الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ١ من سورة الشعراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 76 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
سورة الشعراء: "ووقع في تفسير مالك المروي عنه تسميتها سورة الجامعة" قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسـره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان.
ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور.
قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة و "هل أتى على الإنسان" وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الم وحم والمص وص.
فواتح افتتح الله بها القرآن وكذا قال غيره عن مجاهد وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال الم اسم من أسماء القرآن وهكذا وقال قتادة وزيد بن أسلم ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبدالرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السور فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن فإنه يبعد أن يكون المص اسما للقرآن كله لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول قرأت المص إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن والله أعلم.
وقيل هي اسم من أسماء الله تعالى فقال عنها في فواتح السور من أسماء الله تعالى وكذلك قال سالم بن عبدالله وإسماعيل بن عبدالرحمن السدي الكبير وقال شعبة عن السدي بلغني أن ابن عباس قال الم اسم من أسماء الله الأعظم.
هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال سألت السدي عن حم وطس والم فقال قال ابن عباس هي اسم الله الأعظم وقال ابن جرير وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو النعمان حدثنا شعبة عن إسماعيل السدي عن مرة الهمذاني قال: قال عبدالله فذكر نحوه.
وحُكي مثله عن علي وابن عباس وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله تعالى وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال الم قسم.
وروينا أيضا من حديث شريك بن عبدالله بن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس: الم قال أنا الله أعلم وكذا قال سعيد بن جبير وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمذاني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الم قال أما الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى.
قال وأبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى الم قال هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلألائه ليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم.
قال عيسى ابن مريم عليه السلام وعجب: فقال أعجب أنهم يظنون بأسمائه ويعيشون في رزقه فكيف يكفرون به فالألف مفتاح الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد فالألف آلاء الله واللام لطف الله والميم مجد الله والألف سنة واللام ثلاثون سنة والميم أربعون سنة.
هذا لفظ ابن أبي حاتم ونحوه رواه ابن جرير ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر وأن الجمع ممكن فهي أسماء للسور ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته كما افتتح سورا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه قال ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله وعلى صفة من صفاته وعلى مدة وغير ذلك كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية لأن الكلمة الواحدة تطلق على معاني كثيرة كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين كقوله تعالى "إنا وجدنا آباءنا على أمة" وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله كقوله تعالى "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين" وتطلق ويراد بها الجماعة كقوله تعالى "وجد عليه أمة من الناس يسقون" وقوله تعالى "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا" وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله تعالى "وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة" أي بعد حين على أصح القولين قال فكذلك هذا.
هذا حاصل كلامه موجها ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا وعلى هذا معا ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول ليس هذا موضع البحث فيها والله أعلم.
ثم إن لفظة الأمة تدل على كل من معانيها في سياق الكلام بدلالة الوضع فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف والمسألة مختلف فيها وليس فيها إجماع حتى يحكم به وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا كما قال الشاعر: قلنا قفي لنا فقالت قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف تعني وقفت.
وقال الآخر: ما للظليم عال كيف لا يـ ينقد عنه جلده إذا يـ فقال ابن جرير كأنه أراد أن يقول إذا يفعل كذا وكذا فاكتفى بالياء من يفعل وقال الآخر: بالخير خيرات وان شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تـ يقول وإن شرا فشرا ولا أريد الشر إلا أن تشاء فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام والله أعلم.
قال القرطبي وفي الحديث "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" الحديث قال سفيان هو أن يقول في اقتل"ا قـ" وقال خصيف عن مجاهد أنه قال فواتح السور كلها"ق وص وحم وطسم والر" وغير ذلك هجاء موضوع وقال بعض أهل العربية هي حروف من حروف المعجم استغنى بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا كما يقول القائل ابني يكتب في - ا ب ت ث - أي في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغني بذكر بعضها عن مجموعها حكاه ابن جرير.
قلت مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا وهي - ال م ص ر ك ه ي ع ط س ح ق ن- يجمعها قولك: نص حكيم قاطع له سر.
وهي نصف الحروف عددا والمذكور منها أشرف من المتروك وبيان ذلك من صناعة التصريف.
قال الزمخشري وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة ومن الرخوة والشديدة ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة ومن حروف القلقلة.
وقد سردها مفصلة ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته.
وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله وههنا ههنا لخص بعضهم في هذا المقام كلاما فقال: لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثا ولا سدى ومن قال من الجهلة إن في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلمة فقد أخطأ خطأ كبيرا فتعين أن لها معنى في نفس الأمر فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا "آمنا به كل من عند ربنا" ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين وإنما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه وإلا فالوقف حتى يتبين هذا المقام.
المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها فقال بعضهم إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور حكاه ابن جرير وهذا ضعيف لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة وقال آخرون بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له تلا عليهم المؤلف منه حكاه ابن جرير أيضا وهو ضعيف أيضا لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها بل غالبها ليس كذلك ولو كـان كذلك أيضا لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابا للمشركين فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.
وقال آخرون بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا وقرره الزمخشري في كشافه ونصره أتم نصر وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية.
قال الزمخشري ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة وكرر التحدي بالصريح في أماكن قال وجاء منها على حرف واحد كقوله - ص ن ق- وحرفين مثل "حم" وثلاثة مثل "الم" وأربعة مثل "المر" و "المص" وخمسة مثل "كهيعص- و- حم عسق" لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك "قلت" ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ولهذا يقول تعالى "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" "الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه" "المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه" "الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم" "الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين" "حم تنزيل من الرحمن الرحيم" "حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم" وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم.
وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له وطار في غير مطاره وقد ورد في ذلك حديث ضعيف وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته وهو ما رواه محمد بن إسحق بن يسار صاحب المغازي حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبدالله بن رباب قال مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فأتى أخاه بن أخطب في رجال من اليهود فقال تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فقال أنت سمعته قال نعم قال فمشى حي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد ألم يذكر أنك تتلوا فيما أنزل الله عليك "الم ذلك الكتاب"؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بلى" فقالوا جاءك بهذا جبريل من عند الله؟
فقال "نعم" قالوا لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك.
فقام حي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟
ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد هل مع هذا غيره فقال "نعم" قال ما ذاك؟
قال "المص" قال هذا أثقل وأطول الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة.
هل مع هذا يا محمد غيره؟
قال "نعم" قال ما ذاك؟
قال "الر" قال هذا أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة.
فهل مع هذا يا محمد غيره؟
قال "نعم" قال ماذا قال "المر" قال هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون ومائتان ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا.
ثم قال قوموا عنه ثم قال أبو ياسر لأخيه حي بن أخطب ولمن معه من الأحبار ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع سنين؟
فقالوا لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم والله أعلم.
قال أبو جعفر: وقد ذكرنا اختلاف المختلفين فيما في ابتداء فواتح سور القرآن من حروف الهجاء, وما انتزع به كل قائل منهم لقوله ومذهبه من العلة.
وقد بيَّنا الذي هو أولى بالصواب من القول فيه فيما مضى من كتابنا هذا بما أغنى عن إعادته, وقد ذكر عنهم من الاختلاف في قوله: طسم و طس , نظير الذي ذكر عنهم في: الم و المر و المص .
وقد حدثني عليّ بن داود, قال: ثنا عبد الله بن صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله: ( طسم ) قال: فإنه قسم أقسمه الله, وهو من أسماء الله.
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( طسم ) قال: اسم من أسماء القرآن.
بسم الله الرحمن الرحيمسورة الشعراءهي مكية في قول الجمهور .
وقال مقاتل : منها مدني ; الآية التي يذكر فيها الشعراء ، وقوله : أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل .
وقال ابن عباس وقتادة : مكية إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة من قوله : والشعراء يتبعهم الغاوون إلى آخرها .
وهي مائتان وسبع وعشرون آية .
وفي رواية : ست وعشرون .
وعن ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : أعطيت السورة التي تذكر فيها البقرة من الذكر الأول وأعطيت ( طه ) و ( طسم ) من ألواح موسى وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش وأعطيت المفصل نافلة .
وعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة وأعطاني المبين مكان الإنجيل وأعطاني الطواسين مكان الزبور وفضلني بالحواميم والمفصل ما قرأهن نبي قبلي .
قوله تعالى : طسم تلك آيات الكتاب المبين لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم .[ ص: 85 ] قوله تعالى : طسم قرأ الأعمش ويحيى وأبو بكر والمفضل وحمزة والكسائي وخلف : بإمالة الطاء مشبعا في هذه السورة وفي أختيها .
وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة والزهري : بين اللفظين ; واختاره أبو عبيد وأبو حاتم .
وقرأ الباقون بالفتح مشبعا .
قال الثعلبي : وهي كلها لغات فصيحة .
وقد مضى في ( طه ) قول النحاس في هذا .
قال النحاس : وقرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم والكسائي : " طسم " بإدغام النون في الميم ، والفراء يقول بإخفاء النون .
وقرأ الأعمش : وحمزة : ( طسين ميم ) بإظهار النون .
قال النحاس : للنون الساكنة والتنوين أربعة أقسام عند سيبويه : يبينان عند حروف الحلق ، ويدغمان عند الراء واللام والميم والواو والياء ، ويقلبان ميما عند الباء ويكونان من الخياشيم ; أي لا يبينان ; فعلى هذه الأربعة الأقسام التي نصها سيبويه لا تجوز هذه القراءة ; لأنه ليس هاهنا حرف من حروف الحلق فتبين النون عنده ، ولكن في ذلك وجيه : وهو أن حروف المعجم حكمها أن يوقف عليها ، فإذا وقف عليها تبينت النون .
قال الثعلبي : الإدغام اختيار أبي عبيد وأبي حاتم قياسا على كل القرآن ، وإنما أظهرها أولئك للتبيين والتمكين ، وأدغمها هؤلاء لمجاورتها حروف الفم .
قال النحاس : وحكى أبو إسحاق في كتابه ; فيما يجرى وفيما لا يجرى أنه يجوز أن يقال : ( طسين ميم ) بفتح النون وضم الميم ، كما يقال هذا معدي كرب .
وقال أبو حاتم : قرأ خالد : ( طسين ميم ) .
ابن عباس : طسم قسم وهو اسم من أسماء الله تعالى ، والمقسم عليه : إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية .
وقال قتادة : اسم من أسماء القرآن أقسم الله به .
مجاهد : هو اسم السورة ; ويحسن افتتاح السورة .
الربيع : حساب مدة قوم .
وقيل : قارعة تحل بقوم .
طسم و طس واحد .
قال المتنبي :وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمهوقال القرظي : أقسم الله بطوله وسنائه وملكه .
