الآية ٩٧ من سورة طه

الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ٩٧ من سورة طه

قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًۭا لَّن تُخْلَفَهُۥ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًۭا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا ٩٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 134 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٧ من سورة طه: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٧ من سورة طه عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ) أي : كما أخذت ومسست ما لم يكن أخذه ومسه من أثر الرسول ، فعقوبتك في الدنيا أن تقول : " لا مساس " أي : لا تماس الناس ولا يمسونك .

( وإن لك موعدا ) أي : يوم القيامة ، ( لن تخلفه ) أي : لا محيد لك عنه .

وقال قتادة : ( أن تقول لا مساس ) قال : عقوبة لهم ، وبقاياهم اليوم يقولون : لا مساس .

وقوله : ( وإن لك موعدا لن تخلفه ) قال الحسن ، وقتادة ، وأبو نهيك : لن تغيب عنه .

وقوله : ( وانظر إلى إلهك ) أي : معبودك ، ( الذي ظلت عليه عاكفا ) أي : أقمت على عبادته ، يعني : العجل ( لنحرقنه ) قال الضحاك عن ابن عباس ، والسدي : سحله بالمبارد ، وألقاه على النار .

وقال قتادة : استحال العجل من الذهب لحما ودما ، فحرقه بالنار ، ثم ألقاه ، أي : رماده في البحر; ولهذا قال : ( ثم لننسفنه في اليم نسفا ) .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، أنبأنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمارة بن عبد وأبي عبد الرحمن ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : إن موسى لما تعجل إلى ربه ، عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي نساء بني إسرائيل ، ثم صوره عجلا قال : فعمد موسى إلى العجل ، فوضع عليه المبارد ، فبرده بها ، وهو على شط نهر ، فلم يشرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب .

فقالوا لموسى : ما توبتنا ؟

قال : يقتل بعضكم بعضا .

وهكذا قال السدي : وقد تقدم في تفسير سورة " البقرة " ثم في حديث " الفتون " بسط ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ) يقول: قال السامريّ: علمت ما لم يعلموه، وهو فعلت من البصيرة: أي صرت بما عملت بصيرا عالما.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: لما قتل فرعون الولدان قالت أمّ السامريّ: لو نحيته عني حتى لا أراه، ولا أدري قتله، فجعلته في غار، فأتى جبرائيل، فجعل كفّ نفسه في فيه، فجعل يُرضعه العسل واللبن، فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قال: ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ).

وقال آخرون: هي بمعنى: أبصرت ما لم يبصروه، وقالوا: يقال: بصرت بالشيء وأبصرته، كما يقال: أسرعت وسرعت ما شئت.

* ذكر من قال: هو بمعنى أبصرت: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ) يعني فرس جبرائيل عليه السلام.

وقوله ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) يقول: قبضت قبضة من أثر حافر فرس جبرائيل.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما قذفت بنو إسرائيل ما كان معهم من زينة آل فرعون في النار، وتكسرت، ورأى السامري أثر فرس جبرائيل عليه السلام، فأخذ ترابا من أثر حافره، ثم أقبل إلى النار فقذفه فيها، وقال: كن عجلا جسدا له خوار، فكان للبلاء والفتنة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قبض قبضة من أثر جبرائيل، فألقى القبضة على حليهم فصار عجلا جسدا له خوار، فقال: هذا إلهكم وإله موسى.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا ) قال: من تحت حافر فرس جبرائيل، نبذه السامريّ على حلية بني إسرائيل، فانسبك عجلا جسدا له خوار، حفيف الريح فيه فهو خواره، والعجل: ولد البقرة.

واختلف القرّاء في قراءة هذين الحرفين، فقرأته عامَّة قرّاء المدينة والبصرة ( بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ) بالياء، بمعنى: قال السامريّ بصرت بما لم يبصر به بنو إسرائيل.

وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ( بَصُرْتُ بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا بِهِ) بالتاء على وجه المخاطبة لموسى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بمعنى: قال السامريّ لموسى: بصرت بما لم تبصر به أنت وأصحابك.

والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء مع صحة معنى كل واحدة منهما، وذلك أنه جائز أن يكون السامريّ رأى جبرائيل، فكان عنده ما كان بأن حدثته نفسه بذلك أو بغير ذلك من الأسباب، أن تراب حافر فرسه الذي كان عليه يصلح لما حدث عنه حين نبذه في جوف العجل، ولم يكن علم ذلك عند موسى، ولا عند أصحابه من بني إسرائيل، فلذلك قال لموسى ( بَصُرْتُ بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا بِهِ) أي علمت بما لم تعلموا به.

وأما إذا قرئ(بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ) بالياء، فلا مؤنة فيه، لأنه معلوم أن بني إسرائيل لم يعلموا ما الذي يصلح له ذلك التراب.

وأما قوله ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) فإن قرّاء الأمصار على قراءته بالضاد، بمعنى: فأخذت بكفي ترابا من تراب أثر فرس الرسول.

ورُوي عن الحسن البصري وقَتادة ما حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن عباد بن عوف، عن الحسن أنه قرأها( فَقَبَصْتُ قَبْصَةً ) بالصاد.

وحدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن عباد، عن قَتادة مثل ذلك بالصاد بمعنى: أخذت بأصابعي من تراب أثر فرس الرسول، والقبضة عند العرب: الأخذ بالكفّ كلها، والقبصة: الأخذ بأطراف الأصابع.

وقوله (فَنَبَذْتُها) يقول: فألقيتها( وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ) يقول: وكما فعلت من إلقائي القبضة التي قبضت من أثر الفرس على الحلية التي أوقد عليها حتى انسبكت فصارت عجلا جسدا له خوار ، ( سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ) يقول: زينت لي نفسي أن يكون ذلك كذلك.

كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ( وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ) قال: كذلك حدثتني نفسي.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال فاذهب أي قال له موسى فاذهب أي من بيننا فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس أي لا أمس ولا أمس طول الحياة .

فنفاه موسى عن قومه وأمر بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له .

قال الشاعر :تميم كرهط السامري وقوله ألا لا يريد السامري مساساقال الحسن : جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يماسوه عقوبة له ولمن كان منه إلى يوم القيامة ؛ وكأن الله - عز وجل - شدد عليه المحنة ، بأن جعله لا يماس أحدا ولا يمكن من أن يمسه أحد ، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا .

ويقال : ابتلي بالوسواس وأصل الوسواس من ذلك الوقت .

وقال قتادة : بقاياهم إلى اليوم يقولون ذلك - لا مساس - وإن مس واحد من غيرهم أحدا منهم حم كلاهما في الوقت .

ويقال : إن موسى هم بقتل السامري ، فقال الله تعالى له : لا تقتله فإنه سخي .

ويقال لما قال له موسى : فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس خاف فهرب فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحشي ، لا يجد أحدا من الناس يمسه حتى صار كالقائل لا مساس ؛ لبعده عن الناس وبعد الناس عنه ؛ كما قال الشاعر :حمال رايات بها قناعسا حتى تقول الأزد لا مساسامسألة : هذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وألا يخالطوا ، وقد فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بكعب بن مالك والثلاثة الذين خلفوا .

ومن التجأ إلى الحرم وعليه قتل [ ص: 155 ] لا يقتل عند بعض الفقهاء ، ولكن لا يعامل ولا يبايع ولا يشارى ، وهو إرهاق إلى الخروج .

ومن هذا القبيل التغريب في حد الزنا ، وقد تقدم جميع هذا كله في موضعه ، فلا معنى لإعادته .

والحمد لله وحده .

وقال هارون القارئ : ولغة العرب لا مساس بكسر السين وفتح الميم ، وقد تكلم النحويون فيه ؛ فقال سيبويه : هو مبني على الكسر كما يقال اضرب الرجل .

وقال أبو إسحاق : لا مساس نفي وكسرت السين لأن الكسرة من علامة التأنيث ؛ تقول فعلت يا امرأة .

قال النحاس وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول : إذا اعتل الشيء من ثلاث جهات وجب أن يبنى ، وإذا اعتل من جهتين وجب ألا ينصرف ؛ لأنه ليس بعد ترك الصرف إلا البناء ؛ فمساس ودراك اعتل من ثلاث جهات : منها أنه معدول ، ومنها أنه مؤنث ، وأنه معرفة ؛ فلما وجب البناء فيه وكانت الألف قبل السين ساكنة كسرت السين لالتقاء الساكنين ؛ كما تقول اضرب الرجل .

ورأيت أبا إسحاق يذهب إلى أن هذا القول خطأ ، وألزم أبا العباس إذا سمى امرأة بفرعون يبنيه ، وهذا لا يقوله أحد .

وقال الجوهري في الصحاح : وأما قول العرب لا مساس مثال قطام فإنما بني على الكسر لأنه معدول عن المصدر وهو المس .

وقرأ أبو حيوة ( لا مساس ) .

وإن لك موعدا لن تخلفه يعني يوم القيامة .

والموعد مصدر ؛ أي إن لك وعدا لعذابك .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( تخلفه ) بكسر اللام وله معنيان : أحدهما : ستأتيه ولن تجده مخلفا ؛ كما تقول : أحمدته أي وجدته محمودا .

والثاني : على التهديد أي لا بد لك من أن تصير إليه .

والباقون بفتح اللام ؛ بمعنى : إن الله لن يخلفك إياه .قوله تعالى : وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا أي دمت وأقمت عليه .

عاكفا أي ملازما .

وأصله ظللت ؛ قال :خلا أن العتاق من المطايا أحسن به فهن إليه شوشأي أحسسن .

وكذلك قرأ الأعمش بلامين على الأصل .

وفي قراءة ابن مسعود ( ظلت ) بكسر الظاء .

يقال : ظللت أفعل كذا إذا فعلته نهارا وظلت وظلت ؛ فمن قال : ظلت حذف اللام الأولى تخفيفا ؛ ومن قال ظلت ألقى حركة اللام على الظاء .

لنحرقنه قراءة العامة بضم النون وشد الراء من حرق يحرق .

وقرأ الحسن وغيره بضم النون وسكون الحاء وتخفيف الراء من أحرقه يحرقه .

وقرأ علي وابن عباس وأبو جعفر وابن محيصن وأشهب العقيلي ( لنحرقنه ) بفتح النون وضم الراء خفيفة ، من حرقت الشيء أحرقه حرقا بردته وحككت بعضه ببعض ، ومنه قولهم : حرق نابه يحرقه ويحرقه أي سحقه حتى سمع له صريف ؛ فمعنى هذه [ ص: 156 ] القراءة لنبردنه بالمبارد ، ويقال للمبرد المحرق .

والقراءتان الأوليان معناهما الحرق بالنار .

وقد يمكن جمع ذلك فيه ؛ قال السدي : ذبح العجل فسال منه كما يسيل من العجل إذا ذبح ، ثم برد عظامه بالمبرد وحرقه وفي حرف ابن مسعود ( لنذبحنه ثم لنحرقنه ) واللحم والدم إذا أحرقا صارا رمادا فيمكن تذريته في اليم فأما الذهب فلا يصير رمادا وقيل عرف موسى ما صير به الذهب رمادا ، وكان ذلك من آياته .ومعنى لننسفنه لنطيرنه .

وقرأ أبو رجاء ( لننسفنه ) بضم السين لغتان ، والنسف نفض الشيء ليذهب به الريح وهو التذرية ، والمنسف ما ينسف به الطعام ؛ وهو شيء متصوب الصدر أعلاه مرتفع ، والنسافة ما يسقط منه ؛ يقال : اعزل النسافة وكل من الخالص .

ويقال : أتانا فلان كأن لحيته منسف ؛ حكاه أبو نصر أحمد بن حاتم .

والمنسفة آلة يقلع بها البناء ، ونسفت البناء نسفا قلعته ، ونسف البعير الكلأ ينسفه بالكسر إذا اقتلعه بأصله ، وانتسفت الشيء اقتلعته ؛ عن أبي زيد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فقال له موسى: { فَاذْهَبْ } أي: تباعد عني واستأخر مني { فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ } أي: تعاقب في الحياة عقوبة، لا يدنو منك أحد، ولا يمسك أحد، حتى إن من أراد القرب منك، قلت له: لا تمسني، ولا تقرب مني، عقوبة على ذلك، حيث مس ما لم يمسه غيره، وأجرى ما لم يجره أحد، { وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ } فتجازى بعملك، من خير وشر، { وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا } أي: العجل { لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا } ففعل موسى ذلك، فلو كان إلها، لامتنع ممن يريده بأذى ويسعى له بالإتلاف، وكان قد أشرب العجل في قلوب بني إسرائيل، فأراد موسى عليه السلام إتلافه وهم ينظرون، على وجه لا تمكن إعادته بالإحراق والسحق وذريه في اليم ونسفه، ليزول ما في قلوبهم من حبه، كما زال شخصه، ولأن في إبقائه محنة، لأن في النفوس أقوى داع إلى الباطل، فلما تبين لهم بطلانه، أخبرهم بمن يستحق العبادة وحده لا شريك له

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال فاذهب فإن لك في الحياة ) أي : ما دمت حيا ، ( أن تقول لا مساس ) أي : لا تخالط أحدا ، ولا يخالطك أحد ، وأمر موسى بني إسرائيل أن لا يخالطوه ، ولا يقربوه .

قال ابن عباس : لا مساس لك ولولدك ، و " المساس " من المماسة ، معناه : لا يمس بعضنا بعضا ، فصار السامري يهيم في البرية مع الوحوش والسباع ، لا يمس أحدا ولا يمسه أحد ، عاقبه الله بذلك ، وكان إذا لقي أحدا يقول : " لا مساس " ، أي : لا تقربني ولا تمسني .

وقيل : كان إذا مس أحدا أو مسه أحد حما جميعا حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك ، وإذا مس أحد من غيرهم أحدا منهم حما جميعا في الوقت .

( وإن لك ) يا سامري ، ( موعدا ) لعذابك ، ( لن تخلفه ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب : ( لن تخلفه ) بكسر اللام أي : لن تغيب عنه ، ولا مذهب لك عنه ، بل توافيه يوم القيامة ، وقرأ الآخرون بفتح اللام أي : لن تكذبه ولن يخلفك الله ، ومعناه : أن الله تعالى يكافئك على فعلك ولا تفوته .

( وانظر إلى إلهك ) بزعمك ، ( الذي ظلت عليه عاكفا ) أي ظلت ودمت عليه مقيما تعبده ، والعرب تقول : ظلت أفعل كذا بمعنى ظللت ، ومست بمعنى مسست .

( لنحرقنه ) بالنار ، قرأ أبو جعفر بالتخفيف من الإحراق ، ( ثم لننسفنه ) لنذرينه ، ( في اليم ) في البحر ، ( نسفا ) روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم ، لأنه كان قد صار لحما ودما ثم حرقه بالنار ، ثم ذراه في اليم ، قرأ ابن محيصن : " لنحرقنه " بفتح النون وضم الراء لنبردنه بالمبرد ، ومنه قيل للمبرد المحرق .

وقال السدي : أخذ موسى العجل فذبحه ثم حرقه بالمبرد ، ثم ذراه في اليم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال» له موسى «فاذهب» من بيننا «فإن لك في الحياة» أي مدة حياتك «أن تقول» لمن رأيته «لا مساس» أي لا تقربني فكان بهم في البرية وإذا مس أحدا أو مسه أحد حُمَّا جميعا «وإن لك موعدا» لعذابك «لن تخلفه» بكسر اللام: أي لن تغيب عنه، وبفتحها أي بل تبعث إليه «وانظر إلى إلهك الذي ظلْت» أصله ظللت بلامين أولاهما مكسورة حذفت تخفيفا أي دمت «عليه عاكفا» أي مقيما تعبده «لنحرقنه» بالنار «ثم لننسفنه في اليمّ نسفا» نذرينه في هواء البحر، وفعل موسى بعد ذبحه ما ذكره.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في حياتك أن تعيش منبوذًا تقول لكل أحد: لا أَمَسُّ ولا أُمَسُّ، وإن لك موعدا لعذابك وعقابك، لن يُخْلفك الله إياه، وسوف تلقاه، وانظر إلى معبودك الذي أقمت على عبادته لنُحرقنَّه بالنار، ثم لنُذرينَّه في اليمِّ تذرية.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

و قوله - سبحانه - : ( قَالَ فاذهب فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ ) حكاية لما قاله موسى - عليه السلام - للسامرى .والمساس : مصدر ماسّ - بالتشديد - كقتال من قاتل ، وهو منفى بلا التى لنفى الجنس .والمعنى : قال موسى للسامرى : ما دمت قد فعلت ذلك فاذهب ، فإن لك فى مدة حياتك ، أن تعاقب بالنبذ من الناس ، وأن تقول لهم إذا ما اقترب أحد منك : ( لاَ مِسَاسَ ) أى لا أمَسُّ أحدا ولا يَمسُّنى أحد ، ولا أخالط أحداً ولا يخالطنى أحد .قال صاحب الكشاف : عوقب فى الدنيا بعقوبة لا شىء أطم منها وأوحش وذلك أنه مُنِع من مخالطة الناس منعا كليا ، وحرم عليهم ملاقاته ومكالمه ومبايعته ومواجهته ، وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضا .

وإذا اتفق أن يماس أحدا - رجلا أو امرأة - حم الماس والممسوس - أى أصيبا بمرض الحمى - فتحامى الناس وتحاموه ، وكان يصيح : لا مساس .

وعادى فى الناس أوحش من القاتل اللاجىء إلى الحرم ، ومن الوحش النافر فى البرية .

.

.وقال الآلوسى ما ملخصه : والسر فى عقوبته على جنايته بما ذكر .

أنه ضد ما قصده من إظهار ذلك ليجتمع عليه الناس ويعززوه ، فكان ما فعله سببا لبعدهم عنه وتحقيره .

وقيل : عوقب بذلك ليكون الجزاء من جنس العمل ، حيث نبذ فنبذ ، فإن ذلك التحامى عنه أشبه شىء بالنبذ .

.

.قالوا : وهذه الآية الكريمة أصلى فى نفى أهل البدع والمعاصى وهجرانهم وعدم مخالطتهم .ثم بين - سبحانه - عقوبة السامرى فى الآخرة ، بعد بيان عقوبته فى الدنيا فقال : ( وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ ) .وقوله : ( تُخْلَفَهُ ) قرأها الجمهور بضم التاء وفتح اللام .

أى : وإن لك موعدا فى الآخرة لن يخلفك الله - تعالى - إياه .

بل سينجزه لك ، فيعاقبك يومئذ العقاب الأليم الذى تستحقه بسبب ضلالك وإضلالك ، كما عاقبك فى الدنيا بعقوبة الطرد والنفور من الناس .وقرأ ابن كثير وأبو عمر ( لَّن تُخِلَفَهُ ) بضم التاء وكسر اللام أى : وإن لك موعدا فى الآخرة لن تستطيع التخلف عنه ، أو المهرب منه ، بل ستأتيه وأنت صاغر .

.

.ثم بين - سبحانه - أيضا - للسامرى : وانظر إلى معبودك العجل الذى أقمت على عبادته أنت وأتباعك فى غيبتى عنكم .( لَّنُحَرِّقَنَّهُ ) بالنار أمام أعينكم ، والجملة جواب لقسم محذوف ، أى : والله لنحرقنه ( ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي اليم نَسْفاً ) أى : لم لَنُذرِينَّه فى البحر تذرية ، بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر .يقال : نسف الطعام ينسفه نسفا ، إذا فرقه وذراه بحيث لا يبقى منه شىء .وقد نفذ موسى - عليه السلام - ذلك حتى يظهر للأغبياء الجاهلين الذين عبدوا العجل ، أنه لا يستحق ذلك .

وإنما يستحق الذبح والتذرية ، وأن عبادتهم له إنما هى دليل واضح على انطماس بصائرهم ، وشدة جهلهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن موسى عليه السلام لما فرغ من مخاطبة هارون عليه السلام وعرف العذر له في التأخير أقبل على السامري ويجوز أن يكون قد كان حاضراً مع هارون عليه السلام فلما قطع موسى الكلام مع هارون أخذ في التكلم مع السامري، ويجوز أن يكون بعيداً ثم حضر السامري من بعد أو ذهب إليه موسى ليخاطبه، فقال موسى عليه السلام: ﴿ مَا خَطْبُكَ ياسامري ﴾ والخطب مصدر خطب الأمر إذا طلبه، فإذا قيل لمن يفعل شيئاً ما خطبك؟

معناه ما طلبك له والغرض منه الإنكار عليه وتعظيم صنعه ثم ذكر السامري عذره في ذلك فقال: ﴿ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرئ ﴿ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ ﴾ بالكسر وقرأ حمزة والكسائي بما لم تبصروا بالتاء المعجمة من فوق والباقون بالياء أي بما لم يبصر به بنو إسرائيل.

المسألة الثانية: في الإبصار قولان: قال أبو عبيدة: علمت بما لم يعلموا به ومنه قولهم: رجل بصير أي عالم وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما وقال الزجاج في تقريره: أبصرته بمعنى رأيته وبصرت به بمعنى صرت به بصيراً عالماً.

وقال آخرون: رأيت ما لم يروه فقوله بصرت به بمعنى أبصرته وأراد أنه رأى دابة جبريل عليه السلام فأخذ من موضع حافر دابته قبضة من تراب ثم قال: ﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول فَنَبَذْتُهَا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الحسن قبضة بضم القاف وهي اسم للمقبوض كالغرفة والضفة وأما القبضة فالمرة من القبض وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر كضرب الأمير وقرئ أيضاً فقبصت قبصة بالضاد والصاد فالضاد بجميع الكف والصاد بأطراف الأصابع ونظيرهما الخضم والقضم الخاء بجميع الفم والقاف بمقدمه.

قرأ ابن مسعود من أثر فرس الرسول.

المسألة الثانية: عامة المفسرين قالوا: المراد بالرسول جبريل عليه السلام وأراد بأثره التراب الذي أخذه من موضع حافر دابته ثم اختلفوا أنه متى رآه فقال الأكثرون: إنما رآه يوم فلق البحر.

