الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ١٩٩ من سورة الشعراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٩٩ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى مخبرا عن شدة كفر قريش وعنادهم لهذا القرآن ; أنه لو أنزله على رجل من الأعاجم ، ممن لا يدري من العربية كلمة ، وأنزل عليه هذا الكتاب ببيانه وفصاحته ، لا يؤمنون به ; ولهذا قال : ( ولو نزلناه على بعض الأعجمين .
فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين ) ، كما أخبر عنهم في الآية الأخرى : ( ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون .
لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ) [ الحجر : 14 ، 15 ] وقال تعالى : ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ) [ الأنعام : 111 ] ، وقال : ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون .
ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) [ يونس : 96 ، 97 ] .
حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا داود, عن محمد بن أبي موسى, قال: كنت واقفا إلى جنب عبد الله بن مطيع بعرفة, فتلا هذه الآية: ( وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ) قال: لو نـزل على بعيري هذا فتكلم به ما آمنوا به لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ حتى يفقهه عربيّ وعجميّ, لو فعلنا ذلك.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن إدريس, قال: سمعت داود بن أبي هند, عن محمد بن أبي موسى, قال: كان عبد الله بن مطيع واقفا بعرفة, فقرأ هذه الآية ( وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ) قال: فقال: جملي هذا أعجم, فلو أُنـزل على هذا ما كانوا به مؤمنين.
ورُوي عن قَتادة في ذلك ما حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: ( وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ) قال: لو نـزله الله أعجميا كانوا أخسر الناس به, لأنهم لا يعرفون بالعجمية.
وهذا الذي ذكرناه عن قتادة قول لا وجه له, لأنه وجَّه الكلام أن معناه: ولو أنـزلناه أعجميا, وإنما التنـزيل ( وَلَوْ نـزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ) يعني: ولو نـزلنا هذا القرآن العربي علي بهيمة من العجم أو بعض ما لا يفصح, ولم يقل: ولو نـزلناه أعجميا.
فيكون تأويل الكلام ما قاله.
وقوله ( فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ) يقول: فقرأ هذا القرآن على كفار قومك يا محمد الذين حتمت عليهم أن لا يؤمنوا ذلك الأعجم ما كانوا به مؤمنين.
يقول: لم يكونوا ليؤمنوا به, لما قد جرى لهم في سابق علمي من الشقاء, وهذا تسلية من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عن قومه, لئلا يشتد وجدُه بإدبارهم عنه, وإعراضهم عن الاستماع لهذا القرآن, لأنه كان صلى الله عليه وسلم شديدا حرصه على قبولهم منه, والدخول فيما دعاهم إليه, حتى عاتبه ربه على شدّة حرصه على ذلك منهم, فقال له: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ثم قال مؤيسه من إيمانهم وأنهم هالكون ببعض مثلاته, كما هلك بعض الأمم الذين قص عليهم قصصهم في هذه السورة.
ولو نـزلناه على بعض الأعجمين يا محمد لا عليك, فإنك رجل منهم, ويقولون لك: ما أنت إلا بشر مثلنا, وهلا نـزل به ملك, فقرأ ذلك الأعجم عليهم هذا القرآن, ولم يكن لهم علة يدفعون بها أنه حق, وأنه تنـزيل من عندي, ما كانوا به مصدقين, فخفض من حرصك على إيمانهم به, ثم وكد تعالى ذكره الخبر عما قد حتم على هؤلاء المشركين, الذين آيس نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من إيمانهم من الشقاء والبلاء, فقال: كما حتمنا على هؤلاء أنهم لا يؤمنون بهذا القرآن ( وَلَوْ نَـزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ) ( كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ ) التكذيب والكفر ( فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ).
ويعني بقوله: سلكنا: أدخلنا, والهاء في قوله ( سلكناه ) كناية من ذكر قوله ( مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ), كأنه قال: كذلك أدخلنا في قلوب المجرمين ترك الإيمان بهذا القرآن.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج.
فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين بغير لغة العرب لما آمنوا ولقالوا لا نفقه .
نظيره : ولو جعلناه قرآنا أعجميا الآية .
وقيل : معناه ولو نزلناه على رجل ليس من العرب لما آمنوا به أنفة وكبرا .
يقال : رجل أعجم وأعجمي إذا كان غير فصيح وإن كان عربيا ، ورجل عجمي وإن كان فصيحا ينسب إلى أصله ; إلا أن الفراء أجاز أن يقال رجل عجمي بمعنى أعجمي .
وقرأ الحسن على بعض الأعجميين مشددة بياءين جعله نسبة .
ومن قرأ : الأعجمين فقيل : إنه جمع أعجم .
وفيه بعد ; لأن ما كان من الصفات الذي مؤنثه " فعلاء " لا يجمع بالواو والنون ، ولا بالألف والتاء ; لا يقال أحمرون ولا حمراوات .
وقيل : إن أصله " الأعجمين " كقراءة الجحدري ثم حذفت ياء النسب ، وجعل جمعه بالياء والنون دليلا عليها .
قاله أبو الفتح عثمان بن جني .
وهو مذهب سيبويه .
(فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ) يقولون: ما نفقه ما يقول, ولا ندري ما يدعو إليه، فليحمدوا ربهم, أن جاءهم على لسان أفصح الخلق, وأقدرهم على التعبير عن المقاصد, بالعبارات الواضحة, وأنصحهم، وليبادروا إلى التصديق به, وتلقيه بالتسليم والقبول، ولكن تكذيبهم له من غير شبهة, إن هو إلا محض الكفر والعناد, وأمر قد توارثته الأمم المكذبة.
( فقرأه عليهم ) بغير لغة العرب ، ( ما كانوا به مؤمنين ) وقالوا : ما نفقه قولك ، نظيره قوله - عز وجل - : " ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته " ( فصلت - 44 ) ، وقيل : معناه ولو نزلناه على رجل ليس من العرب لما آمنوا به أنفة من اتباعه .
«فقرأه عليهم» كفار مكة «ما كانوا به مؤمنين» أنفة من اتباعه.
ولو نَزَّلنا القرآن على بعض الذين لا يتكلمون بالعربية، فقرأه على كفار قريش قراءة عربية صحيحة، لكفروا به أيضًا، وانتحلوا لجحودهم عذرًا.
كذلك أدخلنا في قلوب المجرمين جحود القرآن، وصار متمكنًا فيها؛ وذلك بسبب ظلمهم وإجرامهم، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عمَّا هم عليه من إنكار القرآن، حتى يعاينوا العذاب الشديد الذي وُعِدوا به.
ثم ذكر - سبحانه - طرفا من جحود الكافرين وعنادهم فقال : ( وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ على بَعْضِ الأعجمين فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ) .والأعجمين : جمع أعجم ، وهو الذى لا يفصح وفى لسانه عجمة وإن كان عربى النسب ، أو جمع أعجمى ، إلا أنه حذف منه ياء النسب تخفيفا ، كأشعر جمع أشعرى .أى : ولو نزلنا هذا القرآن على رجل من الأعجمين ، الذين لا يحسنون النطق بالعربية ، فقرأ هذا القرآن على قومك - أيها الرسول الكريم - قراءة صحيحة لكفروا به عنادا ومكابرة مع أنهم فى قرارة أنفسهم يعرفون صدقه ، وأنه ليس من كلام البشر .فالآيتان الكريمتان المقصود بهما تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما يراه من إنكار المشركين لدعوته ، ومن وصفهم للقرآن تارة بأنه سحر ، وتارة بأنه أساطير الأولين ، تصوير صادق لما وصل إليه أولئك المشركون من جحود وعناد ومكابرة .وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ( وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ ليؤمنوا إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ).
اعلم أن قوله تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ ءايَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِى إسراءيل ﴾ المراد منه ذكر الحجة الثانية على نبوته عليه السلام وصدقه، وتقريره أن جماعة من علماء بني إسرائيل أسلموا ونصوا على مواضع في التوراة والإنجيل ذكر فيها الرسول عليه الصلاة والسلام بصفته ونعته، وقد كان مشركو قريش يذهبون إلى اليهود ويتعرفون منهم هذا الخبر، وهذا يدل دلالة ظاهرة على نبوته لأن تطابق الكتب الإلهية على نعته ووصفه يدل قطعاً على نبوته، واعلم أنه قرئ ﴿ يَكُنِ ﴾ بالتذكير، وآية النصب على أنها خبره و(أن يعلمه) هو الاسم، وقرئ ﴿ تَكُنْ ﴾ بالتأنيث وجعلت (آية) اسماً و(أن يعلمه) خبراً، وليست كالأولى لوقوع النكرة اسماً والمعرفة خبراً، ويجوز مع نصب الآية تأنيث (يكن) كقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ﴾ .
وأما قوله: ﴿ وَلَوْ نزلناه على بَعْضِ الأعجمين ﴾ فاعلم أنه تعالى لما بين بالدليلين المذكورين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق لهجته بين بعد ذلك أن هؤلاء الكفار لا تنفعهم الدلائل ولا البراهين، فقال: ﴿ وَلَوْ نزلناه على بَعْضِ الأعجمين ﴾ يعني إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي بلسان عربي مبين، فسمعوه وفهموه وعرفوا فصاحته، وأنه معجز لا يعارض بكلام مثله، وانضم إلى ذلك بشارة كتب الله السالفة به، فلم يؤمنوا به وجحدوه، وسموه شعراً تارة وسحراً أخرى، فلو نزلناه على بعض الأعجمين الذي لا يحسن العربية لكفروا به أيضاً ولتمحلوا لجحودهم عذراً، ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ﴾ أي مثل هذا السلك سلكناه في قلوبهم، وهكذا مكناه وقررناه فيها وكيفما فعل بهم فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من الجحود والإنكار، وهذا أيضاً مما يفيد تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه إذا عرف رسول الله إصرارهم على الكفر، وأنه قد جرى القضاء الأزلي بذلك حصل اليأس، وفي المثل: اليأس إحدى الراحتين.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ﴾ يدل على أن الكل بقضاء الله وخلقه، قال صاحب الكشاف: أراد به أنه صار ذلك التكذيب متكمناً في قلوبهم أشد التمكن فصار ذلك كالشيء الجبلي والجواب: أنه إما أن يكون قد فعل الله فيهم ما يقتضي رجحان التكذيب على التصديق أو ما فعل ذلك فيهم، فإن كان الأول فقد دللنا في سورة الأنعام على أن الترجيح لا يتحقق ما لم ينته إلى حد الوجوب وحينئذ يحصل المقصود، فإن لم يفعل فيهم ما يقتضي الترجيح ألبتة، امتنع قوله: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ ﴾ كما أن طيران الطائر لما لم يكن له تعلق بكفرهم، امتنع إسناد الكفر إلى ذلك الطيران.
المسألة الخامسة: قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما موقع ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ من قوله: ﴿ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ﴾ ؟
قلت موقعه منه موقع الموضح (والمبين)، لأنه مسوق (لبيانه مؤكد للجحود) في قلوبهم، فاتبع ما يقرر هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به حتى يعاينوا الوعيد.
<div class="verse-tafsir"
الأعجم: الذي لا يفصح وفي لسانه عجمة واستعجام.
والأعجمي مثله.
إلا أن فيه لزيادة ياء النسبة زيادة تأكيد.
وقرأ الحسن: الأعجميين.
