الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ٢٠ من سورة الشعراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 86 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٠ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( قال فعلتها إذا ) أي : في تلك الحال ، ( وأنا من الضالين ) أي : قبل أن يوحى إلي وينعم الله علي بالرسالة والنبوة .
قال ابن عباس ، رضي الله عنهما ، ومجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، وغيرهم : ( وأنا من الضالين ) أي : الجاهلين .
قال ابن جريج : وهي كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .
يقول تعالى ذكره: قال موسى لفرعون: فعلت تلك الفعلة التي فعلت, أي قتلت تلك النفس التي قتلت إذن وأنا من الضالين.
يقول: وأنا من الجاهلين قبل أن يأتيني من الله وحي بتحريم قتله عليّ.
والعرب تضع من الضلال موضع الجهل, والجهل موضع الضلال, فتقول: قد جهل فلان الطريق وضل الطريق, بمعنى واحد.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) قال: من الجاهلين.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
قال ابن جُرَيج: وفي قراءة ابن مسعود: " وأنا مِنَ الجَاهِلِينَ".
قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة: ( وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) قال: من الجاهلين.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ فقال موسى: لم أكفر, ولكن فعلتها وأنا من الضالين.
وفي حرف ابن مسعود: " فعلتها إذا وأنا من الجاهلين ".
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) قبل أن يأتيني من الله شيء كان قتلي إياه ضلالة خطأ.
قال: والضلالة ههنا الخطأ, لم يقل ضلاله فيما بينه وبين الله.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) يقول: وأنا من الجاهلين.
ف قال فعلتها إذا أي فعلت تلك الفعلة - يريد قتل القبطي - وأنا إذ ذاك من الضالين أي من الجاهلين ; فنفى عن نفسه الكفر ، وأخبر أنه فعل ذلك على الجهل .
وكذا قال مجاهد ; من الضالين : من الجاهلين .
ابن زيد : من الجاهلين بأن الوكزة تبلغ القتل .
وفي مصحف عبد الله ( من الجاهلين ) ويقال لمن جهل [ ص: 91 ] شيئا ضل عنه .
وقيل : وأنا من الضالين من الناسين ; قاله أبو عبيدة .
وقيل : وأنا من الضالين عن النبوة ولم يأتني عن الله فيه شيء ، فليس علي فيما فعلته في تلك الحالة توبيخ .
وبين بهذا أن التربية فيهم لا تنافي النبوة والحلم على الناس ، وأن القتل خطأ أو في وقت لم يكن فيه شرع لا ينافي النبوة .
فقال موسى: فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ أي: عن غير كفر, وإنما كان عن ضلال وسفه, فاستغفرت ربي فغفر لي.
( قال ) موسى ، ) ( فعلتها إذا ) أي : فعلت ما فعلت حينئذ ، ) ( وأنا من الضالين ) أي : من الجاهلين ، أي لم يأتني من الله شيء .
وقيل : من الجاهلين بأن ذلك يؤدي إلى قتله .
وقيل : من الضالين عن طريق الصواب من غير تعمد .
وقيل : من المخطئين .
«قال» موسى «فعلتها إذاً» أي حينئذ «وأنا من الضالين» عما آتاني الله بعدها من العلم والرسالة.
قال موسى مجيبًا لفرعون: فعلتُ ما ذكرتَ قبل أن يوحي الله إلي، ويبعثني رسولا فخرجت من بينكم فارًّا إلى "مدين"، لـمَّا خفت أن تقتلوني بما فعلتُ من غير عَمْد، فوهب لي ربي تفضلا منه النبوة والعلم، وجعلني من المرسلين.
وتلك التربية في بيتك تَعُدُّها نعمة منك عليَّ، وقد جعلت بني إسرائيل عبيدًا تذبح أبناءهم وتستحيي نساءهم؟
ولكن موسى - عليه السلام - وقد استجاب الله - تعالى - دعاءه ، وأزال عقدة لسانه ، رد عليه ردا حكيما ، فقال - كما حكى القرآن عنه : ( قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين ) .أى قال موسى فى جوابه على فرعون : أنا لا أنكر أنى قد فعلت هذه الفعلة التى تذكرنى بها ، ولكنى فعلتها وأنا فى ذلك الوقت من الضالين ، أى : فعلت ذلك قبل أن يشرفنى الله بوحيه ، ويكلفنى بحمل رسالته ، وفضلا عن ذلك فأنا كنت أجهل أن هذه الوكزة تؤدى إلى قتل ذلك الرجل من شيعتك ، لأنى ما قصدت قتله ، وإنما قصدت تأديبه ومنعه من الظلم لغيره .فالمراد بالضلال هنا : الجهل بالشىء ، والذهاب عن معرفة حقيقته .
اعلم أن فرعون لما ذكر التربية وذكر القتل وقد كانت تربيته له معلومة ظاهرة، لا جرم أن موسى عليه السلام ما أنكرها، ولم يشتغل بالجواب عنها، لأنه تقرر في العقول أن الرسول إلى الغير إذا كان معه معجز وحجة لم يتغير حاله بأن يكون المرسل إليه أنعم عليه أو لم يفعل ذلك، فصار قول فرعون لما قاله غير مؤثر ألبتة، ومثل هذا الكلام الإعراض عنه أولى ولكن أجاب عن القتل بما لا شيء أبلغ منه في الجواب وهو قوله: ﴿ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين ﴾ والمراد بذلك الذاهلين عن معرفة ما يؤول إليه من القتل لأنه فعل الوكزة على وجه التأديب، ومثل ذلك ربما حسن وإن أدى إلى القتل فبين له أنه فعله على وجه لا يجوز معه أن يؤاخذ به أو يعد منه كافراً أو كافراً لنعمه، فأما قوله: ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ﴾ فالمراد أني فعلت ذلك الفعل وأنا ذاهل عن كونه مهلكاً وكان مني في حكم السهو، فلم أستحق التخويف الذي يوجب الفرار ومع ذلك فررت منكم عند قولكم: ﴿ إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ﴾ فبين بذلك أنه لا نعمة له عليه في باب تلك الفعلة، بل بأن يكون مسيئاً فيه أقرب من حيث خوف تخويفاً أوجب الفرار، ثم بين نعمة الله تعالى عليه بعد الفرار، فكأنه قال أسأتم وأحسن الله إلي بأن وهب لي حكماً وجعلني من المرسلين، واختلفوا في الحكم والأقرب أنه غير النبوة لأن المعطوف غير المعطوف عليه، والنبوة مفهومة من قوله: ﴿ وَجَعَلَنِى مِنَ المرسلين ﴾ فالمراد بالحكم العلم ويدخل في العلم العقل والرأي والعلم بالدين الذي هو التوحيد، وهذا أقرب لأنه لا يجوز أن يبعثه تعالى إلا مع كماله في العقل والرأي والعلم بالتوحيد وقوله: ﴿ فَوَهَبَ لِى رَبّى حُكْماً ﴾ كالتنصيص على أن ذلك الحكم من خلق الله تعالى، وقالت المعتزلة: المراد منه الألطاف وهو ضعيف جداً لأن الألطاف مفعولة في حق الكل من غير بخس ولا تقصير، فالتخصيص لابد فيه من فائدة، فأما قوله: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِى إسراءيل ﴾ فهو جواب قوله: ﴿ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً ﴾ يقال عبدت الرجل وأعبدته إذا اتخذته عبداً، فإن قيل كيف يكون ذلك جوابه ولا تعلق بين الأمرين؟
قلنا بيان التعلق من وجوه: أحدها: أنه إنما وقع في يده وفي تربيته لأنه قصد تعبيد بني إسرائيل وذبح أبنائهم، فكأنه عليه السلام قال له كنت مستغنياً عن تربيتك لو لم يكن منك ذلك الظلم المتقدم علينا وعلى أسلافنا.
وثانيها: أن هذا الإنعام المتأخر صار معاضاً بذلك الظلم العظيم على أسلافنا وإذا تعارضا تساقطا.
وثالثها: ما قاله الحسن: إنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت علي فلا نعمة لك بالتربية.
ورابعها: المراد أن الذي تولى تربيتي هم الذين قد استعبدتهم فلا نعمة لك علي لأن التربية كانت من قبل أمي وسائر من هو من قومي ليس لك إلا أنك ما قتلتني، ومثل هذا لا يعد إنعاماً.
وخامسها: أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في أن يطعمه ويعطيه ما يحتاج إليه.
واعلم أن في الآية دلالة على أن كفر الكافر لا يبطل نعمته على من يحسن إليه ولا يبطل منته لأن موسى عليه السلام إنما أبطل ذلك بوجه آخر على ما بينا، واختلف العلماء فقال بعضهم إذا كان كافراً لا يستحق الشكر على نعمه على الناس إنما يستحق الإهانة بكفره، فلو استحق الشكر بإنعامه والشكر لا يوجد إلا مع التعظيم فيلزم كونه مستحقاً للإهانة وللتعظيم معاً، واستحقاق الجمع بين الضدين محال، وقال آخرون لا يبطل الشكر بالكفر وإنما يبطل بالكفر الثواب والمدح الذي يستحقه على الإيمان، والآية تدل على هذا القول الثاني.
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف إنما جمع الضمير في ﴿ مّنكُمْ ﴾ و ﴿ خِفْتُكُمْ ﴾ مع إفراده في ﴿ ثمنها ﴾ و ﴿ عَبَّدتَّ ﴾ لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده ولكن منه ومن ملائه المؤتمرين بقتله، بدليل قوله: ﴿ إِنَّ الملا يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ﴾ وأما الامتنان فمنه وحده وكذلك التعبيد، فإن قلت: ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى ماذا و ﴿ أَنْ عَبَّدتَّ ﴾ ما محلها من الإعراب؟
قلت: (تلك) إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدرى ما هي إلا بتفسيرها وهي ﴿ أَنْ عَبَّدتَّ ﴾ فإن ﴿ أَنْ عَبَّدتَّ ﴾ عطف بيان ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ ﴾ والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها علي، وقال الزجاج: ويجوز أن يكون (أن) في موضع نصب، والمعنى إنما صارت نعمة علي، لأن عبدت بني إسرائيل أي لو لم تفعل ذلك لكفاني أهلي.
<div class="verse-tafsir"
جمع الله له الاستجابتين معاً في قوله: ﴿ كَلاَّ فاذهبا ﴾ لأنه استدفعه بلاءهم فوعده الدفع بردعه عن الخوف، والتمس منه الموازرة بأخيه فأجابه بقوله: ﴿ فاذهبا ﴾ أي اذهب أنت والذي طلبته وهو هارون.
فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ فاذهبا ﴾ ؟
قلت: على الفعل الذي يدل عليه ﴿ كَلاَّ ﴾ كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظنّ، فاذهب أنت وهارون.
وقوله: ﴿ مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ ﴾ من مجاز الكلام، يريد: أنا لكما ولعدوّكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه.
فأظهركما وأُغلبكما وأكسر شوكته عنكما وأنكسه.
ويجوز أن يكونا خبرين لأنّ، أو يكون ﴿ مُّسْتَمِعُونَ ﴾ مستقراً، و ﴿ مَّعَكُمْ ﴾ لغواً.
فإن قلت: لم جعلت ﴿ مُّسْتَمِعُونَ ﴾ قرينة ﴿ مَّعَكُمْ ﴾ في كونه من باب المجاز، والله تعالى يوصف على الحقيقة بأنه سميع وسامع؟
قلت: ولكن لا يوصف بالمستمع على الحقيقة؛ لأنّ الاستماع جار مجرى الإصغاء، والاستماع من السمع بمنزلة النظر من الرؤية.
ومنه قوله تعالى: ﴿ قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مّنَ الجن فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءانَاً عَجَباً ﴾ [الجن: 1] ويقال: استمع إلى حديثه وسمع حديثه، أي: أصغى إليه وأدركه بحاسة السمع.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «منِ استمعَ إلى حديثِ قومٍ وهم لَه كَارهونَ صُبَّ في أذنيه البرمُ» فإن قلت: هلا ثنى الرسول كما ثنى في قوله: ﴿ إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ ﴾ [طه: 47] ؟
قلت: الرسول يكون بمعنى المرسل، وبمعنى الرسالة، فجعل ثم بمعنى المرسل فلم يكن بدّ من تثنيته، وجعل هاهنا بمعنى الرسالة فجاز التسوية فيه- إذا وصف به- بين الواحد والتثنية والجمع، كما يفعل بالصفة بالمصادر، نحو: صوم، وزور.
قال: أَلِكْنِي إِلَيْهَا وَخَبْرٌ الرَّسُو ** لِ أَعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الْخَبَرْ فجعله للجماعة.
والشاهد في الرسول بمعنى الرسالة قوله: لَقَدْ كَذَبَ الوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُم ** بِسِرٍّ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ ويجوز أن يوحد، لأنّ حكمهما لتساندهما، واتفاقهما على شريعة واحدة، واتحادهما لذلك وللإخوة كان حكماً واحداً، فكأنهما رسول واحد.
أو أريد أنّ كل واحد منا ﴿ أَنْ أَرْسِلْ ﴾ بمعنى: أي أرسل؛ لتضمن الرسول معنى الإرسال.
وتقول: أرسلت إليك أن أفعل كذا، لما في الإرسال من معنى القول، كما في المناداة والكتابة ونحو ذلك.
ومعنى هذا الإرسال: التخلية والإطلاق كقولك: أرسل البازي، يريد: خلهم يذهبوا معنا إلى فلسطين، وكانت مسكنهما.
ويروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إنّ هاهنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه، فأدّيا إليه الرسالة، فعرف موسى فقال له: ﴿ أَلَمْ نُرَبّكَ ﴾ حذف: فأتيا فرعون فقالا له ذلك، لأنه معلوم لا يشتبه.
وهذا النوع من الاختصار كثير في التنزيل.
الوليد: الصبي لقرب عهده من الولادة.
﴿ ولبثت فينا من عمرك ﴾ وفي رواية عن أبي عمرو: من عمرك، بسكون الميم ﴿ سِنِينَ ﴾ قيل: مكث عندهم ثلاثين سنة.
وقيل: وكز القطبي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفرّ منهم على أثرها، والله أعلم بصحيح ذلك.
وعن الشعبي: فعلتك بالكسر، وهي قتلة القبطي، لأنه قتله بالوكزة وهو ضرب من القتل.
وأما الفعلة؛ فلأنها كانت وكزة واحدة.
عدد عليه نعمته من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال، ووبخه بما جرى على يده من قتل خبازه، وعظم ذلك وفظعه بقوله: ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الكافرين ﴾ يجوز أن يكون حالاً، أي: قتلته وأنت لذاك من الكافرين بنعمتي.
أو أنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة، وقد افترى عليه أو جهل أمره؛ لأنه كان يعايشهم بالتقية، فإنّ الله تعالى عاصم من يريد أن يستنبئه من كل كبيرة ومن بعض الصغائر، فما بال الكفر.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وَأَنتَ مِنَ الكافرين ﴾ حكماً عليه بأنه من الكافرين بالنعم، ومن كانت عادته كفران النعم لم يكن قتل خواص المنعم عليه بدعا منه.
أو بأنه من الكافرين لفرعون وإلهيته.
أو من الذين كانوا يكفرون في دينهم، فقد كانت لهم آلهة يعبدونهم، يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿ وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ ﴾ [الأعراف: 127] وقرئ: ﴿ إلهتك ﴾ ، فأجابه موسى بأن تلك الفعلة إنما فرطت منه وهو ﴿ مِنَ الضالين ﴾ أي الجاهلين.
وقراءة ابن مسعود: ﴿ من الجاهلين ﴾ ، مفسرة.
والمعنى: من الفاعلين فعل أولى الجهل والسفه.
كما قال يوسف لإخوته: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جاهلون ﴾ [يوسف: 89] أو المخطئين كمن يقتل خطأ من غير تعمد للقتل.
أو الذاهبين عن الصواب.
أو الناسين، من قوله: ﴿ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الاخرى ﴾ [البقرة: 282] وكذب فرعون ودفع الوصف بالكفر عن نفسه، وبرّأ ساحته، بأن وضع الضالين موضع الكافرين رَبئاً بمحل من رشح للنبوّة عن تلك الصفة، ثم كرّ على امتنانه عليه بالتربية، فأبطله من أصله واستأصله من سنخه، وأبى أن يسمى نعمته إلا نقمة.
حيث بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بني إسرائيل؛ لأنّ تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته، فكأنه امتن عليه بتعبيد قومه إذا حققت، وتعبيدهم: تذليلهم واتخاذهم عبيداً.
يقال: عبدت الرجل وأعبدته، إذا اتخذته عبداً.
قال: عَلاَمَ يُعْبُدُنِي قَوْمِي وَقَدْ كَثُرَتْ ** فِيهِمْ أَبَاعِرُ مَا شَاءُوا وَعُبْدَانُ فإن قلت: (إذاً) جواب وجزاء معاً، والكلام وقع جواباً لفرعون، فكيف وقع جزاء؟
قلت: قول فرعون: ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ﴾ فيه معنى: إنك جازيت نعمتي بما فعلت، فقال له موسى: نعم فعلتها مجازياً لك، تسليماً لقوله، لأنّ نعمته كانت عنده جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء.
فإن قلت: لم جمع الضمير في منكم وخفتكم؟
مع إفراده في تمنها وعبدت؟
قلت: الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله، بدليل قوله: <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ ﴾ مِنَ الجاهِلِينَ وقَدْ قُرِئَ بِهِ، والمَعْنى مِنَ الفاعِلِينَ فِعْلَ أُولِي الجَهْلِ والسَّفَهِ، أوْ مِنَ الخاطِئِينَ لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَهُ، أوْ مِنَ الذّاهِلِينَ عَمّا يَؤُولُ إلَيْهِ الوَكْزُ لِأنَّهُ أرادَ بِهِ التَّأْدِيبَ، أوِ النّاسِينَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما ﴾ .
﴿ فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا ﴾ حِكْمَةً.
﴿ وَجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ رَدَّ أوَّلًا بِذَلِكَ ما وبَّخَهُ بِهِ قَدْحًا في نُبُوَّتِهِ ثُمَّ كَرَّ عَلى ما عَدَّ عَلَيْهِ مِنَ النِّعْمَةِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِرَدِّهِ لِأنَّهُ كانَ صِدْقًا غَيْرَ قادِحٍ في دَعْواهُ، بَلْ نَبَّهَ عَلى أنَّهُ كانَ في الحَقِيقَةِ نِقْمَةً لِكَوْنِهِ مُسَبَّبًا عَنْها فَقالَ: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أيْ وتِلْكَ التَّرْبِيَةُ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ ظاهِرًا، وهي في الحَقِيقَةِ تَعْبِيدُكَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَصْدُهم بِذَبْحِ أبْنائِهِمْ، فَإنَّهُ السَّبَبُ في وُقُوعِي إلَيْكَ وحُصُولِي في تَرْبِيَتِكَ.
وقِيلَ إنَّهُ مُقَدَّرٌ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ أيْ أوَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ وهي ﴿ أنْ عَبَّدْتَ ﴾ ، ومَحَلُّ ( أنْ عَبَّدْتَ ) الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مَحْذُوفٍ أوْ بَدَلُ ( نِعْمَةٌ ) أوِ الجَرُّ بِإضْمارِ الباءِ أوِ النُّصْبُ بِحَذْفِها.
وقِيلَ تِلْكَ إشارَةٌ إلى خَصْلَةٍ شَنْعاءَ مُبْهَمَةٍ و ( أنْ عَبَّدْتَ ) عَطْفُ بَيانِها والمَعْنى: تَعْبِيدُكَ بَنِي إسْرائِيلَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ، وإنَّما وحَّدَ الخِطابَ في تَمُنُّها وجَمَعَ فِيما قَبْلَهُ لِأنَّ المِنَّةَ كانَتْ مِنهُ وحْدَهُ، والخَوْفَ والفِرارَ مِنهُ ومِن مَلَئِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{قال فعلتها إذاً} أي إذ ذاك {وأنا من الضّالّين} الجاهلين بأنها تبلغ القتل والضال عن الشئ هو الذاهب عن معرفته أو الناسين من قوله أن تضل احداهما فتذاكر إحداهما الأخرى فدفع وصف الكفر عن نفسه ووضع الضالين موضع الكافرين واذا جواب وجزاء معاً وهذا الكلام وقع جواباً لفرعون وجزاء له لأن قول فرعون وفعلت فعلتك معناه أنك جازيت نعمتي بما فعلت فقال له موسى نعم
فعلتها مجازياً لك تسليماً لقوله لأن نعمته كانت جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء
﴿ قالَ فَعَلْتُها ﴾ أيْ: تِلْكَ الفِعْلَةَ ﴿ إذًا ﴾ أيْ: إذْ ذاكَ عَلى ما آثَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - سَقى اللَّهُ تَعالى ثَراهُ - مِن أنَّ ( إذًا ) ظَرْفٌ مَقْطُوعٌ عَنِ الإضافَةِ، مُؤْثِرًا فِيهِ الفَتْحَةَ عَلى الكَسْرَةِ لِخِفَّتِها وكَثْرَةِ الدَّوْرِ، وأقَرَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالقَتْلِ لِثِقَتِهِ بِحِفْظِ اللَّهِ تَعالى لَهُ، وقَيْدِ الفِعْلِ بِما يَدْفَعُ كَوْنَهُ قادِحًا في النُّبُوَّةِ وهو جُمْلَةُ ﴿ وأنا مِنَ الضّالِّينَ ﴾ أيْ: مِنَ الجاهِلِينَ، وقَدْ جاءَ كَذَلِكَ في قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، كَما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، لَكِنَّهُ قالَ: ويَظْهَرُ أنَّ ذاكَ تَفْسِيرٌ لِلضّالِّينَ لا قِراءَةٌ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الرَّسُولِ وأرادَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ جاهِلًا بِهِ، غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ إيّاهُ، فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما تَعَمَّدَ الوَكْزَ لِلتَّأْدِيبِ فَأدّى إلى ما أدّى، وفي مَعْنى ما ذُكِرَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مِن أنَّ المَعْنى: (وأنا مِنَ الجاهِلِينَ بِأنَّ وكْزَتِي تَأْتِي عَلى نَفْسِهِ) وقِيلَ: المَعْنى: فَعَلْتُها مُقْدِمًا عَلَيْها مِن غَيْرِ مُبالاةٍ بِالعَواقِبِ، عَلى أنَّ الجَهْلَ بِمَعْنى الإقْدامِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ، كَما فُسِّرَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا وهَذا مِمّا يَحْسُنُ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ في تَقْرِيرِ الجَوابِ المَذْكُورِ، قِيلَ: إنَّ الضَّلالَ هاهُنا المَحَبَّةُ، كَما فُسِّرَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ ﴾ وعَنى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قَتَلَ القِبْطِيَّ غَيْرَةً لِلَّهِ تَعالى، حَيْثُ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُحِبِّينَ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - وهو كَما تَرى، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: أرادَ مِنَ الجاهِلِينَ بِالشَّرائِعِ، وفُسِّرَ الضَّلالُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى ﴾ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ النّاسِينَ، وفُسِّرَ الضَّلالُ بِالنِّسْيانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ﴾ وعَلَيْهِ قِيلَ: المُرادُ فَعَلْتُها ناسِيًا حُرْمَتَها، وقِيلَ: ناسِيًا أنَّ وكْزِي ذَلِكَ مِمّا يُفْضِي إلى القَتْلِ عادَةً، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ مِن بَيْنِ هَذِهِ الأقْوالِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في سُورَةِ القَصَصِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ «فَعَلْتُها إذْ أنا مَنِ الضّالِّينَ» <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: أْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني: موسى وحده، ويضاف الشيء إلى اثنين، والمراد به أحدهما.
وقال القتبي: الرسول يكون بمعنى الجمع، كما يكون الضيف بمعنى الجمع.
قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي [الحجر: 68] .
وقال أبو عبيد: رسول بمعنى رسالة.
ويقال رسول: يعني: به رسولين كقوله: إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ [طه: 47] فقال: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: قل لفرعون ذلك، ولم يذكر إتيانه إلى فرعون، لأن في الكلام دليلاً عليه.
وقد بيّن في موضع آخر حيث قال: فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ [القصص: 36] وقال مقاتل: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ وانقطع الكلام، ثم انطلق موسى، وكان هارون بمصر، فانطلقا إلى فرعون قال مقاتل: فلم يأذن لهما سنة ثم أخبر البواب فرعون أن هاهنا إنساناً يذكر أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه.
وقال السدي: لما أتى باب فرعون ضرب موسى عصاه على الباب، ففزع من ذلك فرعون، فأذن له في الدخول من ساعته، فلما دخل عليه عرفه، فأدى الرسالة، فقال له فرعون: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً.
- قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: أول ما بدأ فرعون بكلام السفلة، ومنَّ على نبي الله أنما أطعمه (١) وقرأ في الشاذ: فَعْلَتَكَ بكسر الفاء هي قراءة الشعبي، وقراءة العامة بالنصب، والنصب يقع على فعل واحد، والكسر على المرات.
يعني: قتلت مرة، وهممت بالقتل ثانياً ثم قال: وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ أي: مِنَ الكافرين بنعمتي.
ويقال: كفرت بي حيث قتلت النفس.
ويقال: وأنت من الجاحدين للقتل.
يعني: لم تقر بالقتل، فأخبره موسى أنه غير جاحد للقتل قالَ فَعَلْتُها إِذاً يعني: قتلت النفس وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ عن النبوة كقوله وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [الضحى: 7] ويقال: من الجاهلين ولم أتعمد القتل.
قال القتبي: أصل الضلالة العدُول عن الحق، ثم يكون لمعاني منها النسيان، لأن الناسي عادل عنه، فكما قال هاهنا فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ أي: من الناسين وكما قال: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى [البقرة: 282] .
ثم قال عز وجل: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ يعني: هربت منكم إلى مدين لَمَّا خِفْتُكُمْ على نفسي أن تقتلوني فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً قال الكلبي: يعني النبوة، وقال مقاتل: يعني العلم والفهم، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ إليكم.
ثم قال عز وجل: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: أو كان هذا نعمة تمنها على أن عبدت بني إسرائيل، فكأنه أنكر عليه.
فقال: كيف تكون نعمتك التي تمن علي؟
فإنك قد عبدت بني إسرائيل، أي استعبدتهم، ولم تعبدني.
ويقال: معناه تِلْكَ نِعْمَةٌ إنما صارت نعمة بتعبيدك بني إسرائيل، لأنك لو لم تعبدهم لم تجعلني أمي في التابوت حتى صرت في بيتك، ولكن إنما صارت نعمة لأجلك، حيث عبدت بني إسرائيل.
وقال مقاتل: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تمنها على يا فرعون بإحسانك إلي خاصة، وبترك أبنائك أن عبدت بني إسرائيل.