وعن علي عليه السلام أن جبريل عليه السلام لما نزل ليذهب بموسى عليه السلام إلى الطور أبصره السامري من بين الناس، واختلفوا في أن السامري كيف اختص برؤية جبريل عليه السلام ومعرفته من بين سائر الناس، فقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الكلبي: إنما عرفه لأنه رآه في صغره وحفظه من القتل حين أمر فرعون بذبح أولاد بني إسرائيل، فكانت المرأة تلد وتطرح ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون فتأخذ الملائكة الولدان فيربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس فكان السامري ممن أخذه جبريل عليه السلام وجعل كف نفسه في فيه وارتضع منه العسل واللبن فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه، فلما رآه عرفه، قال ابن جريج: فعلى هذا قوله: ﴿ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ ﴾ بمعنى رأيت ما لم يروه ومن فسر الكلمة بالعلم فهو صحيح ويكون المعنى علمت أن تراب فرس جبريل عليه السلام له خاصية الإحياء، قال أبو مسلم الأصفهاني: ليس في القرآن تصريح بهذا الذي ذكره المفسرون فهاهنا وجه آخر وهو أن يكون المراد بالرسول موسى عليه السلام وبأثره سنته ورسمه الذي أمر به فقد يقول الرجل: فلان يقفو أثر فلان ويقبض أثره إذا كان يمتثل رسمه والتقدير أن موسى عليه السلام لما أقبل على السامري باللوم والمسئلة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم في باب العجل، فقال: بصرت بما لم يبصروا به، أي عرفت أن الذي أنتم عليه ليس بحق وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول أي شيئاً من سنتك ودينك فقذفته أي طرحته، فعند ذلك أعلمه موسى عليه السلام بما له من العذاب في الدنيا والآخرة، وإنما أورد بلفظ الإخبار عن غائب كما يقول الرجل لرئيسه وهو مواجه له ما يقول الأمير في كذا وبماذا يأمر الأمير، وأما دعاؤه موسى عليه السلام رسولاً مع جحده وكفره فعلى مثل مذهب من حكى الله عنه قوله: ﴿ يا أيها الذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ  ﴾ وإن لم يؤمنوا بالإنزال.

واعلم أن هذا القول الذي ذكره أبو مسلم ليس فيه إلا مخالفة المفسرين ولكنه أقرب إلى التحقيق لوجوه: أحدها: أن جبريل عليه السلام ليس بمشهور باسم الرسول ولم يجر له فيما تقدم ذكر حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه فإطلاق لفظ الرسول لإرادة جبريل عليه السلام كأنه تكليف بعلم الغيب.

وثانيها: أنه لابد فيه من الإضمار وهو قبضة من أثر حافر فرس الرسول والإضمار خلاف الأصل.

وثالثها: أنه لابد من التعسف في بيان أن السامري كيف اختص من بين جميع الناس برؤية جبريل عليه السلام ومعرفته ثم كيف عرف أن لتراب حافر فرسه هذا الأثر والذي ذكروه من أن جبريل عليه السلام هو الذي رباه فبعيد، لأن السامري إن عرف جبريل حال كمال عقله عرف قطعاً أن موسى عليه السلام نبي صادق فكيف يحاول الإضلال وإن كان ما عرفه حال البلوغ فأي منفعة لكون جبريل عليه السلام مربياً له في الطفولية في حصول تلك المعرفة.

ورابعها: أنه لو جاز إطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه لكان لقائل أن يقول: فلعل موسى عليه السلام اطلع على شيء آخر يشبه ذلك فلأجله أتى بالمعجزات ويرجع حاصله إلى سؤال من يطعن في المعجزات ويقول: لم لا يجوز أن يقال إنهم لاختصاصهم بمعرفة بعض الأدوية التي لها خاصية أن تفيد حصول تلك المعجزة، أتوا بتلك المعجزة، وحينئذ ينسد باب المعجزات بالكلية.

أما قوله: ﴿ وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ فالمعنى فعلت ما دعتني إليه نفسي وسولت مأخوذ من السؤال فالمعنى لم يدعني إلى ما فعلته أحد غيري بل اتبعت هواي فيه، ثم إن موسى عليه السلام لما سمع ذلك من السامري أجابه بأن بين حاله في الدنيا والآخرة وبين حال إلهه أما حاله في الدنيا فقوله: ﴿ فاذهب فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ ﴾ وفيه وجوه: أحدها: أن المراد: أني لا أمس ولا أمس قالوا: وإذا مسه أحد حم الماس والمسوس فكان إذا أراد أحد أن يمسه صاح خوفاً من الحمى وقال لا مساس.

وثانيها: أن المراد بقوله: ﴿ لاَ مِسَاسَ ﴾ المنع من أن يخالط أحداً أو يخالطه أحد وقال مقاتل: إن موسى عليه السلام أخرجه من محلة بني إسرائيل وقال له: اخرج أنت وأهلك فخرج طريداً إلى البراري، اعترض الواحدي عليه فقال الرجل: إذا صار مهجوراً فلا يقول هو لا مساس وإنما يقال له ذلك، وهذا الاعتراض ضعيف لأن الرجل إذا بقي طريداً فريداً فإذا قيل له: كيف حالك فله أن يقول لا مساس أي لا يماسني أحد ولا أماس أحداً، والمعنى إني أجعلك يا سامري في المطرودية بحيث لو أردت أن تخبر غيرك عن حالك لم تقل إلا أنه لا مساس وهذا الوجه أحسن وأقرب إلى نظم الكلام من الأول.

وثالثها: ما ذكره أبو مسلم وهو أنه يجوز في حمله ما أريد مسي النساء فيكون من تعذيب الله إياه انقطاع نسله فلا يكون له ولد يؤنسه فيخليه الله تعالى من زينتي الدنيا اللتين ذكرهما بقوله: ﴿ المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا  ﴾ وقرئ لا مساس بوزن فجاز وهو إسم علم للمرة الواحدة من المس، وأما شرح حاله في الآخرة فهو قوله: ﴿ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ ﴾ والموعد بمعنى الوعد أي هذه عقوبتك في الدنيا ثم لك الوعد بالمصير إلى عذاب الآخرة فأنت ممن خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، قرأ أهل المدينة والكوفة: لن تخلفه بفتح اللام أي لن تخلف ذلك الوعد أي سيأتيك به الله ولن يتأخر عنك وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن بكسر اللام أي تجيء إليه ولن تغيب عنه ولن تتخلف عنه وفتح اللام اختيار أبي عبيد كأنه قال: موعداً حقاً لا خلف فيه وعن ابن مسعود: لن نخلفه بالنون فكأنه عليه السلام حكى قول الله تعالى بلفظه كما مر بيانه في قوله: ﴿ لأَهَبَ لَكِ  ﴾ وأما شرح حال إلهه فهو قوله: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً ﴾ قال المفضل في ظلت: إنه يقرأ بفتح الظاء وكسرها وكذلك: ﴿ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ  ﴾ وأصله ظللت فحذفت اللام الأولى وذلك إنما يكون إذا كانت اللام الثانية ساكنة تستحب العرب طرح الأولى ومن كسر الظاء نقل كسرة اللام الساقطة إليها ومن فتحها ترك الظاء على حالها وكذلك يفعلون في المضاعف يقولون: مسته ومسسته ثم قال: ﴿ لَّنُحَرّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي اليم نَسْفاً ﴾ وفي قوله: ﴿ لَّنُحَرّقَنَّهُ ﴾ وجهان.

أحدهما: المراد إحراقه بالنار وهذا أحد ما يدل على أنه صار لحماً ودماً، لأن الذهب لا يمكن إحراقه بالنار، وقال السدي: أمر موسى عليه السلام بذبح العجل فذبح فسال منه الدم ثم أحرق ثم نسف رماده وفي حرف ابن مسعود لنذبحنه ولنحرقنه وثانيهما لنحرقنه أي لنبردنه بالمبرد، يقال: حرقه يحرقه إذا برده وهذه القراءة تدل على أنه لم ينقلب لحماً ولا دماً فإن ذلك لا يصح أن يبرد بالمبرد، ويمكن أن يقال: إنه صار لحماً فذبح ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها، قراءة العامة بضم النون وتشديد الراء ومعناه لنحرقنه بالنار، وقرأ أبو جعفر وابن محيصن لنحرقنه بفتح النون وضم الراء خفيفة يعني لنبردنه، واعلم أن موسى عليه السلام لما فرغ من إبطال ما ذهب إليه السامري عاد إلى بيان الدين الحق فقال: ﴿ إِنَّمَا إلهكم ﴾ أي المستحق للعبادة والتعظيم: ﴿ الله الذي لا إله إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيء عِلْماً ﴾ قال مقاتل: يعلم من يعبده ومن لا يعبده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أطم منها وأوحش، وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعاً كلياً، وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضاً، وإذا اتفق أن يماس أحداً رجلاً أو امرأة، حم الماس والممسوس، فتحامى الناس وتحاموه، وكان يصيح: لا مساس، وعاد في الناس أوحش من القاتل اللاجئ إلى الحرم، ومن الوحشي النافر في البرية.

ويقال: إن قومه باق فيهم ذلك إلى اليوم.

وقرئ: ﴿ لاَ مِسَاسَ ﴾ بوزن فجار.

ونحوه قولهم في الظباء.

إذا وردت الماء فلا عباب، وإن فقدته فلا أباب: وهي أعلام للمسة والعبة والأبة، وهي المرة من الأب وهو الطلب ﴿ لَّن تُخْلَفَهُ ﴾ أي لن يخلفك الله موعده الذي وعدك على الشرك والفساد في الأرض، ينجزه لك في الآخرة بعد ما عاقبك بذلك في الدنيا، فأنت ممن خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.

وقرئ: ﴿ لن تخلفه ﴾ وهذا من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً قال الأعشى: أثْوَى وَأقْصَرَ لَيْلَهُ لِيُزَوَّدَا ** فَمَضى وَأخْلَفَ مِنْ قَتِيلَةَ مَوْعِداً وعن ابن مسعود ﴿ نخلفه ﴾ بالنون، أي: لن يخلفه الله، كأنه حكى قوله عز وجل كما مر في ﴿ لاِهَبَ لَكِ ﴾ [مريم: 19] .

﴿ ظَلْتَ ﴾ وظلت، وظللت والأصل ظللت، فحذفوا اللام الأولى ونقلوا حركتها إلى الظاء، ومنهم من لم ينقل ﴿ لَّنُحَرّقَنَّهُ ﴾ ولنحرقنه ولنحرقنه.

وفي حرف ابن مسعود ﴿ لنذبحنه ﴾ ، و ﴿ لنحرقنه ﴾ و ﴿ لنحرقنه ﴾ القراءتان من الإحراق.

وذكر أبو علي الفارسي في لنحرِّقنه أنه يجوز أن يكون حرّق مبالغة في حرق إذا برد بالمبرد.

وعليه القراءة الثالثة، وهي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ﴿ لَنَنسِفَنَّهُ ﴾ بكسر السين وضمها، وهذه عقوبة ثالثة وهي إبطال ما افتتن به وفتن، وإهدار سعيه، وهدم مكره ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله والله خَيْرُ الماكرين ﴾ [آل عمران: 54] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ ﴾ عُقُوبَةً عَلى ما فَعَلْتَ.

﴿ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ ﴾ خَوْفًا مِن أنْ يَمَسَّكَ أحَدٌ فَتَأْخُذَكَ الحُمّى ومَن مَسَّكَ فَتَتَحامى النّاسَ ويَتَحامَوْكَ وتَكُونَ طَرِيدًا وحِيدًا كالوَحْشِ النّافِرِ، وقُرِئَ «لا مُسّاسَ» كَفُجّارٍ وهو عَلَمٌ لِلْمَسَّةِ.

﴿ وَإنَّ لَكَ مَوْعِدًا ﴾ في الآخِرَةِ.

﴿ لَنْ تُخْلَفَهُ ﴾ لَنْ يُخْلِفَكَهُ اللَّهُ ويُنْجِزَهُ لَكَ في الآخِرَةِ بَعْدَ ما عاقَبَكَ في الدُّنْيا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والبَصْرِيّانِ بِكَسْرِ اللّامِ أيْ لَنْ تُخْلَفَ الواعِدَ إيّاهُ وسَيَأْتِيكَ لا مَحالَةَ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِأنَّ المَقْصُودَ هو المَوْعِدُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أخْلَفْتُ المَوْعِدَ إذا وجَدْتُهُ خُلْفًا، وقُرِئَ بِالنُّونِ عَلى حِكايَةِ قَوْلِ اللَّهِ.

﴿ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا ﴾ ظَلِلْتَ عَلى عِبادَتِهِ مُقِيمًا فَحَذَفَ اللّامَ الأوْلى تَخْفِيفًا، وقُرِئَ بِكَسْرِ الظّاءِ عَلى نَقْلِ حَرَكَةِ اللّامِ إلَيْها.

﴿ لَنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ أيْ بِالنّارِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ﴿ لَنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ ، أوْ بِالمُبَرَّدِ عَلى أنَّهُ مُبالَغَةٌ في حَرَقَ إذْ بَرُدَ بِالمُبَرَّدِ ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ ﴿ لَنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ .

﴿ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ ﴾ ثُمَّ لَنَذْرِيَنَّهُ رَمادًا أوْ مَبْرُودًا وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ.

﴿ فِي اليَمِّ نَسْفًا ﴾ فَلا يُصادَفُ مِنهُ شَيْءٌ والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ زِيادَةُ عُقُوبَتِهِ وإظْهارُ غَباوَةِ المُفْتَتَنِينَ بِهِ لِمَن لَهُ أدْنى نَظَرٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧)

{قَالَ} له موسى {فاذهب} من بيننا طريداً {فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة} ما عشت {أَن تَقُولَ} لمن أراد مخالطتك جاهلاً بحالك {لاَ مِسَاسَ} أي لا يمسني أحد ولا أمسه فمنع مخالطة الانس منعا كليا وحرمع عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته وإذا اتفق أن يماس أحداً حم الماس والممسوس وكان يهيم في البرية يصبح لا مساس ويقال إن ذلك موجود في أولاده إلى الآن وقيل أراد موسى عليه السلام أن يقتله فمنعه الله تعالى مه لسخائه {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ} أي لن يخلفك الله موعده الذي وعدك على الشرك والفساد في الأرض ينجزه لك في الآخرة بعدما عاقبك بذاك في الدنيا لَّن تُخْلَفَهُ مكي وأبو عمر وهذا من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً {وانظر إلى إلهك الذى ظَلْتَ عَلَيْهِ} وأصله ظللت فحذف اللام الأولى تخفيفاً {عَاكِفاً} مقيماً {لَّنُحَرّقَنَّهُ} بالنار {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ} لنذرينه {فِى اليم نَسْفاً} فحرقه وذراه في البحر فشرب بعضهم من مائه حباله فظهرت على شفاهم صفرة الذهب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أيْ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتَ ﴿ فاذْهَبْ ﴾ أيْ: مِن بَيْنِ النّاسِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ ﴾ إلى آخِرِهِ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ الأمْرِ.

و( في ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ العامِلِ في (لَكَ) أيْ: ثابِتٌ لَكَ في الحَياةِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الكافِ، والعامِلُ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ المَذْكُورِ أيْضًا لِاعْتِمادِهِ عَلى ما هو مُبْتَدَأٌ مَعْنًى أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ ﴾ ولَمْ يُجَوِّزْ تَعَلُّقَهُ بِتَقُولَ لِمَكانِ أنْ وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عُذْرُ مَن يُعَلِّقُ الظَّرْفَ المُتَقَدِّمَ بِما بَعْدَها.

ولا يَظْهَرُ ما يُشْفِي الخاطِرَ في وجْهِ تَعْلِيقِ العَلّامَةِ أبِي السُّعُودِ- إذْ- في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ﴾ ﴿ ألا تَتَّبِعَنِي ﴾ فِيما بَعْدَ أنْ وعَدَمُ تَجْوِيزِ تَعْلِيقِ ﴿ فِي الحَياةِ ﴾ فِيما بَعْدَها أيْ إنَّ لَكَ مُدَّةَ حَياتِكَ أنْ تُفارِقَ النّاسَ مُفارَقَةً كُلِّيَّةً لَكِنْ لا بِحَسَبِ الِاخْتِيارِ بِمُوجِبِ التَّكْلِيفِ بَلْ بِحَسَبِ الِاضْطِرارِ المُلْجِئِ إلَيْها، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى رَماهُ بِداءٍ عُقامٍ لا يَكادُ يَمَسُّ أحَدًا أوْ يَمَسُّهُ أحَدٌ كائِنًا مَن كانَ إلّا حُمَّ مِن ساعَتِهِ حُمّى شَدِيدَةً فَتَحامى النّاسُ وتَحامُوهُ وكانَ يَصِيحُ بِأقْصى صَوْتِهِ لا مِساسَ وحَرُمَ عَلَيْهِمْ مُلاقاتُهُ ومُكالَمَتُهُ ومُؤاكَلَتُهُ ومُبايَعَتُهُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يُعْتادُ جَرَيانُهُ فِيما بَيْنَ النّاسِ مِنَ المُعامَلاتِ، وصارَ بَيْنَ النّاسِ أوْحَشَ مِنَ القاتِلِ اللّاجِئِ إلى الحَرَمِ ومِنَ الوَحْشِيِّ النّافِرِ في البَيْداءِ، وذُكِرَ أنَّهُ لَزِمَ البَرِّيَّةَ وهَجَرَ البَرِيَّةَ، وذَكَرَ الطَّبَرَسِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ أنَّ لَكَ ولِوَلَدِكَ أنْ تَقُولَ إلَخْ، وخَصَّ عَمْرٌو الحُمّى بِما إذا كانَ الماسُّ أجْنَبِيًّا، وذُكِرَ أنَّ بَقايا ولَدِهِ باقٍ فِيهِمْ تِلْكَ الحالُ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: ابْتُلِيَ بِالوَسْواسِ حِينَ قالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ، وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَأصْبَحَ ذَلِكَ كالسّامِرِيِّ إذْ قالَ مُوسى لَهُ لا مِساسا وأنْكَرَ الجُبّائِيُّ ما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ عَرٍّ والحُمّى عِنْدَ المَسِّ وقالَ: إنَّهُ خافَ وهَرَبَ وجَعَلَ يَهِيمُ في البَرِّيَّةِ لا يَجِدُ أحَدًا مِنَ النّاسِ يَمَسُّهُ حَتّى صارَ لِبُعْدِهِ عَنِ النّاسِ كالقائِلِ لا مِساسَ وصَحَّحَ الأوَّلَ، والمِساسُ مَصْدَرُ ماسَّ كَقِتالٍ مَصْدَرِ قاتَلَ وهو مَنفِيٌّ بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ وأُرِيدَ بِالنَّفْيِ النَّهْيُ أيْ لا تَمَسَّنِي ولا أمَسُّكَ.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وقَعْنَبٌ ( لا مَساسِ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ السِّينِ آخِرِهِ وهو بِوَزْنِ فَجارِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهم في الظِّباءِ إنْ ورَدْتَ الماءَ فَلا عُبابَ وإنْ فَقَدْتَهُ فَلا أُبابَ.

وهي كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: أعْلامٌ لِلْمَسَّةِ والِعَبَّةِ والأبَّةِ وهي المَرَّةُ مِنَ الأبِّ أيِ الطَّلَبِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: تَمِيمٌ كَرَهْطِ السّامِرِيِّ وقَوْلُهُ ∗∗∗ ألا لا يُرِيدُ السّامِرِيُّ مَساسِ و( لا ) عَلى هَذا لَيْسَتِ النّافِيَةَ لِلْجِنْسِ لِأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالنَّكِراتِ وهَذا مَعْرِفَةٌ مِن أعْلامِ الأجْناسِ ولا داخِلَةٌ مَعْنًى عَلَيْهِ فَإنَّ المَعْنى لا يَكُونُ أوْ لا يَكُنْ مِنكَ مَسٌّ لَنا.

وهَذا أوْلى مِن أنْ يَكُونَ المَعْنى لا أقُولُ مَساسِ.

وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ جِنِّيٍّ أنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ كَنِزالِ.

والمُرادُ نَفْيُ الفِعْلِ أيْ لا أُمْسِكُ والسِّرُّ في عُقُوبَتِهِ عَلى جِنايَتِهِ بِما ذُكِرَ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ ضِدَّ ما قَصَدَهُ مِن إظْهارِ ذَلِكَ لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ النّاسُ ويُعَزِّزُوهُ، فَكانَ سَبَبًا لِبُعْدِهِمْ عَنْهُ وتَحْقِيرِهِ وصارَ لَدَيْهِمْ أبْغَضَ مِنَ الطَّلْياءِ وأهْوَنَ مِن مِعْبَأةٍ.

وقِيلَ: لَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ ما بَيْنَهُما مِن مُناسَبَةِ التَّضادِّ فَإنَّهُ لَمّا أنْشَأ الفِتْنَةَ بِما كانَتْ مُلابَسَتُهُ سَبَبًا لِحَياةِ المَواتِ عُوقِبَ بِما يُضادُّهُ حَيْثُ جُعِلَتْ مُلابَسَتُهُ سَبَبًا لِلْحُمّى الَّتِي هي مِن أسْبابِ مَوْتِ الأحْياءِ، وقِيلَ: عُوقِبَ بِذَلِكَ لِيَكُونَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ حَيْثُ نَبَذَ فَنَبَذَ فَإنَّ ذَلِكَ التِحامِيَ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالنَّبْذِ وكانَتْ هَذِهِ العُقُوبَةُ عَلى ما في البَحْرِ بِاجْتِهادٍ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وحُكِيَ فِيهِ القَوْلُ بِأنَّهُ أرادَ قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ سَخِيًّا، ورُوِيَ ذَلِكَ «عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وعَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أنَّهُ قَدْ وقَعَ ما يَقْرُبُ مِن ذَلِكَ في شَرْعِنا في قَضِيَّةِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا فَقَدْ أمَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ لا يُكَلَّمُوا ولا يُخالَطُوا وأنْ يَعْتَزِلُوا نِساءَهم حَتّى تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ» .

ومَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في القاتِلِ اللّاجِئِ إلى الحَرَمِ نَحْوُ ذَلِكَ لِيَضْطَرَّ إلى الخُرُوجِ فَيُقْتَلَ في الحِلِّ ﴿ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا ﴾ أيْ في الآخِرَةِ ﴿ لَنْ تُخْلَفَهُ ﴾ أيْ: لَنْ يُخْلِفَكَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الوَعْدَ بَلْ يُنْجِزُهُ لَكَ البَتَّةَ بَعْدَ ما عاقَبَكَ في الدُّنْيا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والأعْمَشُ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى أنَّهُ مِن أخْلَفْتُ المَوْعِدَ إذا وجَدْتَهُ خَلَفًا كَأجْبَنْتُهُ إذا وجَدْتَهُ جَبانًا.

وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: أثْوى وقَصَّرَ لَيْلَهُ لِيُزَوَّدا ∗∗∗ فَمَضى وأخْلَفَ مِن قُتَيْلَةَ مَوْعِدا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَنْ تُخْلِفَ الواعِدَ إيّاهُ فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ وذُكِرَ الثّانِي لِأنَّهُ المَقْصُودُ.

والمَعْنى لَنْ تَقْدِرَ أنْ تَجْعَلَ الواعِدَ مُخْلِفًا لِوَعْدِهِ بَلْ سَيَفْعَلُهُ، ونَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ ابْنِ نَهِيكٍ أنَّهُ قَرَأ ( لَنْ تَخْلُفُهُ ) بِفَتْحِ التّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ وضَمِّ اللّامِ، وفي اللَّوامِحِ أنَّهُ قُرِئَ ( لَنْ يَخْلُفَهُ ) بِفَتْحِ الياءِ المُثَنّاةِ مِن تَحْتُ وضَمِّ اللّامِ وهو مِن خَلَفَهُ يَخْلُفُهُ إذا جاءَ بَعْدَهُ، قِيلَ: المَعْنى عَلى الرِّوايَةِ الأُولى وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لا بُدَّ أنْ تُصادِفَهُ، وعَلى الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لا يَدْفَعُ قَوْلَ لا مِساسَ فافْهَمْ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ ( لَنْ نَخْلِفَهُ ) بِالنُّونِ المَفْتُوحَةِ وكَسْرِ اللّامِ عَلى أنَّ ذَلِكَ حِكايَةُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: أيْ لَنْ نُصادِفَهُ خَلَفًا فَيَكُونُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ وهو ظاهِرٌ لَوْ كانَتِ النُّونُ مَضْمُومَةً ﴿ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ ﴾ أيْ: مَعْبُودِكَ ﴿ الَّذِي ظَلْتَ ﴾ أيْ ظَلِلْتَ كَما قَرَأ بِذَلِكَ أُبَيٌّ والأعْمَشُ فَحَذَفَتِ اللّامُ الأُولى تَخْفِيفًا، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنْ سِيبَوَيْهَ أنَّ هَذا الحَذْفَ مِن شُذُوذِ القِياسِ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا إذا سُكِّنَ آخِرُ الفِعْلِ، وعَنْ بَعْضِ مُعاصِرِيهِ أنَّ ذَلِكَ مُنْقاسٌ في كُلِّ مُضاعِفِ العَيْنِ واللّامِ في لُغَةِ بَنِي سُلَيْمٍ حَيْثُ سُكِّنَ آخِرُ الفِعْلِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ مَقِيسٌ في المُضاعَفِ إذا كانَتْ عَيْنُهُ مَكْسُورَةً أوْ مَضْمُومَةً.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ والأعْمَشُ بِخِلافٍ عَنْهُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ يَعْمُرَ بِخِلافٍ عَنْهُ أيْضًا ( ظِلْتَ ) بِكَسْرِ الظّاءِ عَلى أنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ اللّامِ إلَيْها بَعْدَ حَذْفِ حَرَكَتِها، وعَنِ ابْنِ يَعْمُرَ أنَّهُ ضَمَّ الظّاءَ وكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَجِيءِ الفِعْلِ في بَعْضِ اللُّغاتِ عَلى فَعُلَ بِضَمِّ العَيْنِ وحِينَئِذٍ يُقالُ بِالنَّقْلِ كَما في الكَسْرِ ﴿ عَلَيْهِ ﴾ أيْ: عَلى عِبادَتِهِ ﴿ عاكِفًا ﴾ أيْ مُقِيمًا، وخاطَبَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَ سائِرِ العاكِفِينَ عَلى عِبادَتِهِ القائِلِينَ: ﴿ لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى ﴾ لِأنَّهُ رَأسُ الضَّلالِ ورَئِيسَ أُولَئِكَ الجُهّالِ ﴿ لَنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ بِاللَّهِ تَعالى لَنُحَرِّقَنَّهُ بِالنّارِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وأبِي جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ.

وأبِي رَجاءٍ والكَلْبِيِّ (لَنُحْرِقَنَّهُ) مُخَفَّفًا مِن أحْرَقَ رُباعِيًّا فَإنَّ الإحْراقَ شائِعٌ فِيما يَكُونُ بِالنّارِ وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ صارَ ذا لَحْمٍ ودَمٍ.

وكَذا ما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ ( لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمَّ لَنُحَرِّقَنَّهُ ) .

وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ نُحَرِّقُ مُبالَغَةً في حَرَقَ الحَدِيدَ حَرْقًا بِفَتْحِ الرّاءِ إذا بَرَدَهُ بِالمِبْرَدِ.

ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

وحُمَيْدٌ وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ وأبِي جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ.

وكَذا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (لِنَحْرُقُنَّهُ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ فَإنَّ حَرَقَ يَحْرُقُ بِالضَّمِّ مُخْتَصٌّ بِهَذا المَعْنى كَما قِيلَ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ لَمْ يَصِرْ ذا لَحْمٍ ودَمٍ بَلْ كانَ باقِيًا عَلى الجَمادِيَّةِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا بُعْدَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ حَيًّا في تَحْرِيقِهِ بِالمِبْرَدِ إذْ يَجُوزُ خَلْقُ الحَياةِ في الذَّهَبِ مَعَ بَقائِهِ عَلى الذَّهَبِيَّةِ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ، وقالَ بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّهُ صارَ حَيَوانًا ذا لَحْمٍ ودَمٍ: إنَّ التَّحْرِيقَ بِالمِبْرَدِ كانَ لِلْعِظامِ وهو كَما تَرى، وقالَ النَّسَفِيُّ: تَفْرِيقُهُ بِالمِبْرَدِ طَرِيقُ تَحْرِيقِهِ بِالنّارِ فَإنَّهُ لا يُفَرَّقُ الذَّهَبُ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ.

وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: إنَّمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَرَقَهُ بِالمِبْرَدِ ثُمَّ أحْرَقَهُ بِالنّارِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ النّارَ تُذِيبُهُ وتَجْمَعُهُ ولا تَحْرُقُهُ وتَجْعَلُهُ رَمادًا فَلَعَلَّ ذَلِكَ كانَ بِالحِيَلِ الإكْسِيرِيَّةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ ﴿ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ ﴾ أيْ: لَنُذْرِيَنَّهُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم عِيسى بِضَمِّ السِّينِ.

وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ (لَنُنَسِّفَنَّهُ) بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وفَتْحِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ السِّينِ ﴿ فِي اليَمِّ ﴾ أيْ في البَحْرِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وأُخْرِجَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالنَّهْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ نَسْفًا ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ لَنَفْعَلَنَّ بِهِ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ عَيْنٌ ولا أثَرٌ ولا يُصادَفُ مِنهُ شَيْءٌ فَيُؤْخَذُ، ولَقَدْ فَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ كُلِّهِ كَما يَشْهَدُ بِهِ الأمْرُ بِالنَّظَرِ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ ظُهُورِهِ واسْتِحالَةِ الخُلْفِ في وعْدِهِ المُؤَكَّدِ بِاليَمِينِ، وفي ذَلِكَ زِيادَةُ عُقُوبَةٍ لِلسّامِرِيِّ وإظْهارٌ لِغَباوَةِ المُفْتَتَنِينَ، وقالَ في البَحْرِ بَيانًا لِسِرِّ هَذا الفِعْلِ: يُظْهِرُ أنَّهُ لَمّا كانَ قَدْ أخَذَ السّامِرِيُّ القَبْضَةَ مِن أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو داخِلَ البَحْرِ ناسَبَ أنْ يَنْسِفَ ذَلِكَ العِجْلَ الَّذِي صاغَهُ مِنَ الحُلِيِّ الَّذِي كانَ أصْلُهُ لِلْقِبْطِ وألْقى فِيهِ القَبْضَةَ في البَحْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما كانَ بِهِ قِيامُ الحَياةِ آلَ إلى العَدَمِ وألْقى في مَحَلِّ ما قامَتْ بِهِ الحَياةُ وأنَّ أمْوالَ القِبْطِ قَذَفَها اللَّهُ تَعالى في البَحْرِ لا يَنْتَفِعُ بِها كَما قَذَفَ سُبْحانَهُ أشْخاصَ مالِكِيها وغَرَّقَهم فِيهِ ولا يَخْفى ما فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم أقبل على السامري فقال له: قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ؟

يقول: ما شأنك، وما الذي حملك على ما صنعت؟

قالَ السامري: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ.

قرأ حمزة والكسائي بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ الباقون بالياء على معنى المغايبة بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ، يعني: رأيت ما لم يَرَوا وعلمت ما لم يعلموا به يعني: بني إسرائيل.

قال موسى: ما الذي رأيت دون بني إسرائيل؟

فقال: رأيت جبريل  على فرس الحياة.

وهو قوله: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ، يعني: من أثر فرس جبريل.

وفي قراءة عبد الله بن مسعود  فَقَبصتُ قَبْصَةً بالصاد، وروي عن الحسن أنه قرأ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً بالصاد، وهو الأخذ بأطراف الأصابع، وقراءة الجماعة فَقَبَضْتُ قَبْضَةً بالضاد وهو القبض بالكف.

فَنَبَذْتُها، يعني: فطرحتها في العجل.

ثمّ قال: وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، أي: زينت، فلا تلمني بهذا الفعل ولمهم بعبادتهم إياه.

قالَ له موسى  : فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ، يعني: عقوبتك في الدنيا أَنْ تَقُولَ لاَ مِساسَ، يعني: لا أمس أحداً ولا يَمسَّني أحد، ويقال: ابتلي بالوسواس وأصل الوسواس من ذلك الوقت، ويقال: معناه لن تخالط أحداً ولن يخالطك أحد، فنفاه عن قومه.

وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً في الآخرة لَنْ تُخْلَفَهُ.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو: لَنْ تُخْلَفَهُ بكسر اللام، يعني: لن تغيب عنه، ومعناه: تبعث يوم القيامة لا تقدر على غير ذلك، ولا تخلفه، وقرأ الباقون تُخْلَفَهُ بنصب اللام، يعني: لن تؤخر ولن تجاوز عنه، ويقال: معناه يكافئك الله تعالى على ما فعلت، والله لا يخلف الميعاد.

ثمّ قال: وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً، يعني: عابداً.

لَنُحَرِّقَنَّهُ.

روى معمر، عن قتادة قال: في حرف ابن مسعود: وانظر إلى إلهك الذى ظلت عليه عاكفا لنذبّحنّه ثم لَّنُحَرّقَنَّهُ، وقرأ الحسن لَّنُحَرّقَنَّهُ بالتخفيف، وقراءة العامة بالتشديد ونصب الحاء، ومعناه: أنه يحرق مرة بعد مرة.

وقرأ أبو جعفر المدني لَنُحَرِّقَنَّهُ بنصب النون وضم الراء، ومعناه: لنبردنه بالمبارد، ويقال: حرقه وأحرقه.

ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً، يعني: لنذرينه في البحر ذروّا والنسف: التذرية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقرأ الكِسَائِيُّ وَحْدَه بضمهما، ومعنى الأول: فيجب، ويحقّ، ومعنى الثاني: فيقع وينزل، وهَوى معناه: سقط أيْ: هوى في جَهَنَّم، وفي سخط الله- عافانا الله من ذلك-، ثم رجى سبحانه عباده بقوله: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ ...

الآية، والتوبة من ذنب تصح مع الإقامة على غيره، وهي توبة مقيدة، وإذا تاب العبد، ثم عَاوَدَ الذنب بعينه بعد مُدّة فيحتمل عند حُذَّاق أهل السنة: أَلاَّ يعيدَ اللهُ تعالى عليه الذنبَ الأول لأن التوبةَ قد كانت محْتهُ، ويُحتمل: أن يعيده لأنها توبةٌ لم يوف بها، واضطرب الناس في قوله سبحانه: ثُمَّ اهْتَدى من حيث وَجَدُوا الهدى ضمن الإيمان والعمل فقالت فرقة: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه.

وقيلَ: غير هذا، والذي يقوى في معنى: ثُمَّ اهْتَدى أن يكون: ثم حفظ معتقداتِه من أن تخالف الحق في شَيْء من الأَشياء فإن الاهتداءَ على هذا الوجه غيرُ الإيمان، وغيرُ العَمَلِ وَرُبَّ مُؤْمِنٍ عمل صالحاً قد أوبقه عدم الاهْتداء كالقدرية والمُرْجِئة، وسائر أهل البدع، فمعنى: ثُمَّ اهْتَدى: ثم مشى في عقائد الشَّرْعِ على طريقٍ قَوِيم- جعلنا الله منهم بمنه- وفي حِفْظ المعتقَدَاتِ ينحصر معظم أمر الشرع.

أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧)

١٢ أوقوله سبحانه: / وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى الآيةَ، وقصص هذه الآية: أَن موسى عليه السلام لمَّا شرع في النهوض ببني إسرائيل إلى جانب الطور حيث كان الموعدُ أن يكلم اللهُ موسى بما لهم فيه شرفُ العاجل والآجل- رأى موسى عليه السلام على جهة الاجْتِهَاد أن يتقدم وحدَهُ مُبادراً لأمر الله سبحانه طلباً لرضائه، وحرصاً على القرب منه، وشوقاً إلى مُناجاته، واستخلف عليهم هارونَ، وقال لهم موسى: تسيرون إلى جانب الطور، فلما انتهى موسى صلى الله عليه وسلّم وناجى ربَّه، زاده اللهُ في الأجل عشراً، وحينئذٍ وقفه على معنى استعجاله دون القوم ليخبره موسى أنهم على الأثر، فيقَعَ الإعلامُ له بما صنعوا، وأعلمه موسى أنه إنما استعجل طلب الرضى، فأعلمه اللهُ سبحانه: أنه قد فتن بني إسرائيل، أي: اختبرهم بما صنع السَّامِرِيّ، ويحتمل أن يريد: ألقيناهم في فتنة، فلما أخبر الله تعالى مُوسَى بما وقع، رجع موسى إلى قومه غَضْبَانَ أَسِفَا، وباقي الآية بيّن، وقد تقدّم قصصها مستوفى وسمّى العذاب غضباً من حيْثُ هو عن الغضب.

وقرأ نافعٌ «١» ، وعَاصِمٌ: «بِمَلْكِنَا» بفتح الميم، وقرأ حمزة، والكسائيّ: «بملكنا» بضمة، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: «بِمِلْكِنَا» بكسرة فأما فتحُ الميم، فهو مصدرٌ من ملك، والمعنى: ما فعلنا ذلك بأنا ملكنا الصواب، ولا وُفِّقْنا له، بل غلبتنا أنفُسُنا.

وأَما كسرُ المِيم، فقد كثر استعماله فيما تحوزه اليدُ، ولكنه يستعمل في الأمور الَّتي يُبْرمها الإِنسان، ومعناها كمعنى التي قبلها، والمصدرُ مضافٌ في الوجهين إلى الفاعل.

وقولهم: وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً ...

الآية سموها أوزاراً من حيث هي ثَقِيلة الأجرام، أو من حيثُ تأَثَّموا في قذفها، وقرأ أبو عمرو، وحمزةُ، والكسائيُّ: «حَمَلْنَا» بفتح «٢» الحاء، والميم.

وقولهم: فَكَذلِكَ أيْ: فكما قذفنا نحن، فكذلك أيضاً ألقى السامري.

قال ع «٣» : وهذه الألفاظُ تقتضى أنَّ العجل لم يصغه السامريّ، ثم أخبر «٤» تعالى

عن فِعْل السامري بقوله: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا ومعنى قوله جَسَداً أَي شخصاً لا رُوحَ فيه، وقيل: معناه جسداً لا يتغذى، «والخُوَارُ» : صوت البقر.

قالت فرقةٌ منهم ابن عباس: كان هذا العجلُ يخُورُ ويمشي، وقيل غير هذا «١» .

وقوله سبحانه: فَقالُوا يعني: بني إسرائيل: هَذَا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ موسى إلهه، وذهب يطلبه في غَيْرِ موضعِه، ويحتمل أن يكون قوله فَنَسِيَ إخباراً من الله تعالى عن السَّامِرِيُّ أي: فنسي السامري دينه، وطريق الحق، فالنِّسْيَانُ في التأوِيل الأول بمعنى الذهُول، وفي الثَّانِي بمعنى الترك.

ت: وعلى التّأويل الأول عوَّلَ البخاريُّ «٢» : وهو الظَّاهر.

ولقولهم أيضاً قبل ذلك: اجْعَلْ لَنا إِلهاً [الأعراف: ١٣٨] .

وقول هَارُون: فَاتَّبِعُونِي أي: إلى الطور الَّذي واعدكم اللهُ تعالى إليه وَأَطِيعُوا أَمْرِي فيما ذكرتُه لكم فقال بنو إسرائيل حين وَعَظهم هارونُ، وندبَهُم إلى الحق: لَنْ نَبْرَحَ عابدين لهذا الإلَه عَاكِفِين عليه، أي: مُلاَزِمين له.

ويحتمل قولُه: أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَيْ: ببني إسرائيل نحو جبل الطور، ويحتمل قولُهُ:

أَلَّا تَتَّبِعَنِ أيْ: أَلاّ تسير بسيري، وعلى طريقتي في الإصلاح والتسديد.

/ وقوله: ابْنَ أُمَ

قالت فرقة: إنَّ هَارُونَ لم يكن أَخا موسى إلا من أمه.

١٢ ب قال ع «٣» : وهذا ضَعِيفٌ.

وقالتْ فرقةٌ: كان شَقِيقَه وإنما دعاه بالأَم استعطافا برحم الأم، وقول موسى: فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ هو كما تقول: ما شأْنُكَ، وما أمرك، لكن لفظةُ الخطب تقتضى انتهارا لأن الخطب مستعمل في المكاره، وبَصُرْتُ بضم الصاد: من البصيرة، وقرأتْ فرقةٌ بكسرها «٤» ، فيحتمل أن يراد من البصيرة، ويحتمل من البصر.

وقرأ حمزة، والكسائيّ «١» : «بما لم تُبْصروا» بالتاء مِنْ فوقُ، يريد مُوسى مع بني إسرائيل، والرسول هنا: هو جِبْرِيلُ عليه السلام والأَثَرُ: هو ترابٌ تحت حافر فرسه.

وقوله: فَنَبَذْتُها أَيْ: على الحلي، فكان منها ما ترى، وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي أي: وكما وقع وحدث قربت لي نفسي، وجعلت «٢» لي سُؤْلاً وإرباً حتى فعلته، وكان موسى عليه السلام لا يقتل بني إسرائيل إلاَّ في حدٍّ أو بوحْيٍ، فعاقبه باجتهاد نفسه بأن أبعده ونحَّاه عن الناس، وأمر بني إسرَائيل باجتنابه، واجتناب قبيلته وأَلاَّ يُؤَاكلُوا ولا يُنَاكحوا، ونحو هذا، وجعل له أنْ يقول مدة حياته: لاَ مِسَاسَ، أي: لا مُمَاسَّة، ولا إذاية.

وقرأ الجمهور «٣» : «لَنْ تُخْلفَهُ» بفتح اللام، أي: لن يقع فيه خلف، وقرأ ابن كَثِير، وأبُو عَمْرِو: «تخلِفه» بكسر اللام، على معنى لن تستطيع الرَّوغَانَ، والحيْدَةَ عن موعد العذاب، ثم وبَّخه عليه السلام بقوله: وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ ...

الآية، وظَلْتَ وظل معناه: أقام يفعل الشيء نهاراً، ولكنها قد تُستعمل في الدائب ليلاً ونهاراً، بمثابة طَفِقَ.

وقرأ ابن عباس «٤» وغيرُه: «لَنَحْرُقَنَّهُ» بضم الراء وفتح النون بمعنى لنبردنه بالمبرد، وقرأ نافعٌ وغيره: «لَنُحَرِّقَنَّهُ» وهي قراءةٌ تحتمل الحرق بالنار، وتحتمل بالمبرد.

وفي مصحف ابن مَسْعُود «٥» : «لنذبحنه ثم لنحرقنه ثم لننسفنه» وهذه القراءةُ هي مع رواية من روى أن العِجْلَ صار لحماً ودماً، وعلى هذه الرواية يتركب أن يكون هناك حرقٌ بنارٍ، وإلاَّ فإذا كان جماداً مِنْ ذهب ونحوه، فإنما هو حرق بمبرد، اللَّهم إلاَّ أَن تكون إذابة، ويكون النسف مُسْتعاراً، لتفريقه في اليمِّ مذاباً.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ﴾ ؛ أيْ: ما أمْرُكَ وشَأْنُكَ الَّذِي دَعاكَ إلى ما صَنَعَتَ ؟!

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وبَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ يَقُولُ: الخَطْبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الخِطابِ.

المَعْنى: ما أمْرُكَ الَّذِي تُخاطِبُ فِيهِ ؟

واخْتَلَفُوا في اسْمِ السّامِرِيِّ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: مُوسى أيْضًا، قالَهُ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وقالَ: كانَ ابْنُ عَمِّ مُوسى بْنِ عِمْرانَ.

والثّانِي: مِيخا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وَهَلْ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أمْ لا ؟

فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَكُنْ مِنهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كانَ مِن عُظَمائِهِمْ، وكانَ مِن قَبِيلَةٍ تُسَمّى سامِرَةَ، قالَهُ قَتادَةُ.