وقال عبد الله بن محمد بن عقيل : الطاء طور سيناء والسين إسكندرية والميم مكة .
وقال جعفر بن محمد بن علي : الطاء شجرة طوبى ، والسين سدرة المنتهى ، والميم محمد صلى الله عليه وسلم .
وقيل : الطاء من الطاهر والسين من القدوس .
وقيل : من السميع وقيل : من السلام - والميم من المجيد .
وقيل : من الرحيم .
وقيل : من الملك .
وقد مضى هذا المعنى في أول سورة ( البقرة ) .
والطواسيم والطواسين سور في القرآن جمعت على غير قياس .
وأنشد أبو عبيدة :وبالطواسيم التي قد ثلثت وبالحواميم التي قد سبعت[ ص: 86 ] قال الجوهري : والصواب أن تجمع ب " ذوات " وتضاف إلى واحد ، فيقال : ذوات طسم وذوات حم .
الحروف المقطعة في أوائل السور ، الأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي ، مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها.
مكية إلا أربع آيات من آخر السورة من قوله ( والشعراء يتبعهم الغاوون ) وروينا عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أعطيت طه والطواسين من [ اللوح المحفوظ ] " بسم الله الرحمن الرحيم ( طسم ( 1 ) تلك آيات الكتاب المبين ( 2 ) ) ( طسم ) قرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر : طسم ، و طس ، و حم ، و يس بكسر الطاء والياء والحاء ، وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر ، وقرأ الآخرون بالفتح على التفخيم ، وأظهر النون في يس عند الميم في " طسم " : أبو جعفر ، وحمزة ، وأخفاها الآخرون .
وروي عن عكرمة عن ابن عباس قال : " طسم " عجزت العلماء عن تفسيرها .
وروى علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس : أنه قسم ، وهو من أسماء الله تعالى ، وقال قتادة : اسم من أسماء القرآن .
وقال مجاهد : اسم للسورة .
قال محمد بن كعب القرظي : أقسم الله بطوله وسنائه وملكه .
«طسَمَ» الله أعلم بمراده بذلك.
(طسم) سبق الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة.
سورة الشعراء من السور التى افتتحت بحرف من الحروف المقطعة وهو قوله - تعالى - : ( طساما ) .وقد ذكرنا آراء العلماء فى الحروف المقطعة بشىء من التفصيل عند تفسيرنا لسور : " البقرة ، آل عمران ، والأعراف ، ويونس .
.
" إلخ .وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض السور ، على سبيل الإيقاظ والتنبيه ، للذين تحداهم القرآن .فكأن الله - تعالى - يقول لهؤلاء المعاندين والمعارضين فى أن القرآن من عند الله : هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلان هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم فى شك فى أنه من عند الله - تعالى - فهاتوا مثله ، أو عشر سور من مثله ، أو سورة واحدة من مثله ، فعجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - .
الطاء إشارة إلى طرب قلوب العارفين، والسين سرور المحبين، والميم مناجاة المريدين، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ قتادة ﴿ باخع نَّفْسَكَ ﴾ على الإضافة، وقرئ ﴿ فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعة ﴾ .
المسألة الثانية: البخع أن يبلغ بالذبح البخاع، وهو الخرم النافذ في ثقب الفقرات وذلك أقصى حد الذابح، ولعل للإشفاق.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ طسم * تِلْكَ ءايَاتُ الكتاب المبين ﴾ معناه: آيات هذه السورة تلك آيات الكتاب المبين، وتمام تقريره ما مر في قوله تعالى: ﴿ ذلك الكتاب ﴾ ولا شبهة في أن المراد بالكتاب هو القرآن والمبين وإن كان في الحقيقة هو المتكلم فقد يضاف إلى الكلام من حيث يتبين به عند النظر فيه، فإن قيل القوم لما كانوا كفاراً فكيف تكون آيات القرآن مبينة لهم ما يلزمهم، وإنما يتبين بذلك الأحكام؟
قلنا ألفاظ القرآن من حيث تعذر عليهم أن يأتوا بمثله يمكن أن يستدل به على فاعل مخالف لهم كما يستدل بسائر ما لا يقدر العباد على مثله، فهو دليل التوحيد من هذا الوجه ودليل النبوة من حيث الإعجاز، ويعلم به بعد ذلك أنه إذا كان من عند الله تعالى فهو دلالة الأحكام أجمع، وإذا ثبت هذا صارت آيات القرآن كافية في كل الأصول والفروع أجمع، ولما ذكر الله تعالى أنه بين الأمور قال بعده: ﴿ لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ منبهاً بذلك على أن الكتاب وإن بلغ في البيان كل غاية فغير مدخل لهم في الإيمان لما أنه سبق حكم الله بخلافه، فلا تبالغ في الحزن والأسف على ذلك لأنك إن بالغت فيه كنت بمنزلة من يقتل نفسه ثم لا ينتفع بذلك أصلاً فصبره وعزاه وعرفه أن غمه وحزنه لا نفع فيه كما أن وجود الكتاب على بيانه ووضوحه لا نفع لهم فيه، ثم بين تعالى أنه قادر على أن ينزل آية يذلون عندها ويخضعون، فإن قيل: كيف صح مجيء ﴿ خاضعين ﴾ خبراً عن الأعناق؟
قلنا أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فذكرت الأعناق لبيان موضع الخضوع، ثم ترك الكلام على أصله، ولما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء، قيل ﴿ خاضعين ﴾ كقوله: ﴿ لِى سَاجِدِينَ ﴾ ، وقيل أعناق الناس رؤساؤهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما يقال هم الرؤوس والصدور، وقيل هم جماعات الناس، يقال جاءنا عنق من الناس لفوج منهم.
المسألة الرابعة: نظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الكهف (6): ﴿ فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ ﴾ وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ طسم ﴾ بتفخيم الألف وإمالتها، وإظهار النون، وإدغامها ﴿ الكتاب المبين ﴾ الظاهر إعجازه، وصحة أنه من عند الله، والمراد به السورة أو القرآن، والمعنى: آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين.
<div class="verse-tafsir"
( 26 سُورَةُ الشُّعَراءِ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى ﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ إلى آخِرِها وهي مِائَتانِ وسِتٌّ أوْ سَبْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ طسم ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ بِالإمالَةِ، ونافِعٌ بَيْنَ بَيْنَ كَراهَةً لِلْعَوْدِ إلى الياءِ المَهْرُوبِ مِنها، وأظْهَرَ نُونَهُ حَمْزَةُ لِأنَّهُ في الأصْلِ مُنْفَصِلٌ عَمّا بَعْدَهُ.
﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ الظّاهِرُ إعْجازُهُ وصِحَّتُهُ، والإشارَةُ إلى السُّورَةِ أوِ القُرْآنِ عَلى ما قَرَّرَ في أوَّلِ «البَقَرَةِ» .
﴿ لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ﴾ قاتِلٌ نَفْسَكَ، وأصْلُ البَخْعِ أنْ يَبْلُغَ بِالذَّبْحِ النُّخاعَ وهو عِرْقٌ مُسْتَبْطِنٌ الفَقارَ وذَلِكَ أقْصى حَدِّ الذَّبْحِ، وقُرِئَ «باخِعُ نَفْسِكَ» بِالإضافَةِ، ولَعَلَّ لِلْإشْفاقِ أيْ أشْفِقْ عَلى نَفْسِكَ أنْ تَقْتُلَها حَسْرَةً.
﴿ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ لِئَلّا يُؤْمِنُوا أوْ خِيفَةَ أنْ لا يُؤْمِنُوا.
<div class="verse-tafsir"
{تلك آيات الكتاب المبين} الظاهر إعجازه وصحة أنه من عند الله والمراد به السورة أو القرآن والمعنى آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين
سُورَةُ الشُّعَراءِ وفِي تَفْسِيرِ الإمامِ مالِكٍ تَسْمِيَتُها بِسُورَةِ الجامِعَةِ، وقَدْ جاءَ في رِوايَةِ ابْنِ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - إطْلاقُ القَوْلِ بِمَكِّيَّتِها، وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ ﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ إلى آخِرِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ وقَتادَةَ، وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً ﴾ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ أيْضًا، قالَ الطَّبَرْسِيُّ: وعِدَّةُ آياتِها مِائَتانِ وسَبْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً في الكُوفِيِّ والشّامِيِّ والمَدَنِيِّ الأوَّلِ، ومِائَتانِ وسِتٌّ وعِشْرُونَ في الباقِي.
ووَجْهُ اتِّصالِها بِما قَبْلَها اشْتِمالُها عَلى بَسْطٍ وتَفْصِيلٍ لِبَعْضِ ما ذُكِرَ فِيما قَبْلُ، وفِيها أيْضًا مِن تَسْلِيَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما فِيها، وقَدِ افْتُتِحَتْ كِلْتا السُّورَتَيْنِ بِما يُفِيدُ مَدْحَ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وخُتِمَتا بِإيعادِ المُكَذِّبِينَ بِهِ كَما لا يَخْفى.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿ طسم ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في أمْثالِهِ إعْرابًا وغَيْرِهِ، والكَلامُ هُنا كالكَلامِ هُناكَ بَيْدَ أنَّهُ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ في هَذا: الطّاءُ مِن ذِي الطَّوْلِ، والسِّينُ مِنَ القُدُّوسِ، والمِيمُ مِنَ الرَّحْمَنِ، وأمالَ فَتْحَةَ الطّاءِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ، وقَرَأ نافِعٌ - كَما رَوى عَنْهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في الحُجَّةِ - بَيْنَ بَيْنَ، ولَمْ يُمِلْ صَرْفًا لِأنَّ الألِفَ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ فَلَوْ أُمِيلَتْ إلَيْها انْتَقَضَ غَرَضُ القَلْبِ وهو التَّخْفِيفُ.
ورَوى بَعْضٌ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ كَباقِي السَّبْعَةِ مِن غَيْرِ إمالَةٍ أصْلًا نَظَرًا إلى أنَّ الطّاءَ حَرْفُ اسْتِعْلاءٍ يَمْنَعُ مِنَ الإمالَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِإظْهارِ نُونِ سِينٍ؛ لِأنَّهُ في الأصْلِ - لِكَوْنِهِ أحَدَ أسْماءِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ - مُنْفَصِلٌ عَمّا بَعْدَهُ، وأدْغَمَها الباقُونَ لِما رَأوْها مُتَّصِلَةً في حُكْمِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ خُصُوصًا عَلى القَوْلِ بِالعَلَمِيَّةِ، وقَرَأ عِيسى بِكَسْرِ المِيمِ مِن «طسم» هُنا وفي القَصَصِ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ نافِعٍ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (ط س م) مِن غَيْرِ اتِّصالٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ.