وقال الكلبي يقول: تستعبد بني إسرائيل، وتمن علي بذلك.
(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى التقدير: واذكر إذ نادى ربك موسى، وسَوْقُ هذه القصة تمثيل لكفار قريش في تكذيبهم النبيَّ صلى الله عليه وسلّم.
وقوله: فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ معناه: يعينني وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ يعني قَتْلَهُ القِبْطِيَّ.
وقوله تعالى: كَلَّا رَدٌّ لقوله: إِنِّي أَخافُ أي: لا تخف ذلك، وقول فرعون لموسى: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً هو على جهة المَنِّ عليه والاحتقار، أي: رَبَّيْنَاكَ صغيراً، ولم نقتلك في جملة مَنْ قَتَلْنَا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ: فمتى كان هذا الذي تدَّعِيْهِ، ثم قرره على قتل القبطي بقوله: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ والفَعْلَةُ- بفتح الفاء-: المَرَّةُ، وقوله: وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ يريد: وقتلت القبطيَّ وأنت في قتلك إياه من الكافرين إذ هو نَفْسٌ لا يحلُّ قتلها قاله الضَّحَّاكُ «١» ، أو يريد: وأنت من الكافرين بنعمتي في قتلك إياه قاله ابن زيد «٢» ويحتمل أن يريد: وأنت الآن من الكافرين بنعمتي، وكان بين خروج موسى عليه السلام حين قتل القبطي وبين رجوعه نَبِيّاً إلى فرعون- أَحَدَ عَشَرَ عاماً غيرَ أشهرٍ.
وقوله: قالَ فَعَلْتُها إِذاً: من كلام موسى عليه السلام والضميرُ في قوله:
فَعَلْتُها لِقَتْلَةِ القِبْطِيِّ.
وقوله: وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ قال ابن زيد: معناه: من الجاهلين بأنَّ وكزتي إياه تأتي على نفسه «٣» ، وقال أبو عبيدةَ: معناه: من الناسين، ونزع بقوله: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [البقرة: ٢٨٢] ، وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس «٤» : «وأَنَا مِنَ الجَاهِلِينَ» ، ويشبه أن تكون هذه القراءة على جهة التفسير، وحُكْماً يريد: النبوّة وحكمتها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ نادى ﴾ المَعْنى: واتْلُ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى قَوْمِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يُكَذِّبُونِ ﴾ ياءُ " يُكَذِّبُونِ " مَحْذُوفَةٌ، ومِثْلُها ﴿ أنْ يَقْتُلُونِ ﴾ ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ ﴿ فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾ ﴿ وَيَسْقِينِ ﴾ ﴿ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ ﴿ ثُمَّ يُحْيِينِ ﴾ ﴿ كَذَّبُونِ ﴾ ﴿ وَأطِيعُونِ ﴾ فَهَذِهِ ثَمانِ آياتٍ أثْبَتَهُنَّ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَضِيقُ صَدْرِي ﴾ أيْ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ ﴿ وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي ﴾ لِلْعُقْدَةِ الَّتِي كانَتْ بِلِسانِهِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ: ﴿ وَيَضِيقُ ﴾ ﴿ وَلا يَنْطَلِقُ ﴾ بِنَصْبِ القافِ فِيهِما، ﴿ فَأرْسِلْ إلى هارُونَ ﴾ المَعْنى: لِيُعِينَنِي، فَحَذَفَ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ.
﴿ وَلَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ ﴾ وهو القَتِيلُ الَّذِي وكَزَهُ فَقَضى عَلَيْهِ؛ والمَعْنى: ولَهم عَلَيَّ دَعْوى ذَنْبٍ ﴿ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ ﴾ بِهِ ﴿ قالَ كَلا ﴾ وهو رَدْعٌ وزَجْرٌ عَنِ الإقامَةِ عَلى هَذا الظَّنِّ؛ والمَعْنى: لَنْ يَقْتُلُوكَ لِأنِّي لا أُسَلِّطُهم عَلَيْكَ، ﴿ فاذْهَبا ﴾ يَعْنِي: أنْتَ وأخُوكَ ﴿ بِآياتِنا ﴾ وهي: ما أعْطاهُما مِنَ المُعْجِزَةِ ﴿ إنّا ﴾ يَعْنِي نَفْسَهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ مَعَكُمْ ﴾ فَأجْراها مَجْرى الجَماعَةِ ﴿ مُسْتَمِعُونَ ﴾ نَسْمَعُ ما تَقُولانِ وما يُجِيبُونَكُما بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الرَّسُولُ يَكُونُ بِمَعْنى الجَمِيعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ هَؤُلاءِ ضَيْفِي ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ﴾ .
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنّا رِسالَةُ رَبِّ العالَمِينَ، أيْ: ذَوُو رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ، قالَ الشّاعِرُ: لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ: بِرِسالَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ أرْسِلْ ﴾ المَعْنى: بِأنْ أرْسِلْ ﴿ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أيْ: أطْلِقْهم مِنَ الِاسْتِعْبادِ، فَأتَياهُ فَبَلَّغاهُ الرِّسالَةَ، فَـ ﴿ قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ﴾ أيْ: صَبِيًّا صَغِيرًا ﴿ وَلَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: ثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والمَعْنى: فَجازَيْتَنا عَلى أنْ رَبَّيْناكَ أنْ كَفَرْتَ نِعْمَتَنا، وقَتَلْتَ مِنّا نَفْسًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ﴾ وهي قَتْلُ النَّفْسِ.
قالَ الفَرّاءُ.
وإنَّما نُصِبَتِ الفاءُ، لِأنَّها مَرَّةٌ واحِدَةٌ، ولَوْ أُرِيدَ بِها مِثْلُ الجِلْسَةِ والمِشْيَةِ جازَ كَسْرُها.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مِنَ الكافِرِينَ لِنِعْمَتِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: مِنَ الكافِرِينَ بِإلَهِكَ، كُنْتَ مَعَنا عَلى دِينِنا الَّذِي تَعِيبُ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.
فَعَلى الأوَّلِ: وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ الآنَ.
وعَلى الثّانِي: وكُنْتَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأنا مِنَ الضّالِّينَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مِنَ الجاهِلِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى: إنِّي كُنْتُ جاهِلًا لَمْ يَأْتِنِي مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ.
والثّانِي: مِنَ الخاطِئِينَ؛ والمَعْنى: إنِّي قَتَلْت النَّفْسَ خَطَأً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: مِنَ النّاسِينَ، ومِثْلُهُ: ﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما ﴾ ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ ﴾ أيْ: ذَهَبْتُ مِن بَيْنِكم ﴿ لَمّا خِفْتُكُمْ ﴾ عَلى نَفْسِي إلى مَدْيَنَ، وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ: (لِما) بِكَسْرِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، ﴿ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: العِلْمُ والفَهْمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ ﴾ يَعْنِي التَّرْبِيَةَ ﴿ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أيِ: اتَّخَذْتَهم عَبِيدًا؛ يُقالُ: عَبَّدْتُ فُلانًا وأعْبَدْتُهُ واسْتَعْبَدْتُهُ: إذا اتَّخَذْتُهُ عَبْدًا.
وَفِي " أنْ " وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِن " نِعْمَةٌ " .
والثّانِي: أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ، تَقْدِيرُهُ: لِأنْ عَبَّدْتَ، أوْ لِتَعْبِيدِكَ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، فَفَسَّرَها قَوْمٌ عَلى الإنْكارِ، وقَوْمٌ عَلى الإقْرارِ.
فَمَن فَسَّرَها عَلى الإنْكارِ قالَ مَعْنى الكَلامِ: أوَتِلْكَ نِعْمَةٌ؟!
عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ، ومِثْلُهُ ﴿ هَذا رَبِّي ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَهُمُ الخالِدُونَ ﴾ ، وأنْشَدُوا: [لَمْ أنْسَ يَوْمَ الرَّحِيلِ وقْفَتَها ∗∗∗ وجَفْنُها مِن دُمُوعِها شَرِقُ] وَقَوْلَها والرِّكابُ سائِرَةٌ تَتْرُكُنا هَكَذا وتَنْطَلِقُ وَهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنهم.
ثُمَّ لَهم في مَعْنى الكَلامِ ووَجْهُهُ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ فِرْعَوْنَ أخَذَ أمْوالَ بَنِي إسْرائِيلَ واسْتَعْبَدَهم وأنْفَقَ عَلى مُوسى مِنها، فَأبْطَلَ مُوسى النِّعْمَةَ لِأنَّها أمْوالُ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: إنَّك لَوْ كُنْتَ لا تَقْتُلُ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكَفَلَنِي أهْلِي، وكانَتْ أُمِّي تَسْتَغْنِي عَنْ قَذْفِي في اليَمِّ، فَكَأنَّكَ تَمُنُّ عَلَيَّ بِما كانَ بَلاؤُكَ سَبَبًا لَهُ، وهَذا قَوْلُ المُبَرِّدِ، والزَّجّاجِ، والأزْهَرِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: تَمُنُّ عَلَيَّ بِإحْسانِكَ إلَيَّ خاصَّةً، وتَنْسى إساءَتَكَ بِتَعْبِيدِكَ بَنِي إسْرائِيلَ؟!
قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: كَيْفَ تَمُنُّ عَلَيَّ بِالتَّرْبِيَةِ وقَدْ اسْتَعْبَدْتَ قَوْمِي؟!
ومَن أُهِينَ قَوْمُهُ فَقَدْ ذَلَّ، فَقَدْ حَبِطَ إحْسانُكَ إلَيَّ بِتَعْبِيدِكَ قَوْمِي، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
فَأمّا مَن فَسَّرَها عَلى الإقْرارِ، فَإنَّهُ قالَ: عَدَّها مُوسى نِعْمَةً حَيْثُ رَبّاهُ ولَمْ يَقْتُلْهُ ولا اسْتَعْبَدَهُ.
فالمَعْنى: هي لَعَمْرِي نِعْمَةٌ إذْ رَبَّيْتَنِي ولَمْ تَسْتَعْبِدْنِي كاسْتِعْبادِكَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَـ " أنْ " تَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ، ومِثْلُهُ في الكَلامِ- أنْ تَضْرِبَ بَعْضَ عَبِيدِكَ وتَتْرُكَ الآخَرَ، فَيَقُولُ المَتْرُوكُ: هَذِهِ نِعْمَةٌ عَلَيَّ أنْ ضَرَبْتَ فُلانًا وتَرَكْتَنِي، ثُمَّ تُحْذَفُ " وتَرَكْتَنِي " لِأنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضالِّينَ ﴾ ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ قالَ رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴾ ﴿ قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ ﴾ ﴿ قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ ﴾ ﴿ قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ القائِلُ هُنا هو مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَعَلْتُها ﴾ لِقَتْلِهِ القِبْطِيِّ، وقَوْلُهُ: "إذًا" صِلَةٌ في الكَلامِ، وكَأنَّها بِمَعْنى: حِينَئِذٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنا مِنَ الضالِّينَ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: مِنَ الجاهِلِينَ بِأنَّ وكْزَتِي إيّاهُ تَأْتِي عَلى نَفْسِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مِنَ الناسِينَ لِذَلِكَ، ونَزَعَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما ﴾ ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "وَأنا مِنَ الجاهِلِينَ"، ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى جِهَةِ التَفْسِيرِ.
وقَوْلُهُ: "حُكْمًا" يُرِيدُ النُبُوَّةَ وحِكْمَتُها، وقَرَأ عِيسى: "حُكُمًا" بِضَمِّ الحاءِ والكافِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ دَرَجَةٌ ثانِيَةٌ لِلنُّبُوَّةِ، فَرُبَّ نَبِيٍّ لَيْسَ بِرَسُولٍ.
ثُمْ حاجَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ في مَنِّهِ عَلَيْهِ بِالتَرْبِيَةِ وتَرْكِ القَتْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ هَذا الكَلامِ، فَقالَ قَتادَةُ: هَذا مِنهُ عَلى جِهَةِ الإنْكارِ عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ نِعْمَةً، كَأنَّهُ قالَ: أوَ يَصِحُّ لَكَ أنْ تَعُدَّ عَلىَّ نِعْمَةَ تَرْكِ قَتْلِي مِن أجْلِ أنَّكِ ظَلَمْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهُمْ؟
أيْ: لَيْسَتْ نِعْمَةً؛ لِأنَّ الواجِبَ كانَ ألّا تَقْتُلَنِي وألّا تَقْتُلَهُمْ، وألّا تَسْتَعْبِدَنِي ولا تَسْتَعْبِدَهم بِالقَتْلِ ولا بِالخِدْمَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَرَأ الضَحّاكُ: "وَتِلْكَ نِعْمَةٌ ما لَكَ أنْ تَمُنَّها"، وهَذِهِ قِراءَةٌ تُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ، وقالَ الأخْفَشُ: قِيلَ: الواوُ، ألِفُ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ، والمَعْنى: أوَ تِلْكَ؟
وهَذا لا يَجُوزُ إلّا إذا عادَلَتْها "أمْ" كَما قالَ: ................
تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أمْ تَبْتَكِرْ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا القَوْلِ تَكَلُّفٌ، وقَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَقْرِيرٌ بِغَيْرِ ألِفٍ، وهو صَحِيحٌ كَما قالَ قَتادَةُ، واللهُ المُعِينُ.