ولما كان من يتكلم بلسان غير لسانهم لا يفقهون كلامه، قالوا له: أعجم وأعجمي، شبهوه بمن لا يفصح ولا يبين، وقالوا لكل ذي صوت من البهائم والطيور وغيرها: أعجم، قال حميد: وَلاَ عَرَبِيًّا شَاقَهُ صوت أَعْجَمَا ﴿ سَلَكْنَاهُ ﴾ أدخلناه ومكناه.
والمعنى: إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي بلسان عربي مبين، فسمعوا به وفهموه وعرفوا فصاحته وأنه معجز لا يعارض بكلام مثله، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتب المنزلة قبله على أن البشارة بإنزاله وتحلية المنزل عليه وصفته في كتبهم، وقد تضمنت معانيه وقصصه، وصحّ بذلك أنها من عند الله وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به وجحدوه، وسموه شعراً تارة، وسحراً أخرى، وقالوا: هو من تلفيق محمد وافترائه ﴿ وَلَوْ نزلناه على بَعْضِ ﴾ الأعاجم الذي لا يحسن العربية، فضلاً أن يقدر على نظم مثله ﴿ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم ﴾ هكذا فصيحاً معجزاً متحدّي به، لكفروا به كما كفروا، ولتمحلوا لجحودهم عذراً، ولسموه سحراً، ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ ﴾ أي مثل هذا السلك سلكناه في قلوبهم، وهكذا مكناه وقررّناه فيها، وعلى مثل هذه الحال وهذه الصفة من الكفر به والتكذيب له وضعناه فيها، فكيفما فعل بهم وصنع وعلى أي وجه دبر أمرهم، فلا سبيل أن يتغيروا عما هم عليه من جحوده وإنكاره، كما قال ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ [الأنعام: 7] فإن قلت: كيف أسند السلك بصفة التكذيب إلى ذاته؟
قلت: أراد به الدلالة على تمكنه مكذباً في قلوبهم أشدّ التمكن، وأثبته فجعله بمنزلة أمر قد جبلوا عليه وفطروا.
ألا ترى إلى قولهم: هو مجبول على الشح، يريدون: تمكن الشحّ فيه؛ لأنّ الأمور الخلقية أثبت من العارضة، والدليل عليه أنه أسند ترك الإيمان به إليهم على عقبه، وهو قوله: ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ .
فإن قلت: ما موقع ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ من قوله: ﴿ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ﴾ ؟
قلت: موقعه منه موقع الموضح والملخص؛ لأنه مسوق لثباته مكذباً مجحوداً في قلوبهم، فأتبع ما يقرّر هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به وجحوده حتى يعاينوا الوعيد.
ويجوز أن يكون حالاً، أي: سلكناه فيها غير مؤمن به.
وقرأ الحسن: ﴿ فتأتيهم ﴾ ، بالتاء يعني: الساعة.
وبغتة، بالتحريك.
وفي حرف أبيّ: ﴿ ويروه بغتة ﴾ .
فإن قلت: ما معنى التعقيب في قوله: ﴿ فيأتيهم بغتة....
فَيَقُولُواْ ﴾ ؟
قلت: ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة فيه في الوجود، وإنما المعنى ترتبها في الشدّة، كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم للعذاب فما هو أشدّ منها وهو لحوقه بهم مفاجأة، فما هو أشدّ منه وهو سؤالهم النظرة.
ومثال ذلك أن تقول لمن تعظه: إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله، فإنك لا تقصد بهذا الترتيب أنّ مقت الله يوجد عقيب مقت الصالحين، وإنما قصدك إلى ترتيب شدّة الأمر على المسيء، وأنه يحصل له بسبب الإساءة مقت الصالحين، فما هو أشدّ من مقتهم: وهو مقت الله، وترى ثمّ يقع هذا الأسلوب فيحل موقعه ﴿ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ تبكيت لهم بإنكار وتهكم، ومعناه: كيف يستعجل العذاب من هو معرض لعذاب يسأل فيه من جنس ما هو فيه اليوم من النظرة والإمهال طرفة عين فلا يجاب إليها.
ويحتمل أن يكون هذا حكاية توبيخ يوبخون به عند استنظارهم يومئذ، و ﴿ يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ على هذا الوجه حكاية حال ماضية.
ووجه آخر متصل بما بعده، وذلك أنّ استعجالهم بالعذاب إنما كان لاعتقادهم أنه غير كائن ولا لاحق بهم، وأنهم ممتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن، فقال تعالى: أفبعذابنا يستعجلون أشرا وبطرا واستهزاء واتكالا على الأمل الطويل، ثم قال: هب أنّ الأمر كما يعتقدون من تمتيعهم وتعميرهم، فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك ما ينفعهم حينئذٍ ما مضى من طول أعمارهم وطيب معايشهم.
وعن ميمون بن مهران: أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له: عظني، فلم يزده على تلاوة هذه الآية.
فقال ميمون: لقد وعظت فأبلغت.
وقرئ: ﴿ يمتعون ﴾ ، بالتخفيف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً ﴾ عَلى صِحَّةِ القُرْآنِ أوْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ .
﴿ أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أنْ يَعْرِفُوهُ بِنَعْتِهِ المَذْكُورِ في كُتُبِهِمْ وهو تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ دَلِيلًا.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( تَكُنْ ) بِالتّاءِ ( وآيَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها الِاسْمُ والخَبَرُ ( لَهم ) و ( أنْ يَعْلَمَهُ ) بَدَلٌ أوِ الفاعِلُ و ( أنْ يَعْلَمَهُ ) بَدَلٌ ( لَهم ) حالٌ، أوْ أنَّ الِاسْمَ ضَمِيرُ القِصَّةِ و ( آيَةٌ ) خَبَرُ ( أنْ يَعْلَمَهُ ) والجُمْلَةُ خَبَرُ تَكُنْ.
﴿ وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ﴾ كَما هو زِيادَةٌ في إعْجازِهِ أوْ بِلُغَةِ العَجَمِ.
﴿ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ، أوْ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ واسْتِنْكافِهِمْ مِنَ اتِّباعِ العَجَمِ، و ( الأعْجَمِينَ ) جَمْعُ أعْجَمِي عَلى التَّخْفِيفِ ولِذَلِكَ جُمِعَ جَمْعَ السَّلامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} والمعنى أنا أنزلناه القرآن على رجل عربي مبين ففهموه وعرفوا فصاحته وأنه معجزوا انضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتعاب قبله على أن البشارة بإنزاله وصفته في كتبهم وقد تضمنت معانيه وقصصه وصح بذلك أنها من عند الله وليست بأساطير كما زعموا فلم يؤمنوا به وسموه شعراً تارة وسحراً أخرى وقالوا هذا من افتراء محمد عليه الصلاة السلام ولو نزلناه على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية فضلاً أن يقدر على نظم مثله فقرأ عليهم هكذا معجزاً لكفروا به كما كفروا ولتحملوا لجحودهم عذرا وسموه سحراً ثم قال
﴿ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ رُجُوعُ ضَمِيرِ الفاعِلِ إلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ، وهُما مِن صِفاتِ العُقَلاءِ، والمُرادُ بَيانِ فَرْطِ عِنادِهِمْ وشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في المُكابَرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْ نَزَّلْناهُ بِهَذا النَّظْمِ الرّائِقِ المُعْجِزِ عَلى مَن لا يَقْدِرُ عَلى التَّكَلُّمِ بِالعَرَبِيَّةِ أوْ عَلى ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ التَّكَلُّمُ أصْلًا مِنَ الحَيَواناتِ العُجْمِ ﴿ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ﴾ قِراءَةً صَحِيحَةً خارِقَةً لِلْعادَةِ ﴿ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ مَعَ انْضِمامِ إعْجازِ القِراءَةِ إلى إعْجازِ المَقْرُوءِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأعْجَمِينَ جَمْعِ أعْجَمَ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ عاقِلًا أوْ غَيْرَهُ، ونَقَلَ ذَلِكَ الطَّبَرْسِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ، وذَكَرَ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ وهو عَلى بَعِيرٍ فَأشارَ إلَيْهِ وقالَ: هَذا مِنَ الأعْجَمِينَ.
والطَّبَرِيُّ - عَلى ما في البَحْرِ - يَرْوِي نَحْوَ هَذا عَنِ ابْنِ مُطِيعٍ، والمُرادُ أيْضًا بَيانُ فَرْطِ عِنادِهِمْ، وقِيلَ: هو جَمْعُ أعْجَمَ مُرادًا بِهِ ما لا يَعْقِلُ، وضَمِيرُ الفاعِلِ في (قَرَأهُ) لِلنَّبِيِّ وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) لِبَعْضِ الأعْجَمِينَ، وكَذا ضَمِيرُ (كانُوا) والمَعْنى: لَوْ نَزَّلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى بَعْضِ البَهائِمِ فَقَرَأهُ مُحَمَّدٌ عَلى أُولَئِكَ البَهائِمِ ما كانُوا - أيْ أُولَئِكَ البَهائِمُ - مُؤْمِنِينَ بِهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّهم كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وقِيلَ: المُرادُ: ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ بِلُغَةِ العَجَمِ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ ما فِيهِ.
وأخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، وهو بَعِيدٌ عَمّا يَقْتَضِيهِ مَقامُ بَيانِ تَمادِيهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ.
واسْتَنَدَ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلَيْهِ في مَنعِ أخْذِ العَرَبِيَّةِ في مَفْهُومِ القُرْآنِ؛ إذْ لا يُتَصَوَّرُ عَلى تَقْدِيرِ أخْذِها فِيهِ تَنْزِيلُهُ بِلُغَةِ العَجَمِ، إذْ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ كَوْنَ الشَّيْءِ الواحِدِ عَرَبِيًّا وعَجَمِيًّا، وهو مُحالٌ.
وأُجِيبَ بِأنَّ ضَمِيرَ (نَزَّلْناهُ) لَيْسَ راجِعًا إلى القُرْآنِ المَخْصُوصِ المَأْخُوذِ في مَفْهُومِهِ العَرَبِيَّةَ، بَلْ إلى مُطْلَقِ القُرْآنِ، ويُرادُ مِنهُ ما يُقْرَأُ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ عَرَبِيًّا أوْ غَيْرَهُ، وهَذا نَحْوُ رُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلْعامِّ في ضِمْنِ الخاصِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ ﴾ الآيَةَ، فَإنَّ ضَمِيرَ عُمُرِهِ راجِعٌ إلى شَخْصٍ بِدُونِ وصْفِهِ بِـ(مُعَمَّرٍ) إذْ لا يُتَصَوَّرُ نَقْصُ عُمُرِ المُعَمَّرِ كَما لا يَخْفى.
وقالَ بَعْضُهم في الجَوابِ: إنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والمُرادُ: ولَوْ نَزَّلْنا مَعْناهُ بِلُغَةِ العَجَمِ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ، فَتَدَبَّرْ.
وفِي لَفْظِ (بَعْضِ) عَلى كُلِّ الأقْوالِ إشارَةٌ إلى كَوْنِ ذَلِكَ المَفْرُوضِ تَنْزِيلُهُ عَلَيْهِ واحِدًا مِن عَرْضِ تِلْكَ الطّائِفَةِ كائِنًا مَن كانَ، و(بِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمُؤْمِنِينَ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَهُ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ وتَوافُقِ رُؤُوسِ الآيِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني: القرآن، ويقال: إنه إشارة إلى ما ذُكر في أول السورة تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ، وأنه يعني: الكتاب لتنزيل رب العالمين نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر نَزَّلَ بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف.
