الآية ٢١٤ من سورة الشعراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ٢١٤ من سورة الشعراء

وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ ٢١٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 106 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١٤ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١٤ من سورة الشعراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى آمرا لرسوله ، صلوات الله وسلامه عليه أن ينذر عشيرته الأقربين ، أي : الأدنين إليه ، وأنه لا يخلص أحدا منهم إلا إيمانه بربه عز وجل ، وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين .

ومن عصاه من خلق الله كائنا من كان فليتبرأ منه ; ولهذا قال : ( فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ) .

وهذه النذارة الخاصة لا تنافي العامة ، بل هي فرد من أجزائها ، كما قال : ( لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ) [ يس : 6 ] ، وقال : ( لتنذر أم القرى ومن حولها ) [ الشورى : 7 ] ، وقال : ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ) [ الأنعام : 51 ] ، وقال : ( لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا ) [ مريم : 97 ] ، وقال : ( لأنذركم به ومن بلغ ) [ الأنعام : 19 ] ، كما قال : ( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) [ هود : 17 ] .

وفي صحيح مسلم : " والذي نفسي بيده ، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ، يهودي ولا نصراني ، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار " .

وقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة ، فلنذكرها : الحديث الأول : قال الإمام أحمد ، رحمه الله : حدثنا عبد الله بن نمير ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما أنزل الله ، عز وجل : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ، أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصفا فصعد عليه ، ثم نادى : " يا صباحاه " .

فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه ، وبين رجل يبعث رسوله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا بني عبد المطلب ، يا بني فهر ، يا بني لؤي ، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل ، تريد أن تغير عليكم ، صدقتموني ؟

" .

قالوا : نعم .

قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " .

فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ، أما دعوتنا إلا لهذا ؟

وأنزل الله : ( تبت يدا أبي لهب وتب ) [ المسد : 1 ] .

ورواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي ، من طرق ، عن الأعمش ، به .

الحديث الثاني : قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : لما نزلت : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ، قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " يا فاطمة ابنة محمد ، يا صفية ابنة عبد المطلب ، يا بني عبد المطلب ، لا أملك لكم من الله شيئا ، سلوني من مالي ما شئتم " .

انفرد بإخراجه مسلم .

الحديث الثالث : قال أحمد : حدثنا معاوية بن عمرو ، حدثنا زائدة ، حدثنا عبد الملك بن عمير ، عن موسى بن طلحة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : لما نزلت هذه الآية : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ، دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ قريشا ] ، فعم وخص ، فقال : " يا معشر قريش ، أنقذوا أنفسكم من النار .

يا معشر بني كعب ، أنقذوا أنفسكم من النار .

يا معشر بني عبد مناف ، أنقذوا أنفسكم من النار .

يا معشر بني هاشم ، أنقذوا أنفسكم من النار .

يا معشر بني عبد المطلب ، أنقذوا أنفسكم من النار .

[ يا فاطمة بنت محمد ، أنقذي نفسك من النار ] ، فإني - والله - ما أملك لكم من الله شيئا ، إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها " .

ورواه مسلم والترمذي ، من حديث عبد الملك بن عمير ، به .

وقال الترمذي : غريب من هذا الوجه .

ورواه النسائي من حديث موسى بن طلحة مرسلا لم يذكر فيه أبا هريرة .

والموصول هو الصحيح .

وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا محمد - يعني ابن إسحاق - عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا بني عبد المطلب ، اشتروا أنفسكم من الله .

يا صفية عمة رسول الله ، ويا فاطمة بنت رسول الله ، اشتريا أنفسكما من الله ، لا أغني عنكما من الله شيئا ، سلاني من مالي ما شئتما " .

تفرد به من هذا الوجه .

وتفرد به أيضا ، عن معاوية ، عن زائدة ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه .

ورواه أيضا عن حسن ، ثنا ابن لهيعة ، عن الأعرج : سمعت أبا هريرة مرفوعا .

وقال أبو يعلى : حدثنا سويد بن سعيد ، حدثنا ضمام بن إسماعيل ، عن موسى بن وردان ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " يا بني قصي ، يا بني هاشم ، يا بني عبد مناف .

أنا النذير .

والموت المغير .

والساعة الموعد " .

الحديث الرابع : قال أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا التيمي ، عن أبي عثمان ، عن قبيصة بن مخارق وزهير بن عمرو قالا لما نزلت : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) صعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رضمة من جبل على أعلاها حجر ، فجعل ينادي : " يا بني عبد مناف ، إنما أنا نذير ، إنما مثلي ومثلكم كرجل رأى العدو ، فذهب يربأ أهله ، يخشى أن يسبقوه ، فجعل ينادي ويهتف : يا صباحاه " .

ورواه مسلم والنسائي ، من حديث سليمان بن طرخان التيمي ، عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي ، عن قبيصة وزهير بن عمرو الهلالي ، به .

الحديث الخامس : قال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا شريك عن الأعمش ، عن المنهال ، عن عباد بن عبد الله الأسدي ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : لما نزلت هذه الآية : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل بيته ، فاجتمع ثلاثون ، فأكلوا وشربوا قال : وقال لهم : " من يضمن عني ديني ومواعيدي ، ويكون معي في الجنة ، ويكون خليفتي في أهلي ؟

" .

فقال رجل - لم يسمه شريك - يا رسول الله ، أنت كنت بحرا من يقوم بهذا ؟

قال : ثم قال الآخر ، قال : فعرض ذلك على أهل بيته ، فقال علي : أنا .

طريق أخرى بأبسط من هذا السياق : قال أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبو عوانة ، عن عثمان بن المغيرة ، عن أبي صادق ، عن ربيعة بن ناجذ ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني عبد المطلب ، وهم رهط ، كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق - قال : وصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا - قال : وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس .

ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا ، وبقي الشراب كأنه لم يمس - أو لم يشرب - وقال : " يا بني عبد المطلب ، إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة ، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم ، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ؟

" .

قال : فلم يقم إليه أحد .

قال : فقمت إليه - وكنت أصغر القوم - قال : فقال : " اجلس " .

ثم قال ثلاث مرات ، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي : " اجلس " .

حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي .

طريق أخرى أغرب وأبسط من هذا السياق بزيادات أخر : قال الحافظ أبو بكر البيهقي في " دلائل النبوة " : أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق قال : فحدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل - واستكتمني اسمه - عن ابن عباس ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ) ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " عرفت أني إن بادأت بها قومي ، رأيت منهم ما أكره ، فصمت .

فجاءني جبريل ، عليه السلام ، فقال : يا محمد ، إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك ربك " .

قال علي ، رضي الله عنه : فدعاني فقال : " يا علي ، إن الله قد أمرني [ أن ] أنذر عشيرتي الأقربين ، فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره ، فصمت عن ذلك ، ثم جاءني جبريل فقال : يا محمد ، إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك .

فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام ، وأعد لنا عس لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب " .

ففعلت فاجتمعوا له ، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا .

فيهم أعمامه : أبو طالب ، وحمزة ، والعباس ، وأبو لهب الكافر الخبيث .

فقدمت إليهم تلك الجفنة ، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها حذية فشقها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها ، وقال : " كلوا بسم الله " .

فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما يرى إلا آثار أصابعهم ، والله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها .

ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اسقهم يا علي " .

فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا ، وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله .

فلما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكلمهم ، بدره أبو لهب إلى الكلام فقال : لهد ما سحركم صاحبكم .

فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

فلما كان الغد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا علي ، عد لنا بمثل الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام والشراب ; فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم " .

ففعلت ، ثم جمعتهم له ، فصنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما صنع بالأمس ، فأكلوا حتى نهلوا عنه ، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها .

ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اسقهم يا علي " .

فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا .

وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله .

فلما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكلمهم بدره أبو لهب بالكلام فقال : لهد ما سحركم صاحبكم .

فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

فلما كان الغد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا علي ، عد لنا بمثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب ; فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم " .

ففعلت ، ثم جمعتهم له فصنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ كما صنع ] بالأمس ، فأكلوا حتى نهلوا عنه ، ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا عنه ، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ويشرب مثلها ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا بني عبد المطلب ، إني - والله - ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة " .

قال أحمد بن عبد الجبار : بلغني أن ابن إسحاق إنما سمعه من عبد الغفار بن القاسم أبي مريم ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبد الله بن الحارث .

وقد رواه أبو جعفر بن جرير ، عن ابن حميد ، عن سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الغفار بن القاسم ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبد الله بن الحارث ، عن ابن عباس ، عن علي بن أبي طالب ، فذكر مثله ، وزاد بعد قوله : " إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة " .

" وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ، وكذا وكذا " ؟

قال : فأحجم القوم عنها جميعا ، وقلت - وإني لأحدثهم سنا ، وأرمصهم عينا ، وأعظمهم بطنا ، وأحمشهم ساقا .

أنا يا نبي الله ، أكون وزيرك عليه ، فأخذ يرقبني ثم قال : " إن هذا أخي ، وكذا وكذا ، فاسمعوا له وأطيعوا " .

قال : فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع .

تفرد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم أبي مريم ، وهو متروك كذاب شيعي ، اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث ، وضعفه الأئمة رحمهم الله .

طريق أخرى : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثي ، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبد الله بن الحارث قال : قال علي رضي الله عنه : لما نزلت هذه الآية : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ، قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام وإناء لبنا " .

قال : ففعلت ، ثم قال : " ادع بني هاشم " .

قال : فدعوتهم وإنهم يومئذ لأربعون غير رجل - أو : أربعون ورجل - قال : وفيهم عشرة كلهم يأكل الجذعة بإدامها .

قال : فلما أتوا بالقصعة أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذروتها ثم قال : " كلوا " ، فأكلوا حتى شبعوا ، وهي على هيئتها لم يرزءوا منها إلا يسيرا ، قال : ثم أتيتهم بالإناء فشربوا حتى رووا .

قال : وفضل فضل ، فلما فرغوا أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتكلم ، فبدروه الكلام ، فقالوا : ما رأينا كاليوم في السحر .

فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : " اصنع [ لي ] رجل شاة بصاع من طعام " .

فصنعت ، قال : فدعاهم ، فلما أكلوا وشربوا ، قال : فبدروه فقالوا مثل مقالتهم الأولى ، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال لي : " اصنع [ لي ] رجل شاة بصاع من طعام .

فصنعت ، قال : فجمعتهم ، فلما أكلوا وشربوا بدرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكلام فقال : " أيكم يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي ؟

" .

قال : فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله ، قال : وسكت أنا لسن العباس .

ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس ، فلما رأيت ذلك قلت : أنا يا رسول الله .

[ فقال : " أنت " ] قال : وإني يومئذ لأسوأهم هيئة ، وإني لأعمش العينين ، ضخم البطن ، حمش الساقين .

فهذه طرق متعددة لهذا الحديث عن علي ، رضي الله عنه .

ومعنى سؤاله ، عليه الصلاة والسلام لأعمامه وأولادهم أن يقضوا عنه دينه ، ويخلفوه في أهله ، يعني إن قتل في سبيل الله ، كأنه خشي إذا قام بأعباء الإنذار أن يقتل ، ولما أنزل الله عز وجل : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) [ المائدة : 67 ] ، فعند ذلك أمن .

وكان أولا يحرس حتى نزلت هذه الآية : ( والله يعصمك من الناس ) .

ولم يكن في بني هاشم إذ ذاك أشد إيمانا وإيقانا وتصديقا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من علي ، رضي الله عنه ; ولهذا بدرهم إلى التزام ما طلب منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم كان بعد هذا - والله أعلم - دعاؤه الناس جهرة على الصفا ، وإنذاره لبطون قريش عموما وخصوصا ، حتى سمى من سمى من أعمامه وعماته وبناته ، لينبه بالأدنى على الأعلى ، أي : إنما أنا نذير ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الواحد الدمشقي - غير منسوب - من طريق عمرو بن سمرة ، عن محمد بن سوقة ، عن عبد الواحد الدمشقي قال : رأيت أبا الدرداء ، رضي الله عنه ، يحدث الناس ويفتيهم ، وولده إلى جنبه ، وأهل بيته جلوس في جانب المسجد يتحدثون ، فقيل له : ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم ، وأهل بيتك جلوس لاهين ؟

فقال : لأني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " أزهد الناس في الدنيا الأنبياء ، وأشدهم عليهم الأقربون " .

وذلك فيما أنزل الله ، عز وجل : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ، ثم قال : " إن أزهد الناس في العالم أهله حتى يفارقهم " .

ولهذا قال [ الله تعالى ] : ( وأنذر عشيرتك الأقربين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وأنذر عشيرتك من قومك الأقربين إليك قرابة, وحذّرهم من عذابنا أن ينـزل بهم بكفرهم.

وذُكر أن هذه الآية لما نـزلت, بدأ ببني جده عبد المطلب وولده, فحذّرهم وأنذرهم.

*ذكر الرواية بذلك: حدثني أحمد بن المقدام, قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن, قال: ثنا هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة قالت: لما نـزلت هذه الآية: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا صَفِيَّةُ بِنْتَ عِبْدِ المُطَّلِبِ, يا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئا, سَلُوني مِنْ مالي ما شِئْتُمْ".

حدثنا ابن وكيع, قال: ثني أبي ويونس بن بكير, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, بنحوه.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, قال: ثنا عنبسة, عن هشام بن عروة, عن أبيه, قال: لما نـزلت (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قام النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: " يا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ, ويا صَفِيَّةُ ابْنَةَ عَبْدِ المُطَّلِبِ" ثم ذكر نحو حديث ابن المقدام.

حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: ثنا سلامة, قال: قال عقيل: ثني الزهري, قال: قال سعيد بن المسيب, وأبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنـزل عليه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ): " يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله, لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئًا, يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئًا, يا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ الله شَيْئًا, يا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ الله لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئًا, سَلِينِي ما شِئْتِ, لا أُغْني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا ".

حدثني محمد بن عبد الملك, قال: ثنا أبو اليمان, قال: أخبرنا شعيب عن الزهري, قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنـزل عليه: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قال: " يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله " ثم ذكر نحو حديث يونس, عن سلامة; غير أنه زاد فيه " يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ الله لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا " ولم يذكر في حديثه فاطمة.

حدثني يونس, قال: ثنا سلامة بن روح, قال: قال عقيل: ثني ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أنـزل عليه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) جمع قريشا, ثم أتاهم, فقال لهم: " هَلْ فِيكُمْ غرِيبٌ؟

" فقالوا: لا إلا ابن أخت لنا لا نراه إلا منا, قال: " إنَّهُ منْكُمْ", فوعظهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال لهم في آخر كلامه: " لا أعْرِفَنَّ مَا وَرَدَ عليَّ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَسُوقُونَ الآخِرَةَ, وجِئْتُمْ إليَّ تَسُوقُونَ الدُّنْيا ".