وَقالَ السُدِّيُ، والطَبَرِيُّ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنَعْمَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: "نَعَمْ، وتَرْبِيَتُكَ نِعْمَةٌ عَلَيَّ مِن حَيْثُ عَبَّدْتَ غَيْرِي وتَرَكْتَنِي، ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يَدْفَعُ رِسالَتِي".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولِكُلِّ وجْهٍ ناحِيَةٌ مِنَ الِاحْتِجاجِ، فالأوَّلُ ماضٍ في طَرِيقِ المُخالَفَةِ لِفِرْعَوْنَ ونَقْضِ كَلامِهِ، والثانِي مُبْدٍ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ مُنْتَصِفٌ مِن نَفْسِهِ مُعْتَرِفٌ بِالحَقِّ، ومَتى حَصَلَ أحَدُ المُتَجادِلَيْنِ في هَذِهِ الرُتْبَةِ، وكانَ حَجِيجُهُ في ضِدِّها غَلَبَ المُتَّصِفُ بِذَلِكَ، وكانَ قَوْلُهُ أوقَعَ في النُفُوسِ.
ولَمّا لَمْ يَجِدْ فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللهُ- هَذا الطَرِيقَ مِن تَقْرِيرِهِ عَلى التَنْزِيهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، رَجَعَ إلى مُعارَضَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَما رَبُّ العالَمِينَ ﴾ فاسْتَفْهَمَهُ اسْتِفْهامًا عن مَجْهُولٍ مِنَ الأشْياءِ، قالَ مَكِّيٌّ: كَما يَسْتَفْهِمُ عَنِ الأجْناسِ، فَلِذَلِكَ اسْتَفْهَمَ بِـ "ما"، وقَدْ ورَدَ لَهُ اسْتِفْهامٌ بِـ "مَن" في مَوْضِعٍ آخَرَ، ويُشْبِهُ أنَّها مَواطِنُ، فَأجابَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِالصِفاتِ الَّتِي يَتَبَيَّنُ السامِعُ مِنها أنَّهُ لا مُشارَكَةَ لِفِرْعَوْنَ فِيها، وأنَّها رُبُوبِيَّةُ السَماواتِ والأرْضِ، وهَذِهِ المُجادَلَةُ مِن فِرْعَوْنَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ دَعاهُ إلى التَوْحِيدِ، فَقاَل فِرْعَوْنُ عِنْدَ ذَلِكَ: "ألا تَسْتَمِعُونَ" عَلى مَعْنى الإغْراءِ أوِ التَعَجُّبِ مِن شُنْعَةِ المَقالَةِ؛ إذْ كانَتْ عَقِيدَةُ القَوْمِ أنَّ فِرْعَوْنَ رَبُّهُمُ ومَعْبُودُهُمْ، والفَراعِنَةُ قَبْلَهُ كَذَلِكَ، وهَذِهِ ضَلالَةٌ مِنها في مِصْرَ ودِيارِها إلى اليَوْمِ بَقِيَّةٌ، فَزادَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في البَيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ ﴾ ، فَقالَ فِرْعَوْنُ حِينَئِذٍ -عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ-: ﴿ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ ﴾ .
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أرْسَلَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، فَزادَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في بَيانِ الصِفاتِ الَّتِي تُظْهِرُ نَقْصَ فِرْعَوْنَ، وتُبَيِّنُ أنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ القُدْرَةِ عَلَيْها، وهي رُبُوبَيَّةُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ولَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ إلّا مُلْكُ مِصْرَ مِنَ البَحْرِ إلى أسْوانَ وأرْضِ الإسْكَنْدَرِيَّةَ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأصْحابِهِ: "رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ وما بَيْنَهُما".
<div class="verse-tafsir"
كانت رباطة جأش موسى وتوكّله على ربّه باعثةً له على الاعتراف بالفعلة وذكر ما نشأ عنها من خيرٍ له، ليدل على أنه حَمِد أثرها وإن كان قد اقترفها غير مُقَدِّر ما جرّته إليه من خير؛ فابتدأ بالإقرار بفعلته ليعلم فرعون أنه لم يجد لكلامه مدخل تأثير في نفس مُوسى.
وأخر موسى الجواب عن قول فرعون ﴿ ألم نربّك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين ﴾ [الشعراء: 18] لأنه علم أن القصد منه الإقصارُ من مواجهته بأن ربّاً أعلى من فرعون أرسل موسى إليه.
وابتدأ بالجواب عن الأهم من كلام فرعون وهو ﴿ وفعلتَ فعلتك ﴾ [الشعراء: 19] لأنه علم أنه أدخل في قصد الإفحام، وليظهر لفرعون أنه لا يَوْجَل من أن يطالبوه بذَحل ذلك القتيل ثقة بأن الله ينجيه من عدوانهم.
وكلمة ﴿ إذاً ﴾ هنا حرف جواب وجزاء، فنونُه الساكنة ليست تنويناً بل حرفاً أصلياً للكلمة، وقدم ﴿ فعلتها ﴾ على (إذن) مبادرةً بالإقرار ليَكون كناية عن عدم خشيته من هذا الإقرار.
ومعنى المجازاة هنا ما بيّنه في «الكشاف»: أن قول فرعون ﴿ فعلتَ فعلتك ﴾ [الشعراء: 19] يتضمن معنى جازيتَ نعمتنا بما فعلتَ؛ فقال له موسى: نعم فعلتها مُجازيا لك، تسليماً لقوله، لأن نعمته كانت جديرة بأن تجازى بمثل ذلك الجزاء.
وهذا أظهر ما قيل في تفسير هذه الآية.
وقال القزويني في «حاشية الكشاف» قال بعض المحققين: ﴿ إذاً ﴾ ظرف مقطوع عن الإضافة مُؤْثَراً فيه الفتح على الكسر لخفته وكثرةِ الدوران، ولعله يعني ببعض المحققين رضي الدِّين الاسترابادي في «شرح الكافية الحاجبية» فإنه قال في باب الظروف: والحق أن (إذْ) إذا حذف المضاف إليه منه وأبدل منه التنوين في غير نحو يومئذ، جاز فتحه أيضاً، ومنه قوله تعالى: ﴿ فعلتها إذاً وأنا من الضالين ﴾ أي فعلتها إذْ ربَّيتني، إذ لا معنى للجزاء ههنا اه.
فيكون متعلقاً ب ﴿ فعلتُها ﴾ مقطوعاً عن الإضافة لفظاً لدلالة العامل على المضاف إليه.
والمعنى: فعلتُها زمناً فعلتُها، فتذكيري بها بعد زمن طويل لا جدوى له.
وهذا الوجه في ﴿ إذاً ﴾ في الآية هو مختار ابن عطية والرضي في «شرح الحاجبية» والدماميني في «المزج على المغني»، وظاهر كلام القزويني في «الكشف على الكشاف» أنه يختاره.
ومعنى الجزاء في قوله: ﴿ فعلتها إذاً ﴾ أن قول فرعون ﴿ وفعلتَ فعلتك التي فعلت ﴾ [الشعراء: 19] قصد به إفحام موسى وتهديده، فجعل موسى الاعتراف بالفعلة جزاء لذلك التهديد على طريقة القول بالموجَب، أي لا أتهيّب ما أردت.
وجعل مُوسى نفسه من الضالين إن كان مراد كلامه الذي حكت الآية معناه إلى العربية المعنَى المشهورَ للضلال في العربية وهو ضلال الفساد فيكون مراده: أن سَوْرة الغضب أغفلته عن مراعاة حرمة النفس وإن لم يكن يومئذ شريعة (فإن حفظ النفوس مما اتفق عليه شرائع البشر وتوارثوه في الفِتَر، ويؤيد هذا قوله في الآية الأخرى ﴿ قال ربّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له ﴾ [القصص: 16])؛ وإن كان مراده معنى ضلال الطريق، أي كنت يومئذ على غير معرفة بالحق لعدم وجود شريعة، وهو معنى الجهالة كقوله تعالى: ﴿ ووجدك ضالاً فهدى ﴾ [الضحى: 7] فالأمر ظاهر.
وعلى كلا الوجهين فجواب موسى فيه اعتراف بظاهر التقرير وإبطال لما يستتبعه من جعله حجة لتكذيبه برسالته عن الله، ولذلك قابل قول فرعون ﴿ وأنت من الكافرين ﴾ [الشعراء: 19] بقوله: ﴿ وأنا من الضالين ﴾ إبطالاً لأن يكون يومئذ كافراً، ولذلك كان هذا أهم بالإبطال.
وبهذا يظهر وجه الاسترسال في الجواب بقوله: ﴿ فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين ﴾ ، أي فكان فراري قد عقبه أن الله أنعم عليّ فأصلح حالي وعلمني وهداني وأرسلني.
فليس ذلك من موسى مجرد إطناب بل لأنه يفيد معنى أن الإنسان ابن يومه لا ابنُ أمسِه، والأحوال بأوَاخرها فلا عجب فيما قصدتَ فإن الله أعلم حيث يجعل رسالاته.
وقوله: ﴿ ففررت منكم ﴾ أي فراراً مبتدئاً منكم، لأنهم سبب فراره، وهو بتقدير مضاف، أي من خوفكم.
والضمير لفرعون وقومِه الذين ائتمروا على قتل موسى، كما قال تعالى: ﴿ وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ﴾ [القصص: 20].
والحكم: الحِكمة والعلم، وأراد بها النبوءة وهي الدرجة الأولى حين كلمه ربّه.
ثم قال: ﴿ وجعلني من المرسلين ﴾ أي بعد أن أظهر له المعجزة وقال له: ﴿ إني اصطفيتك على الناس ﴾ [الأعراف: 144] أرسله بقوله: ﴿ اذهَب إلى فرعون إنه طغى ﴾ [طه: 24].
ثم عاد إلى أول الكلام فكرّ على امتنانه عليه بالتربية فأبطله وأبى أن يسميه نعمة، فقوله: ﴿ وتلك نعمة ﴾ إشارة إلى النعمة التي اقتضاها الامتنان في كلام فرعون إذ الامتنان لا يكون إلا بنعمة.
ثم إن جعلت جملة ﴿ أن عبدت ﴾ بياناً لاسم الإشارة كان ذلك لزيادة تقرير المعنى مع ما فيه من قلب مقصود فرعون وهو على حد قوله تعالى: ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أنّ دابرَ هؤلاء مقطوعٌ مصبحين ﴾ [الحجر: 66] إذ قوله ﴿ أن دابر هؤلاء ﴾ بيان لقوله: ﴿ ذلك الأمر ﴾ .
ويجوز أن يكون ﴿ أن عبدت ﴾ في محل نصب على نزع الخافض وهو لام التعليل والتقدير: لأن عبَّدتَّ بني إسرائيل.
وقيل الكلام استفهام بحذف الهمزة وهو استفهام إنكار.
ومعنى ﴿ عبدت ﴾ ذَلَّلْت، يقال: عبَّد كما يقال: أعبد بهمزة التعدية.
أنشد أيمة اللغة: حتّامَ يُعْبِدني قومي وقد كَثُرتْ *** فيهم آباعِرُ ما شاءوا وَعُبدان وكلام موسى على التقادير الثلاثة نقض لامتنان فرعون بقلب النعمة نقمة بتذكيره أن نعمة تربيته ما كانت إلا بسبب إذلال بني إسرائيل إذ أمر فرعون باستئصال أطفال بني إسرائيل الذي تسبب عليه إلقاء أمّ موسى بطفلها في اليمّ حيث عثرت عليه امرأة فرعون ومن معها من حاشيتها وكانوا قد علموا أنه من أطفال إسرائيل بسِماتتِ وجهه ولون جلده، ولذلك قالت امرأة فرعون ﴿ قُرتُ عين لي ولك لا تَقتلُوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ﴾ [القصص: 9].
وفيه أن الإحسان إليه مع الإساءة إلى قومه لا يزيد إحساناً ولا منة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ وَيَضِيقُ صَدْرِي ﴾ أيْ أخافُ أنْ يَضِيقَ قَلْبِي وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِتَكْذِيبِهِمْ إيّايَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: بِالضَّعْفِ عَنْ إبْلاغِ الرِّسالَةِ.
﴿ وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن مَهابَةِ فِرْعَوْنَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: لِلْعُقْدَةِ الَّتِي كانَتْ بِهِ.
﴿ فَأرْسِلْ إلى هارُونَ ﴾ أيْ لِيَكُونَ مَعِي رَسُولًا، لِأنَّ هارُونَ كانَ بِمِصْرَ حَيْثُ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُوسى نَبِيًّا.
﴿ وَلَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ ﴾ فَتَكُونُ عَلَيَّ بِمَعْنى عِنْدِي، وهو قَوْلُ المُفَضَّلِ، وأنْشَدَ قَوْلَ أبِي النَّجْمِ: قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ والثّانِي: مَعْناهُ ولَهم عَلَيَّ عُقُوبَةُ ذَنْبٍ.
﴿ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ ﴾ قَدْ خافَ مُوسى أنْ يَقْتُلُوهُ بِالنَّفْسِ الَّتِي قَتَلَها، فَلا يَتِمُّ إبْلاغُ الرِّسالَةِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَهُ رَسُولًا تَكَفَّلَ بِعَوْنِهِ عَلى تَأْدِيَةِ رِسالَتِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أرْسَلَنا رَبُّ العالَمِينَ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
والثّانِي: مَعْناهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.
والثّالِثُ: مَعْناهُ إنّا رِسالَةُ رَبِّ العالَمِينَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ كَثِيرٍ: لَقَدْ كَذَّبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ رِسالَةٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ﴾ أيْ صَغِيرًا، لِأنَّهُ كانَ في دارِهِ لَقِيطًا.