<div class="verse-tafsir"
كلّها مكية إلا آيات في آخرها وهي مائتان وسبع وعشرون آية قول الله سبحانه وتعالى: طسم قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: بإمالة الطاء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير بالتفخيم، وهما لغتان معروفتان عند العرب، ويجوز كلاهما.
وقرأ نافع بين ذلك، وقرأ حمزة بإظهار النون، والباقون بالإدغام لتقارب مخرجهما.
ومن لم يدغم أراد التبيين، وكلاهما جائز.
وأما التفسير، فروى معمر عن قتادة أنه قال: «اسم من أسماء القرآن.» (١) (٢) .
وقال بعضهم: عجزت العلماء عن تفسيرها.
ويقال: هو قسم أقسم الله تعالى به.
تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يعني: هذه آيات الكتاب.
ويقال: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ التي كنت وعدت في التوراة أن أنزلها على محمد الْكِتابِ الْمُبِينِ يعني: القرآن يبين لكم الحق من الباطل لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ يعني: مهلك نفسك.
ويقال: قاتل نفسك بالحزن أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ يعني: إذا لم يصدقوا بالقرآن، وذلك حين كذبه أهل مكة شقّ ذلك عليه وحزن بذلك، فقال له: ليس عليك سوى التبليغ، ولا تقتل نفسك إن لم يؤمنوا.
ثم قال عز وجل: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً يعني: علامة فَظَلَّتْ يعني: فصارت أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ يعني: وننزل عليهم آية تضطرهم إلى أن يؤمنوا، ولكنه لم يفعل، لأنه لو فعل ذلك لذهبت المحنة، فلم يستوجبوا الثواب إذا آمنوا بعد معاينة العذاب، كمن آمن يوم القيامة لا ينفعه إيمانه، لأنه قد ظهر له بالمعاينة.
ويقال: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ يعني: ساداتهم وكبراؤهم للآية خاضِعِينَ، والأعناق: الكبراء، فإن قيل: جمع الأعناق مؤنث.
وقال: خاضعين، ولم يقل: خاضعات؟
قيل له: لأن الكلام انصرف إلى المعنى، فكأنه قال: هم لها خاضعون.
قوله تعالى: وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ وقد ذكرناه إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ يعني: مكذبين معرضين عن الإيمان به فَقَدْ كَذَّبُوا يعني: كذبوا بالقرآن، كما قال في آية أُخرى: فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ [الأنعام: 5] .
ثمّ قال: فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا يعني: أخبار مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يعني: يوم القيامة.
ويقال: قد جاءهم بعض ذلك في الدنيا، وهو القتل والقهر والغلبة.
(١) عزاه السيوطي 6/ 288 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٢) عزاه السيوطي: 6/ 288 إلى ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى التقدير: واذكر إذ نادى ربك موسى، وسَوْقُ هذه القصة تمثيل لكفار قريش في تكذيبهم النبيَّ صلى الله عليه وسلّم.
وقوله: فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ معناه: يعينني وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ يعني قَتْلَهُ القِبْطِيَّ.
وقوله تعالى: كَلَّا رَدٌّ لقوله: إِنِّي أَخافُ أي: لا تخف ذلك، وقول فرعون لموسى: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً هو على جهة المَنِّ عليه والاحتقار، أي: رَبَّيْنَاكَ صغيراً، ولم نقتلك في جملة مَنْ قَتَلْنَا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ: فمتى كان هذا الذي تدَّعِيْهِ، ثم قرره على قتل القبطي بقوله: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ والفَعْلَةُ- بفتح الفاء-: المَرَّةُ، وقوله: وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ يريد: وقتلت القبطيَّ وأنت في قتلك إياه من الكافرين إذ هو نَفْسٌ لا يحلُّ قتلها قاله الضَّحَّاكُ «١» ، أو يريد: وأنت من الكافرين بنعمتي في قتلك إياه قاله ابن زيد «٢» ويحتمل أن يريد: وأنت الآن من الكافرين بنعمتي، وكان بين خروج موسى عليه السلام حين قتل القبطي وبين رجوعه نَبِيّاً إلى فرعون- أَحَدَ عَشَرَ عاماً غيرَ أشهرٍ.
وقوله: قالَ فَعَلْتُها إِذاً: من كلام موسى عليه السلام والضميرُ في قوله:
فَعَلْتُها لِقَتْلَةِ القِبْطِيِّ.
وقوله: وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ قال ابن زيد: معناه: من الجاهلين بأنَّ وكزتي إياه تأتي على نفسه «٣» ، وقال أبو عبيدةَ: معناه: من الناسين، ونزع بقوله: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [البقرة: ٢٨٢] ، وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس «٤» : «وأَنَا مِنَ الجَاهِلِينَ» ، ويشبه أن تكون هذه القراءة على جهة التفسير، وحُكْماً يريد: النبوّة وحكمتها.
سُورَةُ الشُّعَراءِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ إلى آخِرِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طسم ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " طسم " بِفَتْحِ الطّاءِ وإدْغامِ النُّونِ مِن هِجاءِ " سِين " عِنْدَ المِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وأبانُ، والمُفَضَّلُ: " طسم " و " طس " [النَّمْلِ] بِإمالَةِ الطّاءِ فِيهِما.
وَأظْهَرَ النُّونَ مِن هِجاءِ " سِين " عِنْدَ المِيمِ حَمْزَةُ هاهُنا وفي (القَصَصِ) .
وَفِي مَعْنى " طسم " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها حُرُوفٌ مِن كَلِماتٍ، ثُمَّ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: [ما] رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ طسم ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ : " الطّاءُ: طُورُ سَيْناءَ، والسِّينُ: الإسْكَنْدَرِيَّةُ، والمِيمُ: مَكَّةُ "» .
والثّانِي: [أنَّ] الطّاءَ: طَيْبَةُ، وسِينَ: بَيْتُ المَقْدِسِ، ومِيمَ: مَكَّةُ، [رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ] .
والثّالِثُ: الطّاءُ: شَجَرَةُ طُوبى، والسِّينُ: سِدْرَةُ المُنْتَهى، والمِيمُ: مُحَمَّدٌ ، قالَهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ.
والثّانِي: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ بَيَّنّا كَيْفَ يَكُونُ مِثْلُ هَذا مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى في فاتِحَةِ مَرْيَمَ.
وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللَّهُ بِطُولِهِ وسَنائِهِ ومُلْكِهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ، وأبُو رَوْقٍ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [المائِدَةِ: ١٥، الكَهْفِ: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ والمَعْنى: لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ لَوْ أرادَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ ما يَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ لَفَعَلَ، فَقالَ: ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " إنْ يَشَأْ يُنَزِّلْ " بِالياءِ فِيهِما، ﴿ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ ﴾ جَعَلَ الفِعْلَ أوَّلًا لِلْأعْناقِ، ثُمَّ جَعَلَ ﴿ خاضِعِينَ ﴾ لِلرِّجالِ، لِأنَّ الأعْناقَ إذا خَضَعَتْ فَأرْبابُها خاضِعُونَ.
وقِيلَ: لَمّا وصَفَ الأعْناقَ بِالخُضُوعِ، وهو مِن صِفات بَنِي آدَمَ، أخْرَجَ الفِعْلَ مَخْرَجَ الآدَمِيِّينَ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿ والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿ فَظَلَّتْ ﴾ مَعْناهُ: فَتَظَلُّ، لِأنَّ الجَزاءَ يَقَعُ فِيهِ لَفْظُ الماضِي في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِكَ: إنْ تَأْتِنِي أكْرَمْتُكَ، مَعْناهُ: أُكْرِمْكَ؛ وإنَّما قالَ: ﴿ خاضِعِينَ ﴾ لِأنَّ خُضُوعَ الأعْناقِ هو خُضُوعُ أصْحابِها، وذَلِكَ أنَّ الخُضُوعَ لَمّا لَمْ يَكُنْ إلّا بِخُضُوعِ الأعْناقِ، جازَ أنْ يُخْبِرَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ: رَأتْ مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ فَلَمّا كانَتِ السُّنُونَ لا تَكُونُ إلّا بِمَرٍّ، أخْبَرَ عَنِ السِّنِينَ، وإنْ كانَ أضافَ إلَيْها المُرُورَ.
قالَ: وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يَعْنِي بِالأعْناقِ كُبَراءَهم ورُؤَساءَهم.
وجاءَ في اللُّغَةِ أنَّ أعْناقَهم جَماعاتُهم؛ يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ، أيْ: جَماعَةٌ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الأنْبِياءِ: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ ﴾ يَعْنِي المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ ﴿ كَمْ أنْبَتْنا فِيها ﴾ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فِيها نَباتٌ ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن كُلِّ جِنْسٍ حَسَنٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الزَّوْجُ: النَّوْعُ، والكَرِيمُ: المَحْمُودُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ الإنْباتِ ﴿ لآيَةً ﴾ تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ﴿ وَما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: ما كانَ أكْثَرُهم يُؤْمِنُ في عِلْمِ اللَّهِ، ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ ﴾ المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ بِأوْلِيائِهِ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الشُعَراءِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، قالَهُ جُمْهُورُ الناسِ، وقالَ مُقاتِلٌ: مِنها مَدَّنِيٌّ الآيَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها الشُعَراءُ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ طسم ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ ﴿ لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ ﴾ ﴿ وَما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن الرَحْمَنِ مُحْدَثٍ إلا كانُوا عنهُ مُعْرِضِينَ ﴾ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ في أوائِلِ السُورِ مُسْتَوْعَبًا.
و "تِلْكَ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وهو وخَبَرُهُ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ عن "طسم" في بَعْضِ التَأْوِيلاتِ.
والإشارَةُ بـ "تِلْكَ" هي بِحَسْبِ الخِلافِ في "طسم"، وعَلى بَعْضِ الأقْوالِ تَكُونُ "تِلْكَ" إشارَةً إلى حاضِرٍ، و "ذَلِكَ" إلى مَوْجُودٍ، كَما أنَّ "هَذِهِ" قَدْ تَكُونُ الإشارَةُ بِها إلى غائِبٍ مَعْهُودٍ كَأنَّهُ حاضِرٌ.
و ﴿ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ القُرْآنُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "طسم" بِكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها وبِإدْغامِ النُونِ مِن "سِينْ" في المِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وَحْدَهُ بِإظْهارِها، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، ورَوى يَعْقُوبُ عن أبِي جَعْفَرٍ ونافِعٍ قَطْعَ كُلِّ حَرْفٍ مِنها عَلى حِدَةٍ، قالَ أبُو حاتِمُ: الِاخْتِيارُ فَتْحُ الطاءِ وإدْغامُ آخِرَ "سِينْ" في أوَّلِ "مِيمْ" فَتَصِيرُ المِيمُ مُتَّصِلَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكَ ﴾ الآيَةُ، تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ عَمّا كانَ فِيهِ مِنَ القَلَقِ والحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ، فَكانَ مِن شَغْلِ البالِ في حَيِّزِ الخَوْفِ عَلى نَفْسِهِ.