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني يونس, عن ابن شهاب, أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن, أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أُنـزل عليه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) : " يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئًا, يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئًا, يا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ الله شَيْئًا, يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رسُولِ الله لا أغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئًا, يا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي ما شِئْتِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئًا ".

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر, قال: سمعت الحجاج يحدث, عن عبد الملك بن عمير, عن موسى بن طلحة, عن أبي هريرة, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما أنـزل الله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: " يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أنْقِذُوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ, يا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ, ألا إنَّ لَكُمْ رَحِمًا سأبلُّها ببلالها ".

حدثنا أبو كريب, قال: ثنا أبو أسامة, عن زائدة, عن عبد الملك بن عمير, عن موسى بن طلحة, عن أبي هريرة, قال: لما نـزلت هذه الآية: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا, فعم وخصّ, فقال: " يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله, يا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ, يا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ, يا مَعْشَرَ بِنِي هاشم, يا مَعْشَرَ بني عَبْدِ المُطَّلِبِ", يقول لكلهم: " أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ, يا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ, فإني وَاللهِ ما أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله شَيْئًا, ألا إنَّ لَكُمْ رَحِمًا سأبلُّها بِبلالها ".

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر, عن أبيه, قال: ثنا أبو عثمان, عن زهير بن عمرو وقبيصة بن مخارق: أنهما قالا أنـزل الله على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ), فحدثنا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه علا صخرة من جبل, فعلا أعلاها حجرا, ثم قال: " يا آل عَبْدِ مَنافاه, يا صَباحاه, إنّي نَذِيرٌ, إنَّ مَثَلِي وَمَثَلَكُمْ مَثَل رَجُلٍ أتى الجَيْشُ, فَخَشِيَهُمْ على أهْلِهِ, فَذَهَبَ يَرْبَؤُهم (2) فَخَشِيَ أنْ يَسْبِقُوهُ إلى أهْلِهِ, فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِهِمْ: يا صَبَاحَاهُ"!

أو كما قال.

حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا عبد الوهاب ومحمد بن جعفر, عن عوف, عن قسامة بن زهير, قال: بلغني أنه لما نـزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) جاء فوضع أصبعه في أذنه, ورفع من صوته, وقال: " يا بَنِي عَبْدِ مَناف وَاصَبَاحَاهُ"!

قال: ثني أبو عاصم, قال: ثنا عوف, عن قسامة بن زهير, قال: أظنه عن الأشعري, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم, بنحوه.

حدثني عبد الله بن أبي زياد, قال: ثنا أبو زيد الأنصاري سعد بن أوس, عن عوف, قال: قال قسامة بن زهير, حدثني الأشعري, قال: لما نـزلت, ثم ذكر نحوه; إلا أنه قال: وضع أصبعيه في أذنيه.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن نُمير, عن الأعمش, عن عمرو بن مرّة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: لما نـزلت هذه الآية (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا, ثم نادى: " يا صَباحاهُ", فاجتمع الناس إليه, فبين رجل يجيء, وبين آخر يبعث رسوله, فقال: " يا بَنِي هَاشِمٍ, يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ, يا بَنِي فِهْرٍ, يا بَنِي يا بَنِي, أرَأَيْتَكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلا بِسَفْحِ هَذَا الجَبَلِ تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ صَدَّقْتُمُونِي؟

" قالوا: نعم, قال: " فإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ" فقال أبو لهب: تبا لكم سائر اليوم, ما دعوتموني إلا لهذا؟

فنـزلت: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ .

حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب, قالا ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن عمرو بن مرّة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم الصفا, فقال: " يا صباحاهُ!" فاجتمعت إليه قريش, فقالوا له: مالك؟

فقال: " أرَأَيْتَكُمْ إنْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أوْ مُمُسِّيكُمْ ألا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي؟

" قالوا: بلى, قال: " فإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شَدِيد ".

قال أبو لهب: تبا لك, ألهذا دعوتنا أو جمعتنا!, فأنـزل الله: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ ...

إلى آخر السورة.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا أبو أسامة, عن الأعمش, عن عمرو بن مرّة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: لما نـزلت هذه الآية: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) ورهطك منهم المخلصين, خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا, فهتف: " يا صَباحاهُ!" فقالوا: من هذا الذي يهتف؟

فقالوا: محمد, فاجتمعوا إليه, فقال: " يا بَنِي فُلان, يا بَنِي فُلان, يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ, يا بَنِي عَبْدِ مَنَاف ", فاجتمعوا إليه, فقال: " أرَأَيْتَكُمْ إنْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلا تَخْرُج بِسَفْحِ هَذَا الجَبَلِ أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيّ؟

" قالوا: ما جربنا عليك كذبا, قال: " فإنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شَدِيدٍ", فقال أبو لهب: تبا لك, ما جمعتنا إلا لهذا؟

ثم قام فنـزلت هذه السورة: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ و قد تب, كذا قرأ الأعمش, إلى آخر السورة.

حدثنا أبو كريب, قال: ثنا أبو معاوية بن هشام, عن سفيان, عن حبيب, عن سعيد, عن ابن عباس, قال: لما نـزلت (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقام على الصفا, فقال: " يا صَباحاهُ"!

قال ثنا خالد بن عمرو, قال: ثنا سفيان الثوري, عن حبيب بن أبي ثابت, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: لما نـزلت (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ), قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا, فقال: " يا صباحاه !" فجعل يعددهم: " يا بَنِي فُلان, وَيا بَنِي فُلان, ويا بَنِي عَبْدِ مَنَاف ".

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة, عن عمرو بن مرّة الجَمَليّ, قال: لما نـزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قال: أتى جبلا فجعل يهتف: " يا صَباحاهُ", فأتاه من خف من الناس, وأرسل إليه المتثاقلون من الناس رسلا فجعلوا يجيئون يتبعون الصوت ; فلما انتهوا إليه قال: " إنَّ مِنْكُمْ مَنْ جَاءَ لِيَنْظُرَ, وَمِنكُمْ مَنْ أرْسَلَ لينظر مَنِ الهاتف ", فلما اجتمعوا وكثروا قال: " أرَأيتَْكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلا مُصَبِّحَتُكُمْ مِنْ هَذَا الجَبَلِ, أكُنْتُمْ مُصَدِّقيّ؟

" قالوا: نعم, ما جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا, فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَاتِ التي أُنـزلْنَ, وأنذرهم كما أمر, فَجَعَلَ ينادي: " يا قُرَيْشُ, يا بَنِي هاشِمٍ" حتى قالَ: " يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ, إنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بينَ يَدَيْ عَذَاب شَدَيد ".

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن عمرو: أنه كان يقرأ: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) ورهطك المخلصين.

قال: ثنا سلمة, قال: ثني محمد بن إسحاق, عن عبد الغفار بن القاسم, عن المنهال بن عمرو, عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب, عن عبد الله بن عباس, عن عليّ بن أبي طالب: لما نـزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال لي: " يا عليُّ, إنَّ الله أمَرَنِي أنْ أُنْذِرْ عَشِيرَتِي الأقْرَبِين ", قال: " فضقت بذلك ذرعا, وعرفت أنى متى ما أنادهم بهذا الأمر أَرَ منهم ما أكره, فصمتُّ حتى جاء جبرائيل, فقال: يا محمد, إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربك.

فاصنع لنا صاعا من طعام, واجعل عليه رجل شاة, واملأ لنا عسا من لبن, ثم اجمع لي بني عبد المطلب, حتى أكلمهم, وأبلغهم ما أمرت به ", ففعلت ما أمرني به, ثم دعوتهم له, وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه, فيهم أعمامه: أبو طالب, وحمزة, والعباس, وأبو لهب; فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم, فجئت به.

فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم حِذْية من اللحم (3) فشقها بأسنانه, ثم ألقاها في نواحي الصحفة, قال: " خذوا باسم الله ", فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة, وما أرى إلا مواضع أيديهم; وايم الله الذي نفس علي بيده إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم, ثم قال: " اسْقِ النَّاسَ", فجِئْتُهُمْ بذلك العس, فشربوا حتى رووا منه جميعا, وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله; فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم, بدره أبو لهب إلى الكلام, فقال: لَهَدَّ (4) ما سحركم به صاحبكم, فتفرّق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: " الغد يا عليّ, إن هَذَا الرَّجُل قدْ سَبَقَنِي إلى ما قَدْ سَمِعْتَ مِنَ القَوْلِ, فَتفرّق القوم قبلَ أنْ أُكَلِّمَهُمْ فأعِدَّ لَنا مِنَ الطَّعَامِ مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتَ, ثُمَّ اجْمَعْهُمْ لِي", قال: ففعلت ثم جمعتهم, ثم دعاني بالطعام, فقرّبته لهم, ففعل كما فعل بالأمس, فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة, قال: " اسقهم ", فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعًا, ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: " يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ, إنِّي والله ما أعْلَمُ شابا فِي العَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بأفْضَلَ ممَّا جئْتُكُمْ بِهِ, إنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ, وَقَدْ أمَرَنِي الله أنْ أدْعُوكُمْ إلَيْهِ, فَأيُّكُمْ يُؤَازِرُني عَلى هَذَا الأمْرِ, عَلى أنْ يَكُونَ أخِي" وكَذَا وكَذَا؟

قال: فأحجم القوم عنها جميعا, وقلت وإني لأحدثهم سنا, وأرمصهم عينا, وأعظمهم بطنا, وأخمشهم ساقا.

أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك, فأخذ برقبتي, ثم قال: " إن هذا أخي" وكذا وكذا, " فاسمعوا له وأطيعوا ", قال: فقام القوم يضحكون, ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع!.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني إسحاق, عن عمرو بن عبيد, عن الحسن بن أبي الحسن, قال: لما نـزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح, ثم قال: " يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ, يا بَنِي عَبْدِ مَناف, يا بَنِي قُصَيّ", قال: ثم فخَّذ قريشا قبيلة قبيلة, حتى مرّ على آخرهم," إنّي أدْعُوكُمْ إلى اللهِ, وأُنْذِرُكُمْ عَذَابَهُ".

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قال: أمر محمد أن ينذر قومه, ويبدأ بأهل بيته وفصيلته, قال: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ .

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن هشام بن عروة, عن أبيه, قال: ولما نـزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ, يا صَفِيَّهُ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ, اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ".

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) بدأ بأهل بيته وفصيلته.

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, قال: لما نـزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) جمع النبيّ صلى الله عليه وسلم بني هاشم, فقال: " يا بني هاشم, ألا لا ألْفِيَنَّكُمْ تأْتُونِي تَحْمِلُونَ الدُّنْيَا, ويأتي النَّاسُ يَحْمِلُونَ الآخِرَةَ, ألا إنَّ أوْليائي مِنْكُمْ المُتَّقُونَ, فاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ".

------------------------ الهوامش : (2) يقال ربأ القوم يربؤهم، وربأ لهم إذا وقف على مكان عال، ونظر بعيدًا، يرقب عدوا أو جيشًا مغيرًا، أو نحو ذلك (3) في (اللسان: حذا): أعطيته حذية من لحم، وحذة وفلذة، كل هذا إذا قطع طولا.

ا ه.

وقيل: هي القطعة الصغيرة.

(4) في (اللسان: هد) وفي الحديث "أن أبا لهب قال: لهد ما سحركم صاحبكم" قال لهد: كلمة يتعجب بها، يقال: لهد الرجل: أي ما أجلده.

قلت: وهو كقولنا لشد ما قال فلان، أي ما أشد .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأنذر عشيرتك الأقربين فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : وأنذر عشيرتك الأقربين خص عشيرته الأقربين بالإنذار [ ص: 132 ] لتنحسم أطماع سائر عشيرته وأطماع الأجانب في مفارقته إياهم على الشرك .

وعشيرته الأقربون قريش .

وقيل : بنو عبد مناف .

ووقع في صحيح مسلم : وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين .

وظاهر هذا أنه كان قرآنا يتلى وأنه نسخ ; إذ لم يثبت نقله في المصحف ولا تواتر .

ويلزم على ثبوته إشكال ; وهو أنه كان يلزم عليه ألا ينذر إلا من آمن من عشيرته ; فإن المؤمنين هم الذين يوصفون بالإخلاص في دين الإسلام وفي حب النبي صلى الله عليه وسلم لا المشركون ; لأنهم ليسوا على شيء من ذلك ، والنبي صلى الله عليه وسلم دعا عشيرته كلهم مؤمنهم وكافرهم ، وأنذر جميعهم ومن معهم ومن يأتي بعدهم صلى الله عليه وسلم ; فلم يثبت ذلك نقلا ولا معنى .

وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال : لما نزلت هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فاجتمعوا فعم وخص فقال : يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار ، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار ، فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها .الثانية : في هذا الحديث والآية دليل على أن القرب في الأنساب لا ينفع مع البعد في الأسباب ، ودليل على جواز صلة المؤمن الكافر وإرشاده ونصيحته ; لقوله : إن لكم رحما سأبلها ببلالها وقوله عز وجل : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين الآية ، على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما أمره بما فيه كمال نفسه, أمره بتكميل غيره فقال: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ).

الذين هم أقرب الناس إليك, وأحقهم بإحسانك الديني والدنيوي, وهذا لا ينافي أمره بإنذار جميع الناس، كما إذا أمر الإنسان بعموم الإحسان, ثم قيل له \" أحسن إلى قرابتك \"فيكون هذا خصوصا دالا على التأكيد, وزيادة الحق، فامتثل صلى الله عليه وسلم, هذا الأمر الإلهي, فدعا سائر بطون قريش, فعمم وخصص, وذكرهم ووعظهم, ولم يُبْق صلى الله عليه وسلم من مقدوره شيئا, من نصحهم, وهدايتهم, إلا فعله, فاهتدى من اهتدى, وأعرض من أعرض.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وأنذر عشيرتك الأقربين ) روى محمد بن إسحاق ، عن عبد الغفار بن القاسم ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، عن عبد الله بن عباس ، عن علي بن أبي طالب .

قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) دعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " يا علي إن الله يأمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعا وعرفت أني متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره ، فصمت عليها جاءني جبريل ، فقال لي : يا محمد إلا تفعل ما تؤمر يعذبك ربك ، فاصنع لنا صاعا من طعام واجعل عليه رجل شاة ، واملأ لنا عسا من لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أبلغهم ما أمرت به " .

