق منها؛ فإنه أخبر أنه خلق الإنسان من علق، نسب خلق الإنسان إليه، ولا شك أن العلق نجس، ثم أخبر أنه خلق الإنسان منه؛ فعلى ذلك جائز أن تكون النطفة التي منها يخلق الإنسان نجسة، وذلك غير مستحيل.
ثم أضاف [خلقه مرة أخرى إلى] الأحوال التي قلب منها، حيث قال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، وأضاف هاهنا إلى حالة واحدة، وهي العلقة التي ذكر، وإن لم يكن الإنسان في الحقيقة مخلوقا من العلقة والنطفة والتراب الذي ذكر؛ لأن هذه [الأسماء] أسامي هذه الأشياء باعتبار خاصيات فيها، وتلك الخاصيات تنعدم باعتراض حال أخرى عليها، وإنما يخلق الإنسان من المضغة وإنما خلق الإنسان منه، ونسبه إلى ما ذكر؛ لما أن الإنسان هو المقصود من [خلق ذلك، وهو النهاية التي ينتهي إليها، فذكر بالذي ينتهي إليه من] الغاية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ ﴾ : ذكر ﴿ ٱلأَكْرَمُ ﴾ ؛ ليعلم أن اختياره واصطفاءه لرسالته ونبوته، وتعليم القرآن ابتداء إحسان من [إليه] وتفضل عليه، لا بحق له عليه؛ إذا ذكر في موضع المنة والفضل والكرم؛ إذ الأكرم هو الوصف لغاية الكرم؛ كلأعلم وصف بإحاطة العلم وكماله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ .
جعل الله - - القلم سببا به يحفظ، وبه يثبت، وبه يوصل إلى حفظ ما يحخاف فوته ونسيانه من أمر دينهم ودنياهم، ما لو لم يكن القلم، لم يستقم أمر دينهم ولا دنياهم.
ثم قوله: ﴿ عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ ﴾ ، أي: علم الخط والكتابة بالقلم.
وكذا ذكر في حرف ابن مسعود وأبي وحفصة - م -: (علم الخط بالقلم).
ثم أضاف التعليم بالقلم إلى نفسه.
وكذلك قوله: ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ ؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون أضاف ذلك إلى نفسه؛ لما يخلق منهم فعل تعلمهم.
ويحتمل إضافته إليه؛ للأسباب التي جعلها لهم في التعليم، [والله أعلم].
ثم ذلك التعليم بالقلم لأمته، لا لرسول الله ؛ لأنه علم أياه بلا كناية ولا خط؛ حيث قال: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ ، ثم في تعليم رسول الله بلا قلم ولا كتابة آية عظيمة لرسالته، حيث جعله بحال يحفظ بقلبه بلا إثبات، ولا كتابة، ولا خط يخطه.
ثم قوله: ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ يحتلم رسول الله ؛ لقوله: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾ ، وكقوله: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ﴾ ، وقوله: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ ﴾ .
ويحتمل [قوله]: ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ : كل إنسان؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ .
وقوله - عز جل -: ﴿ كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ ﴾ : طغى بالغنى، أي: تكبر، وافتخر بما رأى نفسه غنية، وعلى هذا ما روي في الخبر [من] التعوذ من غنى يطغي، وفقر ينسي؛ لأن الغنى يحمل على التكبر والافتخار، والطغيان هو المجاوزة عن الحد والتعدي فيه، والفقر المنسي: هو المجهد الذي ينسي غيره من النعم، أعني: ينسي غير المال من صحة البدن والعقل والعلم ونحو ذلك.
وقوله: ﴿ كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ ﴾ ، ليس هذا وصف ذلك الكافر بعينه على ما ذكره أهل التأويل -: أبي جهل لعنه الله - ولكن كل كافر يطغى؛ إن رأى نفسه غنية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ ﴾ : أي: المرجع كذا قال أبو عبيد.
وقال غيره: الرجوع.