و "الباخِعُ" القاتِلُ نَفْسَهُ والمُهْلِكُ لَها بالهَمِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والناسُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ألا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عن يَدَيْهِ المَقادِرُ وخُوطِبَ بِـ "لَعَلَّ" عَلى ما في نَفْسِ البَشَرِ مِن تَوَقُّعِ الهَلاكِ في مِثْلِ تِلْكَ الحالِ.
ومَعْنى الآيَةِ: ألّا تَهْتَمَّ يا مُحَمَّدُ بِهِمْ، وبَلِّغْ رِسالَتَكَ، وما عَلَيْكَ مِن إيمانِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ بِيَدِ اللهِ تَعالى لَوْ شاءَ لَآمَنُوا، وقَوْلُهُ: "ألّا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ نَشَأْ ﴾ شَرْطٌ، وما في الشَرْطِ مِنَ الإبْهامِ هو - في هَذِهِ الآيَةِ - في حَيِّزِنا، وأمّا اللهُ تَعالى فَقَدْ عَلِمْ أنَّهُ لا يُنَزِّلُ عَلَيْهِمْ آيَةَ اضْطِرارٍ، وإنَّما جَعَلَ اللهُ تَعالى آياتِ الأنْبِياءِ والآياتِ الدالَّةِ عَلَيْهِ مُعَرَّضَةً لِلنَّظَرِ والفِكْرِ لِيَهْتَدِيَ مَن سَبَقَ في عِلْمِهِ هُداهُ، ويَضِلَّ مَن سَبَقَ ضَلالُهُ، ولِيَكُونَ لِلنَّظْرَةِ تَكَسُّبٌ بِهِ يَتَعَلَّقُ الثَوابُ والعِقابُ، وآيَةُ الِاضْطِرارِ تَدْفَعُ جَمِيعَ هَذا أنْ لَوْ كانَتْ.
وقَرَأ: "نُنَزِّلْ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الزايِ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ، والأعْرَجُ، وعاصِمْ، والحَسَنُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ البَصْرَةِ بِسُكُونِ النُونِ وتَخْفِيفِ الزايِ.
ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرٍو "يَشَأْ يُنَزِّلْ" بِالياءِ فِيهِما.
والخُضُوعُ لِلدَّلالَةِ في الآيَةِ المُنَزَّلَةِ كانَ يَتَرَتَّبُ بِأحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا بِخَوْفِ هَلاكٍ في مُخالَفَةِ الأمْرِ المُقْتَرِنِ بِها كَنَتْقِ الجَبَلِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ يَقَعُ الإذْعانُ لَها وانْقِيادُ النُفُوسِ، وكُلُّ هَذَيْنِ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَبِيٌّ، ووَجْهُ ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ، وهو تَوْجِيهٌ مَنصُوصٌ لِلْعُلَماءِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَتَظَلُّ أعْناقُهُمْ"، وهو المُرادُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وجَعْلُ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ إشارَةٌ إلى تَقْوِيَةِ وُقُوعِ الفِعْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعْناقُهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، والأخْفَشِ أنْ يُرِيدَ: جَماعاتِهُمْ، يُقالُ: جاءَ في عُنُقٍ مِنَ الناسِ، أيْ جَماعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أنَّ العِراقَ وأهْلَهُ ∗∗∗ عُنُقٌ إلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتا وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ أبِي مِحْجَنٍ: ..................
∗∗∗ وأكْتُمُ السِرَّ فِيهِ ضَرْبَةُ العُنُقِ ولِهَذا قِيلَ: "عُنُقُ رَقَبَةٍ"، ولَمْ يُقَلْ: "عُنُقُ عُنُقٍ" فِرارًا مِنَ الِاشْتِراكِ، قالَهُ الزَهْراوِيُّ.
والتَأْوِيلُ الآخَرُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الأعْناقِ" الجارِحَةَ المَعْلُومَةَ، وذَلِكَ أنَّ خُضُوعَ العُنُقِ والرَقَبَةِ هو عَلامَةُ الذِلَّةِ والِانْقِيادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وإذا الرِجالُ رَأوا يَزِيدَ رَأيْتَهم ∗∗∗ خُضُعَ الرِقابِ نَواكِسَ الأبْصارِ فَمَعْنى هَذا التَأْوِيلِ نَتَكَلَّمُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ خاضِعِينَ ﴾ ، كَيْفَ جَمَعَهُ جَمْعَ مَن يَعْقِلُ؟
وذَلِكَ مُتَخَرِّجٌ عَلى نَحْوَيْنِ مِن كَلامِ العَرَبِ: أحَدُهُما أنَّ الإضافَةَ إلى مَن يَعْقِلُ أفادَتْ حُكْمَهُ لِمَن لا يَعْقِلُ، كَما تُفِيدُ الإضافَةُ إلى المُؤَنَّثِ تَأْنِيثَ عَلامَةِ المُذَكَّرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: .................
∗∗∗ كَما شَرَقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَمِ وهَذا كَثِيرٌ.
والنَحْوُ الآخَرُ أنْ تَكُونَ "الأعْناقُ" لَمّا وُصِفَتْ بِفِعْلٍ لا يَكُونُ إلّا مَقْصُودًا لِلْبَشَرِ وهو الخُضُوعُ -؛ إذْ هو فِعْلٌ يَتْبَعُ أمْرًا في النَفْسِ جُمِعَتْ فِيهِ جَمْعَ مَن يَعْقِلُ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لَها خاضِعَةٌ".
ثُمْ عَنَّفَ الكُفّارَ، ونَبَّهَ عَلى سُوءِ فِعْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما يَأْتِيهِمْ ﴾ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُحْدَثٍ ﴾ يُرِيدُ: مُحْدَثَ الإتْيانِ، أيْ: مَجِيءُ القُرْآنِ لِلْبَشَرِ كانَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الذِكْرِ" مُحَمَّدًا ، كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ قَدْ أنْزَلَ اللهُ إلَيْكم ذِكْرًا ﴾ ﴿ رَسُولا ﴾ ، فَيَكُونُ وصْفُهُ بِالمُحْدَثِ مُتَمَكِّنًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أفْصَحُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ ﴾ الآيَةُ وعِيدٌ بِعَذابِ الدُنْيا، والآخِرَةِ، ويُقَوِّي أنَّهُ وعِيدٌ بِعَذابِ الدُنْيا؛ أنَّ ذَلِكَ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ، كَبَدْرٍ وغَيْرِها.
ولَمّا كانَ إعْراضُهم عَنِ النَظَرِ في الصانِعِ والإلَهِ أعْظَمَ كُفْرِهِمْ، وكانُوا يَجْعَلُونَ الأصْنامَ آلِهَةً، ويُعْرِضُونَ عَنِ الذِكْرِ في ذَلِكَ، نَبِّهْ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، وأنَّهُ الخالِقُ المُنْشِئُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ ﴾ الآيَةُ.
و "الزَوْجُ": النَوْعُ والصِنْفُ، و "الكَرِيمُ": الحَسَنُ المُتْقَنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، ويُرادُ الأشْياءُ الَّتِي بِها قِوامُ الأُمُورِ والأغْذِيَةُ والنَباتاتُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الحَيَوانُ لِأنَّهُ عن إنْباتٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ .
قالَ الشَعْبِيُّ: الناسُ مِن نَباتِ الأرْضِ، فَمَن صارَ إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ بِضِدِّ ذَلِكَ فَهو لَئِيمٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ .
حُكْمٌ عَلى أكْثَرِهِمْ بِالكُفْرِ.
ثُمْ تَوَعَّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ ، يُرِيدُ: عَزَّ في نِقْمَتِهِ مِنَ الكُفّارِ ورَحِمْ مُؤْمِنِي كُلِّ أُمَّةٍ، وقالَ نَحْوَ هَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، وفي لَفْظَةِ "الرَحِيمُ" وعْدٌ.
<div class="verse-tafsir"
يأتي في تفسيره من التأويلات ما سبق ذِكره في جميع الحروف المقطعة في أوائل السور في معان متماثلة.
وأظهر تلك المعاني أن المقصود التعريض بإلهاب نفوس المنكرين لمعارضة بعض سور القرآن بالإتيان بمثله في بلاغته وفصاحته وتحدّيهم بذلك والتورك عليهم بعجزهم عن ذلك.
وعن ابن عباس: أن ﴿ طَسم ﴾ قَسَم، وهو اسم من أسماء الله تعالى، والمقسم عليه قوله: ﴿ إن نَشَأ نُنزّل عليهم من السماء آية ﴾ [الشعراء: 4].
فقال القرظي: أقسم الله بطوله وسَنائه ومُلكه.
وقيل الحروف مقتضبة من أسماء الله تعالى ذي الطَّول، القدوس، الملك.
وقد علمت في أول سورة البقرة أنها حروف للتهجّي واستقصاء في التحدّي يعجزهم عن معارضة القرآن، وعليه تظهر مناسبة تعقيبه بآية ﴿ تلك آيات الكتاب المبين ﴾ [الشعراء: 2].
والجمهور قرأوا: ﴿ طَسمِّ ﴾ كلمة واحدة، وأدغموا النون من سين في الميم وقرأ حمزة بإظهار النون.
وقرأ أبو جعفر حروفاً مفككة، قالوا وكذلك هي مرسومة في مصحف ابن مسعود حروفاً مفككة (ط س م).
والقول في عدم مَدّ اسم (طَا) مع أن أصله مهموز الآخر لأنه لما كان قد عرض له سكون السكت حذفت همزته كما تحذف للوقف، كما تقدم في عدم مدّ (رَا) في ﴿ الر ﴾ في سورة يونس (1).
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الشُّعَراءِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ إلى آخِرِها.
قَوْلُهُ ﴿ طسم ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ مِنَ الفَواتِحِ الَّتِي افْتَتَحَ اللَّهُ بِها كِتابَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: أنَّها حُرُوفُ هِجاءٍ مُقَطَّعَةٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ وصِفاتِهِ: أمّا الطّاءُ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّها مِنَ الطُّولِ.
الثّانِي: أنَّها مِنَ الطّاهِرِ.
وَأمّا السِّينُ فَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِنَ القُدُّوسِ.
الثّانِي: أنَّها مِنَ السَّمِيعِ.
الثّالِثُ: مِنَ السَّلامِ.
وَأمّا المِيمُ فَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِنَ المَجِيدِ.
الثّانِي: مِنَ الرَّحِيمِ.
الثّالِثُ: مِنَ المَلِكِ.
وَلِأصْحابِ الخَواطِرِ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الطّاءَ شَجَرَةُ طُوبى، والسِّينَ سِدْرَةُ المُنْتَهى، والمِيمَ مُحَمَّدٌ المُصْطَفى .
الثّانِي: أنَّ الطّاءَ طَرَبُ التّائِبِينَ، والسِّينَ سَتْرُ اللَّهِ عَلى المُذْنِبِينَ، والمِيمَ مَعْرِفَتُهُ بِالغاوِينَ، وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ ﴿ الم ﴾ مِن زِيادَةِ التَّأْوِيلاتِ ما يُجْزِئُ تَخْرِيجُهُ قَبْلَ هَذا المَوْضِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿ باخِعٌ نَفْسَكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قاتِلٌ نَفْسَكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والبَخْعُ القَتْلُ، قالَهُ ذُو الرُّمَّةِ: ألا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المَقادِرُ الثّانِي: مُحْرِجٌ نَفْسَكَ، قالَهُ عَطاءٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: ما عَظُمَ مِنَ الأُمُورِ القاهِرَةِ.
الثّانِي: ما ظَهَرَ مِنَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ.
﴿ فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَلْوِي أحَدٌ مِنهم عُنُقَهُ إلى مَعْصِيَةٍ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أصْحابَ الأعْناقِ فَحَذَفَهُ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنَّ الأعْناقَ الرُّؤَساءُ، ذَكَرَهُ ابْنُ شَجَرَةَ، وقالَهُ قُطْرُبٌ.
الرّابِعُ: أنَّ العُنُقَ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، مِن قَوْلِهِمْ: أتانِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ جَماعَةٌ، ورَأيْتُ النّاسَ عُنُقًا إلى فُلانٍ، ذَكَرَهُ النَّقّاشُ.
قَوْلُهُ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ أيْ نَوْعٍ مَعَهُ قَرِينَةٌ مِن أبْيَضَ وأحْمَرَ، وحُلْوٍ وحامِضٍ.
أحَدُها: حَسَنٌ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ النّافِعُ المَحْمُودُ كَما أنَّ الكَرِيمَ مِنَ النّاسِ هو النّافِعُ المَحْمُودُ.
الرّابِعُ: هُمُ النّاسُ نَباتُ الأرْضِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ ﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ فَمَن دَخَلَ الجَنَّةَ فَهو كَرِيمٌ، ومَن دَخَلَ النّارَ فَهو لَئِيمٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: اسم من أسماء القرآن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ طسم ﴾ قال: الطاء من ذي الطول، والسين من القدوس، والميم من الرحمن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ طسم ﴾ قال الوالبي عن ابن عباس: ﴿ طسم ﴾ قسم، وهو من أسماء الله عز وجل (١) وقال عكرمة عنه: عجزت العلماء عن علم تفسيرها (٢) وقال مجاهد: ﴿ طسم ﴾ اسم السورة (٣) وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن (٤) وقال محمد بن كعب: أقسم الله سبحانه بطوله وسنائه وملكه (٥) (٦) (٧) ووجه إخفائها: أن همزة الوصل قد وصلت، ولم تقطع مع هذه الحروف، وهمزة الوصل إنما تذهب في الدَّرْج، فكما سقطت همزة الوصل في ﴿ الم ﴾ وهي لا تسقط إلا مع الدَّرْج، كذلك لا تُبين النون ويقدر فيها الاتصال بما قبلها ولا يقدر فيها الانفصال (٨) (١) أخرجه ابن جرير 19/ 58، وابن أبي حاتم 8/ 2747، كلاهما من طريق علي بن أبي طلحة.
وذكره عنه الثعلبي 8/ 107 أ.
قال البغوي 6/ 105: روى علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس.
(٢) "تفسير الثعلبي" 8/ 107 أ.
و"تفسير السمرقندي" 2/ 469، ولم ينسبه.
(٣) "تفسير الثعلبي" 8/ 107 أ.
ولم أجده في "تفسير مجاهد".
(٤) أخرجه عبد الرزاق 2/ 73.
وعنه ابن جرير 19/ 58.
وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2747، من طريق آخر عنه وفيه زيادة: "اسم من أسماء القرآن، أقسم به ربك".
وبهذه الزيادة ذكره الثعلبي 8/ 107 أ، عن قتادة وأبي روق.
(٥) "تفسير الثعلبي" 8/ 107 أ.
و"تفسير البغوي" 6/ 105.
وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2747، عن محمد بن كعب: "الطاء من الطول، والسين من القدوس، والميم من الرحمن".
وفي "تنوير المقباس" ص 306: في قول: الطاء طوله وقدرته، والسين سناؤه، والميم ملكه.
ويقال: قسم أقسم به ..
وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2747، عن الحسن البصري، قال: "فواتح افتتح الله بها كتابه أو القرآن".
== وقد ذكر الماوردي 4/ 164، عن من لم يسمه من أهل الخواطر آراءً غريبة في بيان معاني هذه الأحرف.
ونحو ذلك ذكر الرازي 24/ 118.
وقد أطال في ذكرها البرسوي، في تفسيره 6/ 258.
قال أبو حيان 7/ 5: "وتكلموا على هذه الحروف بما يشبه اللغز، والأحاجي فتركت نقله إذ لا دليل على شيء مما قالوه".
وهذا موقف حسن؛ والأقرب أن هذه الحروف ابتدأ بها للدلالة على الإعجاز والتحدي، وأن هذا القرآن مكون من هذه الحروف التي تنطقونها وتتكلمون بها، فهي لا تدل على معنى في أصل وضعها.
راجع "تفسير ابن كثير" 1/ 156 - 162.
(٦) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: (طَسم) بفتح الطاء، وإدغام النون، ولم يظهر النون في (طسم) غير حمزة، من السبعة، وشاركه في ذلك أبو جعفر.
"السبعة في القراءات" 470، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 355، وابن خالويه، في "إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 130.
والأزهري، في معاني القراءات 2/ 223، ثم قال: "وإدغام النون في الميم حسن، لقرب مخرجيهما، ومن اختار التبيين حسن".
و"النشر في القراءات العشر" 2/ 19.
(٧) في (أ)، (ب): إخفاء هذا.
(٨) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 356، بنصه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ طسم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد.
وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وقرأ حمزة ويزيد مظهرة النون عند الميم ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ ويضيق ولا ينطلق ﴾ بالنصب فيهما: يعقوب.
﴿ أرجه ﴾ مثل ما في "الأعراف" ﴿ أين لنا ﴾ بالمد وبالياء.
يزيد وأبو عمرو وزيد وقالون.
وقرأ ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد بهمزة ثم ياء، وعن قنبل ﴿ إن لنا ﴾ على الخبر.
الباقون بهمزتين.
هشام يدخل بينهما مدة.
﴿ آمنتم ﴾ بالمد: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ آمنتم ﴾ على الخير: حفص غير الخزاز.
الأخرون ﴿ أأمنتم ﴾ بهمزتين.
﴿ بعبادي إنكم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر ﴿ حاذرون ﴾ بالألف: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.
الباقون بغير الألف ﴿ فاتبعوهم ﴾ بالتشديد: زيد عن يعقوب.
الباقون بقطع الهمزة وسكون التاء ﴿ تراءى الجمعان ﴾ بكسر الراء والهمزة في الوصل: حمزة ونصير وهبيرة في طريق الخزاز.
واختلفوا في الوقف؛ فعن الكسائي بكسر الراء والهمزة على وزن "تريعى" وفي رواية أخرى عنه "ترائى" اي ترائى، والمشهور عنه "ترأ" بكسر الراء وفتح الهمزة، وأما حمزة فإنه يقف "ترى" بترك الهمزة وكسر الراء ويمد ويشير إلى موضع الهمزة وهو المصدر.
وأما هبيرة فإنه يقف "تريا" بكسر الراء ويشير إلى فتح الهمزة.
الباقون يقفون "تراءى" على وزن "تراعى" ﴿ معي ربي ﴾ بفتح الياء: حفص.
الوقوف: ﴿ طسم ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ خاضعين ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للابدال أو البيان تسجيلاً عليهم بالظلم ﴿ فرعون ﴾ ط للعدول عن الأمر إلى الاستفهام ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يكذبون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ ويضيق ﴾ بالرفع على الاستئناف ﴿ هرون ﴾ ط ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ قال كلا ﴾ لا للعطف معنى لا لفظاً ﴿ مستمعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ بني إسرائيل ﴾ ط ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط لأن جواب الشرط محذوف اي إن كنتم موقنين فلا تكذبوني ﴿ موقنين ﴾ ه ﴿ تستمعون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المسجونين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ للناظرين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ بسحره ﴾ ق قد قيل: بناء على أن ما بعده قول الملأ لفرعون والجمع للتعظيم، والأصح أنه من تتمة قول فرعون.
﴿ تأمرون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه لا لأن ما يتلوه جواب.
﴿ عليم ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه لا للعطف ﴿ مجتمعون ﴾ لا لاتصال المعنى ﴿ الغالبين ﴾ ه ﴿ لمن المقربين ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ ما يأفكون ﴾ ه للآية وللدلالة على إسراعهم في السجود ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وهرون ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ه للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ السحر ﴾ ط للفاء ولام الابتداء ﴿ فلسوف تعلمون ﴾ ه لتقدير القسم ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ لا ضير ﴾ ط توقية لحق "إن" وإلا فالأصل هو الوصل لأن ما بعده هو القول في الحقيقة كما في "الأعراف" ﴿ منقلبون ﴾ ه ج للآية مع اتحاد المقول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ متبعون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه للآية مع أن التقدير بأن هؤلاء ﴿ قليلون ﴾ ه ﴿ لغائظون ﴾ ه ﴿ حاذرون ﴾ ه ط لابتداء الخبر من الله ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ كذلك ﴾ ط أي كما وعدنا بني إسرائيل إيراثها ثم أخبر عن وقوع الموعود لبني إسرائيل ﴿ مشرقين ﴾ ه ﴿ لمدركون ﴾ ه ووجه الوصل الإسراع في تداركهم عن خوف الإدراك ﴿ كلا ﴾ ج لاحتمال أن يكون للردع وأن يكون بمعنى حقاً ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ ط لأجل الفاء الفصيحة أي فضرب فانفلق ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه الآية ط ﴿ مأمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه.
التفسير: قال جار الله: معنى طسم إن آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين وقد مر مثله في أول "يوسف".
والبخع الإهلاك وقد مر في اول "الكهف".
عزاه وعرفه أن غمه وحزنه لا ينفع كما أن وجود الكتاب على بيانه ووضوحه لا ينفع.
ثم بين أنه قادر على تنزيل آية ملجئة إلى الإيمان ولكن المشيئة والحكمة تقتضيان بناء الأمر على صورة الاختبار.
قال صاحب الكشاف: وجه عطف ﴿ فظلت ﴾ على ﴿ ننزل ﴾ كما قيل في قوله ﴿ فَأَصَّدَّقَ وأكن ﴾ كأنه قيل: أنزلنا فظلت.
وأقول: الظاهر أن الفاء في ﴿ فظلت ﴾ لسببية بدليل عدم المستتر فيه كما في ﴿ ننزل ﴾ .
ووجه العدول إلى الماضي كما قيل في ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ وجه مجيء ﴿ خاضعين ﴾ خبراً عن الأعناق إذ الأعناق تكون مقحماً لبيان موضع الخضوع.
وأصل الكلام: فظلوا لها خاضعين أي حين وصفت الأعناق بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل ﴿ خاضعين ﴾ كقوله ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ﴾ وقيل: أعناقهم رؤساؤهم كما يقال لهم الرؤوس والصدور.
وقيل: اراد جماعاتهم.
يقال: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم.
عن ابن عباس: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية.
قال: ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزة.
ومعنى ﴿ ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ﴾ قد مر في سورة الأنبياء.
نبه بذلك على أنه مع اقتداره على أن يجعلهم ملجئين على الإيمان حكيم يأتيهم بالقرآن حالاً بعد حال رعاية لقاعدة التكليف.
ثم ذكر أنه لا يحدد لهم توجيه موعظة وتذكير إلا جددوا ما هو نقيض المقصود، وذلك النقيض هو الإعراض والتكذيب والاستهزاء وهذا ترتيب في غاية الحسن كأنه قيل حين أعرضوا عن الذكر: فقد كذبوا به وحين كذبوا به فقد خف عندهم قدره حتى صار عرضة للاستهزاء.
وهذه درجات من أخذ في الشقاء فإنه يعرض أوّلاً، ثم يصرح بالتكذيب ثانياً، ثم يبلغ في التكذيب والإنكار إلى حيث يستهزئ.
وفي قوله ﴿ فسيأتيهم ﴾ وعيد لهم بعذاب بدر أو يوم القيامة وقد مر مثله في أول "الأنعام".
ثم بين أنه مع حكمته في إنزال القرآن حالاً بعد حال رحيم يظهر من الدلائل الحسية ما يكفي للمتأمل في باب النظر والاستدلال.
والزوج الصنف والكريم نعت لكل ما يرضى ويحمد في بابه منه "وجه كريم" إذا رضي في حسنه وجماله، و"كتاب كريم" مرضي في مبانيه، و"نبات كريم" مرضي فيما يتعلق به من المنافع، فما من نبت إلا وفيه نفع وفائدة من جهة وإن كانت فيه مضرة من جهة أخرى.
ويحتمل أن يراد بالكريم النافع منه وتكون المضارّ مسلوبة عنه.
قال جار الله: معنى الجمع بين "كم" و"كل" دون أن يقول "كم أنبتنا فيها من زوج كريم" هو أن "كلا" قد دل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و"كم" دل على أن هذا محيط مفرط الكثرة.
قلت: فالحاصل أن خلق النوع يصدق بخلق فرد واحد منه كما يصدق بخلق أفراد كثيرة.
فقوله ﴿ كل زوج ﴾ إشارة إلى خلق كل نوع من أنواع النبات، وقوله ﴿ كم أنبتنا ﴾ إشارة إلى كثرة افراد كل نوع منه وفيه تنبيه على كمال القدرة ونهاية الجود والرحمة ولهذا ختم الكلام بقوله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإنبات أو في كل واحد من تلك الأزواج ﴿ الآية ﴾ على الإبداء والإعادة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن الله طبع على قلوبهم ﴿ وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ فمن عزته قدر على عقوبتهم ومن رحمته بين لهم الدلائل ليتفكروا ويعتبروا، والرحمة إذا صدرت عن القدرة كانت أعظم موقعاً، واعلم أنه كرر بعض الآيات في هذه السورة لأجل التأكيد و"التقرير"؛ فمن ذلك أنه كرر قوله ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ إلى قوله ﴿ الرحيم ﴾ في ثمانية مواضع: أولها في ذكر النبي ، والثانية في قصة موسى، ثم إبراهيم، ثم نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم شعيب.
ومن ذلك قوله ﴿ ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ وهو مذكور في خمسة مواضع: في قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.
ومن ذلك أنه كرر ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ في قصة نوح وهود وصالح وليس في ذكر النبي : ﴿ ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاَّ على رب العالمين ﴾ لذكرها في مواضع من غير هذه السورة.
وليس في قصة موسى لأنه رباه فرعون حيث قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ ولا في قصة إبراهيم لأن اباه في المخاطبين حيث يقول: ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ﴾ وهو قد ربَّاه فاستحيا موسى وإبراهيم أن يقولا ﴿ وما أسألكم عليه من أجر ﴾ وإن كانا منزهين من طلب الأجر.
ثم إنه أعاد في هذه السورة قصص الأنبياء المشهورين مع أممهم اعتباراً لهذه الأمة، وبدأ بقصة موسى لما فيها من غرائب الأحوال وعجائب الأمور.
والنداء المسموع عند الأشعري هو الكلام القديم الذي لا يشبه الحروف والأصوات، وعند المعتزلة وإليه ميل أبي منصور الماتريدي أنه من جنس الحروف والأصوات وأنه وقع على وجه علم به موسى أنه من قبل الله وقد عرفه أنه سيظهر عليه المعجزات إذا طولب بذلك.
قال جار الله: قوله ﴿ ألا يتقون ﴾ كلام مستأنف فيه تعجيب لموسى من حالهم الشنعاء في قلة خوفهم وكثرة ظلمهم، أو حال أدخلت عليه همزة الإنكار.
ثم إن موسى خاف أن يذكب عند أداء الرسالة فاستظهر بهارون.
وفي قراءة النصب خاف التكذيب المستتبع لضيق الصدر المستلزم لاحتباس اللسان عن الجريان في الكلام، ولعله اراد بهذه الحبسة عقدة في لسانه قبل إجابة دعوته أو بقية يروى أنها بقيت بعد الإجابة كما مر في "طه".
ومعنى ﴿ فأرسل إلى هارون ﴾ أرسل إليه جبريل واجعله نبياً يصدقني في أمري فاختصر الكلام اختصاراً.
ثم ذكر أن لهم عليه ذنباً فسمى جزاء الذنب ذنباً، أو المضاف محذوف اي تبعه ذنب وهو قود قتل القبطي كما سيجيء تفصيله في سورة القصص.
فيمكن أن يقتل قبل أداء الرسالة فلا يتمكن من المقصود، وهذا قد جوزه الكعبي وغيره من البغداديين.
وقال الأكثرون: الأقرب من حال الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله الرسالة أنه يمكنهم من أدائها فلا معنى للخوف من القتل قبل الأداء.
نعم لو خاف بعد الأداء جاز وذلك لما جبل عليه طبع الإنسان من التنفر عن القتل فيسأل الله الأمان من ذلك وقد جمع الله له بقوله ﴿ كلا ﴾ الكلاءة وبقوله ﴿ فاذهبا ﴾ استنباء أخيه كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون ﴿ ومعكم ومستمعون ﴾ خبران لأن أو الخبر ﴿ مستمعون ﴾ و ﴿ معكم ﴾ متعلق به.
ولا يخفى ما في المعية من المجاز لأن المصاحبة من صفات الأجسام، فالمراد معية النصرة والمعونة، وأما الاستماع فمجاز أيضاً وإن كان إطلاق السمع على الله حقيقة لأن الاستماع جار مجرى الإصغاء ولا بد فيه من الجارحة.
فحاصل الآية إنا لكما ولعدوّكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه.
وإنما وحد الرسول في قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ لأنه أراد كل واحد أو أراد الرسول بمعنى المصدر أي ذو رسالة رب العالمين.
يقال: أرسلتهم برسول اي برسالة أو جعلا لاتفاقهما واتحاد مطلبهما كرسول واحد.
وههنا إضمار دل عليه سياق الكلام أي فأتيا فرعون فقالا له ذلك.
يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن ههنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين.
فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه.
فأديا إليه الرسالة فعرف أنه موسى فعند ذلك قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ أي صبياً وذلك لقرب عهده من الولادة.
قيل: مكث فيهم ثلاثين سنة من أول عمره.
وقيل: وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة ففر منهم.
والفعلة الوكزة عدد عليه نعمه، ثم وبخه بقتل نفس منهم وسماه كافراً لنعمه بسبب ذلك.
وجوز جار الله أن يراد وأنت إذ ذاك ممن يكفر بالساعة فيكون قد افترى على موسى أو جهل أمره لأنه كان يعايشهم بالتقية.
وإنما قلنا إنه افتراء أو جهل لأن الكفر غير جائز على الأنبياء ولو قبل النبوة، ويجوز أن يراد أنه من الكافرين بفرعون وإلهيته أو بآلهة كانوا يعبدونها.
قال : ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ ثم إن موسى ما أنكر تربيته ولكن أنكر الكفر فلم ينسب نفسه إلا إلى الضلال وأراد به الذهاب عن الصواب، أو أراد النسيان أو الخطأ وعدم التدبر في أدبار الأمور.
ثم ذكر موهبة ربه في حقه حين فر من فرعون وملئه المؤتمرين بقتله.
والحكم العلم بالتوحيد وكمال العقل والرأي، ولا تدخل فيه النبوة ظاهراً لئلا يلزم شبه التكرار بقوله: ﴿ وجعلني من المرسلين ﴾ قال جار الله ﴿ وتلك ﴾ إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدري ما هي إلا بعد أن فسرت بقوله ﴿ أن عبدت ﴾ نظيره قوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع ﴾ والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها عليّ كأنه أبى أن يسمي نعمته إلا نقمة لأن تعبيدهم أي تذليلهم واتخاذهم عبيداً وقصدهم.
بذبح أبنائهم صار هو السبب في حصوله عنده وفي تربيته فلهذا قال الزجاج: "أن" مع ما بعده في موضع نصب أي إنما صارت نعمة عليّ لأن عبدت بني إسرائيل إذ لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم ومن هنا قال جار الله: إن قول موسى ﴿ فعلتها إذن ﴾ جواب لقول فرعون ﴿ وفعلت فعلتك ﴾ وجزاء له كأن فرعون قال: جازيت نعمتي بما فعلت.
فقال موسى: فعلتها مجازياً لك وإن نعمتك جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء.
وقال الحسن: أراد أنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت عليّ فلا نعمة لك بالتربية على أن التربية كانت من قبل أمي وعشيرتي ولم يكن منك إلا أنك لم تقتلني.
وقيل: اراد أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في الإطعام والكسوة.
واعلم أن للعلماء خلافاً في نعمة الكافر فقيل: إنها لا تستحق الشكر لأن الكافر يستحق الإهانة بكفره فلو استحق الشكر لإنعامه لزم الجمع بين الإهانة والتعظيم في حق شخص واحد في وقت واحد.
وقيل: لا يبطل بالكفر إلا الثواب والمدح الذي يستحقه على الإيمان، وفي الآية نوع دلالة على كل من القولين.
ثم إن موسى حين أدى رسالته من قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ ﴿ قال فرعون وما رب العالمين ﴾ وقد سبق مراراً أن كفره احتمل أن يكون كفر عناد وأ، يكون كفر جهالة، والذي يختص بالمقام هو أن ما يطلب به حقيقة الشيء وماهيته، وهذا هو الذي قصده فرعون بسؤاله ولم يعرف أن الماهية لا تطلق على ذاته تعالى إذ لا أجزاء لها حدية ولا تقديريه ولا بأي وجه فرض ضرورة انتهاء الكل إليه واستغنائه عن الكل من كل الوجوه، فلا يصح أن يسأل عنه بما هو ولا بكيف هو ولا بأي شيء هو ولا بهل هو، غاية ذلك أن ينبه على وجوده الذي هو أظهر الأشياء بلوازمه وآثاره على وجه يعم الكل كما يقال: إنه رب السموات والأرض وما بينهما، أو بأخص من ذلك بأن يقال مثلاً: ﴿ ربكم ورب آبائكم الأولين ﴾ وهو الاستدلال بالأنفس أو يقال ﴿ رب المشرق والمغرب وما بينهما ﴾ من الجهات المفروضة على السماء من لدن طلوع الكواكب إلى غروبها وبالعكس وهو الاستدلال بالآفاق.
وقد راعى في الجواب الأول طريقة اللطف فختم بقوله ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ أي إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وجلائه.
وخاشنهم في الأخير بقوله ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله: ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله ﴿ إن رسولكم ﴾ ويمكن أن يراد بقوله ﴿ وما بينهما ﴾ ثانياً ما بين المشرق والمغرب من المخلوقات فيكون الفرق بين هذا الاستدلال وبين الأول أن الأول هو الاستدلال بالإمكان على طريقة الحكيم، والثاني هو الاستدلال بالحدوث على طريقة المتكلمين، والأول أقرب إلى اليقين فلهذا قال ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ والثاني أقرب إلى الحس فلهذا قال ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ ولما انجر الكلام إلى حد العناد والمخاشنة هدده فرعون بقوله: ﴿ لئن اتخذت إلهاً غيري لاجعلنك من المسجونين ﴾ وهذا أبلغ من أن لو قال: "لأسجننك" والمعنى لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه يطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع، وحينئذ عدل موسى إلى الحجة الأصلية في الباب وهو ادعاء المعجز المنبئ عن صدقه فقال ﴿ أولو جئتك ﴾ أي أتفعل فيَّ ذلك ولو جئتك بشيء أي جائياً بالمعجزة.
وفي قوله ﴿ إن كنت من الصادقين ﴾ إن سلم أنه قاله جداً لا هزلاً وجدالاً دلالة على ما ركز في العقول من أن دعوى الرسالة إن اقترنت بظهور المعجزة على يده تحقق صدقها.
وقد شنع في الكشاف ههنا أن في أهل القبلة من خفي عليهم ما لم يخف على فرعون حتى جوزوا القبيح عليه ولزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات.
وفي التخطئة سهو من وجهين: أحدهما: أنه لا قبيح عند الأشاعرة عقلاً.
والثاني أنه على تقدير التسليم لا يلزم تجويز كل قبيح وهذا من ذلك للزوم الاشتباه.
وباقي القصة سبق نظيرها في "الأعراف" فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالسورة.
قوله ﴿ قال للملأ حوله ﴾ قال في الكشاف: الظرف في محل النصب على الحال.
وأقول: الأصوب أن يجعل نعتاً للملأ أي الأشراف حوله على طريقة قوله: ولقد أمرّ على اللئيم يسبني *** قوله ﴿ لمقيات يوم معلوم ﴾ اليوم يوم الزينة وميقاته وقت الضحى كما مر في "طه".
قوله ﴿ هل أنتم مجتمعون ﴾ استبطاء لهم في الاجتماع وحث عليه كقول الرجل لغلامه: هل أنت منطلق إذا أراد أن يحثه على الانطلاق.
قوله ﴿ لعلنا نتبع السحرة ﴾ لم يكن غرضهم اتباع السحرة في دينهم وإنما غرضهم الأصلي أن لا تتبعوا موسى، فساقوا الكلام مساق المجاز لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى.
قوله ﴿ بعزة فرعون ﴾ هي من أيمان الجاهلية ولا يصح الحلف في الإسلام إلا بالله وبصفاته كما مر في "البقرة" و"المائدة".
وقوله ﴿ فألقى السحرة ﴾ لم يسم فاعله وهو الله في الحقيقة حين ألقى داعية الإيمان في قلوبهم ويجوز أن ينسب إلى ما عاينوا من المعجزات الباهرة ولك أن لا تقدر فاعلاً أي خروا.
قوله ﴿ لا ضير ﴾ أي لا ضير علينا فيما يتوعدنا به من القتل.
قوله ﴿ إنا نطمع ﴾ الطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين كقوله إبراهيم ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي ﴾ ويحتمل الظن بناء على أن المرء لا يعلم ما يختاره أو يؤل إليه عند الوفاة.
ومعنى ﴿ أن كنا ﴾ لأن كنا وكانوا أوّل طائفة مؤمنين من أهل زمانهم أو من قوم فرعون أو من أهل المشهد.
قوله: ﴿ إِنكم متبعون ﴾ تعليل للإسراء أي بنيت تدبير أمركم على أن تتقدموا لو يتبعكم فرعون وجنوده إلى أن يغشاهم من اليم ما يغشاهم.
قوله: ﴿ لشرذمة ﴾ هي الطائفة القليلة.
ثم وصفهم بالقلة واختار جمع السلامة ليدل على أن كل حزب منهم في غاية القلة، وذلك بالنسبة إلى عسكره وإلا فهم كثير في أنفسهم.
يروى أن فرعون أرسل في اثرهم الف ألف وخمسمائة الف ملك مسور مع كل ملك الف وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت على مقدّمته سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة، وكان قوم موسى إذ ذاك ستمائة ألف وسبعين ألفاً.
ويجوز أن يريد بالقلة الذلة والحقارة لا قلة العدد.
قوله: ﴿ وإنهم لنا لغائطون ﴾ معناه أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم ولكنهم يفعلون أفعالاً لغيظنا كأخذ الحلي وادّعاء الاستقلال والاستخلاص عن ذل الاستخدام ونحن قوم مجموعون كلمة وائتلافاً، ومن عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور.
فالحذر المتيقظ وهو يفيد الثبات والحاذر الذي يجدد حذره.
وقيل: هو تام السلاح لأنه فعل ذلك حذراً واحتياطاً لنفسه، وكل هذه المعاذير لأجل أن لا يظن به العجز وخلاف ما ادّعاه من القهر والتسلط.
وقرئ ﴿ حادرون ﴾ بالدال غير المعجمة، والحادر السمين القوي أراد أنهم أقوياء أشدّاء.
﴿ فأخرجناهم من جنات ﴾ أي بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة.
قال مجاهد: سماها كنوزاً لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله .
والمقام الكريم المنازل الحسنة والمجالس البهية.
وقال الضحاك: المنابر.
وقيل: السرر في الحجال.
﴿ كذلك ﴾ يحتمل النصب أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا، والجر على الوصف أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، ولارفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، وعلى هذا فيوقف على ﴿ كريم ﴾ .
﴿ فأتبعوهم ﴾ اي فلحقوهم.
ومن قرأ بالتشديد فظاهر.
والإشراق الدخول في وقت الشروق ﴿ فلما تراءى الجمعان ﴾ أي رأى قوم موسى قوم فرعون وحصل كل من الفريقين بمرأى للآخر ﴿ قال أصحاب موسى ﴾ خوفاً وفزعاً ﴿ إنا لمدركون ﴾ لملحقون.
قال موسى تثبيتاً لهم وردعاً عماهم عليه من الجزع والفزع ﴿ كلا إن معي ربي ﴾ بالنصرة والمعونة ﴿ سيهدين ﴾ سبيل النجاة والخلاص كما وعدني.
ثم بين أنه كيف هداه بقوله ﴿ فأوحينا ﴾ الآية.
ومعنى ﴿ فانفلق ﴾ فضرب فانفلق ﴿ فكان كل فرق ﴾ اي كل جزء متفرق منفلق منه ﴿ كالطود ﴾ وهو الجبل العظيم ومع ذلك وصفه بالعظيم ﴿ وأزلفنا ثم ﴾ أي قربنا حيث انفلق البحر ﴿ الآخرين ﴾ وهم قوم فرعون والمقرب منه بنو إسرائيل أو قوم فرعون أيضاً أي أدنينا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد، ويجوز أن يراد قدمانهم إلى البحر.
وقرئ ﴿ وأزلقنا ﴾ بالقاف أي أزللنا أقدامهم حساً بأن لم يكن لهم البحر يبساً كما كان لبني إسرائيل، أو عقلاً أي أذهبنا عزهم.
والبحر بحر القلزم أو بحر من وراء مصر يقال له أساف.
قالت الأشاعرة: إنه أضاف الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم في طلب موسى كفر.
أجاب الجبائي بأن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله ، فلما كان مسيرهم بتدبير الله وهؤلاء تبعوهم اضافه إلى نفسه توسعاً، وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول: أتعبني الغلام لما حدث ذلك عند فعله.
أو المراد أزلفناهم إلى الموت والأجل.
وقال الكعبي: أراد أنه جمع تفرقهم كيلا يصلوا إلى موسى وقومه، أو اراد أنه حلم عنهم وترك لهم لابحر يابساً حتى طمعوا في دخوله.
واعترض بأن كل ذلك لا بد أن يكون له أثر في استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم فيعود المحذور.
﴿ إن في ذلك ﴾ الذي حدث في البحر من إنجاء البعض وإغراق البعض أو في ذلك أي ذكر من القصة بطولها ﴿ لآية ﴾ عجيبة للمتدبر المتفكر في الأمور الإلهية ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ حين سألوا بعد النجاة أن يجعل لهم موسى إلهاً غير الله، واتخذوا العجل، واقترحوا اقتراحات خارجة عن قانون الأدب.
ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الأمة بدليل ﴿ واتل عليهم ﴾ وفيه تسلية لرسول الله فقد كان يغتم بتكذيب قومه بعد ظهور المعجزات ونزول الآيات.
التأويل: الطاء طوله في كمال عظمته، والسين سلامته عن كل عيب ونقص، والميم مجده الذي لا نهاية له.
أو الطاء طهارة قلب نبيه عن تعلقات الكونين، والسين سيادته على الأنبياء والمرسلين، واليمم مشاهدته جمال رب العالمين.
أو الطاء طيران الطائرين بالله، والسين سير السائرين إلى الله، والميم مشي الماشين لله الذين يمشون على الأرض هوناً.
﴿ إن نشأ ننزل ﴾ من سماء قلوبهم ﴿ آية ﴾ من واردات الحق ﴿ فظلت ﴾ أعناق نفوسهم ﴿ لها خاضعين ﴾ ﴿ فسيأتيهم ﴾ بعد مفارقة الأرواح الأجساد ﴿ أنباء ما كانوا به يستهزؤن ﴾ لظهور نتائج معاملاتهم الخبيثة على أرواحهم ﴿ أو لم يروا إلى ﴾ أرض قلوب العارفين ﴿ كما أنبتنا فيها ﴾ من اشجار أصناف الإيمان والتوكل واليقين والإخلاص وسائر الأخلاق الكريمة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن جناب الحق لعزته يجل عن أن يكون شرعة لكل وارد ﴿ وإن ربك لهو العزيز ﴾ الذي لا يوجد بالسعي ﴿ الرحيم ﴾ حين أدرك أولياءه بجذبات العناية كما أدرك موسى حين ناداه من الشجرة، وذلك لأنه جعله مظهر لطفه كما أ نه جعل فرعون مظهر قهره فصار من العتوّ والاستكبار في غاية الكمال.
ويعلم منه أن الإنسان له استعداد في مظهرية صفة القهر ليس لإبليس فلذلك عاند إبليس آدم وقال أنا خير منه وعاند فرعون الرب وقال أنا ربكم الأعلى.
وأن له استعداداً في مظهرية صفة اللطف ليس للملك ولهذا صار الإنسان مسجوداً للملائكة.
﴿ أن أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيه أن موسى القلب مرسل إلى فرعون النفس لئلا تستعيد الصفات الروحانية فإن لفرعون النفس في البداية استيلاء على موسى القلب والصفات الروحانية فاستعملهم في قضاء حوائجه وتحصيل مقاصده فعرفه فرعون النفس وقال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ فإن موسى القلب كان في حجر فرعون النفس إلى أن بلغ أوان الحلم وهي خمس عشرة سنة، فقتل قبطي الشهوة حين كفر بإله الهوى وكان قبل القتل ضالاً عن حضرة الربوبية ﴿ ففرت منكم ﴾ غلى الله لما خفت أن تقطعوا عليّ الطريق إلى الله.
رب سموات القلوب وأرض البشرية وما بينهما من المنازل ﴿ قال لمن حوله ﴾ من صفات النفس ﴿ الا تستمعون ﴾ ﴿ قال موسى ﴾ القلب لتعارفه بربه ﴿ ربكم ورب آبائكم الأوّلين ﴾ يعني الآباء العلوية الرحانية.
وفي قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ إشارة إلى كمال ضدية القلب والنفس فما يصدر عن القلب تعده النفس من الجنون وبالعكس.
﴿ رب ﴾ مشرق الروح من أفق البدن ﴿ ورب ﴾ مغربه فيه ﴿ وما بينهما ﴾ من مدة التعلق وقد مر نظيره في محاجة إبراهيم في "البقرة" ﴿ لأجعلنك من المسجونين ﴾ في سجن حب الدنيا فإن القلب إذا توجه إلى الله فلا استيلاء للنفس عليه إلا بشبكة حب النجاة والرياسة فإنها آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين.
فقال موسى القلب: لا تقدر على أن تسجنني فإن معي عصا الذكر واليد المنزعة عما سوى الله.
وباقي التأويل قد سبق قوله: ﴿ فأخرجناهم ﴾ أي ﴿ من جنات ﴾ صفات الأوصاف الروحانية ﴿ وعيون ﴾ الحكمة ﴿ وكنوز ﴾ المعارف ﴿ ومقام كريم ﴾ في حضرة أكرم الأكرمين ﴿ وأورثاها بني إسرائيل ﴾ فيه أن النفس إذا فنيت ورث القلب منها صفاتها وبقوتها تصير إلى مقامات لم يمكنه الوصول إليها بقوة صفاته، ولو مات القلب ورثت النفس منه صفاته وبقوتها تتنزل إلى دركات لم يمكنها الوصول إليها بمجرد صفاتها ﴿ فأتبعوهم ﴾ أي لحق أوصاف النفس أوصاف القلب عند إشراق شمس الروح ﴿ فكان كل فرق ﴾ فيه أن كل صفة من أوصاف الروح كجبل عظيم في العبور عنه.
﴿ وأزلفنا ثم الآخرين ﴾ أي قربنا صفات النفس بتبعية صفات القلب إلى بحر الروح.
﴿ وأنجينا موسى ومن معه ﴾ من الأوصاف في بحر الروح بالوصول إلى الحضرة ﴿ ثم أغرقنا ﴾ أوصاف النفس في بحر الروحانية فإن الوصول إلى الحضرة من خواص القلب وغاية سير النفس هو الاستغراق في بحر الروحانية ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ لأرباب العرفان ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ بهذه المنازل فإنه لا يصير إليها إلا الشاذ من المجذوبين بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ جعلنا الله من المستعدين لها والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ طسۤمۤ ﴾ قد ذكرنا تأويل الحروف المعجمة فيما تقدم؛ وكذلك قوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ ﴾ قد ذكرنا تأويله، أيضاً.
وقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ : كان يشتد على رسول الله تركهم الإيمان وتكذيبهم إياه؛ إشفاقاً وخوفاً عليهم، وتعظيماً لله وإجلالا لحقه، حتى كادت نفسه تهلك حزناً على ذلك؛ وكقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً ﴾ ، والأسف: هو النهاية في الحزن؛ كقول يعقوب: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ﴾ .
وقال بعضهم: الأسف: هو النهاية في الغضب؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ قيل: أغضبونا، وقد ذكرنا في سورة يوسف على ما ذكر الله ورسوله ووصفه كان مطبوباً بحزن وتأسف لمكان كفرهم وتكذيبهم؛ كقوله: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ...
﴾ الآية [التوبة: 128]، يحزن عليهم إشفاقاً عليهم، ويغضب عليهم لله تعظيماً له وإجلالا لأمره لما ضيعوا أمره ونهيه، وهكذا الواجب على كل من رأى آخر في فاحشة أو كبيرة أن يحزن ويترحم عليه ويغضب لله لما ارتكب من الفاحشة.
وقوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ : قالت المعتزلة: قوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً ﴾ مشيئة قسر وقهر حتى يضطروا لها فيؤمنوا.
لكن عندنا مشيئة الإيمان والاختيار، أي: إن شاء إيمانهم ينزل عليهم آية فيؤمنوا؛ لأن الآية لا تضطر أحداً ولا تقهر على الإيمان، دليله قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ الآية [الأنعام: 111]، أخبر أنهم لا يؤمنون وإن فعل ما ذكر، ولا يضطرهم ذلك على الإيمان؛ وكذلك ما أخبر عنهم في الآخرة، قال: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ...
﴾ الآية [المجادلة: 18].
وقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ...
﴾ الآية [الأنعام: 23]، أخبر عن خلفهم وإنكارهم في الآخرة: أنهم لم يكونوا على ما كانوا، ولا تكون آية أعظم مما عاينوا من أنواع العذاب، ثم لم يمنعهم ذلك عن التكذيب، ولا اضطرهم على الإقرار والتصديق؛ دل أن الآية وإن كانت عظيمة لا تضطر أهلها على الإيمان والتصديق، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم ما يغنينا عن ذكرها في هذا الموضع.
وقوله: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ أي: مالت وخضعت لها أعناقهم، والأعناق كأنها كناية عن أنفسهم.
وعن ابن عباس قال: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ قال: سيكون لنا دولة على بني أمية، فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة وهوانا بعد عزة، فقد كان ذلك.
وقال بعضهم: الأعناق: السادة والقادة، والواحد عنق، أي: إذا أسلم القادة أسلم الأتباع اتباعاً لهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ ﴾ : قال بعضهم: يقول: كلما نزل شيء بعد شيء من الموعظة والذكر فهو محدث من الأزل.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ ﴾ مما به فيه ذكرهم في الآخرين وشرفهم في الخلق إلا كانوا عنه معرضين؛ لأنهم لو آمنوا لذكروا في الناس، وبقي لهم ذكر وشرف كذكر الأنبياء والرسل فيهم إلى آخر الدهر.
وقوله: ﴿ مُحْدَثٍ ﴾ هو محدث على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما.
قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ ﴾ كما تقول: ظللت اليوم، قالا: والأعناق: السادة والواحد منه: عنق.
وقوله: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُواْ...
﴾ الآية: هي ظاهرة؛ قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.
وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: قد رأوا ما أنبتنا وأخرجنا منها.
والثاني: على الأمر، أي: رأوا ما أنبتنا في الأرض، وأخرجنا منها.
﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ : قال الحسن: الكريم: الحسن البهيج.
وقوله: ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ أي: جنس حسن.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ لآيَةً ﴾ لوحدانية الله وألوهيته، وآية لسلطانه وقدرته، وآية لعلمه وتدبيره؛ لأن من قدر على إحياء النبات والأرض بعد ما يبس وجف لقادر على إحياء الموتى وبعثهم.
ودل إخراج النبات من الأرض في كل عام على حد واحد، وعلى قدر وميزان واحد، على أنه إنما خرج ذلك عن تدبير وعلم ذاتي وقدرة ذاتية، ليست بمستفادة؛ فدل ذلك كله أنه فعل واحد قادر مدبّر عالم، لا يعجزه شيء أو لا يخفى عليه شيء، والله الموفق.
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ : يحتمل قوله: وما كان أكثر الذين بعث إليهم محمد مؤمنين، وهم الذين كانوا وقت مبعثه.
وجائز أن يكون: وما أكثر ما يكونوا مؤمنين.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ : جائز أن يقال: العزيز: المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه.
ويحتمل: العزيز على الخلائق كلهم، وهم أذلاء دونه، به يعز من عز.
<div class="verse-tafsir"
﴿ طسم ﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
<div class="verse-tafsir" id="91.88QPo"