الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ١٨٠ من سورة الشعراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 56 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨٠ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول: ( وَمَا أَسْأَلُكُمْ ) على نصحي لكم من جزاء وثواب, ما جزائي وثوابي على ذلك ( إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ أَوْفُوا الْكَيْلَ ).
لا يوجد تفسير لهذه الأية
( وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ) وإنما كانت دعوة هؤلاء الأنبياء كلهم فيما حكى الله عنهم على صيغة واحدة لاتفاقهم على الأمر بالتقوى والطاعة والإخلاص في العبادة والامتناع من أخذ الأجر على الدعوة وتبليغ الرسالة .
«وما أسألكم عليه من أجر إن» ما «أجري إلا على رب العالمين».
كذَّب أصحاب الأرض ذات الشجر الملتف رسولهم شعيبًا في رسالته، فكانوا بهذا مكذِّبين لجميع الرسالات.
إذ قال لهم شعيب: ألا تخشون عقاب الله على شرككم ومعاصيكم؟
إني مرسَل إليكم مِنَ الله لهدايتكم، حفيظ على ما أوحى الله به إليَّ من الرسالة، فخافوا عقاب الله، واتبعوا ما دعوتكم إليه مِن هداية الله؛ لترشدوا، وما أطلب منكم على دعائي لكم إلى الإيمان بالله أيَّ جزاء، ما جزائي إلا على رب العالمين.
وبمصارحتهم بأنه لا يسألهم أجراً على دعوته إياهم إلى ما يسعدهم .
القصة السابعة: قصة شعيب عليه السلام: قرئ ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ بالهمزة وبتخفيفها وبالجر على الإضافة وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب وزعم أن ليكة بوزن ليلة اسم بلد يعرف فتوهم قاد إليه خط المصحف حيث وجدت مكتوبة في هذه السورة وفي سورة ص بغير ألف لكن قد كتبت في سائر القرآن على الأصل والقصة واحدة على أن ليكة اسم لا يعرف، روي أن أصحاب الأيكة كانوا أصحاب شجر ملتف وتلك الشجر هي التي حملها المقل، فإن قيل هلا قال أخوهم شعيب كما في سائر المواضع جوابه: أن شعيباً لم يكن من أصحاب الأيكة، وفي الحديث: «إن شعيباً أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة» ثم إن شعيباً عليه السلام أمرهم بأشياء أحدها: قوله: ﴿ أَوْفُواْ الكيل وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المخسرين ﴾ وذلك لأن الكيل على ثلاثة أضرب واف وطفيف وزائد فأمر بالواجب الذي هو الإيفاء بقوله: ﴿ أَوْفُواْ الكيل ﴾ ونهى عن المحرم الذي هو التطفيف بقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المخسرين ﴾ ولم يذكر الزائد لأنه بحيث إن فعله فقد أحسن وإن لم يفعله فلا إثم عليه، ثم إنه لما أمر بالإيفاء بين أنه كيف يفعل فقال: ﴿ وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم ﴾ قرئ ﴿ بالقسطاس ﴾ مضموماً ومكسوراً وهو الميزان، وقيل القرسطون.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ ﴾ يقال بخسه حقه إذا نقصه إياه وهذا عام في كل حق يثبت لأحد أن لا يهضم وفي كل ملك أن لا يغصب (علية) مالكه (ولا يتحيف منه) ولا يتصرف فيه إلا بإذنه تصرفاً شرعياً.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ ﴾ يقال عثا في الأرض وعثى وعاث وذلك نحو قطع الطريق والغارة وإهلاك الزرع، وكانوا يفعلون ذلك مع توليتهم أنواع الفساد فنهوا عن ذلك.
ورابعها: قوله تعالى: ﴿ واتقوا الذي خَلَقَكُمْ والجبلة الأولين ﴾ وقرئ (الجبلة) بوزن الأبلة وقرئ (الجبلة) بوزن الخلقة ومعناهن واحد أي ذوي الجبلة، والمراد أنه المتفضل بخلقهم وخلق من تقدمهم ممن لولا خلقهم لما كانوا مخلوقين، فلم يكن للقوم جواب إلا ما لو تركوه لكان أولى بهم وهو من وجهين: الأول: قولهم: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مِنَ المسحرين ﴾ ﴿ مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا ﴾ فإن قيل: هل اختلف المعنى بإدخال الواو هاهنا وتركها في قصة ثمود؟
جوابه: إذا دخلت الواو فقد قصد معنيان كلاهما مناف للرسالة عندهم السحر والبشرية وإذا تركت الواو فلم يقصدوا إلا معنى واحداً وهو كونه مسحراً ثم قرره بكونه بشراً مثلهم الثاني: قولهم: ﴿ وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكاذبين ﴾ ومعناه ظاهر، ثم إن شعيباً عليه السلام كان يتوعدهم بالعذاب إن استمروا على التكذيب فقالوا: ﴿ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مّنَ السماء ﴾ قرئ ﴿ كِسَفًا ﴾ بالسكون والحركة وكلاهما جمع كسفة وهي القطعة والسماء السحاب أو الظلة، وهم إنما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوعه فظنوا أنه إذا لم يقع ظهر كذبه فعنده قال شعيب عليه السلام: ﴿ رَبّى أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ فلم يدع عليهم بل فوض الأمر فيه إلى الله تعالى فلما استمروا على التكذيب أنزل الله عليهم العذاب على ما اقترحوا من عذاب يوم الظلة إن أرادوا بالسماء السحاب، وإن أرادوا الظلة فقد خالف بهم عن مقترحهم يروى أنه حبس عنهم الريح سبعاً وسلط عليهم الرمل فأخذ بأنفاسهم، لا ينفعهم ظل ولا ماء فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً ونسيماً فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا، وروي أن شعيباً بعث إلى أمتين أصحاب مدين وأصحاب الأيكة فأهلكت مدين بصيحة جبريل عليه السلام وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة، وهاهنا آخر الكلام في هذه القصص السبع التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما ناله من الغم الشديد، بقي هاهنا سؤالان: السؤال الأول: لم لا يجوز أن يقال: إن العذاب النازل بعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ما كان ذلك بسبب كفرهم وعنادهم، بل كان ذلك بسبب قرانات الكواكب واتصالاتها على ما اتفق عليه أهل النجوم؟
وإذا قام هذا الاحتمال لم يحصل الاعتبار بهذه القصص، لأن الاعتبار إنما يحصل أن لو علمنا أن نزول هذا العذاب كان بسبب كفرهم وعنادهم.
الثاني: أن الله تعالى قد ينزل العذاب محنة للمكلفين وابتلاء لهم على ما قال: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين ﴾ ولأنه تعالى قد ابتلى المؤمنين بالبلاء العظيم في مواضع كثيرة وإذا كان كذلك لم يدل نزول البلاء بهم على كونهم مبطلين والجواب: أن الله تعالى أنزل هذه القصص على محمد صلى الله عليه وسلم تسلية وإزالة للحزن عن قلبه، فلما أخبر الله تعالى محمداً أنه هو الذي أنزل العذاب عليهم، وأنه إنما أنزله عليهم جزاء على كفرهم، على محمد صلى الله عليه وسلم أن الأمر كذلك، فحينئذ يحصل به التسلية والفرح له عليه السلام، واحتج بعض الناس على القدح في علم الأحكام بأن قال المؤثر في هذه الأشياء، إما الكواكب أو البروج أو كون الكوكب في البرج المعين، والأول باطل، وإلا لحصلت هذه الآثار أين حصل الكوكب والثاني أيضاً باطل، وإلا لزم دوام الأثر بدوام البرج والثالث أيضاً باطل، لأن الفلك على قولهم بسيط لا مركب فيكون طبع كل برج مساوياً لطبع البرج الآخر في تمام الماهية، فيكون حال الكوكب وهو في برجه كحاله وهو في برج آخر، فيلزم أن يدوم ذلك الأثر بدوام الكوكب، وللقوم أن يقولوا لم لا يجوز أن يكون صدور الأثر عن الكوكب المعين موقوفاً على كونه مسامتاً مسامتة مخصوصة لكوكب آخر، فإذا فقدت تلك المسامتة فقد شرط التأثير فلا يحصل التأثير؟
ولهم أن يقولوا هذه الدلالة، إنما تدل على أنها ليست مؤثرة بحسب ذواتها وطبائعها، ولكنها لا تدل على أنها ليست مؤثرة بحسب جري العادة، فإذا أجرى الله تعالى عادته بحصول تأثيرات مخصوصة عقيب اتصالات الكواكب وقراناتها وأدوارها لم يلزم من حصول هذه الآثار القطع بأن الله تعالى إنما خلقها لأجل زجر الكفار بل لعله تعالى خلقها تكريراً لتلك العادات، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ بالهمزة وبتخفيفها، وبالجرّ على الإضافة وهو الوجه.
ومن قرأ بالنصب وزعم أن (ليكة) بوزن ليلة: اسم بلد، فتوهم قاد إليه خط المصحف، حيث وجدت مكتوبة في هذه السورة وفي سورة ص بغير ألف.
وفي المصحف أشياء كتبت على خلاف قياس الخط المصطلح عليه، وإنما كتبت في هاتين السورتين على حكم لفظ اللافظ، كما يكتب أصحاب النحو لان، ولولى: على هذه الصورة لبيان لفظ المخفف، وقد كتبت في سائر القرآن على الأصل، والقصة واحدة، على أن (ليكة) اسم لا يعرف.
وروي أن أصحاب الأيكة كانوا أصحاب شجر ملتف.
وكان شجرهم الدوم.
فإن قلت: هلا قيل: أخوهم شعيب.
كما في سائر المواضع؟
قلت: قالوا: إن شعيباً لم يكن من أصحاب الأيكة.
وفي الحديث: «أن شعيباً أخا مدين، أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ ﴾ الأيْكَةُ غَيْضَةٌ تُنْبِتُ ناعِمَ الشَّجَرِ يُرِيدُ غَيْضَةً بِقُرْبِ مَدْيَنَ تَسْكُنُها طائِفَةٌ فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا كَما بَعَثَهُ إلى مَدْيَنَ وكانَ أجْنَبِيًّا مِنهم فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ ﴾ ولَمْ يَقُلْ أخُوهم شُعَيْبٌ.
وقِيلَ الأيْكَةُ شَجَرٌ مُلْتَفٌّ وكانَ شَجَرُهُمُ الدَّوْمَ وهو المِقْلُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ «لَيْكَةِ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإبْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ وقُرِئَتْ كَذَلِكَ مَفْتُوحَةً عَلى أنَّها لَيْكَةُ وهي اسْمُ بَلْدَتِهِمْ، وإنَّما كُتِبَتْ ها هُنا وفي ص بِغَيْرِ ألِفٍ إتْباعًا لِلَّفْظِ.
﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ ﴾ .
﴿ أوْفُوا الكَيْلَ ﴾ أتِمُّوهُ.
﴿ وَلا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ ﴾ النّاقِصِينَ حُقُوقَ النّاسِ بِالتَّطْفِيفِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أوْفُوا الكَيْلَ ﴾ أيْ: أتِمُّوهُ ﴿ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ ﴾ أيْ: حُقُوقَ النّاسِ بِالتَّطْفِيفِ، ولَعَلَّ المُبالَغَةَ المُسْتَفادَةَ مِنَ التَّرْكِيبِ مُتَوَجِّهَةٌ إلى النَّهْيِ، أوْ أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ المَفْهُومُ لِنَحْوِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً ﴾ وأيّا ما كانَ فَفي النَّهْيِ المَذْكُورِ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ عَلَيْهِ ﴿ وزِنُوا ﴾ المَوْزُوناتِ ﴿ بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ﴾ أيْ: بِالمِيزانِ السَّوِيِّ، وقِيلَ: القِسْطاسُ القَبّانُ، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وهو عِنْدَ بَعْضٍ مُعَرَّبٌ رُومِيُّ الأصْلِ ومَعْناهُ العَدْلُ، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وعِنْدَ آخَرِينَ عَرَبِيٌّ، فَقِيلَ: هو مِنَ القِسْطِ ووَزْنُهُ فِعْلاعٌ بِتَكْرِيرِ العَيْنِ شُذُوذًا؛ إذْ هي لا تُكَرَّرُ وحْدَها مَعَ الفَصْلِ بِاللّامِ، وقِيلَ: مِن قَسْطَسَ وهو رُباعِيٌّ ووَزْنُهُ فِعْلالٌ، والمُرادُ الأمْرُ بِوَفاءِ الوَزْنِ وإتْمامِهِ، والنَّهْيُ عَنِ النَّقْصِ دُونَ النَّهْيِ عَنِ الزِّيادَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْها ولَمْ يُؤْمَرْ بِها في الكَيْلِ والوَزْنِ، وكَأنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَها فَقَدْ أحْسَنَ ومَن لَمْ يَفْعَلْها فَلا عَلَيْهِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ مَعْنى ﴿ وزِنُوا ﴾ إلَخْ: وعَدِّلُوا أُمُورَكم كُلَّها بِمِيزانِ العَدْلِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ، والظّاهِرُ إذْ عادَلَ سُبْحانَهُ بِهِ ﴿ أوْفُوا الكَيْلَ ﴾ ما تَقَدَّمَ.
وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ «بِالقُسْطاسِ» بِضَمِّ القافِ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي الْأَيْكَةِ بكسر الهاء وبالألف، وقرأ الباقون ليكة بغير ألف ونصب الهاء، لأن ليكة اسم بلد ولا تنصرف.
من قرأ الأيكة فلأنها عرفت بالألف واللام، فيصير خفضا بالإضافة وقرئ في الشاذ: ليكة بكسر الهاء بغير ألف، لأن الأصحاب مضاف إلى ليكة، فصار اسماً واحداً.
ويقال: الْأَيْكَةِ هي الشجرة الملتفة يقال: أيك وأيكة، مثل أجم وأجمة، ويقال: شجرة الدوم، وهو شجر المقل كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ.
ثم قال عز وجل: إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ ولم يقل أخوهم، قال بعضهم: كان شعيب بعث إلى قومين أحدهما: مدين، وكان شعيب منهم، فسماه أخاهم حيث قال: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً [هود: 84] ، والآخر: أصحاب الأيكة، ولم يكن شعيب منهم، فلم يقل أخوهم وقال بعضهم: كان مدين والأيكة واحداً، وهو الغيضة بقرب مدين، فذكره في موضع أخوهم، ولم يذكره في الآخر.
ثم قال: أَلا تَتَّقُونَ يعني: ألا تخافون الله تعالى فتوحدوه إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ وقد ذكرناه.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ قرأ نافع وابن كثير «١» وابن عامر:
«أَصْحَابُ لَيْكَةَ» على وزن فَعْلَةَ هنا، وفي [ص] وقرأ الباقون: «الأَيْكَةِ» وهي: الدوحة المُلْتَفَّةُ من الشجر على الإطلاق، وقيل من شجر معروف له غضارة تألفه الحمام والقُمَارِيُّ ونحوها، و «لَيْكَة» اسم البلد في قراءة مَنْ قرأ ذلك قاله بعض المفسرين، وذهب قوم إلى أنّها مسهّلة من الأيكة، وأنّها وقعت في المصحف هنا وفي «ص» بغير ألف.
وقوله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥] وكذلك ما بعده بلفظ الجمع من حيث إنَّ تكذيب نَبِيٍّ واحد يستلزم تَكْذِيبَ جميعَ الأنبياء لأَنَّهم كلهم يدعون الخلق إلى الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، وفي قول الأنبياء- عليهم السلام-: «أَلا تتقون» عرض رفيق وَتَلَطُّفٌ، كما قال تعالى: فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى [النازعات: ١٨] والجِبِلَّةُ: الخليقة والقرون الماضية، والكسف: القطع، واحدها كسفة، ويَوْمِ الظُّلَّةِ: هو يوم عذابهم، وصورته فيما رُوِيَ أَنَّ الله امتحنهم بحرٍّ شديد، وأنشأ الله سحابة في بعض قطرهم فجاء بعضهم إلى ظِلِّها فوجد لها برداً ورَوْحاً، فتداعوا إليها/ حتى تكاملوا ٤٩ ب فاضطرمت عليهم ناراً، فأحرقتهم عن آخرهم.
وقيل غير هذا، والحق أَنَّه عذاب جعله الله ظلة عليهم.
وقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني القرآن.
وقوله: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ متعلق ب نَزَلَ، أي: سمعه النبي صلى الله عليه وسلّم من جبريل حروفاً عربيَّةً، وهذا هو القول الصحيح، وما سوى هذا فمردود.
وقوله سبحانه: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أي: القرآن مذكور في الكتب المُنَزَّلَة القديمة، مُنَبَّهٌ عليه، مُشَارٌ إليه أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ كَعَبْدِ الله بْنِ سَلاَمٍ ونحوه قاله ابن عباس ومجاهد «١» ، قال مُقَاتِلٌ «٢» : هذه الآية مدنية، وَمَنْ قال إنَّ الآية مَكِّيَّةٌ ذهب إلى أنَّ علماء بني إسرائيل ذكروا لقريش أَنَّ في التوراة صفَةَ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، وأَنَّ هذا زمانه، فهذه الإشارة إلى ذلك وذلك أَنَّ قريشاً بعثت إلى الأحبار يسألونهم عن أمر النبي صلى الله عليه وسلّم، ثم أخبر تعالى أَنَّ هذا القرآن لو سمعوه من أعجمَ، أي: من حيوان غير ناطق، أو من جماد، والأعجم: كل ما لا يفصح- ما كانوا يؤمنون، والأعجمون: جمع أَعْجَم، وهو الذي لا يُفْصِحُ، وإنْ كان عربيّ النَّسَبِ، وكذلك يقال للحيوانات والجمادات، ومنه الحديث: «جُرْحُ العجماء جبار» «٣» والعجميّ هو الذي نسبه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " أصْحابُ لَيْكَةِ " هاهُنا، وفي (ص: ١٣) بِغَيْرِ هَمْزٍ والتّاءُ مَفْتُوحَةٌ؛ وقَرَأ الباقُونَ: " الأيْكَةُ " بِالهَمْزِ فِيهِما والألِفِ.
وقَدْ سَبَقَ هَذا الحَرْفُ [الحِجْرِ: ٧٨] .
﴿ إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ﴾ إنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: أخُوهم، كَما قالَ في (الأعْرافِ: ٨٥)؟
فالجَوابُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن نَسْلِ أصْحابِ الأيْكَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: أخُوهم، وإنَّما أرْسَلَ إلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ أرْسَلَ إلى مَدْيَنَ، وهو مِن نَسْلِ مَدْيَنَ، فَلِذَلِكَ قالَ هُناكَ: أخُوهم، هَذا قَوْلُ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ.
وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (هُودٍ: ٩٤) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، أنَّ أهْلَ مَدْيَنَ عُذِّبُوا بِعَذابِ الظُّلَّةِ، فَإنْ كانُوا غَيْرَ أصْحابِ الأيْكَةِ كَما زَعَمَ مُقاتِلٌ، فَقَدْ تَساوَوْا في العَذابِ، وإنْ كانَ أصْحابُ مَدْيَنَ هم أصْحابُ الأيْكَةِ، وهو مَذْهَبُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ كانَ حَذْفُ ذِكْرِ الأخِ تَخْفِيفًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أوفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ ﴾ ﴿ وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ﴾ ﴿ وَلا تَبْخَسُوا الناسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ ﴾ ﴿ وَما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ ﴾ ﴿ فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابُ يَوْمِ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ قالَ النَقّاشُ: في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيٍّ، وحَفْصَةَ: "إذْ قالَ لَهم أخُوهم شُعَيْبٌ"، وقالُوا: ولا وجْهَ لِمُراعاةِ النَسَبِ، وإنَّما هو أخُوهم مِن حَيْثُ هو رَسُولُهم وآدَمِيٌّ مِثْلُهم.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "لَيْكَةَ" عَلى وزْنِ فَعْلَةَ هُنا وفي "ص"، وقَرَأ الباقُونَ: "الأيْكَةُ" وهي الدَوْحَةُ المُلْتَفَّةُ مِنَ الشَجَرِ عَلى الإطْلاقِ، وقِيلَ: مِن شَجَرٍ مَعْرُوفٍ لَهُ غَضارَةٌ يَأْلَفُهُ الحَمامُ والقَمارِيُّ ونَحْوُها، وقالَ قَتادَةُ: كانَ شَجَرُهم هَذا دَوْمًا.
و"لَيْكَةُ" اسْمُ البَلَدِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ ذَلِكَ، قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، ذَكَرَهُ أبُو عَبِيدٍ القاسِمُ بْنُ سَلّامٍ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها مُسَهَّلَةٌ مِنَ الأيْكَةِ، وأنَّها وقَعَتْ في المُصْحَفِ هُنا وفي سُورَةِ "ص" بِغَيْرِ ألِفٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: سُقُوطُ ذَلِكَ مِنَ المُصْحَفِ لا يُرَجِّحُ النُطْقَ بِها هَكَذا؛ لِأنَّ خَطَّ المُصْحَفِ اتُّبِعَ فِيهِ تَسْهِيلُ اللَفْظِ، كُلَّما سَقَطَتِ الألِفُ مِنَ اللَفْظِ سَقَطَتْ مِنَ الخَطِّ، نَحْوُ سُقُوطِ الواوِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ ﴾ ، لَمّا سَقَطَ مِنَ اللَفْظِ، وأمّا تَرْجِيحُ القِراءَةِ في "لَيْكَةَ" بِفَتْحِ الياءِ في مَوْضِعِ الجَرِّ فَلا يَقْتَضِيهِ ما في المُصْحَفِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ، ويَدُلُّ عَلى ضَعْفِها أنَّ سائِرَ ما في القُرْآنِ غَيْرُ هَذَيْنَ المَوْضِعَيْنِ مُجْمَعٌ فِيهِ عَلى "الأيْكَةِ" بِالهَمْزِ والألِفِ والخَفْضِ.
وكانَتْ مُدُنُ القَوْمِ سَبْعَةً فِيما رُوِيَ، ولَمْ يَكُنْ شُعَيْبٌ مِنهُمْ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ هُنا بِأنَّهُ أخٌ لَهُمْ، وإنَّما كانَ مِن بَنِي مَدْيَنَ، ولِذَلِكَ ذَكَّرَ بِأخُوهُمْ، وجاءَتِ الألْفاظُ في دُعاءِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ واحِدَةٌ بِعَيْنِها إذْ كانَ الإيمانُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ مَعْنًى واحِدًا بِعَيْنِهِ، وفي قَوْلِهِمْ عَلَيْهِمُ السَلامُ: " ألّا تَتَّقُونَ " عَرْضُ رَقِيقٍ وتَلَطُّفٍ، كَما قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى ﴾ .
وكانَتْ مَعْصِيَتُهُمُ المُضافَةُ إلى كُفْرِهِمْ؛ بِخْسَ المَوازِينِ وتَنْقُصُ أمْوالُ الناسِ بِذَلِكَ.
و"القِسْطاسُ": المُعْتَدِلُ مِنَ المَوازِينِ، وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ القِسْطِ، وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: "وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ" بِضَمِّ القافِ مِنَ "القِسْطاسِ"، وقَرَأ عِيسى وأهْلُ الكُوفَةِ بِكَسْرِها، و"تَعْثَوْا" مَعْناهُ: تُفْسِدُونَ، يُقالُ: "عَثا" إذا أفْسَدَ.
"والجِبِلَّةَ": القُرُونُ والخَلِيقَةُ الماضِيَةُ، وقالَ الشاعِرُ: والمَوْتُ أعْظَمُ حادِثٍ فِيما يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّةِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "والجِبِلَّةُ" بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ، وقَرَأ أبُو مُحَيْصِنٍ والحَسَنُ: "والجِبِلَّةُ" بِضَمِّها، و"الكِسَفُ": القَطْعُ، واحِدُها: كَسْفَةٌ، كَتَمْرَةٌ وتَمْرٌ، و ﴿ يَوْمِ الظُلَّةِ ﴾ يَوْمَ عَذابِهِمْ، وصُورَتُهُ -فِيما رُوِيَ- أنَّ اللهَ تَعالى امْتَحَنَهم بَحْرٍّ شَدِيدٍ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ اليَوْمَ غَشِيَ بَعْضَ قُطْرِهِمْ سَحابَةٌ، فاجْتَمَعُوا تَحْتَها، فاضْطَرَمَتْ عَلَيْهِمْ تِلْكَ السَحابَةُ نارًا فَأحْرَقَتْهم عن آخِرِهِمْ.
ولِلنّاسِ في حَدِيثِ يَوْمِ الظُلَّةِ تَطْوِيلاتٌ لا تَثْبُتُ، والحَقُّ أنَّهُ عَذابٌ جَعَلَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ظُلَّةً، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: مَن حَدَّثَكَ ما عَذابُ يَوْمِ الظُلَّةِ فَقَدْ كَذَبَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
استئنافُ تعدادٍ وتكرير كما تقدم في جملة: ﴿ كذبت عادٌ المرسلين ﴾ [الشعراء: 123].
ولم يقرن فعل ﴿ كذب ﴾ هذا بعلامة التأنيث لأن ﴿ أصحاب ﴾ جمعُ صاحب وهو مذكر معنىً ولفظاً بخلاف قوله: ﴿ كذبت قوم لوط ﴾ [الشعراء: 160] فإن (قوم) في معنى الجماعة والأمة كما تقدم في قوله: ﴿ كذبت قوم نوح المرسلين ﴾ [الشعراء: 105].
وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ﴿ لَيْكَةَ ﴾ بلام مفتوحة بعدها ياء تحتية ساكنة ممنوعاً من الصرف للعلمية والتأنيث.
وقرأه الباقون ﴿ الأيكة ﴾ بحرف التعريف بعده همزة مفتوحة وبجر آخره على أنه تعريف عهد لأَيكةٍ معروفة.
والأيكة: الشجر الملتف وهي الغيضة.
وعن أبي عبيد: رأيتها في الإمام مصحف عثمان رضي الله عنه في الحِجر وق ﴿ الأيكة ﴾ وفي الشعراء وص ﴿ لَيكة ﴾ واجتمعت مصاحف الأمصار كلها بعد ذلك ولم تختلف.
وأصحاب لَيكة: هم قوم شعيب أو قبيلة منهم.
قالوا: وكانت غيضتهم من شجر المُقْل (بضم الميم وسكون القاف وهو النبق) ويقال له الدَّوم (بفتح الدال المهملة وسكون الواو).
وإفرادها بتاء الوحدة على إرادة البقعة واسم الجمع: أيك، واشتهرت بالأيكة فصارت علماً بالغلبة معرفاً باللام مثل العَقبة.
ثم وقع فيه تغيير ليكون علماً شخصياً فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على لام التعريف وتنوسي معنى التعريف باللام.
وعن الزجاج: جاء في التفسير أن اسم المدينة التي أرسل إليها شعيب كان ليكة.
وعن أبي عبيد: وجدنا في بعض كتب التفسير أن لَيْكة اسم القرية والأيكة البلاد كلها كمكة وبَكة.
وهذا من التغيير لأجل التسمية، كما سموا شُمْساً بضم الشين ليكون علماً وأصله الشمس علماً بالغلبة.
والتغيير لأجل النقل إلى العلمية وارد بكثرة، ذكره ابن جنّي في «شرح مشكل الحماسة» عند قول تأبط شراً: إني لمُهْدٍ من ثنائي فقاصد *** به لابن عم الصدق شُمْس بن مالك وذكره في «الكشاف» في سورة أبي لهب.
وقد تقدم بيانه عند الكلام على البسملة قبل سورة الفاتحة، فلما صار اسم ليكة علماً على البلاد جاز منعه من الصرف لذلك، وليس ذلك لمجرد نقل حركة الهمزة على اللام كما توهمه النحّاس، ولا لأن القراءة اغترار بخط المصحف كما تعسّفه صاحب «الكشاف» على عادته في الاستخفاف بتوهيم القراء، وقد علمتم أن الاعتماد في القراءات على الرواية قبل نسخ المصاحف كما بيناه في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير فلا تتبعوا الأوهام المخطئة.
وقد اختلف في أن أصحاب ليكة هم مدين أو هم قوم آخرون ساكنون في ليكة جوار مدين أرسل شعيب إليهم وإلى أهل مدين.
وإلى هذا مال كثير من المفسرين.
روى عبد الله بن وهب عن جبير بن حازم عن قتادة قال: أُرسل شعيب إلى أمتين: إلى قومه من أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة.
وقال جابر بن زيد: أرسل شعيب إلى قومه أهل مدين وإلى أهل البادية وهم أصحاب الأيكة.
وفي «تفسير ابن كثير»: روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شعيب عليه السلام من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة بسنده إلى عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيباً النبي "، وقال ابن كثير: هذا غريب، وفي رفعه نظر، والأشبه أنه موقوف.
وروى ابن جريج عن ابن عباس أن أصحاب الأيكة هم أهل مدين.
والأظهر أن أهل الأيكة قبيلة غير مدين فإن مدين هم أهل نسب شعيب وهم ذرية مَدين بن إبراهيم من زوجه «قطورة» سكَن مدينُ في شرق بلد الخليل كما في التوراة، فاقتضى ذلك أنه وجده بلَداً مأهولاً بقوم فهم إذن أصحاب الأيكة فبنى مدين وبنُوه المدينةَ وتركوا البادية لأهلها وهم سكان الغيضة.
والذي يشهد لذلك ويرجحه أن القرآن لمَّا ذكرَ هذه القصةَ لأهل مدين وصف شعيباً بأنه أخوهم، ولما ذكرها لأصحاب ليكة لم يصف شعيباً بأنه أخوهم إذ لم يكن شعيب نسيباً ولا صهراً لأصحاب ليكة، وهذا إيماء دقيق إلى هذه النكتة.
ومما يرجح ذلك قوله تعالى في سورة الحجر (78، 79) ﴿ وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين ﴾ ، فجعل ضميرهم مثنى باعتبار أنهم مجموع قبيلتين: مدين وأصحاب ليكة.
وقد بيّنّا ذلك في سورة الحجر.
وإنما تُرسل الرسل من أهل المدائن قال تعالى: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً يُوحَى إليهم من أهل القرى ﴾ [يوسف: 109] وتكون الرسالة شاملة لمن حول القرية.
وافتتح شعيب دعوته بمثل دعوات الرسل من قبله للوجه الذي قدمناه.
وشمل قوله: ﴿ ألا تتقون ﴾ النهي عن الإشراك فقد كانوا مشركين كما في آية سورة هود.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ القَبّانُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: الحَدِيدُ، رَواهُ ابْنُ المُبارَكِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ المِعْيارُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: المِيزانُ، قالَهُ الأخْفَشُ والكَلْبِيُّ.
الخامِسُ: العَدْلُ.
واخْتَلَفَ قائِلُو هَذا التَّأْوِيلِ فِيهِ هَلْ هو عَرَبِيٌّ أوْ رُومِيٌّ؟
فَقالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ: هو العَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ شَجَرَةَ: هو عَرَبِيٌّ وأصْلُهُ القِسْطُ وهو العَدْلُ، وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قائِمًا بِالقِسْطِ ﴾ أيْ بِالعَدْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُها: مَعْناهُ ولا تَمْشُوا فِيها بِالمَعاصِي، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
الثّانِي: لا تَمْشُوا فِيها بِالظُّلْمِ بَعْدَ إصْلاحِها بِالعَدْلِ، قالَهُ ابْنُ المُسَيِّبِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ عَبَثَ المُفْسِدِ ما ضَرَّ غَيْرَهُ ولَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والجِبِلَّةَ ﴾ يَعْنِي الخَلِيقَةَ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ والمَوْتُ أعْظَمُ حادِثٍ فِيما يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّةِ ﴿ الأوَّلِينَ ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الخالِيَةَ، والعَرَبُ تَكْسِرُ الجِيمَ والباءَ مِنَ الجِبِلَّةِ، وقَدْ تَضُمُّها ورُبَّما أسْقَطَتِ الهاءَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلا كَثِيرًا ﴾ .
قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ مَنايا يُقَرِّبْنَ الحُتُوفَ لِأهْلِها ∗∗∗ جِهارًا ويَسْتَمْتِعْنَ بِالأنَسِ الجِبْلِ <div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد عن مجاهد ليكة قال: ﴿ الأيكة ﴾ .
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: ﴿ كذب أصحاب الأيكة المرسلين ﴾ قال: كانوا أصحاب غيضة بين ساحل البحر إلى مدين، وقد أهلكوا فيما يأتون.
وكان أصحاب الأيكة مع ما كانوا فيه من الشرك استنوا سنة أصحاب مدين.
فقال لهم شعيب ﴿ إني لكم رسول أمين ﴾ ، ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ ، ﴿ وما أسألكم ﴾ على ما أدعوكم عليه أجراً في العاجل في أموالكم ﴿ إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ ، ﴿ واتقوا الذي خلقكم والجبلة ﴾ يعني وخلق الجبلة ﴿ الأولين ﴾ يعني القرون الأولين الذين أهلكوا بالمعاصي ولا تهلكوا مثلهم ﴿ قالوا إنما أنت من المسحرين ﴾ يعني من المخلوقين ﴿ وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين ﴾ ، ﴿ فأسقط علينا كسفاً من السماء ﴾ يعني قطعاً من السماء ﴿ فأخذهم عذاب يوم الظلة ﴾ أرسل الله عليهم سموماً من جهنم، فأطاف بهم سبعة أيام حتى انضجهم الحر، فحميت بيوتهم، وغلت مياههم في الآبار والعيون، فخرجوا من منازلهم ومحلتهم هاربين والسموم معهم، فسلط الله عليهم الشمس من فوق رؤوسهم فتغشتهم حتى تقلقلت فيها جماجمهم، وسلط الله عليهم الرمضاء من تحت أرجلهم حتى تساقطت لحوم أرجلهم، ثم أنشأت لهم ظلة كالسحابة السوداء، فلما رأوها ابتدروها يستغيثون بظلها حتى إذا كانوا تحتها جميعاً؛ أطبقت عليهم فهلكوا ونجَّى الله شعيباً والذين آمنوا به.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والجبلة الأولين ﴾ قال: الخلق الأولين.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والجبلة الأولين ﴾ قال: الخليقة.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فأسقط علينا كسفاً من السماء ﴾ قال: قطعاً من السماء.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب: أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها، فلما خرجوا منها، أصابهم فزع شديد ففرقوا أن يدخلوا البيوت أن تسقط عليهم.
فأرسل الله عليهم الظلة فدخل تحتها رجل قال: ما رأيت كاليوم ظلاً أطيب ولا ابرد هلموا أيها الناس، فدخلوا جميعاً تحت الظلة، فصاح فيهم صيحة واحدة، فماتوا جميعاً.
وأخرج ابن المنذر عن قتادة قال: ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ أصحاب شجر وهم قوم شعيب، وأصحاب الرس: أصحاب آبار وهم قوم شعيب.
وأخرج ابن المنذر عن السدي قال: بعث شعيباً إلى أصحاب الأيكة- والايكة غيضة- فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة.
قال: فتح الله عليهم باباً من أبواب جهنم، فغشيهم من حره ما لم يطيقوه، فتبردوا بالماء وبما قدروا عليه، فبينما هم كذلك إذ رفعت لهم سحابة فيها ريح باردة طيبة، فلما وجدوا بردها ساروا نحو الظلة، فاتوها يتبردون بها فخرجوا من كل شيء كانوا فيه، فلما تكاملوا تحتها طبقت عليهم بالعذاب.
فذلك قوله: ﴿ فأخذهم عذاب يوم الظلة ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: سلط الله الحر على قوم شعيب سبعة أيام ولياليهن حتى كانوا لا ينتفعون بظل بيت ولا ببرد ماء، ثم رفعت لهم سحابة في البرية فوجدوا تحتها الروح، فجعلوا يدعوا بعضهم بعضاً.
حتى إذا اجتمعوا تحتها أشعلها الله عليهم ناراً.
فذلك قوله: ﴿ فأخذهم عذاب يوم الظلة ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿ فأخذهم عذاب يوم الظلة ﴾ فقال: بعث الله عليهم وهدة وحراً شديداً، فأخذ بأنفاسهم، فدخلوا أجواف البيوت، فدخل عليهم أجواف البيوت، فأخذ بأنفاسهم فخرجوا من البيوت هراباً إلى البرية.
فبعث الله عليهم سحابة فاظلتهم من الشمس، فوجدوا لها برداً ولذة، فنادى بعضهم بعضاً حتى إذا اجتمعوا تحتها أسقطها الله عليهم ناراً.
فذلك قوله: ﴿ عذاب يوم الظلة ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ فأخذهم عذاب يوم الظلة ﴾ قال: ذكر لنا أنه سلط الله عليهم الحر سبعة أيام لا يظلهم ظل ولا ينفعهم منه شيء، فبعث الله عليهم سحابة، فلحقوا إليها يلتمسون الروح في ظلها.
فجعلها الله عليهم عذاباً فأحرقتهم.
بعثت عليهم ناراً فاضطرمت فاكلتهم.
فذلك عذاب يوم الظلة.
وأخرج عبد بن حميد عن علقمة ﴿ فأخذهم عذاب يوم الظلة ﴾ قال: أصابهم الحر حتى أقلقهم من بيوتهم فخرجوا، ورفعت لهم سحابة فانطلقوا إليها، فلما استظلوا بها، أرسلت إليهم فلم ينفلت منهم أحد.
وأخرج الحاكم عن زيد بن أسلم قال: كان ينهاهم عن قطع الدراهم ﴿ فأخذهم عذاب يوم الظلة ﴾ حتى إذا اجتمعوا كلهم كشف الله عنهم الظلة، وأحمى عليهم الشمس، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن مجاهد في قوله: ﴿ فأخذهم عذاب يوم الظلة ﴾ قال: ظلل من العذاب اتاهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس قال: من حدثك من العلماء: ما عذاب يوم الظلة.
فكذبه.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس قال: من حدثك من العلماء ما عذاب يوم الظلة قال: أخذهم حر أقلقهم من بيوتهم، فانشئت لهم سحابة فأتوها فصيح بهم فيها والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَتَنْحِتُونَ ﴾ ذكر في [الأعراف: 74] ﴿ فَارِهِينَ ﴾ قرئ بألف وبغير ألف وهو منصوب على الحال في الفاعل من تنحتون، وهو مشتق من الفراهة وهي النشاط والكيس، وقيل: معناه أقوياء وقيل: أشرين بطرين ﴿ مِنَ المسحرين ﴾ مبالغة في المسحورين، وهو من السحر بكسر السين، وقيل: من السحر بفتح السين وهي الرؤية، والمعنى على هذا إنما أنت بشر ﴿ لَّهَا شِرْبٌ ﴾ أي حظ من الماء ﴿ فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ ﴾ لما تغيرت ألوانهم حسبما أخبرهم صالح عليه السلام ندموا حين لا تنفعهم الندامة ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة ﴾ [الحجر: 73، 83، المؤمنون: 41] التي ماتوا منها وهي العذاب المذكور هنا ﴿ مِّنَ القالين ﴾ أي من المبغضين، وفي قوله: ﴿ قال ﴾ و ﴿ من القالين ﴾ : ضرب من ضروب التجنيس ﴿ مِمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ أي تجّني من عقوبة عملهم أو اعصمني من عملهم، والأول أرجح ﴿ إِلاَّ عَجُوزاً ﴾ يعني امرأة لوط ﴿ فِي الغابرين ﴾ ذكر في [الأعراف: 83] وكذلك ﴿ وَأَمْطَرْنَا ﴾ [الأعراف: 84] ﴿ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ ﴾ قرئ بالهمز وخفض التاء مثل الذي في الحجر وق، ومعناه الغيضة من الشجر، وقرئ هنا وفي ص: بفتح اللام والتاء، فقيل: إنه مسهل من الهمز، وقيل: اسم بلدهم، ويقوي هذا: القول بأنه على هذه القراءة بفتح التاء غير منصرف، يدل على ذلك أنه اسم علم، وضعّف ذلك الزمخشري، وقال: إن الأيكة اسم لا يعرف ﴿ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ ﴾ لم يقل هنا أخوهم كما قال في قصة نوح وغيره، وقيل: إن شعيباً بعث إلى مدين، وكان من قبيلتهم، فلذلك قال: ﴿ وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ﴾ [الأعراف: 85، هود: 84، العنكبوت: 36]، وبعث أيضاً إلى أصحاب الأيكة ولم يكن منهم، فلذلك لم يقل أخوهم، فكان شعيباً على هذا مبعوثاً إلى القبلتين وقيل: إن أصحاب الأيكة مدين، ولكنه قال أخوهم حين ذكرهم باسم قبيلتهم، ولم يقل أخوهم حين نسبهم إلى الأيكة التي هلكوا فيها تنزيهاً لشعيب عن النسبة إليها ﴿ مِنَ المخسرين ﴾ أي من الناقصين للكيل والوزن ﴿ بالقسطاس ﴾ الميزان المعتدل ﴿ والجبلة ﴾ يعني القرون المتقدمة ﴿ عَذَابُ يَوْمِ الظلة ﴾ هي سحابة من نار أحرقتهم، فأهلك الله مدين بالصيحة، وأهل أصحاب الأيكة بالظلة، فإن قيل: لم كرر قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ مع كل قصة؟
فالجواب: أن ذلك أبلغ من الاعتبار، وأشدّ تنبيهاً للقلوب وأيضاً فإن كل قصة منها كأنها كلام قائم مستقل بنفسه، فختمت بما ختمت به صاحبتها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ليكة ﴾ بلام مفتوحة بعدها ياء ساكنة وبفتح التاء على أنها ممتنعة من الصرف للعلمية والتأنيث، وكذلك في "صاد": اي جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.
الآخرون ﴿ الأيكة ﴾ معرفاً مجروراً.
﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز.
الآخرون بسكونها ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ونزل به ﴾ مخففاً ﴿ الروح الأمين ﴾ مرفوعين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص وابو زيد عن المفضل وزيد عن يعقوب.
الباقون ﴿ نزل ﴾ مشدداً ﴿ الروح الأمين ﴾ منصوبين ﴿ أو لم تكن ﴾ بتاء التأنيث ﴿ آية ﴾ بالرفع: ابن عامر.
الباقون بالياء التحتانية ﴿ آية ﴾ بالنصب: ﴿ فتوكل ﴾ بالفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون بالواو ﴿ من تنزل الشياطين ﴾ بتشديد التاء وكذلك ﴿ تنزل ﴾ البزي وابن فليح ﴿ يتبعهم ﴾ بالتخفيف: نافع ﴿ وادي ﴾ بالياء في الوقف: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وقرأ قتيبة بالإمالة.
الوقوف: ﴿ المرسلين ﴾ ج ه ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وأطيعون ﴾ ه ج ﴿ أجر ﴾ ج ﴿ العالمين ﴾ ه ط ﴿ المخسرين ﴾ ج ه ﴿ المستقيم ﴾ ج ه ﴿ مفسدين ﴾ ج ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ط ﴿ المسحرين ﴾ ه لا ﴿ الكاذبين ﴾ ه ج ﴿ نصف آي القرآن ﴾ ﴿ الصادقين ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الظلة ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الأمين ﴾ ه لا ﴿ المنذرين ﴾ ه لا ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ه ﴿ الأعجمين ﴾ ه لا ﴿ مؤمنين ﴾ ه ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ط بناء على أن ﴿ لا يؤمنون ﴾ مستأنف للبيان ولو جعل حالاً فلا وقف ﴿ الأليم ﴾ ه لا ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا ﴿ منظرون ﴾ ه ط ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يوعدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ ما أغنى ﴾ جملة نفي أو استفهام قامت مقام الشرط ﴿ يمتعون ﴾ ه ط ﴿ منذرون ﴾ ه وقد يوقف عليها بناء على أن ﴿ ذكرى ﴾ ليس بمفعول له والمراد ذكرناهم والوقف على ﴿ ذكرى ﴾ جائز ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه ﴿ يستطيعون ﴾ ه ط ﴿ المعزولون ﴾ ه ط ﴿ المعذبين ﴾ ج ه ﴿ الأقربين ﴾ ج ه للعطف ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ج ﴿ الرحيم ﴾ ه لا ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ أثيم ﴾ ج ه بناء على أن ﴿ يلقون ﴾ حال من ضمير ﴿ الشياطين ﴾ اي تنزل ملقين السمع أو صفة ﴿ لكل افاك ﴾ وإن جعل مستأنفاً كأن قائلاً قال: لم تنزل؟
فقيل: يفعلون كيت وكيت فلك الوقف.
﴿ كاذبون ﴾ ه ط ﴿ الغاوون ﴾ ه ط ﴿ يهيمون ﴾ ه لا ﴿ لا يفعلون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ ينقلبون ﴾ ه.
التفسير: القصة السابعة قصة شعيب وأنه كان أخاً مدين دون أصحاب الأيكة ولهذا لم يقل "أخوهم شعيب".
يروى أن اصحاب الأيكة كانوا اصحاب شجر ملتف وكان شجرهم الدوم وهي التي حملها المقل.
قال في الكشاف: قرئ ﴿ أصحاب ليكة ﴾ بتخفيف الهمزة وبالجر على الإضافة وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب وزعم أن ﴿ ليكة ﴾ بوزن ليلة اسم بلد فتوهم قاد إليه خط المصحف في هذه السورة وفي سورة ص، ثم اعترض عليه بأن ﴿ ليكة ﴾ اسم لا يعرف.
قلت: إنه لا يلزم من عدم العلم بالشيء عدم ذلك الشيء، والظن بالمتواتر يجب أن يكون أحسن من ذلك.
أمرهم شعيب بإيفاء الكيل ونهاهم عن الإخسار وهو التطفيف وأن يجعل الشخص خاسراً فكأنه أمره بالإيفاء مرتين توكيداً ثم زاد في البيان بقوله ﴿ وزنوا بالقسطاطس المستقيم ﴾ وقد مر في سورة سبحان.
قال في الكشاف: إن كان من القسط وهو العدل وجعلت السين مكررة فوزنه "فعلاس" وإلا فهو رباعي.
قلت: إن كان مكرراً فوزنه "فعلال" أيضاً.
وقوله ﴿ ولا تبخسوا ﴾ تأكيداً آخر وقد سبق في "هود".
والجبلة الخليقة حذرهم الله الذي تفضل عليهم بخلقهم وخلق من تقدمهم ممن لولا خلقهم لما كانوا مخلوقين.
قال في الكشاف: الفرق بين إدخال الواو ههنا في قوله ﴿ وما أنت إلا بشر ﴾ وبين تركها في قصة ثمود هو أنه قصد ههنا معنيان منافيان عندهم للرسالة: كونه مسحراً وكونه بشراً وهناك جعل المعنى الثاني مقرراً للأول.
قلت: الفرق بين والإشكال في تخصصيص كل من القصتين بما خصت به، ولعل السبب فيه هو أن صالحاً قلل في الخطاب فقللوا في الجواب، وأكثر شعيب في الخطاب ولهذا قيل له خطيب الأنبياء فأكثروا في الجواب.
"وإن" في قولهم ﴿ وإن نظنك ﴾ هي المخففة من الثقيلة عملت في ضمير شأن مقدر.
واللام في قوله ﴿ لمن الكاذبين ﴾ هي الفارقة.
والكسف بالسكون والحركة جمع كسفة وهي القطعة وقد مر في سبحان في اقتراحات قريش.
والمعنى إن كنت صادقاً في دعوة النبوة فادع الله أن يسقط علينا قطع السماء.
وإنما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوعه فأرادوا بذلك إظهار كذبه فحلم عنهم شعيب ولم يدع عليهم بل فوض الأمر إلى الله بقوله: ﴿ ربي أعلم بما تعملون ﴾ يروى أن شعيباً بعث إلى أمتين: اصحاب مدين وأصحاب الأيكة.
فأهلكت مدين بصيحة جبرائيل، وأهلكت اصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة وذلك إنه حبس عنهم الريح سبعاً وسلط عليهم الحرّ فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظلٍ ولا ماء ولا شراب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى الصحراء فأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً ونسيماً فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا.
وحين سلى رسول الله بهذه القصص المؤكدة بالمكررات المختتمة بالمقررات عاد إلى مخاطبته قائلاً ﴿ وإنه ﴾ اي وإن الذي نزل عليك من الأخبار ﴿ لتنزيل رب العالمين ﴾ أي منزله.
والباء في ﴿ نزل به ﴾ علىالقراءتين للتعدية ولكنها في قراءة التشديد تقتضي مفعولاً آخر هو الروح أي جعل الله الروح الأمين نازلاً به على قلبك محفوظاً مفهوماً ﴿ لتكون من المنذرين ﴾ من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد .
ويجوز أن يكون قوله ﴿ لسان ﴾ متعلقاً ﴿ بنزل ﴾ أي نزله ﴿ بلسان عربي ﴾ لتنذر به فإنه لو نزله بالأعجمي لقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه.
ومن هذا الوجه ينشأ فائدة أخرى لقوله ﴿ على قلبك ﴾ أي نزلناه بحيث تفهمه ولو كان أعجمياً لكان نازلاً على سمعك دون قلبك.
والظاهر من نقل أئمة اللغة أن القلب والفؤاد مترادفان.
ونقل الإمام فخر الدين الرازي عن بعضهم أن القلب هو العلقة السوداء في جوف الفؤاد وذكر كلاماً طويلاً في أن محل العقل هو القلب دون الدماغ وهو المخاطب في الحقيقة فلهذا قال ﴿ نزله على قلبك ﴾ ونحن قد تركناه لقلة تعلقه بالمقام ولضعف دلائله مع مخالفته لما عليه معظم أرباب المعقول.
قوله ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ يعني أن ذكر القرآن مثبت في الكتب السماوية للأمم المتقدمة، وإن معاني القرآن في تلك الزبر.
وقد يحتج به لأبي حنيفة في جواز القراءة بالفارسية في الصلاة.
وقيل: الضمير فيه وفي ﴿ أن يعلمه ﴾ للنبي وأنه حجة ثابتة على نبوته قد شهد بها علماء بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره من الذين أسلموا منهم واعترفوا أن نعته وصفته في كتبهم مذكور، وكان مشركو قريش يذهبون إلى اليهود يتعرفون منهم هذا الخبر.
من قرأ ﴿ يكن ﴾ بالتذكير و ﴿ آية ﴾ بالنصب على الخبر والاسم ﴿ أن يعلمه ﴾ فظاهر، ومن قرأ ﴿ تكن ﴾ بالتأنيث و ﴿ آية ﴾ بالرفع على الاسم والخبر ﴿ أن يعلمه ﴾ فقيل: ليست بقوية لوقوع النكرة اسماً والمعرفة خبراً.
ويمكن أن يجاب بأن الفعل المضارع مع أن ليس من المعارف الصريحة، وقد توجه هذه القراءة بتقدير ضمير القصة في ﴿ تكن ﴾ وجملته ﴿ آية أن يعلمه ﴾ و ﴿ لهم ﴾ لغواً أو ﴿ لهم آية ﴾ ﴿ وأن يعلمه ﴾ بدل من آية.
قال جار الله: إنما كتب علموء بالواو على لغة من يميل الألف إلى الواو ولذلك كتبت الصلوة والزكوة بالواو.
ثم أكد بقوله ﴿ ولو نزلناه ﴾ ما مر من آية لو نزله بالأعجمي فقرأه عليهم بعض الأعجمين لم يؤمنوا به لأنهم لم يكونوا يفهمونه.
وقال جار الله: معناه ولو نزلناه على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية فضلاً أن يقدر على نظم مثله فقرأه عليهم هكذا فصيحاً معجزاً متحدّى به لكفروا به كما كفروا ولتمحلوا لجحودهم عذراً ولسموه سحراً.
ثم قال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا السلك ﴿ سلكناه ﴾ في قلوبهم وقررناه فيها فعلى أيّ وجه دبر أمرهم فلا سبيل إلى تغييرهم عما هم عليه من الإنكار والإصرار، وقد سبق مثل هذه الآية في أول "الحجر".
والحاصل أنهم لا يزالون على التكذيب حتى يعاينوا الوعيد، وفيه تسلية لرسول الله فإن اليأس إحدى الراحتين.
قال في الكشاف: ليس الفاء في قوله ﴿ فيأتيهم بغتة فيقولوا ﴾ لأجل ترادف العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة، وإنما المعنى ترتيبها في الشدة كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة.
فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة.
نظيره قولك: إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله، لا تريد الترتيب في الوجود ولكن في الشدة.
قلت: هذا معنى صحيح ولكن لا مانع من إرادة الترتيب والتعذيب في الوجود يظهر بالتأمل إن شاء الله العزيز.
ثم نكرهم بقوله ﴿ أفبعذابنا يستعجلون ﴾ وفيه إنكار وتهكم أي كيف يستعجل العذاب من لا طاقة له به حتى استمهل بعد أن كان من العمر في مهلة؟
وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ يستعجلون ﴾ حكاية حال ماضية يوبخون بها عند استنظارهم، أو يكون متصلاً بما بعده وذلك أنهم اعتقدوا العذاب غير كائن فلذلك استعجلوه وظنوا أنهم يمتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن، فأنكر الله عليهم استعجالهم الصادر عن الأشر والبطر والاستهزاء والاتكال على طول الأمل.
ثم قال: هب أن الأمر كما ظنوه من التمتع والتعمير فإذا لحقهم الوعيد أو الأجل أو القيامة هل ينفعهم ذلك؟.
عن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له: عظني فتلا عليه هذه الآية فقال له ميمون: لقد وعظت فأبلغت.
ثم بين أنه ما أهلك قرية إلا بعد إلزام الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، وعلى هذا يكون ﴿ ذكرى ﴾ متعلقة ﴿ بأهلكنا ﴾ مفعولاً له.
ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً ﴿ لأنذر ﴾ بمعنى التذكرة فإن ﴿ أنذر ﴾ وذكر متقاربان، أو حالاً من الضمير في ﴿ منذرون ﴾ أو مفعولاً له متعلقاً به أي ينذرونهم ذوي تذكرة أو لأجل الموعظة والتذكير، أو التقدير: هذه ذكرى فالجملة اعتراض.
ويجوز أن يكون صفة ﴿ لمنذرون ﴾ على حذف المضاف أي ذوو ذكرى، أو جعلوا ذكرى لبلوغهم في التذكرة أقصى غاياتها.
والبحث عن وجود الواو وعدمه في مثل هذا التركيب قد مر في أول الحجر في قوله ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ﴾ إلا أنا نذكر ههنا سبب تخصيص تلك الآية بالواو وهذه بعدم الواو فنقول: لا ريب أن الواو تفيد مزيد الربط والاجتماع في الحال وفي الوصف إن جوزتا: فسواء قدرنا الجملتين أعني قوله ﴿ ولها كتاب معلوم ﴾ وقوله ﴿ لها منذرون ﴾ حالاً أو وصفاً فالمقام يقتضي ورود النسق على ما ورد، وذلك أن قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ صفة لازمة للقرية فإن الكتب في اللوح وصف أزلي فناسب أن يكون في اللفظ ما يدل على اللزوم واللصوق وهو الواو، ثم زيد في التأكيد بقوله ﴿ معلوم ﴾ وبقوله ﴿ ما تسبق ﴾ وهذا بخلاف قوله ﴿ لها منذرون ﴾ فإنها صفة حادثة فأطلقت وجود صدر الجملة عن الواو لذلك والله أعلم.
ثم إنه لما احتج على صدق محمد بكون القرآن معجزاً منزلاً من رب العالمين مشتملاً على معاني كتب الأولين وكان الكفار يقولون إنه من إلقاء الجن كحال الكهنة أراد أن يزيل شبهتهم بقوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم ﴾ التنزل بالوحي ﴿ وما يستطيعون ﴾ .
ثم بين عدم اقتدارهم بقوله ﴿ إنهم عن السمع ﴾ أي عن سماع كلام أهل السماء ﴿ لمعزولون ﴾ وذلك بواسطة رجم الشهب كما أخبر عنه الصادق والمعجزات يتساند بعضها ببعض، ولو فرض أنهم غير مرجومين بالشهب فالعقل يدل على أن الاهتمام بشأن الصديق أقوى منه بشأن العدو، وكان محمد يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم فلو كان الغيب بإلقاء الشياطين لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم ذلك.
وحين أثبت حقية القرآن أمر نبيه بجوامع مكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً ﴿ فلا تدع ﴾ والمراد أمته كما مر في نظائره من قوله ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ وغير ذلك ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ فيه أن الاهتمام بشأن من هو أقرب إلى المرء أولى.
وفيه أنه يجب أن لا يأخذه في باب التبليغ ما يأخذ القريب للقرب من المساهلة ولين الجانب.
"يروى أنه لما نزلت الآية صعد الصفا فنادى الأقرب فالأقرب فخذاً فخذاً وقال: يا بني عبد المطلب يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا عباس عم النبي يا صفية عمة رسول الله: إني لا أملك لكم من الله شيئاً سلوني من المال ما شئتم" .
"وروي أنه جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً، الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس على رجل شاة، فأكلوا وشربوا حتى شبعوا ثم أنذرهم فقال: يا بني عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقي؟
قالوا: نعم.
قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" .
قوله ﴿ واخفض جناحك ﴾ قد مر تفسيره في آخر "الحجر" وفي "سبحان" وزاد ههنا ﴿ لمن اتبعك ﴾ كيلا يذهب الوهم إلى أن خفض الجناح وهو التواضع ولين الجانب مختص بالمؤمنين من عشيرته.
وإنما لم يقتصر على قوله ﴿ لمن اتبعك ﴾ لأن كثيراً منهم كانوا يتبعونه للقرابة والنسب لا للدين.
وقال في الكشاف: سبب الجمع بين اللفظين هو أنه سماهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك، أو أراد بالمؤمنين المصدّقين بالألسنة فزاد قوله ﴿ لمن اتبعك ﴾ ليخرج من صدّق باللسان دون الجنان، أو صدق بهما ولم يتبعه في العمل.
وحين أمره بالتواضع لأهل الإخلاص في الإيمان أمره بالتبرئة من ارباب العصيان.
فاستدل الجبائي به على أن الله أيضاً بريء من عملهم فكيف يكون فاعلاً له؟!
وأجيب بأنه إن أراد ببراءة الله أنه ما أمر بها فمسلم، وإن أراد أنه لا يريدها فممنوع لانتهاء جميع الحوادث إلى إرادته ضرورة قوله ﴿ وتوكل ﴾ معطوف على قوله ﴿ فلا تدع ﴾ أو على قوله ﴿ فقل ﴾ أمره بتفويض الأمر في دفع أعاديه إلى العزيز الذي يقهر من ناوأ أولياءه الرحيم الذي لا يخذل من ينصر دينه.
قال بعض العلماء: المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما فيه معصية الله عز وجل، ولو وقع في محنة واستعان في دفعها ببعض المخلوقين لم يخرج من حد المتوكلين، ثم عدد مواجب الرحمة وهي رؤيته قيامه وتقلبه في الساجدين أي في المصلين.
وللمفسرين فيه وجوه منها: ما روي أنه حين نسخ فرض التهجد طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه حرصاً عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات فوجدها كبيوت الزنانير ذكراً وتلاوة.
فالمراد بتقلبه في الساجدين تصفح أحوال المتهجدين من اصحابه ليطلع عليهم كيف يعملون لآخرتهم.
ومنها أن المراد تصرفه فما بين المؤمنين به بالقيام والركوع والسجود والقعود.
ويروى عن مقاتل أنه استدل به على وجود فضل صلاة الجماعة في القرآن.
ومنها أنه إشارة إلى ما جاء في الحديث "أتموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلف ظهري" فالتقلب تقلب بصره فيمن يصلي خلفه.
وقيل: أراد أنه لا يخفى علينا كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين.
وقد احتج بالآية علماء الشيعة على مذهبهم أن آباء النبي لا يكونون كفاراً.
قالوا: أراد تقلب روحه من ساجد إلى ساجد كما في الحديث المعتمد عليه عندهم "لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وناقشهم أهل السنة في التأويل المذكور وفي صحة الحديث.
والأصوب عندي أن لا نشتغل بمنع أمثال هذه الدعوى ونسرح إلى بقعة الإمكان على أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول.
ثم أكد قوله وما تنزلت به الشياطين بقوله ﴿ هل أنبئكم على من تنزل ﴾ قال في الكشاف: تقديره أعلى من تنزل؟
ليكون الاستفهام في صدر الكلام كقولك: أعلى زيد مررت؟
قلت: هذا تكلف بارد لأن لااستفهام في "من" ضمني لا يصرح به قط.
والأفاك الكثير الإفك، والأثيم مبالغة آثم وهم الكهنة والمتنبئة كسطيح ومسيلمة وأمثالهما.
والضمير في ﴿ يلقون ﴾ عائد إلى الشياطين كانوا قبل الرجم بالشهب يختطفون بعض الغيوب من الملأ الأعلى بإلقاء ﴿ السمع ﴾ أي بالإصغاء ثم يرجعون به إلى أوليائهم ﴿ وأكثرهم كاذبون ﴾ لأنهم يخلطون الحق المسموع بكلامهم الباطل كما جاء في الحديث "الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة" .
والقر الصب.
وقيل: السمع بمعنى السمموع أي يلقي الشياطين إلى أوليائهم ما يسمعونه من الملائكة.
ويحتمل أن يكون الضمير في: ﴿ يلقون ﴾ للأفاكين والسمع الأذن أو المسموع أي يلقونه السمع إلى لاشياطين فيتلقون وحيهم، أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس.
وإنما لم يقل "وكلهم كاذبون" لأن الكذوب قد يصدق فيصدق عليه انه صادق في الجملة لأن هذه عبارة الفصحاء لا يحكمون حكماً كلياً ما لم تدع إليه ضرورة.
والحاصل أنهم كانوا يقيسون حال النبي على حال الكهنة فقيل لهم: إن الأغلب على الكهنة الكذب ولم يظهر من أحوال محمد إلا الصدق، فكيف يكون كاهناً؟
ثم بين ما يعرف منه أن النبي ليس بشاعر كما أنه ليس بكاهن فقال ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ قيل: أي الشياطين.
والأظهر أنهم الذين يروون أشعارهم وكان شعراء قريش مثل عبد الله بن الزبعري وأمية بن ابي الصلت يهجون النبي ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أهاجيهم فنزلت.
ثم بين غوايتهم بقوله ﴿ ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ﴾ وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول يمدحون إنساناً معيناً تارة ويذمونه أخرى غالين في كلا الطرفين مستعملين التخيل في كل ما يرومونه.
وذكر من قبائح خصالهم ﴿ أنهم يقولون ﴾ عند الطلب والدعاوي ﴿ مالا يفعلون ﴾ ولعمري إنها خصلة شنعاء تدل على الدناءة واللؤم.
قالوا وما فعلوا وأين هم *** من معشر فعلوا وما قلوا وعن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله: فبتن بجانبيّ مصرعات *** وبت أفض أغلاق الختام فقال: وجب عليك الحد: قال: قد درأ الله عني الحد يا أمير المؤمنين وتلا الآية.
ثم استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم الذكر والفكر فيما لا بأس به من المواعظ والنصائح، ومدح الحق وذويه، ويكون هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم مثل عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن زهير كانوا ينافحون عن رسول الله .
"وعن كعب بن مالك أن رسول الله قال له: اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل" .
وكان يقول لحسان: هاجهم وروح القدس معك.
والحاصل أن النظر في الشعر إلى المعنى لا على مجرد النظم والروي.
فإن كان المعنى صحيحاً مطابقاً للحق والصدق فلا بأس بإِدخاله في سلك النظم والقافية بل لعل النظم يروجه ويهيج الطبع على قبوله وهو الذي عناه "إن من الشعر لحكماً" .
وإن كان المعنى فاسداً والغرض غير صحيح فهو الذي توجه الذم إليه.
وللانتصار حد معلوم وهو أن لا يزيد على الجواب لقوله : { ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ وقال "المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يتعدى المظلوم" ثم ختم السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال ﴿ وسيعلم الذين ظلموا ﴾ خصصه بعضهم بالشعراء إذا خرجوا عن حد الإنصاف، ومالوا إلى الجور والاعتساف، ولعله عام يتناول لكل من ظلم نفسه بالإعراض عن تدبر ما في السورة بل القرآن كله.
وقوله ﴿ أيّ منقلب ﴾ صفة لمصدر محذوف والعامل ﴿ ينقلبون ﴾ أي ينقلبون في الدركات السفلى انقلاباً أيّ منقلب ولا يعمل فيه ﴿ يعلم ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
وعن ابن عباس أنه قرأه بالفاء والتاء والمراد سيعلمون أنه ليس لهم وجه من وجوه الانفلات وهو النجاة.
التأويل: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجميين ﴾ فيه إظهار القدرة من وجهين: الأول جعل الأعجمي بحيث يقرا العربي عليهم كقول القائل: أمسيت كردياً واصبحت عربياً.
والثاني أن أهل الإنكار لا يصيرون أهل الإقرار ولو أتاهم مثل هذا الإعجاز البين، وذلك لأن الله كذلك يسلكه في قلوبهم فيأتيهم عذاب البعد والطرد في الدنيا ﴿ بغتة وهم لا يشعرون ﴾ لأنهم نيام فإذا ماتوا انتبهوا فيقولون هل نحن منظرون.
﴿ وما ينبغي لهم وما يستطيعون ﴾ لأنهم خلقوا من النار والقرآن نور قديم فلا يكون للنار المخلوقة قوة حمل النور القديم، ولهذا تستغيث النار من نور المؤمن وتقول: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي.
﴿ فتكون من المعذبين ﴾ لأن كل من طلب مع الله شيئاً آخر حتى الجنة فله عذاب البعد والحرمان من الله.
﴿ وأنذر عشيرتك ﴾ فيه أن النسب نسب النفوس فإن أكل المرء يشبعه ولا يشبع ولده.
إلا إذا أكل الطعام كما أكل والده وهذا معنى المتابعة.
﴿ إني بريء مما تعملون ﴾ لم يقل "إني بريء منكم" لأن المراد لا تبرأ منهم وقل لهم قولاً جميلاً بالنصح والموعظة الحسنة حتى يرجعوا ببركة دعوتك إلى القول الحق، أو ينالوا الجنة بواسطة شفاعتك.
﴿ وتقلبك في الساجدين ﴾ بأن خلق روح كل ساجد من روحك.
﴿ إنه هو السميع ﴾ في الأزل مقالتك "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" لأن أرواحهم خلقت من روحك ﴿ العليم ﴾ باستحقاقك لهذه الكرامة الله حسبي.
قوله: ﴿ كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ : الأيكة: قال بعضهم: هي شجرة نسبوا إليها.
وقال بعضهم: الأيكة: الغيضة.
﴿ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ : قال: بعض أهل التأويل: وإنما لم يقل هاهنا في شعيب أخوهم؛ لأن شعيباً لم يكن من نسلهم - أعني: من نسل أصحاب الأيكة - لذلك لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب، وقال في سورة هود حيث قال: ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً...
﴾ الآية [الأعراف: 85]، كان من نسل أهل مدين، ويقولون: إن شعيباً كان بعث إلى أهل مدين وهو كان منهم، وإلى أصحاب الأيكة وهو لم يكن منهم؛ لذلك قال ثم: أخاهم ولم يقل هاهنا.
لكن ليس فيما لم يقل: إنه أخوهم ما يدل أنه لم يكن من نسلهم ولا من نسبهم؛ لأن جميع أولاد إدم إخوة، إذ يسمى جميع البشر بنيه؛ فعلى ذلك أولاده إخوة وأخوات.
ثم لا ندري أن مدين غير الأيكة والأيكة غير مدين، فبعث شعيب إليهم جميعاً أو هما واحد نسبوا إلى الأيكة مرة وإلى مدين ثانياً، والله أعلم.
وقال القتبي: الأيكة: الغيضة، وجمعها: أيك.
وقال أبو عوسجة: الأيكة: شجرة، والأيك: جمع أيكة، وقال: لا أعرف "لَيْكة" بلا ألف؛ وكذلك قال أبو عبيدة.
وقال أبو زيد: أصحاب الأيكة أصحاب بادية، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ ﴾ ؛ وكذلك قال لأهل مدين في سورة هود: ﴿ وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ ، ذكر فيهما جميعاً إيفاء الكيل، فلسنا ندري أنه قد ظهر فيهما جميعاً نقصان الكيل والوزن، فأمرهما بإيفاء ذلك لو كانت القصة واحدة فذكر فيهما ذلك.
ثم في قوله: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ جواز الاستدلال من وجهين: أحدهما: وقوع المبيع بملك المشتري، وإن لم يقبضه المشتري.
والثاني: جواز بيع الجزء من الكيلي والوزني شائعاً من الكل؛ لأنه قال: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ ، أضاف الأشياء إلى الناس ونسبها إليهم، فلولا أن ذلك ملك لهم وإلا لم تكن أشياءهم، ولكن كانت أشياء هؤلاء؛ إذ لا يخلو ذلك إما أن كان ثمنا أو كان مبيعا، فكيفما كان فهو موصوف بالملك لهم دون الذين عليهم إيفاء ذلك.
وقوله: ﴿ أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ ﴾ : كأنه قال: أوفوا الكيل والوزن فيما عليكم إيفاؤه، ولا تستوفوا من الناس أكثر مما لكم عليهم.
﴿ وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ﴾ القسطاس: قال بعضهم: العدل، أي: وزنوا للناس حقوقهم بالعدل ولا تنقصوها.
وقال بعضهم: القسطاس: هو القبان وهو الميزان.
وقوله: ﴿ ٱلْمُسْتَقِيمِ ﴾ : المستوي؛ كأنه قال: وزنوا بالميزان المستوي، لا تجعلوا إحدى الكفتين أثقل من الأخرى؛ كأنهم يجعلون الكفة التي يوفون بها حقوق الناس أثقل، والكفة التي يستوفون بها من الناس أخف، فأمرهم أن يسووا الكفتين جميعاً.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ أي: لا تفسدوا فيها.
وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ أي: اتقوا نقمة الذي خلقكم وخلق الجبلة الأولين، أي: كيف عذبهم وانتقم منهم بظلمهم.
والجبلة: هي الخليقة؛ يقال: جبل أي: خلق.
﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ ﴾ : قال بعضهم: هو الذي سحر مرة بعد مرة؛ فعلى هذا التأويل يكون إنما أنت من المسحورين، لكن التشديد للتكثير.
وقال بعضهم: إنما أنت مخلوق وبشر مثلنا، وقد ذكرناه.
وقوله: ﴿ وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ : هذا يدل أنهم إنما قالوا ذلك ظنّاً منهم لا يقيناً وحقا.
﴿ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ : سألوا شعيباً العذاب على التعنت، كما سأل غيرهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، فنزل بهم العذاب من حيث سألوا من السماء.
وعن الحسن قال: سلط الله الحر على قوم شعيب سبعة أيام ولياليهن، حتى كانوا لا ينتفعون بظل بيت ولا ببرد ماء، ثم رفعت لهم سحابة في البرية فوجدوا تحتها الروح، فجعل بعضهم يدعو بعضاً، حتى إذا اجتمعوا تحتها أشعلها الله ناراً فأحرقتهم، فذلك قوله: ﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ...
﴾ الآية [الشعراء: 189].
وقال بعضهم: سقطت عليهم تلك السحابة فقتلتهم.
والظلة: قال أبو عوسجة: حر شديد.
وقال القتبي: ﴿ كِسَفاً ﴾ ، أي: قطعة من السماء، والكسف القطع.
وقال بعضهم: أصابهم حر شديد وغم في بيوتهم، فخرجوا يلتمسون الرَّوْحَ قِبَلَهُ، فلما غشيتهم تلك السحابة أخذتهم الرجفة فأصبحوا جاثمين.
وقال بعضهم: ظلل العذاب إياهم، وبعضه قريب من بعض.
وعن ابن عباس قريباً من هذا قال: "بعث الله عليهم وهدة وحرّاً شديداً، فأخذ بأنفاسهم، فلما أحسوا بالموت بعث لهم سحابة فأظلتهم، فتنادوا تحتها، فلما اجتمعوا سقطت عليهم، فذلك قوله: ﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ ﴾ ، والظلة: السحابة؛ وهو قريب من الأول.
وقول شعيب: ﴿ رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ : من نقصان الكيل وغيره من صنيعهم.
وقوله: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ ﴾ : كذبوه فيما أخبر من نزول العذاب بهم، أو كذبوه فيما ادعى من الرسالة وما سوى ذلك؛ هو مذكور فيما تقدم.
<div class="verse-tafsir"
وما أطلب منكم ثوابًا على ما أبلغكم من ربي، ليس ثوابي إلا على الله رب المخلوقات، لا على غيره.
<div class="verse-tafsir" id="91.bkR6g"