﴿ وَلَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ في الدُّخُولِ عَلَيْهِ سَنَةً، وخَرَجَ مِن عِنْدِهِ عَشْرَ سِنِينَ، وعادَ إلَيْهِ يَدْعُوهُ ثَلاثِينَ سَنَةً، وبَقِيَ بَعْدَ غَرَقِهِ خَمْسِينَ سَنَةً، قالَ ذَلِكَ امْتِنانًا عَلَيْهِ.
﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ ﴾ يَعْنِي قَتْلَ النَّفْسِ.
﴿ وَأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أيْ عَلى دِينِنا الَّذِي لا تَقُولُ إنَّهُ كُفْرٌ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
الثّانِي: مِنَ الكافِرِينَ لِإحْسانِي إلَيْكَ وفَضْلِي عَلَيْكَ، وهَذا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ ﴾ يَعْنِي قَتْلَ النَّفْسِ، قالَ المُفَضَّلُ: ومَعْنى إذَنْ لِمُوجِبٍ.
﴿ وَأنا مِنَ الضّالِّينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مِنَ الجاهِلِينَ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ لا يَعْلَمُ أنَّها تَبْلُغُ.
والثّانِي: مِنَ الضّالِّينَ عَنِ النُّبُوَّةِ، لِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ الرِّسالَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.
الثّالِثُ: مِنَ النّاسِينَ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ﴾ .
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أنَّ اتِّخاذَكَ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدًا قَدْ أحْبَطَ نِعْمَتَكَ الَّتِي تَمُنُّ عَلَيَّ، وهَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسى.
والثّانِي: مَعْناهُ أنَّكَ لَمّا ظَلَمْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَظْلِمْنِي، أعْدَدْتَ ذَلِكَ نِعْمَةً تَمُنُّ بِها عَلَيَّ؟
قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لِفِرْعَوْنَ عَلى مُوسى نِعْمَةٌ لِأنَّ الَّذِي رَبّاهُ بَنُو إسْرائِيلَ بِأمْرِ فِرْعَوْنَ لِاسْتِعْبادِهِ لَهم، فَأبْطَلَ مُوسى نِعْمَتَهُ لِبُطْلانِ اسْتِرْقاقِهِ.
والرّابِعُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أنْفَقَ عَلى مُوسى في تَرْبِيَتِهِ مِن أمْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّتِي أخَذَها مِن أكْسابِهِمْ حِينَ اسْتَعْبَدَهم، فَأبْطَلَ مُوسى النِّعْمَةَ وأسْقَطَ المِنَّةَ، لِأنَّها أمْوالُ بَنِي إسْرائِيلَ لا أمْوالَ فِرْعَوْنَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.
وَفي التَّعْبِيدِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحَبْسُ والإذْلالُ، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ.
الثّانِي: أنَّهُ الِاسْتِرْقاقُ، فالتَّعْبِيدُ الِاسْتِرْقاقُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ الإذْلالِ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ: تَبارى عَناقًا ناجِياتٍ وأتْبَعَتْ ∗∗∗ وظِيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ أيْ طَرِيقٍ مُذَلَّلٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ وإذ نادى ربك موسى ﴾ قال: حين نودي من جانب الطور الأيمن.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولهم عليّ ذنب ﴾ قال: قتل النفس التي قتل فيهم وفي قوله: ﴿ وفعلت فعلتك التي فعلت ﴾ قال: قتل النفس أيضاً.
وفي قوله: ﴿ فعلتها إذاً وأنا من الضالين ﴾ قال: من الجاهلين.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولهم عليّ ذنب ﴾ قال: قتل النفس.
وفي قوله: ﴿ ألم نربّك فينا وليداً ﴾ قال: التقطه آل فرعون فربوه وليداً حتى كان رجلاً ﴿ وفعلت فعلتك التي فعلت ﴾ قال: قتلت النفس التي قتلت ﴿ وأنت من الكافرين ﴾ قال: فتبرأ من ذلك نبي الله قال: ﴿ فعلتها إذاً وأنا من الضالين ﴾ قال: من الجاهلين.
قال: وهي في بعض القراءة ﴿ إذن وأنا من الجاهلين ﴾ فإنما هو شيء جهله ولم يتعمده.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ﴾ قال: من فرعون على موسى حين رباه.
يقول: كفرت نعمتي.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وتلك نعمة تمنها عليَّ أن عبدت بني إسرائيل ﴾ قال: قهرتهم واستعملتهم.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ﴾ قال: للنعمة.
إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر؟
وفي قوله: ﴿ قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين ﴾ قال: من الجاهلين.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن جريج قال في قراءة ابن مسعود ﴿ فعلتها إذن وأنا من الجاهلين ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فوهب لي حكماً ﴾ قال: النبوة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وتلك نعمة تمنها عليَّ ﴾ قال: يقول موسى لفرعون: أتمن عليَّ يا فرعون بأن اتخذت بني إسرائيل عبيداً وكانوا أحراراً فقهرتهم واتخذتهم عبيداً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قال فرعون وما رب العالمين ﴾ إلى قوله: ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ قال: فلم يزده إلا رغماً.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ﴾ يقول: مبين له خلق حية ﴿ ونزع يده ﴾ يقول: وأخرج موسى يده من جيبه ﴿ فإذا هي بيضاء ﴾ تلمع ﴿ للناظرين ﴾ ينظر إليها ويراها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: أقبل موسى بأهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلاً، فتضيف على أمه وهو لا يعرفهم في ليلة كانوا يأكلون منها الطقشيل، فنزل في جانب الدار، فجاء هارون، فلما أبصر ضيفه سأل عنه أمه، فأخبرته أنه ضيف فدعاه فأكل معه، فلما قعدا فتحدثا فسأله هارون من أنت؟
قال: أنا موسى.
فقام كل واحد منهما إلى صاحبه فاعتنقه، فلما أن تعارفا قال له موسى: يا هارون انطلق بي إلى فرعون فإن الله قد أرسلنا إليه.
قال هارون: سمعاً وطاعة فقامت أمهما فصاحت وقالت: أنشدكما بالله أن لا تذهبا الى فرعون فيقتلكما، فأبيا فانطلقا إليه ليلاً، فأتيا الباب، فضرباه، ففزع فرعون وفزع البواب فقال فرعون: من هذا الذي يضرب ببابي هذه الساعة؟
فأشرف عليهما البواب فكلمهما فقال له موسى: ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ ففزع البواب، فأتى فرعون فأخبره فقال: إن هاهنا إنساناً مجنوناً يزعم أنه رسول رب العالمين فقال: أدخله، فدخل فقال: إنه رسول رب العالمين.
﴿ قال فرعون: وما رب العالمين ﴾ قال: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ [ طه: 50] قال: ﴿ إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين.
فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ﴾ [ الأعراف: 106] والثعبان الذكر من الحيات فاتحة فمها لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سورة القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها ووثب فأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك وصاح: يا موسى خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل.
فأخذها موسى فصارت عصا فقالت السحرة في نجواهم ﴿ إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهم ﴾ [ طه: 63] فالتقى موسى وأمير السحرة فقال له موسى: أرأيت أن غلبتك غداً أتؤمن بي، وتشهد أن ما جئت به حق؟
قال الساحر: لآتين غداً بسحر لا يغلبه شيء، فوالله لئن غلبتني لأؤمنن بك، ولأشهدن أنك حق؛ وفرعون ينظر إليهما.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقيل للناس هل أنتم مجتمعون ﴾ قال: كانوا بالاسكندرية قال: ويقال بلغ ذنب الحية من وراء البحيرة يومئذ قال: وهزموا وسلم فرعون وهمت به فقال: خذها يا موسى.
وكان مما بلي الناس به منه أنه كان لا يضع على الأرض شيئاً، فاحدث يومئذ تحته، وكان ارساله الحية في القبة الخضراء.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ﴾ قال: فوجدوا الله أعز منه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن بشر بن منصور قال: بلغني أنه لما تكلم ببعض هذا ﴿ وقالوا بعزة فرعون ﴾ قالت الملائكة: قصمه ورب الكعبة فقال الله «تالون عليَّ قد أمهلته أربعين عاماً» .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ لا ضير ﴾ قال: يقولون لا يضرنا الذي تقول، وإن صنعت بنا وصلبتنا ﴿ إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ يقول: انا إلى ربنا راجعون.
وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتك ايانا، وثباتنا على توحيده، والبراءة من الكفر به، وفي قوله: ﴿ أن كنا أول المؤمنين ﴾ قال: كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رآها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ ﴾ موسى: ﴿ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴾ أي: فعلت تلك الفعلة وأنا إذ ذاك من الضالين.
أي: من الجاهلين.
قاله مجاهد ومقاتل وقتادة، والسدي (١) قال الفراء: وكذا هو في حرف ابن مسعود: وأنا من الجاهلين (٢) (٣) (٤) والثاني: كنت من الجاهلين أنها تبلغ القتل؛ وهذا قول قتادة قال: جهل نبي الله ولم يتعمد (٥) ﴿ وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴾ عن نبوة ربي (٦) (١) "تنوير المقباس" 307.
و"تفسير مجاهد" 2/ 459.
و"تفسير مقاتل" 48 ب.
وأخرج عبد الرزاق، في تفسيره 2/ 73، عن قتادة.
وأخرجه ابن جرير 19/ 67، عن مجاهد، وقتادة، والضحاك.
وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2755، عن مجاهد، == وقتادة، ثم قال: وروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والثوري مثل ذلك.
(٢) أخرجه ابن جرير 19/ 67.
وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2755، عن قتادة قال: "وفي بعض القراءات: (فعلتها إذًا وأنا من الجاهلين).
(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 279، بنصه.
(٤) "تفسير ابن جرير" 19/ 67.
وهو في "تفسير الثعلبي" 8/ 109 أ، بنصه.
واقتصر عليه في "الوسيط" 3/ 352، و"الوجيز" 2/ 788.
وصدره ابن الجوزي 6/ 119، بقوله: وقال بعض المفسرين ..
قال الشنقيطي 6/ 371: ﴿ مِنَ الضَّالِّينَ ﴾ أي: قبل أن يوحي الله إليّ، ويبعثني رسولاً، وهذا هو التحقيق -إن شاء الله- في معنى الآية.
(٥) أخرجه عبد الرزاق 2/ 73، وابن أبي حاتم 8/ 2755.
قال الهواري 3/ 224: من الجاهلين، أي: لم أتعمد قتله.
ونحوه عند النحاس، في "إعراب القرآن" 3/ 176.
قال الثعلبي 8/ 109 أ: ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ .
واختار ابن قتيبة، أن يكون المعنى: من الناسين.
"تأويل مشكل القرآن" 457، ونسب هذا القول في "غريب القرآن" 316، لأبي عبيدة، ولم أجده في كتابه: "مجاز القرآن".
(٦) "تفسير السمرقندي" 2/ 472، ولم ينسبه، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الكافرين ﴾ قصد فرعون بهذا الكلام توبيخ موسى عليه السلام، ويعني بالفعلة: قتله للقبطي، والواو في قوله: ﴿ وَأَنتَ ﴾ إن كانت للحال فقوله من الكافرين، معناه كافراً بهذا الدين الذي جئت به لأن موسى إنما أظهر لهم الإسلام بعد الرسالة، وقد كان قبل ذلك مؤمناً، ولم يعلم بذلك فرعون، وقيل: معناه من الكافرين بنعمتي، وإن كانت الواو للاستئناف: فيحتمل أن يريد من الكافرين بديني، ومن الكفارين بنعمتي ﴿ قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين ﴾ القائل هنا هو موسى عليه السلام، والضمير في قوله: فعلتها لقتله القبطي، واختلف في معنى قوله: ﴿ مِنَ الضالين ﴾ ، فقيل: معناه من الجاهلين بأن وكزتي تقتله، وقيل؛ معناه من الناسين، فهو كقوله: ﴿ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا ﴾ [البقرة: 282] وقوله: ﴿ إِذاً ﴾ صلة في الكلام، وكأنها بمعنى حنيئذ، قال ذلك ابن عطية ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ ﴾ أي من فرعون وقومه، ولذلك جمع ضمير الخطاب بعد أن أفرده في قوله: ﴿ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ ﴾ ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ معنى ﴿ عَبَّدتَّ ﴾ : ذللت واتخذتهم عبيداً فمعنى هذا الكلام أنك عددت نعمة عليّ تعبيد بني إسرائيل، وليست في الحقيقة بنعمة إنما كانت نقمة، لأنك كنت تذبح أبناءهم، ولذلك وصلت أنا إليك فربيتني، فالإشارة بقوله: ﴿ وَتِلْكَ ﴾ إلى التربية، و ﴿ أَنْ عَبَّدتَّ ﴾ في موضع رفع عطف بيان على تلك، أو في موضع نصب على أنه مفعول من أجله، وقيل: معنى الكلام تربيتك نعمة علي لأنك عبدت بني إسرائيل وتركتني فهي في المعنى الأول إنكار لنعمته وفي الثاني اعتراف بها ﴿ قَالَ لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين ﴾ لما أظهر فرعون الجهل بالله فقال: وما رب العالمين؟
أجابه موسى بقوله: ﴿ رَبُّ السماوات والأرض ﴾ ، فقال: ﴿ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ ﴾ ؟
تعجباً من جوابه فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين ﴾ لأن وجود الإنسان وآبائه أظهر الأدلة عند العقلاء وأعظم البراهين، فإن أنفسهم أقرب الأشياء إليهم فيستدلون بها على وجود خالقهم، فلما ظهرت هذه الحجة حاد فرعون عنها ونسب موسى إلى الجنون مغالطة منه، وأيد الازدراء والتهكم في قوله: ﴿ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ ﴾ فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله: ﴿ رَبُّ المشرق والمغرب ﴾ ، لأن طلوع الشمس وغروبها آية ظاهرة لا يمكن أحداً جحدها، ولا أن يدعيها لغير الله، ولذلك أقام إبراهيم الخليل بها الحجة على نمرود، فلما انقطع فرعون بالحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب فهدّده بالسجن، فأقام موسى عليه الحجة بالمعجزة، وذكرها له بتلطف طمعاً في إيمانه، فقال: ﴿ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ ﴾ والواو واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام وتقديره: أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين؟
وقد تقدم في الأعراف ذكر العصا واليد، وماذا تأمرون؟
وأرجه، وحاشرين فإن قيل: كيف قال أولاً: ﴿ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ ، ثم قال آخراً ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ؟
فالجواب أنه لايَنَ أولاً طمعاً في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة: وبخهم بقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ...
لَمَجْنُونٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ طسم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد.
وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وقرأ حمزة ويزيد مظهرة النون عند الميم ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ ويضيق ولا ينطلق ﴾ بالنصب فيهما: يعقوب.
﴿ أرجه ﴾ مثل ما في "الأعراف" ﴿ أين لنا ﴾ بالمد وبالياء.
يزيد وأبو عمرو وزيد وقالون.
وقرأ ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد بهمزة ثم ياء، وعن قنبل ﴿ إن لنا ﴾ على الخبر.
الباقون بهمزتين.
هشام يدخل بينهما مدة.
﴿ آمنتم ﴾ بالمد: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ آمنتم ﴾ على الخير: حفص غير الخزاز.
الأخرون ﴿ أأمنتم ﴾ بهمزتين.
﴿ بعبادي إنكم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر ﴿ حاذرون ﴾ بالألف: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.
الباقون بغير الألف ﴿ فاتبعوهم ﴾ بالتشديد: زيد عن يعقوب.
الباقون بقطع الهمزة وسكون التاء ﴿ تراءى الجمعان ﴾ بكسر الراء والهمزة في الوصل: حمزة ونصير وهبيرة في طريق الخزاز.
واختلفوا في الوقف؛ فعن الكسائي بكسر الراء والهمزة على وزن "تريعى" وفي رواية أخرى عنه "ترائى" اي ترائى، والمشهور عنه "ترأ" بكسر الراء وفتح الهمزة، وأما حمزة فإنه يقف "ترى" بترك الهمزة وكسر الراء ويمد ويشير إلى موضع الهمزة وهو المصدر.
وأما هبيرة فإنه يقف "تريا" بكسر الراء ويشير إلى فتح الهمزة.
الباقون يقفون "تراءى" على وزن "تراعى" ﴿ معي ربي ﴾ بفتح الياء: حفص.
الوقوف: ﴿ طسم ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ خاضعين ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للابدال أو البيان تسجيلاً عليهم بالظلم ﴿ فرعون ﴾ ط للعدول عن الأمر إلى الاستفهام ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يكذبون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ ويضيق ﴾ بالرفع على الاستئناف ﴿ هرون ﴾ ط ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ قال كلا ﴾ لا للعطف معنى لا لفظاً ﴿ مستمعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ بني إسرائيل ﴾ ط ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط لأن جواب الشرط محذوف اي إن كنتم موقنين فلا تكذبوني ﴿ موقنين ﴾ ه ﴿ تستمعون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المسجونين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ للناظرين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ بسحره ﴾ ق قد قيل: بناء على أن ما بعده قول الملأ لفرعون والجمع للتعظيم، والأصح أنه من تتمة قول فرعون.
﴿ تأمرون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه لا لأن ما يتلوه جواب.
﴿ عليم ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه لا للعطف ﴿ مجتمعون ﴾ لا لاتصال المعنى ﴿ الغالبين ﴾ ه ﴿ لمن المقربين ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ ما يأفكون ﴾ ه للآية وللدلالة على إسراعهم في السجود ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وهرون ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ه للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ السحر ﴾ ط للفاء ولام الابتداء ﴿ فلسوف تعلمون ﴾ ه لتقدير القسم ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ لا ضير ﴾ ط توقية لحق "إن" وإلا فالأصل هو الوصل لأن ما بعده هو القول في الحقيقة كما في "الأعراف" ﴿ منقلبون ﴾ ه ج للآية مع اتحاد المقول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ متبعون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه للآية مع أن التقدير بأن هؤلاء ﴿ قليلون ﴾ ه ﴿ لغائظون ﴾ ه ﴿ حاذرون ﴾ ه ط لابتداء الخبر من الله ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ كذلك ﴾ ط أي كما وعدنا بني إسرائيل إيراثها ثم أخبر عن وقوع الموعود لبني إسرائيل ﴿ مشرقين ﴾ ه ﴿ لمدركون ﴾ ه ووجه الوصل الإسراع في تداركهم عن خوف الإدراك ﴿ كلا ﴾ ج لاحتمال أن يكون للردع وأن يكون بمعنى حقاً ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ ط لأجل الفاء الفصيحة أي فضرب فانفلق ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه الآية ط ﴿ مأمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه.
التفسير: قال جار الله: معنى طسم إن آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين وقد مر مثله في أول "يوسف".
والبخع الإهلاك وقد مر في اول "الكهف".
عزاه وعرفه أن غمه وحزنه لا ينفع كما أن وجود الكتاب على بيانه ووضوحه لا ينفع.
ثم بين أنه قادر على تنزيل آية ملجئة إلى الإيمان ولكن المشيئة والحكمة تقتضيان بناء الأمر على صورة الاختبار.
قال صاحب الكشاف: وجه عطف ﴿ فظلت ﴾ على ﴿ ننزل ﴾ كما قيل في قوله ﴿ فَأَصَّدَّقَ وأكن ﴾ كأنه قيل: أنزلنا فظلت.
وأقول: الظاهر أن الفاء في ﴿ فظلت ﴾ لسببية بدليل عدم المستتر فيه كما في ﴿ ننزل ﴾ .
ووجه العدول إلى الماضي كما قيل في ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ وجه مجيء ﴿ خاضعين ﴾ خبراً عن الأعناق إذ الأعناق تكون مقحماً لبيان موضع الخضوع.
وأصل الكلام: فظلوا لها خاضعين أي حين وصفت الأعناق بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل ﴿ خاضعين ﴾ كقوله ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ﴾ وقيل: أعناقهم رؤساؤهم كما يقال لهم الرؤوس والصدور.
وقيل: اراد جماعاتهم.
يقال: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم.
عن ابن عباس: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية.
قال: ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزة.
ومعنى ﴿ ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ﴾ قد مر في سورة الأنبياء.
نبه بذلك على أنه مع اقتداره على أن يجعلهم ملجئين على الإيمان حكيم يأتيهم بالقرآن حالاً بعد حال رعاية لقاعدة التكليف.
ثم ذكر أنه لا يحدد لهم توجيه موعظة وتذكير إلا جددوا ما هو نقيض المقصود، وذلك النقيض هو الإعراض والتكذيب والاستهزاء وهذا ترتيب في غاية الحسن كأنه قيل حين أعرضوا عن الذكر: فقد كذبوا به وحين كذبوا به فقد خف عندهم قدره حتى صار عرضة للاستهزاء.
وهذه درجات من أخذ في الشقاء فإنه يعرض أوّلاً، ثم يصرح بالتكذيب ثانياً، ثم يبلغ في التكذيب والإنكار إلى حيث يستهزئ.
وفي قوله ﴿ فسيأتيهم ﴾ وعيد لهم بعذاب بدر أو يوم القيامة وقد مر مثله في أول "الأنعام".
ثم بين أنه مع حكمته في إنزال القرآن حالاً بعد حال رحيم يظهر من الدلائل الحسية ما يكفي للمتأمل في باب النظر والاستدلال.
والزوج الصنف والكريم نعت لكل ما يرضى ويحمد في بابه منه "وجه كريم" إذا رضي في حسنه وجماله، و"كتاب كريم" مرضي في مبانيه، و"نبات كريم" مرضي فيما يتعلق به من المنافع، فما من نبت إلا وفيه نفع وفائدة من جهة وإن كانت فيه مضرة من جهة أخرى.
ويحتمل أن يراد بالكريم النافع منه وتكون المضارّ مسلوبة عنه.
قال جار الله: معنى الجمع بين "كم" و"كل" دون أن يقول "كم أنبتنا فيها من زوج كريم" هو أن "كلا" قد دل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و"كم" دل على أن هذا محيط مفرط الكثرة.
قلت: فالحاصل أن خلق النوع يصدق بخلق فرد واحد منه كما يصدق بخلق أفراد كثيرة.
فقوله ﴿ كل زوج ﴾ إشارة إلى خلق كل نوع من أنواع النبات، وقوله ﴿ كم أنبتنا ﴾ إشارة إلى كثرة افراد كل نوع منه وفيه تنبيه على كمال القدرة ونهاية الجود والرحمة ولهذا ختم الكلام بقوله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإنبات أو في كل واحد من تلك الأزواج ﴿ الآية ﴾ على الإبداء والإعادة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن الله طبع على قلوبهم ﴿ وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ فمن عزته قدر على عقوبتهم ومن رحمته بين لهم الدلائل ليتفكروا ويعتبروا، والرحمة إذا صدرت عن القدرة كانت أعظم موقعاً، واعلم أنه كرر بعض الآيات في هذه السورة لأجل التأكيد و"التقرير"؛ فمن ذلك أنه كرر قوله ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ إلى قوله ﴿ الرحيم ﴾ في ثمانية مواضع: أولها في ذكر النبي ، والثانية في قصة موسى، ثم إبراهيم، ثم نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم شعيب.
ومن ذلك قوله ﴿ ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ وهو مذكور في خمسة مواضع: في قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.
ومن ذلك أنه كرر ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ في قصة نوح وهود وصالح وليس في ذكر النبي : ﴿ ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاَّ على رب العالمين ﴾ لذكرها في مواضع من غير هذه السورة.
وليس في قصة موسى لأنه رباه فرعون حيث قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ ولا في قصة إبراهيم لأن اباه في المخاطبين حيث يقول: ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ﴾ وهو قد ربَّاه فاستحيا موسى وإبراهيم أن يقولا ﴿ وما أسألكم عليه من أجر ﴾ وإن كانا منزهين من طلب الأجر.
ثم إنه أعاد في هذه السورة قصص الأنبياء المشهورين مع أممهم اعتباراً لهذه الأمة، وبدأ بقصة موسى لما فيها من غرائب الأحوال وعجائب الأمور.
والنداء المسموع عند الأشعري هو الكلام القديم الذي لا يشبه الحروف والأصوات، وعند المعتزلة وإليه ميل أبي منصور الماتريدي أنه من جنس الحروف والأصوات وأنه وقع على وجه علم به موسى أنه من قبل الله وقد عرفه أنه سيظهر عليه المعجزات إذا طولب بذلك.
قال جار الله: قوله ﴿ ألا يتقون ﴾ كلام مستأنف فيه تعجيب لموسى من حالهم الشنعاء في قلة خوفهم وكثرة ظلمهم، أو حال أدخلت عليه همزة الإنكار.
ثم إن موسى خاف أن يذكب عند أداء الرسالة فاستظهر بهارون.
وفي قراءة النصب خاف التكذيب المستتبع لضيق الصدر المستلزم لاحتباس اللسان عن الجريان في الكلام، ولعله اراد بهذه الحبسة عقدة في لسانه قبل إجابة دعوته أو بقية يروى أنها بقيت بعد الإجابة كما مر في "طه".
ومعنى ﴿ فأرسل إلى هارون ﴾ أرسل إليه جبريل واجعله نبياً يصدقني في أمري فاختصر الكلام اختصاراً.
ثم ذكر أن لهم عليه ذنباً فسمى جزاء الذنب ذنباً، أو المضاف محذوف اي تبعه ذنب وهو قود قتل القبطي كما سيجيء تفصيله في سورة القصص.
فيمكن أن يقتل قبل أداء الرسالة فلا يتمكن من المقصود، وهذا قد جوزه الكعبي وغيره من البغداديين.
وقال الأكثرون: الأقرب من حال الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله الرسالة أنه يمكنهم من أدائها فلا معنى للخوف من القتل قبل الأداء.
نعم لو خاف بعد الأداء جاز وذلك لما جبل عليه طبع الإنسان من التنفر عن القتل فيسأل الله الأمان من ذلك وقد جمع الله له بقوله ﴿ كلا ﴾ الكلاءة وبقوله ﴿ فاذهبا ﴾ استنباء أخيه كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون ﴿ ومعكم ومستمعون ﴾ خبران لأن أو الخبر ﴿ مستمعون ﴾ و ﴿ معكم ﴾ متعلق به.
ولا يخفى ما في المعية من المجاز لأن المصاحبة من صفات الأجسام، فالمراد معية النصرة والمعونة، وأما الاستماع فمجاز أيضاً وإن كان إطلاق السمع على الله حقيقة لأن الاستماع جار مجرى الإصغاء ولا بد فيه من الجارحة.
فحاصل الآية إنا لكما ولعدوّكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه.
وإنما وحد الرسول في قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ لأنه أراد كل واحد أو أراد الرسول بمعنى المصدر أي ذو رسالة رب العالمين.
يقال: أرسلتهم برسول اي برسالة أو جعلا لاتفاقهما واتحاد مطلبهما كرسول واحد.
وههنا إضمار دل عليه سياق الكلام أي فأتيا فرعون فقالا له ذلك.
يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن ههنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين.
فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه.
فأديا إليه الرسالة فعرف أنه موسى فعند ذلك قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ أي صبياً وذلك لقرب عهده من الولادة.
قيل: مكث فيهم ثلاثين سنة من أول عمره.
وقيل: وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة ففر منهم.
والفعلة الوكزة عدد عليه نعمه، ثم وبخه بقتل نفس منهم وسماه كافراً لنعمه بسبب ذلك.
وجوز جار الله أن يراد وأنت إذ ذاك ممن يكفر بالساعة فيكون قد افترى على موسى أو جهل أمره لأنه كان يعايشهم بالتقية.
وإنما قلنا إنه افتراء أو جهل لأن الكفر غير جائز على الأنبياء ولو قبل النبوة، ويجوز أن يراد أنه من الكافرين بفرعون وإلهيته أو بآلهة كانوا يعبدونها.
قال : ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ ثم إن موسى ما أنكر تربيته ولكن أنكر الكفر فلم ينسب نفسه إلا إلى الضلال وأراد به الذهاب عن الصواب، أو أراد النسيان أو الخطأ وعدم التدبر في أدبار الأمور.
ثم ذكر موهبة ربه في حقه حين فر من فرعون وملئه المؤتمرين بقتله.
والحكم العلم بالتوحيد وكمال العقل والرأي، ولا تدخل فيه النبوة ظاهراً لئلا يلزم شبه التكرار بقوله: ﴿ وجعلني من المرسلين ﴾ قال جار الله ﴿ وتلك ﴾ إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدري ما هي إلا بعد أن فسرت بقوله ﴿ أن عبدت ﴾ نظيره قوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع ﴾ والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها عليّ كأنه أبى أن يسمي نعمته إلا نقمة لأن تعبيدهم أي تذليلهم واتخاذهم عبيداً وقصدهم.
بذبح أبنائهم صار هو السبب في حصوله عنده وفي تربيته فلهذا قال الزجاج: "أن" مع ما بعده في موضع نصب أي إنما صارت نعمة عليّ لأن عبدت بني إسرائيل إذ لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم ومن هنا قال جار الله: إن قول موسى ﴿ فعلتها إذن ﴾ جواب لقول فرعون ﴿ وفعلت فعلتك ﴾ وجزاء له كأن فرعون قال: جازيت نعمتي بما فعلت.
فقال موسى: فعلتها مجازياً لك وإن نعمتك جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء.
وقال الحسن: أراد أنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت عليّ فلا نعمة لك بالتربية على أن التربية كانت من قبل أمي وعشيرتي ولم يكن منك إلا أنك لم تقتلني.
وقيل: اراد أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في الإطعام والكسوة.
واعلم أن للعلماء خلافاً في نعمة الكافر فقيل: إنها لا تستحق الشكر لأن الكافر يستحق الإهانة بكفره فلو استحق الشكر لإنعامه لزم الجمع بين الإهانة والتعظيم في حق شخص واحد في وقت واحد.
وقيل: لا يبطل بالكفر إلا الثواب والمدح الذي يستحقه على الإيمان، وفي الآية نوع دلالة على كل من القولين.
ثم إن موسى حين أدى رسالته من قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ ﴿ قال فرعون وما رب العالمين ﴾ وقد سبق مراراً أن كفره احتمل أن يكون كفر عناد وأ، يكون كفر جهالة، والذي يختص بالمقام هو أن ما يطلب به حقيقة الشيء وماهيته، وهذا هو الذي قصده فرعون بسؤاله ولم يعرف أن الماهية لا تطلق على ذاته تعالى إذ لا أجزاء لها حدية ولا تقديريه ولا بأي وجه فرض ضرورة انتهاء الكل إليه واستغنائه عن الكل من كل الوجوه، فلا يصح أن يسأل عنه بما هو ولا بكيف هو ولا بأي شيء هو ولا بهل هو، غاية ذلك أن ينبه على وجوده الذي هو أظهر الأشياء بلوازمه وآثاره على وجه يعم الكل كما يقال: إنه رب السموات والأرض وما بينهما، أو بأخص من ذلك بأن يقال مثلاً: ﴿ ربكم ورب آبائكم الأولين ﴾ وهو الاستدلال بالأنفس أو يقال ﴿ رب المشرق والمغرب وما بينهما ﴾ من الجهات المفروضة على السماء من لدن طلوع الكواكب إلى غروبها وبالعكس وهو الاستدلال بالآفاق.
وقد راعى في الجواب الأول طريقة اللطف فختم بقوله ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ أي إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وجلائه.
وخاشنهم في الأخير بقوله ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله: ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله ﴿ إن رسولكم ﴾ ويمكن أن يراد بقوله ﴿ وما بينهما ﴾ ثانياً ما بين المشرق والمغرب من المخلوقات فيكون الفرق بين هذا الاستدلال وبين الأول أن الأول هو الاستدلال بالإمكان على طريقة الحكيم، والثاني هو الاستدلال بالحدوث على طريقة المتكلمين، والأول أقرب إلى اليقين فلهذا قال ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ والثاني أقرب إلى الحس فلهذا قال ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ ولما انجر الكلام إلى حد العناد والمخاشنة هدده فرعون بقوله: ﴿ لئن اتخذت إلهاً غيري لاجعلنك من المسجونين ﴾ وهذا أبلغ من أن لو قال: "لأسجننك" والمعنى لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه يطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع، وحينئذ عدل موسى إلى الحجة الأصلية في الباب وهو ادعاء المعجز المنبئ عن صدقه فقال ﴿ أولو جئتك ﴾ أي أتفعل فيَّ ذلك ولو جئتك بشيء أي جائياً بالمعجزة.
وفي قوله ﴿ إن كنت من الصادقين ﴾ إن سلم أنه قاله جداً لا هزلاً وجدالاً دلالة على ما ركز في العقول من أن دعوى الرسالة إن اقترنت بظهور المعجزة على يده تحقق صدقها.
وقد شنع في الكشاف ههنا أن في أهل القبلة من خفي عليهم ما لم يخف على فرعون حتى جوزوا القبيح عليه ولزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات.
وفي التخطئة سهو من وجهين: أحدهما: أنه لا قبيح عند الأشاعرة عقلاً.
والثاني أنه على تقدير التسليم لا يلزم تجويز كل قبيح وهذا من ذلك للزوم الاشتباه.
وباقي القصة سبق نظيرها في "الأعراف" فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالسورة.
قوله ﴿ قال للملأ حوله ﴾ قال في الكشاف: الظرف في محل النصب على الحال.
وأقول: الأصوب أن يجعل نعتاً للملأ أي الأشراف حوله على طريقة قوله: ولقد أمرّ على اللئيم يسبني *** قوله ﴿ لمقيات يوم معلوم ﴾ اليوم يوم الزينة وميقاته وقت الضحى كما مر في "طه".
قوله ﴿ هل أنتم مجتمعون ﴾ استبطاء لهم في الاجتماع وحث عليه كقول الرجل لغلامه: هل أنت منطلق إذا أراد أن يحثه على الانطلاق.
قوله ﴿ لعلنا نتبع السحرة ﴾ لم يكن غرضهم اتباع السحرة في دينهم وإنما غرضهم الأصلي أن لا تتبعوا موسى، فساقوا الكلام مساق المجاز لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى.
قوله ﴿ بعزة فرعون ﴾ هي من أيمان الجاهلية ولا يصح الحلف في الإسلام إلا بالله وبصفاته كما مر في "البقرة" و"المائدة".
وقوله ﴿ فألقى السحرة ﴾ لم يسم فاعله وهو الله في الحقيقة حين ألقى داعية الإيمان في قلوبهم ويجوز أن ينسب إلى ما عاينوا من المعجزات الباهرة ولك أن لا تقدر فاعلاً أي خروا.
قوله ﴿ لا ضير ﴾ أي لا ضير علينا فيما يتوعدنا به من القتل.
قوله ﴿ إنا نطمع ﴾ الطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين كقوله إبراهيم ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي ﴾ ويحتمل الظن بناء على أن المرء لا يعلم ما يختاره أو يؤل إليه عند الوفاة.
ومعنى ﴿ أن كنا ﴾ لأن كنا وكانوا أوّل طائفة مؤمنين من أهل زمانهم أو من قوم فرعون أو من أهل المشهد.
قوله: ﴿ إِنكم متبعون ﴾ تعليل للإسراء أي بنيت تدبير أمركم على أن تتقدموا لو يتبعكم فرعون وجنوده إلى أن يغشاهم من اليم ما يغشاهم.
قوله: ﴿ لشرذمة ﴾ هي الطائفة القليلة.
ثم وصفهم بالقلة واختار جمع السلامة ليدل على أن كل حزب منهم في غاية القلة، وذلك بالنسبة إلى عسكره وإلا فهم كثير في أنفسهم.
يروى أن فرعون أرسل في اثرهم الف ألف وخمسمائة الف ملك مسور مع كل ملك الف وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت على مقدّمته سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة، وكان قوم موسى إذ ذاك ستمائة ألف وسبعين ألفاً.
ويجوز أن يريد بالقلة الذلة والحقارة لا قلة العدد.
قوله: ﴿ وإنهم لنا لغائطون ﴾ معناه أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم ولكنهم يفعلون أفعالاً لغيظنا كأخذ الحلي وادّعاء الاستقلال والاستخلاص عن ذل الاستخدام ونحن قوم مجموعون كلمة وائتلافاً، ومن عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور.
فالحذر المتيقظ وهو يفيد الثبات والحاذر الذي يجدد حذره.
وقيل: هو تام السلاح لأنه فعل ذلك حذراً واحتياطاً لنفسه، وكل هذه المعاذير لأجل أن لا يظن به العجز وخلاف ما ادّعاه من القهر والتسلط.
وقرئ ﴿ حادرون ﴾ بالدال غير المعجمة، والحادر السمين القوي أراد أنهم أقوياء أشدّاء.
﴿ فأخرجناهم من جنات ﴾ أي بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة.
قال مجاهد: سماها كنوزاً لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله .
والمقام الكريم المنازل الحسنة والمجالس البهية.
وقال الضحاك: المنابر.
وقيل: السرر في الحجال.
﴿ كذلك ﴾ يحتمل النصب أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا، والجر على الوصف أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، ولارفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، وعلى هذا فيوقف على ﴿ كريم ﴾ .
﴿ فأتبعوهم ﴾ اي فلحقوهم.
ومن قرأ بالتشديد فظاهر.
والإشراق الدخول في وقت الشروق ﴿ فلما تراءى الجمعان ﴾ أي رأى قوم موسى قوم فرعون وحصل كل من الفريقين بمرأى للآخر ﴿ قال أصحاب موسى ﴾ خوفاً وفزعاً ﴿ إنا لمدركون ﴾ لملحقون.
قال موسى تثبيتاً لهم وردعاً عماهم عليه من الجزع والفزع ﴿ كلا إن معي ربي ﴾ بالنصرة والمعونة ﴿ سيهدين ﴾ سبيل النجاة والخلاص كما وعدني.
ثم بين أنه كيف هداه بقوله ﴿ فأوحينا ﴾ الآية.
ومعنى ﴿ فانفلق ﴾ فضرب فانفلق ﴿ فكان كل فرق ﴾ اي كل جزء متفرق منفلق منه ﴿ كالطود ﴾ وهو الجبل العظيم ومع ذلك وصفه بالعظيم ﴿ وأزلفنا ثم ﴾ أي قربنا حيث انفلق البحر ﴿ الآخرين ﴾ وهم قوم فرعون والمقرب منه بنو إسرائيل أو قوم فرعون أيضاً أي أدنينا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد، ويجوز أن يراد قدمانهم إلى البحر.
وقرئ ﴿ وأزلقنا ﴾ بالقاف أي أزللنا أقدامهم حساً بأن لم يكن لهم البحر يبساً كما كان لبني إسرائيل، أو عقلاً أي أذهبنا عزهم.
والبحر بحر القلزم أو بحر من وراء مصر يقال له أساف.
قالت الأشاعرة: إنه أضاف الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم في طلب موسى كفر.
أجاب الجبائي بأن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله ، فلما كان مسيرهم بتدبير الله وهؤلاء تبعوهم اضافه إلى نفسه توسعاً، وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول: أتعبني الغلام لما حدث ذلك عند فعله.
أو المراد أزلفناهم إلى الموت والأجل.
وقال الكعبي: أراد أنه جمع تفرقهم كيلا يصلوا إلى موسى وقومه، أو اراد أنه حلم عنهم وترك لهم لابحر يابساً حتى طمعوا في دخوله.
واعترض بأن كل ذلك لا بد أن يكون له أثر في استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم فيعود المحذور.
﴿ إن في ذلك ﴾ الذي حدث في البحر من إنجاء البعض وإغراق البعض أو في ذلك أي ذكر من القصة بطولها ﴿ لآية ﴾ عجيبة للمتدبر المتفكر في الأمور الإلهية ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ حين سألوا بعد النجاة أن يجعل لهم موسى إلهاً غير الله، واتخذوا العجل، واقترحوا اقتراحات خارجة عن قانون الأدب.
ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الأمة بدليل ﴿ واتل عليهم ﴾ وفيه تسلية لرسول الله فقد كان يغتم بتكذيب قومه بعد ظهور المعجزات ونزول الآيات.
التأويل: الطاء طوله في كمال عظمته، والسين سلامته عن كل عيب ونقص، والميم مجده الذي لا نهاية له.
أو الطاء طهارة قلب نبيه عن تعلقات الكونين، والسين سيادته على الأنبياء والمرسلين، واليمم مشاهدته جمال رب العالمين.
أو الطاء طيران الطائرين بالله، والسين سير السائرين إلى الله، والميم مشي الماشين لله الذين يمشون على الأرض هوناً.
﴿ إن نشأ ننزل ﴾ من سماء قلوبهم ﴿ آية ﴾ من واردات الحق ﴿ فظلت ﴾ أعناق نفوسهم ﴿ لها خاضعين ﴾ ﴿ فسيأتيهم ﴾ بعد مفارقة الأرواح الأجساد ﴿ أنباء ما كانوا به يستهزؤن ﴾ لظهور نتائج معاملاتهم الخبيثة على أرواحهم ﴿ أو لم يروا إلى ﴾ أرض قلوب العارفين ﴿ كما أنبتنا فيها ﴾ من اشجار أصناف الإيمان والتوكل واليقين والإخلاص وسائر الأخلاق الكريمة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن جناب الحق لعزته يجل عن أن يكون شرعة لكل وارد ﴿ وإن ربك لهو العزيز ﴾ الذي لا يوجد بالسعي ﴿ الرحيم ﴾ حين أدرك أولياءه بجذبات العناية كما أدرك موسى حين ناداه من الشجرة، وذلك لأنه جعله مظهر لطفه كما أ نه جعل فرعون مظهر قهره فصار من العتوّ والاستكبار في غاية الكمال.
ويعلم منه أن الإنسان له استعداد في مظهرية صفة القهر ليس لإبليس فلذلك عاند إبليس آدم وقال أنا خير منه وعاند فرعون الرب وقال أنا ربكم الأعلى.
وأن له استعداداً في مظهرية صفة اللطف ليس للملك ولهذا صار الإنسان مسجوداً للملائكة.
﴿ أن أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيه أن موسى القلب مرسل إلى فرعون النفس لئلا تستعيد الصفات الروحانية فإن لفرعون النفس في البداية استيلاء على موسى القلب والصفات الروحانية فاستعملهم في قضاء حوائجه وتحصيل مقاصده فعرفه فرعون النفس وقال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ فإن موسى القلب كان في حجر فرعون النفس إلى أن بلغ أوان الحلم وهي خمس عشرة سنة، فقتل قبطي الشهوة حين كفر بإله الهوى وكان قبل القتل ضالاً عن حضرة الربوبية ﴿ ففرت منكم ﴾ غلى الله لما خفت أن تقطعوا عليّ الطريق إلى الله.
رب سموات القلوب وأرض البشرية وما بينهما من المنازل ﴿ قال لمن حوله ﴾ من صفات النفس ﴿ الا تستمعون ﴾ ﴿ قال موسى ﴾ القلب لتعارفه بربه ﴿ ربكم ورب آبائكم الأوّلين ﴾ يعني الآباء العلوية الرحانية.
وفي قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ إشارة إلى كمال ضدية القلب والنفس فما يصدر عن القلب تعده النفس من الجنون وبالعكس.
﴿ رب ﴾ مشرق الروح من أفق البدن ﴿ ورب ﴾ مغربه فيه ﴿ وما بينهما ﴾ من مدة التعلق وقد مر نظيره في محاجة إبراهيم في "البقرة" ﴿ لأجعلنك من المسجونين ﴾ في سجن حب الدنيا فإن القلب إذا توجه إلى الله فلا استيلاء للنفس عليه إلا بشبكة حب النجاة والرياسة فإنها آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين.
فقال موسى القلب: لا تقدر على أن تسجنني فإن معي عصا الذكر واليد المنزعة عما سوى الله.
وباقي التأويل قد سبق قوله: ﴿ فأخرجناهم ﴾ أي ﴿ من جنات ﴾ صفات الأوصاف الروحانية ﴿ وعيون ﴾ الحكمة ﴿ وكنوز ﴾ المعارف ﴿ ومقام كريم ﴾ في حضرة أكرم الأكرمين ﴿ وأورثاها بني إسرائيل ﴾ فيه أن النفس إذا فنيت ورث القلب منها صفاتها وبقوتها تصير إلى مقامات لم يمكنه الوصول إليها بقوة صفاته، ولو مات القلب ورثت النفس منه صفاته وبقوتها تتنزل إلى دركات لم يمكنها الوصول إليها بمجرد صفاتها ﴿ فأتبعوهم ﴾ أي لحق أوصاف النفس أوصاف القلب عند إشراق شمس الروح ﴿ فكان كل فرق ﴾ فيه أن كل صفة من أوصاف الروح كجبل عظيم في العبور عنه.
﴿ وأزلفنا ثم الآخرين ﴾ أي قربنا صفات النفس بتبعية صفات القلب إلى بحر الروح.
﴿ وأنجينا موسى ومن معه ﴾ من الأوصاف في بحر الروح بالوصول إلى الحضرة ﴿ ثم أغرقنا ﴾ أوصاف النفس في بحر الروحانية فإن الوصول إلى الحضرة من خواص القلب وغاية سير النفس هو الاستغراق في بحر الروحانية ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ لأرباب العرفان ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ بهذه المنازل فإنه لا يصير إليها إلا الشاذ من المجذوبين بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ جعلنا الله من المستعدين لها والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال له فرعون: ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ : يذكر نعمته التي أنعمها عليه بتربيته إياه صغيراً، وكونه فيهم دهرا، وكفران موسى لما أنعم عليه وهو ما قال: ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ، وهو قتل ذلك القبطي الذي وكزه موسى فقضى عليه، فأقر له موسى بذلك، فأخبر أنه فعل ذلك حيث قال: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ ﴾ أي: فعلت ذلك وأنا كنت من الجاهلين، لا يعلم أن وكزته تلك تقتله، وإلا لو علم ما وكزه؛ لأنه لم يكن يحل له قتله حيث قال: ﴿ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ ؛ دل ذلك منه أنه كان لم يحل قتله إلا أنه جرى ذلك على يده خطأ وجهلا.
وفيه دلالة أن الرجل قد ينهى ويؤاخذ بما يجري على يده خطأ وجهلا، ويخاطب بذلك حيث قال: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ ﴾ .
ثم قال: ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ﴾ : وهو حين قال ذلك الرجل: ﴿ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ ﴾ الآية [القصص: 20]، فخرج منها خائفاً يترقب، وذلك فراره منهم.
وقوله: ﴿ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً ﴾ أي: نبوة.
وقال بعضهم: حكما، أي: منَّ عليّ بالحكم وجعلني من المرسلين، وقد كان ذلك له كله.
وقوله: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ : وهو استعبادك إياهم، أي: إذا ذكرت هذا فاذكر ذاك، هذا يحتمل وجوهاً.
أحدها: أن تذكر ما أنعمت عليّ وتمنها، ولا تذكر مساوئك ببني إسرائيل، وهو استعبادك إياهم، أي: إذا ذكرت هذا فاذكر ذاك.
والثاني: أن تلك نعمة تمنها عليّ حيث لم تعبدني وعبّدت بني إسرائيل، يخرج على قبول المنة منه.
والثالث: وتلك نعمة لو خليت عن بني إسرائيل ولم تستعبدهم لولوا ذلك عنك، وتمام هذا يقول موسى لفرعون: أتمن عليّ يا فرعون بأن اتخذت بني إسرائيل عبيداً، وكانوا أحراراً فقهرتهم؟!
وقال موسى: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ ﴾ أي: من الجاهلين بذلك أنه يتولد من وكزته الموت؛ وكذلك روي في بعض الحروف: ﴿ وأنا من الجاهلين ﴾ ؛ دل أنه على الجهل ما فعل ذلك لا على القصد.
وقال بعضهم: في قوله: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ ﴾ يقول: وهذه منة تمنها بقوله: ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً ﴾ يقول: تمن بها عليّ أن تستعبد بني إسرائيل، وتمنّ عليّ بذلك.
ثم قال فرعون لموسى: ﴿ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، فقال له: ﴿ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ﴾ : من خلق، ﴿ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ ، ثم قال لمن حوله: ﴿ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ ﴾ .
إنما قال اللعين هذا - والله أعلم - لما وقع عنده أن موسى حاد عن جواب ما سأله؛ لأنه إنما سأله عن ماهيته فهو إنما أجابه عن قهره وربوبيته؛ فظن أنه حائد عن جواب ما سأله؛ وكذلك قال لقومه: ﴿ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ ﴾ إلى ما يقول موسى؛ تعجباً منه أني أسأله عن شيء وهو يجيبني عن شيء آخر.
ثم قال موسى: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، فقال عند ذلك: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ ، نسبه إلى الجنون لما ذكرنا أنه ظن أنه حائد عن الجواب في كل ما ذكر، إنما كان السؤال منه عن الماهية، وهو لم يجبه عنها، فعند ذلك قال موسى: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ، لم يجبه موسى في كل ما ذكر عن الماهية، ولكن أجابه في الأول في بيان ربوبيته وألوهيته حيث قال: ﴿ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ ذلك، فعرف اللعين أنه ليس هو رب السماوات والأرض لما يعلم أن لا صنع له في ذلك، وأنه لم ينشئهما ولكن أنشأهما رب العالمين على ما ذكر موسى، لكن كأنه لم يعرف حدوثهما ولا فناءهما بما ذكر له موسى؛ لما لم يشاهد حدوثهما وفناءهما، فلم يتقرر ذلك عنده لما يقع عنده أنهما كذلك كانا ويكونان أبداً، فعند ذلك احتاج إلى أن ذكر له ما يشاهد حدوثهما وفناءهما وهو ما قال: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ذكر له ما شاهد حدوثه وفناءه، فإذا عرف حدوث ما ذكر وفناءه يعرف أنه إذاً لم يكن بنفسه ولا كان نفسه، ولكن بمحدث أحدثه وبمدبر دبره.
ثم قال: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ﴾ : ذكر هاهنا قدرته وسلطانه، وهو ما يأتي بالنهار من المشرق، وبالليل من المغرب، ويطلع الشمس من المشرق، ويغربها من المغرب؛ وكذلك القمر والنجوم، ففيه دلالة البعث؛ لأن من قدر على أن يأتي بالنهار من كذا، وبالليل من ناحية كذا، والشمس والقمر من كذا - قادر على البعث، لا يعجزه شيء؛ ففي كل حرف من هذه الأحرف دلالة واستدلال على شيء ليس ذلك في الأخرى.
وفي قوله: ﴿ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ دلالة ربوبية الله وألوهيته.
وفي قوله: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ دلالة حدوث ما ذكر وفنائه، ودلالة محدث ومدبر.
وفي قوله: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ ﴾ دلالة قدرته وسلطانه على البعث على الوجه الذي ذكرنا.
وفي ذلك دلالة أن الله لا يعرف بالماهية ولا بما يحس، ولكنه إنما يعرف من جهة الاستدلال بخلقه، وبالآيات التي تدل على وحدانيته، حيث سأل فرعون موسى عن الماهية، فأجاب على الاستدلال بخلقه.
ثم قال اللعين: ﴿ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ ﴾ : قال بعضهم: إنما أوعده السجن ولم يوعده القتل؛ لأنه طلب منه الحجة على ما ادعى من الرسالة حيث قال: ﴿ فَأْتِ بِهِ ﴾ الآية، ولو قتله لكان لا يقدر على إتيانها.
وقال بعضهم: لا، ولكن كان سجنه أشد من القتل ومن كل عقوبة.
فقال له موسى: ﴿ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: ما يبين ربوبية الله وألوهيته أو ما يبين أني رسول الله، فقال له فرعون: ﴿ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ بالرسالة، وبما ادّعيت، فدل قول فرعون لموسى حيث قال له: ﴿ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ أنه قد عرف أنه رسول، وأنه ليس بإله على ما ادعى، وأن الإله غيره حيث طلب هذه الآية.
وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ بالآيات التي تدل على وحدانية الله ومشيئته، ذكر هذا مقابل إنكارهم الصانع.
والإيقان: هو العلم الذي يستفاد من جهة الاستدلال؛ ولذلك لا يقال لله: موقن.
وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ : صلة قوله: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾ : قال بعضهم: الثعبان: هو الكبيرة العظيمة من الحيات.
وقال في موضع آخر: ﴿ تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ ﴾ ، فجائز أن تكون كالثعبان بعد ما طرحها وألقاها، وقبل أن يطرحها كالجان وهي الحية الصغيرة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾ : بياضاً خارجاً عن خلقة البشرية، وخارجاً عن الآفة على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ .
وقوله: ﴿ قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ﴾ : هذا منه إغراء وتحريش منه لقومه على موسى؛ لئلا ينظروا إليه بعين التعظيم؛ لعظيم ما أتاهم من الآية وأراهم، حيث قال: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ﴾ ، وموسى كان لم يرد إخراجهم من أرضهم، ولكن ذلك إغراء منه لهم عليه؛ لئلا يتبعوه؛ كأنه يقول: يريد أن يخرجكم من أرضكم فيفسد عليكم معاشكم، ويضيق عليكم مقامكم ومتقلبكم.
وقوله: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ : هذا يبين أنه كان عرف أنه ليس بإله، فبين دناءته وقلة معرفته؛ لأنه لا يقول ملك من الملوك لقومه: ماذا تأمرون، وخاصة من يدعي لنفسه الألوهية بقوله: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي ﴾ ؛ فدل أنه كان خسيس الهمة في الرأي والبال.
<div class="verse-tafsir"
قال موسى لفرعون معترفًا: قتلت ذلك الرجل وأنا من الجاهلين قبل أن يأتيني الوحي.
<div class="verse-tafsir" id="91.08bdn"