ثم يحتمل قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ ﴾ ، أي: المرجع للكل إلى ما أعد لهم: أعد للكافر النار، وللمؤمن الجنة؛ على ما ذكر في الآية.
وجائز أن يكون إخبارا عن رجوع الكل إليه.
ثم قوله: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ﴾ ، أريد به إنسان دون إنسان؛ إذ لم يطغ كل إنسان، ولا يخلف يقع في خبر الله ؛ فكأن المراد منه: البعض؛ ليعلم أن الفهم بظاهر الخطاب والعموم ليس بواجب، ولكن على حسب قيام الدليل على المراد منهز وفيه أن المراد منه قد يكون مبينا مقرونا به، وقد يكون مطلوبا غير مقرون به.
<div class="verse-tafsir"
الَّذي علّم الخط والكتابة بالقلم.
<div class="verse-tafsir" id="91.1OQM9"
صح في الأخبار أن النبي أول ما تمثل له الملك الذي يتلقى عنه الوحي قال له الملك: اقرأ.
قال رسول الله: فقلت: ما أنا بقارئ!
قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ!
فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ!
فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد فقال: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ حتى بلغ ﴿ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ .
قال الراوي: فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة.
والحديث طويل، وفيه أن الوحي قد فتر فترة بعد ذلك حزن لها النبي حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال.
ولكن كان يمنعه تمثل الملك له وإخباره بأنه رسول الله حقًا.
وفي هذا دلالة على أن ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ هو أول خطاب إلهي وجه إلى النبي .
أما بقية السورة فهو متأخر النزول قطعًا، وما فيه من ذكر أحوال المكذبين يدل على أنه إنما نزل بعد شيوع خبر البعثة، وظهور أمر النبوة وتحرش قريش لايذائه عليه السلام.
ثم هذا لا ينافي أن أول سورة نزلت كاملة بعد ذلك هي أم الكتاب كما بيناه في تفسيرها.
ترى من سياق القصة التي قدمناها أن المتبادر من معنى الآية الأولى: كن قارئًا باسم الله، من قبيل الأمر التكويني.
فإن النبي لم يكن قارئًا ولا كاتبًا، ولذلك كرر القول مرارًا "ما أنا بقارئ"!
وبعد ذلك جاء الأمر الإلهي بأن يكون قارئًا، وإن لم يكن كاتبًا، فإنه سينزل عليه كتاب يقرؤه وإن كان لا يكتبه.
ولذلك وصف الرب بالذي خلق، أي الذي أوجد الكائنات.
فالمتصف بالصفات التي يظهر أثر المتصف بها في إبداع الكائنات التي لا يحيط بها الوصف، قادر أن يوجد فيك القراءة، وإن لم يسبق لك تعلمها، لأنك لم تكن تدري ما الكتاب، فكأن الله يقول: كن قارئًا بقدرتي وبإرادتي.
وإنما عبر بالاسم لأنه -كما سبق في سورة سبح- دال على ما تعرف به الذات.
وخلق القراءة يلفتك إلى الذات وصفاتها جميعًا، لأن القراءة علم في نفس حية، فهي تخطر ببالك من الله وجوده وعلمه وقدرته وإرادته.
أما إذا حملنا الأمر على التكليف، وقلنا إن المعنى إنك مأمور -إذا قرأت أن تقرأ باسم الله، وهو خلاف المتبادر- فيكون معنى ذلك هو ما بيناه في معنى "بسم الله الرحمن الرحيم" في تفسير الفاتحة، أي إذا قرأت فاقرأ دائمًا على أن تكون قراءتك عملًا تنفذه لله لا لغيره، فلو فرض أنه قرأ وجعل قراءته لله لا لأحد سواه، ولم يذكر الاسم، فهو قارئ باسم الله، وإنما طلبت التسمية باللسان لتكون منبهة للضمير في بداية كل عمل إلى أن يرجع إلى الله في ذلك العمل.
ويلاحظ أنه يعمل لاسمه لا لاسم غيره سبحانه.
والعلق: الدم الجامد، وهي حالة الجنين في الأيام الأولى لخلقه.
ومن كان قادرًا على أن يخلق من الدم الجامد إنسانًا -وهو الحي الناطق الذي يسود بعلمه على سائر المخلوقات الأرضية، ويسخر لخدمته- يقدر أن يجعل من الإنسان الكامل -مثل النبي - قارئًا وإن لم يسبق له تعلم القراءة.
جاء بهذه الآية بعد سابقتها ليزيد المعنى تأكيدًا.
كأنه يقول لمن كرر القول إنه ليس بقارئ: أيقن أنك قد صرت قارئًا بإذن ربك الذي أوجد الكائنات -وما القراءة إلا واحدة منها- والذي أنشأ الإنسان خلقًا كاملًا من دم جامد لا شكل فيه ولا صورة وإنما القراءة صفة عارضة على ذلك الإنسان الكامل فهي أولى بسهولة الإيجاد.
ولما كانت القراءة من الملكات التي لا تكسبها النفس إلا بالتكرار والتعود على ما جرت به العادة في الناس، ناب تكرار الأمر الإلهي عن تكرار المقروء في تصييرها ملكة للنبي ، فلهذا كرر الأمر بقوله: ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ﴾ .
وجملة وربك إلخ، استئنافية لبيان أن الله أكرم من كل من يرتجي منه الإعطاء، فيسير عليه أن يفيض عليك هذه النعمة -نعمة القراءة- من بحر كرمه.
ثم أراد أن يزيده اطمئنانًا بهذه الموهبة الجديدة فوصف مانحها بأنه "الذي علم بالقلم" أي أفهم الناس بواسطة القلم كما أفهمهم بواسطة اللسان.
والقلم آلة جامدة لا حياة فيها ولا من شأنها في ذاتها الإفهام.
فالذي جعل من الجماد الميت الصامت آلة للفهم والبيان، ألا يجعل منك قارئًا مبينًا، وتاليًا معلمًا، وأنت إنسان كامل؟
ثم أراد أن يقطع الشبهة من نفسه، ويبعد عنه استغراب أن يقرأ -ولم يكن قارئًا- فقال: ﴿ عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ .
أي إن الذي صدر أمره بأن تكون قارئًا وأوجد فيك ملكة القراءة والتلاوة، وسيبلغك فيها مبلغًا لم يبلغه سواك، هو الذي علم الإنسان جميع ما هو متمتع به من العلم، وكان في بدء خلقه لا يعلم شيئًا.
فهل يستغرب من هذا المعلم الذي ابتدأ العلم للإنسان -ولم يكن يسبق له عالم بالمرة- أن يعلمك القراءة وعندك كثير من العلوم سواها، ونفسك مستعدة بها لقبول غيرها؟!
ثم إنه لا يوجد بيان أبرع، ولا دليل أقطع على فضل القراءة والكتابة والعلم بجميع أنواعه، من افتتاح الله كتابه وابتدائه الوحي بهذه الآيات الباهرات فإن لم يهتد المسلمون بهذا الهدى، ولم ينبههم النظر فيه إلى النهوض إلى تمزيق تلك الحجب التي حجبت عن أبصارهم نور العلم، وكسر تلك الأبواب التي غلقها عليهم رؤساؤهم وحبسوهم بها في ظلمات من الجهل وإن لم يسترشدوا بفاتحة هذا الكتاب المبين، ولم يستضيئوا بهذا الضياء الساطع..
فلا أرشدهم الله أبدًا!
هذه الآيات دلت على أن الله خلق العالم، وعلى أن لا ينسب الخلق إلى غيره -كما ترشد إليه الآية الأولى- وأنه خلق الإنسان الحي الناطق مما لا حياة فيه ولا نطق ولا شكل ولا صورة، وعلَّمه أفضل علم، وهو الكتابة، ووهبه العلم ولم يكن يعلم شيئًا.
فكل شيء للإنسان فهو منه ومن هباته.
فما أعجب ما يكون من الإنسان بعد ذلك من غفلته عن ذلك كله لمجرد أن يحس من الغنى عن غيره!
ولهذا ناسب أن يؤتى بعد تلك الآيات المتقدمات بما نزل بعدها بسنين كثيرة من قوله ﴿ كَلاَّ إِنَّ الإنسان لَيَطْغَى ﴾ .
كلا كلمة زجر تفيد في الأغلب أن ما بعدها مخالف لأثر ما قبلها أي ما أسخف عقل الإنسان!
فإنه مع ظهور أمره، وشدة فقره في نفسه، وظهور أن الله مالك كل شيء عنده، يطغى ويخرج عن الحد الذي يجب عليه أن يقف عنده، فيستكبر عن الخشوع لربه، ويتطاول بالأذى على خلقه، وذلك (أن رآه استغنى)أي متى أحس من نفسه قدرة وثروة يعد نفسه بهما فوق من دونه من الناس، فلا يرى أنه معهم أعضاء جماعة واحدة، يحتاج كل إلى الآخر في استدامة الأمن واستكمال السعادة.
والاستغناء بهذا المعنى، وهو الرذيلة.
وهو المذكور في قوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ﴾ في سورة الليل.
أما الغنى والقوة في أيدي الأتقياء، فما أعظم وسائل الخير، وأفضل أسباب السعادة الدنيوية والأخروية.
ولكن الأتقياء يرشدهم في تصريف ثروتهم وقوتهم العلم والدين الصحيحان، والأغلب من عامة الناس يصرفهم الهوى والشهوة، لهذا أطلق الإنسان باعتبار الأغلب من أفراده وهم الذين يستغنون بالمعنى السابق.
ولما كان المغرور يظن أنه في سوء عمله إنما يصنع ما هو من حقه، ضاعف له التأكيد، فقال: ﴿ لَيَطْغَى ﴾ .
أي أنه باستغنائه يخرج عن حده قطعًا.
ثم بيّن أنه واهم في طغيانه، كاذب في زعمه أنه ملك ناصية القوة والقدرة لأن ما في يده عارية، وليست نفسه بباقية، ولا لها من الله واقية - فقال ﴿ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ﴾ أي المرجع.
أي إن المرجع إلى الله وحده دون غيره، فهو مالك ما تملكه، وهو الذي ينتزع روحك فتخرج من هذه الحياة الدنيا إلى حياة ينكشف عنك فيها غطاء الغرور، وتظهر ذُلَّك، وتحاسب على ما أتيته أيام عزك.
بعد ذلك جاء الله لنا بمثل من أمثلة الطغيان، وذكره على طريقة الاستغراب والتبشيع، ثم أعقب ذكره بالوعيد والتهديد، فقال: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى ﴾ .
كلمة أرأيت صارت تستعمل في معنى أخبرني، على أنها لا يقصد بها في مثل هذه الآية الاستخبار الحقيقي ولكن يقصد بها إنكار الحالة المستخبر عنها وتقبيحها، كما في قوله: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾ إلخ.
فكأنه يقول ما أسخف عقل هذا الذي يطغى به الكبر فينهى عبدًا من عبيد الله عن صلاته!
خصوصًا وهو في حالة أدائها.
أما قوله: ﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ﴾ ، فمعناه أخبرني عن حاله إن كان ذلك الطاغي على الهدى وعلى صراط الحق، أو أمر بالتقوى مكان نهيه عن الصلاة: أفما كان ذلك خيرًا له وأفضل؟!
وقوله ﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾ أي نبئني عن حاله إن كذب وتولى أي كذب بما جاء به النبيون، أو كذب بثبوت الفضيلة وأصل الفرق بين الخير والشر والصالح والطالح.
(وتولى) أي أعرض عن العمل الطيب، أفلا يخشى أن تحل به قارعة، ويصيبه من عذاب الله ما لا قبل له باحتماله؟
فجواب كل من الشرطين محذوف كما رأيت في تفسير المعنى، وهو من الإيجاز المحمود بعد ما دل على المحذوف بقوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾ ؟.
أي أجهل أن الله يطلع على أمره: فإن كان تقيًا على الهدى أحسن جزاءه وإن كذب وتولى لم يفلت من عقوبته!
ثم إن ما يطيل به المفسرون في المفعول الثاني لفعل أرأيت الأولى ومفعوليها في الثانية والثالثة، فهو مما لا معنى له، لأن القرآن قدوة في التعبير، وقد استعملها بمفعول واحد وبلا مفعول أصلًا بمعنى أخبرني.
والجملة المستخبر عن مضمونها تسد مسد المفاعيل.
﴿ كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَا بِالنَّاصِيَةِ ﴾ : كلمة كلا صدع بالزجر جديد، أي لا يستمر به غروره وجهله وطغيانه.
فإني أقسم لئن لم ينته عن هذا الطغيان، وإن لم يكف عن نهي المصلي عن صلاته (لنسفعا بالناصية): أي لنأخذن بها.
والناصية شعر الجبهة، أو الجبهة نفسها.
قال المبرد: السفع الجذب بشدة، وسفع بناصية فرسه: جذبه!
قال عمرو بن معدي كرب: قومٌ إذا كثر الصياح رأيتهم ما بين ملجم مهره أو سافع والأخذ بالناصية هنا مثل في القهر والإذلال والتعذيب والنكال.
(ناصية كاذبة خاطئة): أعاد الناصية على طريق البدل مع وصفها بالوصفين التابعين لها لزيادة التشنيع بها وهي كاذبة لغرورها بقوتها مع أنها في قبضة خالقها فهي تزعم ما لا حقيقة له، وخاطئة لأنها طغت عن حدها، وعتت عن أمر ربها، وأساءت إلى الصالحين من قومها.
ونسبة الكذب والخطيئة إلى الناصية، مع أن الكاذب والمخطئ صاحبها، لأن الناصية مظهر الغرور والكبرياء كما هو معروف.
(فليدع ناديه) النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم، ويطلق على القوم أنفسهم.
أي فليجمع أمثاله ممن ينتدي معهم ليمنع المصلين المخلصين، ويؤذي أهل الحق الصادقين، فإن فعل فقد تعرّض لنهرنا وتنكيلنا ﴿ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ﴾ : الزبانية في أصل اللغة: الشرط وأعوان الولاة.
قيل إنه جمع لا واحد له.
وقال أبو عبيدة: واحده زبنية بكسر فسكون كعفرية.
وقال الكسائي: واحدة زبني بالكسر كإنسي.
وقال عيسى بن عمر واحده زابن.
وقد تطلق العرب هذا الاسم على من اشتد بطشه، وإن لم يكن من أعوان الولاة.
قال: مطاعيم في القصوى مطاعين في الوغى زبانية غلب عظام حلومها أي سندعو له من جنودنا القوي المتين الذي لا قبل له بمغالبته فيهلكه في الدنيا أو يرديه في النار في الآخرة وهو صاغر.
﴿ كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ : كلا، زجر عن الإصغاء لقول الطاغي فلا تطع الطاغي إذا نهاك عن عبادة ربك، واسجد له واقترب: أي تقرب إليه بالعبادة، ولا تبعد عنه بتركها.
ذكر الصلاة في السورة لا يدل على أن بقيتها نزل بعد فرض الصلاة.
فقد كان للنبي وأصحابه صلاة قبل أن تفرض الصلوات الخمس المعروفة.
جاء في الخبر أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه.
فبلغ النبي فقال: لو فعل لأخذته الملائكة.
وفيه نزلت الآيات، ولا مناع من أن يكون في الآيات إشارة إليه، ولكنها عامة في كل وقت وزمن كما ترى.
والخطاب فيها موجه إلى من يخاطب لا إلى شخص النبي .
والله أعلم.