فمن قرأ بالتشديد، فمعناه: نَزَّلَ الله تعالى بالقرآن الروح الأمين، يعني: جبريل ، نصب الروح لوقوع الفعل عليه، يعني: أنزل الله تعالى جبريل بالقرآن.
ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه: نزل جبريل بالقرآن، فجعل الروح رفعاً لأنه فاعل.
ثم قال: عَلى قَلْبِكَ أي نزله عليك ليثبت به قلبك، ويقال: أي لكي يحفظ به قلبك.
ويقال: عَلى قَلْبِكَ أي نزل على قدر فهمك وحفظك.
ويقال: أي نزله عليك فوعاه قلبك، وثبت فيه، فلا تنساه أبداً كما قال: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [الأعلى: 6] ويقال: عَلى قَلْبِكَ يعني: على موافقة قلبك ومرادك لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ يعني: من المخوفين بالقرآن للكفار من النار.
ثم قال عز وجل: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ يعني: يبيّن لهم بلغتهم.
ويقال: بلغة قريش وهوازن، وكان لسانهما أفصح.
قال مقاتل: وذلك أنهم كانوا يقولون: إنه يُعلمه أبو فكيهة، وكان أعجمياً رومياً، فأخبر أن القرآن بلغة قريش وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ يعني: أمر محمد ونعته وصفته في كتب الأولين، كما قال: يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: 157] والزبر: الكتب، واحدها زبور، مثل رسل ورسول، ويقال: إنه يعني: القرآن لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ يعني: بعضه كان في كتب الأولين، ويقال: نعت القرآن، وخبره كان في كتب الأولين.
ثم قال عز وجل: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً قرأ ابن عامر وحده تكن وآية بالضم، وقرأ الباقون بالياء بلفظ التذكير آيَةً بالنصب.
فمن قرأ بلفظ التذكير والنصب جعل أَنْ يَعْلَمَهُ اسم كان، وجعل آيَةً خبر كان، والمعنى: أو لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل على جهة المعنى.
ومن قرأ بلفظ التأنيث والضم، جعل آية هي الاسم، وأَنْ يَعْلَمَهُ خبر تكن، ومعنى القراءتين واحد، وذلك أن كفار مكة بعثوا رسولاً إلى يهود المدينة، وسألوهم عن بعثته فقالوا: هذا زمان خروجه ونعته كذا، فنزل: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً يعني: لكفار مكة آيَةً يعني: علامة أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: إن هذا علامة لهم ليؤمنوا به.
ثم قال: وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ يعني: القرآن لو نزلناه بالعبرانية على رجل ليس بعربي اللسان من العبرانيين فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ يعني: على كفار مكة مَّا كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ يعني: بالقرآن، فهذا منة من الله تعالى، حيث خاطبهم بلغتهم ليفهموه.
وقال القتبي: في قوله عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ يقال: رجل أعجمي إذا كان في لسانه عجمة، وإن كان من العرب، ورجل عجمي بغير ألف إذا كان من العجم وإن كان فصيح اللسان.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ قرأ نافع وابن كثير «١» وابن عامر:
«أَصْحَابُ لَيْكَةَ» على وزن فَعْلَةَ هنا، وفي [ص] وقرأ الباقون: «الأَيْكَةِ» وهي: الدوحة المُلْتَفَّةُ من الشجر على الإطلاق، وقيل من شجر معروف له غضارة تألفه الحمام والقُمَارِيُّ ونحوها، و «لَيْكَة» اسم البلد في قراءة مَنْ قرأ ذلك قاله بعض المفسرين، وذهب قوم إلى أنّها مسهّلة من الأيكة، وأنّها وقعت في المصحف هنا وفي «ص» بغير ألف.
وقوله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥] وكذلك ما بعده بلفظ الجمع من حيث إنَّ تكذيب نَبِيٍّ واحد يستلزم تَكْذِيبَ جميعَ الأنبياء لأَنَّهم كلهم يدعون الخلق إلى الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، وفي قول الأنبياء- عليهم السلام-: «أَلا تتقون» عرض رفيق وَتَلَطُّفٌ، كما قال تعالى: فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى [النازعات: ١٨] والجِبِلَّةُ: الخليقة والقرون الماضية، والكسف: القطع، واحدها كسفة، ويَوْمِ الظُّلَّةِ: هو يوم عذابهم، وصورته فيما رُوِيَ أَنَّ الله امتحنهم بحرٍّ شديد، وأنشأ الله سحابة في بعض قطرهم فجاء بعضهم إلى ظِلِّها فوجد لها برداً ورَوْحاً، فتداعوا إليها/ حتى تكاملوا ٤٩ ب فاضطرمت عليهم ناراً، فأحرقتهم عن آخرهم.
وقيل غير هذا، والحق أَنَّه عذاب جعله الله ظلة عليهم.
وقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني القرآن.
وقوله: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ متعلق ب نَزَلَ، أي: سمعه النبي صلى الله عليه وسلّم من جبريل حروفاً عربيَّةً، وهذا هو القول الصحيح، وما سوى هذا فمردود.
وقوله سبحانه: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أي: القرآن مذكور في الكتب المُنَزَّلَة القديمة، مُنَبَّهٌ عليه، مُشَارٌ إليه أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ كَعَبْدِ الله بْنِ سَلاَمٍ ونحوه قاله ابن عباس ومجاهد «١» ، قال مُقَاتِلٌ «٢» : هذه الآية مدنية، وَمَنْ قال إنَّ الآية مَكِّيَّةٌ ذهب إلى أنَّ علماء بني إسرائيل ذكروا لقريش أَنَّ في التوراة صفَةَ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، وأَنَّ هذا زمانه، فهذه الإشارة إلى ذلك وذلك أَنَّ قريشاً بعثت إلى الأحبار يسألونهم عن أمر النبي صلى الله عليه وسلّم، ثم أخبر تعالى أَنَّ هذا القرآن لو سمعوه من أعجمَ، أي: من حيوان غير ناطق، أو من جماد، والأعجم: كل ما لا يفصح- ما كانوا يؤمنون، والأعجمون: جمع أَعْجَم، وهو الذي لا يُفْصِحُ، وإنْ كان عربيّ النَّسَبِ، وكذلك يقال للحيوانات والجمادات، ومنه الحديث: «جُرْحُ العجماء جبار» «٣» والعجميّ هو الذي نسبه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ .
﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " نَزَلَ بِهِ " خَفِيفًا " الرُّوحُ الأمِينُ " بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نَزَّلَ " مُشَدَّدَةَ الزّايِ " الرُّوحَ الأمِينَ " بِالنَّصْبِ.
والمُرادُ بِالرُّوحِ الأمِينِ جِبْرِيلُ، وهو أمِينٌ عَلى وحْيِ اللَّهِ تَعالى إلى أنْبِيائِهِ، ﴿ عَلى قَلْبِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: نَزَلَ عَلَيْكَ فَوَعاهُ قَلْبُكَ، فَثَبَتَ، فَلا تَنْساهُ أبَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ ﴾ أيْ: مِمَّنْ أنْذَرَ بِآياتِ اللَّهِ المُكَذِّبِينَ، ﴿ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِلِسانِ قُرَيْشٍ لِيَفْهَمُوا ما فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ ﴾ وقَرَأ الأعْمَشُ: " زُبْرِ " بِتَسْكِينِ الباءِ.
وفي هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ؛ والمَعْنى: وإنَّ ذِكْرَ القُرْآَنِ وخَبَرَهُ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والزُّبُرُ: الكُتُبُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " أوْ لَمْ يَكُنْ لَهم " بِالياءِ " آيَةً " بِالنَّصْبِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " تَكُنْ " بِالتّاءِ " آَيَةٌ " بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وقَتادَةُ: " تَكُنْ " بِالتّاءِ " آيَةً " بِالنَّصْبِ قالَ الزَّجّاجُ: إذا قُلْتَ " يَكُنْ " بِالياءِ، فالِاخْتِيارُ نَصْبُ " آيَةً " ويَكُونُ " أنْ " اسْمَ كانَ، ويَكُونُ " آيَةٌ " خَبَرَ كانَ، المَعْنى: أوْ لَمْ يَكُنْ لَهم عِلْمُ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ النَّبِيَّ حَقٌّ، وأنَّ نُبُوَّتَهُ حَقٌّ؟!
" آيَة " أيْ: عَلامَةٌ مُوَضَّحَةٌ، لِأنَّ العُلَماءَ الَّذِينَ آمَنُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ وَجَدُوا ذِكْرَ النَّبِيِّ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
ومَن قَرَأ " أوْ لَمْ تَكُنْ " بِالتّاءِ " آيَةٌ " جَعَلَ " آيَةً " هي الِاسْمُ، و " أنْ يَعْلَمَهُ " خَبَرُ " تَكُنْ " .
وَيَجُوزُ أيْضًا " أوْ لَمْ تَكُنْ " بِالتّاءِ " آيَةً " بِالنَّصْبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ وقَرَأ الشَّعْبِيُّ، والضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " أنَّ تَعْلَمَهُ " بِالتّاءِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَعَثَ أهْلُ مَكَّةَ إلى اليَهُودِ وهم بِالمَدِينَةِ يَسْألُونَهم عَنْ مُحَمَّدٍ ، فَقالُوا: إنَّ هَذا لَزَمانُهُ، وإنّا لَنَجِدُ في التَّوْراةِ صِفَتَهُ، فَكانَ ذَلِكَ آيَةً لَهم عَلى صِدْقِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ أعْجَمَ، والأُنْثى عَجْماءُ، والأعْجَمُ: الَّذِي لا يُفْصِحُ، وكَذَلِكَ الأعْجَمِيُّ؛ فَأمّا العَجَمِيُّ: فالَّذِي مِن جِنْسِ العَجَمِ، أفْصَحَ أوْ لَمْ يُفْصِحْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: لَوْ قَرَأهُ عَلَيْهِمْ أعْجَمِيٌّ لَقالُوا: نَفْقَهُ هَذا، فَلَمْ يُؤْمِنُوا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُوحُ الأمِينُ ﴾ ﴿ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ ﴾ ﴿ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ﴾ ﴿ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، أيْ: إنَّهُ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا سِحْرٍ، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، و ﴿ الرُوحُ الأمِينُ ﴾ : جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ بِإجْماعٍ، ونَزَلَ بِاللَفْظِ العَرَبِيِّ والمَعانِي الثابِتَةِ في الصَدْرِ والمَصاحِفِ، والضَمِيرُ عَلى ذَلِكَ كُلُّهُ عائِدٌ في "بِهِ".
و"اللِسانُ" عِبارَةٌ عَنِ اللُغَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -: "نَزَلَ" خَفِيفَةَ الزايِ "الرُوحُ" بِالرَفْعِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِشَدِّ الزايِ "الرُوحَ" نَصْبًا، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ ﴾ ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ .
وقَوْلُهُ: "بِهِ" في مَوْضِعِ الحالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى قَلْبِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى حِفْظِهِ إيّاهُ، وعَلَّلَ النُزُولَ عَلى قَلْبِهِ بِكَوْنِهِ مِنَ المُنْذِرِينَ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُنْذِرَ بِهِ إلّا بَعْدَ حِفْظِهِ.
وقَوْلُهُ: "بِلِسانٍ" يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ الباءَ بِـ "نَزَلَ بِهِ"، وهَذا عَلى «أنَّ النَبِيَّ إنَّما كانَ يَسْمَعُ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ حُرُوفًا عَرَبِيَّةً»، وهو القَوْلُ الصَحِيحُ، وتَكُونُ صَلْصَلَةُ الجَرَسِ صِفَةً لِشِدَّةِ الصَوْتِ وتَداخُلِ حُرُوفِهِ وعَجَلَةِ مَوْرِدِهِ وإغْلاظِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "لِتَكُونَ"، وتُمْسِكَ بِهَذا مَن رَأى أنَّ النَبِيَّ كانَ يَسْمَعُ مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ يُتَفَهَّمُ لَهُ مِنهُ القُرْآنُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَ ألْفاظِ القُرْآنِ مِن لَدُنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ ، وهَذا مَرْدُودٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ في كُتُبِهِمْ، يُرِيدُ أنَّ القُرْآنَ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ القَدِيمَةِ مُنَبِّهٌ عَلَيْهِ مُشارٍ إلَيْهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُبُرُ" بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِسُكُونِها.
ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كانَ يَنْبَغِي أنْ يُصَحِّحَ عِنْدَهم أمْرُهُ، كانَ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَهُ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ ونَحْوِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا -فِيما حَكى عنهُ الثَعْلَبِيُّ -: إنَّ أهْلَ مَكَّةَ بَعَثُوا إلى أحْبارِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم عَنِ النَبِيِّ ، فَقالُوا: هَذا زَمانُهُ، ووَصَفُوا بَعْثَهُ، ثُمَّ خَلَطُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُؤَيِّدُ هَذا كَوْنُ الآيَةِ مَكِّيَّةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، فَمَن قالَ: إنَّها مَكِّيَّةٌ، ذَهَبَ إلى أنَّ عُلَماءَ بَنِي إسْرائِيلَ ذَكَرُوا أنَّ في التَوْراةِ صِفَةَ النَبِيِّ ، وهَذِهِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ.
وكُلُّهم قَرَأ: "يَكُنْ" بِالياءِ "آيَةً" نَصْبًا، غَيْرُ ابْنِ عامِرٍ فَإنَّهُ قَرَأ: "تَكُنْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ: "آيَةٌ" رَفْعًا، وهي قِراءَةُ عاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْ يَعْلَمَهُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "أنْ تَعْلَمَهُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
ثُمَّ سَلّى مُحَمَّدًا عن صُدُودِ قَوْمِهِ عَنِ الشَرْعِ بِأنْ أخْبَرَ أنَّ هَذا القُرْآنَ العَرَبِيَّ لَوْ سَمِعُوهُ مِن أعْجَمٍ، أيْ: مِن حَيَوانٍ غَيْرِ ناطِقٍ، أو جَمادٍ، -والأعْجَمُ: كُلُّ ما لا يُفْصِحُ- ما كانُوا يُؤْمِنُونَ، أيْ: قَدْ خَتَمَ الكُفْرُ عَلَيْهِمْ فَلا سَبِيلَ إلى إيمانِهِمْ، و"الأعْجَمُونَ" جَمْعُ أعْجَمٍ، وهو الَّذِي لا يُفْصِحُ، وإنْ كانَ عَرَبِيُّ اللِسانِ يُقالُ لَهُ: أعْجَمُ، وكَذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيَواناتِ والجَماداتِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : «جُرْحُ العَجْماءِ جِبارٌ»، وأسْنَدَ الطَبَرَيُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ أنَّهُ قالَ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ: "جَمَلِي هَذا أعْجَمُ، فَلَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ، ما كانُوا يُؤْمِنُونَ"، والعَجَمِيُّ هو الَّذِي نَسَبُهُ في العَجَمِ وإنْ كانَ فَصِيحَ اللِسانِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "الأعْجَمِيَّيْنِ"، قالَ أبُو حاتِمْ: أرادَ جَمْعَ "الأعْجَمِيِّ" المَنسُوبِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: الأعْجَمُونَ جَمْعُ أعْجَمٍ، وهو أعْجَمُ، أُضِيفَ فَقَوِيَتْ بِالإضافَةِ رُتْبَتُهُ في الأسْماءِ فَجَمَعَ، ولَيْسَ بِأعْجَمِيِّ النِسْبَةِ إلى العَجَمِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أوَ لَمْ يَكُنْ" بِالياءِ "لَهم آيَةً" بِالنَصْبِ، وقَرَأ: "أوَ لَيْسَ لَكم آيَةٌ" ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "ألَيْسَ" بِغَيْرِ واوٍ أو فاءٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَكُنْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ "آيَةٌ" رَفْعًا، وقَرَأ بَعْضُ مَن قَرَأ بِالتاءِ "آيَةً" بِالنَصْبِ، وسائِرُهم بِالرَفْعِ، وقَدْ مَضى ذِكْرُ ما في السَبْعِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ عائِدٌ عَلى "الذِكْرِ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن الرَحْمَنِ مُحْدَثٍ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
كان من جملة مطاعن المشركين في القرآن أنه ليس من عند الله، ويقولون: تقوله محمد من عند نفسه، وقالوا ﴿ أساطير الأولين اكتتبها ﴾ [الفرقان: 5] فدمغهم الله بأن تحدّاهم بالإتيان بمثله فعجزوا.
وقد أظهر الله بهتانهم في هذه الآية بأنهم إنما قالوا ذلك حيث جاءهم بالقرآن رسول عربي، وأنه لو جاءهم بهذا القرآن رسول أعجمي لا يعرف العربية بأن أوحى الله بهذه الألفاظ إلى رسول لا يفهمها ولا يحسن تأليفها فقرأه عليهم، وفي قراءته وهو لا يحسن اللغة أيضاً خارق عادة؛ لو كان ذلك لما آمنوا بأنه رسول مع أن ذلك خارق للعادة فزيادة قوله: ﴿ عليهم ﴾ زيادة بيان في خرق العادة.
يعني أن المشركين لا يريدون مما يلقونه من المطاعن البحث عن الحق ولكنهم أصروا على التكذيب وطفقوا يتحملون أعذاراً لتكذيبهم جحوداً للحق وتستراً من اللائمين.
وجملة: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجمين ﴾ معطوفة على جملة: ﴿ بلسان عربي مبين ﴾ [الشعراء: 193 195] لأن قوله: ﴿ على قلبك ﴾ أفاد أنه أوتيه من عند الله وأنه ليس من قول النبي لا كما يقول المشركون: تَقَوَّله، كما أشرنا إليه آنفاً.
فلما فرغ من الاستدلال بتعجيزهم فضح نياتهم بأنهم لا يؤمنون به في كل حال، قال تعالى: ﴿ إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كلُّ آية ﴾ [يونس: 96، 97].
و ﴿ الأعجمين ﴾ جمع أعجم.
والأعجم: الشديد العُجمة، أي لا يحسن كلمة بالعربية، وهو هنا مرادف أعجمي بياء النسب فيصح في جمعه على أعجمين اعتبارُ أنه لا حذف فيه باعتبار جمع أعجم كما قال حميد بن ثور يصف حمامة: ولم أر مثلي شاقه لفظ مثلها *** ولا عربياً شاقه لفظُ أعجما ويصح اعتبار حذف ياء النسب للتخفيف.
وأصله: الأعجميين كما في الشعر المنسوب إلى أبي طالب: وحيثُ ينيخ الأشْعَرُون رِحالهم *** بملقَى السيول بين سَاففٍ ونائل أي الأشعريون، وعلى هذين الاعتبارين يحمل قول النابغة: فعودا له غسان يرجون أَوْبَهُ *** وترك ورهط الأعْجمين وكابُل <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ ﴾ يَعْنِي كُتُبَ الأوَّلِينَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وغَيْرِها مِنَ الكُتُبِ.
وَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِهِ ذِكْرُ القُرْآنِ في زُبُرِ الأوَّلِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: بَعْثُ مُحَمَّدٍ في زُبُرِ الأوَّلِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: ذِكْرُ دِينِكَ وصِفَةِ أُمَّتِكَ في زُبُرِ الأوَّلِينَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين ﴾ قال: هذا القرآن ﴿ نزل به الروح الأمين ﴾ قال: جبريل.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ نزل به الروح الأمين ﴾ قال: الروح الأمين: جبريل رأيت له ستمائة جناح من لؤلؤ قد نشرها فهم مثل ريش الطواويس.
وأخرج ابن مردويه عن الحسن أظنه عن سعد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «الأوان الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وإن أبطأ عليها» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وإنه ليس شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه، وأن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله واجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ بلسان عربي مبين ﴾ قال: بلسان قريش.
ولو كان غير عربي ما فهموه.
وأخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عباس والبيهقي في شعب الإِيمان عن بريدة في قوله: ﴿ بلسان عربي مبين ﴾ قال: بلسان جرهم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن بريدة، مثله.
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن سلام قال: كان نفر من قريش من أهل مكة قدموا على قوم من يهود من بني قريظة لبعض حوائجهم، فوجدوهم يقرأون التوراة فقال القرشيون: ماذا نلقى ممن يقرأ توراتكم هذه؟
لهؤلاء أشد علينا من محمد وأصحابه.
فقال اليهود: نحن من أولئك برآء.
أولئك يكذبون على التوراة وما أنزل الله في الكتب إنما أرادوا عرض الدنيا.
فقال القرشيون: فإذا لقيتموهم فسوِّدوا وجوههم وقال المنافقون: وما يعلمه إلا بشر مثله.
وأنزل الله: ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين ﴾ إلى قوله: ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وصفته، ونعته، وأمره.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ يقول: في الكتب التي أنزلها على الأولين.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ قال: كتب الأولين ﴿ أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ﴾ قال: يعني بذلك اليهود والنصارى، كانوا يعلمون أنهم يجدون محمداً مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل أنه رسول الله.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ أو لم يكن لهم آية ﴾ بالياء.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ﴾ قال: عبد الله بن سلاممبشر بن عبيد القرشي في قوله: ﴿ أو لم يكن لهم آية ﴾ يقول: أو لم يكن لهم القرآن آية.
وأخرج ابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية العوفي في قوله: ﴿ أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ﴾ قال: كانوا خمسة؛ أسد، وأسيد، وابن يامين، وثعلبة، وعبد الله بن سلام.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجمين ﴾ قال: يقول لو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعجمين لكانت العرب أشر الناس فيه، لا يفهمونه ولا يدرون ما هو.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجمين ﴾ قال: لو أنزله الله عجمياً لكانوا أخسر الناس به لأنهم لا يعرفون العجمية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجمين ﴾ قال: الفرس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ كذلك سلكناه ﴾ قال: الشرك جعلناه ﴿ في قلوب المجرمين ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جهضم قال: «رؤي النبي صلى الله عليه وسلم كأنه متحير فسألوه عن ذلك فقال: ولم...
!
ورأيت عدوّي يلون أمر أمتي من بعدي.
فنزلت ﴿ أفرأيت إن متعناهم سنين ﴾ ، ﴿ ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ﴾ ، ﴿ ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ﴾ فطابت نفسه» .
وأخرج عبد بن حميد عن سليمان بن عبد الملك؛ أنه كان لا يدع أن يقول في خطبته كل جمعة: إنما أهل الدنيا فيها على وجل لم تمض لهم نية، ولم تطمئن لهم دار حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.
لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجعاتها، ولا يبقى فيها شيء، ثم يتلو ﴿ أفرأيت إن متعناهم سنين ﴾ ، ﴿ ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ﴾ ، ﴿ ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ﴾ قال: الرسل.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ﴾ قال: ما أهلك الله من قرية إلا من بعد ما جاءتهم الرسل، والحجة، والبيان من الله.
ولله الحجة على طلقة ﴿ ذكرى ﴾ قال: تذكرة لهم، وموعظة وحجة لله ﴿ وما كنا ظالمين ﴾ يقول: ما كنا لنعذبهم إلا من بعد البينة والحجة والعذر.
حتى نرسل الرسل، وننزل الكتب، وفي قوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين ﴾ يعني القرآن ﴿ وما ينبغي لهم أن ينزلوا به وما يستطيعون ﴾ يقول لا يقدرون على ذلك، ولا يستطيعونه ﴿ إنهم عن السمع لمعزولون ﴾ قال: عن سمع السماء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين ﴾ قال: زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد؛ فأخبرهم الله أنها لا تقدر على ذلك ولا تستطيعه، وما ينبغي لهم أن ينزلوا بهذا وهو محجور عليهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾ قال الكلبي: على رجل عجمي (١) ﴿ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ﴾ بغير لغة العرب ما آمنوا به، وقالوا: ما نفقه قولك؛ نظيره قوله: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُه ﴾ قال مقاتل: يقول: لو نزلنا هذا القرآن على رجل ليس بعربي اللسان فقرأه على كفار مكة لقالوا: ما نفقه قولك (٢) قوله: ﴿ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ يعني: بالقرآن مصدقين بأنه من الله (٣) وفيه قول آخر؛ روى داوود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى، قال: كنت واقفًا مع عبد الله بن مطيع بن الأسود بعرفات؛ فقرأ هذه الآية: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ﴾ قال: لو نزل على جملي هذا فقرأ عليهم ﴿ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ (٤) قال أبو إسحاق: (الأعجمين) جمع أعجم، والأنثى عجماء، والأعجم الذي لا يفصح، وكذلك الأعجمي، فأما العَجَمِي فالذي من جنس العجم أفصح أو لم يفصح (٥) قال أبو علي الفارسي: أعجم صفة (٦) ..
..
..
..
..
كما أَوتْ ...
حِزقٌ يمانيةٌ لأعجمَ طِمْطِم (٧) وقد دخلته الألف واللام على حد دخولها على أحمر، للتعريف في قولهم: زياد الأعجم، فقد علمت لجريه على النكرة، ودخول لام التعريف عليه أنه صفة في النكرة، مثل أحمر، وفي التعريف بمنزلة: الأحمر، وإذا كان كذلك ثبت أنه صفة، وإذا علمت أنه صفة علمت أن جمعه بالواو والنون، والياء والنون (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) والدهرُ بالإنسان دَوَّارِيُ (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) فقد تبينت من نص سيبويه أن الأعجمين جمع أعجمي، وأن ياءي النسب والإضافة (١٩) (٢٠) (٢١) وذكرنا تفسير الأعجمي في سورة النحل (٢٢) (١) في "تنوير المقباس" 314: "على رجل لا يتكلم بالعربية".
(٢) "تفسير مقاتل" 55 أ.
واقتصر على هذا القول في "الوسيط" 3/ 363.
(٣) "تفسير مقاتل" 55 أ.
(٤) أخرجه ابن جرير 19/ 114، من طريقين.
وكذا ابن أبي حاتم 9/ 2820.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 102.
و"معاني القرآن" للفراء 2/ 283، بمعناه.
والزاهر في معاني كلمات الناس 2/ 56.
(٦) كلمة: صفة، مكررة في نسخة (أ)، (ب).
(٧) هكذا أنشده أبو علي، "الإغفال لما أغفله الزجاج" 2/ 213 ب.
والبيت لعنترة، من معلقته، وصدره كما في الديوان 20: تأوي له قُلُص النعام كما أوت ورواية البيت في "شرح التبريزي" ص 162: يأوي إلى حِزق النعام كما أوت وقال في شرحه: يأوي هذا الظليم إلى حزق النعام، وهي: جماعاتها، واحدتها: حزقة، وحزيقة، والطمطم: الذي لا يفصح شيئاً، شبه النعام حول هذا الظليم بقوم من اليمن حول رجل من العجم يسمعون كلامه، ولا يفهمونه، وخص أهل اليمن لقربهم من العجم، يعني: الحبش، وملابستهم لهم.
(٨) غير واضحة بالنسخ ولعل الصواب ما ذكره أبو علي في كتاب "الشعر" 1/ 156: كما أن عجماء لا تجمع بالألف والتاء.
(٩) ما بين المعقوفين، من كتاب أبي علي.
(١٠) الصفة، في نسخة (أ)، (ب).
(١١) الصَّقْل: الجِلاء، والمِصقلة التي يصقل الصَيْقَل بها سيفًا ونحوه، وجمع الصيقل: صياقل وصياقلة.
"تهذيب اللغة" 8/ 372 (صقل).
(١٢) ما بين المعقوفين، غير موجود في كتاب أبي علي.
(١٣) أنشده ابن جرير 19/ 114، منسوبًا للعجاج، وقال بعده: "ومعناه: دوار، فنسبه إلى فعل نفسه".
وأنشده أبو علي، في كتابه: "الأغفال" 114 ب، منسوبًا للعجاج.
وصدر البيت كما في الديوان 247: أَطَرَبَاً وأنت قِنَّسْرِيُّ ..
..
..
قال محقق الديوان: القنسري: المسن الكبير، ودواري: دائر؛ يقول: إن الدهر == يتصرف بالإنسان ويدور به، يقول: كيف تطرب وأنت كبير يوبخه بذلك، وإنما يصبو فيعذر الصبي ومن لا سن له ولا تجربة عنده.
(١٤) قال ابن جرير 19/ 114: "إذا أريد به نسبة الرجل إلى أصله من العجم، لا وصفه بأنه غير فصيح "اللسان"، فإنه يقال: هذا رجل عجمي، وهذان رجلان عجميان، وهؤلاء قوم عَجَم، كما يقال: عربي، وعربيان، وقوم عَرَب، وإذا قيل هذا: هذا رجل أعجمي، فإنما نسب إلى نفسه، كما يقال: للأحمر: هذا أحمريٌّ ضخم".
(١٥) وذهب إلى ذلك الأخفش، في "معاني القرآن" 2/ 647.
حيث قال: "واحدهم: الأعجم، وهو إضافة كالأشعرين".
وذكر السمين الحلبي الأقوال المؤيدة لذلك.
"الدر المصون" 8/ 554.
(١٦) يعني غفل عنه أبو إسحاق فلم يذكره.
والله أعلم.
(١٧) ما بين المعقوفين، غير موجود في كتاب أبي علي.
(١٨) "الكتاب" 3/ 410.
(١٩) الإضافة.
ساقطة من النسخ الثلاث، وهي في كتاب أبي علي.
(٢٠) في كتاب أبي علي.
"وأنه جمع على هذا كما جمع وكسر على الأشاعث".
(٢١) "الإغفال فيما أغفله الزجاج" 2/ 213، بشيء من التصرف، والاختصار، حيث أطال أبو علي، الحديث عن هذه المسألة.
(٢٢) عند قوله تعالى: ﴿ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِي ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العالمين ﴾ الضمير للقرآن ﴿ الروح الأمين ﴾ يعني جبريل عليه السلام ﴿ على قَلْبِكَ ﴾ إشارة إلى حفظه إياه لأن القلب هو الذي يحفظ ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ ﴾ يعني كلام العرب هو متعلق بنزل أو المنذرين ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأولين ﴾ المعنى أن القرآن مذكور في كتب المتقدّمين ففي ذلك دليل على صحته ثم أقام الحجة على قريش بقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بني إِسْرَائِيلَ ﴾ بأنه من عند الله آية لكم وبرهان، والمراد من أسلم من بني إسرائيل: كعبد الله بن سلام وقيل: الذين كانوا يبشرون بمبعثه عليه الصلاة والسلام ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ على بَعْضِ الأعجمين ﴾ الآية جمع أعجم، وهو الذي لا يتكلم سواء كان إنساناً أو بهيمة أو جماداً والأعجمي: المنسوب إلى العجم أي غير العرب وقيل: بمعنى الأعجم، ومعنى الآية: أن القرآن لو نزل على من لا يتكلم، ثم قرأه عليهم لا يؤمنوا لإفراط عنادهم، ففي ذلك تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم على كفرهم به مع وضوح برهانه ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ﴾ معنى ﴿ سَلَكْنَاهُ ﴾ .
أدخلناه، والضمير للتكذيب الذي دل عليه ما تقدم من الكلام، أو القرآن أي سلكناه في قلوبهم مكذباً به، وتقدير قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مثل هذا السلك سلكناه، ﴿ المجرمين ﴾ : يحتمل أن يريد به قريشاً أو الكفار المتقدمين و ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ : تفسير للسلك الذي سلكه في قلوبهم ﴿ فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ ﴾ تمنوا أن يؤخروا حين لم ينفعهم التمني ﴿ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ توبيخ لقريش على استعجالهم بالعذاب في قولهم: ﴿ وَأَلْقِ عَصَاكَ ﴾ [النمل: 10] ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء ﴾ [الأنفال: 32] وشبه ذلك ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ﴾ المعنى أن مدّة إمهالهم لا تغني مع نزول العذاب بعدها، وإن طالت مدة سنين، لأن كل ما هو آت قريب، قال بعضهم ﴿ سِنِينَ ﴾ يريد به عمر الدنيا ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ ﴾ المعنى أن الله لم يهلك قوماً إلا بعد أن أقام الحجة عليهم بأن أرسل إليهم رسولاً فأنذرهم فكذبوه ﴿ ذكرى ﴾ منصوب على المصدر من معنى الإنذار، أو على الحال من الضمير من منذرون، أو على المفعول من أجله، أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين ﴾ الضمير للقرآن، وهو ردّ على من قال أنه كهانة نزلت به الشياطين على محمد ﴿ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ أي ما يمكنهم ذلك ولا يقدرون عليه، ولفظ: ﴿ مَا يَنبَغِي ﴾ تارة يستعمل بمعنى لا يمكن وتارة بمعنى لا يليق ﴿ إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ ﴾ تعليل لكون الشياطين لا يستطيعون الكهانة، لأنهم منعوا من استراق السمع منذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كان أمر الكهان كثيراً منتشراً قبل ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ليكة ﴾ بلام مفتوحة بعدها ياء ساكنة وبفتح التاء على أنها ممتنعة من الصرف للعلمية والتأنيث، وكذلك في "صاد": اي جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.
الآخرون ﴿ الأيكة ﴾ معرفاً مجروراً.
﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز.
الآخرون بسكونها ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ونزل به ﴾ مخففاً ﴿ الروح الأمين ﴾ مرفوعين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص وابو زيد عن المفضل وزيد عن يعقوب.
الباقون ﴿ نزل ﴾ مشدداً ﴿ الروح الأمين ﴾ منصوبين ﴿ أو لم تكن ﴾ بتاء التأنيث ﴿ آية ﴾ بالرفع: ابن عامر.
الباقون بالياء التحتانية ﴿ آية ﴾ بالنصب: ﴿ فتوكل ﴾ بالفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون بالواو ﴿ من تنزل الشياطين ﴾ بتشديد التاء وكذلك ﴿ تنزل ﴾ البزي وابن فليح ﴿ يتبعهم ﴾ بالتخفيف: نافع ﴿ وادي ﴾ بالياء في الوقف: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وقرأ قتيبة بالإمالة.
الوقوف: ﴿ المرسلين ﴾ ج ه ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وأطيعون ﴾ ه ج ﴿ أجر ﴾ ج ﴿ العالمين ﴾ ه ط ﴿ المخسرين ﴾ ج ه ﴿ المستقيم ﴾ ج ه ﴿ مفسدين ﴾ ج ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ط ﴿ المسحرين ﴾ ه لا ﴿ الكاذبين ﴾ ه ج ﴿ نصف آي القرآن ﴾ ﴿ الصادقين ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الظلة ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الأمين ﴾ ه لا ﴿ المنذرين ﴾ ه لا ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ه ﴿ الأعجمين ﴾ ه لا ﴿ مؤمنين ﴾ ه ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ط بناء على أن ﴿ لا يؤمنون ﴾ مستأنف للبيان ولو جعل حالاً فلا وقف ﴿ الأليم ﴾ ه لا ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا ﴿ منظرون ﴾ ه ط ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يوعدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ ما أغنى ﴾ جملة نفي أو استفهام قامت مقام الشرط ﴿ يمتعون ﴾ ه ط ﴿ منذرون ﴾ ه وقد يوقف عليها بناء على أن ﴿ ذكرى ﴾ ليس بمفعول له والمراد ذكرناهم والوقف على ﴿ ذكرى ﴾ جائز ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه ﴿ يستطيعون ﴾ ه ط ﴿ المعزولون ﴾ ه ط ﴿ المعذبين ﴾ ج ه ﴿ الأقربين ﴾ ج ه للعطف ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ج ﴿ الرحيم ﴾ ه لا ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ أثيم ﴾ ج ه بناء على أن ﴿ يلقون ﴾ حال من ضمير ﴿ الشياطين ﴾ اي تنزل ملقين السمع أو صفة ﴿ لكل افاك ﴾ وإن جعل مستأنفاً كأن قائلاً قال: لم تنزل؟
فقيل: يفعلون كيت وكيت فلك الوقف.
﴿ كاذبون ﴾ ه ط ﴿ الغاوون ﴾ ه ط ﴿ يهيمون ﴾ ه لا ﴿ لا يفعلون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ ينقلبون ﴾ ه.
التفسير: القصة السابعة قصة شعيب وأنه كان أخاً مدين دون أصحاب الأيكة ولهذا لم يقل "أخوهم شعيب".
يروى أن اصحاب الأيكة كانوا اصحاب شجر ملتف وكان شجرهم الدوم وهي التي حملها المقل.
قال في الكشاف: قرئ ﴿ أصحاب ليكة ﴾ بتخفيف الهمزة وبالجر على الإضافة وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب وزعم أن ﴿ ليكة ﴾ بوزن ليلة اسم بلد فتوهم قاد إليه خط المصحف في هذه السورة وفي سورة ص، ثم اعترض عليه بأن ﴿ ليكة ﴾ اسم لا يعرف.
قلت: إنه لا يلزم من عدم العلم بالشيء عدم ذلك الشيء، والظن بالمتواتر يجب أن يكون أحسن من ذلك.
أمرهم شعيب بإيفاء الكيل ونهاهم عن الإخسار وهو التطفيف وأن يجعل الشخص خاسراً فكأنه أمره بالإيفاء مرتين توكيداً ثم زاد في البيان بقوله ﴿ وزنوا بالقسطاطس المستقيم ﴾ وقد مر في سورة سبحان.
قال في الكشاف: إن كان من القسط وهو العدل وجعلت السين مكررة فوزنه "فعلاس" وإلا فهو رباعي.
قلت: إن كان مكرراً فوزنه "فعلال" أيضاً.
وقوله ﴿ ولا تبخسوا ﴾ تأكيداً آخر وقد سبق في "هود".
والجبلة الخليقة حذرهم الله الذي تفضل عليهم بخلقهم وخلق من تقدمهم ممن لولا خلقهم لما كانوا مخلوقين.
قال في الكشاف: الفرق بين إدخال الواو ههنا في قوله ﴿ وما أنت إلا بشر ﴾ وبين تركها في قصة ثمود هو أنه قصد ههنا معنيان منافيان عندهم للرسالة: كونه مسحراً وكونه بشراً وهناك جعل المعنى الثاني مقرراً للأول.
قلت: الفرق بين والإشكال في تخصصيص كل من القصتين بما خصت به، ولعل السبب فيه هو أن صالحاً قلل في الخطاب فقللوا في الجواب، وأكثر شعيب في الخطاب ولهذا قيل له خطيب الأنبياء فأكثروا في الجواب.
"وإن" في قولهم ﴿ وإن نظنك ﴾ هي المخففة من الثقيلة عملت في ضمير شأن مقدر.
واللام في قوله ﴿ لمن الكاذبين ﴾ هي الفارقة.
والكسف بالسكون والحركة جمع كسفة وهي القطعة وقد مر في سبحان في اقتراحات قريش.
والمعنى إن كنت صادقاً في دعوة النبوة فادع الله أن يسقط علينا قطع السماء.
وإنما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوعه فأرادوا بذلك إظهار كذبه فحلم عنهم شعيب ولم يدع عليهم بل فوض الأمر إلى الله بقوله: ﴿ ربي أعلم بما تعملون ﴾ يروى أن شعيباً بعث إلى أمتين: اصحاب مدين وأصحاب الأيكة.
فأهلكت مدين بصيحة جبرائيل، وأهلكت اصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة وذلك إنه حبس عنهم الريح سبعاً وسلط عليهم الحرّ فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظلٍ ولا ماء ولا شراب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى الصحراء فأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً ونسيماً فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا.
وحين سلى رسول الله بهذه القصص المؤكدة بالمكررات المختتمة بالمقررات عاد إلى مخاطبته قائلاً ﴿ وإنه ﴾ اي وإن الذي نزل عليك من الأخبار ﴿ لتنزيل رب العالمين ﴾ أي منزله.
والباء في ﴿ نزل به ﴾ علىالقراءتين للتعدية ولكنها في قراءة التشديد تقتضي مفعولاً آخر هو الروح أي جعل الله الروح الأمين نازلاً به على قلبك محفوظاً مفهوماً ﴿ لتكون من المنذرين ﴾ من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد .
ويجوز أن يكون قوله ﴿ لسان ﴾ متعلقاً ﴿ بنزل ﴾ أي نزله ﴿ بلسان عربي ﴾ لتنذر به فإنه لو نزله بالأعجمي لقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه.
ومن هذا الوجه ينشأ فائدة أخرى لقوله ﴿ على قلبك ﴾ أي نزلناه بحيث تفهمه ولو كان أعجمياً لكان نازلاً على سمعك دون قلبك.
والظاهر من نقل أئمة اللغة أن القلب والفؤاد مترادفان.
ونقل الإمام فخر الدين الرازي عن بعضهم أن القلب هو العلقة السوداء في جوف الفؤاد وذكر كلاماً طويلاً في أن محل العقل هو القلب دون الدماغ وهو المخاطب في الحقيقة فلهذا قال ﴿ نزله على قلبك ﴾ ونحن قد تركناه لقلة تعلقه بالمقام ولضعف دلائله مع مخالفته لما عليه معظم أرباب المعقول.
قوله ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ يعني أن ذكر القرآن مثبت في الكتب السماوية للأمم المتقدمة، وإن معاني القرآن في تلك الزبر.
وقد يحتج به لأبي حنيفة في جواز القراءة بالفارسية في الصلاة.
وقيل: الضمير فيه وفي ﴿ أن يعلمه ﴾ للنبي وأنه حجة ثابتة على نبوته قد شهد بها علماء بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره من الذين أسلموا منهم واعترفوا أن نعته وصفته في كتبهم مذكور، وكان مشركو قريش يذهبون إلى اليهود يتعرفون منهم هذا الخبر.
من قرأ ﴿ يكن ﴾ بالتذكير و ﴿ آية ﴾ بالنصب على الخبر والاسم ﴿ أن يعلمه ﴾ فظاهر، ومن قرأ ﴿ تكن ﴾ بالتأنيث و ﴿ آية ﴾ بالرفع على الاسم والخبر ﴿ أن يعلمه ﴾ فقيل: ليست بقوية لوقوع النكرة اسماً والمعرفة خبراً.
ويمكن أن يجاب بأن الفعل المضارع مع أن ليس من المعارف الصريحة، وقد توجه هذه القراءة بتقدير ضمير القصة في ﴿ تكن ﴾ وجملته ﴿ آية أن يعلمه ﴾ و ﴿ لهم ﴾ لغواً أو ﴿ لهم آية ﴾ ﴿ وأن يعلمه ﴾ بدل من آية.
قال جار الله: إنما كتب علموء بالواو على لغة من يميل الألف إلى الواو ولذلك كتبت الصلوة والزكوة بالواو.
ثم أكد بقوله ﴿ ولو نزلناه ﴾ ما مر من آية لو نزله بالأعجمي فقرأه عليهم بعض الأعجمين لم يؤمنوا به لأنهم لم يكونوا يفهمونه.
وقال جار الله: معناه ولو نزلناه على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية فضلاً أن يقدر على نظم مثله فقرأه عليهم هكذا فصيحاً معجزاً متحدّى به لكفروا به كما كفروا ولتمحلوا لجحودهم عذراً ولسموه سحراً.
ثم قال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا السلك ﴿ سلكناه ﴾ في قلوبهم وقررناه فيها فعلى أيّ وجه دبر أمرهم فلا سبيل إلى تغييرهم عما هم عليه من الإنكار والإصرار، وقد سبق مثل هذه الآية في أول "الحجر".
والحاصل أنهم لا يزالون على التكذيب حتى يعاينوا الوعيد، وفيه تسلية لرسول الله فإن اليأس إحدى الراحتين.
قال في الكشاف: ليس الفاء في قوله ﴿ فيأتيهم بغتة فيقولوا ﴾ لأجل ترادف العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة، وإنما المعنى ترتيبها في الشدة كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة.
فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة.
نظيره قولك: إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله، لا تريد الترتيب في الوجود ولكن في الشدة.
قلت: هذا معنى صحيح ولكن لا مانع من إرادة الترتيب والتعذيب في الوجود يظهر بالتأمل إن شاء الله العزيز.
ثم نكرهم بقوله ﴿ أفبعذابنا يستعجلون ﴾ وفيه إنكار وتهكم أي كيف يستعجل العذاب من لا طاقة له به حتى استمهل بعد أن كان من العمر في مهلة؟
وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ يستعجلون ﴾ حكاية حال ماضية يوبخون بها عند استنظارهم، أو يكون متصلاً بما بعده وذلك أنهم اعتقدوا العذاب غير كائن فلذلك استعجلوه وظنوا أنهم يمتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن، فأنكر الله عليهم استعجالهم الصادر عن الأشر والبطر والاستهزاء والاتكال على طول الأمل.
ثم قال: هب أن الأمر كما ظنوه من التمتع والتعمير فإذا لحقهم الوعيد أو الأجل أو القيامة هل ينفعهم ذلك؟.
عن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له: عظني فتلا عليه هذه الآية فقال له ميمون: لقد وعظت فأبلغت.
ثم بين أنه ما أهلك قرية إلا بعد إلزام الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، وعلى هذا يكون ﴿ ذكرى ﴾ متعلقة ﴿ بأهلكنا ﴾ مفعولاً له.
ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً ﴿ لأنذر ﴾ بمعنى التذكرة فإن ﴿ أنذر ﴾ وذكر متقاربان، أو حالاً من الضمير في ﴿ منذرون ﴾ أو مفعولاً له متعلقاً به أي ينذرونهم ذوي تذكرة أو لأجل الموعظة والتذكير، أو التقدير: هذه ذكرى فالجملة اعتراض.
ويجوز أن يكون صفة ﴿ لمنذرون ﴾ على حذف المضاف أي ذوو ذكرى، أو جعلوا ذكرى لبلوغهم في التذكرة أقصى غاياتها.
والبحث عن وجود الواو وعدمه في مثل هذا التركيب قد مر في أول الحجر في قوله ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ﴾ إلا أنا نذكر ههنا سبب تخصيص تلك الآية بالواو وهذه بعدم الواو فنقول: لا ريب أن الواو تفيد مزيد الربط والاجتماع في الحال وفي الوصف إن جوزتا: فسواء قدرنا الجملتين أعني قوله ﴿ ولها كتاب معلوم ﴾ وقوله ﴿ لها منذرون ﴾ حالاً أو وصفاً فالمقام يقتضي ورود النسق على ما ورد، وذلك أن قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ صفة لازمة للقرية فإن الكتب في اللوح وصف أزلي فناسب أن يكون في اللفظ ما يدل على اللزوم واللصوق وهو الواو، ثم زيد في التأكيد بقوله ﴿ معلوم ﴾ وبقوله ﴿ ما تسبق ﴾ وهذا بخلاف قوله ﴿ لها منذرون ﴾ فإنها صفة حادثة فأطلقت وجود صدر الجملة عن الواو لذلك والله أعلم.
ثم إنه لما احتج على صدق محمد بكون القرآن معجزاً منزلاً من رب العالمين مشتملاً على معاني كتب الأولين وكان الكفار يقولون إنه من إلقاء الجن كحال الكهنة أراد أن يزيل شبهتهم بقوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم ﴾ التنزل بالوحي ﴿ وما يستطيعون ﴾ .
ثم بين عدم اقتدارهم بقوله ﴿ إنهم عن السمع ﴾ أي عن سماع كلام أهل السماء ﴿ لمعزولون ﴾ وذلك بواسطة رجم الشهب كما أخبر عنه الصادق والمعجزات يتساند بعضها ببعض، ولو فرض أنهم غير مرجومين بالشهب فالعقل يدل على أن الاهتمام بشأن الصديق أقوى منه بشأن العدو، وكان محمد يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم فلو كان الغيب بإلقاء الشياطين لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم ذلك.
وحين أثبت حقية القرآن أمر نبيه بجوامع مكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً ﴿ فلا تدع ﴾ والمراد أمته كما مر في نظائره من قوله ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ وغير ذلك ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ فيه أن الاهتمام بشأن من هو أقرب إلى المرء أولى.
وفيه أنه يجب أن لا يأخذه في باب التبليغ ما يأخذ القريب للقرب من المساهلة ولين الجانب.
"يروى أنه لما نزلت الآية صعد الصفا فنادى الأقرب فالأقرب فخذاً فخذاً وقال: يا بني عبد المطلب يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا عباس عم النبي يا صفية عمة رسول الله: إني لا أملك لكم من الله شيئاً سلوني من المال ما شئتم" .
"وروي أنه جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً، الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس على رجل شاة، فأكلوا وشربوا حتى شبعوا ثم أنذرهم فقال: يا بني عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقي؟
قالوا: نعم.
قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" .
قوله ﴿ واخفض جناحك ﴾ قد مر تفسيره في آخر "الحجر" وفي "سبحان" وزاد ههنا ﴿ لمن اتبعك ﴾ كيلا يذهب الوهم إلى أن خفض الجناح وهو التواضع ولين الجانب مختص بالمؤمنين من عشيرته.
وإنما لم يقتصر على قوله ﴿ لمن اتبعك ﴾ لأن كثيراً منهم كانوا يتبعونه للقرابة والنسب لا للدين.
وقال في الكشاف: سبب الجمع بين اللفظين هو أنه سماهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك، أو أراد بالمؤمنين المصدّقين بالألسنة فزاد قوله ﴿ لمن اتبعك ﴾ ليخرج من صدّق باللسان دون الجنان، أو صدق بهما ولم يتبعه في العمل.
وحين أمره بالتواضع لأهل الإخلاص في الإيمان أمره بالتبرئة من ارباب العصيان.
فاستدل الجبائي به على أن الله أيضاً بريء من عملهم فكيف يكون فاعلاً له؟!
وأجيب بأنه إن أراد ببراءة الله أنه ما أمر بها فمسلم، وإن أراد أنه لا يريدها فممنوع لانتهاء جميع الحوادث إلى إرادته ضرورة قوله ﴿ وتوكل ﴾ معطوف على قوله ﴿ فلا تدع ﴾ أو على قوله ﴿ فقل ﴾ أمره بتفويض الأمر في دفع أعاديه إلى العزيز الذي يقهر من ناوأ أولياءه الرحيم الذي لا يخذل من ينصر دينه.
قال بعض العلماء: المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما فيه معصية الله عز وجل، ولو وقع في محنة واستعان في دفعها ببعض المخلوقين لم يخرج من حد المتوكلين، ثم عدد مواجب الرحمة وهي رؤيته قيامه وتقلبه في الساجدين أي في المصلين.
وللمفسرين فيه وجوه منها: ما روي أنه حين نسخ فرض التهجد طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه حرصاً عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات فوجدها كبيوت الزنانير ذكراً وتلاوة.
فالمراد بتقلبه في الساجدين تصفح أحوال المتهجدين من اصحابه ليطلع عليهم كيف يعملون لآخرتهم.
ومنها أن المراد تصرفه فما بين المؤمنين به بالقيام والركوع والسجود والقعود.
ويروى عن مقاتل أنه استدل به على وجود فضل صلاة الجماعة في القرآن.
ومنها أنه إشارة إلى ما جاء في الحديث "أتموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلف ظهري" فالتقلب تقلب بصره فيمن يصلي خلفه.
وقيل: أراد أنه لا يخفى علينا كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين.
وقد احتج بالآية علماء الشيعة على مذهبهم أن آباء النبي لا يكونون كفاراً.
قالوا: أراد تقلب روحه من ساجد إلى ساجد كما في الحديث المعتمد عليه عندهم "لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وناقشهم أهل السنة في التأويل المذكور وفي صحة الحديث.
والأصوب عندي أن لا نشتغل بمنع أمثال هذه الدعوى ونسرح إلى بقعة الإمكان على أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول.
ثم أكد قوله وما تنزلت به الشياطين بقوله ﴿ هل أنبئكم على من تنزل ﴾ قال في الكشاف: تقديره أعلى من تنزل؟
ليكون الاستفهام في صدر الكلام كقولك: أعلى زيد مررت؟
قلت: هذا تكلف بارد لأن لااستفهام في "من" ضمني لا يصرح به قط.
والأفاك الكثير الإفك، والأثيم مبالغة آثم وهم الكهنة والمتنبئة كسطيح ومسيلمة وأمثالهما.
والضمير في ﴿ يلقون ﴾ عائد إلى الشياطين كانوا قبل الرجم بالشهب يختطفون بعض الغيوب من الملأ الأعلى بإلقاء ﴿ السمع ﴾ أي بالإصغاء ثم يرجعون به إلى أوليائهم ﴿ وأكثرهم كاذبون ﴾ لأنهم يخلطون الحق المسموع بكلامهم الباطل كما جاء في الحديث "الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة" .
والقر الصب.
وقيل: السمع بمعنى السمموع أي يلقي الشياطين إلى أوليائهم ما يسمعونه من الملائكة.
ويحتمل أن يكون الضمير في: ﴿ يلقون ﴾ للأفاكين والسمع الأذن أو المسموع أي يلقونه السمع إلى لاشياطين فيتلقون وحيهم، أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس.
وإنما لم يقل "وكلهم كاذبون" لأن الكذوب قد يصدق فيصدق عليه انه صادق في الجملة لأن هذه عبارة الفصحاء لا يحكمون حكماً كلياً ما لم تدع إليه ضرورة.
والحاصل أنهم كانوا يقيسون حال النبي على حال الكهنة فقيل لهم: إن الأغلب على الكهنة الكذب ولم يظهر من أحوال محمد إلا الصدق، فكيف يكون كاهناً؟
ثم بين ما يعرف منه أن النبي ليس بشاعر كما أنه ليس بكاهن فقال ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ قيل: أي الشياطين.
والأظهر أنهم الذين يروون أشعارهم وكان شعراء قريش مثل عبد الله بن الزبعري وأمية بن ابي الصلت يهجون النبي ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أهاجيهم فنزلت.
ثم بين غوايتهم بقوله ﴿ ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ﴾ وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول يمدحون إنساناً معيناً تارة ويذمونه أخرى غالين في كلا الطرفين مستعملين التخيل في كل ما يرومونه.
وذكر من قبائح خصالهم ﴿ أنهم يقولون ﴾ عند الطلب والدعاوي ﴿ مالا يفعلون ﴾ ولعمري إنها خصلة شنعاء تدل على الدناءة واللؤم.
قالوا وما فعلوا وأين هم *** من معشر فعلوا وما قلوا وعن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله: فبتن بجانبيّ مصرعات *** وبت أفض أغلاق الختام فقال: وجب عليك الحد: قال: قد درأ الله عني الحد يا أمير المؤمنين وتلا الآية.
ثم استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم الذكر والفكر فيما لا بأس به من المواعظ والنصائح، ومدح الحق وذويه، ويكون هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم مثل عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن زهير كانوا ينافحون عن رسول الله .
"وعن كعب بن مالك أن رسول الله قال له: اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل" .
وكان يقول لحسان: هاجهم وروح القدس معك.
والحاصل أن النظر في الشعر إلى المعنى لا على مجرد النظم والروي.
فإن كان المعنى صحيحاً مطابقاً للحق والصدق فلا بأس بإِدخاله في سلك النظم والقافية بل لعل النظم يروجه ويهيج الطبع على قبوله وهو الذي عناه "إن من الشعر لحكماً" .
وإن كان المعنى فاسداً والغرض غير صحيح فهو الذي توجه الذم إليه.
وللانتصار حد معلوم وهو أن لا يزيد على الجواب لقوله : { ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ وقال "المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يتعدى المظلوم" ثم ختم السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال ﴿ وسيعلم الذين ظلموا ﴾ خصصه بعضهم بالشعراء إذا خرجوا عن حد الإنصاف، ومالوا إلى الجور والاعتساف، ولعله عام يتناول لكل من ظلم نفسه بالإعراض عن تدبر ما في السورة بل القرآن كله.
وقوله ﴿ أيّ منقلب ﴾ صفة لمصدر محذوف والعامل ﴿ ينقلبون ﴾ أي ينقلبون في الدركات السفلى انقلاباً أيّ منقلب ولا يعمل فيه ﴿ يعلم ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
وعن ابن عباس أنه قرأه بالفاء والتاء والمراد سيعلمون أنه ليس لهم وجه من وجوه الانفلات وهو النجاة.
التأويل: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجميين ﴾ فيه إظهار القدرة من وجهين: الأول جعل الأعجمي بحيث يقرا العربي عليهم كقول القائل: أمسيت كردياً واصبحت عربياً.
والثاني أن أهل الإنكار لا يصيرون أهل الإقرار ولو أتاهم مثل هذا الإعجاز البين، وذلك لأن الله كذلك يسلكه في قلوبهم فيأتيهم عذاب البعد والطرد في الدنيا ﴿ بغتة وهم لا يشعرون ﴾ لأنهم نيام فإذا ماتوا انتبهوا فيقولون هل نحن منظرون.
﴿ وما ينبغي لهم وما يستطيعون ﴾ لأنهم خلقوا من النار والقرآن نور قديم فلا يكون للنار المخلوقة قوة حمل النور القديم، ولهذا تستغيث النار من نور المؤمن وتقول: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي.
﴿ فتكون من المعذبين ﴾ لأن كل من طلب مع الله شيئاً آخر حتى الجنة فله عذاب البعد والحرمان من الله.
﴿ وأنذر عشيرتك ﴾ فيه أن النسب نسب النفوس فإن أكل المرء يشبعه ولا يشبع ولده.
إلا إذا أكل الطعام كما أكل والده وهذا معنى المتابعة.
﴿ إني بريء مما تعملون ﴾ لم يقل "إني بريء منكم" لأن المراد لا تبرأ منهم وقل لهم قولاً جميلاً بالنصح والموعظة الحسنة حتى يرجعوا ببركة دعوتك إلى القول الحق، أو ينالوا الجنة بواسطة شفاعتك.
﴿ وتقلبك في الساجدين ﴾ بأن خلق روح كل ساجد من روحك.
﴿ إنه هو السميع ﴾ في الأزل مقالتك "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" لأن أرواحهم خلقت من روحك ﴿ العليم ﴾ باستحقاقك لهذه الكرامة الله حسبي.
قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : وإنه - أي: القرآن - تنزيل رب العالمين، أي: نزله رب العالمين.
﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ ﴾ : جواب لقولهم: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ : يحتمل وجوهاً.
أحدها: أن جبريل لما ينزل من القرآن إنما ينزل على قلبه، لا يحجبه شيء عن قلبه.
والثاني: ﴿ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ أي: لا يذهب عنه، بل الله يجمعه في قلبك؛ كقوله: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ .
أو أن يكون قوله: ﴿ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ أي: يثبته على قلبك لقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ .
أو أن يكون قال ذلك لما انتهى إلى قلبه وحفظه غاية حفظه قال: ﴿ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ ؛ كأنه ألقي في قلبه وكذلك يقال.
وقوله: ﴿ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴾ : كأنه - والله أعلم - على التقديم والتأخير يخرج، أي: نزل به الروح الأمين على قلبك بلسان عربي مبين لتكونن من المنذرين.
والباطنية يقولون: أنزله على رسوله كالخيال غير موصوف بلسان، ثم إن رسوله أداه بلسانه العربي المبين أي: بينه، لكنه ليس كذا؛ لأنه قال في آية أخرى: ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴾ ؛ فيبطل قولهم: إنه أداه بلسانه عربيّاً من غير أن أنزله كذلك، ولو كان على ما يقوله الباطنية: إنه لم ينزله بهذا اللسان - أعني: اللسان العربي - وأن الرسول هو الذي صيره بهذا اللسان وأداه به لكان لا يصير جواباً لقولهم: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ ، ولا حجة عليهم، فإذا ذكر هذا جواباً لقولهم وحجة عليهم؛ دل أنه إنما أنزل عليه عربيّاً، وأن تأويل الأول ما ذكرنا على التقديم والتأخير.
وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: وإنه - أي: نعت محمد وصفته - كان في كتب الأولين.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ أي: هذا القرآن كان ذكره في كتب الأولين أنه ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أن عينه كان فيها.
أو أن كان بعضه في زبر الأولين لا الكل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ : قال بعض أهل التأويل، أو لم يكن لهم محمد آية أن علماء بني إسرائيل كانوا يعلمون أنهم يجدونه مكتوباً عندهم في الكتب.
لكن تأويله: أو لم يكفهم علم علماء بني إسرائيل آية أنه رسوله.
ثم الآية تكون بوجهين: أحدهما: ما ذكر أن أهل مكة أرسلوا إلى اليهود بالمدينة يسألونهم عن رسول الله، فأخبروهم عنه أنه يخرج في وقت كذا، وأن نعته كذا، وهذا وقت خروجه.
والثاني: يقول: أولم يكفهم آية إسلام علماء بني إسرائيل وفقهائهم أنه رسول نحو ابن سلام وغيره، إذ كانوا لا يسلمون إلا عن علم وثبت أنه رسول؛ إذ كان في إسلامهم ذهاب مكانتهم ورياستهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ : قال بعضهم: نزلناه على رجل منهم عربي فلم يؤمنوا به، فكيف لو نزلناه على أعجمي؟!
وقال بعضهم: لو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعجمين، فقرأه عليهم، يقول: إذن لكانوا شر الناس فيهم ما فهموه وما دروا ما هو؛ وهو قريب من الأول.
وقال بعضهم: لو نزلناه على بعض الأعجمين من الدواب فكلمهم هذا ما صدقوه؛ يذكر سفههم وتعنتهم.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ ﴾ أي: لو نزلناه أعجميّاً فلم يفهموه لقالوا: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ ، ولكن نزلناه عربيّاً؛ لئلا يقولوا ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ : قال بعضهم: هكذا سلكنا الكفر والتكذيب، وأدخلناه في قلوب المجرمين.
وقال بعضهم: كذلك سلكناه - يعني: البيان والحجج - في قلوب المجرمين حتى عقلوه، ولزمتهم الحجة، لكنهم تركوا الإيمان تعنتاً وعناداً، لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم، حين لا ينفعهم إيمانهم؛ لأن إيمانهم عند معاينة العذاب إيمان دفع واضطرار لا إيمان اختيار، وهو كما قال: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ ؛ لأنه إيمان دفع العذاب عن أنفسهم حين خرج أنفسهم من بين أيديهم، وإيمان اضطرار لا إيمان اختيار؛ لذلك لم ينفعهم.
وقوله: ﴿ فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً ﴾ أي: يأتيهم العذاب فجأة وهم لا يشعرون؛ لأنه - عز وجل - إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون أبداً، أنزل بهم العذاب بغتة، ولو علم منهم أنهم يؤمنون حقيقة عند معاينة العذاب؛ لأنزل عليهم العذاب معاينة مجاهرة؛ ليؤمنوا فيقبل منهم ذلك ويدفع العذاب عنهم، كما قبل إيمان قوم يونس حيث قال: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا...
﴾ ، قبل منهم الإيمان عند معاينتهم العذاب؛ لما علم منهم أنهم يحققون الإيمان في ذلك، وأما من كان همهم المعاندة والمكابرة فهم لا يحققون الإيمان.
وقوله: ﴿ فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ ﴾ : لا يزالون يطلبون الرجعة إلى الدنيا، وتأخير العذاب عن أنفسهم إذا نزل بهم؛ كقولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ ﴾ فيتمنون الرجوع والنظرة، لكن لا يجابون.
وقوله: ﴿ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ : [هو] كقولهم: ﴿ مَتَىٰ هَذَا ٱلْوَعْدُ ﴾ ، وقولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً ﴾ ومثله، وإلا ليس هذا في الظاهر جواباً لقوله: ﴿ فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ ﴾ وجواب هذا - والله أعلم - قوله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ...
﴾ : يقول: ما يغني تأخير العذاب عنهم، وإمهالهم عنه وقتا يمتعون [فيه] - من عذاب الله من شيء؛ لا ينفعهم ذلك.
أو أن يكونوا سألوا العذاب في الظاهر واستمهلوه في الحقيقة، فخرج قوله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ...
﴾ الآية جواباً لاستمهالهم.
أو أن يكون بعضهم استعجل العذاب واستمهل غيرهم، فخرج هذا جواب من استمهل.
ثم خوفهم فقال: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ * ذِكْرَىٰ ﴾ : يقول: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ ﴾ إهلاك استئصال وانتقام، إلا بعد الإنذار وإقامة الحجة والبيان.
﴿ ذِكْرَىٰ ﴾ ، أي: موعظة وزجرا عما هم فيه.
أو ﴿ ذِكْرَىٰ ﴾ بذكر ما لهم وما عليهم وما لبعضهم على بعض.
وقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ : في تعذيبهم، أي: لم نعذبهم بلا ذنب ولا جرم، ولكن بعنادهم ومكابرتهم؛ لأن العذاب في الدنيا لا يكون لنفس الكفر ولكن لعناد ومكابرة، وإنما عذاب الكفر في الآخرة؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ أي: ما كنا معذبين في الدنيا تعذيب انتقام حتى نبعث رسولا، فيظهر منهم العناد والمكابرة، فعند ذلك يعذبهم الله.
وقال بعضهم: ﴿ وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ أي: ما كنا نعذبهم إلا من بعد البيان والحجة وقطع العذر، والله أعلم.
وفي مصحف أبي: ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا بذنوب أهلها ﴾ .
وقوله: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ ﴾ : قال بعضهم: ما تنزلت بالقرآن الشياطين، فذلك جواب لقول أهل مكة: إن محمدا كاهن معه رئيٌّ يأتيه بما يقول يعنون بالرئيِ: الشيطان، وكانت الشياطين من قبل يقعدون من السماء مقاعد يستمعون فيها الوحي من الملائكة، فينزلون به على الكهان فمن بين مصيب ومخطئ، فقالوا: محمد كذلك، فأكذبهم الله في مقالتهم تلك، فقال: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ﴾ أي بالقرآن ﴿ ٱلشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ ﴾ أن ينزلوا بالقرآن ﴿ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ، أي: قد حيل بينهم وبين السمع بالملائكة والشهب، وأخبر أنهم عن السمع لمعزولون.
وفي قوله: ﴿ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾ دلالة أن من أراد أن يجعل القرآن حجة لغير الذي جعل هو حجة، لم يقدر على النطق به ولا التلاوة؛ نحو: من يأتي أفقاً من آفاق الأرض لم ينته إليهم هذا القرآن، فادعى لنفسه النبوة وجعل يحتج بهذا القرآن، فإنه لا يقدر على تلاوته ولا النطق به؛ لأنه إنما جعل حجة وبرهاناً للمحق لا للمبطل حيث قال: وما تنزلت الشياطين وما ينبغي لهم أن ينزلوا وما يستطيعون ذلك وإنهم معزولون عن ذلك.
<div class="verse-tafsir"
فقرأه عليهم ما صاروا به مؤمنين؛ لأنهم سيقولون: لا نفهمه، فليحمدوا الله أن نزل بلغتهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.l0PWo"