قال علي رضي الله عنه : ففعلت ما أمرني به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم دعوتهم له ، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه ، فيهم أعمامه أبو طالب ، وحمزة ، والعباس ، وأبو لهب ، فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعته فجئت به ، فلما وضعته تناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جذبة من اللحم ، فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ، ثم قال : " خذوا باسم الله " فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة ، وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدمت لجميعهم ، ثم قال : " اسق القوم " فجئتهم بذلك العس ، فشربوا حتى رووا جميعا ، وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله .

فلما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكلمهم بدره أبو لهب فقال : سحركم صاحبكم ، فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال الغد : " يا علي إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القوم فتفرق القوم قبل أن أكلمهم ، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم " ، ففعلت ثم جمعتهم فدعاني بالطعام فقربته ، ففعل كما فعل بالأمس ، فأكلوا وشربوا ثم تكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " يا بني عبد المطلب إني قد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة .

وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيكم يوازرني على أمري هذا ؟

ويكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فأحجم القوم عنها جميعا ، فقلت - وأنا أحدثهم سنا - أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه .

قال : فأخذ برقبتي ثم قال : إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا " ، فقام القوم يضحكون ، ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيع .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا الأعمش ، حدثنا عمرو بن مرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - : لما نزلت : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) " ورهطك منهم المخلصين " خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صعد الصفا ، فهتف يا صاحباه ، فقالوا : من هذا ؟

فاجتمعوا إليه فقال : " أرأيتكم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من صفح هذا الجبل أكنتم مصدقي " ؟

قالوا : ما جربنا عليك كذبا قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " فقال أبو لهب : تبا لك ما جمعتنا إلا لهذا ، ثم قام : فنزلت " تبت يدا أبي لهب وقد تب " هكذا قرأ الأعمش يومئذ .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثني عمرو بن مرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما نزلت ) ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) صعد النبي على الصفا فجعل ينادي : " يا بني فهر ، يا بني عدي - لبطون قريش - حتى اجتمعوا ، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو ، فجاء أبو لهب وقريش ، فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟

قالوا : نعم ، ما جربنا عليك إلا صدقا ، قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " ، فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟

فنزلت : تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(وأنذر عشيرتك الأقربين) وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب "" وقد أنذرهم جهارا "" رواه البخاري ومسلم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وحذِّر - أيها الرسول - الأقرب فالأقرب مِن قومك، مِن عذابنا، أن ينزل بهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينذر أقرب الناس إليه ، ليكونوا قدوة لغيرهم .

وليعلموا أن قرابتهم للرسول صلى الله عليه وسلم لن تنجيهم من عذاب الله ، ما استمروا على شركهم ، فقال - تعالى - : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين ) .والعشيرة : أهل الرجل الذين يتكثر بهم ، و ( الأقربين ) هم أصحاب القرابة القريبة كالآباء والأبناء والإخوة والأخوات ، والأعمام والعمات وما يشبه ذلك .وقد ذكر المفسرون أحاديث متعددة ، فيما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية ، منها : ما أخرجه الشيخان عن ابن عباس قال : لما أنزل الله - تعالى - هذه الآية : " أتى النبى صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه ثم نادى : يا صباحاه ، وهى كلمة يقوله المستغيث أو المنذر لقومه - فاجتمع الناس إليهن بين رجل يجئ إليه ، وبين رجل يبعث رسوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بنى عبد المطلب ، يا بنى فهر ، يا بنى لؤى ، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح الجبل تريد أن تغير عليكم ، أكنتم مصدقى؟

قالوا : نعم .

قال : " فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد " .فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ، أما دعوتنا إلا لهذا ، وأنزل الله : ( تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) " .قال الآلوسى : ووجه تخصيص عشيرته الأقربين بالذكر مع عموم رسالته صلى الله عليه وسلم : دفع توهم المحاباة ، وأن الاهتمام بشأنهم أهم ، وأن البداءة تكون بمن يلى ثم من بعده .

.أى : أن هذه الآية الكريمة ، لا تتعارض مع عموم رسالته صلى الله عليه وسلم للناس جميعا ، لأن المقصود بها : البدء بإنذار عشيرته الأقربين ، ليكونوا أسوة لغيرهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما بالغ في تسلية رسوله أولاً، ثم أقام الحجة على نبوته، ثانياً ثم أورد سؤال المنكرين، وأجاب عنه ثالثاً، أمره بعد ذلك بما يتعلق بباب التبليغ والرسالة وهو هاهنا أمور ثلاثة: الأول: قوله: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقربين ﴾ وذلك لأنه تعالى بدأ بالرسول فتوعده إن دعا مع الله إلهاً آخر، ثم أمره بدعوة الأقرب فالأقرب، وذلك لأنه إذا تشدد على نفسه أولاً، ثم بالأقرب فالأقرب ثانياً، لم يكن لأحد فيه طعن ألبتة وكان قوله أنفع وكلامه أنجع، وروي أنه لما نزلت هذه الآية صعد الصفا فنادى الأقرب فالأقرب وقال: «يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، يا عباس عم محمد، يا صفية عمة محمد؛ إني لا أملك لكم من الله شيئاً، سلوني من المال ما شئتم».

وروي أنه جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً على رجل شاة وقعب من لبن، وكان الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس، فأكلوا وشربوا، ثم قال يا بني عبد المطلب: «لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً، أكنتم مصدقي؟» قالوا نعم فقال: «إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد».

الثاني: قوله: ﴿ واخفض جَنَاحَكَ ﴾ واعلم أن الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلاً في التواضع ولين الجانب، فإن قيل المتبعون للرسول هم المؤمنون وبالعكس فلم قال: ﴿ لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين ﴾ ؟

جوابه: لا نسلم أن المتبعين للرسول هم المؤمنون فإن كثيراً منهم كانوا يتبعونه للقرابة والنسب لا للدين.

فأما قوله: ﴿ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنّى بَرِئ مّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ فمعناه ظاهر، قال الجبائي هذا يدل على أنه عليه السلام كان بريئاً من معاصيهم، وذلك يوجب أن الله تعالى أيضاً بريء من عملهم كالرسول وإلا كان مخالفاً لله، كما لو رضي عمن سخط الله عليه لكان كذلك، وإذا كان تعالى بريئاً من عملهم فكيف يكون فاعلاً له ومريداً له؟

الجواب: أنه تعالى بريء من المعاصي بمعنى أنه ما أمر بها بل نهى عنها، فأما بمعنى أنه لا يريدها فلا نسلم والدليل عليه أنه علم وقوعها، وعلم أن ما هو معلوم الوقوع فهو واجب الوقوع وإلا لانقلب علمه جهلاً وهو محال والمفضي إلى المحال محال، وعلم أن ما هو واجب الوقوع فإنه لا يراد عدم وقوعه فثبت ما قلناه والثالث: قوله: ﴿ وَتَوَكَّلْ ﴾ والتوكل عبارة عن تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره ويقدر على نفعه وضره، وقوله: ﴿ عَلَى العزيز الرحيم ﴾ أي على الذي يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم برحمته ثم أتبع كونه رحيماً على رسوله ما هو كالسبب لتلك الرحمة، وهو قيامه وتقلبه في الساجدين وفيه وجوه: أحدها: المراد ما كان يفعله في جوف الليل من قيامه للتهجد وتقلبه في تصفح أحوال (المجتهدين) ليطلع على أسرارهم، كما يحكى أنه حين نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون لحرصه على ما يوجد منهم من الطاعات، فوجدها كبيوت الزنابير لما يسمع منها من دندنتهم بذكر الله تعالى والمراد بالساجدين المصلين.

وثانيها: المعنى يراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة وتقلبه في الساجدين تصرفه فيما بينهم بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذ كان إماماً لهم.

وثالثها: أنه لا يخفى عليه حالك كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين.

ورابعها: المراد تقلب بصره فيمن (يصلي) خلفه من قوله صلى الله عليه وسلم: أتموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلفي ثم قال: ﴿ إِنَّهُ هُوَ السميع ﴾ أي لما تقوله: ﴿ العليم ﴾ أي بما تنويه وتعمله، وهذا يدل عى أن كونه سميعاً أمر مغاير لعلمه بالمسموعات وإلا لكان لفظ العليم مفيداً فائدته.

واعلم أنه قرئ ﴿ ونقلبك ﴾ .

واعلم أن الرافضة ذهبوا إلى أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين وتمسكوا في ذلك بهذه الآية وبالخبر، أما هذه الآية فقالوا قوله تعالى: ﴿ وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين ﴾ يحتمل الوجوه التي ذكرتم ويحتمل أن يكون المراد أن الله تعالى نقل روحه من ساجد إلى ساجد كما نقوله نحن، وإذا احتمل كل هذه الوجوه وجب حمل الآية على الكل ضرورة أنه لا منافاة ولا رجحان، وأما الخبر فقوله عليه السلام: «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» وكل من كان كافراً فهو نجس لقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ  ﴾ قالوا: فإن تمسكتم على فساد هذا المذهب بقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إبراهيم لأَبِيهِ ءازَرَ  ﴾ قلنا الجواب عنه أن لفظ الأب قد يطلق على العم كما قال أبناء يعقوب له: ﴿ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق  ﴾ فسموا إسماعيل أباً له مع أنه كان عماً له، وقال عليه السلام: «ردوا على أبي» يعني العباس، ويحتمل أيضاً أن يكون متخذاً لأصنام أب أمه فإن هذا قد يقال له الأب قال تعالى: ﴿ وَمِن ذُرّيَّتِهِ دَاوُودُ وسليمان  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَعِيسَى  ﴾ فجعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أن إبراهيم كان جده من قبل الأم.

واعلم أنا نتمسك بقوله تعالى: ﴿ لأَبِيهِ ءازَرَ ﴾ وما ذكروه صرف للفظ عن ظاهره، وأما حمل قوله: ﴿ وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين ﴾ على جميع الوجوه فغير جائز لما بينا أن حمل المشترك على كل معانيه غير جائز، وأما الحديث فهو خبر واحد فلا يعارض القرآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قد علم أنّ ذلك لا يكون، ولكنه أراد أن يحرّك منه لازدياد الإخلاص والتقوى.

وفيه لطف لسائر المكلفين، كما قال: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل ﴾ [الحاقة: 44] ، فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك، فيه وجهان: أحدهما أن يؤمر بإنذار الأقرب فالأقرب من قومه، ويبدأ في ذلك بمن هو أولى بالبداءة، ثم بمن يليه: وأن يقدّم إنذارهم على إنذار غيرهم، كما روي عنه عليه السلام: أنه لما دخل مكة قال: «كلُ ربَا في الجاهليةِ موضوعٌ تحتَ قدميّ هاتينِ، وأَوّلُ ما أضعُهُ رِبَا العباسِ» والثاني: أن يؤمر بأن لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب من العطف والرأفة، ولا يحابيهم في الإنذار والتخويف.

وروي: «أَنّهُ صَعِدَ الصَفَا لما نزلت فنادَى الأقربَ فالأقربَ فخذاً فخذاً، وقال: يا بني عبدِ المطلب، يا بني هَاشمِ، يا بني عبدِ منافِ، يا عباسُ عمَّ النبيّ يا صفيةُ عمةَ رسولِ اللَّهِ، إني لا أمْلِكُ لَكُم مِنَ الله شَيئاً، سَلُوني مِنْ مَالي مَا شِئْتُمْ» وروي: أَنَّه (صلى الله عليه وسلم) جَمَعَ بني عبدِ المطلبِ وهم يومئذٍ أربعونَ رَجلاً: الرجلُ مِنْهُمْ يأَكلُ الجذعةَ، ويشربُ العس على رجلِ شاةٍ وقعبٍ مِنْ لبَنٍ، فأكَلُوا وشَربُوا حتى صَدَرُوا، ثم أَنْذَرَهُم فقالَ: «يا بني عبدِ المطلبِ، لو أَخبرتُكَم أَنّ بسفحِ هذا الجبلِ خيلاً أكُنْتُمْ مُصَدّقي؟

قالوا: نَعَمْ.

قالَ: فَإِني نَذيرٌ لَكُمْ بينَ يَديَ عذابٌ شديدٌ» ، ورُوي أَنّهُ قَالَ: «يا بني عبدِ المطلب، يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، افتدُوا أنفسَكم منَ النارِ فإنّي لا أغني عنكم شيئا» ثم قال: «يا عائشةُ بنتَ أبي بكر، ويا حفصةُ بنتَ عمر، ويا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، ويا صفيةَ عمةَ محمد، اشترين أنفسكنّ منَ النار فإنيّ لا أغني عنكنّ شيئاً» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ الأقْرَبَ مِنهم فالأقْرَبَ فَإنَّ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِهِمْ أهَمُّ.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ صَعِدَ الصَّفا وناداهم فَخْذًا فَخْذًا حَتّى اجْتَمَعُوا إلَيْهِ فَقالَ: «لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ خَيْلًا أكَنَتُّمْ مُصَدِّقِيَّ» قالُوا نَعَمْ قالَ: «فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدىْ عَذابٍ شَدِيدٍ» .

﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ لَيِّنْ جانِبَكَ لَهم مُسْتَعارٌ مِن خَفْضِ الطّائِرِ جَناحَهُ إذا أرادَ أنْ يَنْحَطَّ، و ( مِن ) لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ مَنِ اتَّبَعَ أعَمُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ لِدِينٍ أوْ غَيْرِهِ، أوْ لِلتَّبْعِيضِ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُشارِفُونَ لِلْإيمانِ أوِ المُصَدِّقُونَ بِاللِّسانِ.

﴿ فَإنْ عَصَوْكَ ﴾ ولَمْ يَتَّبِعُوكَ.

﴿ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ ﴾ مِمّا تَعْمَلُونَهُ أوْ مِن أعْمالِكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقربين} خصهم لنفي التهمة إذ الإنسان يساهل قرابته أو ليعلموا أنه لا يغني عنهم من الله شيئاً وأن النجاة في اتباعه دون قربة ولما نزلت صعد الصفا ونادى فالاقرب فالقرب وقال يا بني عبد المطلب يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا عباس عم النبي يا صفية عمة رسول الله إني لا أملك لكم من الله شيئاً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأنْذِرْ ﴾ العَذابَ الَّذِي يَسْتَتْبِعُهُ الشِّرْكُ والمَعاصِي ﴿ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ أيْ: ذَوِي القَرابَةِ القَرِيبَةِ، أوِ الَّذِينَ هم أكْثَرُ قُرْبًا إلَيْكَ مَن غَيْرِهِمْ.