وفي بَلَدِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: كَرْمانُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: باجَرْما، قالَهُ وهْبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( تَبْصُرُوا ) بِالتّاءِ.

فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أشارَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ خاطَبَ الجَمِيعَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلِمْتُ ما لَمْ تَعْلَمُوا.

قالَ: وقَوْمٌ يَقُولُونَ: بَصُرْتُ وأبْصَرْتُ سَواءٌ، بِمَنزِلَةِ أسْرَعْتُ وسَرَعْتُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: بَصُرَ الرَّجُلُ يُبْصِرُ: إذا صارَ عَلِيمًا بِالشَّيْءِ، وأبْصَرَ يُبْصِرُ: إذا نَظَرَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَقالَ لَهُ مُوسى: وما ذاكَ ؟

قالَ: رَأيْتُ جِبْرِيلَ عَلى فَرَسٍ، فَأُلْقِيَ في نَفْسِي: أنْ أقْبِضَ مِن أثَرِها، ﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، ومُعاذٌ القارِئُ: ( قَبْصَةً ) بِالصّادِ.

وقالَ الفَرّاءُ: والقَبْضَةُ بِالكَفِّ كُلِّها، والقَبْصَةُ - بِالصّادِ - بِأطْرافِ الأصابِعِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِثْلَ هَذا: الخَضْمُ بِالفَمِ كُلِّهِ، والقَضْمُ بِأطْرافِ الأسْنانِ، والنَّضْخُ أكْثَرُ مِنَ النَّضْحِ، والرِّجْزُ: العَذابُ، والرِّجْسُ: النَّتْنُ، والهُلاسُ في البَدَنِ والسُّلاسُ في العَقْلِ، والغَلَطُ في الكَلامِ، والغَلَتُ في الحِسابِ، والخَصِرُ: الَّذِي يَجِدُ البَرْدَ، والخَرِصُ الَّذِي يَجِدُ البَرْدَ والجُوعَ، والنّارُ الخامِدَةُ: الَّتِي قَدْ سَكَنَ لَهَبُها ولَمْ يُطْفَأْ جَمْرُها، والهامِدَةُ: الَّتِي طُفِئَتْ فَذَهَبَتِ البَتَّةَ، والشَّكْدُ: العَطاءُ ابْتِداءً، فَإنْ كانَ جَزاءً فَهو شَكْمٌ، والمائِحُ: الَّذِي يَدْخُلُ البِئْرَ فَيَمْلَأُ الدَّلْوَ، والماتِحُ: الَّذِي يَنْزِعُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنَبَذْتُها ﴾ ؛ أيْ: فَقَذَفْتُها في العِجْلِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( فَنَبَذَتْها ) بِالإدْغامِ.

﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: وكَما حَدَّثَتْكَ، ﴿ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ ؛ أيْ: زَيَّنَتْ لِي، ﴿ قالَ ﴾ مُوسى " اذْهَبْ "؛ أيْ: مِن بَيْنِنا، ﴿ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ ﴾ ؛ أيْ: ما دُمْتَ حَيًّا، ﴿ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ ﴾ ؛ أيْ: لا أمَسُّ ولا أُمَسُّ، فَصارَ السّامِرِيُّ يَهِيمُ في البَرِّيَّةِ مَعَ الوَحْشِ والسِّباعِ، لا يَمَسُّ أحَدًا ولا يَمَسُّهُ أحَدٌ، عاقَبَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وألْهَمَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿ لا مِساسَ ﴾ ، وكانَ إذا لَقِيَ أحَدًا يَقُولُ: لا مِساسَ؛ أيْ: لا تَقْرَبْنِي ولا تَمَسَّنِي، وصارَ ذَلِكَ عُقُوبَةً لِوَلَدِهِ، حَتّى إنْ بَقاياهُمُ اليَوْمَ فِيما ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ بِأرْضِ الشّامِ يَقُولُونَ ذَلِكَ.

وحُكِيَ أنَّهُ إنْ مَسَّ واحِدٌ مِن غَيْرِهِمْ واحِدًا مِنهم، أخَذَتْهُما الحُمّى في الحالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ لَكَ مَوْعِدًا ﴾ ؛ أيْ: لِعَذابِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ لَنْ تُخْلَفَهُ ﴾ ؛ أيْ: لَنْ يَتَأخَّرَ عَنْكَ، ومَن كَسَرَ لامَ ( تُخْلَفَ ) أرادَ: لَنْ تَغِيبَ عَنْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ ﴾ يَعْنِي: العِجْلَ، ﴿ الَّذِي ظَلْتَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: أقَمْتَ عَلَيْهِ.

وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى " ظَلْتَ ": فَعَلْتَهُ نَهارًا.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( ظَلْتَ ) بِرَفْعِ الظّاءِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( ظِلْتَ ) بِكَسْرِ الظّاءِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ( ظَلْتَ، وظِلْتَ ) بِفَتْحِ الظّاءِ وكَسْرِها، فَمَن فَتَحَ فالأصْلُ فِيهِ: ( ظَلِّلْتَ )، ولَكِنَّ اللّامَ حُذَفَتْ لِثِقَلِ التَّضْعِيفِ والكَسْرِ، وبَقِيَتِ الظّاءُ عَلى فَتْحِها، ومَن قَرَأ: ( ظِلْتَ ) بِالكَسْرِ، حَوَّلَ كَسْرَةَ اللّامِ عَلى الظّاءِ.

ومَعْنى ﴿ عاكِفًا ﴾ : مُقِيمًا، ﴿ لَنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( لَنُحَرِّقَنَّهُ ) بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( لَنَحْرُقَنَّهُ ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الحاءِ ورَفْعِ الرّاءِ مُخَفَّفَةً.

وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: ( لَنُحْرِقَنَّهُ ) بِرَفْعِ النُّونِ وإسْكانِ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ مُخَفَّفَةً.

قالَ الزَّجّاجُ: إذا شَدَّدَ، فالمَعْنى: نَحْرُقُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.

وتَأْوِيلُ ﴿ لَنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ : لَنُبَرِّدَنَّهُ، يُقالُ: حَرَقْتُ أحْرُقُ وأحْرِقُ: إذا بَرَّدَتُ الشَّيْءَ.

والنَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ.

وجاءَ في التَّفْسِيرِ: أنَّ مُوسى أخَذَ العِجْلَ فَذَبَحَهُ، فَسالَ مِنهُ دَمٌ؛ لِأنَّهُ كانَ قَدْ صارَ لَحْمًا ودَمًا، ثُمَّ أحْرَقَهُ بِالنّارِ، ثُمَّ ذَرّاهُ في البَحْرِ، ثُمَّ أخْبَرَهم مُوسى عَنْ إلَهِهِمْ، فَقالَ: ﴿ إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ ؛ أيْ: هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لا العِجْلُ، ﴿ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ ؛ أيْ: وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ﴾ ﴿ قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ ﴿ قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا ﴾ المَعْنى: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مُخاطِبًا لِلسّامِرِيِّ: فَما خَطْبُكَ؟

وقَوْلُهُ: "فَما خَطْبُكَ" كَما تَقُولُ: ما شَأْنُكَ؟

وما أمْرُكَ؟، لَكِنَّ لَفْظَةَ الخَطْبِ تَقْتَضِي انْتِهارًا؛ لِأنَّ الخَطْبَ مُسْتَعْمَلٌ في المَكارِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ما نَحْسُكَ؟

وما شُؤْمُكَ؟

وما هَذا الخَطْبُ الَّذِي جاءَ مِن قِبَلِكَ.

و" السامِرِيُّ " قِيلَ: هو مَنسُوبٌ إلى قَبِيلَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ويُقالُ: إلى قَرْيَةٍ يُقالُ لَها: سامِرَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهِيَ مَعْرُوفَةٌ اليَوْمَ بِبِلادِ مِصْرَ، وقِيلَ: اسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفِرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: "بَصُرْتُ"، قَرَأتْ فِرْقَةٌ "بَصُرْتُ" بِضَمِّ الصادِ عَلى مَعْنى: صارَتْ بَصِيرَتِي بِصُورَةٍ ما، فَهو كَظَرُفْتُ وشَرُفْتُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَصِرْتُ" بِكَسْرِ الصادِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مِنَ البَصِيرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِنَ البَصَرِ، وذَلِكَ أنَّ في أمْرِ السامِرِيِّ ما زادَ عَلى الناسِ بِالبَصَرِ، وهو وجْهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ وفَرَسُهُ، وبِالبَصِيرَةِ، وهو ما عَلِمَهُ مِن أنَّ القَبْضَةَ إذا نَبَذَها مَعَ الحُلِيِّ جاءَهُ مِن ذَلِكَ ما يُرِيدُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُبْصِرُوا بِهِ" بِالياءِ، يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تُبْصِرُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقُ، يُرِيدُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "قَبْضَةً" بِالضادِ مَنقُوطَةً، بِمَعْنى: أخَذْتُ بِكَفِّي مَعَ الأصابِعِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وغَيْرُهُمْ: "فَقَبَصْتُ قَبْصَةً" بِالصادِّ غَيْرِ مَنقُوطَةٍ، بِمَعْنى: أخَذْتُ بِأصابِعِي فَقَطْ، وقَرَأ الحَسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ - "قُبْصَةً" بِضَمِّ القافِ.

و"الرَسُولُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الأثَرُ" هو تُرابٌ تَحْتَ حافِرِ فَرَسِهِ.

وَسَبَبُ مَعْرِفَةِ السامِرِيِّ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَيَّزَهُ فِيما رُوِيَ أنَّ أُمُ السامِرِيِّ ولَدَتْهُ عامَ الذَبْحِ فَطَرَحَتْهُ في مَغارَةٍ، فَكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ يَغْذُوهُ فِيها ويَحْمِيَهُ حَتّى كَبِرَ وشَبَّ، فَمَيَّزَهُ بِذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَوْلُهُ: "فَنَبَذْتُها" أيْ عَلى الحُلِيِّ فَكانَ مِنها ما تَراهُ، وهَذا مَحْذُوفٌ مِنَ اللَفْظِ يَقْتَضِيهِ الحالُ والمُخاطَبَةُ، ثُمْ قالَ: ﴿ وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ ، أيْ: كَما وقَعَ وحَدَثَ قَرَّبَتْ لِي نَفْسِي وجَعَلَتْهُ لِي سُؤْلًا ورَأْبًا حَتّى فَعَلَتْهُ.

وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لا يَقْتُلُ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا في حَدٍّ أو وحْيٍ، فَعاقَبَهُ بِاجْتِهادِ نَفْسِهِ بِأنْ أبْعَدَهُ ونَحّاهُ عَنِ الناسِ، وأمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِاجْتِنابِهِ واجْتِنابِ قَبِيلَتِهِ، وأنْ لا يُؤاكِلُوا ولا يُناكِحُوا، ونَحْوَ هَذا، وعَلَّمَهُ مَعَ ذَلِكَ، وجَعَلَ لَهُ أنْ يَقُولَ مُدَّةَ حَيّاتِهِ: "لا مِساسَ"، أيْ: لا مُماسَّةَ ولا إذايَةَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لا مِساسَ" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ السِينِ، عَلى النَصْبِ بِالتَبْرِئَةِ، وهو اسْمٌ يَنْصَرِفُ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: أصْبَحَ مِن ذاكَ كالسامِرِيِّ إذْ قالَ مُوسى لَهُ لا مِساسًا ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: حَتّى يَقُولَ الأزْدُ لا مِساسًا واسْتِعْمالُهُ عَلى هَذا كَثِيرٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "لا مَساسِ" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ السِينِ، وَهُوَ مَعْدُولٌ عَنِ المَصْدَرِ كَفُجّارٍ ونَحْوِهِ، وشَبَّهَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ بِنِزالٍ ودِراكٍ ونَحْوِهِ، والشَبَهُ صَحِيحٌ مِن حَيْثُ هي مَعْدُولاتٌ، وفارَقَهُ في أنَّ هَذِهِ عَدَلَتْ عَنِ الأمْرِ، و"مِساسَ" و"فُجّارَ" عَدَلَتْ عَنِ المَصْدَرِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: تَمِيمٌ كَرَهْطِ السامِرِيِّ وقَوْلِهِ ألّا لا يُرِيدُ السامِرِيُّ مِساسَ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُخْلَفَهُ" بِفَتْحِ اللامِ، عَلى مَعْنى: لَنْ يَقَعَ فِيهِ خُلْفٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لَنْ تُخْلِفَهُ" بِكَسْرِ اللامِ، عَلى مَعْنى: لَنْ تَسْتَطِيعَ الزَوَغانَ عنهُ والحَيْدَةَ، فَتَزُولُ عن مَوْعِدِ العَذابِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "لَنْ نُخْلِفَهُ" بِالنُونِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: المَعْنى: لَنْ نُصادِفَهُ مُخَلَّفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّها بِمَعْنى الوَعِيدِ والتَهْدِيدِ.

ثُمْ وبَّخَهُ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ ﴾ الآيَةَ أيِ: انْظُرْ صَنِيعَكَ وتَغْيِيرَنا لَهُ ورَدَّنا الأمْرَ فِيهِ إلى الواجِبِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ظَلْتَ" بِفَتْحِ الظاءِ، عَلى حَذْفِ اللامِ الواحِدَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ظِلْتَ" بِكَسْرِ الظاءِ عَلى نَقْلِ حَرَكَةِ اللامِ إلى الظاءِ ثُمْ حَذْفِها بَعْدَ ذَلِكَ، نَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ: لا أنَّ العِتاقَ مِنَ المَطايا ∗∗∗ أحُسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شَوَسٌ أرادَ: أحْسُسْنَ، فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ السِينِ إلى الحاءِ ثُمْ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وفي بَعْضِ الرِواياتِ: حُسَيْنَ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ظَلِلْتَ"، و"ظَلَّ" مَعْناهُ: أقامَ يَفْعَلُ الشَيْءَ نَهارًا، ولَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الدائِبِ لَيْلًا ونَهارًا، بِمَثابَةِ طَفِقَ.

و"عاكِفًا" مَعْناهُ: مُلازِمًا.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَنُحْرِقَنَّهُ" بِتَخْفِيفِ الراءِ بِمَعْنى: بِالنارِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "لَنَحْرُقَنَّهُ" بِفَتْحِ النُونِ وضَمِّ الراءِ خَفِيفَةً، بِمَعْنى: لَنَبْرُدَنَّهُ بِالمِبْرَدِ، وقَرَأ نافِعٌ وغَيْرُهُ: "لَنُحَرِّقَنَّهُ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ الراءِ وشَدِّها، وهَذا تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَعْدِيَةٍ، وهي قِراءَةٌ تَحْتَمِلُ الحَرْقَ بِالنارِ، وتَحْتَمِلُ بِالمِبْرَدِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما: "لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمْ لَنَحْرُقَنَّهُ ثُمْ لَنَنْسِفَنَّهُ"، وهَذِهِ القِراءَةُ مَعَ رِوايَةِ مَن رَوى أنَّ العِجْلَ صارَ لَحْمًا ودَمًا، وعَلى هَذِهِ الرِوايَةِ يَتَرَكَّبُ أنْ يَكُونَ هُناكَ حَرْقٌ بِنارٍ، وإلّا فَإذا كانَ جَمادًا مِن ذَهَبٍ فَإنَّما هو حَرْقٌ بِمِبْرَدٍ، اللهم إلّا أنْ تَكُونَ إذابَهً، ويَكُونُ النَسْفُ مُسْتَعارًا لِتَفْرِيقِهِ في اليَمِّ مُذابًا.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَنَنْسِفَنَّهُ" بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَنَنْسُفَنَّهُ" بِضَمِّ السِينِ، و"النَسْفُ": تَفْرِيقُ الرِيحِ الغُبارَ، وكُلَّ ما هو مِثْلَهُ كَتَفْرِيقِ الغِرْبالِ ونَحْوِهُ فَهو نَسْفٌ.

و"اليَمُّ": غَمَرَ الماءَ مِن بَحْرٍ أو نَهْرٍ، وكُلُّ ما غَمَرَ الإنْسانَ مِنَ الماءِ فَهو يَمٌّ.

و"نَسْفًا" تَأْكِيدٌ بِالمَصْدَرِ، واللامِ في قَوْلِهِ: "لَنُحَرِّقَنَّهُ" لامُ القَسَمِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ القِصَصِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بَرَدَ العِجْلَ حَتّى رَدَّهُ كالغُبارِ ثُمْ ذَراهُ في البَحْرِ، ثُمْ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَشْرَبَ جَمِيعَهم مِنَ الماءِ، فَمَن شَرِبَ مِمَّنْ كانَ في قَلْبِهِ حُبُّ العِجْلِ خَرَجَ عَلى شارِبِهِ مِنَ الذَهَبِ فَضِيحَةً لَهُ، وقالَ مَكِّيُّ رَحِمَهُ اللهُ وَأسْنَدَ -: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ مَعَ السَبْعِينَ في المُناجاةِ، وحِينَئِذٍ وقَعَ أمْرُ العِجْلِ، وإنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى أعْلَمَ مُوسى بِذَلِكَ فَكَتَمَهُ عنهُمْ، وجاءَ بِهِمْ حَتّى سَمِعَ لَغَطَ بَنِي إسْرائِيلَ حَوْلَ العِجْلِ، فَحِينَئِذٍ أعْلَمَهم مُوسى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ رِوايَةُ الجُمْهُورِ عَلى خِلافِها، وإنَّما تَعَجَّلَ مُوسى وحْدَهُ فَوَقَعَ أمْرُ العِجْلِ، ثُمْ جاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وصَنَعَ بِالعِجْلِ ما صَنَعَ، ثُمْ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالسَبْعِينَ عَلى مَعْنى الشَفاعَةِ في ذَنْبِ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنْ يُطْلِعَهم أيْضًا عَلى أمْرِ المُناجاةِ فَكانَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ نَهْضَتانِ، واللهُ أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لم يزد موسى في عقاب السامريّ على أن خلعه من الأمّة، إما لأنّه لم يكن من أنفسهم فلم يكن بالذي تجري عليه أحكام الشريعة، وإما لأنّ موسى أعلم بأن السامري لا يرجى صلاحه، فيكون ممن حقّت عليه كلمة العذاب، مثل الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ﴾ [يونس: 96، 97]، ويكون قد أطلع الله موسى على ذلك بوحي أو إلهام، مثل الذي قاتل قتالاً شديداً مع المسلمين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " أما إنه من أهل النّار "، ومثل المنافقين الذين أعلم الله بهم محمداً صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم حذيفة بن اليمان ببعضهم.

فقوله ﴿ فَاذْهَبْ ﴾ الأظهر أنه أمر له بالانصراف والخروج من وسط الأمّة، ويجوز أن يكون كلمة زجر، كقوله تعالى: ﴿ قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنّم جزاؤكم ﴾ [الإسراء: 63]، وكقول الشاعر مما أنشده سيبويه في «كتابه» ولم يعزه: فاليوم قَرّبْتَ تهجونا وتشتمنا *** فاذْهَبْ فما وبك لأيام من عجب ويجوز أن يكون مراداً به عدم الاكتراث بحاله كقول النبهاني من شعراء «الحماسة»: فإن كنتَ سيدنا سُدْتَنا *** وإن كنت للخَال فاذْهَب فَخَلْ أما قوله ﴿ فَإنَّ لَكَ في الحَيَاةِ أن تَقُولَ لا مِساس وإنَّ لكَ مَوْعِداً لَن تُخْلفَهُ ﴾ فهو إخبار بما عاقبه الله به في الدنيا والآخرة، فجعل حَظه في حياته أن يقول لا مِساس، أي سلبه الله الأُنس الذي في طبع الإنسان فعوضه به هوساً ووسواساً وتوحشاً، فأصبح متباعداً عن مخالطة الناس، عائشاً وحده لا يترك أحداً يقترب منه، فإذا لقيه إنسان قال له: لا مساس، يخشى أن يمسه، أي لا تمسني ولا أمسك، أو أراد لا اقتراب مني، فإن المس يطلق على الاقتراب كقوله ﴿ ولا تمسوها بسوء ﴾ [هود: 64]، وهذا أنسب بصيغة المفاعلة، أي مقاربة بيننا، فكان يقول ذلك، وهذه حالة فظيعة أصبح بها سخرية.

ومِساس بكسر الميم في قراءة جميع القراء وهو مصدر ماسّهُ بمعنى مسه، و(لا) نافية للجنس، و{مساس اسمها مبني على الفتح.

وقوله وإنَّ لكَ مَوعِداً } اللام في ﴿ لَكَ ﴾ استعارة تهكمية، كقوله تعالى: ﴿ وإن أسأتم لها ﴾ [الإسراء: 7] أي فعليها.

وتوعده بعذاب الآخرة فجعله موعداً له، أي موعد الحشر والعذاببِ، فالموعد مصدر، أي وعد لا يخلف ﴿ وعد الله لا يخلف الله وعده ﴾ [الروم: 6].

وهنا توعُّد بعذاب الآخرة.

وقرأ الجمهور {لن تُخلَفه بفتح اللاّم مبنيّاً للمجهول للعلم بفاعله، وهو الله تعالى، أي لا يؤخره الله عنك، فاستعير الإخلاف للتأخير لمناسبة الموعد.

وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب بكسر اللام مضارع أخْلَف وهمزته للوجدان.

يقال: أخلف الوعد إذا وجده مُخْلَفاً، وإما على جعل السامريّ هو الذي بيده إخلاف الوعد وأنه لا يخلفه، وذلك على طريق التهكم تبعاً للتهكم الذي أفاده لام الملك.

وبعد أن أوعد موسى السامريّ بيّن له وللذين اتبعوه ضلالهم بعبادتهم العجل بأنه لا يستحق الإلهيّة لأنّه معرّض للامتهان والعَجز، فقال: وانْظُر إلى إلهك الَّذِي ظَلتَ عليهِ عاكِفاً لنُحرِقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ في الْيَممِ نَسْفاً}.

فجعَل الاستدلال بالنظر إشارة إلى أنه دليل بيّن لا يحتاج المستدل به إلى أكثر من المشاهدة فإن دلالة المحسوسات أوضح من دلالة المعقولات.

وأضاف الإله إلى ضمير السامريّ تهكماً بالسامريّ وتحقيراً له، ووصف ذلك الإله المزعوم بطريق الموصولية لما تدلّ عليه الصلة من التنبيه على الضلال والخطأ، أي الذي لا يستحق أن يعكف عليه.

وقوله ﴿ ظلتَ ﴾ بفتح الظاء في القراءات المشهورة، وأصله: ظَلَلْتَ: حذفت منه اللام الأولى تخفيفاً من توالي اللاميْن وهو حذف نادر عند سيبويه وعند غيره هو قياس.

وفعل (ظلّ) من أخوات (كان).

وأصله الدلالة على اتصاف اسمه بخبره في وقت النّهار، وهو هنا مجاز في معنى (دام) بعلاقة الإطلاق بناء على أنّ غالب الأعمال يكون في النّهار.

والعكوف: ملازمة العبادة وتقدم آنفاً.

وتقديم المجرور في قوله ﴿ عَلَيْهِ عَاكِفَاً ﴾ للتخصيص، أي الذي اخترته للعبادة دون غيره، أي دون الله تعالى.

وقرأ الجمهور ﴿ لنُحرِّقنَّه ﴾ بضم النون الأولى وفتح الحاء وكسر الراء مشددة.

والتحريق: الإحراق الشديد، أي لنحرقنه إحراقاً لا يدع له شكلاً.

وأراد به أن يذيبه بالنّار حتى يفسد شكله ويصير قِطَعاً.

وقرأ ابن جمّاز عن أبي جعفر {لنُحْرِقنه بضم النّون الأولى وبإسكان الحاء وتخفيف الراء.

وقرأه ابن وَردان عن أبي جعفر بفتح النون الأولى وإسكان الحاء وضم الراء لأنّه يقال: أحرقه وحرّقه.

والنسف: تفريقٌ وإذراء لأجزاء شيء صلب كالبناء والتراب.

وأراد باليمّ البحر الأحمر المسمى بحر القلزم، والمسمى في التوراة: بحْرَ سُوف، وكانوا نازلين حينئذ على ساحله في سفح الطور.

و (ثم) للتّراخي الرتبي، لأن نسف العجل أشد في إعدامه من تحريقه وأذل له.

وأكد ننسِفَنّه بالمفعول المطلق إشارة إلى أنه لا يتردد في ذلك ولا يخشى غضبه كما يزعمون أنّه إله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ﴾ الخَطْبُ ما يَحْدُثُ مِنَ الأُمُورِ الجَلِيلَةِ الَّتِي يُخاطَبُ عَلَيْها، قالَ الشّاعِرُ: ( آذَنَتْ جارَتِي بِوَشْكِ رَحِيلِ بِكْرًا جاهَرَتْ بِخَطْبٍ جَلِيلِ وَفِي السّامِرِيِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ كانَ رَجُلًا مِن أهْلِ كَرْمانَ، تَبِعَ مُوسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ، وكانَ اسْمُهُ مُوسى بْنَ ظَفَرٍ.

وَفي تَسْمِيَتِهِ بِالسّامِرِيِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مِن قَبِيلَةٍ يُقالُ لَها سامِرَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لِأنَّهُ كانَ مِن قَرْيَةٍ تُسَمّى سامِرَةُ.

﴿ قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نَظَرْتُ ما لَمْ يَنْظُرُوهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: بِما لَمْ يَفْطِنُوا لَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفي بَصُرْتُ وأبْصَرْتُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ.

الثّانِي: أنَّ مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، فَأبْصَرْتُ بِمَعْنى نَظَرْتُ، وبَصُرْتُ بِمَعْنى فَطِنْتُ.

﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً ﴾ قَرَأهُ الجَماعَةُ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ القَبْضَةَ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ، بِجَمِيعِ الكَفِّ، وبِصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ: بِأطْرافِ الأصابِعِ ﴿ مِن أثَرِ الرَّسُولِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرَّسُولَ جِبْرِيلُ.

وَفِي مَعْرِفَتِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ رَآهُ يَوْمَ فَلْقِ البَحْرَ فَعَرَفَهُ.

الثّانِي: أنْ حِينَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ [جَعَلَتْهُ في غارٍ]- حَذَرًا عَلَيْهِ مِن فِرْعَوْنَ حِينَ كانَ يَقْتُلُ بَنِي إسْرائِيلَ وكانَ جِبْرِيلُ يَغْذُوهُ صَغِيرًا لِأجْلِ البَلْوى، فَعَرَفَهُ حِينَ كَبِرَ، فَأخَذَ قَبْضَةَ تُرابٍ مِن حافِرِ فَرَسِهِ وشَدَّها في ثَوْبِهِ ﴿ فَنَبَذْتُها ﴾ يَعْنِي فَألْقَيْتُها، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ألْقاها فِيما سَبَكَهُ مِنَ الحُلِيِّ بِصِياغَةِ العِجْلِ حَتّى خارَ بَعْدَ صِياغَتِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ ألْقاها في جَوْفِ العِجْلِ بَعْدَ صِياغَتِهِ حَتّى ظَهَرَ خُوارُهُ، فَهَذا تَفْسِيرُهُ عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ الرَّسُولَ جِبْرِيلَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الرَّسُولَ مُوسى، وأنَّ أثَرَهُ شَرِيعَتُهُ الَّتِي شَرَعَها وسُنَّتُهُ الَّتِي سَنَّها، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها ﴾ أيْ طَرَحْتُ شَرِيعَةَ مُوسى ونَبَذْتُ سُنَّتَهُ، ثُمَّ اتَّخَذْتُ العِجْلَ جَسَدًا لَهُ خُوارٌ.

﴿ وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَدَّثَتْنِي نَفْسِي.

قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: زَيَّنَتْ لِي نَفْسِي، قالَهُ الأخْفَشُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فاذْهَبْ ﴾ وعِيدٌ مِن مُوسى، ولِذا [فَإنَّ] السّامِرِيَّ خافَ فَهَرَبَ فَجَعَلَ يَهِيمُ في البَرِيَّةِ مَعَ الوُحُوشِ والسِّباعِ، لا يَجِدُ أحَدًا مِنَ النّاسِ يَمَسُّهُ، حَتّى صارَ كالقائِلِ لا مِساسَ، لِبُعْدِهِ عَنِ النّاسِ وبُعْدِ النّاسِ مِنهُ.

قالَتِ الشّاعِرَةُ: حَمّالُ راياتٍ بِها قِنْعاسا ∗∗∗ حَتّى يَقُولَ الأزْدُ لا مِساسا القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا القَوْلَ مِن مُوسى [كانَ] تَحْرِيمًا لِلسّامِرِيِّ، وأنَّ مُوسى أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ ألّا يُؤاكِلُوهُ ولا يُخالِطُوهُ، فَكانَ لا يَمَسُّ ولا يُمَسُّ، قالَ الشّاعِرُ: تَمِيمٌ كَرَهْطِ السّامِرِيِّ وقَوْلِهِ ∗∗∗ ألا لا يُرِيدُ السّامِرِيُّ مِساسا أيْ لا يُخالِطُونَ ولا يُخالَطُونَ.

﴿ وَإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في الإمْهالِ لَنْ يُقَدَّمَ.

الثّانِي: في العَذابِ لَنْ يُؤَخَّرَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِن عِلْمِهِ.

الثّانِي: وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا حَتّى لَمْ يَخْلُ شَيْءٌ عَنْ عِلْمِهِ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً ﴾ قال: يابساً ليس فيه ماء ولا طين.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ طريقاً في البحر يبساً ﴾ قال: يابساً.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج قال: قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا، وهذا البحر قد عمنا.

فأنزل الله: ﴿ لا تخاف دركاً ولا تخشى ﴾ من البحر غرقاً ولا وحلاً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تخاف دركاً ﴾ قال: من آل فرعون ﴿ ولا تخشى ﴾ من البحر غرقاً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ فغشيهم من اليم ﴾ قال البحر.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ قال: الطغيان فيه أن يأخذه بغير حله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ فيحل عليكم غضبي ﴾ قال: فينزل عليكم غضبي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأعمش أنه قرأ ﴿ من يحلل عليه غضبي ﴾ بكسر اللام على تفسير من يجب عليه غضبي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مجلز في قوله: ﴿ ومن يحلل عليه غضبي ﴾ قال: إن غضبه خلق من خلقه يدعوه فيكلمه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فقد هوى ﴾ قال: شقي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سقي بن ماتع: أن في جهنم قصراً يرمى الكافر من أعلاه، فيهوي في جهنم أربعين، قبل أن يبلغ الصلصال، فذلك قوله: ﴿ ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ وإني لغفار لمن تاب ﴾ قال: من الشرك ﴿ وآمن ﴾ .

قال: وحد الله ﴿ وعمل صالحاً ﴾ قال: أدى الفرائض ﴿ ثم اهتدى ﴾ قال: لم يشك.

وأخرج سعيد بن منصور والفريابي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإني لغفار ﴾ الآية.

قال: تاب من الذنب، وآمن من الشرك.

وعمل صالحاً فيما بينه وبين ربه ﴿ ثم اهتدى ﴾ علم أن لعمله ثواباً يجزى عليه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ثم اهتدى ﴾ قال: ثم استقام لفرقة السنة والجماعة.

وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والبيهقي في الشعب من طريق عمرو بن ميمون، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: فعجل موسى إلى ربه فقال الله: ﴿ وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى ﴾ قال: فرأى في ظل العرش رجلاً فعجب له.

فقال: من هذا يا رب؟

قال: لا أحدثك حديثه لكن سأحدثك بثلاث فيه: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة.

وأخرج ابن مردويه، عن وهب بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لما وعد موسى أن يكلمه، خرج للوقت الذي وعده، فبينما هو يناجي ربه، إذ سمع خلفه صوتاً، فقال إلهي إني أسمع خلفي صوتاً، قال: لعل قومك ضلوا، قال: إلهي، من أضلهم؟

قال: السامري.

قال: كيف أضلهم؟

قال: صاغ لهم ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ قال: إلهي هذا السامري صاغ لهم العجل: فمن نفخ فيه الروح حتى صار له خوار؟

قال: أنا يا موسى، قال: فبعزتك، ما أَضَلَّ قومي أحد غيرك.

قال: صدقت.

قال: يا حكيم الحكماء، لا ينبغي حكيم أن يكون أحكم منك» .

وأخرج ابن جرير في تهذيبه، عن راشد بن سعد قال: إن موسى لما قدم على ربه- واعد قومه أربعين ليلة- قال: يا موسى، إن قومك قد افتتنوا من بعدك.

قال: يا رب كيف يفتنون؟

وقد نجيتهم من فرعون، ونجيتهم من البحر، وأنعمت عليهم، وفعلت بهم؟!

قال: يا موسى إنهم اتخذوا من بعدك عجلاً له خوار قال: يا رب، فمن جعل فيه الروح؟

قال: أنا.

قال: فأنت يا رب أضللتهم.

قال: يا موسى، يا رأس النبيين، ويا أبا الحكام، إني رأيت ذلك في قلوبهم، فيسرته لهم.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن علي رضي الله عنه قال: لما تعجل موسى إلى ربه، عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي بني إسرائيل فضربه عجلاً، ثم ألقى القبضة في جوفه، فإذا هو عجل جسد له خوار فقال لهم السامري: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى ﴾ فقال لهم هارون: ﴿ يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً ﴾ فلما أن رجع موسى أخذ رأس أخيه، فقال له هارون ما قال، فقال موسى للسامري: ﴿ ما خطبك ﴾ فقال: ﴿ قبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي ﴾ فعمد موسى إلى العجل، فوضع عليه المبارد فبرده وهو على شطر نهر، فما شرب أحد من ذلك الماء- ممن كان يعبد ذلك العجل- إلا اصفر وجهه مثل الذهب!

فقالوا: يا موسى، ما توبتنا؟

قال: يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فجعل الرجل يقتل أباه وأخاه وابنه، لا يبالي من قتل، حتى قتل منهم سبعون ألفاً!

فأوحى الله إلى موسى: مرهم فليرفعوا أيديهم، فقد غفرت لمن قتل، وتبت على من بقي.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لما هجم فرعون على البحر وأصحابه- وكان فرعون على فرس أدهم حصان، هاب الحصان أن يقتحم البحر، فمثل له جبريل على فرس أنثى، فلما رآها الحصان هجم خلفها، وعرف السامري جبريل- لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه- فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه، في واحدة لبناً، وفي الأخرى عسلاً، وفي الأخرى سمناً، فلم يزل يغذوه حتى نشأ، فلما عاينه في البحر عرفه، فقبض قبضة من أثر فرسه.

قال أخذ من تحت الحافر قبضة، وألقى في روع السامري: إنك لا تلقيها على شيء فتقول كن كذا إلا كان، فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر، فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر، أغرق الله آل فرعون.

قال موسى لأخيه هارون ﴿ اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ ومضى موسى لموعد ربه، وكان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون، فكأنهم تأثموا منه، فأخرجوه لتنزل النار فتأكله، فلما جمعوه قال السامري: بالقبضة هكذا، فقذفها فيه، وقال: كن عجلاً جسداً له خوار فصار ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ فكان يدخل الريح من دبره، ويخرج من فيه يسمع له صوت!

فقال: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فعكفوا ﴾ على العجل يعبدونه.

فقال هارون: ﴿ يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري ﴾ ﴿ قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ .

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كان السامري رجلاً من أهل ماجرما، وكان من قوم يعبدون البقر، فكان يحب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل، فلما فصل موسى إلى ربه قال لهم هارون: إنكم قد حملتم ﴿ أوزاراً من زينة القوم ﴾ آل فرعون ومتاعاً وحلياً فتطهروا منها، فإنها رجس، وأوقد لهم ناراً، فقال: اقذفوا ما معكم من ذلك فيها، فجعلوا يأتون بما معهم فيقذفون فيها، ورأى السامري أثر فرس جبريل، فأخذ تراباً من أثر حافره، ثم أقبل إلى النار، فقال لهارون يا نبي الله، ألقي ما في يدي؟

قال: نعم.

ولا يظن هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الحلي والأمتعة فقذفه فيها فقال: كن ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ ، فكان للبلاء والفتنة.

فقال: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى ﴾ ﴿ فعكفوا عليه ﴾ وأحبوه حباً لم يحبوا مثله شيئاً قط: يقول الله: ﴿ فنسي ﴾ أي ترك ما كان عليه من الإسلام، يعني السامري ﴿ أفلا يرون أَلاَّ يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً ﴾ وكان اسم السامري: موسى بن ظفر وقع في أرض مصر، فدخل في بني إسرائيل، فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال: ﴿ يا قوم، إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ فأقام هارون فيمن معه من المسلمين مخافة أن يقول له موسى: ﴿ فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ﴾ وكان له سامعاً مطيعاً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن هارون مر بالسامري وهو يتنحت العجل فقال له: ما تصنع؟

قال: اصنع ما لا يضر ولا ينفع!

فقال هارون: اللهم أعطه ما سأل على نفسه، ومضى هارون فقال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور، فخار.

فكان إذا خار سجدوا له، وإذا خار رفعوا رؤوسهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن بني إسرائيل استعاروا حليا من القبط، فخرجوا به معهم، فقال لهم هارون: قد ذهب موسى إلى السماء اجمعوا هذا الحلي حتى يجيء موسى، فيقضي فيه ما قضى، فجمع ثم أذيب، فلما ألقى السامري القبضة تحول ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ فقال: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فنسي ﴾ قال: إن موسى ذهب يطلب ربه، فضل فلم يعلم مكانه وهو هذا.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن علي رضي الله عنه قال: إن جبريل لما نزل فصعد بموسى إلى السماء، بصر به السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس، وحمل جبريل موسى خلفه حتى إذا دنا من باب السماء صعد، وكتب الله الألواح، وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح، فلما أخبره أن قومه قد فتنوا من بعده، نزل موسى فأخذ العجل فأحرقه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان السامري من أهل كرمان.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه قال انطلق موسى إلى ربه فكلمه قال له: ﴿ ما أعجلك عن قومك يا موسى ﴾ ﴿ قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى ﴾ قال: ﴿ فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري ﴾ فلما خبره خبرهم قال: يا رب، هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل.

أرأيت الروح من نفخها فيه؟

قال الرب: أنا.

قال: يا رب.

فأنت إذاً أضللتهم.

ثم رجع ﴿ موسى إلى قومه غضبان أسفاً ﴾ قال: حزيناً ﴿ قال يا قوم ألم يَعِدَكُم ربكم وعداً حسناً ﴾ إلى قوله: ﴿ ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ يقول: بطاقتنا ﴿ ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم ﴾ يقول: من حلي القبط: ﴿ فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلاً جسداً خوار ﴾ ﴿ فعكفوا عليه يعبدونه ﴾ وكان يخور ويمشي.

فقال لهم هارون: ﴿ يا قوم إنما فتنتم به ﴾ يقول ابتليتم بالعجل.

قال: ﴿ فما خطبك يا سامري ﴾ ما بالك.

إلى قوله: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليك عاكفاً لنحرقنه ﴾ قال: فأخذه فذبحه ثم خرقه بالمبرد.

يعني سحكه، ثم ذراه في اليم.

فلم يبق نهر يجري يومئذ إلا وقع فيه منه شيء، ثم قال لهم موسى: اشربوا منه، فشربوا.

فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب، فذلك حين يقول: ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ﴾ قال: فلما سقط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى ﴿ ورأوا أنهم قد ضلوا، قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ﴾ فأبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل؛ إلا بالحال التي كرهوا أنهم كرهوا أن يقاتلوهم، حين عبدوا العجل ﴿ فقال موسى يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم، فاقتلوا أنفسكم ﴾ فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيداً، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قتل منهم سبعون ألفاً، وحتى دعا موسى وهارون: ربنا هلكت بنو إسرائيل، ربنا البقية...

البقية، فأمرهم أن يضعوا السلاح، وتاب عليهم، فكان من قتل منهم....

كان شهيداً، ومن بقي كان مكفراً عنه، فذلك قوله تعالى: ﴿ فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ﴾ ثم إن الله تعالى أمر موسى: أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فوعدهم موعداً ﴿ فاختار موسى سبعين رجلاً ﴾ ثم ذهب ليعتذروا من عبادة العجل، فلما أتوا ذلك، قالوا: ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ فإنك قد كلمته فأرناه ﴿ فأخذتهم الصاعقة ﴾ فماتوا فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب.

ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟

﴿ رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ﴾ فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل.

فذلك حين يقول موسى: ﴿ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفطال عليكم العهد ﴾ يقول: الوعد وفي قوله: ﴿ فأخلفتم موعدي ﴾ يقول: عهدي وفي قوله: ﴿ ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ بأمر ملكنا ﴿ ولكنا حملنا أوزاراً ﴾ قال: أثقالاً من زينة القوم، وهي الحلي الذي استعاروه من آل فرعون ﴿ فقذفناها ﴾ قال: فألقيناها ﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ قال: كذلك صنع ﴿ فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ﴾ قال: حفيف الريح فيه.

فهو خواره، والعجل ولد البقرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بملكنا ﴾ قال: بأمرنا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ قال: بطاقتنا.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ بملكنا ﴾ قال: بسلطاننا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن يحيى أنه قرأ ﴿ بملكنا ﴾ وملكنا.

واحد.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فنسي ﴾ قال: نسي موسى أن يذكر لكم: إن هذا إلهه!

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فنسي ﴾ قال هم يقولونه، قومه: أخطأ الرب العجل ﴿ أفلا يرون أَلاَّ يرجع إليهم قولاً ﴾ قال: العجل ﴿ ولا يملك لهم ضراً ﴾ قال: ضلالة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعن ﴾ قال: تدعهم.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في الآية قال: أمره موسى أن يصلح، ولا يتبع سبيل المفسدين، فكان من إصلاحه أن ينكر العجل.

فذلك قوله: ﴿ أن لا تتبعن أفعصيت أمري ﴾ كذلك أيضاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ﴾ قال: خشيت أن يتبعني بعضهم ويتخلف بعضهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ﴾ قال: قد كره الصالحون الفرقة قبلكم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولم ترقب قولي ﴾ قال: لم تنتظر قولي وما أنا صانع وقائل.

قال: وقال ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لم ترقب قولي ﴾ لم تحفظ قولي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال فما خطبك يا سامري ﴾ قال: لم يكن اسمه، ولكنه كان من قرية اسمها سامرة ﴿ قال بصرت بما لم يبصروا به ﴾ يعني فرس جبريل.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم، أنه قرأ ﴿ بما لم يبصروا به ﴾ بالياء ورفع الصاد.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول ﴾ قال: من تحت حافر فرس جبريل ﴿ فنبذتها ﴾ قال: نبذ السامري على حلية بني إسرائيل فانقلبت عجلاً.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول ﴾ قال: قبض السامري قبضة من أثر الفرس فصره في ثوبه.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن أنه كان يقرؤها ﴿ فقبصت ﴾ بالصاد.

قال: والقبص بأطراف الأصابع.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الأشهب قال: كان الحسن يقرؤها ﴿ فقبصت قبصة ﴾ بالصاد، يعني بأطراف أصابعه، وكان أبو رجاء يقرؤها ﴿ فقبصت قبصة ﴾ بالصاد، هكذا بجميع كفيه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: القبضة ملء الكف، والقبصة بأطراف الأصابع.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم، أنه قرأ ﴿ فقبضت قبضة ﴾ بالضاد على معنى القبض.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ﴾ قال: عقوبة له ﴿ وإن لك موعداً لن تخلفه ﴾ قال: لن تغيب عنه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً ﴾ قال: أقمت ﴿ لنحرقنه ﴾ قال: بالنار ﴿ ثم لننسفنه في اليم نسفاً ﴾ قال: لنذرينه في البحر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، أنه كان يقرأ ﴿ لنحرقنه ﴾ خفيفة.

يقول: إن الذهب والفضة لا يحرقان بالنار، يسحل بالمبرد ثم يلقى على النار فيصير رماداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: في بعض القراءة ﴿ لنذبحنه ثم لنحرقنه ﴾ خفيفة.

قال قتادة: وكان له لحم ودم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نهيك الأزدي، أنه قرأ ﴿ لنحرقنه ﴾ بنصب النون وخفض الراء وخففها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اليم، البحر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: اليم، النهر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالَ فَاذْهَبْ ﴾ روي في التفسير: (أن موسى -  - همَّ بقتل السامري، فنهاه الله عن ذلك وقال: لا تفعل، فإنه سخي) (١) (٢) فقال له موسى: ﴿ فَاذْهَبْ ﴾ أي: من بيننا ﴿ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ ﴾ قال ابن عباس: (لك (٣) (٤) (٥) قال الكلبي: (يقول: لا يخالط أحداً ولا يخالطك) (٦) (٧) وقال أبو إسحاق: (التأويل: أن موسى حرم (٨) (٩) (١٠) (١١) على أن ابن الأنباري ذكر في هذا وجهين أحدهما: (أن السامري ألهم هذا القول، وأجبر عليه إذلالا له وتصغيرًا لشأنه.

والثاني: (أن الفعل نسب إلى السامري وهو في المعنى لغيره.

وتلخيصه: فاذهب فإن لك في الحياة أن يقال لك: لا مساس فنسب إليه قول غيره تحقيقًا للزوم الفعل وبقائه) (١٢) والصحيح ما ذكر في التفسير من وجه آخر: أنه جعل يهيم في البرية مع الوحوش والسباع لا يمس أحدًا ولا يمسه أحد، عاقبه الله بذلك) (١٣) (١٤) (١٥) وهذا معنى ما ذكره قتادة في قوله: ﴿ لَا مِسَاسَ ﴾ قال: (عقوبة لهم) (١٦) ﴿ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد موعد القيامة) (١٧) ﴿ لَنْ تُخْلَفَهُ ﴾ وقرئ: بفتح اللام (١٨) قال أبو إسحاق: (أي يكافئك الله على ما فعلت في القيامة والله لا يخلف الميعاد.

ومن قرأ: ﴿ لَنْ تُخْلَفَهُ ﴾ فالمعنى: أنك تبعث وتوافي القيامة لا تقدر على غير ذلك) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد الذي طفقت تعبده وظللت عليه مقيمًا) (٢٠) قال الزجاج: (ولكن اللام حذفت لثقل التضعيف والكسر) (٢١) (٢٢) (٢٣) مَسْنَا السَّمَاءَ فَنِلْنَاهَا وطَالَهُمُ ...

حَتَى رأَوا أُحُدًا يَمْشِي وَثَهْلانَا فحذفوا أحد السينين من مسسنا استثقالا للجمع بينهما ومثله كثير.

وقوله تعالى: ﴿ لَنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: (يقول بالنار) (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقال الكلبي: (أحرق العجل بالنار، ثم دق، ثم ذري في البحر) (٢٧) وقال السدي: (أخذ موسى العجل فذبحه، فسأل منه دمًا كما يسيل من العجل إذا ذبح، ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في اليم) (٢٨) (٢٩) (٣٠) وروى عطاء عن ابن عباس: (فبرد بالمبارد ثم ألقي في البحر) (٣١) وهذا يحمل على برد عظامه، إلا على قول مجاهد فإنه لم يجعله لحمًا ودمًا، وحينئذ برد العجل بالمبرد وهو من الذهب.

والدليل على أن المبرد كان للعظام قول ابن مسلم في قوله: ﴿ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ﴾ (أي: لنطيرن تلك البرادة والرماد في البحر) (٣٢) (٣٣) (١) السخاوة والسخاء: الجود، والسخي: الجواد.

انظر: "تهذيب اللعة" (سخا) 7/ 487، "القاموس المحيط" (السخي) 4/ 341، "لسان العرب" (سخا) 9/ 208، "مختار الصحاح" (سخا) 291.

(٢) "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 241، "روح المعاني" 16/ 256.

وهذا القول من الروايات الإسرائيلية التي ذكرها أهل التفسير في هذه الآية.

(٣) قوله: (لك)، ساقط من نسخة (ص).

(٤) "معالم التنزيل" 5/ 292، "روح المعاني" 16/ 256.

(٥) انظر: "تهذيب اللغة" (مس) 4/ 339، "مقاييس اللغة" (مس) 5/ 271، "لسان العرب" (مسس) 7/ 4201، "المفردات في غريب القرآن" (مسس) ص 467.

(٦) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 206، "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 240.

(٧) "جامع البيان" 16/ 206، "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "النكت والعيون" 3/ 424، "معالم التنزيل" 35/ 292.

(٨) قوله: (حرم)، ساقط من نسخة (ص).

(٩) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 473.

(١٠) "جامع البيان" 16/ 206، "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "المحرر الوجيز" 10/ 84، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 240.

(١١) قال الرازي -رحمه الله- في "تفسيره" 22/ 113: وهذا الإعتراض ضعيف؛ لأن الرجل إذا بقي طريدًا فريدًا فإذا قيل له كيف حالك؟

فله أن يقول: لا مساس.

أي: == لا يماسني أحد ولا أماس أحدًا، المعنى: إني أجعلك يا سامري في المطرودين بحيث لو أردت أن تخبر غيرك عن حالك لم تقل إلا أنه لا مساس، وهذا الوجه أحسن وأقرب إلى نظم الكلام.

(١٢) ورد نحوه بلا نسبة في "زاد المسير" 5/ 319، "البحر المحيط" 6/ 275، "روح المعاني" 16/ 256.

(١٣) "النكت والعيون" 3/ 423، "معالم التنزيل" 5/ 292، "زاد المسير" 5/ 319، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 41.

(١٤) "جامع البيان" 16/ 206، "الكشف والبيان" 3/ 24، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 49.

"زاد المسير" 5/ 319.

قول المؤلف -رحمه الله-: (إن بقاياهم اليوم يقولون ذلك) قول يحتاج إلى دليل فليس في ظاهر الآية دليل على هذا القول.

وقد قال سبحانه في سورة النجم: ﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ .

(١٥) "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "معالم التنزيل" 5/ 292، "الكشاف" 2/ 551 "زاد المسير" 5/ 319، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 241.

(١٦) "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 18، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 242، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 183، "الدر المنثور" 4/ 548.

(١٧) ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 242 بدون نسبة.

(١٨) قرأ نافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: (لن تخلَفه) بفتح اللام.

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (لن تخلِفه) بكسر اللام.

انظر: "السبعة" ص 424، "الحجة" 5/ 249، "حجة القراءات" ص 463، "التبصرة" ص 261.

(١٩) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 375.

(٢٠) "جامع البيان" 16/ 207، "زاد المسير" 5/ 319، "فتح القدير" 3/ 549.

(٢١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 375.

(٢٢) أوس بن مغراء من بني ربيعة بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد، شاعر اشتهر في الجاهلية، وعاش زمنًا في الإسلام، له شعر في الهجاء والمدح.

انظر: "الشعر والشعراء" ص 457، "سمط اللآلي" ص 795، "الأغاني" 5/ 12، "الأعلام" 2/ 31.

(٢٣) البيت لأوس بن مغراء السعدي.

انظر: "تهذيب اللغة" (مس) 4/ 339، "لسان العرب" (مسس) 17/ 4201.

(٢٤) "جامع البيان" 16/ 208، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 182، "الدر المنثور" 4/ 549، "روح المعاني" 16/ 257.

(٢٥) في (ص): (في اليم).

(٢٦) "جامع البيان" 16/ 208، "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "الدر المنثور" 4/ 549، "روح المعاني" 16/ 258.

(٢٧) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر.

"جامع البيان" 16/ 153، "معالم التنزيل" 5/ 293، "زاد المسير" 5/ 319، "القرطبي" 11/ 242، "التفسير الكبير" 22/ 113.

(٢٨) "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "القرطبي" 11/ 242، وذكر نحوه "جامع البيان" 16/ 208، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 50.

(٢٩) قرأ علي بن أبي طالب -  -: ﴿ لَنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ بفتح النون وضم الراء.

وقرأ الحسن: ﴿ لَنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ بضم النون وسكون الحاء وكسر الراء.

انظر: "جامع البيان" 16/ 258، "المحتسب" 2/ 58، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 57، "غريب القرآن" لابن قتيبة 281، "غريب القرآن" لابن الملقن 249.

(٣٠) "جامع البيان" 16/ 208، "الكشف والبيان" 3/ 24/ أ، "بحر العلوم" 2/ 353، "المحرر الوجيز" 10/ 87، "الكشف" 2/ 552.

(٣١) ذكر نحوه السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 549 وعزاه لابن أبي حاتم.

(٣٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 208، "بحر العلوم" 2/ 353، "معالم التنزيل" 5/ 293، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 143.

"الجامع لأحكام القرآن" 11/ 243.

(٣٣) انظر: "تهذيب اللغة" (نسف) 4/ 3561، "القاموس المحيط" (نسف) 3/ 199.= "الصحاح" (نسف) 4/ 1431، "لسان العرب" (نسف) 7/ 4411، "المفردات في غريب القرآن" (نسف) 490.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ياسامري ﴾ أي قال موسى ما شأنك؟

ولفظ الخطب يقتضي الانتهار، لأنه يستعمل في المكاره ﴿ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ ﴾ أي رأيت ما لم يروه يعني: جبريل عليه السلام وفرسه ﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول ﴾ أي قبضت قبضة من تراب من أثر فرس الرسول وهو جبريل، وقرأ ابن مسعود ﴿ من أثر فرس الرسول ﴾ وإنما سمى جبريل بالرسول، لأن الله أرسله إلى موسى، والقبضة مصدر قبض، وإطلاقها على المفعول من تسمية المفعول بالمصدر كضرب الأمير، ويقال: قبض بالضاد المعجمة إذا أخذ بأصابعه وكفه، وبالصاد المهملة: إذا أخذ بأطراف الأصابع وقد قرئ كذلك في الشاذ ﴿ فَنَبَذْتُهَا ﴾ أي ألقيتها على الحلي، فصار عجلاً أو على العجل فصار له خوار ﴿ فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ ﴾ عاقب موسى عليه السلام السامري؛ بأن منع الناس من مخالطته ومجالسته ومؤاكلته ومكالمته، وجعل له مع ذلك أن يقول طول حياته: لا مساس؛ أي لا مماسة ولا إذاية، وروي أنه كان إذا مسه أحد أصابت الحمى له وللذي مسه، فصار هو يبعد عن الناس وصار الناس يبعدون عنه ﴿ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً ﴾ يعني العذاب في الآخرة وهذا تهديد ووعيد ﴿ ظَلْتَ ﴾ أصله ضللت، حذفت إحدى اللامين والأصل في معنى ظل: أقام بالنهار، ثم استعمل في الدأب على الشيء ليلاً ونهاراً ﴿ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ من الإحراق بالنار، وقرئ بفتح النون وضم الراء بمعنى نبرده بالمبرد، وقد حمل بعضهم قراءة الجماعة على أنها من هذا المعنى، لأن الذهب لا يفنى بالإحراق بالنار، والصحيح أن المقصود بإحراقه بالنار إذابته وإفساد صورته، فيصح حمل قراءة الجماعة على ذلك ﴿ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي اليم نَسْفاً ﴾ أي نلقيه في البحر، والنسف تفريق الغبار ونحوه ﴿ إِنَّمَآ إلهكم الله ﴾ الآية: من كلام موسى لبني إسرائيل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا تخف دركاً ﴾ بالجزم: حمزة الباقون ﴿ لا تخاف ﴾ بالرفع ﴿ أنجيتكم ﴾ و ﴿ واعدتكم ﴾ و ﴿ رزقكم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ ووعدناكم ﴾ من الوعد.

أبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ فيحل ﴾ ﴿ ومن يحلل ﴾ بالضم فيهما: عليّ.

الآخرون بالكسر ﴿ يملكنا ﴾ بفتح الميم: أبو جعفر ونافع، وعاصم غير المفضل بضمها حمزة، وعلي وخلف بكسرها الباقون والمفضل ﴿ حملنا ﴾ بفتح الحاء والميم مخففة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف سوى حفص.

الآخرون بضم الحاء وكسر الميم مشددة ﴿ تتبعني ﴾ بالياء الساكنة في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو ونافع غير إسماعيل في الوصل، وقرأ يزيد وإسماعيل بفتح الياء.

الباقون بحذفها.

﴿ يا ابن أم ﴾ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.

﴿ لم تبصروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف الباقون على الغيبة ﴿ فنبذتها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وهشام وسهل ﴿ لن تخلفه ﴾ بكسر اللام: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.

الآخرون بفتحها ﴿ لنحرقنه ﴾ بفتح النون وضم الراء: يزيد.

الآخرون من التحريق.

﴿ فلا يخف ﴾ بالجزم على النهي: ابن كثير ﴿ أن نقضي ﴾ النون مبنياً للفاعل ﴿ وحيه ﴾ بالنصب: يعقوب الباقون بالياء مضمومة وبفتح الضاد ﴿ وحيه ﴾ بالرفع.

الوقوف: ﴿ يبسا ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا تخاف ﴾ يصلح صفة للطريق مع حذف الضمير العائد أي لا تخاف فيه، ويصلح مستأنفاً.

ومن قرأ ﴿ لا تخف ﴾ فوقفه أجوز لعدم العاطف ووقوع الحائل مع تعقب النهي الأمر إلا أن يكون جواباً للأمر فلا يوقف ﴿ ولا تخشى ﴾ ه ﴿ ما غشيهم ﴾ ط لأن التقدير وقد أضل من قبل على الحال الماضية دون العطف لأنه عندما عشيه لم يتفرغ للإضلال.

﴿ وما هدى ﴾ ه ﴿ والسلوى ﴾ ه ﴿ غضبي ﴾ ج ﴿ هوى ﴾ ه ﴿ اهتدى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لترضى ﴾ ه ﴿ السامري ﴾ ه ﴿ أسفاً ﴾ ج لانتساق الماضي على الماضي بلا ناسق ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ موعدي ﴾ ه ﴿ السامري ﴾ ه لا ﴿ فنسي ﴾ ه ط ﴿ قولاً ﴾ لا للعطف ﴿ ولا نفعاً ﴾ ه ط ﴿ فتنتم به ﴾ ج للابتداء بأن مع اتصال العطف ﴿ أمري ﴾ ج ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ أن لا تتبعن ﴾ ط ﴿ أمري ﴾ ه ﴿ برأسي ﴾ ج للابتداء (بأن) مع اتصال المعنى واتحاد القائل ﴿ قولي ﴾ ه ﴿ يا سامري ﴾ ه ﴿ نفسي ﴾ ه ﴿ لا مساس ﴾ ص ﴿ لن تخلفه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ عاكفاً ﴾ ط للقسم المحذوف ﴿ نسفاً ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ سبق ﴾ ج للإستئناف والحال ﴿ ذكرا ﴾ ج ه لأن الشرطية تصلح صفة للذكر وتصلح مبتدأ بها ﴿ وزراً ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ خالدين ﴾ حال من الضمير في ﴿ يحمل ﴾ وهو عائد إلى "من" ومن للجمع معنى ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ حملاً ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ينفخ ﴾ بدل من يوم القيامة.

﴿ زرقاً ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح للصفة وللاستئناف ﴿ عشراً ﴾ ه ﴿ يوماً ﴾ ه ﴿ نسفاً ﴾ ه لا ﴿ صفصفاً ﴾ ه لا ﴿ أمتا ﴾ ه ﴿ لا عوج له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ همساً ﴾ ه ﴿ قولاً ﴾ ه ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ القيوم ﴾ ط ﴿ ظلماً ﴾ ه ﴿ هضماً ﴾ ه ﴿ ذكراً ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج ﴿ وحيه ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع اعتراض الظرف وما أضيف إليه ﴿ علماً ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في قصة إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوّهم وقد تقدم في "البقرة" وفي "الأعراف" وفي "يونس" ومعنى ﴿ فاضرب لهم طريقاً ﴾ إجعل لهم من قولهم "ضرب له في ماله سهماً وضرب اللبن عمله" أو أراد بين لهم طريقاً ﴿ في البحر ﴾ بالضرب بالعصا حتى ينفلق فعدي الضرب إلى الطريق، ثم بين أن جميع أسباب الأمن حاصلة في ذلك الطريق.

واليبس مصدر وصف به ومثله اليبس ونحوهما العدم والعدم ويوصف به المؤنث لذلك فيقال: ناقتنا يبس إذا جف لبنها.

والدرك.

والدرك اسمان من الإدراك أي لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك.

وفي ﴿ لا تخشى ﴾ إذا قرىء ﴿ لا تخف ﴾ أوجه الاستئناف أي وأنت لا تخشى، وجوز في الكشاف أن يكون الألف للإطلاق من أجل الفاصلة كقوله ﴿ وتظنون بالله الظنونا  ﴾ وأن يكون كقول الشاعر: كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانياً *** أراد لم تر لأن ما قبله: وتضحك مني شيخة عبشمية *** قلت: لعل هذا إنما يجوز في الضرورة ولا ضرورة في الآية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ الحق بهم جنوده أو تبعهم ومعه جنوده كما مر في "يونس" ﴿ فغشيهم ﴾ أي علاهم ورهقهم ﴿ من اليم ما غشيهم ﴾ وهذا من جملة ما علم في باب الإيجاز لدلالته على أنه غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله، وقد سلف منه في السور المذكورة ما حكي في الأخبار وروي في الآثار.

ونسبة الإضلال إلى فرعون لا تنافي انتهاء الكل إلى إرادة الله ومشيئته.

وقوله ﴿ وما هدى ﴾ تأكيد للإضلال وفيه تهكم به في قوله ﴿ وما أهديكم إلا سبيل الرشاد  ﴾ ثم عدد ما أنعم به على بني إسرائيل، ويجوز أن يكون خطاباً لليهود المعاصرين لأن النعمة على الآباء نعمة في حق الأبناء ومثله قوله ﴿ وواعدناكم جانب الطور الأيمن ﴾ أي الواقع على يمين من انطلق من مصر إلى الشام لأن منفعة المواعدة عادت إليهم وإن كانت المواعدة لنبيهم فبكتب التوراة في ألواح قام شرعهم واستقام أمر معاشهم ومعادهم.

﴿ كلوا ﴾ من تتمة القول.

وطغيانهم في الرزق هو شغلهم باللهو والتنعم عن القيام بشكرها وتعدي حدود الله فيها بالإسراف والتقتير والغصب.

ومن قرأ ﴿ فيحل ﴾ بالكسر فبمعنى الوجوب من قولهم "حل الدين يحل" إذا وجب أداؤه، ومن قرأ بضم فبمعنى النزول ونزول الغضب نزول نتائجة من العقوبات والمثلات.

ومعنى ﴿ هوى ﴾ هلك وأصله السقوط من مكان عالٍ كالجبل.

وقيل: هوى أي وقع في الهاوية.

سؤال: كيف أثبت المغفرة في حق من استجمع التوبة والإيمان والعمل الصالح، والمغفرة إنما تتصور في حق من أذنب؟

وأيضاً ما معنى قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ بعد الأمور المذكور والاهتداء إنما يكون قبلها لا أقل من أن يكون معها؟

الجواب أراد وإني لغفار لمن تاب من الكفر وآمن وعمل صالحاً.

وفيه دليل لمن ذهب إلى وجوب تقديم التوبة من الكفر على الإيمان.

والحاصل أن الغفران يعود إلى الذنوب السابقة على هذه الأمور، ويجوز أن يراد أنه إذا تاب من الكفر وأقبل على الإيمان والعمل الصالح فإن الله يغفر الصغائر التي تصدر عنه في خلال ذلك كقوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم  ﴾ وأما الاهتداء فالمراد به الاستقامة والثبات على الأمور المذكورة كقوله ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا  ﴾ ومعنى "ثم" الدلالة على تباين المرتبتين، فإن المداومة على الخدمة أصعب من الشروع فيها كما قيل: لكل إلى شأو العلى حركات *** ولكن عزيز في الرجال ثبات ونظير هذا العطف قوله ﴿ أهلكناها فجاءها بأسنا  ﴾ وقد مر البحث فيه.

ويروى أن موسى قد مضى مع النقباء السبعين إلى الطور على الموعد المضروب، ثم تقدمهم شوقاً إلى كلام ربه وتنجز ما وعد به بناء على اجتهاده وظنه أن ذلك أقرب إلى رضا الله فأنكر الله  تقدمه قائلاً ﴿ وما أعجلك عن قومك ﴾ أيّ شيء عجل بك عنهم؟

فالمراد بالقوم النقباء لا جميع قومه على ما توهم بعضهم يؤكده قوله ﴿ هم أولاء على أثري ﴾ ولم يكن جميع قومه على أثره.

قال جار الله: قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين: أحدهما إنكار العجلة في نفسها، والثاني السؤال عن سبب التقدم فكان أهم الأمرين إلى موسى تمهيد العذر من العجلة نفسها فاعتل بأنه لم يوجد مني إلا تقدم يسير وليس بيني وبينهم إلا مسافة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال ﴿ وعجلت إليك رب لترضى ﴾ أي طلبت دوم رضاك عني أو مزيد رضاك بناء على اجتهادي أن التعجيل إلى مقام المكالمة والحرص على ذلك يوجب مزيد الثواب والكرامة.

وقيل: لما أنكر عليه الاستعجال دهش خوفاً من العقاب فتحير في الجواب ﴿ قال فإنا قد فتنا قومك ﴾ يعني جميع قومه الذين خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف ما نجا من عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفاً.

يروى أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيامها وقالوا: قد أكملنا العدة.

ثم كان أمر العجل بعد ذلك فسئل أنه تعالى كيف قال لموسى عنه مقدمه ﴿ إنا قد فتنا قومك ﴾ ؟

وأجيب بأنه على عادة الله  في إخباره عن الأمور المترقبة بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، أو أراد بدء الفتنة لأن السامري افترض غيبة موسى فعزم على إضلال قومه غب انطلاقه.

ولقائل أن يمنع كون هذه الأخبار عند مقدم موسى  بل لعله عند رجوعه بدليل فاء التعقيب في قوله ﴿ فرجع موسى ﴾ قال جار الله إنه رجع بعدما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة وأوتي التوراة.

وسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة.

وقيل: السامرة قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم.

وقيل: كان علجاً من كرمان واسمه موسى بن ظفر وكان منافقاً وكان من قوم يعبدون البقر.

قالت المعتزلة: الفتنة بمعنى الإضلال لا يجوز أن تنسب إلى الله  لأنه يناقض قوله ﴿ وأضلهم السامري ﴾ وإنما الفتنة بمعنى الامتحان بتشديد التكليف ومنه "فتنت الذهب بالنار" وبيان ذلك أن السامريّ لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة الأجسام على أن العجل لا يصلح للإلهية.

وقالت الأشاعرة: الشبهة في كون الشمس والقمر إلهاً أعظم من العجل الذي له خوار وهو جسد من الذهب وحينئذ لا يكون حدوث ذلك العجل تشديداً في التكليف، فلا يكون فتنة من هذا الوجه فوجب حمله على خلق الضلال فيهم.

وأجابوا عن إضافة الضلال إلى السامري بن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن كان الموجد لها في الحقيقة هو الله  .

قال بعضهم: الأسف المغتاظ، وفرق بين الاغتياظ والغضب لأن الغيظ تغير يلحق المغتاظ فلا يصح إلا على الأجسام، والغضب قد يراد به الإضرار بالمغضوب عليه فلهذا صح إطلاقه على الله  .

ثم عاتب موسى  قومه بأمور منها: قوله ﴿ ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً ﴾ كأنهم كانوا معترفين بالرب الأكبر لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي تذكر عبدة الأصنام أو على تأويل الحلول.

والوعد الحسن هو إنزال التوراة التي فيها هدى ونور.

وقيل: هو الثواب على الطاعات ومثله ما روي عن مجاهد أن العهد المذكور من قوله ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ إلى قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ وقيل: وعدهم إهلاك فرعون ووعدهم أرضهم وديارهم وقد فعل.

ومنها قوله ﴿ أفطال عليكم العهد ﴾ أي الزمان يريد مدة مفارقته لهم وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان فاخلفوا موعده بعبادتهم العجل.

وقيل: أراد عهدهم بنعم الله  من الإنجاء وغيره.

والأكثرون على الأول لما روي أنه وعدهم ثلاثين كما أمر الله  ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة  ﴾ فجاء بعد الأربعين لقوله  ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ ولما روي أنهم حسبوا العشرين أربعين ومنها قوله ﴿ أم أردتم أن يحل عليكم غضب ربكم ﴾ قالوا: هذا لا يمكن إجراؤه على الظاهر لأن أحداً لا يريد هلاك نفسه ولكن المعصية - وهو خلاف الموعد - لما كانت توجب ذلك صح هذا الكلام لأن مريد السبب مريد للمسبب بالعرض.

احتج العلماء بالآية وبما مر من قوله ﴿ فيحل عليكم غضبي ﴾ أن الغضب من صفات الأفعال لا من صفات الذات لأن صفة ذات الله  لا تنزل في شيء من الأجسام.

وموعد موسى هو ما ذكرنا من أنهم وعدوه الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور.

وقيل: وعدوه اللحاق به والمجيء على أثره ﴿ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ بالحركات الثلاث أي بأن ملكنا أمرنا أي لو ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفناه ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده.

والظاهر أن القائلين هم عبدة العجل.

وقيل: إنهم الذين لم يعبدوا العجل وقد يضيف الرجل فعل قرينه إلى نفسه فكأنهم قالوا: الشبهة قويت على عبدة العجل فلم يقدر على منعهم ولم يقدروا أيضاً على مخالفتهم حذراً من التفرقة وزيادة الفتنة.

ثم إن القوم بينوا ذلك العذر المجمل فقالوا ﴿ ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم ﴾ أي أثقالاً من حلي القبط كما مر في "الأعراف".

وقيل: الأوزار الآثام وإنها في الحقيقة أثقال مخصوصة معنوية سموا بذلك لأن المغانم لم تحل حينئذ أو لأنهم كانوا مستأمنين في دار الحرب وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي.

وقيل: إن تلك الحلي كان القبط يتزينون بها في مجامع الكفر ومجالس المعاصي فلذلك.

وصفت بأنها أوزار كما يقال في آلات المعاصي ﴿ فقذفناها ﴾ أي في الحفرة، كان هارون أمرهم بجمع الحلي انتظاراً لعود موسى، أو في موضع أمرهم السامري بذلك بعد أن أوقد النار ﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ مثل فعلنا أراهم أنه يلقي حلياً في يده مثل ما ألقوه.

وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطىء حافر فرس جبريل كما يجيء في قوله ﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ﴾ ﴿ فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ﴾ قد مر في "الأعراف" ﴿ فقالوا ﴾ أي السامري ومن تبعه ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فنسي ﴾ موسى أن يطلبه ههنا فذهب يطلبه عند الطور، أو فنسي السامري وترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر، أو نسي الاستدلال على أن العجل لا يجوز أن يكون إلهاً بقوله ﴿ أفلا يرون أن لا يرجع ﴾ "أن" مخففة من الثقيلة ولهذا لم تعمل.

وقرىء بالنصب على أنها الناصبة.

قال العلماء: ظهور الخوارق على يد مدعي الإلهية جائز لأنه لا يحصل الالتباس، وههنا كذلك فوجب أن لا يمتنع خلق الحياة في صورة العجل.

وروى عكرمة عن ابن عباس أن هارون مر بالسامري وهو يصنع العجل فقال: ما تصنع؟

فقال: أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي.

فقال: اللهم أعطه ما سألك.

فلما مضى هارون قال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور فخار.

وعلى هذا التقدير يكون معجزاً للنبي لا السامري.

ثم إنه  أخبر أن هارون لم يأل نصحاً وإشفاقاً في شأن نفسه وفي شأن القوم قبل أن يقول لهم السامري ما قال.

أما شفقته على نفسه فهي أنه أدخلها في زمرة الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، أما الامتثال فإنه امتثل في نفسه وفي شأن القوم أمر أخيه حين قال لهم ﴿ يا قوم إنما فتنتم به ﴾ قال جار الله: كأنهم أول ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة فتنوا به واستحسنوه فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون فزجرهم عن الباطل أولاً بأن هذا من جملة الفتن.

ثم دعاهم إلى الحق بقوله ﴿ وإن ربكم الرحمن ﴾ ومن فوائد تخصيص هذا الاسم بالمقام أنهم إن تابوا عما عزموا عليه لإن الله يرحمهم ويقبل توبتهم.

ثم بين أن الوسيلة إلى معرفة كيفية عبادة الله هو اتباع النبي وطاعته فقال ﴿ فاتبعوني وأطيعوا أمري ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن.

واعلم أن الشفقة على خلق الله أصل عظيم في الدين وقاعدة متينة.

روى النعمان بن بشير عن النبي  " مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ويروى أن رسول الله  بينا هو جالس إذا نظر إلى شاب على باب المسجد فقال: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه.

فسمع الشاب ذلك فولى وقال: إلهي وسيدي هذا رسولك يشهد عليّ بأني من أهل النار وأنا أعلم أنه صادق، فإذا كان الأمر كذلك فأسألك أن تجعلني فداء أمة محمد  وتشعل النار بي حتى يبر يمينه ولا تسفع النار أحداً.

فهبط جبريل وقال: يا محمد بشر الشاب بأني قد أنقدته من النار بتصديقه لك وفداء أمتك بنفسه وشفقته على الخلق.

قال أهل السنة ههنا: إن الشيعة تمسكوا بقوله  "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" ثم إن هارون ما منعته التقية في مثل ذلك الجمع بل صعد المنبر وصرح بالحق ودعا الناس إلى متابعته، فلو كانت أمة محمد  على الخطأ لكان يجب على عليّ كرم الله وجهه أن يفعل ما فعل هارون من غير تقية وخوف.

وللشيعة أن يقولوا: إن هارون صرح بالحق وخاف فسكت ولهذا عاتبه موسى بما عاتب فاعتذر بــ ﴿ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني  ﴾ وهكذا علي  امتنع أولاً من البيعة فلما آل الأمر إلى ما آل أعطاهم ما سألوا.

وإنما قلت هذا على سبيل البحث لا لأجل التعصب.

ثم إن القوم قابلوا حسن موعظة هارون بالتقليد والجحود قائلين ﴿ لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ ولا يخفى ما في هذا الكلام من أنواع التوكيد من جهة النفي بـ"لن"، ومن لفظ البراح والعكوف، ومن صيغة اسم الفاعل، ومن تقديم الخبر.

ثم حكى ما جرى بين موسى وهارون بعد الرجوع وقوله ﴿ ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن ﴾ كقوله ﴿ ما منعك ألا تسجد  ﴾ في أن "لا" هذه مزيدة أم لا؟.

وقد مر في "الأعراف".

وفي هذا الإتباع قولان: فعن ابن عباس ما منعك من إتباعي بمن أطاعك واللحوق بي وترك المقام بين أظهرهم.

وقال مقاتل: أراد الإتباع في وصيته كأنه قال: هلا قتلت من كفر بمن آمن ومالك لا تباشر الأمر كما كنت أباشره.

قال الأصوليون: في قوله ﴿ أفعصيت أمري ﴾ دلالة على أن تارك المأمور به عاصٍ والعاصي يستحق العقاب لقوله ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم  ﴾ فيعلم منه أن الأمر للوجوب.

واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بأن موسى  هل أمر هارون باتباعه أم لا؟

وعلى التقدير فهارون أتبعه أم لا؟

فإن لم يأمره أو أمره ولكن اتبعه فملامته لهارون من غير جرم تكون ذنباً، وإن أمره ولم يتبعه كان هارون عاصياً.

وأيضاً قوله ﴿ أفعصيت ﴾ بمعنى الإنكار.

فإما أن يكون موسى كاذباً في نسبة العصيان إلى هارون، وإما أن يكون هارون عاصياً.

وأيضاً أخذه بلحية هارون وبرأسه إن كان بعد البحث والتفتيش فهارون عاصٍ وإلا فموسى.

وأجيب بأن كل ذلك أمور اجتهادية جائزة الخطأ أو هي من باب الأولى وقد مر في أوائل "البقرة" في آدم ما يتعلق بهذه المسألة.

قوله: ﴿ ولم ترقب قولي ﴾ أي وصيتي لك بحفظ الدهماء واجتماع الشمل يؤيده قوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقت ﴾ قال الإمام أبو القاسم الأنصاري: الهداية أنفع من الدلالة فإن السحرة ما رأوا إلا آية واحدة فآمنوا وتحملوا في الدين ما تحملوا، وأما قوم موسى فقد رأوا ذلك مع زيادة سائر الآيات التسع ومع ذلك اغتروا بصوت العجل وعكفوا على عبادته، فعرفنا أن الغرض لا يحصل إلا بهداية الله  .

ولما فرغ موسى من عتاب هارون أقبل على السامري، ويمكن أن يكون بعيداً ثم حضر أو ذهب إليه موسى ليخاطبهقال جار الله: الخطب مصدر خطب الأمر إذا طلبه.

فإذا قيل: لمن يفعل شيئاً ما خطبك؟

فمعناه ما طلبك له والغرض منه الإنكار عليه وتعظيم صنيعه ﴿ قال ﴾ أي السامري} بصرت بما لم يبصروا به} قال ابن عباس ورواه أبو عبيدة: علمت بما لم يعلموا به من البصارة.

يعني العلم.

وقال الآخرون: رأيت بما لم تروه فالباء للتعدية، رجح العلماء قراءة الغيبة على الخطاب احترازاً من نسبة عدم البصارة إلى النبي  .

والقبضة بالفتح مصدر بمعنى المفعول وهو المقبوض بجميع الكف.

عامة المفسرين على أن المراد بالرسول جبريل عليه السالم وأثره التراب الذي أخذه من موقع حافر دابته واسمها حيزوم فرس الحياة.

ومتى رآه؟

الأكثرون على أنه رآه يوم فلق البحر كان جبريل على الرمكة وفرعون على حصان وكان لا يدخل البحر، فتقدم جبريل فتبعه فرس فرعون.

وعن علي  أن جبريل لما نزل ليذهب بموسى إلى الطور أبصره السامري من بين الناس وكان راكب حيزوم فقال: إن لهذا شأناً فقبض من تربة موطئه.

فمعنى الآية فقبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد.

ثم من المفسرين من جوز أن السامري لم يعرف أنه جبريل ومنهم من قال: إنه عرفه.

عن ابن عباس: إنما عرفه لأنه رباه في صغره وحفظه من القتل حين أمر فرعون بقتل أولاد بني إسرائيل.

فكانت المرأة تلد وتطرح ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون فتأخذ الملائكة الولدان فيربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس.

فكان السامري أخذه جبريل وجعل كف نفسه في فيه وارتضع منه العسل واللبن فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه.

وقال أبو مسلم: إطلاق الرسول على جبريل في المقام من غير قرينة تكليف بعلم الغيب.

وأيضاً تخصيص السامري من بين الناس برؤية جبريل وبمعرفة خاصية تراب حافر دابته لا يخلو عن تعسف، ولو جاز اطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه فلقائل أن يقول: لعل موسى اطلع على شيء آخر لأجله قدره على الخوارق.

فالأولى أن يراد بالرسول موسى فقد يواجه الحاضر بلفظ الغائب كما يقال: ما قول الأمير في كذا؟

ويكون إطلاق الرسول منه على موسى نوعاً من التهكم لأنه كان كافراً به مكذباً.

وأراد بأثره سنته ورسمه من قولهم "فلان يقفو أثر فلان" أي عرفت أن الذي عليه ليس بحق وقد كنت قبضت شيئاً من سنتك فطرحتها.

فعلى قول العامة يكون قوله: ﴿ وكذلك سوّلت لي نفسي ﴾ إشارة إلى ما أوحي إليه وليه الشيطان أن تلك التربة إذا نبذت على الجماد صار حيواناً.

وعلى قول أبي مسلم يشير إلى أن اتباع أثرك كان من تسويلات النفس الأمارة فلذلك تركته.

ثم بين موسى أن له عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة.

يروى أنه أراد أن يقتله فمنعه الله من ذلك وقال: لا تقتله فإنه سخيّ.

وفي قوله: ﴿ لامساس ﴾ وجوه: الأوّل إنه حرم عليه مماسة الناس لأنه إذا اتفق أن هناك مماسة فأحدهم الماس والثاني الممسوس فلذلك إذا رأى أحداً صاح لا مساس.

ويقال: إن قومه باقٍ فيهم ذلك إلى الآن الثاني: أن المراد منع الناس من مخالطته.

قال مقاتل: إن موسى أخرجه من محلة بني إسرائيل وقال له: اخرج أنت وأهلك طريداً إلى البراري.

اعترض الواحدي عليه بأن الرجل إذا صار مهجوراً فلا يقول: هو لامساس.

وإنما يقال له ذلك.

وأجيب بأن هذا على الحكاية أي أجعلك يا سامري بحيث إذا أخبرت عن حالك لم تقل إلا لا مساس.

والثالث: قول أبي مسلم إن المراد انقطاع نسله وأن يخبر بأنه لا يمكن له مماسة المرأة أي مجامعتها.

وأما حاله في الآخرة فلذلك قوله: ﴿ وإن لك موعداً لن تخلفه ﴾ قال جار الله: من قرأ بكسر اللام فهو من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً.

ثم بين مآل حال إلهه فقال: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً ﴾ أي ظللت فحذف إحدى اللامين تخفيفاً ﴿ لنحرقنه ﴾ من الإحراق ففيه دليل على أنه صار لحماً ودماً لأن الذهب لا يمكن إحراقه بالنار ونسفه في الميم.

قال السدي: أمر موسى بذبحه فسال منه الدم ثم أحرق ثم نسف.

والنسف النقض ومن جعله من الحرق أي لنبردنه بالمبرد ففيه دلالة على أنه لم ينقلب حيواناً إلا إذا أريد برد عظامه.

ومن جعله من التحريق فإنه يحتمل الوجهين والمراد إهدار السامري وإبطال كيده ومحق صنيعه والله خير الماكرين.

ثم ختم الكلام ببيان الدين الحق فقال: ﴿ إنما إلهكم ﴾ أي المستحق للعباد والتعظيم ﴿ الله الذي لا إله إلاَّ هو وسع كل شيء علماً ﴾ قد مر مثله في "الأنعام" قال مقاتل: أي يعلم من يعبده.

وحين فرغ من قصة موسى شرع في تثبيت رسولنا  فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي نحو اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون والسامري ﴿ نقص عليك من ﴾ سائر أخبار الرسل مع أممهم تكثيراً لمعجزاتك.

ثم عظم شأن القرآن بقوله: ﴿ وقد آتيناك من لدنا ذكراً ﴾ أي ما ذكر فيه كل ما يحتاج إليه المكلف في دينه وفي دنياه والوزر العقوبة الثقيلة التي تنقض ظهر صاحبها، أو المراد جزاء الوزر وهو الإثم ﴿ خالدين فيه ﴾ أي في ذلك الوزر أو في احتماله ﴿ وساء ﴾ فيه ضمير مبهم يفسره ﴿ حملاً ﴾ والمخصوص محذوف للقرينة أي ساء حملاً وزرهم.

واللام في ﴿ لهم ﴾ للبيان كما في ﴿ هيت لك  ﴾ ويجوز أن يكون "ساء" بمعنى "قبح" ويكون فيه ضمير الوزر.

وانتصب ﴿ حملاً ﴾ على التمييز و ﴿ لهم ﴾ حال من ﴿ حملاً ﴾ ولا أدري لم أنكره صاحب الكشاف، اللَّهم إلا أن يمنع وقوع الحال من التمييز وفيه نظر.

قال ابن السكيت: الحمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس: وفي الصور قولان: أشهرهما أنه القرن يؤيده قوله: ﴿ فإذا نقر في الناقور  ﴾ وإنه  يعرّف أمور الآخرة بأمثال ما شوهد في الدنيا ومن عادة الناس النفخ في البوقات عند الأسفار وفي العساكر فجعل الله  النفخ في تلك الآلة علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات.

وأقربهما من المعقول أن الصور جمع صورة يؤكده قراءة من قرأ بفتح الواو.

يقال: صورة وصور كدرة ودرر.

والنفخ نفخ الروح فيها ولكنه يرد عليه أن النفخ يتكرر لقوله  : ﴿ ثم نفخ فيه أخرى  ﴾ والإحياء لا يتكرر بعد الموت إلا ما ثبت من سؤال القبر وليس هو بمراد من النفخة الأولى بالاتفاق ﴿ ونحشر المجرمين ﴾ عن ابن عباس: هم الذين اتخذوا مع الله إلهاً آخر.

وقال المعتزلة: هم الكفار والعصاة.

وفي الزرق وجوه: قال الضحاك ومقاتل: إن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب، لأن الروم أعداؤهم وإنهم زرق العيون، ومن كلامهم في صفة العدوّ "أسود الكبد أصهب السبال أزرق العين".

وقال الكلبي: ﴿ رزقاً ﴾ أي عمياً.

قال الزجاج: يخرجون بصراء في أول أمرهم لقوله: ﴿ ليوم تشخص فيه الأبصار  ﴾ ولقوله: ﴿ اقرأ كتابك  ﴾ ثم يؤل حالهم إلى العمى وإن حدقة من يذهب نور بصرة تزرق.

وقيل ﴿ زرقاً ﴾ أي عطاشا لقوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً  ﴾ فكأنهم من شدة العطش يتغير سواد عيونهم حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي ﴿ يتخافتون ﴾ يتسارون ﴿ بينهم ﴾ من شدة خوفهم أو لأن صدورهم امتلأت رعباً، وهؤلاء يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا إما لأنها أيام سرورهم وهن قصار، وإما لأنها قد انقضت والذاهب قليل وإن طال ولا سيما بالنسبة إلى الأبد السرمدي كأن ظنينهم يقول: قدر لبثنا في الدنيا بالقياس إلى لبثنا في الآخرة كعشرة أيام.

فقال أعقلهم: بل كاليوم الواحد.

وإنما قال: ﴿ عشراً ﴾ لأن المراد عشر ليال.

وقال مقاتل: أراد عشر ساعات أي بعض يوم.

وعلى هذا فأفضلهم رد عليهم استقصارهم وتقالهم.

وقيل: المراد لبثهم في القبور.

قال أهل النظم: كأن سائلاً سأل: كيف يصح التخافت بين المجرمين والجبال حائلة مانعة؟

فلذلك قال: ﴿ ويسألونك عن الجبال ﴾ وقال الضحاك: إن مشركي مكة قالوا على سبيل الاستهزاء: يا محمد كيف يكون حال الجبال يوم القيامة؟

فنزلت.

ويحتمل أن يكون هذا جواب شبهة تمسك بها منكرو البعث - منهم جالينوس - زعم أن الأفلاك لا تفنى لأنها لو فنيت لابتدأت بالنقصان حتى تنتهي إلى البطلان، وكذا الجبال وغيرها من الأجرام الكلية، فأمر الله نبيه  أن يبين لهم هذه المسألة الأصولية من غير تأخير ولهذا أدخل فاء التعقيب في الجواب.

والنسف القلع.

وقال الخليل: التطيير والإذهاب كأنه يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها.

وحاصل الجواب أن كل بطلاً لا يلزم أن يكون ذبولياً بل قد يكون رفعياً.

والضمير في ﴿ فيذرها ﴾ للمضاف المحذوف أي فيدع مقارها ومراكزها وهو للأرض للعلم بها كقوله: ﴿ ما ترك على ظهرها  ﴾ والقاع المستوي من الأرض.

وقيل: المكان المطمئن.

وقيل: مستنقع الماء.

والصفصف الأرض الملساء المستوية.

وقيل: التي لا نبات فيها.

والأمت النتوّ اليسير.

وقيل: التلال الصغار.

قالوا: العوج بالكسر في المعاني وكأنه  نفى العوج الذي يدق عن الإحساس ولا يدرك إلا بالقياس الهندسي.

وإذا كان هذا النوع من العوج الاعتباري منتفياً فكيف بالعوج الحسي!

وقد يستدل بالآية على أن الأرض يومئذ تكون كرة حقيقة إذ لو كانت مضلعة وقعت بين الأضلاع فصول مشتركة فيعوج الامتداد القائم عليها هناك.

ثم إنه  وصف ذلك اليوم بأن الخلائق فيه ﴿ يتبعون الداعي ﴾ قيل: هو النفخ في الصور وقوله: ﴿ لا عوج له ﴾ أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكل.

وقيل: إن إسرافيل أو ملكاً آخر يقوم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيها العظام النخرة والأوصال المتفرقة واللحوم المتمزقة، قومي إلى ربك للحساب والجزاء فلا يعوج له مدعوّ بل يتبعون صوته من غير انحراف.

﴿ وخضعت الأصوات للرحمن ﴾ خفضت من شدة الفزع ﴿ فلا تسمع ﴾ أيها السامع ﴿ إلا همساً ﴾ وهو الصوت الخفي.

وذلك أن الجن والإنس علموا أن لا مالك لهم سواه، وحق لمن كان الله محاسبه أن يخشع طرفه ويضعف صوته ويختلط قوله ويطول غمه.

وعن ابن عباس والحسن وعكرمة وابن زيد الهمس وطء الأقدام إلى المحشر.

قوله: ﴿ إلا من أذن له الرحمن ﴾ يصلح أن يكون "من" منتصباً على المفعولية وأن يكون مرفوعاً على البدلية بتقدير حذف المضاف أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن ﴿ ورضي له ﴾ أي لأجله ﴿ قولاً ﴾ .

قال الإمام فخر الدين الرازي: الاحتمال الأول أولى لعدم التزام الإضمار، ولأن درجة الشافع درجة عظيمة فلا تصلح ولا تحصل إلا لمن أذن له فيها وكان عند الله مرضياً.

فلو حملنا الآية على ذلك كان من إيضاح الواضحات بخلاف ما لو حملت على المشفوع.

وأقول: الاحتمالان متقاربان متلازمان لأن المشفوع لا تقبل الشفاعة في حقه إلا إذا أذن الرحمن لأجله فيعود إلى الثاني.

قالت المعتزلة: الفاسق غير مرضي عند الله  فوجب أن لا ينتفع بشفاعة الرسول.

وأجيب بأنه قد رضي لأجله قولاً واحداً من أقواله وهو كلمة الشهادة.

قالوا: هب أن الفاسق قد رضي الله قولاً لأجله، فلم قلتم إن الإذن حاصل للشافع في حقه؟

والجواب أنا أيضاً نمنع من أن الإذن غير حاصل في حقه على أنه قال في موضع آخر ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى  ﴾ فلم يعتبر إلا أحد القيدين.

ثم أخبر عن نهاية علمه بقوله: ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ .

الضمير للذين يتبعون الداعي أي يعلم ما يقدمهم من الأحوال وما يستقبلونه ﴿ ولا يحيطون ﴾ بمعلومه ﴿ علماً ﴾ .

وقال الكلبي ومقاتل: الضمير للشافعين من الملائكة والأنبياء كما مر في آية الكرسي.

وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفعوا له أي يعلم ما كان قبل خلقهم وما كان منهم بعد خلقهم من أمر الآخرة والثواب العقاب وإنهم لا يعلمون شيئاً من ذلك فكيف يصلحون للمعبودية.

ثم ذكر غاية قدرته فقال: ﴿ وعنت الوجوه ﴾ أي زلت رقاب الممكنات منقادين لأمره كالأسارى.

عنا يعنو عنوّاً إذا صار أسيراً.

وقيل: أراد وجوه العصاة في القيامة كقوله: ﴿ سيئت وجوه الذي كفروا  ﴾ ولعله خص الوجوه بالذكر لأن أثر الذل والانكسار فيها أبين وأظهر، قال جار الله: ﴿ وقد خاب ﴾ وما بعده اعتراض أي كل من ظلم فهو خائب خاسر.

ولأهل السنة أن يخصوا الظلم ههنا بالشرك أو يعارضوا هذا العموم بعمومات الوعد.

من قرأ ﴿ فلا يخاف ﴾ بالرفع فعلى الاستئناف أي فهو لا يخاف كقوله: ﴿ فينتقم الله منه  ﴾ ومن قرأ ﴿ فلا يخف ﴾ فمعناه فليأمن له لأن النهي عن الخوف أمر بالأمن.

من فسر الظلم بأنه الأخذ فوق حقه بالنقص من حقه كصفة المطففين فيقدر مضافاً محذوفاً أي فلا يخاف جزاء ظلم ولا هضم لأنه لم يظلم ولم يهضم، ومن فسر الظلم بأنه العقاب لا على جريمة والهضم بأنه النقص من الثواب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.

قال أبو مسلم: الظلم أن ينقص من الثواب والهضم أن لا يوفى حقه من التعظيم لأن الثواب مع كونه من اللذات لا يكون ثواباً إلا إذا قارنه التعظيم.

قال جار الله: ﴿ وكذلك ﴾ عطف على قوله: ﴿ كذلك نقص ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال وعلى نهجه، وكما أنزلنا عليك هؤلاء الآيات المضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله عربياً لأن العرب أصل وغيرهم تبع لأن النبي عربي.

﴿ وصرفنا فيه من الوعيد ﴾ كررناه وفصلناه ويدخل في ضمنه الفرائض والمحارم لأن الوعيد يتعلق بترك أحدهما وبفعل الآخر ﴿ لعلهم يتقون أن يحدث لهم ذكراً ﴾ حمل جار الله الأول على إرادة ترك المعاصي والثاني على فعل الخبر والطاعة، لأن الذكر قد يطلق على الطاعة والعبادة.

قلت: لا ريب أن القرآن ينفر عن السيئات ويبعث على الطاعات من حيث إن فهم معانيه يؤدّي إلى ذلك، وإنما قدم الأول على الثاني لأن التخلية مقدمة على التحلية.

ويحتمل أن تكون التقوى عبارة عن فعل الخيرات وترك المنكرات جميعاً.

والذكر يكون محمولاً على ضد النسيان أي إن نسوا شيئاً من التروك والأفعال أحدث لهم ذكراً إذا تأملوا معانية.

وكلمة "أو" على الأول للتخيير والإباحة لا للتنافي، وعلى الثاني يجوز أن تكون للتنافي.

وقيل: أراد أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يوجب القرآن لهم ذكراً أي شرفاً ومنصباً كقوله: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك  ﴾ وعلى التقديرين يكون في إنزال القرآن نفع.

ثم عظم شأن القرآن من وجه آخر وهو عظمة شأن منزلة قائلاً ﴿ فتعالى الله الملك الحق ﴾ ارتفع صفاته عن صفات المخلوقين أنزل القرآن ليحترزوا عما لا ينبغي وأنه منزه عن الانتفاء والتضرر بطاعاتهم ومعاصيهم.

ومعنى الحق قد مر في البسملة.

قال جار الله: فيه استعظام له ولما يصرّف عليه عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده والإدارة بين ثوابه وعقابه وغير ذلك كما يجري عليه أمر ملكوته.

قال أبو مسلم: إن قوله: ﴿ ويسئلونك عن الجبال ﴾ إلى ههنا كلام تام.

وقوله: ﴿ ولا تعجل ﴾ خطاب مستأنف.

وقال آخرون: إنه  كان يخاف أن يفوته شيء فيقرأ مع الملك، فإنه  حين شرح كيفية نفع القرآن للمكلفين وبين أنه  متعال عن الانتفاع والتضرر بالطاعات والمعاصي.

وأنه موصوف بالملك الدائم والعز بالباقي، وكل من كان كذلك وجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي وما يتعلق بصلاح العباد في المعاش والمعاد.

قال: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ لأنه حصل لك الأمان من السهو والنسيان ﴿ من قبل أن يقضي إليك وحيه ﴾ أي من قبل أن تتم قراءة جبريل ونحوه قوله ﴿ لا تحرّك به لسانك لتعجل به  ﴾ قاله مقاتل والسدي وابن عباس في رواية عطاء.

وقال مجاهد وقتادة: أراد ولا تعجل بالقرآن فتقرأ على أصحابك من قبل أن يوحى إليك بيان معانية أي لا تبلغ ما كان مجملاً حتى يأتيك البيان.

وقال الضحاك: إن أهل مكة وأسقف نجران قالوا: يا محمد، أخبرنا عن كذا وكذا وقد ضربنا لك أجلاً ثلاثة أيام فأبطأ الوحي عليه وفشت المقالة أن اليهود قد غلبوا فنزلت هذه الآية.

أي لا تعجل بنزول القرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه من اللوح المحفوظ إلى إسرافيل ومن جبرائيل ومنه إليك.

وعن الحسن: أن امرأة أتت النبي  فقالت: زوجي لطم وجهي فقال: بينكما القصاص فنزلت الآية فأمسك رسول الله  عن القصاص.

وإنما نشأت هذه الأقوال لأن قوله: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ يحتمل التعجيل بقراءته في نفسه، أو في تأديته إلى غيره، أو في اعتقاده ظاهره، أو في تعريف الغير ما يقتضيه الظاهر.

وقوله: ﴿ من قبل أن يقضى إليك وحيه ﴾ احتمل أن يراد من قبل أن يقضى إليك تمامه، أو من قبل أن يقضى إليك بيانه فقد يجوز أن يحصل عقيبه استثناء أو شرط أو غيرهما من المخصصات والمبينات ويؤكد هذه المعاني قوله: ﴿ وقل رب زدني علماً ﴾ لأن معرفة البيان علم زائد على معرفة الإجمال.

والظاهر أن هذا الاستعجال كان أمراً اجتهادياً وكان الأولى تركه فلذلك نهى عنه.

قال جار الله: هذا الأمر متضمن للتواضع لله والشكر له عندما علم من ترتيب التعلم أي علمتني يا رب لطيفة في باب التعلم وأدباً جميلاً ما كان عندي فزدنى علماً إلى علم.

ومن فضائل العلم أن النبي  ما أمر بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.

وفيه إشارة إلى أن أسرار القرآن غير متناهية، اللَّهم إن هذا العبد الضعيف معترف بقصوره ونقصانه فأسألك مما سألك به نبيك أن ترزقني بتبعيته علماً ينفعني في الدارين.

التأويل: ﴿ ولقد أوحينا إلى موسى ﴾ القلب ﴿ أن أسر بعبادي ﴾ وهم صفات القلب من الأخلاق الحميدة سر بهم من مصر البشرية إلى بحر الروحانية.

﴿ فاضرب لهم ﴾ بعصا الذكر ﴿ طريقاً يبساً ﴾ من ماء الهوى وطين الصفات الحيوانية وباقي التأويل كما مر في "يونس" ﴿ ونزلنا عليكم ﴾ منّ صفاتنا وسلوى أخلاقنا فاتصفوا بطيبات أخلاقنا ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ بإفشاء أسرار الربوبية إلى غيرنا كمن قال: أنا الحق وسبحاني.

فإن الحالات لا تصلح للمقاولات.

﴿ وإني لغفار لمن ﴾ رجع عن الطغيان ﴿ وآمن ﴾ بالربوبية ﴿ وعمل صالحاً ﴾ في مقام العبودية ﴿ ثم اهتدى ﴾ فتحقق أن حضرة الربوبية منزهة عن دنس الوهم والخيال ومقام الوصال مباين للقيل والقال.

﴿ وعجلت إليك ﴾ فيه أن الشوق إذا غلب انقطع العلائق وأن مطلوب السائل لا ينبغي أن يكون إلا رضا الله.

﴿ قد فتنّا قومك من بعدك ﴾ فيه أن فتنة الأمة والمريد مقرونة بالنبي والشيخ.

﴿ بملكنا ﴾ أي بإرادتنا ومشيئتنا ولكن بإرادة الله ومشيئته.

﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ من غير اختيار منه ولكن باضطرار من القدر ﴿ با ابن أم ﴾ قيل خاطبه بذلك ليذكره قول الملائكة: يا ابن النساء الحيض ما للتراب ورب الأرباب.

﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ﴾ فيه أن الكرامة لأهل الكرامة كرامة ولأهل الغرامة استدراج وفتنة فيصرفونها في الباطل والطبيعة لا في الحق والحقيقة.

قوله: ﴿ لامساس ﴾ فيه معارضة بنقيض مقصود من أراد الجمعية والغلبة واتباع الناس إياه، فعدت بالتفرد والتوحش والنفار عن الخلق ﴿ زرقا ﴾ إن الوجه أشرف أعضاء الإنسان والعين أشرف أعضاء الوجه، وزرق العين دلالة على خروجها عن الاعتدال، وإذا كان أشرف الأعضاء خارجاً عن الاعتدال فما ظنك بغيرها؟

وكذا بالأخلاق التابعة للأمزجة.

﴿ وعنت الوجوه ﴾ أي كل جهة بها يستند الممكن إلى الواجب.

﴿ يتبعون الداعي ﴾ لأن كل ناس تدعى بإمامهم فيتبعونه ألبتة وأهل الله لا يفرون إلا إلى الله في قوله: ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام  ﴾ وعلى الله السمتعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ ﴾ .

قال الحسن: ما حجتك يا سامري على ما فعلت؟

ولا حجة كانت له قط.

وقال غيره: (ما خطبك) ما شأنك وما أمرك، والخطب هو الشأن والأمر في اللغة.

وتأويله - والله أعلم -: فما شأنك؟

أي: ما الذي حملك على صنيعك الذي صنعت؟

ثم قوله: ﴿ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ ﴾ بالياء والتاء جميعاً، ثم بين ما الذي بصر هو ما لم يبصروا هم؟

فقال: ﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا ﴾ ، أما عامة أهل التأويل: فإنهم يقولون: إنه قبض قبضة من تراب من أثر فرس جبريل فنبذتها، وليس في الآية ذكر التراب ولا ذكر الفرس، ولا أن ذلك الرسول جبريل أو غيره.

ويشبه أن يكون الذي قبضه هو تراب من أثر الفرس، على ما قاله أهل التأويل، وقد ذكر في حرف أبي: (فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول)، فإن ثبت ما قالوا، وإلا لم نزد على ما ذكر في الكتاب من هذه الأنباء والقصص [التي] كانت في كتبهم، فذكرت في القرآن؛ ليحتج بها رسول الله على أولئك؛ ليعرفوا أنه إنما عرف بالله  ، فلو زيد أو نقص عما في كتبهم، لذهب موضع الاحتجاج عليهم، بل يوجب ذلك شبه الكذب عليهم؛ لذلك وجب حفظ ما حكى في الكتاب من الأنباء والأخبار من غير زيادة ولا نقصان مخافة الكذب، إلا إن ثبت شيء يذكر عن رسول الله أنه كان، فعند ذلك يقال، وإلا الكف أولى لما ذكرناه.

[و] في قراءة الحسن وقتادة: (فقبصت قبصة) بالصاد، والقبصة: هو الأخذ بأطراف الأصابع، والقبضة: هو بالكف؛ فلا يحتمل أن يصح الحرفان جميعاً، لأن الأخذ بأطراف الأصابع دون الكف فهو خبر يخبر عما في كتبهم، فإما أن يكون ذا أو ذا؟

فأما أن يكونا جميعاً فلا يحتمل، إلا أن يقال: إنه أخذه بأطراف الأصابع، ثم رده إلى الكف؛ فحينئذ يكون، أو أن يكون ثَمَّ مرتان، والله أعلم.

وقوله -: ﴿ وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي: كذلك سولت لي نفسي أنك متى تأخذ قبضة من أثر الرسول فنبذتها في الحلي يحيا.

أو أن يكون سولت له نفسه على ما كان عادتهم وطبيعتهم أنهم لا يعبدون [ما] لا يرونه ولا يقع بصرهم عليه؛ حيث قالوا: ﴿ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  ﴾ ، وكقولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ ، فقال: سولت لي نفسي أن أتخذ لهم عجلا يرونه فيعبدونه.

أو سولت لي نفسي أن في قبضة أثر الرسول بناءً عظيماً.

أو قال ذلك اعتذاراً لجميع ما كان منه من أول الأمر إلى آخر أمره، والله أعلم.

وقوله  : ﴿ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ ﴾ .

قال بعضهم: أي: لا تزال تقول: لا مساس، لا تقول غيره؛ عقوبة له وجزاء لصنيعه.

وقال بعضهم: أن تقول: لا مساس لم تمسني، ولا أمسك، أي: لا تمسني أبداً، أخرجه من بين أظهرهم؛ لما علم موسى منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ ﴾ .

يحتمل: أن لك موعدا لعذابك لن تخلفه، يحتمل ذلك في الدنيا والآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً ﴾ .

قوله: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ﴾ الذي تزعم أنه إله، لا أن موسى سمى ذلك، وهو كما قال: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ التي في زعمهم آلهة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً ﴾ فقوله: ﴿ ظَلْتَ ﴾ يقال بالنهار، وفي الليل يقال: بات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً ﴾ .

وفي هذا إثبات آية لموسى؛ حيث قال: ﴿ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ ، والعجل الذي هو من لحم ودم ليس من طبع النار إحراقه، وكذلك الحلي والذهب والفضة ليس من طبع النار إحراقهما حتى تصير رماداً، ولكن من طبعهما الإذابة، ثم أخبر أنه محرقه، فدل أنه آية.

وفي قوله: ﴿ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ لغتان: ﴿ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ بالتشديد وبرفع النون وهو التحريق بالنار، و ﴿ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ بنصب النون وهو القطع بالمبرد.

وقال أبو معاذ: فمن قرأه ﴿ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ بنصب النون، فقد كان العجل من الحلي فلم يقدر على تحريقه بالنار فحرق بالمبرد.

ومن قرأه: ﴿ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ برفع النون والتشديد يقول: كان لحماً ودماً فأحرق بالنار صار رماداً ثم نسف في اليم.

قال أبو معاذ: يا سبحان الله، إن كنت أحرقته بالنار فما حاجتك إلى المبرد، لكن أراد مقاتل أن يجمع القراءتين والتأويلين في قراءة واحدة.

لكنه عندنا لا يجوز أن يكون العجل من لحم ودم في إحدى القراءتين وفي الأخرى من الحلي لا لحم فيه ولا دم، وتكون القراءتان جميعاً منزلتين.

وما قاله مقاتل: إنه حرق بالنار ثم حرق بالمبرد حسن؛ لأن النار لا تحرق العجل إذا كان لحماً ودما، ولكنها تذيبه، فأبرد بالمبرد، فعند ذلك نسف في اليم.

قال أبو معاذ: تقول العرب: نسفت البرد أنسفته نسفاً: إذا أخرجت المنسفة فطيرت غباره، ويقال في المشي: ما زلنا ننسف يومنا كله نسفا، أي: نمشي.

وقال أبو عوسجة: ﴿ لَنَنسِفَنَّهُ ﴾ ، أي: لنرمين به نسفاً، أي: رمياً، والنسف: القلع من الأصل، وصرفه: نسف ينسفه نسفاً.

وقال: ﴿ لَن نَّبْرَحَ  ﴾ أي: لن نزال.

﴿ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ ﴾ يقال: بصرت وأبصرت، بصر يبصر بصراً.

وقبصت قبصة، والقبص بأطراف الأصابع.

وقال: ﴿ لاَ مِسَاسَ ﴾ أي: لا يمسك أحد ولا يؤذيك.

وقال: "ظلت عليه" لغة سوء، وإنما هو: ظلت، وظَلِلْتَ.

وروي في حرف ابن مسعود: (بصرت بما لم يبصروا به إذ جاء الرسول فقبضت قبضة فألقيتها)، وفي حرف حفصة: (إذ مرَّ الرسول)، وفي حرف أبي بن كعب: (إن لك في الحياة أن لا مساس)، ليس فيه ﴿ أَن تَقُولَ ﴾ ، وفي حرف حفصة: (إن لك في الحياة الدنيا أن تقول لا مساس).

وقال بعضهم: تأويله: لا تخالط الناس ولا يخالطونك.

قال أبو معاذ: المساس: مصدر ماسه مماسا ومماسة، كما يقال: ضاره ضراراً ومضارة، وساره سرارا ومسارة، ومن قرأه: ﴿ لاَ مِسَاسَ ﴾ كان كقولك: نزل ودراك.

وفي حرف ابن مسعود وأُبّي: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا وانظر كيف يفعل بإلهك الذي ظلت).

وقوله: ﴿ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ قال بعضهم: شجعت، وظاهره: زينت لي نفسي.

وقيل: سمي السامري: سامريّاً؛ لأنه كان من قبيلة يقال لها: السامرة.

وقول هارون لموسى: ﴿ يَبْنَؤُمَّ ﴾ وكان أخاه لأبيه وأمه، قيل: أراد بذلك أن يرفقه عليه فتركه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .

جائز أن يكون موسى لما أحرق العجل ونسفه في البحر قال عند ذلك: إنما إلهكم الله الذي تعرفونه لا إله إلا هو وسع كل شيء علما، لا يعزب عنه شيء ولا يخفى عليه شيء، فيشبه أن يكون موسى ذكر هذا لهم لما أضمروا هم وأسروا حب العجل في قلوبهم، على ما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ  ﴾ ، فقال لهم: ﴿ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ يعلم ما تسرون وما تظهرون.

أو أن يكون لا يعلمون أنه [يعلم] ما يسرون وما يضمرون وما يغيب عن الخلق ويكون عندهم كملوك الأرض يعلمون الظاهر من الأمور الحاضرة منها [ولا يعلمون] الغائب، فأخبر أنه عز وجل يعلم الظاهر والباطن والسر والعلانية والحاضرة والغائبة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال موسى  للسامري: فاذهب أنت فإن لك أن تقول ما دمت حيًّا: لا أَمَسّ ولا أُمَسّ، فتعيش منبوذًا، وإن لك موعدًا يوم القيامة تُحَاسَب فيه وتُعَاقَب، لن يخلفك الله هذا الموعد، وانظر إلى عجلك الذي اتخذته معبودك، وأقمت على عبادته من دون الله، لنشعلنّ عليه نارًا حتى ينصهر، ثم لنَذْرِينه في البحر حتى لا يبقى له أثر.

<div class="verse-tafsir" id="91.1oADJ"

مزيد من التفاسير لسورة طه

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله