الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ١٨ من سورة الشعراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 79 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين .
[ وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ] ) [ أي : أما أنت الذي ربيناه فينا ] ، وفي بيتنا وعلى فراشنا [ وغذيناه ] ، وأنعمنا عليه مدة من السنين ، ثم بعد هذا قابلت ذلك الإحسان بتلك الفعلة ، أن قتلت منا رجلا وجحدت نعمتنا عليك; ولهذا قال :
وفي هذا الكلام محذوف استغني بدلالة ما ظهر عليه منه, وهو: فأتيا فرعون فأبلغاه رسالة ربهما إليه, فقال فرعون: ألم نربك فينا يا موسى وليدا, ولبثت فينا من عمرك سنين؟
وذلك مكثه عنده قبل قتل القتيل الذي قتله من القبط.
قال ألم نربك فينا وليدا على جهة المن عليه والاحتقار .
أي ربيناك صغيرا ولم نقتلك في جملة من قتلنا ولبثت فينا من عمرك سنين فمتى كان هذا الذي تدعيه .
ثم قرره بقتل القبطي
فلما جاءا فرعون وقالا له ما قال الله لهما لم يؤمن فرعون ولم يلن وجعل يعارض موسى فـ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا أي ألم ننعم عليك ونقم بتربيتك منذ كنت وليدا في مهدك ولم تزل كذلك.
وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ
( قال ألم نربك فينا وليدا ) صبيا ( ولبثت فينا من عمرك سنين ) وهو ثلاثون سنة .
«قال» فرعون لموسى «ألم نربِّك فينا» في منازلنا «وليدا» صغيرا قريبا من الولادة بعد فطامه «ولبثت فينا من عمرك سنين» ثلاثين سنة يلبس من ملابس فرعون ويركب من مراكبه وكان يسمى ابنه.
قال فرعون لموسى ممتنًا عليه: ألم نُرَبِّك في منازلنا صغيرًا، ومكثت في رعايتنا سنين من عُمُرك وارتكبت جنايةً بقتلك رجلا من قومي حين ضربته ودفعته، وأنت من الجاحدين نعمتي المنكرين ربوبيتي؟
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما دار بين موسى وفرعون من محاورات فقال - تعالى - : ( قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ .
.
.
) .أى : قال فرعون لموسى بعد أن عرفه ، وبعد أن طلب منه موسى أن يرسل معه بنو إسرائيل .
قال له يا موسى ( أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً ) أى : ألم يسبق لك أنك عشت فى منزلنا ، ورعيناك وأنت طفل صغير عندما قالت امرأتى ( لاَ تَقْتُلُوهُ عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً .
.
) ( وَلَبِثْتَ فِينَا ) أى : فى كنفنا وتحت سقف بينا ( مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ) عددا .
اعلم أن في الكلام حذفاً وهو أنهما أتياه وقالا ما أمر الله به فعند ذلك قال فرعون ما قال، يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن هاهنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال ائذن له لعلنا نضحك منه، فأديا إليه الرسالة فعرف موسى عليه السلام فعدد عليه نعمه أولاً، ثم إساءة موسى إليه ثانياً، أما النعم فهي قوله: ﴿ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً ﴾ والوليد: الصبي لقرب عهده من الولادة ﴿ وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ ﴾ وعن أبي عمرو بسكون الميم ﴿ سِنِينَ ﴾ قيل لبث عندهم ثلاثين سنة وقيل وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة وفر منهم (على أثرها)، والله أعلم بصحيح ذلك، وعن الشعبي ﴿ فَعْلَتَكَ ﴾ بالكسر وهي قتله القبطي لأنه قتله بالوكز وهو ضرب من القتل، وأما الفعلة فلأنها (كانت) وكزة واحدة عدد عليه نعمه من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال ووبخه بما جرى على يده من قتل خبازه وعظم ذلك (وفظعه) بقوله: ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التى فَعَلْتَ ﴾ .
وأما قوله: ﴿ وَأَنتَ مِنَ الكافرين ﴾ ففيه وجوه: أحدها: يجوز أن يكون حالاً أي قتلته وأنت بذاك من الكافرين بنعمتي.
وثانيها: وأنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة وقد افترى عليه أو جهل أمره لأنه كان (يعاشرهم) بالتقية فإن الكفر غير جائز على الأنبياء قبل النبوة.
وثالثها: ﴿ وَأَنتَ مِنَ الكافرين ﴾ معناه وأنت ممن عادته كفران النعم ومن كان هذا حاله لم يستبعد منه قتل خواص ولي نعمته.
ورابعها: ﴿ وَأَنتَ مِنَ الكافرين ﴾ بفرعون وإلهيته أو من الذين (كانوا) يكفرون في دينهم فقد كانت لهم آلهة يعبدونها، يشهد بذلك قوله تعالى: ﴿ وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
جمع الله له الاستجابتين معاً في قوله: ﴿ كَلاَّ فاذهبا ﴾ لأنه استدفعه بلاءهم فوعده الدفع بردعه عن الخوف، والتمس منه الموازرة بأخيه فأجابه بقوله: ﴿ فاذهبا ﴾ أي اذهب أنت والذي طلبته وهو هارون.
فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ فاذهبا ﴾ ؟
قلت: على الفعل الذي يدل عليه ﴿ كَلاَّ ﴾ كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظنّ، فاذهب أنت وهارون.
وقوله: ﴿ مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ ﴾ من مجاز الكلام، يريد: أنا لكما ولعدوّكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه.
فأظهركما وأُغلبكما وأكسر شوكته عنكما وأنكسه.
ويجوز أن يكونا خبرين لأنّ، أو يكون ﴿ مُّسْتَمِعُونَ ﴾ مستقراً، و ﴿ مَّعَكُمْ ﴾ لغواً.
فإن قلت: لم جعلت ﴿ مُّسْتَمِعُونَ ﴾ قرينة ﴿ مَّعَكُمْ ﴾ في كونه من باب المجاز، والله تعالى يوصف على الحقيقة بأنه سميع وسامع؟
قلت: ولكن لا يوصف بالمستمع على الحقيقة؛ لأنّ الاستماع جار مجرى الإصغاء، والاستماع من السمع بمنزلة النظر من الرؤية.
ومنه قوله تعالى: ﴿ قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مّنَ الجن فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءانَاً عَجَباً ﴾ [الجن: 1] ويقال: استمع إلى حديثه وسمع حديثه، أي: أصغى إليه وأدركه بحاسة السمع.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «منِ استمعَ إلى حديثِ قومٍ وهم لَه كَارهونَ صُبَّ في أذنيه البرمُ» فإن قلت: هلا ثنى الرسول كما ثنى في قوله: ﴿ إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ ﴾ [طه: 47] ؟
قلت: الرسول يكون بمعنى المرسل، وبمعنى الرسالة، فجعل ثم بمعنى المرسل فلم يكن بدّ من تثنيته، وجعل هاهنا بمعنى الرسالة فجاز التسوية فيه- إذا وصف به- بين الواحد والتثنية والجمع، كما يفعل بالصفة بالمصادر، نحو: صوم، وزور.
قال: أَلِكْنِي إِلَيْهَا وَخَبْرٌ الرَّسُو ** لِ أَعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الْخَبَرْ فجعله للجماعة.
والشاهد في الرسول بمعنى الرسالة قوله: لَقَدْ كَذَبَ الوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُم ** بِسِرٍّ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ ويجوز أن يوحد، لأنّ حكمهما لتساندهما، واتفاقهما على شريعة واحدة، واتحادهما لذلك وللإخوة كان حكماً واحداً، فكأنهما رسول واحد.
أو أريد أنّ كل واحد منا ﴿ أَنْ أَرْسِلْ ﴾ بمعنى: أي أرسل؛ لتضمن الرسول معنى الإرسال.
وتقول: أرسلت إليك أن أفعل كذا، لما في الإرسال من معنى القول، كما في المناداة والكتابة ونحو ذلك.
ومعنى هذا الإرسال: التخلية والإطلاق كقولك: أرسل البازي، يريد: خلهم يذهبوا معنا إلى فلسطين، وكانت مسكنهما.
ويروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إنّ هاهنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه، فأدّيا إليه الرسالة، فعرف موسى فقال له: ﴿ أَلَمْ نُرَبّكَ ﴾ حذف: فأتيا فرعون فقالا له ذلك، لأنه معلوم لا يشتبه.
وهذا النوع من الاختصار كثير في التنزيل.
الوليد: الصبي لقرب عهده من الولادة.
﴿ ولبثت فينا من عمرك ﴾ وفي رواية عن أبي عمرو: من عمرك، بسكون الميم ﴿ سِنِينَ ﴾ قيل: مكث عندهم ثلاثين سنة.
وقيل: وكز القطبي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفرّ منهم على أثرها، والله أعلم بصحيح ذلك.
وعن الشعبي: فعلتك بالكسر، وهي قتلة القبطي، لأنه قتله بالوكزة وهو ضرب من القتل.
وأما الفعلة؛ فلأنها كانت وكزة واحدة.
عدد عليه نعمته من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال، ووبخه بما جرى على يده من قتل خبازه، وعظم ذلك وفظعه بقوله: ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الكافرين ﴾ يجوز أن يكون حالاً، أي: قتلته وأنت لذاك من الكافرين بنعمتي.
أو أنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة، وقد افترى عليه أو جهل أمره؛ لأنه كان يعايشهم بالتقية، فإنّ الله تعالى عاصم من يريد أن يستنبئه من كل كبيرة ومن بعض الصغائر، فما بال الكفر.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وَأَنتَ مِنَ الكافرين ﴾ حكماً عليه بأنه من الكافرين بالنعم، ومن كانت عادته كفران النعم لم يكن قتل خواص المنعم عليه بدعا منه.
أو بأنه من الكافرين لفرعون وإلهيته.
أو من الذين كانوا يكفرون في دينهم، فقد كانت لهم آلهة يعبدونهم، يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿ وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ ﴾ [الأعراف: 127] وقرئ: ﴿ إلهتك ﴾ ، فأجابه موسى بأن تلك الفعلة إنما فرطت منه وهو ﴿ مِنَ الضالين ﴾ أي الجاهلين.
وقراءة ابن مسعود: ﴿ من الجاهلين ﴾ ، مفسرة.
والمعنى: من الفاعلين فعل أولى الجهل والسفه.
كما قال يوسف لإخوته: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جاهلون ﴾ [يوسف: 89] أو المخطئين كمن يقتل خطأ من غير تعمد للقتل.
أو الذاهبين عن الصواب.
أو الناسين، من قوله: ﴿ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الاخرى ﴾ [البقرة: 282] وكذب فرعون ودفع الوصف بالكفر عن نفسه، وبرّأ ساحته، بأن وضع الضالين موضع الكافرين رَبئاً بمحل من رشح للنبوّة عن تلك الصفة، ثم كرّ على امتنانه عليه بالتربية، فأبطله من أصله واستأصله من سنخه، وأبى أن يسمى نعمته إلا نقمة.
حيث بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بني إسرائيل؛ لأنّ تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته، فكأنه امتن عليه بتعبيد قومه إذا حققت، وتعبيدهم: تذليلهم واتخاذهم عبيداً.
يقال: عبدت الرجل وأعبدته، إذا اتخذته عبداً.
قال: عَلاَمَ يُعْبُدُنِي قَوْمِي وَقَدْ كَثُرَتْ ** فِيهِمْ أَبَاعِرُ مَا شَاءُوا وَعُبْدَانُ فإن قلت: (إذاً) جواب وجزاء معاً، والكلام وقع جواباً لفرعون، فكيف وقع جزاء؟
قلت: قول فرعون: ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ﴾ فيه معنى: إنك جازيت نعمتي بما فعلت، فقال له موسى: نعم فعلتها مجازياً لك، تسليماً لقوله، لأنّ نعمته كانت عنده جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء.
فإن قلت: لم جمع الضمير في منكم وخفتكم؟
مع إفراده في تمنها وعبدت؟
قلت: الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله، بدليل قوله: <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ ﴾ أيْ فِرْعَوْنُ لِمُوسى بَعْدَ ما أتَياهُ فَقالا لَهُ ذَلِكَ.
﴿ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ﴾ في مَنازِلِنا.
﴿ وَلِيدًا ﴾ طِفْلًا سُمِّيَ بِهِ لِقُرْبِهِ مِنَ الوِلادَةِ.
﴿ وَلَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ قِيلَ لَبِثَ فِيهِمْ ثَلاثِينَ سَنَةً ثُمَّ خَرَجَ إلى مَدْيَنَ عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ عادَ إلَيْهِمْ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ ثَلاثِينَ، ثُمَّ بَقِيَ بَعْدَ الغَرَقِ خَمْسِينَ.
﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ ﴾ يَعْنِي قَتْلَ القِبْطِيِّ، وبَخَّهُ بِهِ مُعَظِّمًا إيّاهُ بَعْدَ ما عَدَّدَ عَلَيْهِ نِعْمَتَهُ، وقُرِئَ ( فِعْلَتَكَ ) بِالكَسْرِ لِأنَّها كانَتْ قِتَلَةً بِالوَكْزِ.
﴿ وَأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ بِنِعْمَتِي حَتّى عَمَدْتَ إلى قَتْلِ خَواصِّي، أوْ مِمَّنْ تُكَفِّرُهُمُ الآنَ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُعايِشُهم بِالتَّقِيَّةِ فَهو حالٌ مِن إحْدى التّاءَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُكْمًا مُبْتَدَأً عَلَيْهِ بِأنَّهُ مِنَ الكافِرِينَ بِآلِهِيَّتِهِ أوْ بِنِعْمَتِهِ لَمّا عادَ عَلَيْهِ بِالمُخالَفَةِ، أوْ مِنَ الَّذِينَ كانُوا يَكْفُرُونَ في دِينِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{قال ألم نربّك فينا وليداً} وإنما حذف فأتيا فرعون فقالا اختصاراً والوليد الصبي لقرب عهده من الولادة أى ألم تكن
الشعراء (٢٤ - ١٨)
صغيراً فربيناك {ولبثت فينا من عمرك سنين} قيل ثلاثين سنة
﴿ قالَ ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَما أتَياهُ وقالا لَهُ ما أُمِرا بِهِ، ويُرْوى أنَّهُما انْطَلَقا إلى بابِ فِرْعَوْنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُما سَنَةً، حَتّى قالَ البَوّابُ: إنَّ هاهُنا إنْسانًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ!
فَقالَ: ائْذَنْ لَهُ لَعَلَّنا نَضْحَكُ مِنهُ، فَأذِنَ لَهُ، فَدَخَلا فَأدَّيا إلَيْهِ الرِّسالَةَ، فَعَرَفَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ﴾ .
وفِي خَبَرٍ آخَرَ أنَّهُما أتَيا لَيْلًا، فَقَرَعَ البابَ، فَفَزِعَ فِرْعَوْنُ، وقالَ: مَن هَذا الَّذِي يَضْرِبُ بابِي هَذِهِ السّاعَةَ؟
فَأشْرَفَ عَلَيْهِما البَوّابُ فَكَلَّمَهُما، فَقالَ لَهُ مُوسى: أنا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَأتى فِرْعَوْنَ وقالَ: إنَّ هاهُنا إنْسانًا مَجْنُونًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ!
فَقالَ: أدْخِلْهُ، فَدَخَلَ فَقالَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى.
وأرادَ اللَّعِينُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ نُرَبِّكَ ﴾ ...
إلَخْ الِامْتِنانَ وفِينا عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ: مَنازِلِنا، والوَلِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، يُقالُ لِمَن قَرُبَ عَهْدُهُ بِالوِلادَةِ، وإنْ كانَ - عَلى ما قالَ الرّاغِبُ -: يَصِحُّ في الأصْلِ لِمَن قَرُبَ عَهْدُهُ أوْ بَعُدَ، كَما يُقالُ لِما قَرُبَ عَهْدُهُ بِالِاجْتِناءِ جَنِيٌّ، فَإذا كَبُرَ سَقَطَ عَنْهُ هَذا الِاسْمُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كَأنَّ دَلالَتَهُ عَلى قُرْبِ العَهْدِ مِن صِيغَةِ المُبالَغَةِ، وكَوْنِ الوِلادَةِ لا تَفاوُتَ فِيها نَفْسِها.
﴿ ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ خَرَجَ إلى مَدْيَنَ، وأقامَ بِهِ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ عادَ إلَيْهِمْ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ تَعالى ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ بَقِيَ بَعْدَ الغَرَقِ خَمْسِينَ، وقِيلَ: لَبِثَ فِيهِمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فَفَرَّ بَعْدَ أنْ وكَزَ القِبْطِيَّ إلى مَدْيَنَ فَأقامَ بِهِ عَشْرَ سِنِينَ يَرْعى غَنَمَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً بَعْدَ بِنائِهِ عَلى امْرَأتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ فَكَمُلَ لَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، فَبَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى، وعادَ إلَيْهِمْ يَدْعُوهم إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ «مِن عُمْرِكَ» بِإسْكانِ المِيمِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( سِنِينَ ) كَما هو المَعْرُوفُ في نَعْتِ النَّكِرَةِ إذا قُدِّمَ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: أْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني: موسى وحده، ويضاف الشيء إلى اثنين، والمراد به أحدهما.
وقال القتبي: الرسول يكون بمعنى الجمع، كما يكون الضيف بمعنى الجمع.
قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي [الحجر: 68] .
وقال أبو عبيد: رسول بمعنى رسالة.
ويقال رسول: يعني: به رسولين كقوله: إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ [طه: 47] فقال: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: قل لفرعون ذلك، ولم يذكر إتيانه إلى فرعون، لأن في الكلام دليلاً عليه.
وقد بيّن في موضع آخر حيث قال: فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ [القصص: 36] وقال مقاتل: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ وانقطع الكلام، ثم انطلق موسى، وكان هارون بمصر، فانطلقا إلى فرعون قال مقاتل: فلم يأذن لهما سنة ثم أخبر البواب فرعون أن هاهنا إنساناً يذكر أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه.
وقال السدي: لما أتى باب فرعون ضرب موسى عصاه على الباب، ففزع من ذلك فرعون، فأذن له في الدخول من ساعته، فلما دخل عليه عرفه، فأدى الرسالة، فقال له فرعون: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً.
- قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: أول ما بدأ فرعون بكلام السفلة، ومنَّ على نبي الله أنما أطعمه (١) وقرأ في الشاذ: فَعْلَتَكَ بكسر الفاء هي قراءة الشعبي، وقراءة العامة بالنصب، والنصب يقع على فعل واحد، والكسر على المرات.
يعني: قتلت مرة، وهممت بالقتل ثانياً ثم قال: وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ أي: مِنَ الكافرين بنعمتي.
ويقال: كفرت بي حيث قتلت النفس.
ويقال: وأنت من الجاحدين للقتل.
يعني: لم تقر بالقتل، فأخبره موسى أنه غير جاحد للقتل قالَ فَعَلْتُها إِذاً يعني: قتلت النفس وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ عن النبوة كقوله وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [الضحى: 7] ويقال: من الجاهلين ولم أتعمد القتل.
قال القتبي: أصل الضلالة العدُول عن الحق، ثم يكون لمعاني منها النسيان، لأن الناسي عادل عنه، فكما قال هاهنا فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ أي: من الناسين وكما قال: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى [البقرة: 282] .
ثم قال عز وجل: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ يعني: هربت منكم إلى مدين لَمَّا خِفْتُكُمْ على نفسي أن تقتلوني فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً قال الكلبي: يعني النبوة، وقال مقاتل: يعني العلم والفهم، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ إليكم.
ثم قال عز وجل: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: أو كان هذا نعمة تمنها على أن عبدت بني إسرائيل، فكأنه أنكر عليه.
فقال: كيف تكون نعمتك التي تمن علي؟
فإنك قد عبدت بني إسرائيل، أي استعبدتهم، ولم تعبدني.
ويقال: معناه تِلْكَ نِعْمَةٌ إنما صارت نعمة بتعبيدك بني إسرائيل، لأنك لو لم تعبدهم لم تجعلني أمي في التابوت حتى صرت في بيتك، ولكن إنما صارت نعمة لأجلك، حيث عبدت بني إسرائيل.
وقال مقاتل: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تمنها على يا فرعون بإحسانك إلي خاصة، وبترك أبنائك أن عبدت بني إسرائيل.
وقال الكلبي يقول: تستعبد بني إسرائيل، وتمن علي بذلك.
(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى التقدير: واذكر إذ نادى ربك موسى، وسَوْقُ هذه القصة تمثيل لكفار قريش في تكذيبهم النبيَّ صلى الله عليه وسلّم.
وقوله: فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ معناه: يعينني وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ يعني قَتْلَهُ القِبْطِيَّ.
وقوله تعالى: كَلَّا رَدٌّ لقوله: إِنِّي أَخافُ أي: لا تخف ذلك، وقول فرعون لموسى: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً هو على جهة المَنِّ عليه والاحتقار، أي: رَبَّيْنَاكَ صغيراً، ولم نقتلك في جملة مَنْ قَتَلْنَا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ: فمتى كان هذا الذي تدَّعِيْهِ، ثم قرره على قتل القبطي بقوله: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ والفَعْلَةُ- بفتح الفاء-: المَرَّةُ، وقوله: وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ يريد: وقتلت القبطيَّ وأنت في قتلك إياه من الكافرين إذ هو نَفْسٌ لا يحلُّ قتلها قاله الضَّحَّاكُ «١» ، أو يريد: وأنت من الكافرين بنعمتي في قتلك إياه قاله ابن زيد «٢» ويحتمل أن يريد: وأنت الآن من الكافرين بنعمتي، وكان بين خروج موسى عليه السلام حين قتل القبطي وبين رجوعه نَبِيّاً إلى فرعون- أَحَدَ عَشَرَ عاماً غيرَ أشهرٍ.
وقوله: قالَ فَعَلْتُها إِذاً: من كلام موسى عليه السلام والضميرُ في قوله:
فَعَلْتُها لِقَتْلَةِ القِبْطِيِّ.
وقوله: وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ قال ابن زيد: معناه: من الجاهلين بأنَّ وكزتي إياه تأتي على نفسه «٣» ، وقال أبو عبيدةَ: معناه: من الناسين، ونزع بقوله: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [البقرة: ٢٨٢] ، وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس «٤» : «وأَنَا مِنَ الجَاهِلِينَ» ، ويشبه أن تكون هذه القراءة على جهة التفسير، وحُكْماً يريد: النبوّة وحكمتها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ نادى ﴾ المَعْنى: واتْلُ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى قَوْمِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يُكَذِّبُونِ ﴾ ياءُ " يُكَذِّبُونِ " مَحْذُوفَةٌ، ومِثْلُها ﴿ أنْ يَقْتُلُونِ ﴾ ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ ﴿ فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾ ﴿ وَيَسْقِينِ ﴾ ﴿ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ ﴿ ثُمَّ يُحْيِينِ ﴾ ﴿ كَذَّبُونِ ﴾ ﴿ وَأطِيعُونِ ﴾ فَهَذِهِ ثَمانِ آياتٍ أثْبَتَهُنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَضِيقُ صَدْرِي ﴾ أيْ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ ﴿ وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي ﴾ لِلْعُقْدَةِ الَّتِي كانَتْ بِلِسانِهِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ: ﴿ وَيَضِيقُ ﴾ ﴿ وَلا يَنْطَلِقُ ﴾ بِنَصْبِ القافِ فِيهِما، ﴿ فَأرْسِلْ إلى هارُونَ ﴾ المَعْنى: لِيُعِينَنِي، فَحَذَفَ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ.
﴿ وَلَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ ﴾ وهو القَتِيلُ الَّذِي وكَزَهُ فَقَضى عَلَيْهِ؛ والمَعْنى: ولَهم عَلَيَّ دَعْوى ذَنْبٍ ﴿ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ ﴾ بِهِ ﴿ قالَ كَلا ﴾ وهو رَدْعٌ وزَجْرٌ عَنِ الإقامَةِ عَلى هَذا الظَّنِّ؛ والمَعْنى: لَنْ يَقْتُلُوكَ لِأنِّي لا أُسَلِّطُهم عَلَيْكَ، ﴿ فاذْهَبا ﴾ يَعْنِي: أنْتَ وأخُوكَ ﴿ بِآياتِنا ﴾ وهي: ما أعْطاهُما مِنَ المُعْجِزَةِ ﴿ إنّا ﴾ يَعْنِي نَفْسَهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ مَعَكُمْ ﴾ فَأجْراها مَجْرى الجَماعَةِ ﴿ مُسْتَمِعُونَ ﴾ نَسْمَعُ ما تَقُولانِ وما يُجِيبُونَكُما بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الرَّسُولُ يَكُونُ بِمَعْنى الجَمِيعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ هَؤُلاءِ ضَيْفِي ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ﴾ .
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنّا رِسالَةُ رَبِّ العالَمِينَ، أيْ: ذَوُو رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، قالَ الشّاعِرُ: لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ: بِرِسالَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ أرْسِلْ ﴾ المَعْنى: بِأنْ أرْسِلْ ﴿ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أيْ: أطْلِقْهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ، فَأتَياهُ فَبَلَّغاهُ الرِّسالَةَ، فَـ ﴿ قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ﴾ أيْ: صَبِيًّا صَغِيرًا ﴿ وَلَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: ثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والمَعْنى: فَجازَيْتَنا عَلى أنْ رَبَّيْناكَ أنْ كَفَرْتَ نِعْمَتَنا، وقَتَلْتَ مِنّا نَفْسًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ﴾ وهي قَتْلُ النَّفْسِ.
قالَ الفَرّاءُ.
وإنَّما نُصِبَتِ الفاءُ، لِأنَّها مَرَّةٌ واحِدَةٌ، ولَوْ أُرِيدَ بِها مِثْلُ الجِلْسَةِ والمِشْيَةِ جازَ كَسْرُها.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مِنَ الكافِرِينَ لِنِعْمَتِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: مِنَ الكافِرِينَ بِإلَهِكَ، كُنْتَ مَعَنا عَلى دِينِنا الَّذِي تَعِيبُ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.
فَعَلى الأوَّلِ: وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ الآنَ.
وعَلى الثّانِي: وكُنْتَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأنا مِنَ الضّالِّينَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِنَ الجاهِلِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى: إنِّي كُنْتُ جاهِلًا لَمْ يَأْتِنِي مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ.
والثّانِي: مِنَ الخاطِئِينَ؛ والمَعْنى: إنِّي قَتَلْت النَّفْسَ خَطَأً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: مِنَ النّاسِينَ، ومِثْلُهُ: ﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما ﴾ ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ ﴾ أيْ: ذَهَبْتُ مِن بَيْنِكم ﴿ لَمّا خِفْتُكُمْ ﴾ عَلى نَفْسِي إلى مَدْيَنَ، وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ: (لِما) بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، ﴿ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: العِلْمُ والفَهْمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ ﴾ يَعْنِي التَّرْبِيَةَ ﴿ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أيِ: اتَّخَذْتَهم عَبِيدًا؛ يُقالُ: عَبَّدْتُ فُلانًا وأعْبَدْتُهُ واسْتَعْبَدْتُهُ: إذا اتَّخَذْتُهُ عَبْدًا.
وَفِي " أنْ " وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِن " نِعْمَةٌ " .
والثّانِي: أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ، تَقْدِيرُهُ: لِأنْ عَبَّدْتَ، أوْ لِتَعْبِيدِكَ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، فَفَسَّرَها قَوْمٌ عَلى الإنْكارِ، وقَوْمٌ عَلى الإقْرارِ.
فَمَن فَسَّرَها عَلى الإنْكارِ قالَ مَعْنى الكَلامِ: أوَتِلْكَ نِعْمَةٌ؟!
عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ، ومِثْلُهُ ﴿ هَذا رَبِّي ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَهُمُ الخالِدُونَ ﴾ ، وأنْشَدُوا: [لَمْ أنْسَ يَوْمَ الرَّحِيلِ وقْفَتَها ∗∗∗ وجَفْنُها مِن دُمُوعِها شَرِقُ] وَقَوْلَها والرِّكابُ سائِرَةٌ تَتْرُكُنا هَكَذا وتَنْطَلِقُ وَهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنهم.
ثُمَّ لَهم في مَعْنى الكَلامِ ووَجْهُهُ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ فِرْعَوْنَ أخَذَ أمْوالَ بَنِي إسْرائِيلَ واسْتَعْبَدَهم وأنْفَقَ عَلى مُوسى مِنها، فَأبْطَلَ مُوسى النِّعْمَةَ لِأنَّها أمْوالُ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: إنَّك لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكَفَلَنِي أهْلِي، وكانَتْ أُمِّي تَسْتَغْنِي عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ بِما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وهَذا قَوْلُ المُبَرِّدِ، والزَّجّاجِ، والأزْهَرِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: تَمُنُّ عَلَيَّ بِإحْسانِكَ إلَيَّ خاصَّةً، وتَنْسى إساءَتَكَ بِتَعْبِيدِكَ بَنِي إسْرائِيلَ؟!
قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: كَيْفَ تَمُنُّ عَلَيَّ بِالتَّرْبِيَةِ وقَدْ اسْتَعْبَدْتَ قَوْمِي؟!
ومَن أُهِينَ قَوْمُهُ فَقَدْ ذَلَّ، فَقَدْ حَبِطَ إحْسانُكَ إلَيَّ بِتَعْبِيدِكَ قَوْمِي، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
فَأمّا مَن فَسَّرَها عَلى الإقْرارِ، فَإنَّهُ قالَ: عَدَّها مُوسى نِعْمَةً حَيْثُ رَبّاهُ ولَمْ يَقْتُلْهُ ولا اسْتَعْبَدَهُ.
فالمَعْنى: هي لَعَمْرِي نِعْمَةٌ إذْ رَبَّيْتَنِي ولَمْ تَسْتَعْبِدْنِي كاسْتِعْبادِكَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَـ " أنْ " تَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ، ومِثْلُهُ في الكَلامِ- أنْ تَضْرِبَ بَعْضَ عَبِيدِكَ وتَتْرُكَ الآخَرَ، فَيَقُولُ المَتْرُوكُ: هَذِهِ نِعْمَةٌ عَلَيَّ أنْ ضَرَبْتَ فُلانًا وتَرَكْتَنِي، ثُمَّ تُحْذَفُ " وتَرَكْتَنِي " لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أنِ ائْتِ القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ألا يَتَّقُونَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ ﴾ ﴿ وَيَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأرْسِلْ إلى هارُونَ ﴾ ﴿ وَلَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ ﴾ ﴿ قالَ كَلا فاذْهَبا بِآياتِنا إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ ﴾ ﴿ فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ التَقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ نادى رَبُّكَ مُوسى.
وسَوْقُ هَذِهِ القِصَّةِ تَمْثِيلٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ لِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ، و "أنِ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنِ ائْتِ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، بِمَنزِلَةِ "أيْ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ غَيْرَها، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ ألا يَتَّقُونَ ﴾ ، أيْ: قُلْ لَهُمْ، فَجَمَعَ في هَذِهِ العِبارَةِ مِنَ المَعانِي نَفْيَ التَقْوى عنهم وأمْرَهم بِالتَقْوى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَتَّقُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمْ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وأبُو قُلابَةَ: "تَتَّقُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ، وعَلى مَعْنى: قُلْ لَهم.
ولِعِظَمِ قُوَّةِ فِرْعَوْنَ وتَألُّهِهِ وطُولِ مُدَّتِهِ وما أُشْرِبَتِ القُلُوبُ مِن مَهابَتِهِ، قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ ﴾ ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَضِيقُ" بِالرَفْعِ، و "يَنْطَلِقُ" كَذَلِكَ.
وقَرَأ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى ذَلِكَ بِالنَصْبِ فِيهِما، فَقِراءَةُ الرَفْعِ هي إخْبارٌ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِوُقُوعِ ضِيقِ صَدْرِهِ، وعَدَمِ انْطِلاقِ لِسانِهِ، ولِهَذا رَجَّحَ أبُو حاتِمْ هَذِهِ القِراءَةَ، وقِراءَةُ النَصْبِ تَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ داخِلٌ تَحْتَ خَوْفِهِ، وهو عَطْفٌ عَلى "يُكَذِّبُونِ".
وكانَ في خُلُقِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ حِدَّةٌ، وكانَتْ في لِسانِهِ حَبْسَةٌ بِسَبَبِ الجَمْرَةِ في طُفُولَتِهِ، وحَكى أبُو عَمْرٍو عَنِ الأعْرَجِ أنَّهُ قَرَأ بِنَصْبِ "وَيَضِيقَ" وبِرَفْعِ "يَنْطَلِقُ"، وقَدْ يَكُونُ عَدَمُ انْطِلاقِ اللِسانِ بِالقَوْلِ لِغُمُوضِ المَعانِي الَّتِي تَطَلَّبُ ألْفاظًا مُحَرَّرَةً، فَإذا كانَ هَذا في وقْتِ ضِيقِ صَدْرٍ لَمْ يَنْطَلِقِ اللِسانُ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي ﴾ ، فالراجِحُ قِراءَةُ الرَفْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأرْسِلْ إلى هارُونَ ﴾ مَعْناهُ: يُعِينُنِي ويُؤازِرُنِي، وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ وزِيرًا فَصِيحًا واسِعَ الصَدْرِ، فَحَذَفَ بَعْضَ المُرادِ مِنَ القَوْلِ، إذْ باقِيهِ دالٌّ عَلَيْهِ.
ثُمْ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَوْفَهُ القِبْطَ مِن أجْلِ ذَنْبِهِ، وهو قَتْلُهُ الرَجُلَ الَّذِي وكَزَهُ، قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ والناسُ: فَخَشِيَ أنْ يُسْتَقادَ مِنهُ، فَقالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ: ﴿ كَلا ﴾ رَدًّا لِقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي أخافُ ﴾ ، أيْ: لا تَخَفْ رَدًّا لِذَلِكَ فَإنِّي لَمْ أُحَمِّلْكَ ما حُمِّلْتَ إلّا وقَدْ قَضَيْتُ بِظُهُورِكَ ونَصْرِكَ.
وأمَرَ مُوسى وهارُونَ بِخِطابِ مُوسى فَقَطْ، لِأنَّ هارُونَ لَيْسَ بِمُكَلَّمٍ بِإجْماعٍ، ولَكِنْ قالَ لِمُوسى: "اذْهَبا" أيْ أنْتَ وأخُوكَ، و"الآياتُ" تَعُمُّ جَمِيعَ ما بَعَثَهُما اللهُ تَعالى بِهِ، وأعْظَمُ ذَلِكَ العَصا، بِها وقَعَ العَجْزُ، [واليَدُ البَيْضاءُ]، وبِالآيَتَيْنِ تَحَدّى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ فِرْعَوْنَ، ولا خِلافَ في أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هو الَّذِي حَمَّلَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أمْرَ النُبُوَّةِ كُلِّها، وأنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ نَبِيًّا رَسُولًا مُعِينًا وزِيرًا.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنّا مَعَكُمْ ﴾ إمّا أنْ يَجْعَلَ الِاثْنَيْنِ جَمْعًا، وإمّا أنْ يُرِيدَهُما والمَبْعُوثَ إلَيْهِمْ وبَنِي إسْرائِيلَ، وقَوْلُهُ: ﴿ مُسْتَمِعُونَ ﴾ عَلى نَحْوِ التَعْظِيمِ والجَبَرُوتِ الَّذِي لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، وصِيغَةُ "مُسْتَمِعُونَ" تُعْطِي اهْتِبالًا بِالأمْرِ لَيْسَ في صِيغَةِ "سامِعُونَ"، وإلّا فَلَيْسَ يُوصَفُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِطَلَبِ الِاسْتِماعِ، وإنَّما المَقْصِدُ إظْهارُ التَهَمُّمْ لِيَعْظُمْ أُنْسُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، أو تَكُونُ المَلائِكَةُ -بِأمْرِ اللهِ إيّاها- تَسْتَمِعُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ هو أنَّ العَرَبَ أجْرَتِ "الرَسُولَ" مُجْرى المَصْدَرِ في أنْ وصَفَتْ بِهِ الجَمْعَ والواحِدَ والمُؤَنَّثَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: ألِكْنِي إلَيْها وخَيْرُ الرَسُو لِ أعْلَمَهم بِنَواحِي الخَبَرْ وَمِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وإنْ كانَ مُوَلَّدًا: إنَّ الَّتِي أبْصَرْتُها ∗∗∗ سَحَرًا تُكَلِّمُنِي رَسُولُ وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ مَعْناهُ: سَرِّحْ، فَهو بِمَعْنى الإرْسالِ الَّذِي هو بِمَعْنى الإطْلاقِ، كَما تَقُولُ: أرْسَلْتُ الحَجَرَ مِن يَدِي.
وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مَبْعُوثًا إلى فِرْعَوْنَ في أمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ ويُزِيلَ عنهم ذُلَّ العُبُودِيَّةِ والغَلَبَةِ.
والثانِي أنْ يُؤْمِنَ ويَهْتَدِيَ.
وأُمِرَ بِمُكافَحَتِهِ ومُقاوَمَتِهِ في الأوَّلِ، ولَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ في الثانِي عَلى ما بَلَغَ مِن أمْرِهِ، وبُعِثَ بِالعِباداتِ والشَرْعِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فَقَطْ، هَذا قَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ.
وقَوْلُ فِرْعَوْنَ لِمُوسى: ﴿ ألَمْ نُرَبِّكَ ﴾ هَذا عَلى جِهَةِ المَنِّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارِ، أيْ: رَبَّيْناكَ صَغِيرًا، أو لَمْ نَقْتُلْكَ في جُمْلَةِ مَن قَتَلْنا فَلَبِثْتَ فِينا سِنِينَ، فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ؟
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "مِن عُمُرِكَ" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "عُمْرِكَ" بِسُكُونِها.
ثُمْ قَرَّرَهُ عَلى قَتْلِ القِبْطِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ ﴾ والفَعْلَةُ -بِفَتْحِ الفاءِ- المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَعْبِيُّ: "فِعْلَتَكَ" بِكَسْرِ الفاءِ، وهي هَيْئَةُ الفِعْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ ، يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوجُهٍ: أحَدُهُما أنْ يُرِيدَ: وقَتَلْتَ القِبْطِيَّ وأنْتَ في قَتْلِكَ إيّاهُ مِنَ الكافِرِينَ؛ إذْ هو نَفْسٌ ولا يَحِلُّ قَتْلُهُ، قالَهُ الضَحّاكُ.
أو يُرِيدُ: وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ بِنِعْمَتِي في قَتْلِكَ إيّاهُ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَذانَ بِمَعْنًى واحِدٍ في حَقِّ اللَفْظِ، وإنَّما اخْتَلَفا بِاشْتِراكِ لَفْظِ الكُفْرِ، والثانِي أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الهُزُؤِ، أيْ: وأنْتَ عَلى هَذا الدِينِ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ بِزَعْمِكَ.
قالَهُ السُدِّيُّ.
والثالِثُ -هُوَ قَوْلُ الحَسَنِ - أنْ يُرِيدَ: وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ الآنَ، يَعْنِي فِرْعَوْنُ: بِالعَقِيدَةِ الَّتِي كانَ بَيْنَها، فَيَكُونُ الكَلامُ مَقْطُوعًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ﴾ ، وإنَّما هو إخْبارٌ مُبْتَدَأٌ أنَّهُ كانَ مِنَ الكافِرِينَ، وهَذا التَأْوِيلُ أيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ كُفْرَ النِعْمَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ بَيْنَ خُرُوجِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ قَتَلَ القِبْطِيَّ وبَيْنَ رُجُوعِهِ إلى فِرْعَوْنَ نَبِيًّا، أحَدَ عَشَرَ عامًا غَيْرُ أشْهُرٍ.
<div class="verse-tafsir"
طوي من الكلام ذهاب موسى وهارون إلى فرعون واستئذانهما عليه وإبلاغهما ما أمرهما الله أن يقولا لفرعون إيجازاً للكلام.
ووجَّه فرعون خطابه إلى موسى وحده لأنه علم من تفصيل كلام موسى وهارون أن موسى هو الرسول بالأصالة وأن هارون كان عوناً له على التبليغ فلم يشتغل بالكلام مع هارون.
وأعرض فرعون عن الاعتناء بإبطال دعوة موسى فعدل إلى تذكيره بنعمة الفراعنة أسلافه على موسى وتخويفه من جنايته حسباناً بأن ذلك يقتلع الدعوة من جذمها ويكف موسى عنها، وقصدُه من هذا الخطاب إفحام موسى كي يتلعثم من خشيةِ فرعون حيث أوجد له سبباً يتذرع به إلى قتله ويكون معذوراً فيه حيث كفر نعمة الولاية بالتربية، واقترف جرم الجناية على الأنفس.
والاستفهام تقريري، وجعل التقرير على نفي التربية مع أن المقصود الإقرار بوقوع التربية مجاراة لحال موسى في نظر فرعون إذ رأى في هذا الكلام جرأة عليه لا تناسب حال مَن هو ممنون لأُسرته بالتربية لأنها تقتضي المحبة والبر، فكأنه يرخي له العنان بتلقين أن يجحد أنه مربًّى فيهم حتى إذا أقر ولم ينكر كان الإقرار سالماً من التعلل بخوف أو ضغط، فهذا وجه تسليط الاستفهام التقريري على النفي في حينَ أن المقرر به ثابت.
وهذا كما تقول للرجل الذي طال عهدك برؤيته: ألستَ فلاناً، ومثله كثير.
ومنه قول الحجاج في خطبته يوم دَيْر الجماجم يهدد الخوارج «ألستُم أصحابِي بالأهواز».
والتقرير مستعمل في لازمه وهو أن يقابل المقرَّر عليه بالبر والطاعة لا بالجفاء، ويجوز أن يجعل الاستفهام إنكارياً عليه لأن لسان حال مُوسى في نظر فرعون حال من يجحد أنه مربًّى فيهم ومن يظن نِسيانهم لفعلته فأنكر فرعون عليه ذلك، وكلا الوجهين لا يخلو من تنزيل موسى منزلة من يجحد ذلك.
والتربية: كفالة الصبي وتدبير شؤونه.
ومعنى ﴿ فينا ﴾ في عائلتنا، أي عائلة ملك مصر.
والوليد: الطفل من وقت ولادته وما يقاربها فإذا نمى لم يُسم وليداً وسمي طفلاً، ويعني بذلك التقاطه من نهر النيل.
وذلك أن موسى ربّي عند (رعمسيس الثاني) من ملوك العائلة التاسعة عشرة من عائلات فراعنة مصر حسب ترتيب المحققين من المؤرخين.
وخرج موسى من مصر بعد أن قتل القبطّي وعمرُه أربعون سنة لقوله تعالى: ﴿ ودخل المدينة ﴾ [القصص: 14، 15] الآية وبُعث وعمرُه ثمانون سنة حسبما في التوراة.
وكان فرعون الذي بعث إليه موسى هو (منفتاح الثاني ابن رعمسيس الثاني) وهو الذي خلفه في الملك بعد وفاته أواسط القرن الخامس عشر قبل المسيح، فلا جرم كان موسى مربّى والده، فلذلك قال له: ألم نُرَبِّك فينا وليداً، ولعله رُبِّيَ مع فرعون هذا كالأخ.
والسنين التي لبثها موسى فيهم هي نحو أربعين سنة.
والفَعْلة: المرة الواحدة من الفِعل، وأراد بها الحاصل بالمصدر كما اقتضته إضافتها إلى ضمير المخاطب، وأراد بالفعلة قتلَه القبطي، قيل هو خَبَّاز فرعون.
وعبر عنها بالموصول لعلم موسى بها، وفي ذلك تهويل للفعلة يكنى به عن تذكيره بما يوجب توبيخه.
وفي العدول عن ذكر فَعلة معيَّنة إلى ذكرها مبهمة مضافةً إلى ضميره ثم وصفها بما لا يزيد على معنى الموصوف تهويلٌ مرادٌ به التفظيع وأنها مشتهرة معلومة مع تحقيق إلصاق تبعتها به حتى لا يجد تنصلاً منها.
وجملة: ﴿ وأنت من الكافرين ﴾ حال من ضمير ﴿ فعلت ﴾ .
والمراد به كفر نعمة فرعون من حيث اعتدى على أحد خاصّته وموالي آله، وكان ذلك انتصاراً لرجل من بني إسرائيل الذين يعُدُّونهم عبيدَ فرعون وعبيدَ قومه، فجَعل فرعونُ انتصارَ موسى لرجل من عشيرته كفراناً لنعمة فرعون لأنه يرى واجب موسى أن يعُدّ نفسه من قوم فرعون فلا ينتصر لإسرائيلي، وفي هذا إعمال أحكام التبني وإهمال أحكام النسب وهو قلبُ حقائق وفسادُ وضع.
قال تعالى: ﴿ وما جَعل أدعياءَكم أبناءَكم ذلكم قولُكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ﴾ [الأحزاب: 4].
وليس المراد الكفر بديانة فرعون لأن موسى لم يكن يوم قتل القبطي متظاهراً بأنه على خلاف دينهم وإن كان في باطنه كذلك لأن الأنبياء معصومون من الكفر قبل النبوءة وبعدها.
ويجوز أن تكون جملة: ﴿ وأنت من الكافرين ﴾ عطفاً على الجُمل التي قبلها التي هي توبيخ ولوم، فوبخه على تقدم رعيه تربيتَهم إياه فيما مضى، ثم وبّخه على كونه كافراً بدينهم في الحال، لأن قوله: ﴿ من الكافرين ﴾ حقيقة في الحال إذ هو اسم فاعل واسم الفاعل حقيقة في الحال.
ويجوز أن يكونَ المعنى: وأنت حينئذ من الكافرين بديننا، استناداً منه إلى ما بدا من قرائنَ دلّته على استخفاف موسى بدينهم فيما مضى لأن دينهم يقتضي الإخلاص لفرعون وإهانةَ من يهينهم فرعون.
ولعل هذا هو السبب في عزم فرعون على أن يقتصّ من موسى للقبطي لأن الاعتداء عليه كان مصحوباً باستخفاف بفرعون وقومه.
ويفيد الكلام بحذافره تعجباً من انتصاب موسى منصب المرشد مع ما اقترفه من النقائص في نظر فرعون المنافية لدعوى كونه رسولاً من الربّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ وَيَضِيقُ صَدْرِي ﴾ أيْ أخافُ أنْ يَضِيقَ قَلْبِي وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: بِالضَّعْفِ عَنْ إبْلاغِ الرِّسالَةِ.
﴿ وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن مَهابَةِ فِرْعَوْنَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: لِلْعُقْدَةِ الَّتِي كانَتْ بِهِ.
﴿ فَأرْسِلْ إلى هارُونَ ﴾ أيْ لِيَكُونَ مَعِي رَسُولًا، لِأنَّ هارُونَ كانَ بِمِصْرَ حَيْثُ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُوسى نَبِيًّا.
﴿ وَلَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ ﴾ فَتَكُونُ عَلَيَّ بِمَعْنى عِنْدِي، وهو قَوْلُ المُفَضَّلِ، وأنْشَدَ قَوْلَ أبِي النَّجْمِ: قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ والثّانِي: مَعْناهُ ولَهم عَلَيَّ عُقُوبَةُ ذَنْبٍ.
﴿ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ ﴾ قَدْ خافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِالنَّفْسِ الَّتِي قَتَلَها، فَلا يَتِمُّ إبْلاغُ الرِّسالَةِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَهُ رَسُولًا تَكَفَّلَ بِعَوْنِهِ عَلى تَأْدِيَةِ رِسالَتِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أرْسَلَنا رَبُّ العالَمِينَ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
والثّانِي: مَعْناهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.
والثّالِثُ: مَعْناهُ إنّا رِسالَةُ رَبِّ العالَمِينَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ كَثِيرٍ: لَقَدْ كَذَّبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ رِسالَةٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ﴾ أيْ صَغِيرًا، لِأنَّهُ كانَ في دارِهِ لَقِيطًا.
﴿ وَلَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ في الدُّخُولِ عَلَيْهِ سَنَةً، وخَرَجَ مِن عِنْدِهِ عَشْرَ سِنِينَ، وعادَ إلَيْهِ يَدْعُوهُ ثَلاثِينَ سَنَةً، وبَقِيَ بَعْدَ غَرَقِهِ خَمْسِينَ سَنَةً، قالَ ذَلِكَ امْتِنانًا عَلَيْهِ.
﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ ﴾ يَعْنِي قَتْلَ النَّفْسِ.
﴿ وَأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أيْ عَلى دِينِنا الَّذِي لا تَقُولُ إنَّهُ كُفْرٌ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
الثّانِي: مِنَ الكافِرِينَ لِإحْسانِي إلَيْكَ وفَضْلِي عَلَيْكَ، وهَذا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ ﴾ يَعْنِي قَتْلَ النَّفْسِ، قالَ المُفَضَّلُ: ومَعْنى إذَنْ لِمُوجِبٍ.
﴿ وَأنا مِنَ الضّالِّينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مِنَ الجاهِلِينَ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ لا يَعْلَمُ أنَّها تَبْلُغُ.
والثّانِي: مِنَ الضّالِّينَ عَنِ النُّبُوَّةِ، لِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ الرِّسالَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.
الثّالِثُ: مِنَ النّاسِينَ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ﴾ .
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أنَّ اتِّخاذَكَ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدًا قَدْ أحْبَطَ نِعْمَتَكَ الَّتِي تَمُنُّ عَلَيَّ، وهَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسى.
والثّانِي: مَعْناهُ أنَّكَ لَمّا ظَلَمْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَظْلِمْنِي، أعْدَدْتَ ذَلِكَ نِعْمَةً تَمُنُّ بِها عَلَيَّ؟
قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لِفِرْعَوْنَ عَلى مُوسى نِعْمَةٌ لِأنَّ الَّذِي رَبّاهُ بَنُو إسْرائِيلَ بِأمْرِ فِرْعَوْنَ لِاسْتِعْبادِهِ لَهم، فَأبْطَلَ مُوسى نِعْمَتَهُ لِبُطْلانِ اسْتِرْقاقِهِ.
والرّابِعُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أنْفَقَ عَلى مُوسى في تَرْبِيَتِهِ مِن أمْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّتِي أخَذَها مِن أكْسابِهِمْ حِينَ اسْتَعْبَدَهم، فَأبْطَلَ مُوسى النِّعْمَةَ وأسْقَطَ المِنَّةَ، لِأنَّها أمْوالُ بَنِي إسْرائِيلَ لا أمْوالَ فِرْعَوْنَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.
وَفي التَّعْبِيدِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحَبْسُ والإذْلالُ، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ.
الثّانِي: أنَّهُ الِاسْتِرْقاقُ، فالتَّعْبِيدُ الِاسْتِرْقاقُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ الإذْلالِ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ: تَبارى عَناقًا ناجِياتٍ وأتْبَعَتْ ∗∗∗ وظِيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ أيْ طَرِيقٍ مُذَلَّلٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ وإذ نادى ربك موسى ﴾ قال: حين نودي من جانب الطور الأيمن.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولهم عليّ ذنب ﴾ قال: قتل النفس التي قتل فيهم وفي قوله: ﴿ وفعلت فعلتك التي فعلت ﴾ قال: قتل النفس أيضاً.
وفي قوله: ﴿ فعلتها إذاً وأنا من الضالين ﴾ قال: من الجاهلين.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولهم عليّ ذنب ﴾ قال: قتل النفس.
وفي قوله: ﴿ ألم نربّك فينا وليداً ﴾ قال: التقطه آل فرعون فربوه وليداً حتى كان رجلاً ﴿ وفعلت فعلتك التي فعلت ﴾ قال: قتلت النفس التي قتلت ﴿ وأنت من الكافرين ﴾ قال: فتبرأ من ذلك نبي الله قال: ﴿ فعلتها إذاً وأنا من الضالين ﴾ قال: من الجاهلين.
قال: وهي في بعض القراءة ﴿ إذن وأنا من الجاهلين ﴾ فإنما هو شيء جهله ولم يتعمده.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ﴾ قال: من فرعون على موسى حين رباه.
يقول: كفرت نعمتي.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وتلك نعمة تمنها عليَّ أن عبدت بني إسرائيل ﴾ قال: قهرتهم واستعملتهم.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ﴾ قال: للنعمة.
إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر؟
وفي قوله: ﴿ قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين ﴾ قال: من الجاهلين.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن جريج قال في قراءة ابن مسعود ﴿ فعلتها إذن وأنا من الجاهلين ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فوهب لي حكماً ﴾ قال: النبوة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وتلك نعمة تمنها عليَّ ﴾ قال: يقول موسى لفرعون: أتمن عليَّ يا فرعون بأن اتخذت بني إسرائيل عبيداً وكانوا أحراراً فقهرتهم واتخذتهم عبيداً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قال فرعون وما رب العالمين ﴾ إلى قوله: ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ قال: فلم يزده إلا رغماً.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ﴾ يقول: مبين له خلق حية ﴿ ونزع يده ﴾ يقول: وأخرج موسى يده من جيبه ﴿ فإذا هي بيضاء ﴾ تلمع ﴿ للناظرين ﴾ ينظر إليها ويراها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: أقبل موسى بأهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلاً، فتضيف على أمه وهو لا يعرفهم في ليلة كانوا يأكلون منها الطقشيل، فنزل في جانب الدار، فجاء هارون، فلما أبصر ضيفه سأل عنه أمه، فأخبرته أنه ضيف فدعاه فأكل معه، فلما قعدا فتحدثا فسأله هارون من أنت؟
قال: أنا موسى.
فقام كل واحد منهما إلى صاحبه فاعتنقه، فلما أن تعارفا قال له موسى: يا هارون انطلق بي إلى فرعون فإن الله قد أرسلنا إليه.
قال هارون: سمعاً وطاعة فقامت أمهما فصاحت وقالت: أنشدكما بالله أن لا تذهبا الى فرعون فيقتلكما، فأبيا فانطلقا إليه ليلاً، فأتيا الباب، فضرباه، ففزع فرعون وفزع البواب فقال فرعون: من هذا الذي يضرب ببابي هذه الساعة؟
فأشرف عليهما البواب فكلمهما فقال له موسى: ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ ففزع البواب، فأتى فرعون فأخبره فقال: إن هاهنا إنساناً مجنوناً يزعم أنه رسول رب العالمين فقال: أدخله، فدخل فقال: إنه رسول رب العالمين.
﴿ قال فرعون: وما رب العالمين ﴾ قال: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ [ طه: 50] قال: ﴿ إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين.
فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ﴾ [ الأعراف: 106] والثعبان الذكر من الحيات فاتحة فمها لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سورة القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها ووثب فأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك وصاح: يا موسى خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل.
فأخذها موسى فصارت عصا فقالت السحرة في نجواهم ﴿ إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهم ﴾ [ طه: 63] فالتقى موسى وأمير السحرة فقال له موسى: أرأيت أن غلبتك غداً أتؤمن بي، وتشهد أن ما جئت به حق؟
قال الساحر: لآتين غداً بسحر لا يغلبه شيء، فوالله لئن غلبتني لأؤمنن بك، ولأشهدن أنك حق؛ وفرعون ينظر إليهما.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقيل للناس هل أنتم مجتمعون ﴾ قال: كانوا بالاسكندرية قال: ويقال بلغ ذنب الحية من وراء البحيرة يومئذ قال: وهزموا وسلم فرعون وهمت به فقال: خذها يا موسى.
وكان مما بلي الناس به منه أنه كان لا يضع على الأرض شيئاً، فاحدث يومئذ تحته، وكان ارساله الحية في القبة الخضراء.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ﴾ قال: فوجدوا الله أعز منه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن بشر بن منصور قال: بلغني أنه لما تكلم ببعض هذا ﴿ وقالوا بعزة فرعون ﴾ قالت الملائكة: قصمه ورب الكعبة فقال الله «تالون عليَّ قد أمهلته أربعين عاماً» .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ لا ضير ﴾ قال: يقولون لا يضرنا الذي تقول، وإن صنعت بنا وصلبتنا ﴿ إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ يقول: انا إلى ربنا راجعون.
وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتك ايانا، وثباتنا على توحيده، والبراءة من الكفر به، وفي قوله: ﴿ أن كنا أول المؤمنين ﴾ قال: كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رآها.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا ﴾ في الكلام محذوف تقديره: فأتياه وأبلغا الرسالة، فقال: ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا ﴾ (١) ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا ﴾ ] (٢) (٣) (٤) والوليد: هو المولود، وموسى وُلِد فيهم ثم كان فيما بينهم حتى صار رجلاً، وهو قوله تعالى: ﴿ وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد ثمان عشرة سنة (٥) (٦) (٧) (١) "تفسير ابن جرير" 19/ 66.
(٢) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).
(٣) "تفسير مقاتل" 48 ب، بنصه.
قال الزمخشري 3/ 296: الوليد: الصبي لقرب عهده من الولادة.
(٤) "تنوير المقباس" 307.
و"تفسير الماوردي" 4/ 166، ولم ينسبه.
(٥) "الوسيط" 3/ 351، منسوبًا له.
(٦) "تفسير مقاتل" 48 ب، 51 أ.
واقتصر عليه السمرقندي 2/ 471، والثعلبي 8/ 108 ب، ولم ينسباه.
واقتصر عليه في "الوجيز" 2/ 788، ولم ينسبه، وكذلك البغوي، في "تفسيره" 6/ 109.
(٧) في "تنوير المقباس" 307: ثلاثين سنة.
قال الهواري 3/ 223: " ﴿ وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ أي: لم تدع هذه النبوة التي تدعيها اليوم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَضِيقُ صَدْرِي ﴾ بالرفع عطف على أخاف، أو استئناف، وقرئ بالنصب عطفاً على ﴿ يُكَذِّبُونِ ﴾ ﴿ فَأَرْسِلْ إلى هَارُونَ ﴾ أي اجعله معي رسولاً أستعين به ﴿ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ ﴾ يعني قتله للقبطي ﴿ قَالَ كَلاَّ ﴾ أي لا تخف أن يقتلوك ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ خطاب لموسى وأخيه ومن كان معهما.
أو على جعل الاثنين جماعة ﴿ مُّسْتَمِعُونَ ﴾ لفظه جمع، وورد مورد تعظيم الله تعالى، ويحتمل أن تكون الملائكة هي التي تسمع بأمر الله، لأن الله لا يوصف بالاستماع، وإنما يوصف بالسمع والأول أحسن، وتأويله: أن في الاستماع اعتناء واهتماماً بالأمر ليست في صفة سامعون، والخطاب في قوله: ﴿ مَعَكُمْ ﴾ لموسى وهارون وفرعون وقومه، وقيل: لموسى وهارون خاصة على معاملة الاثنين معاملة الجماعة، ذلك على قول من يرى أن أقل الجمع اثنان ﴿ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ﴾ إن قيل: لم أفرده وهما اثنان؟
فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنّ التقدير كل واحد منا رسول.
الثاني: أنهما جعلا كشخص واحد لا تفاقهما في الشريعة، ولأنهما أخوان فكأنهما واحد.
الثالث: أن ﴿ رَسُولُ ﴾ هنا مصدر وصف به، فلذلك أطلق على الواحد والاثنين والجماعة، فإنه يقال رسول بمعنى رسالة، بخلاف قوله إنا رسولا فإنه بمعنى الرسل، ﴿ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ ﴾ أي أطلقهم ﴿ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً ﴾ قصد فرعون بهذا الكلام المنّ على الموسى والاحتقار له.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ طسم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد.
وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وقرأ حمزة ويزيد مظهرة النون عند الميم ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ ويضيق ولا ينطلق ﴾ بالنصب فيهما: يعقوب.
﴿ أرجه ﴾ مثل ما في "الأعراف" ﴿ أين لنا ﴾ بالمد وبالياء.
يزيد وأبو عمرو وزيد وقالون.
وقرأ ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد بهمزة ثم ياء، وعن قنبل ﴿ إن لنا ﴾ على الخبر.
الباقون بهمزتين.
هشام يدخل بينهما مدة.
﴿ آمنتم ﴾ بالمد: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ آمنتم ﴾ على الخير: حفص غير الخزاز.
الأخرون ﴿ أأمنتم ﴾ بهمزتين.
﴿ بعبادي إنكم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر ﴿ حاذرون ﴾ بالألف: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.
الباقون بغير الألف ﴿ فاتبعوهم ﴾ بالتشديد: زيد عن يعقوب.
الباقون بقطع الهمزة وسكون التاء ﴿ تراءى الجمعان ﴾ بكسر الراء والهمزة في الوصل: حمزة ونصير وهبيرة في طريق الخزاز.
واختلفوا في الوقف؛ فعن الكسائي بكسر الراء والهمزة على وزن "تريعى" وفي رواية أخرى عنه "ترائى" اي ترائى، والمشهور عنه "ترأ" بكسر الراء وفتح الهمزة، وأما حمزة فإنه يقف "ترى" بترك الهمزة وكسر الراء ويمد ويشير إلى موضع الهمزة وهو المصدر.
وأما هبيرة فإنه يقف "تريا" بكسر الراء ويشير إلى فتح الهمزة.
الباقون يقفون "تراءى" على وزن "تراعى" ﴿ معي ربي ﴾ بفتح الياء: حفص.
الوقوف: ﴿ طسم ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ خاضعين ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للابدال أو البيان تسجيلاً عليهم بالظلم ﴿ فرعون ﴾ ط للعدول عن الأمر إلى الاستفهام ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يكذبون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ ويضيق ﴾ بالرفع على الاستئناف ﴿ هرون ﴾ ط ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ قال كلا ﴾ لا للعطف معنى لا لفظاً ﴿ مستمعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ بني إسرائيل ﴾ ط ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط لأن جواب الشرط محذوف اي إن كنتم موقنين فلا تكذبوني ﴿ موقنين ﴾ ه ﴿ تستمعون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المسجونين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ للناظرين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ بسحره ﴾ ق قد قيل: بناء على أن ما بعده قول الملأ لفرعون والجمع للتعظيم، والأصح أنه من تتمة قول فرعون.
﴿ تأمرون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه لا لأن ما يتلوه جواب.
﴿ عليم ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه لا للعطف ﴿ مجتمعون ﴾ لا لاتصال المعنى ﴿ الغالبين ﴾ ه ﴿ لمن المقربين ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ ما يأفكون ﴾ ه للآية وللدلالة على إسراعهم في السجود ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وهرون ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ه للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ السحر ﴾ ط للفاء ولام الابتداء ﴿ فلسوف تعلمون ﴾ ه لتقدير القسم ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ لا ضير ﴾ ط توقية لحق "إن" وإلا فالأصل هو الوصل لأن ما بعده هو القول في الحقيقة كما في "الأعراف" ﴿ منقلبون ﴾ ه ج للآية مع اتحاد المقول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ متبعون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه للآية مع أن التقدير بأن هؤلاء ﴿ قليلون ﴾ ه ﴿ لغائظون ﴾ ه ﴿ حاذرون ﴾ ه ط لابتداء الخبر من الله ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ كذلك ﴾ ط أي كما وعدنا بني إسرائيل إيراثها ثم أخبر عن وقوع الموعود لبني إسرائيل ﴿ مشرقين ﴾ ه ﴿ لمدركون ﴾ ه ووجه الوصل الإسراع في تداركهم عن خوف الإدراك ﴿ كلا ﴾ ج لاحتمال أن يكون للردع وأن يكون بمعنى حقاً ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ ط لأجل الفاء الفصيحة أي فضرب فانفلق ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه الآية ط ﴿ مأمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه.
التفسير: قال جار الله: معنى طسم إن آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين وقد مر مثله في أول "يوسف".
والبخع الإهلاك وقد مر في اول "الكهف".
عزاه وعرفه أن غمه وحزنه لا ينفع كما أن وجود الكتاب على بيانه ووضوحه لا ينفع.
ثم بين أنه قادر على تنزيل آية ملجئة إلى الإيمان ولكن المشيئة والحكمة تقتضيان بناء الأمر على صورة الاختبار.
قال صاحب الكشاف: وجه عطف ﴿ فظلت ﴾ على ﴿ ننزل ﴾ كما قيل في قوله ﴿ فَأَصَّدَّقَ وأكن ﴾ كأنه قيل: أنزلنا فظلت.
وأقول: الظاهر أن الفاء في ﴿ فظلت ﴾ لسببية بدليل عدم المستتر فيه كما في ﴿ ننزل ﴾ .
ووجه العدول إلى الماضي كما قيل في ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ وجه مجيء ﴿ خاضعين ﴾ خبراً عن الأعناق إذ الأعناق تكون مقحماً لبيان موضع الخضوع.
وأصل الكلام: فظلوا لها خاضعين أي حين وصفت الأعناق بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل ﴿ خاضعين ﴾ كقوله ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ﴾ وقيل: أعناقهم رؤساؤهم كما يقال لهم الرؤوس والصدور.
وقيل: اراد جماعاتهم.
يقال: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم.
عن ابن عباس: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية.
قال: ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزة.
ومعنى ﴿ ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ﴾ قد مر في سورة الأنبياء.
نبه بذلك على أنه مع اقتداره على أن يجعلهم ملجئين على الإيمان حكيم يأتيهم بالقرآن حالاً بعد حال رعاية لقاعدة التكليف.
ثم ذكر أنه لا يحدد لهم توجيه موعظة وتذكير إلا جددوا ما هو نقيض المقصود، وذلك النقيض هو الإعراض والتكذيب والاستهزاء وهذا ترتيب في غاية الحسن كأنه قيل حين أعرضوا عن الذكر: فقد كذبوا به وحين كذبوا به فقد خف عندهم قدره حتى صار عرضة للاستهزاء.
وهذه درجات من أخذ في الشقاء فإنه يعرض أوّلاً، ثم يصرح بالتكذيب ثانياً، ثم يبلغ في التكذيب والإنكار إلى حيث يستهزئ.
وفي قوله ﴿ فسيأتيهم ﴾ وعيد لهم بعذاب بدر أو يوم القيامة وقد مر مثله في أول "الأنعام".
ثم بين أنه مع حكمته في إنزال القرآن حالاً بعد حال رحيم يظهر من الدلائل الحسية ما يكفي للمتأمل في باب النظر والاستدلال.
والزوج الصنف والكريم نعت لكل ما يرضى ويحمد في بابه منه "وجه كريم" إذا رضي في حسنه وجماله، و"كتاب كريم" مرضي في مبانيه، و"نبات كريم" مرضي فيما يتعلق به من المنافع، فما من نبت إلا وفيه نفع وفائدة من جهة وإن كانت فيه مضرة من جهة أخرى.
ويحتمل أن يراد بالكريم النافع منه وتكون المضارّ مسلوبة عنه.
قال جار الله: معنى الجمع بين "كم" و"كل" دون أن يقول "كم أنبتنا فيها من زوج كريم" هو أن "كلا" قد دل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و"كم" دل على أن هذا محيط مفرط الكثرة.
قلت: فالحاصل أن خلق النوع يصدق بخلق فرد واحد منه كما يصدق بخلق أفراد كثيرة.
فقوله ﴿ كل زوج ﴾ إشارة إلى خلق كل نوع من أنواع النبات، وقوله ﴿ كم أنبتنا ﴾ إشارة إلى كثرة افراد كل نوع منه وفيه تنبيه على كمال القدرة ونهاية الجود والرحمة ولهذا ختم الكلام بقوله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإنبات أو في كل واحد من تلك الأزواج ﴿ الآية ﴾ على الإبداء والإعادة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن الله طبع على قلوبهم ﴿ وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ فمن عزته قدر على عقوبتهم ومن رحمته بين لهم الدلائل ليتفكروا ويعتبروا، والرحمة إذا صدرت عن القدرة كانت أعظم موقعاً، واعلم أنه كرر بعض الآيات في هذه السورة لأجل التأكيد و"التقرير"؛ فمن ذلك أنه كرر قوله ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ إلى قوله ﴿ الرحيم ﴾ في ثمانية مواضع: أولها في ذكر النبي ، والثانية في قصة موسى، ثم إبراهيم، ثم نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم شعيب.
ومن ذلك قوله ﴿ ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ وهو مذكور في خمسة مواضع: في قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.
ومن ذلك أنه كرر ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ في قصة نوح وهود وصالح وليس في ذكر النبي : ﴿ ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاَّ على رب العالمين ﴾ لذكرها في مواضع من غير هذه السورة.
وليس في قصة موسى لأنه رباه فرعون حيث قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ ولا في قصة إبراهيم لأن اباه في المخاطبين حيث يقول: ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ﴾ وهو قد ربَّاه فاستحيا موسى وإبراهيم أن يقولا ﴿ وما أسألكم عليه من أجر ﴾ وإن كانا منزهين من طلب الأجر.
ثم إنه أعاد في هذه السورة قصص الأنبياء المشهورين مع أممهم اعتباراً لهذه الأمة، وبدأ بقصة موسى لما فيها من غرائب الأحوال وعجائب الأمور.
والنداء المسموع عند الأشعري هو الكلام القديم الذي لا يشبه الحروف والأصوات، وعند المعتزلة وإليه ميل أبي منصور الماتريدي أنه من جنس الحروف والأصوات وأنه وقع على وجه علم به موسى أنه من قبل الله وقد عرفه أنه سيظهر عليه المعجزات إذا طولب بذلك.
قال جار الله: قوله ﴿ ألا يتقون ﴾ كلام مستأنف فيه تعجيب لموسى من حالهم الشنعاء في قلة خوفهم وكثرة ظلمهم، أو حال أدخلت عليه همزة الإنكار.
ثم إن موسى خاف أن يذكب عند أداء الرسالة فاستظهر بهارون.
وفي قراءة النصب خاف التكذيب المستتبع لضيق الصدر المستلزم لاحتباس اللسان عن الجريان في الكلام، ولعله اراد بهذه الحبسة عقدة في لسانه قبل إجابة دعوته أو بقية يروى أنها بقيت بعد الإجابة كما مر في "طه".
ومعنى ﴿ فأرسل إلى هارون ﴾ أرسل إليه جبريل واجعله نبياً يصدقني في أمري فاختصر الكلام اختصاراً.
ثم ذكر أن لهم عليه ذنباً فسمى جزاء الذنب ذنباً، أو المضاف محذوف اي تبعه ذنب وهو قود قتل القبطي كما سيجيء تفصيله في سورة القصص.
فيمكن أن يقتل قبل أداء الرسالة فلا يتمكن من المقصود، وهذا قد جوزه الكعبي وغيره من البغداديين.
وقال الأكثرون: الأقرب من حال الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله الرسالة أنه يمكنهم من أدائها فلا معنى للخوف من القتل قبل الأداء.
نعم لو خاف بعد الأداء جاز وذلك لما جبل عليه طبع الإنسان من التنفر عن القتل فيسأل الله الأمان من ذلك وقد جمع الله له بقوله ﴿ كلا ﴾ الكلاءة وبقوله ﴿ فاذهبا ﴾ استنباء أخيه كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون ﴿ ومعكم ومستمعون ﴾ خبران لأن أو الخبر ﴿ مستمعون ﴾ و ﴿ معكم ﴾ متعلق به.
ولا يخفى ما في المعية من المجاز لأن المصاحبة من صفات الأجسام، فالمراد معية النصرة والمعونة، وأما الاستماع فمجاز أيضاً وإن كان إطلاق السمع على الله حقيقة لأن الاستماع جار مجرى الإصغاء ولا بد فيه من الجارحة.
فحاصل الآية إنا لكما ولعدوّكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه.
وإنما وحد الرسول في قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ لأنه أراد كل واحد أو أراد الرسول بمعنى المصدر أي ذو رسالة رب العالمين.
يقال: أرسلتهم برسول اي برسالة أو جعلا لاتفاقهما واتحاد مطلبهما كرسول واحد.
وههنا إضمار دل عليه سياق الكلام أي فأتيا فرعون فقالا له ذلك.
يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن ههنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين.
فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه.
فأديا إليه الرسالة فعرف أنه موسى فعند ذلك قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ أي صبياً وذلك لقرب عهده من الولادة.
قيل: مكث فيهم ثلاثين سنة من أول عمره.
وقيل: وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة ففر منهم.
والفعلة الوكزة عدد عليه نعمه، ثم وبخه بقتل نفس منهم وسماه كافراً لنعمه بسبب ذلك.
وجوز جار الله أن يراد وأنت إذ ذاك ممن يكفر بالساعة فيكون قد افترى على موسى أو جهل أمره لأنه كان يعايشهم بالتقية.
وإنما قلنا إنه افتراء أو جهل لأن الكفر غير جائز على الأنبياء ولو قبل النبوة، ويجوز أن يراد أنه من الكافرين بفرعون وإلهيته أو بآلهة كانوا يعبدونها.
قال : ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ ثم إن موسى ما أنكر تربيته ولكن أنكر الكفر فلم ينسب نفسه إلا إلى الضلال وأراد به الذهاب عن الصواب، أو أراد النسيان أو الخطأ وعدم التدبر في أدبار الأمور.
ثم ذكر موهبة ربه في حقه حين فر من فرعون وملئه المؤتمرين بقتله.
والحكم العلم بالتوحيد وكمال العقل والرأي، ولا تدخل فيه النبوة ظاهراً لئلا يلزم شبه التكرار بقوله: ﴿ وجعلني من المرسلين ﴾ قال جار الله ﴿ وتلك ﴾ إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدري ما هي إلا بعد أن فسرت بقوله ﴿ أن عبدت ﴾ نظيره قوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع ﴾ والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها عليّ كأنه أبى أن يسمي نعمته إلا نقمة لأن تعبيدهم أي تذليلهم واتخاذهم عبيداً وقصدهم.
بذبح أبنائهم صار هو السبب في حصوله عنده وفي تربيته فلهذا قال الزجاج: "أن" مع ما بعده في موضع نصب أي إنما صارت نعمة عليّ لأن عبدت بني إسرائيل إذ لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم ومن هنا قال جار الله: إن قول موسى ﴿ فعلتها إذن ﴾ جواب لقول فرعون ﴿ وفعلت فعلتك ﴾ وجزاء له كأن فرعون قال: جازيت نعمتي بما فعلت.
فقال موسى: فعلتها مجازياً لك وإن نعمتك جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء.
وقال الحسن: أراد أنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت عليّ فلا نعمة لك بالتربية على أن التربية كانت من قبل أمي وعشيرتي ولم يكن منك إلا أنك لم تقتلني.
وقيل: اراد أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في الإطعام والكسوة.
واعلم أن للعلماء خلافاً في نعمة الكافر فقيل: إنها لا تستحق الشكر لأن الكافر يستحق الإهانة بكفره فلو استحق الشكر لإنعامه لزم الجمع بين الإهانة والتعظيم في حق شخص واحد في وقت واحد.
وقيل: لا يبطل بالكفر إلا الثواب والمدح الذي يستحقه على الإيمان، وفي الآية نوع دلالة على كل من القولين.
ثم إن موسى حين أدى رسالته من قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ ﴿ قال فرعون وما رب العالمين ﴾ وقد سبق مراراً أن كفره احتمل أن يكون كفر عناد وأ، يكون كفر جهالة، والذي يختص بالمقام هو أن ما يطلب به حقيقة الشيء وماهيته، وهذا هو الذي قصده فرعون بسؤاله ولم يعرف أن الماهية لا تطلق على ذاته تعالى إذ لا أجزاء لها حدية ولا تقديريه ولا بأي وجه فرض ضرورة انتهاء الكل إليه واستغنائه عن الكل من كل الوجوه، فلا يصح أن يسأل عنه بما هو ولا بكيف هو ولا بأي شيء هو ولا بهل هو، غاية ذلك أن ينبه على وجوده الذي هو أظهر الأشياء بلوازمه وآثاره على وجه يعم الكل كما يقال: إنه رب السموات والأرض وما بينهما، أو بأخص من ذلك بأن يقال مثلاً: ﴿ ربكم ورب آبائكم الأولين ﴾ وهو الاستدلال بالأنفس أو يقال ﴿ رب المشرق والمغرب وما بينهما ﴾ من الجهات المفروضة على السماء من لدن طلوع الكواكب إلى غروبها وبالعكس وهو الاستدلال بالآفاق.
وقد راعى في الجواب الأول طريقة اللطف فختم بقوله ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ أي إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وجلائه.
وخاشنهم في الأخير بقوله ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله: ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله ﴿ إن رسولكم ﴾ ويمكن أن يراد بقوله ﴿ وما بينهما ﴾ ثانياً ما بين المشرق والمغرب من المخلوقات فيكون الفرق بين هذا الاستدلال وبين الأول أن الأول هو الاستدلال بالإمكان على طريقة الحكيم، والثاني هو الاستدلال بالحدوث على طريقة المتكلمين، والأول أقرب إلى اليقين فلهذا قال ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ والثاني أقرب إلى الحس فلهذا قال ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ ولما انجر الكلام إلى حد العناد والمخاشنة هدده فرعون بقوله: ﴿ لئن اتخذت إلهاً غيري لاجعلنك من المسجونين ﴾ وهذا أبلغ من أن لو قال: "لأسجننك" والمعنى لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه يطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع، وحينئذ عدل موسى إلى الحجة الأصلية في الباب وهو ادعاء المعجز المنبئ عن صدقه فقال ﴿ أولو جئتك ﴾ أي أتفعل فيَّ ذلك ولو جئتك بشيء أي جائياً بالمعجزة.
وفي قوله ﴿ إن كنت من الصادقين ﴾ إن سلم أنه قاله جداً لا هزلاً وجدالاً دلالة على ما ركز في العقول من أن دعوى الرسالة إن اقترنت بظهور المعجزة على يده تحقق صدقها.
وقد شنع في الكشاف ههنا أن في أهل القبلة من خفي عليهم ما لم يخف على فرعون حتى جوزوا القبيح عليه ولزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات.
وفي التخطئة سهو من وجهين: أحدهما: أنه لا قبيح عند الأشاعرة عقلاً.
والثاني أنه على تقدير التسليم لا يلزم تجويز كل قبيح وهذا من ذلك للزوم الاشتباه.
وباقي القصة سبق نظيرها في "الأعراف" فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالسورة.
قوله ﴿ قال للملأ حوله ﴾ قال في الكشاف: الظرف في محل النصب على الحال.
وأقول: الأصوب أن يجعل نعتاً للملأ أي الأشراف حوله على طريقة قوله: ولقد أمرّ على اللئيم يسبني *** قوله ﴿ لمقيات يوم معلوم ﴾ اليوم يوم الزينة وميقاته وقت الضحى كما مر في "طه".
قوله ﴿ هل أنتم مجتمعون ﴾ استبطاء لهم في الاجتماع وحث عليه كقول الرجل لغلامه: هل أنت منطلق إذا أراد أن يحثه على الانطلاق.
قوله ﴿ لعلنا نتبع السحرة ﴾ لم يكن غرضهم اتباع السحرة في دينهم وإنما غرضهم الأصلي أن لا تتبعوا موسى، فساقوا الكلام مساق المجاز لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى.
قوله ﴿ بعزة فرعون ﴾ هي من أيمان الجاهلية ولا يصح الحلف في الإسلام إلا بالله وبصفاته كما مر في "البقرة" و"المائدة".
وقوله ﴿ فألقى السحرة ﴾ لم يسم فاعله وهو الله في الحقيقة حين ألقى داعية الإيمان في قلوبهم ويجوز أن ينسب إلى ما عاينوا من المعجزات الباهرة ولك أن لا تقدر فاعلاً أي خروا.
قوله ﴿ لا ضير ﴾ أي لا ضير علينا فيما يتوعدنا به من القتل.
قوله ﴿ إنا نطمع ﴾ الطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين كقوله إبراهيم ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي ﴾ ويحتمل الظن بناء على أن المرء لا يعلم ما يختاره أو يؤل إليه عند الوفاة.
ومعنى ﴿ أن كنا ﴾ لأن كنا وكانوا أوّل طائفة مؤمنين من أهل زمانهم أو من قوم فرعون أو من أهل المشهد.
قوله: ﴿ إِنكم متبعون ﴾ تعليل للإسراء أي بنيت تدبير أمركم على أن تتقدموا لو يتبعكم فرعون وجنوده إلى أن يغشاهم من اليم ما يغشاهم.
قوله: ﴿ لشرذمة ﴾ هي الطائفة القليلة.
ثم وصفهم بالقلة واختار جمع السلامة ليدل على أن كل حزب منهم في غاية القلة، وذلك بالنسبة إلى عسكره وإلا فهم كثير في أنفسهم.
يروى أن فرعون أرسل في اثرهم الف ألف وخمسمائة الف ملك مسور مع كل ملك الف وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت على مقدّمته سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة، وكان قوم موسى إذ ذاك ستمائة ألف وسبعين ألفاً.
ويجوز أن يريد بالقلة الذلة والحقارة لا قلة العدد.
قوله: ﴿ وإنهم لنا لغائطون ﴾ معناه أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم ولكنهم يفعلون أفعالاً لغيظنا كأخذ الحلي وادّعاء الاستقلال والاستخلاص عن ذل الاستخدام ونحن قوم مجموعون كلمة وائتلافاً، ومن عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور.
فالحذر المتيقظ وهو يفيد الثبات والحاذر الذي يجدد حذره.
وقيل: هو تام السلاح لأنه فعل ذلك حذراً واحتياطاً لنفسه، وكل هذه المعاذير لأجل أن لا يظن به العجز وخلاف ما ادّعاه من القهر والتسلط.
وقرئ ﴿ حادرون ﴾ بالدال غير المعجمة، والحادر السمين القوي أراد أنهم أقوياء أشدّاء.
﴿ فأخرجناهم من جنات ﴾ أي بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة.
قال مجاهد: سماها كنوزاً لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله .
والمقام الكريم المنازل الحسنة والمجالس البهية.
وقال الضحاك: المنابر.
وقيل: السرر في الحجال.
﴿ كذلك ﴾ يحتمل النصب أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا، والجر على الوصف أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، ولارفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، وعلى هذا فيوقف على ﴿ كريم ﴾ .
﴿ فأتبعوهم ﴾ اي فلحقوهم.
ومن قرأ بالتشديد فظاهر.
والإشراق الدخول في وقت الشروق ﴿ فلما تراءى الجمعان ﴾ أي رأى قوم موسى قوم فرعون وحصل كل من الفريقين بمرأى للآخر ﴿ قال أصحاب موسى ﴾ خوفاً وفزعاً ﴿ إنا لمدركون ﴾ لملحقون.
قال موسى تثبيتاً لهم وردعاً عماهم عليه من الجزع والفزع ﴿ كلا إن معي ربي ﴾ بالنصرة والمعونة ﴿ سيهدين ﴾ سبيل النجاة والخلاص كما وعدني.
ثم بين أنه كيف هداه بقوله ﴿ فأوحينا ﴾ الآية.
ومعنى ﴿ فانفلق ﴾ فضرب فانفلق ﴿ فكان كل فرق ﴾ اي كل جزء متفرق منفلق منه ﴿ كالطود ﴾ وهو الجبل العظيم ومع ذلك وصفه بالعظيم ﴿ وأزلفنا ثم ﴾ أي قربنا حيث انفلق البحر ﴿ الآخرين ﴾ وهم قوم فرعون والمقرب منه بنو إسرائيل أو قوم فرعون أيضاً أي أدنينا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد، ويجوز أن يراد قدمانهم إلى البحر.
وقرئ ﴿ وأزلقنا ﴾ بالقاف أي أزللنا أقدامهم حساً بأن لم يكن لهم البحر يبساً كما كان لبني إسرائيل، أو عقلاً أي أذهبنا عزهم.
والبحر بحر القلزم أو بحر من وراء مصر يقال له أساف.
قالت الأشاعرة: إنه أضاف الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم في طلب موسى كفر.
أجاب الجبائي بأن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله ، فلما كان مسيرهم بتدبير الله وهؤلاء تبعوهم اضافه إلى نفسه توسعاً، وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول: أتعبني الغلام لما حدث ذلك عند فعله.
أو المراد أزلفناهم إلى الموت والأجل.
وقال الكعبي: أراد أنه جمع تفرقهم كيلا يصلوا إلى موسى وقومه، أو اراد أنه حلم عنهم وترك لهم لابحر يابساً حتى طمعوا في دخوله.
واعترض بأن كل ذلك لا بد أن يكون له أثر في استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم فيعود المحذور.
﴿ إن في ذلك ﴾ الذي حدث في البحر من إنجاء البعض وإغراق البعض أو في ذلك أي ذكر من القصة بطولها ﴿ لآية ﴾ عجيبة للمتدبر المتفكر في الأمور الإلهية ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ حين سألوا بعد النجاة أن يجعل لهم موسى إلهاً غير الله، واتخذوا العجل، واقترحوا اقتراحات خارجة عن قانون الأدب.
ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الأمة بدليل ﴿ واتل عليهم ﴾ وفيه تسلية لرسول الله فقد كان يغتم بتكذيب قومه بعد ظهور المعجزات ونزول الآيات.
التأويل: الطاء طوله في كمال عظمته، والسين سلامته عن كل عيب ونقص، والميم مجده الذي لا نهاية له.
أو الطاء طهارة قلب نبيه عن تعلقات الكونين، والسين سيادته على الأنبياء والمرسلين، واليمم مشاهدته جمال رب العالمين.
أو الطاء طيران الطائرين بالله، والسين سير السائرين إلى الله، والميم مشي الماشين لله الذين يمشون على الأرض هوناً.
﴿ إن نشأ ننزل ﴾ من سماء قلوبهم ﴿ آية ﴾ من واردات الحق ﴿ فظلت ﴾ أعناق نفوسهم ﴿ لها خاضعين ﴾ ﴿ فسيأتيهم ﴾ بعد مفارقة الأرواح الأجساد ﴿ أنباء ما كانوا به يستهزؤن ﴾ لظهور نتائج معاملاتهم الخبيثة على أرواحهم ﴿ أو لم يروا إلى ﴾ أرض قلوب العارفين ﴿ كما أنبتنا فيها ﴾ من اشجار أصناف الإيمان والتوكل واليقين والإخلاص وسائر الأخلاق الكريمة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن جناب الحق لعزته يجل عن أن يكون شرعة لكل وارد ﴿ وإن ربك لهو العزيز ﴾ الذي لا يوجد بالسعي ﴿ الرحيم ﴾ حين أدرك أولياءه بجذبات العناية كما أدرك موسى حين ناداه من الشجرة، وذلك لأنه جعله مظهر لطفه كما أ نه جعل فرعون مظهر قهره فصار من العتوّ والاستكبار في غاية الكمال.
ويعلم منه أن الإنسان له استعداد في مظهرية صفة القهر ليس لإبليس فلذلك عاند إبليس آدم وقال أنا خير منه وعاند فرعون الرب وقال أنا ربكم الأعلى.
وأن له استعداداً في مظهرية صفة اللطف ليس للملك ولهذا صار الإنسان مسجوداً للملائكة.
﴿ أن أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيه أن موسى القلب مرسل إلى فرعون النفس لئلا تستعيد الصفات الروحانية فإن لفرعون النفس في البداية استيلاء على موسى القلب والصفات الروحانية فاستعملهم في قضاء حوائجه وتحصيل مقاصده فعرفه فرعون النفس وقال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ فإن موسى القلب كان في حجر فرعون النفس إلى أن بلغ أوان الحلم وهي خمس عشرة سنة، فقتل قبطي الشهوة حين كفر بإله الهوى وكان قبل القتل ضالاً عن حضرة الربوبية ﴿ ففرت منكم ﴾ غلى الله لما خفت أن تقطعوا عليّ الطريق إلى الله.
رب سموات القلوب وأرض البشرية وما بينهما من المنازل ﴿ قال لمن حوله ﴾ من صفات النفس ﴿ الا تستمعون ﴾ ﴿ قال موسى ﴾ القلب لتعارفه بربه ﴿ ربكم ورب آبائكم الأوّلين ﴾ يعني الآباء العلوية الرحانية.
وفي قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ إشارة إلى كمال ضدية القلب والنفس فما يصدر عن القلب تعده النفس من الجنون وبالعكس.
﴿ رب ﴾ مشرق الروح من أفق البدن ﴿ ورب ﴾ مغربه فيه ﴿ وما بينهما ﴾ من مدة التعلق وقد مر نظيره في محاجة إبراهيم في "البقرة" ﴿ لأجعلنك من المسجونين ﴾ في سجن حب الدنيا فإن القلب إذا توجه إلى الله فلا استيلاء للنفس عليه إلا بشبكة حب النجاة والرياسة فإنها آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين.
فقال موسى القلب: لا تقدر على أن تسجنني فإن معي عصا الذكر واليد المنزعة عما سوى الله.
وباقي التأويل قد سبق قوله: ﴿ فأخرجناهم ﴾ أي ﴿ من جنات ﴾ صفات الأوصاف الروحانية ﴿ وعيون ﴾ الحكمة ﴿ وكنوز ﴾ المعارف ﴿ ومقام كريم ﴾ في حضرة أكرم الأكرمين ﴿ وأورثاها بني إسرائيل ﴾ فيه أن النفس إذا فنيت ورث القلب منها صفاتها وبقوتها تصير إلى مقامات لم يمكنه الوصول إليها بقوة صفاته، ولو مات القلب ورثت النفس منه صفاته وبقوتها تتنزل إلى دركات لم يمكنها الوصول إليها بمجرد صفاتها ﴿ فأتبعوهم ﴾ أي لحق أوصاف النفس أوصاف القلب عند إشراق شمس الروح ﴿ فكان كل فرق ﴾ فيه أن كل صفة من أوصاف الروح كجبل عظيم في العبور عنه.
﴿ وأزلفنا ثم الآخرين ﴾ أي قربنا صفات النفس بتبعية صفات القلب إلى بحر الروح.
﴿ وأنجينا موسى ومن معه ﴾ من الأوصاف في بحر الروح بالوصول إلى الحضرة ﴿ ثم أغرقنا ﴾ أوصاف النفس في بحر الروحانية فإن الوصول إلى الحضرة من خواص القلب وغاية سير النفس هو الاستغراق في بحر الروحانية ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ لأرباب العرفان ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ بهذه المنازل فإنه لا يصير إليها إلا الشاذ من المجذوبين بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ جعلنا الله من المستعدين لها والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال له فرعون: ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ : يذكر نعمته التي أنعمها عليه بتربيته إياه صغيراً، وكونه فيهم دهرا، وكفران موسى لما أنعم عليه وهو ما قال: ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ، وهو قتل ذلك القبطي الذي وكزه موسى فقضى عليه، فأقر له موسى بذلك، فأخبر أنه فعل ذلك حيث قال: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ ﴾ أي: فعلت ذلك وأنا كنت من الجاهلين، لا يعلم أن وكزته تلك تقتله، وإلا لو علم ما وكزه؛ لأنه لم يكن يحل له قتله حيث قال: ﴿ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ ؛ دل ذلك منه أنه كان لم يحل قتله إلا أنه جرى ذلك على يده خطأ وجهلا.
وفيه دلالة أن الرجل قد ينهى ويؤاخذ بما يجري على يده خطأ وجهلا، ويخاطب بذلك حيث قال: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ ﴾ .
ثم قال: ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ﴾ : وهو حين قال ذلك الرجل: ﴿ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ ﴾ الآية [القصص: 20]، فخرج منها خائفاً يترقب، وذلك فراره منهم.
وقوله: ﴿ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً ﴾ أي: نبوة.
وقال بعضهم: حكما، أي: منَّ عليّ بالحكم وجعلني من المرسلين، وقد كان ذلك له كله.
وقوله: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ : وهو استعبادك إياهم، أي: إذا ذكرت هذا فاذكر ذاك، هذا يحتمل وجوهاً.
أحدها: أن تذكر ما أنعمت عليّ وتمنها، ولا تذكر مساوئك ببني إسرائيل، وهو استعبادك إياهم، أي: إذا ذكرت هذا فاذكر ذاك.
والثاني: أن تلك نعمة تمنها عليّ حيث لم تعبدني وعبّدت بني إسرائيل، يخرج على قبول المنة منه.
والثالث: وتلك نعمة لو خليت عن بني إسرائيل ولم تستعبدهم لولوا ذلك عنك، وتمام هذا يقول موسى لفرعون: أتمن عليّ يا فرعون بأن اتخذت بني إسرائيل عبيداً، وكانوا أحراراً فقهرتهم؟!
وقال موسى: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ ﴾ أي: من الجاهلين بذلك أنه يتولد من وكزته الموت؛ وكذلك روي في بعض الحروف: ﴿ وأنا من الجاهلين ﴾ ؛ دل أنه على الجهل ما فعل ذلك لا على القصد.
وقال بعضهم: في قوله: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ ﴾ يقول: وهذه منة تمنها بقوله: ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً ﴾ يقول: تمن بها عليّ أن تستعبد بني إسرائيل، وتمنّ عليّ بذلك.
ثم قال فرعون لموسى: ﴿ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، فقال له: ﴿ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ﴾ : من خلق، ﴿ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ ، ثم قال لمن حوله: ﴿ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ ﴾ .
إنما قال اللعين هذا - والله أعلم - لما وقع عنده أن موسى حاد عن جواب ما سأله؛ لأنه إنما سأله عن ماهيته فهو إنما أجابه عن قهره وربوبيته؛ فظن أنه حائد عن جواب ما سأله؛ وكذلك قال لقومه: ﴿ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ ﴾ إلى ما يقول موسى؛ تعجباً منه أني أسأله عن شيء وهو يجيبني عن شيء آخر.
ثم قال موسى: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، فقال عند ذلك: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ ، نسبه إلى الجنون لما ذكرنا أنه ظن أنه حائد عن الجواب في كل ما ذكر، إنما كان السؤال منه عن الماهية، وهو لم يجبه عنها، فعند ذلك قال موسى: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ، لم يجبه موسى في كل ما ذكر عن الماهية، ولكن أجابه في الأول في بيان ربوبيته وألوهيته حيث قال: ﴿ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ ذلك، فعرف اللعين أنه ليس هو رب السماوات والأرض لما يعلم أن لا صنع له في ذلك، وأنه لم ينشئهما ولكن أنشأهما رب العالمين على ما ذكر موسى، لكن كأنه لم يعرف حدوثهما ولا فناءهما بما ذكر له موسى؛ لما لم يشاهد حدوثهما وفناءهما، فلم يتقرر ذلك عنده لما يقع عنده أنهما كذلك كانا ويكونان أبداً، فعند ذلك احتاج إلى أن ذكر له ما يشاهد حدوثهما وفناءهما وهو ما قال: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ذكر له ما شاهد حدوثه وفناءه، فإذا عرف حدوث ما ذكر وفناءه يعرف أنه إذاً لم يكن بنفسه ولا كان نفسه، ولكن بمحدث أحدثه وبمدبر دبره.
ثم قال: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ﴾ : ذكر هاهنا قدرته وسلطانه، وهو ما يأتي بالنهار من المشرق، وبالليل من المغرب، ويطلع الشمس من المشرق، ويغربها من المغرب؛ وكذلك القمر والنجوم، ففيه دلالة البعث؛ لأن من قدر على أن يأتي بالنهار من كذا، وبالليل من ناحية كذا، والشمس والقمر من كذا - قادر على البعث، لا يعجزه شيء؛ ففي كل حرف من هذه الأحرف دلالة واستدلال على شيء ليس ذلك في الأخرى.
وفي قوله: ﴿ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ دلالة ربوبية الله وألوهيته.
وفي قوله: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ دلالة حدوث ما ذكر وفنائه، ودلالة محدث ومدبر.
وفي قوله: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ ﴾ دلالة قدرته وسلطانه على البعث على الوجه الذي ذكرنا.
وفي ذلك دلالة أن الله لا يعرف بالماهية ولا بما يحس، ولكنه إنما يعرف من جهة الاستدلال بخلقه، وبالآيات التي تدل على وحدانيته، حيث سأل فرعون موسى عن الماهية، فأجاب على الاستدلال بخلقه.
ثم قال اللعين: ﴿ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ ﴾ : قال بعضهم: إنما أوعده السجن ولم يوعده القتل؛ لأنه طلب منه الحجة على ما ادعى من الرسالة حيث قال: ﴿ فَأْتِ بِهِ ﴾ الآية، ولو قتله لكان لا يقدر على إتيانها.
وقال بعضهم: لا، ولكن كان سجنه أشد من القتل ومن كل عقوبة.
فقال له موسى: ﴿ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: ما يبين ربوبية الله وألوهيته أو ما يبين أني رسول الله، فقال له فرعون: ﴿ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ بالرسالة، وبما ادّعيت، فدل قول فرعون لموسى حيث قال له: ﴿ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ أنه قد عرف أنه رسول، وأنه ليس بإله على ما ادعى، وأن الإله غيره حيث طلب هذه الآية.
وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ بالآيات التي تدل على وحدانية الله ومشيئته، ذكر هذا مقابل إنكارهم الصانع.
والإيقان: هو العلم الذي يستفاد من جهة الاستدلال؛ ولذلك لا يقال لله: موقن.
وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ : صلة قوله: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾ : قال بعضهم: الثعبان: هو الكبيرة العظيمة من الحيات.
وقال في موضع آخر: ﴿ تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ ﴾ ، فجائز أن تكون كالثعبان بعد ما طرحها وألقاها، وقبل أن يطرحها كالجان وهي الحية الصغيرة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾ : بياضاً خارجاً عن خلقة البشرية، وخارجاً عن الآفة على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ .
وقوله: ﴿ قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ﴾ : هذا منه إغراء وتحريش منه لقومه على موسى؛ لئلا ينظروا إليه بعين التعظيم؛ لعظيم ما أتاهم من الآية وأراهم، حيث قال: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ﴾ ، وموسى كان لم يرد إخراجهم من أرضهم، ولكن ذلك إغراء منه لهم عليه؛ لئلا يتبعوه؛ كأنه يقول: يريد أن يخرجكم من أرضكم فيفسد عليكم معاشكم، ويضيق عليكم مقامكم ومتقلبكم.
وقوله: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ : هذا يبين أنه كان عرف أنه ليس بإله، فبين دناءته وقلة معرفته؛ لأنه لا يقول ملك من الملوك لقومه: ماذا تأمرون، وخاصة من يدعي لنفسه الألوهية بقوله: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي ﴾ ؛ فدل أنه كان خسيس الهمة في الرأي والبال.
<div class="verse-tafsir"
قال فرعون لموسى : ألم نربّك لدينا صغيرًا، ومكثت فينا من عمرك سنين، فما الَّذي دعاك إلى ادعاء النبوة؟
<div class="verse-tafsir" id="91.Q0kzQ"