والعَشِيرَةُ - عَلى ما قالَ الجَوْهَرِيُّ -: رَهْطُ الرَّجُلِ الأدْنَوْنَ، وقالَ الرّاغِبُ: هم أهْلُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَتَكَثَّرُ بِهِمْ، أيْ: يَصِيرُونَ لَهُ بِمَنزِلَةِ العَدَدِ الكامِلِ، وهو العَشَرَةُ.

واشْتُهِرَ أنَّ طَبَقاتِ الأنْسابِ سِتٌّ: الأوْلى الشَّعْبُ - بِفَتْحِ الشِّينِ - وهو النَّسَبُ الأبْعَدُ كَعَدْنانَ.

الثّانِيَةُ: القَبِيلَةُ، وهي ما انْقَسَمَ فِيهِ الشَّعْبُ كَرَبِيعَةَ ومُضَرَ.

الثّالِثَةِ: العِمارَةُ - بِكَسْرِ العَيْنِ - وهي ما انْقَسَمَ فِيهِ أنْسابُ القَبِيلَةِ كَقُرَيْشٍ وكِنانَةَ.

الرّابِعَةُ: البَطْنُ، وهو ما انْقَسَمَ فِيهِ أنْسابُ العِمارَةِ كَبَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي مَخْزُومٍ.

الخامِسَةُ: الفَخِذُ، وهو ما انْقَسَمَ فِيهِ أنْسابُ البَطْنِ كَبَنِي هاشِمٍ، وبَنِي أُمَيَّةَ.

السّادِسَةُ: الفَصِيلَةُ، وهي ما انْقَسَمَ فِيهِ أنْسابُ الفَخِذِ كَبَنِي العَبّاسِ، وبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، ولَيْسَ دُونَ الفَصِيلَةِ إلّا الرَّجُلُ ووَلَدُهُ.

وحَكى أبُو عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِيهِ تَقْدِيمَ الشَّعْبِ، ثُمَّ القَبِيلَةَ، ثُمَّ الفَصِيلَةَ، ثُمَّ العِمارَةَ، ثُمَّ الفَخِذَ، فَأقامَ الفَصِيلَةَ مَقامَ العِمارَةِ في ذِكْرِها بَعْدَ القَبِيلَةِ، والعِمارَةَ مَقامَ الفَصِيلَةِ في ذِكْرِها قَبْلَ الفَخِذِ، ولَمْ يُحْكَ ما يُخالِفُهُ، ولَمْ يُذْكَرْ في التَّرْتِيبَيْنِ العَشِيرَةُ، وفي البَحْرِ أنَّها تَحْتَ الفَخِذِ فَوْقَ الفَصِيلَةِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ عَلى التَّرْتِيبِ الأوَّلِ.

وحَكى بَعْضُهم بَعْدَ أنْ نَقَلَ التَّرْتِيبَ المَذْكُورَ عَنِ النَّوَوِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - أنَّهُ قالَ في تَحْرِيرِ التَّنْبِيهِ: وزادَ بَعْضُهُمُ العَشِيرَةَ قَبْلَ الفَصِيلَةِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّ العَشِيرَةَ إذا وُصِفَتْ بِالأقْرَبِ اتَّحَدَتْ مَعَ الفَصِيلَةِ الَّتِي هي سادِسَةُ الطَّبَقاتِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأقْرَبِيَّةَ إذا كانَتْ مَأْخُوذَةً في مَفْهُومِها - كَما يُفْهَمُ مِن كَلامِ الجَوْهَرِيِّ - تَسْتَغْنِي دَعْوى الِاتِّحادِ عَنِ الوَصْفِ المَذْكُورِ.

وفِي كُلِّيّاتِ أبِي البَقاءِ: كُلُّ جَماعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ النّاسِ يَرْجِعُونَ إلى أبٍ مَشْهُورٍ بِأمْرٍ زائِدٍ فَهو شَعْبٌ كَعَدْنانَ، ودُونَهُ القَبِيلَةُ، وهي ما انْقَسَمَتْ فِيها أنْسابُ الشَّعْبِ كَرَبِيعَةَ ومُضَرَ، ثُمَّ العِمارَةُ، وهي ما انْقَسَمَتْ فِيها أنْسابُ القَبِيلَةِ كَقُرَيْشٍ وكِنانَةَ، ثُمَّ البَطْنُ، وهي ما انْقَسَمَتْ فِيها أنْسابُ العِمارَةِ كَبَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي مَخْزُومٍ، ثُمَّ الفَخِذُ، وهي ما انْقَسَمَتْ فِيها أنْسابُ البَطْنِ كَبَنِي هاشِمٍ وبَنِي أُمَيَّةَ، ثُمَّ العَشِيرَةُ، وهي ما انْقَسَمَتْ فِيها أنْسابُ الفَخِذِ كَبَنِي العَبّاسِ وبَنِي أبِي طالِبٍ، والحَيُّ يَصْدُقُ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّهُ لِلْجَماعَةِ المُتَنازِلِينَ بِمُرَبَّعٍ مِنهُمُ، انْتَهى.

ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الفَصِيلَةَ، وكَأنَّهُ يَذْهَبُ إلى اتِّحادِها بِالعَشِيرَةِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ عَشِيرَتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الأقْرَبِينَ بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ رِسالَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دَفْعُ تَوَهُّمِ المُحاباةِ، وأنَّ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِهِمْ أهَمُّ، وأنَّ البُداءَةَ تَكُونُ بِمَن يَلِي، ثُمَّ مَن بَعْدَهُ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ﴾ وفي كَيْفِيَّةِ الإنْذارِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ: مِنها ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««لَمّا نَزَلَتْ ﴿ وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ صَعِدَ النَّبِيُّ  عَلى الصَّفا فَجَعَلَ يُنادِي: يا بَنِي فِهْرٍ، يا بَنِي عَدِيٍّ، لِبُطُونِ قُرَيْشٍ، حَتّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَخْرُجَ أرْسَلَ رَسُولًا؛ لِيَنْظُرَ ما هُوَ، فَجاءَ أبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ فَقالَ: أرَأيْتُكم لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِالوادِي تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكم أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟

قالُوا: نَعَمْ، ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ إلّا صِدْقًا، قالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ ألِهَذا جَمَعْتَنا؟!

فَنَزَلَتْ ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ ﴾ ﴿ ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ ﴾ »» ومِنها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وجَماعَةٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««لَمّا نَزَلَتْ ﴿ وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ دَعا رَسُولُ اللَّهِ  قُرَيْشًا وعَمَّ وخَصَّ فَقالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا مَعْشَرَ بَنِي قُصَيٍّ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكِ ضَرًّا ولا نَفْعًا، إلّا أنَّ لَكم رَحِمًا وسَأبُلُّها بِبَلالِها»» .

وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ «أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ جَمَعَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَنِي هاشِمٍ فَأجْلَسَهم عَلى البابِ، وجَمَعَ نِساءَهُ وأهْلَهُ فَأجْلَسَهم في البَيْتِ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ فَأنْذَرَهم» .

وجاءَ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أمَرَ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -أنْ يَصْنَعَ طَعامًا ويَجْمَعَ لَهُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَفَعَلَ وجَمَعَهُمْ، وهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ رَجُلًا، فَبَعْدَ أنْ أكَلُوا أرادَ  أنْ يُكَلِّمَهم بَدَرَهُ أبُو لَهَبٍ إلى الكَلامِ فَقالَ: لَقَدْ سَحَرَكم صاحِبُكُمْ، فَتَفَرَّقُوا، ثُمَّ دَعاهم مِنَ الغَدِ إلى مِثْلِ ذَلِكَ ثُمَّ بَدَرَهم بِالكَلامِ فَقالَ: يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ إنِّي أنا النَّذِيرُ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ تَعالى والبَشِيرُ، قَدْ جِئْتُكم بِما لَمْ يَجِئْ بِهِ أحَدٌ، جِئْتُكم بِالدُّنْيا والآخِرَةِ، فَأسْلِمُوا تَسْلَمُوا وأطِيعُوا تَهْتَدُوا».

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ والرِّواياتِ، وإذا صَحَّ الكُلُّ فَطَرِيقُ الجَمْعِ أنْ يُقالَ بِتَعَدُّدِ الإنْذارِ.

ومِنَ الرِّواياتِ ما يَتَمَسَّكُ بِهِ الشِّيعَةُ فِيما يَدَّعُونَهُ في أمْرِ الخِلافَةِ، وهو مُؤَوَّلٌ أوْ ضَعِيفٌ أوْ مَوْضُوعٌ ﴿ وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ ورَهْطَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ يعني: خوف أقرباءك بالنار لكي يؤمنوا، ويثبتوا على الإيمان من كان منهم مؤمناً.

وروى هشام عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ جمع النبي  أهل بيته فقال لهم: «يَا بَنِي هَاشِمٍ يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ تَعْلَمُونَ أني رسول الله إليكم، وَأَنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الله شَيْئاً، لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، وَإِنَّما أَوْلِيائِي مِنْكُمُ المُتَّقُونَ، فَلا أَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِالآخِرَةِ، وَجِئْتُمْ بِالدُّنْيا تَحْمِلُونَها عَلَى رِقَابِكُمْ» (١) وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال لما نزل وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ «أتى رسول الله  الصفا فصعد عليه، ثم نادى بأعلى صوته: «يا صباحاه» ، فاجتمع الناس فقال  : «يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِسَفْحِ هذا الجَبَلِ تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَصَدَّقْتُمُونِي؟» قالوا: نعم.

قال: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» .

فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم وما دعوتنا إلا لهذا!

فنزل تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد: 1] (٢) ثم قال عز وجل: وَاخْفِضْ جَناحَكَ يعني: لين جانبك لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني: من المصدقين بك فَإِنْ عَصَوْكَ قال مقاتل: فيها تقديم يعني: الأقربين فإن خالفوك فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ من الشرك.

ثم قال: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ قرأ نافع وابن عامر فتوكل بالفاء، لأنه متصل بالكلام الأول، ودخلت الفاء للجزاء.

وقرأ الباقون: وَتَوَكَّلْ بالواو على وجه العطف، وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ يعني: ثق بالله، وفوض جميع أمورك إلى العزيز الرحيم الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ في الصلاة وحدك وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ يعني: وحين تصلي في الجماعة.

وقال عكرمة: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ قال: في حال القيام والركوع والسجود يعني: يرى قيامك وركوعك وسجودك، ويراك مع المصلين، ويقال: الذى يراك حين تقوم من منامك للصلاة بالليل، ويقال: حين تقوم وتدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله، ويقال: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ يعني: تقلبك في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات من آدم إلى نوح، وإلى إبراهيم، وإلى من بعده صلوات الله عليهم.

قوله عز وجل: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يعني: بآبائهم وبأعمالهم.

(١) بنحوه حديث عائشة: عند مسلم (205) وأحمد 6/ 187 والترمذي (3184) .

وحديث أبي هريرة عند البخاري (2753) و (4771) ومسلم (204) وأحمد 2/ 333 و 360.

(٢) حديث ابن عباس أخرجه البخاري (4971) ومسلم (208) وأحمد 1/ 281 و 307 والترمذي (3363) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

القُرَى إلاَّ بعد إرسال مَنْ ينذرهم عذاب الله عز وجل ذكرى لهم وتبصرةً.

وقوله تعالى: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ الضمير في بِهِ عائد على القرآن.

وقوله تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ أي: لأَنَّ السماء محروسة بالشُّهُبِ الجارية إثرَ الشياطين، ثم وَصَّى تعالى نبيه بالثبوت على التوحيد والمراد: أُمَّتُهُ فقال: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ...

الآية.

وقوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ...

الآية: وفي «صحيح البخاريِّ» وغيره عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية خرج النّبيّ صلى الله عليه وسلّم حتى صعد الصفا، فهتف: «يا صباحاه، فقالوا: من هذا؟

فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أنّ خيلا تخرج من ٥٠ أسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟

قالوا: / نعم، ما جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِباً، قَالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» الحديث «١» ، وَخَصَّ بإنذاره عشيرته لأَنَّهم مَظَنَّةَ الطواعية وإذ يمكنه من الإغلاظ عليهم ما لا يحتمله غيرهم، ولأَنَّ الإنسان غير مُتَّهَمٍ على عشيرته، والعشيرة: قرابة الرجل، وخفض الجناح: استعارة معناه: لِينُ الكلمة، وبسط الوجه، والبِرُّ، والضمير في عَصَوْكَ عائد على عشيرته، ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بالتوكل عليه في كل أموره، ثم جاء بالصفات التي تؤنس المتوكل وهي العزة والرحمة.

الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)

وقوله: الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ

يراك عبارة عن الإدراك، وظاهر الآية أَنَّه أراد قيام الصلاة، ويحتمل سائر التصرفات وهو تأويلُ مجاهدٍ وقتادة «٢» .

وقوله سبحانه: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ قال ابن عباس «٣» وغيره: يريد أهل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُحَذِّرُ بِهِ غَيْرَهُ، يَقُولُ: أنْتَ أكْرَمُ الخَلْقِ عَلَيَّ، ولَوْ اتَّخَذْتَ مِن دُونِي إلَهًا لَعَذَّبْتُكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قامَ رَسُولُ اللَّهِ  حِينَ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ فَقالَ: " يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: اشْتَرَوْا أنْفُسَكم مِنَ اللَّهِ، لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يا عَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يا صَفِيَّةَ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يا فاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي ما شِئْتِ ما أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» " .

وَفِي بَعْضِ الألْفاظِ: " «سَلُونِي مِن مالِي ما شِئْتُمْ» " .

وفي لَفْظٍ: " «غَيْرُ أنَّ لَكم رَحِمًا سَأبُلُّها بِبَلالِها» " .

ومَعْنى قَوْلِهِ " ﴿ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ : رَهْطُكَ الأدْنَيْنَ.

﴿ فَإنْ عَصَوْكَ ﴾ يَعْنِي: العَشِيرَةَ ﴿ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الكُفْرِ.

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾ أيْ: ثِقْ بِهِ وفَوِّضْ أمْرَكَ إلَيْهِ، فَهو عَزِيزٌ في نِقْمَتِهِ، رَحِيمٌ لَمْ يُعَجِّلْ بِالعُقُوبَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " فَتُوَكَّلْ " بِالفاءِ، وكَذَلِكَ [هُوَ] في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ ﴿ الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ، والثّانِي: حِينَ تَقُومُ مِن مَقامِكَ، قالَهُ أبُو الجَوْزاءِ.

والثّالِثُ: حِينَ تَخْلُو، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَقَلُّبَكَ ﴾ أيْ: ونَرى تَقَلُّبَكَ ﴿ فِي السّاجِدِينَ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: وتَقَلُّبَكَ في أصْلابِ الأنْبِياءِ حَتّى أُخْرِجَكَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: وتَقَلُّبُكَ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ والقِيامِ مَعَ المُصَلِّينَ في الجَماعَةِ؛ والمَعْنى: يَراكَ وحْدَكَ ويَراكَ في الجَماعَةِ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ مِنهم قَتادَةُ.

والثّالِثُ: وتَصَرُّفُكَ في ذِهابِكَ ومَجِيئِكَ في أصْحابِكَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَياطِينُ ﴾ ﴿ وَما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ﴿ إنَّهم عَنِ السَمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾ ﴿ فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ ﴾ ﴿ وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ ﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ ﴾ لَمّا كانَ في هَذا المَوْضِعِ ما قالَ الكُفّارُ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا القُرْآنَ كَهانَةٌ- نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُكَذِّبَةً لِذَلِكَ، أيْ: ما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَياطِينُ؛ لِأنَّها عُزِلَتْ عَنِ السَمْعِ الَّذِي كانَتْ تَأْخُذُ لَهُ مَقاعِدَها، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ ﴾ أيْ: ما يُمْكِنُهُمْ، وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ اللَفْظَةُ عِبارَةً عَمّا لا يَكُونُ، وعِبارَةً عَمًّا لا يَلِيقُ وإنْ كانَ مُمْكِنًا، ولَمّا جاءَ اللهُ تَعالى بِالإسْلامِ حَرَسَ السَماءَ بِالشُهُبِ الجارِيَةِ إثْرَ الشَياطِينِ، فَلَمْ يَخْلُصْ شَيْطانٌ بِشَيْءٍ يُلْقِيهِ كَما كانَ يَتَّفِقُ لَهم في الجاهِلِيَّةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الشَياطِينُ"، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنَ أنَّهُ قَرَأ: "الشَياطُونَ"، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ، قالَ أبُو حاتِمْ: هي غَلَطٌ مِنهُ أو عَلَيْهِ، وحَكاها الثَعْلَبِيُّ أيْضًا عَنِ ابْنِ السَمَيْفَعِ، وذَكَرَ عن يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ: دَخَلْتُ بَساتِينَ مِن ورائِها بَساتُونَ، قالَ يُونُسُ: ما أشْبَهَ هَذِهِ بِقِراءَةِ الحَسَنِ.

ثُمَّ وصّى عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ  بِالثُبُوتِ عَلى تَوْحِيدِ أمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأمَرَ بِنِذارَةِ عَشِيرَتِهِ تَخْصِيصًا لَهُمْ، إذِ العَشِيرَةُ مَظِنَّةُ المُقارَبَةِ والطَواعِيَةِ، وإذْ يُمَكِّنُهُ مَعَهم مِنَ الإغْلاظِ عَلَيْهِمْ ما لا يَحْتَمِلُهُ غَيْرُهُمْ، فَإنَّ البِرَّ بِهِمْ في مِثْلِ هَذا الحَمْلِ عَلَيْهِمْ، والإنْسانُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ عَلى عَشِيرَتِهِ، وكانَ هَذا التَخْصِيصُ مَعَ الأمْرِ العامِّ بِنَذارَةِ العالَمِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ المُؤْمِنِينَ مِن غَيْرِ عَشِيرَتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ نالَهم هم مِن هَذا التَخْصِيصِ وخُرُوجُهم مِنهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ .

«وَلَمّا أمَرَ رَسُولُ اللهِ  بِهَذِهِ النِذارَةِ عَظُمَ مَوْضِعُ الأمْرِ عَلَيْهِ وصَعُبَ، ولَكِنَّهُ تَلَقّاهُ بِالجِلْدِ، وصَنَعَ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً كُلُّها بِحَسَبِ الأمْرِ، مِن ذَلِكَ "أنَّهُ أمَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ بِأنْ يَصْنَعَ طَعامًا، وجَمَعَ عَلَيْهِ بَنِي جَدِّهِ عَبَدِ المُطَلِّبِ، وأرادَ نَذارَتَهم ودَعْوَتَهم في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَظَهَرَ مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ بَرَكَةً في الطَعامِ، قالَ عَلَيٌّ: وهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ رَجُلًا، يَنْقُصُونَ رَجُلًا أو يَزِيدُونَهُ، فَرَماهُ أبُو لَهَبٍ بِالسِحْرِ، فَوَجَمَ رَسُولُ اللهِ  ، وافْتَرَقَ جَمْعُهم مِن غَيْرِ شَيْءٍ، ثُمَّ جَمَعَهم مَرَّةً ثانِيَةً كَذَلِكَ وأنْذَرَهم ووَعَظَهم فَتَضاحَكُوا ولَمْ يُجِيبُوا، ومِن ذَلِكَ أنَّهُ نادى عَمَّهُ العَبّاسَ، وصْفِيَّةَ عَمَّتَهُ، وفاطِمَةَ ابْنَتَهُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: "لا أُغْنِي عنكم مِنَ اللهِ شَيْئًا، إنِّي لَكم نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» في حَدِيثٍ مَشْهُورٍ، ومِن ذَلِكَ «أنَّهُ صَعَدَ عَلى الصَفا، أو أبِي قُبَيْسٍ ونادى: يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وا صَباحاهُ، فاجْتَمَعَ إلَيْهِ الناسُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَقالَ: يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانٍ، حَتّى أتى عَلى بُطُونِ قُرَيْشٍ جَمِيعًا، فَلَمّا تَكامَلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِن كُلِّ بَطْنٍ قالَ لَهُمْ: "أرَأيْتُمْ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ الجَبَلِ تُرِيدُ الغارَةَ عَلَيْكُمْ، أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ"؟

قالُوا: نَعَمْ، فَإنّا لَمْ نُجَرِّبْ عَلَيْكَ كَذِبًا، فَقالَ لَهُمْ: "فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ"، فَقالَ لَهُ أبُو لَهَبٍ لَعَنَهُ اللهُ: ألِهَذا جَمَعَتْنا؟

تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ  ﴾ السُورَةُ.» و"العَشِيرَةُ": قَرابَةُ الرَجُلِ، وهي في الرُتْبَةِ تَحْتَ الفَخْذِ وفَوْقَ الفَصِيلَةِ.

و"خَفْضُ الجَناحِ" اسْتِعارَةٌ، مَعْناهُ: لِينُ الكَلِمَةِ وبَسْطُ الوَجْهِ والبِرِّ، والضَمِيرُ في "عَصَوْكَ" عائِدٌ عَلى عَشِيرَتِهِ مِن حَيْثُ جُمِعَتْ رِجالًا، فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالتَبَرِّي مِنهُمْ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مُوادَعَةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين ﴾ [الشعراء: 193- 194]، فهو تخصيص بعد تعميم للاهتمام بهذا الخاص.

ووجه الاهتمام أنهم أولى الناس بقبول نصحه وتعزيز جانبه ولئلا يسبق إلى أذهانهم أن ما يلقيه الرسول من الغلظة في الإنذار وأهوال الوعيد لا يقع عليهم لأنهم قرابة هذا المنذر وخاصته.

ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم في ندائه لهم: " لا أغني عنكم من الله شيئاً "، وأن فيه تعريضاً بقلة رعي كثير منهم حق القرابة إذ آذاه كثير منهم وعصَوْه مثل أبي لهب فلا يحسبوا أنهم ناجون في الحالتين وأن يعلموا أنهم لا يكتفَى من مؤمنهم بإيمانه حتى يضم إليه العمل الصالح؛ فهذا مما يدخل في النذارة، ولذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية قرابتَه مؤمنين وكافرين.

ففي حديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة في «صحيحي البخاري ومسلم» يجمعها قولهم: «لمّا نزلت ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ قام رسول الله على الصَّفا فدعا قريشاً فجعل ينادي: يا بني فهر يا بني عديّ، لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فقال: يا معشر قريش، فعَمَّ وخص، يا بني كعب بننِ لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مُرَّة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، اشتروا أنفسكم من الله لا أُغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفيةُ عمةَ رسول الله لا أغني عنككِ من الله شيئاً، يا فاطمة بنت رسول الله سليني من مالي ما شئتتِ لا أُغني عنك من الله شيئاً، غيرَ أنَّ لكم رَحِماً سأبُلُّها ببلاَلها» وكانت صفية وفاطمة من المؤمنين وكان إنذارهما إعمالاً لفعل الأمر في معانيه كلها من الدعوة إلى الإيمان وإلى صالح الأعمال؛ فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الإنذار من الشرك والإنذار من المعاصي لأنه أنذر صفية وفاطمة وكانتا مسلمتين.

وفي «صحيح البخاري» عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ صعد النبي (صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر يا بني عديّ، لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال: أرأيتكُم لو أخبرتُكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تُغير عليكم أكنتم مصدّقِيَّ؟

قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقاً.

قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.

فقال أبو لهب: تبّاً لك سائرَ اليوم ألهذا جمعتنا؟

فنزلت ﴿ تبت يَدا أبي لهب وتبَّ ما أغنى عنه ماله وما كسب ﴾ [المسد: 1- 2].

وهذا الحديث يقتضي أن سورة الشعراء نزلت قبل سورة أبي لهب مع أن سورة أبي لهب عُدّت السادسة في عداد نزول السور، وسورة الشعراء عُدّت السابعة والأربعين.

فالظاهر أن قوله: ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ نزل قبل سورة الشعراء مفرداً، فقد جاء في بعض الروايات عن ابن عباس في «صحيح مسلم»: لمّا نزلت «وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطَك منهم المخلصين» وأن ذلك نسخ.

فلعل الآية نزلت أول مرة ثم نسخت تلاوتها ثم أعيد نزول بعضها في جملة بسورة الشعراء.

والعشيرة: الأدْنَوْن من القبيلة، فوصف ﴿ الأقربين ﴾ تأكيد لمعنى العشيرة واجتلاب لقلوبهم إلى إجابة ما دعاهم إليه وتعريض بأهل الإدانة منهم.

وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة على المرء من وقع الحسام المهنّد.

وإلى هذا يشير قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم في آخر الدعوة المتقدمة «غير أن لكم رحماً سأبُلُّها ببلالها» أي ذلك منتهى ما أملك لكم حين لا أملك لكم من الله شيئاً، فيحق عليكم أن تبُلُّوا لي رحمي مما تملكون، فإنكم تملكون أن تستجيبوا لي.

وتقدم ذكر العشيرة في قوله تعالى: ﴿ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ﴾ في سورة [براءة: 24].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: حِينَ تَقُومُ في الصَّلاةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: حِينَ تَقُومُ مِن فِراشِكَ ومَجْلِسِكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: يَعْنِي قائِمًا وجالِسًا وعَلى حالاتِكَ كُلِّها، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: يَعْنِي حِينَ تَخْلُو، قالَهُ الحَسَنُ، ويَكُونُ القِيامُ عِبارَةً عَنِ الخَلْوَةِ لِوُصُولِهِ إلَيْها بِالقِيامِ عَنْ ضِدِّها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مِن نَبِيٍّ إلى نَبِيٍّ حَتّى أخْرَجَكَ نَبِيًّا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يَرى تَقَلُّبَكَ في صَلاتِكَ ورُكُوعِكَ وسُجُودِكَ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

الثّالِثُ: أنَّكَ تَرى تَقَلُّبَكَ في صَلاتِكَ مِن خَلْفِكَ كَما تَرى بِعَيْنِكَ مِن قُدّامِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ وتَصَرُّفُكَ في النّاسِ، قالَهُ الحَسَنُ لِتَقَلُّبِهِ في أحْوالِهِ وفي أفْعالِهِ.

الخامِسُ: تَقَلُّبُ ذِكْرِكَ وصِفَتِكَ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِكَ.

السّادِسُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ إذا صَلَّيْتَ مُنْفَرِدًا ﴿ وَتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ ﴾ إذا صَلَّيْتَ في الجَماعَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ لِجِهادِ المُشْرِكِينَ، ﴿ وَتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ ﴾ فِيما تُرِيدُ بِهِ المُسْلِمِينَ وتُشَرِّعُهُ مِن أحْكامِ الدِّينِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وفي الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً وعم وخص فقال: «يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً، يا معشر بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً، يا معشر بني قصي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً، يا معشر بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً، يا فاطمة بنت محمد انقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك ضراً ولا نفعاً، ألا إن لكم رحماً وسابلها ببلاها» .

وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزلت ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئاً سلوني من مالي ما شئتم» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن عروة مرسلاً، مثله.

وأخرج مسدد ومسلم والنسائي وابن جرير والبغوي في معجمه والباوردي والطحاوي وأبو عوانة وابن قانع والطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن قبيصة بن مخارق وزفير بن عمرو قالا: لما نزلت ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربوة من جبل، فعلا أعلاها حجراً ثم قال: «يا بني عبد مناف أني نذير لكم إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يريد أهله فخشي أن يسبقوه إلى أهله، فجعل يهتف: يا صباحاه..

يا صباحاه..

أتيتم.

أتيتم» .

وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري قال: لما نزلت ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم إصبعيه في أذنيه ورفع صوته وقال: «يا بني عبد مناف، يا صباحاه...» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جمع أهله فقال: «يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار.

ثم التفت إلى فاطمة فقال: يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، غير أن لكم رحماً سابلها ببلالها» .

وأخرج ابن مردويه عن البراء قال: لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ صعد النبي صلى الله عليه وسلم ربوة من جبل فنادى «يا صباحاه..

فاجتمعوا فحذرهم وأنذرهم ثم قال: لا أملك لكم من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك من الله شيئاً» .

وأخرج ابن مردويه عن الزبير بن العوّام قال: لما نزلت ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ صاح على أبي قبيس «يا آل عبد مناف إني نذير.

فجاءته قريش فحذرهم...

وأنذرهم» .

وأخرج ابن مردويه عن عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قريشاً فقال: « ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ يعني: قومي» .

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ جعل يدعوهم قبائل قبائل.

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري وابن مردويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما نزلت ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ ورهطك منهم المخلصين خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد على الصفا فنادى» يا صباحاه..

فقالوا من هذا الذي يهتف؟

قالوا: محمد.

فاجتمعوا إليه، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيَّ قالوا: نعم.

ما جربنا عليك إلا صدقاً قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد «فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا!

فنزلت ﴿ تبت يدا أبي لهب وتب ﴾ [ المسد: 1-2]» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم نادى على الصفا بأفخاذ عشيرته.

فخذا فخذاً يدعوهم إلى الله.

فقال في ذلك المشركون: لقد بات هذا الرجل يهوّت منذ الليلة قال: وقال الحسن رضي الله عنه: جمع نبي الله صلى الله عليه وسلم أهل بيته قبل موته فقال: «ألا إن لي عملي ولكم عملكم، ألا إني لا أغني عنكم من الله شيئاً، ألا إن أوليائي منكم المتقون، ألا لا أعرفنكم يوم القيامة تأتون بالدنيا تحملونها على قرابكم، ويأتي الناس يحملون الآخرة.

يا صفية بنت عبد المطلب، يا فاطمة بنت محمد، اعملا فإني لا أغني عنكما من الله شيئاً» .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا بني هاشم، ويا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني لا أغني عنكم من الله شيئاً.

إياكم أن يأتي الناس يحملون الآخرة، وتأتون أنتم تحملون الدنيا، وأنكم تردون عليّ الحوض ذات الشمال وذات اليمين فيقول القائل منكم: يا رسول الله أنا فلان بن فلان.

فاعرف الحسب وانكر الوصف، فاياكم أن يأتي أحدكم يوم القيامة وهو يحمل على ظهره فرساً ذات جمعمة، أو بعيراً له رغاء، أو شاة لها ثغاء، أو يحمل قشعاً من أدم فيختلجون من دوني، ويقال لي: أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.

فاطيبوا نفساً وإياكم أن ترجعوا القهقرى من بعدي قال عكرمة رضي الله عنه: إنما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول حيث أنزل الله عليه ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ » .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني هاشم، فاجلسهم على الباب، وجمع نساءه وأهله فأجلسهم في البيت، ثم اطلع عليهم فقال «يا بني هاشم اشتروا أنفسكم من النار، واسعوا في فكاك رقابكم أو افتكوها بأنفسكم من الله فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، ثم أقبل على أهل بيته فقال: يا عائشة بنت أبي بكر، ويا حفصة بنت عمر، ويا أم سلمة، ويا فاطمة بنت محمد، ويا أم الزبير عمة رسول الله، اشتروا أنفسكم من الله، واسعوا في فكاك رقابكم فإني لا أملك لكم من الله شيئاً ولا أغني، فبكت عائشة رضي الله عنها وقالت: وهل يكون ذلك يوم لا تغني عنا شئياً؟

قال: نعم.

في ثلاثة مواطن.

يقول الله: ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة...

﴾ [ الأنبياء: 47] فعند ذلك لا أغني عنكم من الله شيئاً، ولا أملك لكم من الله شيئاً، وعند النور من شاء الله أتم له نوره ومن شاء أكبه في الظلمات يغمه فيها فلا أملك لكم من الله شيئاً، ولا أغني عنكم من الله شيئاً، وعند الصراط من شاء الله سلمه، ومن شاء أجازه، ومن شاء كبكبه في النار.

قالت: عائشة قد علمنا الموازين: هي الكفتان.

فيوضع في هذه اليسرى، فترجح احداهما وتخف الأخرى، وقد علمنا النور والظلمة، فما الصراط؟

قال: طريق بين الجنة والنار يجوز الناس عليها، وهو مثل حد الموس، والملائكة حفافه يميناً وشمالاً يخطفونهم بالكلاليب مثل شوك السعدان وهم يقولون: رب سلم سلم ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ فمن شاء الله سلمه، ومن شاء كبكبه فيها» .

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل من طرق عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا علي ان الله أمرني أن أنذر عشيرتي الاقربين فضقت ذرعاً، وعرفت أني مهما أبادؤهم بهذا الامر أرى منهم ما أكره.

فصمت عليها حتى جاء جبريل فقال: يا محمد إنك إن لم تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك، فاصنع لي صاعاً من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واجعل لنا عسا من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغ ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب.

فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به، فلما وضعته تناول النبي صلى الله عليه وسلم بضعة من اللحم فشقها باسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال: كلوا بسم الله.

فأكل القوم حتى تهلوا عنه ما ترى إلا آثار أصابعهم.

والله إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم.

ثم قال: اسق القوم يا علي، فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا جميعاً.

وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله.

فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لقد سحركم صاحبكم.

فتفرق القوم ولم يكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم.

فلما كان الغد قال: يا علي ان هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فعد لنا بمثل الذي صنعت بالأمس من الطعام والشراب ثم اجمعهم لي.

ففعلت، ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام فقربته، ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا وشربوا حتى نهلوا، ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم أحداً في العرب جاء قومه بافضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله ان أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على أمري هذا فقلت وأنا احدثهم سناً: إنه أنا.

فقام القوم يضحكون» .

وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ «جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً، منهم العشرة يأكلون المسنة، ويشربون العس، وامر علياً برجل شاة صنعها لهم ثم قربها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ منها بضعة فاكل منها، ثم تتبع بها جوانب القصعة ثم قال ادنوا بسم الله.

فدنا القوم عشرة..

عشرة.

فأكلوا حتى صدروا، ثم دعا بقعب من لبن فجرع جرعة فناولهم فقال: اشربوا بسم الله.

فشربوا حتى رووا عن آخرهم، فقطع كلامهم رجل فقال لهم: ما سحركم مثل هذا الرجل، فاسكت النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ فلم يتكلم.

ثم دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب، ثم بدرهم بالكلام فقال: يا بني عبد المطلب إني أنا النذير إليكم من الله والبشير، قد جئتكم بما لم يجيء به أحد.

جئتكم بالدنيا والآخرة فاسلموا تسلموا، وأطيعوا تهتدوا» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ قال: أمر الله محمداً صلى الله عليه وسلم أن ينذر قومه ويبدأ بأهل بيته وفصيلته قال: ﴿ وكذب به قومك وهو الحق ﴾ [ الأنعام: 66] .

وأخرج ابن جرير عن عمرو بن مرة أنه كان يقرأ ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين ﴾ .

وأخرج ابن مردويه وابن عساكر والديلمي عن عبد الواحد الدمشقي قال: رأيت أبا الدرداء يحدث الناس ويفتيهم؛ وولده وأهل بيته جلوس في جانب الدار يتحدثون فقيل له: يا أبا الدرداء ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم، وأهل بيتك جلوس لاهين؟

فقال: إني سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أن ازهد الناس في الأنبياء، واشدهم عليهم.

الاقربون وذلك فيما أنزل الله: ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ إلى آخر الآية.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أزهد الناس في العالم أهله حتى يفارقهم، وأنه يشفع في أهله وجيرانه، فإذا مات خلا عنهم من مردة الشياطين أكثر من عدد ربيعة ومضر قد كانوا مشتغلين به، فأكثروا التعوذ بالله منهم» .

وأخرج ابن عساكر عن محمد بن جحادة؛ أن كعباً لقي أبا مسلم الخولاني فقال: كيف كرامتك على قومك؟

قال: إني عليهم لكريم.

قال: إني أجد في التوراة غير ما تقول قال: وما هو؟

قال: وجدت في التوراة أنه لم يكن حكيم في قوم إلا كان أزهدهم فيه قومه، ثم الأقرب فالأقرب، وإن كان في حبسه شيء عيروه به، وإن كان عمل برهة من دهره ذنباً عيروه به.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن كعب أنه قال لأبي مسلم: كيف تجد قومك لك؟

قال: مكرمين مطيعين.

قال: ما صدقتني التوراة إذن ما كان رجل حكيم في قوم إلا بغوا عليه وحسدوه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ أي: رهطك الأدنين وهم بنوا هاشم وبنوا المطلب خاصة (١) (٢) وقال ابن عباس: أنذِرهم أن لا يتخذوا من دوني ربًّا.

وقال الكلبي: لما نزلت هذه الآية، صعد رسول الله -  - الصفا ونادى الأقرب فالأقرب، فخذًا (٣) (٤) وقال قتادة: قال لبني هاشم لما نزلت هذه الآية: "ألا إن أوليائي منكم المتقون، ألا فاتقوا النار ولو بشق تمرة" (٥) قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال النبي -  -: "إني أرسلت إلى الناس كافة وأرسلت إليكم يا بني هاشم والمطلب خاصة" (٦)  ا: لما نزلت: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ قام رسول الله -  - فقال: "يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئًا سلوني من مالي ما شئتم" (٧) وقال أبو هريرة: لما نزلت: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ جعل يدعو بطون قريش بطنًا بطنًا؛ يا بني فلان:"أنقذوا أنفسكم من النار" حتى انتهى إلى فاطمة؛ فقال: "يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار لا أملك لكم من الله شيئًا غير أن لكم رحمًا سأبلها ببللاها" (٨) وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: صعد رسول الله -  - على الصفا فقال: "يا صباحاه (٩) (١٠) (١) "الوسيط" 3/ 364.

(٢) "تفسير مقاتل" 55 أ.

(٣) في النسخ الثلاث: فخذاً.

مرة واحدة.

وقد أخرجه مكرراً عبد بن حميد، عن قتادة.

"الدر المنثور" 6/ 326.

(٤) "تفسير الهواري" 3/ 242، عن الكلبي.

(٥) أخرجه عبد الرزاق 2/ 77.

وعنه ابن جرير 19/ 122.

(٦) "تفسير مقاتل" 55 أ.

(٧) أخرجه ابن جرير 19/ 118، والترمذي 5/ 316، كتاب تفسير القرآن، رقم: 3184، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

(٨) عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) دَعَا رَسُولُ الله -  - قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ فَقَالَ يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْب أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَاَفٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ يَا بَنِي هَاشِيم أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ فَإِنَي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا).

أخرجه مسلم 1/ 192، كتاب الإيمان، رقم: 204.

وأخرج نحوه البخاري، كتاب التفسير، رقم: 4771، الفتح 8/ 501.

البِلال: الماء، ومعنى الحديث: سأصلها؛ شُبهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة.

"شرح النووي على صحيح مسلم" 3/ 80.

(٩) تقول العرب إذا نَذِرَت بغارة من الخيل تفجؤهم صباحاً: يا صباحاه، يُنذرون الحيَّ أجمع بالنداء العالي.

"تهذيب اللغة" 4/ 266 (صبح).

(١٠) أخرجه ابن جرير 19/ 120.

وابن أبي حاتم 9/ 2825.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين ﴾ عشيرة الرجل هم قرابته الأدنون، ولما نزلت هذه الآية «أنذر النبي صلى الله عليه وسلم قرابته فقال: يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، ثم نادى كذلك ابنته فاطمة وعمته صفية» ، قال الزمخشري: في معناه قولان: أحدهما أنه أمر أن يبدأ بإنذار أقاربه قبل غيرهم من الناس، والآخر أنه أمر أن لا يأخذه ما يأخذ القريب من الرأفة بقريبه، ولا يخافهم بالإنذار ﴿ واخفض جَنَاحَكَ ﴾ عبارة عن لين الجانب والرفق، وعن التواضع ﴿ الذي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ أي حين تقوم في الصلاة، ويحتمل أن يريد سائر التصرفات ﴿ وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين ﴾ معطوف على الضمير المفعول في قوله يراك، والمعنى أنه يراك حين تقوم وحين تسجد، وقيل: معناه يرى صلاتك مع المصلين، ففي ذلك إشارة إلى الصلاة مع الجماعة، وقيل: يرى تقلب بصرك في المصلين خلفك لأنه عليه الصلاة والسلام كان يراهم من وراء ظهره ﴿ تَنَزَّلُ على كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ هذا جواب السؤال المتقدم وهو قوله: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ على مَن تَنَزَّلُ الشياطين ﴾ والأفاك الكذاب، والأثيم الفاعل للإثم يعني بذلك الكهان، وفي هذا ردّ على من قال أن الشياطين تنزلت على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالكهانة، لأنها لا تنزل إلا على أفاك أثيم، وكان صلى الله عليه وسلم على غاية الصدق والبرّ ﴿ يُلْقُونَ السمع ﴾ معناه يستمعون والضمير يحتمل أن يكون للشياطين بمعنى أنهم يستمعون إلى الملائكة، أو يكون للكهان بمعنى أنهم يستمعون إلى الشياطين، وقيل: ﴿ يُلْقُونَ ﴾ بمعنى يلقون المسموع، والضمير يحتمل أيضاً على هذا أن يكون للشياطين، لأنهم يلقون الكلام إلى الكهان أو يكون للكهان لأنهم يلقون الكلام إلى الناس ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴾ يعني الشياطين أو الكهان لأنهم يكذبون فيما يخبرون به عن الشياطين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليكة ﴾ بلام مفتوحة بعدها ياء ساكنة وبفتح التاء على أنها ممتنعة من الصرف للعلمية والتأنيث، وكذلك في "صاد": اي جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.

الآخرون ﴿ الأيكة ﴾ معرفاً مجروراً.

﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز.

الآخرون بسكونها ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ونزل به ﴾ مخففاً ﴿ الروح الأمين ﴾ مرفوعين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص وابو زيد عن المفضل وزيد عن يعقوب.

الباقون ﴿ نزل ﴾ مشدداً ﴿ الروح الأمين ﴾ منصوبين ﴿ أو لم تكن ﴾ بتاء التأنيث ﴿ آية ﴾ بالرفع: ابن عامر.

الباقون بالياء التحتانية ﴿ آية ﴾ بالنصب: ﴿ فتوكل ﴾ بالفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون بالواو ﴿ من تنزل الشياطين ﴾ بتشديد التاء وكذلك ﴿ تنزل ﴾ البزي وابن فليح ﴿ يتبعهم ﴾ بالتخفيف: نافع ﴿ وادي ﴾ بالياء في الوقف: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وقرأ قتيبة بالإمالة.

الوقوف: ﴿ المرسلين ﴾ ج ه ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وأطيعون ﴾ ه ج ﴿ أجر ﴾ ج ﴿ العالمين ﴾ ه ط ﴿ المخسرين ﴾ ج ه ﴿ المستقيم ﴾ ج ه ﴿ مفسدين ﴾ ج ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ط ﴿ المسحرين ﴾ ه لا ﴿ الكاذبين ﴾ ه ج ﴿ نصف آي القرآن ﴾ ﴿ الصادقين ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الظلة ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الأمين ﴾ ه لا ﴿ المنذرين ﴾ ه لا ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ه ﴿ الأعجمين ﴾ ه لا ﴿ مؤمنين ﴾ ه ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ط بناء على أن ﴿ لا يؤمنون ﴾ مستأنف للبيان ولو جعل حالاً فلا وقف ﴿ الأليم ﴾ ه لا ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا ﴿ منظرون ﴾ ه ط ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يوعدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ ما أغنى ﴾ جملة نفي أو استفهام قامت مقام الشرط ﴿ يمتعون ﴾ ه ط ﴿ منذرون ﴾ ه وقد يوقف عليها بناء على أن ﴿ ذكرى ﴾ ليس بمفعول له والمراد ذكرناهم والوقف على ﴿ ذكرى ﴾ جائز ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه ﴿ يستطيعون ﴾ ه ط ﴿ المعزولون ﴾ ه ط ﴿ المعذبين ﴾ ج ه ﴿ الأقربين ﴾ ج ه للعطف ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ج ﴿ الرحيم ﴾ ه لا ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ أثيم ﴾ ج ه بناء على أن ﴿ يلقون ﴾ حال من ضمير ﴿ الشياطين ﴾ اي تنزل ملقين السمع أو صفة ﴿ لكل افاك ﴾ وإن جعل مستأنفاً كأن قائلاً قال: لم تنزل؟

فقيل: يفعلون كيت وكيت فلك الوقف.

﴿ كاذبون ﴾ ه ط ﴿ الغاوون ﴾ ه ط ﴿ يهيمون ﴾ ه لا ﴿ لا يفعلون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ ينقلبون ﴾ ه.

التفسير: القصة السابعة قصة شعيب وأنه كان أخاً مدين دون أصحاب الأيكة ولهذا لم يقل "أخوهم شعيب".

يروى أن اصحاب الأيكة كانوا اصحاب شجر ملتف وكان شجرهم الدوم وهي التي حملها المقل.

قال في الكشاف: قرئ ﴿ أصحاب ليكة ﴾ بتخفيف الهمزة وبالجر على الإضافة وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب وزعم أن ﴿ ليكة ﴾ بوزن ليلة اسم بلد فتوهم قاد إليه خط المصحف في هذه السورة وفي سورة ص، ثم اعترض عليه بأن ﴿ ليكة ﴾ اسم لا يعرف.

قلت: إنه لا يلزم من عدم العلم بالشيء عدم ذلك الشيء، والظن بالمتواتر يجب أن يكون أحسن من ذلك.

أمرهم شعيب بإيفاء الكيل ونهاهم عن الإخسار وهو التطفيف وأن يجعل الشخص خاسراً فكأنه أمره بالإيفاء مرتين توكيداً ثم زاد في البيان بقوله ﴿ وزنوا بالقسطاطس المستقيم ﴾ وقد مر في سورة سبحان.

قال في الكشاف: إن كان من القسط وهو العدل وجعلت السين مكررة فوزنه "فعلاس" وإلا فهو رباعي.

قلت: إن كان مكرراً فوزنه "فعلال" أيضاً.

وقوله ﴿ ولا تبخسوا ﴾ تأكيداً آخر وقد سبق في "هود".

والجبلة الخليقة حذرهم الله الذي تفضل عليهم بخلقهم وخلق من تقدمهم ممن لولا خلقهم لما كانوا مخلوقين.

قال في الكشاف: الفرق بين إدخال الواو ههنا في قوله ﴿ وما أنت إلا بشر ﴾ وبين تركها في قصة ثمود هو أنه قصد ههنا معنيان منافيان عندهم للرسالة: كونه مسحراً وكونه بشراً وهناك جعل المعنى الثاني مقرراً للأول.

قلت: الفرق بين والإشكال في تخصصيص كل من القصتين بما خصت به، ولعل السبب فيه هو أن صالحاً قلل في الخطاب فقللوا في الجواب، وأكثر شعيب في الخطاب ولهذا قيل له خطيب الأنبياء فأكثروا في الجواب.

"وإن" في قولهم ﴿ وإن نظنك ﴾ هي المخففة من الثقيلة عملت في ضمير شأن مقدر.

واللام في قوله ﴿ لمن الكاذبين ﴾ هي الفارقة.

والكسف بالسكون والحركة جمع كسفة وهي القطعة وقد مر في سبحان في اقتراحات قريش.

والمعنى إن كنت صادقاً في دعوة النبوة فادع الله أن يسقط علينا قطع السماء.

وإنما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوعه فأرادوا بذلك إظهار كذبه فحلم عنهم شعيب ولم يدع عليهم بل فوض الأمر إلى الله بقوله: ﴿ ربي أعلم بما تعملون ﴾ يروى أن شعيباً بعث إلى أمتين: اصحاب مدين وأصحاب الأيكة.

فأهلكت مدين بصيحة جبرائيل، وأهلكت اصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة وذلك إنه حبس عنهم الريح سبعاً وسلط عليهم الحرّ فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظلٍ ولا ماء ولا شراب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى الصحراء فأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً ونسيماً فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا.

وحين سلى رسول الله  بهذه القصص المؤكدة بالمكررات المختتمة بالمقررات عاد إلى مخاطبته قائلاً ﴿ وإنه ﴾ اي وإن الذي نزل عليك من الأخبار ﴿ لتنزيل رب العالمين ﴾ أي منزله.

والباء في ﴿ نزل به ﴾ علىالقراءتين للتعدية ولكنها في قراءة التشديد تقتضي مفعولاً آخر هو الروح أي جعل الله  الروح الأمين نازلاً به على قلبك محفوظاً مفهوماً ﴿ لتكون من المنذرين ﴾ من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد  .

ويجوز أن يكون قوله ﴿ لسان ﴾ متعلقاً ﴿ بنزل ﴾ أي نزله ﴿ بلسان عربي ﴾ لتنذر به فإنه لو نزله بالأعجمي لقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه.

ومن هذا الوجه ينشأ فائدة أخرى لقوله ﴿ على قلبك ﴾ أي نزلناه بحيث تفهمه ولو كان أعجمياً لكان نازلاً على سمعك دون قلبك.

والظاهر من نقل أئمة اللغة أن القلب والفؤاد مترادفان.

ونقل الإمام فخر الدين الرازي عن بعضهم أن القلب هو العلقة السوداء في جوف الفؤاد وذكر كلاماً طويلاً في أن محل العقل هو القلب دون الدماغ وهو المخاطب في الحقيقة فلهذا قال ﴿ نزله على قلبك ﴾ ونحن قد تركناه لقلة تعلقه بالمقام ولضعف دلائله مع مخالفته لما عليه معظم أرباب المعقول.

قوله ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ يعني أن ذكر القرآن مثبت في الكتب السماوية للأمم المتقدمة، وإن معاني القرآن في تلك الزبر.

وقد يحتج به لأبي حنيفة في جواز القراءة بالفارسية في الصلاة.

وقيل: الضمير فيه وفي ﴿ أن يعلمه ﴾ للنبي  وأنه حجة ثابتة على نبوته قد شهد بها علماء بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره من الذين أسلموا منهم واعترفوا أن نعته وصفته في كتبهم مذكور، وكان مشركو قريش يذهبون إلى اليهود يتعرفون منهم هذا الخبر.

من قرأ ﴿ يكن ﴾ بالتذكير و ﴿ آية ﴾ بالنصب على الخبر والاسم ﴿ أن يعلمه ﴾ فظاهر، ومن قرأ ﴿ تكن ﴾ بالتأنيث و ﴿ آية ﴾ بالرفع على الاسم والخبر ﴿ أن يعلمه ﴾ فقيل: ليست بقوية لوقوع النكرة اسماً والمعرفة خبراً.

ويمكن أن يجاب بأن الفعل المضارع مع أن ليس من المعارف الصريحة، وقد توجه هذه القراءة بتقدير ضمير القصة في ﴿ تكن ﴾ وجملته ﴿ آية أن يعلمه ﴾ و ﴿ لهم ﴾ لغواً أو ﴿ لهم آية ﴾ ﴿ وأن يعلمه ﴾ بدل من آية.

قال جار الله: إنما كتب علموء بالواو على لغة من يميل الألف إلى الواو ولذلك كتبت الصلوة والزكوة بالواو.

ثم أكد بقوله ﴿ ولو نزلناه ﴾ ما مر من آية لو نزله بالأعجمي فقرأه عليهم بعض الأعجمين لم يؤمنوا به لأنهم لم يكونوا يفهمونه.

وقال جار الله: معناه ولو نزلناه على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية فضلاً أن يقدر على نظم مثله فقرأه عليهم هكذا فصيحاً معجزاً متحدّى به لكفروا به كما كفروا ولتمحلوا لجحودهم عذراً ولسموه سحراً.

ثم قال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا السلك ﴿ سلكناه ﴾ في قلوبهم وقررناه فيها فعلى أيّ وجه دبر أمرهم فلا سبيل إلى تغييرهم عما هم عليه من الإنكار والإصرار، وقد سبق مثل هذه الآية في أول "الحجر".

والحاصل أنهم لا يزالون على التكذيب حتى يعاينوا الوعيد، وفيه تسلية لرسول الله  فإن اليأس إحدى الراحتين.

قال في الكشاف: ليس الفاء في قوله ﴿ فيأتيهم بغتة فيقولوا ﴾ لأجل ترادف العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة، وإنما المعنى ترتيبها في الشدة كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة.

فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة.

نظيره قولك: إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله، لا تريد الترتيب في الوجود ولكن في الشدة.

قلت: هذا معنى صحيح ولكن لا مانع من إرادة الترتيب والتعذيب في الوجود يظهر بالتأمل إن شاء الله العزيز.

ثم نكرهم بقوله ﴿ أفبعذابنا يستعجلون ﴾ وفيه إنكار وتهكم أي كيف يستعجل العذاب من لا طاقة له به حتى استمهل بعد أن كان من العمر في مهلة؟

وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ يستعجلون ﴾ حكاية حال ماضية يوبخون بها عند استنظارهم، أو يكون متصلاً بما بعده وذلك أنهم اعتقدوا العذاب غير كائن فلذلك استعجلوه وظنوا أنهم يمتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن، فأنكر الله عليهم استعجالهم الصادر عن الأشر والبطر والاستهزاء والاتكال على طول الأمل.

ثم قال: هب أن الأمر كما ظنوه من التمتع والتعمير فإذا لحقهم الوعيد أو الأجل أو القيامة هل ينفعهم ذلك؟.

عن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له: عظني فتلا عليه هذه الآية فقال له ميمون: لقد وعظت فأبلغت.

ثم بين أنه ما أهلك قرية إلا بعد إلزام الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، وعلى هذا يكون ﴿ ذكرى ﴾ متعلقة ﴿ بأهلكنا ﴾ مفعولاً له.

ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً ﴿ لأنذر ﴾ بمعنى التذكرة فإن ﴿ أنذر ﴾ وذكر متقاربان، أو حالاً من الضمير في ﴿ منذرون ﴾ أو مفعولاً له متعلقاً به أي ينذرونهم ذوي تذكرة أو لأجل الموعظة والتذكير، أو التقدير: هذه ذكرى فالجملة اعتراض.

ويجوز أن يكون صفة ﴿ لمنذرون ﴾ على حذف المضاف أي ذوو ذكرى، أو جعلوا ذكرى لبلوغهم في التذكرة أقصى غاياتها.

والبحث عن وجود الواو وعدمه في مثل هذا التركيب قد مر في أول الحجر في قوله ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم  ﴾ إلا أنا نذكر ههنا سبب تخصيص تلك الآية بالواو وهذه بعدم الواو فنقول: لا ريب أن الواو تفيد مزيد الربط والاجتماع في الحال وفي الوصف إن جوزتا: فسواء قدرنا الجملتين أعني قوله ﴿ ولها كتاب معلوم  ﴾ وقوله ﴿ لها منذرون ﴾ حالاً أو وصفاً فالمقام يقتضي ورود النسق على ما ورد، وذلك أن قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ صفة لازمة للقرية فإن الكتب في اللوح وصف أزلي فناسب أن يكون في اللفظ ما يدل على اللزوم واللصوق وهو الواو، ثم زيد في التأكيد بقوله ﴿ معلوم ﴾ وبقوله ﴿ ما تسبق ﴾ وهذا بخلاف قوله ﴿ لها منذرون ﴾ فإنها صفة حادثة فأطلقت وجود صدر الجملة عن الواو لذلك والله أعلم.

ثم إنه لما احتج على صدق محمد  بكون القرآن معجزاً منزلاً من رب العالمين مشتملاً على معاني كتب الأولين وكان الكفار يقولون إنه من إلقاء الجن كحال الكهنة أراد أن يزيل شبهتهم بقوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم ﴾ التنزل بالوحي ﴿ وما يستطيعون ﴾ .

ثم بين عدم اقتدارهم بقوله ﴿ إنهم عن السمع ﴾ أي عن سماع كلام أهل السماء ﴿ لمعزولون ﴾ وذلك بواسطة رجم الشهب كما أخبر عنه الصادق والمعجزات يتساند بعضها ببعض، ولو فرض أنهم غير مرجومين بالشهب فالعقل يدل على أن الاهتمام بشأن الصديق أقوى منه بشأن العدو، وكان محمد  يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم فلو كان الغيب بإلقاء الشياطين لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم ذلك.

وحين أثبت حقية القرآن أمر نبيه بجوامع مكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً ﴿ فلا تدع ﴾ والمراد أمته كما مر في نظائره من قوله ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم  ﴾ وغير ذلك ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ فيه أن الاهتمام بشأن من هو أقرب إلى المرء أولى.

وفيه أنه يجب أن لا يأخذه في باب التبليغ ما يأخذ القريب للقرب من المساهلة ولين الجانب.

"يروى أنه  لما نزلت الآية صعد الصفا فنادى الأقرب فالأقرب فخذاً فخذاً وقال: يا بني عبد المطلب يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا عباس عم النبي يا صفية عمة رسول الله: إني لا أملك لكم من الله شيئاً سلوني من المال ما شئتم" .

"وروي أنه جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً، الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس على رجل شاة، فأكلوا وشربوا حتى شبعوا ثم أنذرهم فقال: يا بني عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقي؟

قالوا: نعم.

قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" .

قوله ﴿ واخفض جناحك ﴾ قد مر تفسيره في آخر "الحجر" وفي "سبحان" وزاد ههنا ﴿ لمن اتبعك ﴾ كيلا يذهب الوهم إلى أن خفض الجناح وهو التواضع ولين الجانب مختص بالمؤمنين من عشيرته.

وإنما لم يقتصر على قوله ﴿ لمن اتبعك ﴾ لأن كثيراً منهم كانوا يتبعونه للقرابة والنسب لا للدين.

وقال في الكشاف: سبب الجمع بين اللفظين هو أنه سماهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك، أو أراد بالمؤمنين المصدّقين بالألسنة فزاد قوله ﴿ لمن اتبعك ﴾ ليخرج من صدّق باللسان دون الجنان، أو صدق بهما ولم يتبعه في العمل.

وحين أمره بالتواضع لأهل الإخلاص في الإيمان أمره بالتبرئة من ارباب العصيان.

فاستدل الجبائي به على أن الله  أيضاً بريء من عملهم فكيف يكون فاعلاً له؟!

وأجيب بأنه إن أراد ببراءة الله أنه ما أمر بها فمسلم، وإن أراد أنه لا يريدها فممنوع لانتهاء جميع الحوادث إلى إرادته ضرورة قوله ﴿ وتوكل ﴾ معطوف على قوله ﴿ فلا تدع ﴾ أو على قوله ﴿ فقل ﴾ أمره بتفويض الأمر في دفع أعاديه إلى العزيز الذي يقهر من ناوأ أولياءه الرحيم الذي لا يخذل من ينصر دينه.

قال بعض العلماء: المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما فيه معصية الله عز وجل، ولو وقع في محنة واستعان في دفعها ببعض المخلوقين لم يخرج من حد المتوكلين، ثم عدد مواجب الرحمة وهي رؤيته قيامه وتقلبه في الساجدين أي في المصلين.

وللمفسرين فيه وجوه منها: ما روي أنه حين نسخ فرض التهجد طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه حرصاً عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات فوجدها كبيوت الزنانير ذكراً وتلاوة.

فالمراد بتقلبه في الساجدين تصفح أحوال المتهجدين من اصحابه ليطلع عليهم كيف يعملون لآخرتهم.

ومنها أن المراد تصرفه فما بين المؤمنين به بالقيام والركوع والسجود والقعود.

ويروى عن مقاتل أنه استدل به على وجود فضل صلاة الجماعة في القرآن.

ومنها أنه إشارة إلى ما جاء في الحديث "أتموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلف ظهري" فالتقلب تقلب بصره فيمن يصلي خلفه.

وقيل: أراد أنه لا يخفى علينا كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين.

وقد احتج بالآية علماء الشيعة على مذهبهم أن آباء النبي  لا يكونون كفاراً.

قالوا: أراد تقلب روحه من ساجد إلى ساجد كما في الحديث المعتمد عليه عندهم "لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وناقشهم أهل السنة في التأويل المذكور وفي صحة الحديث.

والأصوب عندي أن لا نشتغل بمنع أمثال هذه الدعوى ونسرح إلى بقعة الإمكان على أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول.

ثم أكد قوله وما تنزلت به الشياطين بقوله ﴿ هل أنبئكم على من تنزل ﴾ قال في الكشاف: تقديره أعلى من تنزل؟

ليكون الاستفهام في صدر الكلام كقولك: أعلى زيد مررت؟

قلت: هذا تكلف بارد لأن لااستفهام في "من" ضمني لا يصرح به قط.

والأفاك الكثير الإفك، والأثيم مبالغة آثم وهم الكهنة والمتنبئة كسطيح ومسيلمة وأمثالهما.

والضمير في ﴿ يلقون ﴾ عائد إلى الشياطين كانوا قبل الرجم بالشهب يختطفون بعض الغيوب من الملأ الأعلى بإلقاء ﴿ السمع ﴾ أي بالإصغاء ثم يرجعون به إلى أوليائهم ﴿ وأكثرهم كاذبون ﴾ لأنهم يخلطون الحق المسموع بكلامهم الباطل كما جاء في الحديث "الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة" .

والقر الصب.

وقيل: السمع بمعنى السمموع أي يلقي الشياطين إلى أوليائهم ما يسمعونه من الملائكة.

ويحتمل أن يكون الضمير في: ﴿ يلقون ﴾ للأفاكين والسمع الأذن أو المسموع أي يلقونه السمع إلى لاشياطين فيتلقون وحيهم، أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس.

وإنما لم يقل "وكلهم كاذبون" لأن الكذوب قد يصدق فيصدق عليه انه صادق في الجملة لأن هذه عبارة الفصحاء لا يحكمون حكماً كلياً ما لم تدع إليه ضرورة.

والحاصل أنهم كانوا يقيسون حال النبي  على حال الكهنة فقيل لهم: إن الأغلب على الكهنة الكذب ولم يظهر من أحوال محمد  إلا الصدق، فكيف يكون كاهناً؟

ثم بين ما يعرف منه أن النبي ليس بشاعر كما أنه ليس بكاهن فقال ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ قيل: أي الشياطين.

والأظهر أنهم الذين يروون أشعارهم وكان شعراء قريش مثل عبد الله بن الزبعري وأمية بن ابي الصلت يهجون النبي  ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أهاجيهم فنزلت.

ثم بين غوايتهم بقوله ﴿ ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ﴾ وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول يمدحون إنساناً معيناً تارة ويذمونه أخرى غالين في كلا الطرفين مستعملين التخيل في كل ما يرومونه.

وذكر من قبائح خصالهم ﴿ أنهم يقولون ﴾ عند الطلب والدعاوي ﴿ مالا يفعلون ﴾ ولعمري إنها خصلة شنعاء تدل على الدناءة واللؤم.

قالوا وما فعلوا وأين هم *** من معشر فعلوا وما قلوا وعن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله: فبتن بجانبيّ مصرعات *** وبت أفض أغلاق الختام فقال: وجب عليك الحد: قال: قد درأ الله عني الحد يا أمير المؤمنين وتلا الآية.

ثم استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم الذكر والفكر فيما لا بأس به من المواعظ والنصائح، ومدح الحق وذويه، ويكون هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم مثل عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن زهير كانوا ينافحون عن رسول الله  .

"وعن كعب بن مالك أن رسول الله  قال له: اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل" .

وكان يقول لحسان: هاجهم وروح القدس معك.

والحاصل أن النظر في الشعر إلى المعنى لا على مجرد النظم والروي.

فإن كان المعنى صحيحاً مطابقاً للحق والصدق فلا بأس بإِدخاله في سلك النظم والقافية بل لعل النظم يروجه ويهيج الطبع على قبوله وهو الذي عناه  "إن من الشعر لحكماً" .

وإن كان المعنى فاسداً والغرض غير صحيح فهو الذي توجه الذم إليه.

وللانتصار حد معلوم وهو أن لا يزيد على الجواب لقوله  : { ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم  ﴾ وقال  "المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يتعدى المظلوم" ثم ختم السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال ﴿ وسيعلم الذين ظلموا ﴾ خصصه بعضهم بالشعراء إذا خرجوا عن حد الإنصاف، ومالوا إلى الجور والاعتساف، ولعله عام يتناول لكل من ظلم نفسه بالإعراض عن تدبر ما في السورة بل القرآن كله.

وقوله ﴿ أيّ منقلب ﴾ صفة لمصدر محذوف والعامل ﴿ ينقلبون ﴾ أي ينقلبون في الدركات السفلى انقلاباً أيّ منقلب ولا يعمل فيه ﴿ يعلم ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.

وعن ابن عباس أنه قرأه بالفاء والتاء والمراد سيعلمون أنه ليس لهم وجه من وجوه الانفلات وهو النجاة.

التأويل: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجميين ﴾ فيه إظهار القدرة من وجهين: الأول جعل الأعجمي بحيث يقرا العربي عليهم كقول القائل: أمسيت كردياً واصبحت عربياً.

والثاني أن أهل الإنكار لا يصيرون أهل الإقرار ولو أتاهم مثل هذا الإعجاز البين، وذلك لأن الله كذلك يسلكه في قلوبهم فيأتيهم عذاب البعد والطرد في الدنيا ﴿ بغتة وهم لا يشعرون ﴾ لأنهم نيام فإذا ماتوا انتبهوا فيقولون هل نحن منظرون.

﴿ وما ينبغي لهم وما يستطيعون ﴾ لأنهم خلقوا من النار والقرآن نور قديم فلا يكون للنار المخلوقة قوة حمل النور القديم، ولهذا تستغيث النار من نور المؤمن وتقول: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي.

﴿ فتكون من المعذبين ﴾ لأن كل من طلب مع الله شيئاً آخر حتى الجنة فله عذاب البعد والحرمان من الله.

﴿ وأنذر عشيرتك ﴾ فيه أن النسب نسب النفوس فإن أكل المرء يشبعه ولا يشبع ولده.

إلا إذا أكل الطعام كما أكل والده وهذا معنى المتابعة.

﴿ إني بريء مما تعملون ﴾ لم يقل "إني بريء منكم" لأن المراد لا تبرأ منهم وقل لهم قولاً جميلاً بالنصح والموعظة الحسنة حتى يرجعوا ببركة دعوتك إلى القول الحق، أو ينالوا الجنة بواسطة شفاعتك.

﴿ وتقلبك في الساجدين ﴾ بأن خلق روح كل ساجد من روحك.

﴿ إنه هو السميع ﴾ في الأزل مقالتك "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" لأن أرواحهم خلقت من روحك ﴿ العليم ﴾ باستحقاقك لهذه الكرامة الله  حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقد ذكرنا وجه النهي لرسول الله في قوله: ﴿ فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ﴾ وأمثاله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ ﴾ : روي عن أبي هريرة قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ ﴾ جمع رسول الله  قريشاً، فخص وعم فقال: يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله نفعاً ولا ضرّاً، يا معشر بني قصي، أنقذوا أنفسكم من النار؛ فإنى لا أملك لكم من الله ضرّاً ولا نفعاً، وقال: يا معشر بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار لا أملك [لكم] من الله ضرّاً ولا نفعاً؛ وكذلك قال لبني عبد المطلب، وقال لفاطمة ابنته: يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لك من الله ضرّاً ولا نفعاً، ولكن لك رحم سأبُلُّها ببلالها" أي: بأصلها.

وفي بعض الأخبار: أنه قال عند نزول هذه الآية: "إني أرسلت إلى الناس عامة، وأرسلت إليكم با بني هاشم وبني عبد المطلب خاصة" ، وهم الأقربون وهما أخوان ابنا عبد مناف.

وعن الحسن قال: "ذكر لنا أن رسول الله  جمع أهل بيته قبل موته فقال: ألا إن لي عملي ولكم عملكم، ألا إني لا أملك لكم من الله شيئاً، ألا إن أوليائي منكم المتقون، ألا لا أعرفنكم يوم القيامة تأتونني بالدنيا تحملونها على رقابكم، ويأتيني الناس بالآخرة" وعن قتادة ذكر لنا أن رسول الله  بات ليلة على الصفا يفخذ عشيرته فخذا فخذا يدعوهم إلى الله، قال في ذلك المشركون.

لقد بات هذا الرجل يهوِّت منذ الليلة.

يقول يصيح؛ فأنزل الله في ذلك: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ﴾ الآية [سبأ: 46].

ومعنى التخصيص في إنذاره عشيرته في هذه الآية يحتمل وجهين - وإن كانوا داخلين في جملة إنذار الناس جميعاً في قوله: ﴿ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً  ﴾ إذ هم من العالمين -: أحدهما: جائز أن يكونوا هم يطمعون شفاعة رسول الله يوم القيامة، وإن لم يطيعوه ولم يجيبوه إلى ما يدعوهم إليه؛ على ما روي عنه أنه قال: "كل نسب وسبب منقطع يومئذ إلا نسبي وسببي" ، فيشبه أن يكونوا يطمعون شفاعته يومئذ - وإن خالفوه بحق القرابة والوصلة - ما لا يطمع ذلك غيرهم من الناس إلا بالطاعة والإجابة، فأمره أن ينذرهم؛ لئلا يكلوا إلى شفاعته، ولكن احتالوا حيلتهم بالطاعة والعمل لما يأمر، وهو ما ذكر في الأخبار التي ذكرنا: "إني لا أملك لكم من الله نفعاً ولا ضرّاً، ألا إن أوليائي منكم المتقون" ، أخبر أن لا ولاية إذا لم يتقوا مخالفته.

والثاني [ ].

وقوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : قيل: لين جانبك لمن اتبعك من المؤمنين؛ كأنه أمر رسوله أن يتواضع لهم ويرحم، وقال في الوالدين: ﴿ وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ  ﴾ ، وقال في المؤمنين: بعضهم لبعض فيما بينهم ﴿ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ ، ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ ، ذكر الذل فيما بينهم والرحمة، ولم يذكر في رسول الله  الذل - والله أعلم - لأن الذل كأنه يرجع إلى الخضوع واستخدام بعضهم بعضا، وذلك في رسول الله بعيد لا يحتمل أن يأمره بالخدمة لهم.

وجائز أن يمتحن بعضهم بخدمة بعض، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ قالوا: إنه راجع إلى قوله: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ ﴾ وموصول به؛ كأنه قال: وأنذر عشيرتك الأقربين فإن عصوك فقل ﴿ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .

قد كان رسول الله بريئا مما كان يعمل أولئك الكفرة، لكنه يحتمل أن يكون أولئك لما أنذرهم رسول الله، طلبوا منه أن يطيعهم في بعض أمورهم ويشاركهم في بعض أعمالهم؛ حتى يطيعوا أولئك له في بعض ما يأمرهم ويدعوهم إليه، ويشاركونه في بعض أعماله، فقال عند ذلك: إنه بريء مما يدعونه إليه، وطلبوا منه مساعدته إياهم والإغماض عما يعملون فقال: ﴿ وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ؛ كأنه أمنه عن شرهم وكيدهم فقال: ﴿ وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ، ولا تخف مخالفتهم إياك فيما تدعوهم إليه.

أو أمره أن يكل نفسه إليه، ويفوض جميع أموره في كل وقت فقال: ﴿ وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ، العزيز: المنتقم لأوليائه أو الشديد بأعدائه، الرحيم بأوليائه.

أو ذكر العزيز؛ لأنه به يعز من يعز وهو يرحم من يرحم، من لم يعزه هو لا يكون عزيزاً ومن لم يرحمه هو لا ينفعه ترحم غيره، والعزيز هو الذي لا يعجزه شيء.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ : في ظلمة الليل وحدك قائماً وجالساً وعلى حالاتك، ويراك في تقلبك - أيضاً - في الساجدين في الصلاة مع الناس في الجماعة.

وبعضهم يقول في ﴿ وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ : في المصلين؛ يقول: كان يرى من خلفه من الصفوف كما يرى من أمامه.

لكن هذا ليس تأويل الآية، بل كلام قاله من ذات نفسه، ولو كان ما ذكر لكان يقول: يريك، برفع الياء لا بالنصب.

وروي [في] بعض الأخبار: "أنا إمامكم؛ فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام؛ فإني أراكم خلفي كما أراكم أمامي، والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، قالوا: يا رسول الله وما رأيت؟

قال: رأيت الجنة والنار" وقال بعضهم: يراك حين تقوم إلى الصلاة فتصلي وحدك، ويراك مع المصلين في جماعة؛ وهو مثل الأول.

وفي حرف حفصة: ﴿ وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ .

﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ : السميع لمقالتهم مما يخفون ويسرون وما يعلنون، والعليم: بضمائرهم وخفياتهم.

أو السميع: المجيب لمن دعاه، العليم: بأفعالهم وأعمالهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأنذر -أيها الرسول- الأقرب فالأقرب من قومك حتَّى لا يصيبهم عذاب الله إن بقوا على الشرك.

<div class="verse-tafsir" id="91.EvMpx"

مزيد من التفاسير لسورة الشعراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر