الآية ٢٨ من سورة الشعراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ٢٨ من سورة الشعراء

قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٨ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٨ من سورة الشعراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قال ) أي : موسى لأولئك الذين أوعز إليهم فرعون ما أوعز من الشبهة ، فأجاب موسى بقوله : ( رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ) أي : هو الذي جعل المشرق مشرقا تطلع منه الكواكب ، والمغرب مغربا تغرب فيه الكواكب ، ثوابتها وسياراتها ، مع هذا النظام الذي سخرها فيه وقدرها ، فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقا فليعكس الأمر ، وليجعل المشرق مغربا ، والمغرب مشرقا ، كما أخبر تعالى عن ( الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ) [ البقرة : 258 ] ; ولهذا لما غلب فرعون وانقطعت حجته ، عدل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه ، واعتقد أن ذلك نافع له ونافذ في موسى ، عليه السلام ، فقال ما أخبر الله تعالى عنه :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: (قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا) فمعناه: الذي أدعوكم وفرعون إلى عبادته رب المشرق والمغرب وما بينهما يعني ملك مشرق الشمس ومغربها, وما بينهما من شيء لا إلى عبادة ملوك مصر الذين كانوا ملوكها قبل فرعون لآبائكم فمضوا, ولا إلى عبادة فرعون الذي هو ملكها.( إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) يقول: إن كان لكم عقول تعقلون بها ما يقال لكم, وتفهمون بها ما تسمعون مما يعين لكم؛ فلما أخبرهم عليه السلام بالأمر الذي علموا أنه الحق الواضح, إذ كان فرعون ومن قبله من ملوك مصر لم يجاوز ملكهم عريش مصر, وتبين لفرعون ومن حوله من قومه أن الذي يدعوهم موسى إلى عبادته, هو الملك الذي يملك الملوك.

قال فرعون حينئذ استكبارا عن الحق, وتماديا في الغي لموسى.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

رب المشرق والمغرب أي ليس ملكه كملكك ; لأنك إنما تملك بلدا واحدا لا يجوز أمرك في غيره ، ويموت من لا تحب أن يموت ، والذي أرسلني يملك المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون وقيل : علم موسى عليه السلام أن قصده في السؤال معرفة من سأل عنه ، فأجاب بما هو الطريق إلى معرفة الرب اليوم .

ثم لما انقطع فرعون لعنه الله في باب الحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب فتوعد موسى بالسجن ، ولم يقل ما دليلك على أن هذا الإله أرسلك ; لأن فيه الاعتراف بأن ثم إلها غيره .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فقال موسى عليه السلام, مجيبا لإنكار فرعون وتعطيله لرب العالمين: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا .

من سائر المخلوقات إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فقد أديت لكم من البيان والتبيين, ما يفهمه كل من له أدنى مسكة من عقل، فما بالكم تتجاهلون فيما أخاطبكم به؟

وفيه إيماء وتنبيه إلى أن الذي رميتم به موسى من الجنون, أنه داؤكم فرميتم أزكى الخلق عقلا وأكملهم علما، بالجنون، والحال أنكم أنتم المجانين, حيث ذهبت عقولكم لإنكار أظهر الموجودات, خالق الأرض والسماوات وما بينهما, فإذا جحدتموه, فأي شيء تثبتون؟

وإذا جهلتموه, فأي شيء تعلمون؟

وإذا لم تؤمنوا به وبآياته, فبأي شيء - بعد الله وآياته - تؤمنون؟

تالله, إن المجانين الذين بمنزلة البهائم, أعقل منكم, وإن الأنعام السارحة, أهدى منكم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال» موسى «ربُّ المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون» إنه كذلك فآمنوا به وحده.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال موسى: رب المشرق والمغرب وما بينهما وما يكون فيهما من نور وظلمة، وهذا يستوجب الإيمان به وحده إن كنتم من أهل العقل والتدبر!

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولكن موسى - عليه السلام - لم يؤثر ما قاله فرعون ف نفسه ، بل رد عليه وعليهم بكل شجاعة وحزم فقال : ( رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ) .أى : قال موسى : ربنا رب السموات والأرض وما بينهما .

وربكم ورب آبائكم الأولين .

ورب المشرق الذى هو جهة طلوع الشمس وطلوع النهار .

ورب المغرب الذى هو غروب الشمس وغروب النهار .وخصهما بالذكر .

لأنهما من أوضح الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ولأن فرعون أو غيره من الطغاة لا يجرؤ ولا يملك ادعاء تصريفهما أو التحكم فيهما على تلك الصورة البديعة المطردة .

والتى لا اختلال فيها ولا اضطراب .

.

.كما قال إبراهيم للذى حاجه فى ربه : ( إِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب فَبُهِتَ الذي كَفَرَ .

.

) وجملة ( إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ) حض لهم على التعقل والتدبر ، وتحذير لهم من التمادى فى الجحود والعناد .أى : ربنا وربكم هو رب هذه الكائنات كلها ، فأخلصوا العبادة له ، إن كانت لكم عقول تعقل ما قلته لكم ، وتفهم ما أرشدتكم إليه .وهكذا انتقل بهم موسى من دليل إلى دليل على وحدانية الله وقدرته ، ومن حجة إلى حجة ، ومن أسلوب إلى أسلوب لكى لا يترك مجالا فى عقولهم للتردد فى قبول دعوته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن فرعون لم يقل لموسى ﴿ وَمَا رَبُّ العالمين ﴾ ، إلا وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين، يبين ذلك ما تقدم من قوله: ﴿ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين  ﴾ فلابد عند دخولهما عليه أنهما قالا ذلك، فعند ذلك قال فرعون: ﴿ وَمَا رَبُّ العالمين ﴾ ثم هاهنا بحثان: الأول: أن فرعون يحتمل أن يقال إنه كان عارفاً بالله، ولكنه قال ما قال طلباً للملك والرياسة، وقد ذكر الله تعالى في كتابه ما يدل على أنه كان عارفاً بالله، وهو قوله: ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السموات والأرض  ﴾ فإذا قرئ بفتح التاء من ﴿ عَلِمَتِ ﴾ فالمراد أن فرعون علم ذلك، وذلك يدل على أنه كان عارفاً بالله، لكنه كان يستأكل قومه بما يظهره من إلهيته، والقراءة الأخرى برفع التاء من ﴿ عَلِمَتِ ﴾ فهي تقتضي أن موسى عليه السلام هو الذي عرف ذلك، وأيضاً فإن فرعون إن لم يكن عاقلاً لم يجز من الله تعالى بعثة الرسول إليه، وإن كان عاقلاً فهو يعلم بالضرورة أنه ما كان موجوداً ولا حياً ولا عاقلاً ثم صار كذلك، وبالضرورة يعلم أن كل ما كان كذلك فلابد له من مؤثر، فلابد وأن يتولد له من هذين العلمين علم ثالث بافتقاره في تركيبه وفي حياته وعقله إلى مؤثر موجد، ويحتمل أن يقال إنه كان على مذهب الدهرية من أن الأفلاك واجبة الوجود في ذواتها ومتحركة لذواتها، وأن حركاتها أسباب لحصول الحوادث في هذا العالم، أو يقال إنه كان من الفلاسفة القائلين بالعلة الموجبة لا بالفاعل المختار، ثم اعتقد أنه بمنزلة الإله لأهل إقليمه من حيث استعبدهم وملك ذماتهم وزمام أمرهم، ويحتمل أن يقال إنه كان على مذهب الحلولية، القائلين بأن ذات الإله يتدرع بجسد إنسان معين، حتى يكون الإله سبحانه لذلك الجسد بمنزلة روح كل إنسان بالنسبة إلى جسده، وبهذه التقديرات كان يسمي نفسه إلهاً.

البحث الثاني: وهو أنه قال لموسى عليه السلام: ﴿ وَمَا رَبُّ العالمين ﴾ ؟

واعلم أن السؤال بما طلب لتعريف حقيقة الشيء، وتعريف حقيقة الشيء إما أن يكون بنفس تلك الحقيقة أو بشيء من أجزائها أو بأمر خارج عنها أو بما يتركب من الداخل والخارج.

أما تعريفها بنفسها فمحال، لأن المعرف معلوم قبل المعرف، فلو عرف الشيء بنفسه لزم أن يكون معلوماً قبل أن يكون معلوماً وهو محال.

وأما تعريفها بالأمور الداخلة فيها فهاهنا في حق واجب الوجود محال، لأن التعريف بالأمور الداخلة لا يمكن إلا إذا كان المعرف مركباً، وواجب الوجود يستحيل أن يكون مركباً، لأن كل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه فهو غيره، فكل مركب محتاج إلى غيره، وكل ما احتاج إلى غيره فهو ممكن لذاته، وكل مركب فهو ممكن، فما ليس بممكن يستحيل أن يكون مركباً، فواجب الوجود ليس بمركب، وإذا لم يكن مركباً استحال تعريفه بأجزائه، ولما بطل هذان القسمان ثبت أنه لا يمكن تعريف ماهية واجب الوجود إلا بلوازمه وآثاره، ثم إن اللوازم قد تكون خفية، وقد تكون جلية، ولا يجوز تعريف الماهية باللوازم الخفية بل لابد من تعريفها باللوازم الجلية، وأظهر آثار ذات واجب الوجود هو هذا العالم المحسوس وهو السموات والأرض وما بينهما فقد ثبت أنه لا جواب ألبتة لقول فرعون ﴿ وَمَا رَبُّ العالمين ﴾ إلا ما قاله موسى عليه السلام، وهو أنه رب السموات والأرض وما بينهما، فأما قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ فمعناه: إن كنتم موقنين بإسناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود فاعرفوا أنه لا يمكن تعريفه إلا بما ذكرته لأنكم لما سلمتم انتهاء هذه المحسوسات إلى الواجب لذاته، ثبت أن الواجب لذاته فرد مطلق، وثبت أن الفرد المطلق لا يمكن تعريفه إلا بآثاره، وثبت أن تلك الآثار لابد وأن تكون أظهر آثاره، وأبعدها عن الخفاء وما ذاك إلا السموات والأرض وما بينهما، فإن أيقنتم بذلك لزمكم أن تقطعوا بأنه لا جواب عن ذلك السؤال إلا هذا الجواب، ولما ذكر موسى عليه السلام هذا الجواب الحق قال فرعون لمن حوله ألا تستمعون وإنما ذكر ذلك على سبيل التعجب من جواب موسى، يعني أنا أطلب منه الماهية وخصوصية الحقيقة، وهو يجيبني بالفاعلية والمؤثرية، وتمام الإشكال أن تعريف الماهية بلوازمها لا يفيد الوقوف على نفس تلك الماهية، وذلك لأنا إذا قلنا في الشيء إنه الذي يلزمه اللازم الفلاني، فهذا المذكور، إما أن يكون معروفاً لمجرد كونه أمراً ما يلزمه ذلك اللازم أو لخصوصية تلك الماهية التي عرضت لها هذه الملزومية، والأول محال لأن كونه أمراً يلزمه ذلك اللازم جعلناه كاشفاً فلو كان المكشوف هو هذا القدر لزم كون الشيء معروفاً لنفسه وهو محال، والثاني محال لأن العلم بأنه أمر ما يلزمه اللازم الفلاني لا يفيد العلم بخصوصية تلك الماهية الملزومة، لأنه لا يمتنع في العقل اشتراك الماهيات المختلفة في لوازم متساوية فثبت أن التعريف بالوصف الخارجي لا يفيد معرفة نفس الحقيقة فلم يكن كونه رباً للسموات والأرض وما بينهما جواباً عن قوله: ﴿ وَمَا رَبُّ العالمين ﴾ فأجاب موسى عليه السلام: بأن ﴿ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ الأولين ﴾ وكأنه عدل عن التعريف بخالقية السماء والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقاً لنا ولآبائنا، وذلك لأنه لا يمتنع أن يعتقد أحد أن السموات والأرضين واجبة لذواتها فهي غنية عن الخالق والمؤثر، ولكن لا يمكن أن يعتقد العاقل في نفسه وأبيه وأجداده كونهم واجبين لذواتهم، لم أن المشاهدة دلت على أنهم وجدوا بعد العدم ثم عدموا بعد الوجود، وما كان كذلك استحال أن يكون واجباً لذاته، وما لم يكن واجباً لذاته استحال وجوده إلا لمؤثر، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر فلهذا عدل موسى عليه السلام من الكلام الأول إليه فقال فرعون: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ يعني المقصود من سؤال ما طلب الماهية وخصوصية الحقيقة والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد ألبتة تلك الخصوصية، فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلاً عن أن يجيب عنه، فقال موسى عليه السلام: ﴿ رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني، وذلك لأنه أراد بالمشرق طلوع الشمس وظهور النهار، وأراد بالمغرب غروب الشمس وزوال النهار، والأمر ظاهر في أن هذا التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر وهذا بعينه طريقة إبراهيم عليه السلام مع نمروذ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة وهو الذي ذكره موسى عليه السلام هاهنا بقوله: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ الأولين ﴾ فأجابه نمروذ بقوله: ﴿ أنا أحيي وأميت  ﴾ فقال: ﴿ فَإِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب فَبُهِتَ الذي كَفَرَ  ﴾ وهو الذي ذكره موسى عليه السلام هاهنا بقوله: ﴿ رَّبُّ المشرق والمغرب ﴾ .

وأما قوله: ﴿ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ فكأنه عليه السلام قال إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت لأنك طلبت مني تعريف حقيقته بنفس حقيقته، وقد ثبت أنه لا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته ولا بأجزاء حقيقته، فلم يبق إلا أن أعرف حقيقته بآثار حقيقته، وأنا قد عرفت حقيقته بآثار حقيقته فقد ثبت أن كل من كان عاقلاً يقطع بأنه لا جواب عن هذا السؤال إلا ما ذكرته.

واعلم أنا قد بينا في سورة الأنعام (18) في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ أن حقيقة الإله سبحانه من حيث هي هي غير معقولة للبشر، وإذا كان كذلك استحال من موسى عليه السلام أن يذكر ما تعرف به تلك الحقيقة، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة فكان حاصل كلام موسى عليه السلام أن ادعاء رسالة رب العالمين تتوقف صحته على إثبات أن للعالمين رباً وإلهاً ولا تتوقف على العلم بخصوصية الرب تعالى وماهيته المعينة، فكأن موسى عليه السلام يقيم الدلالة على إثبات القدر المحتاج إليه في صحة دعوى الرسالة، وفرعون يطالبه ببيان الماهية، وموسى عليه السلام كان يعرض عن سؤاله لعلمه بأنه لا تعلق لذلك السؤال نفياً ولا إثباتاً في هذا المطلوب، فهذا تمام القول في هذا البحث والله أعلم، ثم إن موسى عليه السلام لما خشن في آخر الكلام بقوله: ﴿ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ فعند ذلك قال فرعون: ﴿ لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِى لاجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين ﴾ فإنه لما عجز عن الحجاج عدل إلى التخويف، فعند ذلك ذكر موسى عليه السلام كلاماً مجملاً ليعلق قلبه به فيعدل عن وعيده فقال: ﴿ أَوْ لَوْ جِئْتُكَ بِشَئ مُّبِينٍ ﴾ ؟

أي هل تستجيز أن تسجنني مع اقتداري على أن آتيك بأمر بين في باب الدلالة على وجود الله تعالى وعلى أني رسوله؟

فعند ذلك قال: ﴿ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ﴾ وهاهنا فروع: الفرع الأول: الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم لأنه لو كان جسماً وله صورة لكان جواب موسى عليه السلام بذكر حقيقته ولكان كلام فرعون لازماً له لعدوله عن الجواب الحق الثاني: الواجب على من يدعو غيره إلى الله تعالى أن لا يجيب عن السفاهة لأن موسى عليه السلام لما قال له فرعون إنه مجنون لم يعدل عن ذكر الدلالة وكذلك لما توعده أن يسجنه الثالث: أنه يجوز للمسؤول أن يعدل في حجته من مثال إلى مثال لإيضاح الكلام ولا يدل ذلك على الانقطاع الرابع: إن قيل: كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول وهو قوله: ﴿ أَوْ لَوْ جِئْتُكَ بِشَئ مُّبِينٍ ﴾ والمعجز لا يدل على الله تعالى كدلالة سائر ما تقدم؟

قلنا بل يدل ما أراد أن يظهره من انقلاب العصا حية على الله تعالى وعلى توحيده، وعلى أنه صادق في الرسالة فالذي ختم به كلامه أقوى من كل ما تقدم وأجمع الخامس: فإن قيل كيف قال: ﴿ رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ على التثنية والمرجوع إليه مجموع؟

جوابه أريد ما بين الجهتين، فإن قيل: ذكر السموات والأرض وما بينهما قد استوعب الخلائق كلهم، فما معنى ذكرهم وذكر آبائهم بعد ذلك وذكر المشرق والمغرب؟

جوابه: قد عمم أولاً ثم خصص من العام للبيان أنفسهم وآباءهم لأن أقرب الأشياء من العاقل نفسه ومن ولد منه وما شاهد من انتقاله من وقت ميلاده إلى وقت وفاته من حالة إلى حالة أخرى، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها على تقدير مستقيم في فصول السنة من أظهر الدلائل السادس: فإن قيل لم قال: ﴿ لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين ﴾ ولم يقل لأسجننك مع أنه أخصر؟

جوابه: لأنه لو قال لأسجننك لا يفيد إلا صيرورته مسجوناً.

أما قوله: ﴿ لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين ﴾ فمعناه أني أجعلك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يريد أن يسجنه فيطرحه في بئر عميقة فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع فكان ذلك أشد من القتل السابع: الواو في قوله: ﴿ أَوْ لَوْ جِئْتُكَ ﴾ واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام معناه أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين أي جائياً بالمعجزة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: ومن كان حوله؟

قلت: أشراف قومه قيل: كانوا خمسمائة رجل عليهم الأساور وكانت للملوك خاصة.

فإن قلت: ذكر السموات والأرض وما بينهما قد استوعب به الخلائق كلها، فما معنى ذكرهم وذكر آبائهم بعد ذلك وذكر المشرق والمغرب؟

قلت: قد عمم أوّلاً، ثم خصص من العام للبيان أنفسهم وآباءهم.

لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه، وما شاهد وعاين من الدلائل على الصانع، والناقل من هيئة إلى هيئة وحال إلى حال من وقت ميلاده إلى وقت وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب، لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الآخر على تقدير مستقيم في فصول السنة وحساب مستو من أظهر ما استدل به؛ ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الله، عن الاحتجاج بالإحياء والإماتة على نمروذ بن كنعان، فبهت الذي كفر.

وقرئ: ﴿ رب المشارق والمغارب ﴾ .

الذي أرسل إليكم بفتح الهمزة.

فإن قلت: كيف قال أوّلاً: ﴿ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ وآخراً ﴿ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ؟

قلت: لاين أوّلاً، فلما رأى منهم شدّة الشكيمة في العناد وقلة الإصغاء إلى عرض الحجج خاشن وعارض: إنّ رسولكم لمجنون، بقوله: ﴿ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ ﴾ عُدُولًا إلى ما لا يُمْكِنُ أنْ يَتَوَهَّمَ فِيهِ مِثْلُهُ ويَشُكَّ في افْتِقارِهِ إلى مُصَوِّرٍ حَكِيمٍ ويَكُونُ أقْرَبَ إلى النّاظِرِ وأوْضَحَ عِنْدَ التَّأمُّلِ.

﴿ قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ ﴾ أسْألُهُ عَنْ شَيْءٍ ويُجِيبُنِي عَنْ آخَرَ، وسَمّاهُ رَسُولًا عَلى السُّخْرِيَةِ.

﴿ قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما ﴾ تُشاهِدُونَ كُلَّ يَوْمٍ أنَّهُ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ ويُحَرِّكُها عَلى مَدارٍ غَيْرِ مَدارِ اليَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ حَتّى يُبَلِّغَها إلى المَغْرِبِ عَلى وجْهٍ نافِعٍ تَنْتَظِمُ بِهِ أُمُورُ الكائِناتِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ إنْ كانَ لَكم عَقْلٌ عَلِمْتُمْ أنْ لا جَوابَ لَكم فَوْقَ ذَلِكَ لايَنَهم أوَّلًا، ثُمَّ لَمّا رَأى شِدَّةَ شَكِيمَتِهِمْ خاشَنَهم وعارَضَهم بِمِثْلِ مَقالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} فتستدلون بما أقول فتعرفون ربكم وهذا غاية الإرشاد حيث عمم أولاً بخلق السموات والأرض وما بينهما ثم خصص من العام البيان أنفسهم وآباءهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه وما شاهد من أحواله من وقت ميلاده إلى وقت وفاته ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الآخر على تقدير مستقيم في فصول السنة وحساب مستومن أظهر ما استدل به ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الرحمن عن الاحتجاج بالأحياء والاماتة على نمرودين كنعان وقيل سأله فرعون عن الماهية جاهلاً عن حقيقة سؤاله فلما أجاب موسى بحقيقة الجواب وقع عنده أن موسى حاد عن الجواب حيث سأله عن الماهية وهو يجيب عن ربوبيته

وآثار صنعه فقال معجباً لهم من جواب موسى ألا تستمعون فعاد موسى إلى مثل قوله الأول فجننه فرعون زاعماً أنه حائد عن الجواب فعاد ثالثاً إلى مثل كلامه الأول مبيناً أن الفرد الحقيقي إنما يعرف بالصفات وأن السؤال عن الماهية محال وإليه الإشارة في قوله تعالى إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ أي إن كان لكم عقل علمكم أنه لا تمكن معرفته إلا بهذا الطريق فلما تحير فرعون ولم يتهيأ له أن يدفع ظهور آثار صنعه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَفْسِيرًا لِجَوابِهِ الأوَّلِ وإزالَةً لِخَفائِهِ؛ لِيُعْلِمَ أنَّ العُدُولَ لَيْسَ إلّا لِظُهُورِ ما عُدِلَ إلَيْهِ ووُضُوحِهِ وقُرْبِهِ إلى النّاظِرِ لا لِما رُمِيَ بِهِ - وحاشاهُ - مَعَ الإشارَةِ إلى تَعَذُّرِ بَيانِ الحَقِيقَةِ - أيْضًا - بِالإصْرارِ عَلى الجَوابِ بِالصِّفاتِ: ﴿ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الجَوابِ الأوَّلِ تَصْرِيحٌ بِاسْتِنادِ حَرَكاتِ السَّماواتِ وما فِيها، وتَغَيُّراتِ أحْوالِها وأوْضاعِها وكَوْنِ الأرْضِ تارَةً مُظْلِمَةً وأُخْرى مُنَوِّرَةً إلى اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا إرْشادٌ إلى ذَلِكَ، فَإنَّ ذِكْرَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ مُنْبِئٌ عَنْ شُرُوقِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها المَنُوطَيْنِ بِحَرَكاتِ السَّماواتِ وما فِيها عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ هَذِهِ الأوْضاعُ الرَّصِينَةُ، وكُلُّ ذَلِكَ أُمُورٌ حادِثَةٌ لا شَكَّ في افْتِقارِها إلى مُحْدِثٍ قادِرٍ عَلِيمٍ حَكِيمٍ، وارْتَكَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الخُشُونَةَ كَما ارْتَكَبَ مَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العَقْلِ عَلِمْتُمْ أنَّ الأمْرَ كَما قُلْتُهُ وأشَرْتُ إلَيْهِ، فَإنَّ فِيهِ تَلْوِيحًا إلى أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِن دائِرَةِ العَقْلِ، وأنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِما رَمَوْهُ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الجُنُونِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ والأعْمَشُ «رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ» عَلى الجَمْعِ فِيهِما، ولَمّا سَمِعَ اللَّعِينُ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تِلْكَ المَقالاتِ المُبَيَّنَةَ عَلى أساسِ الحِكَمِ البالِغَةِ، وشاهَدَ شِدَّةَ حَزْمِهِ وقُوَّةِ عَزْمِهِ عَلى تَمْشِيَةِ أمْرِهِ، وأنَّهُ مِمَّنْ لا يُجارى في حَلْبَةِ المُحاوَرَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قالَ فِرْعَوْنُ لموسى وَما رَبُّ الْعالَمِينَ منكراً له، وهذا جواب لقوله: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ فجاء بجواب قطع حجته قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بتوحيد الله تعالى.

فعجز فرعون عن الجواب قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ إلى قول موسى  قَالُواْ له: فما تقول يا موسى؟

فجاء بحجة أُخرى ليؤكد عليهم قالَ رَبُّكُمْ يعني: أدعوكم إلى ربكم وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ يعني: إلى توحيد خالقكم وخالق آبائكم الأولين.

قالَ فرعون لجلسائه: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قالَ موسى  ليس بمجنون مثلي أدعوكم إلى رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ يعني: إن كان لكم ذهن الإنسانية.

فلما عجز عن الجواب، مال إلى العقوبة كما يفعل السلاطين قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي يعني: لئن عبدت رباً غيري.

لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ يعني: لأحبسنك في السجن.

قال ابن عباس: «وكان سجنه أشد من القتل» قالَ موسى أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ يعني: ولو جئتك بحجة بينة يستبين لكم أمري قالَ فرعون فَأْتِ بِهِ يعني: فَأَرِنَاهُ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ بأنك رسول فَأَلْقى عَصاهُ من يده فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ يعني: حية صفراء من أعظم الحيات وَنَزَعَ يَدَهُ يعني: أخرج يده فقال لهم: ما هذه؟

فقالوا: يدك، فأدخلها في جيبه وأخرجها فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ يعني: لها شعاع غلب شعاع الشمس، وانتشر الضوء حوالي مصر للناظرين، لمن نظر إليها من غير برص، فعجبوا من ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ درجة ثانية لِلنُّبُوَّةِ، فربّ نبيّ ليس برسول.

وقوله: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ الآية: قال قتادة: هذا من موسى على جهة الإنكار على فرعون «١» كأنه يقول: أو يَصِحُّ لك أن تَعُدَّ عليّ نعمةَ ترك قتلي من أجل أنَّك ظلمت بني إسرائيل وقتلتهم؟!

أي: ليست بنعمة لأَنَّ الواجب كان أَلاَّ تقتلَني ولا تقتلهم «٢» ، ولا تستعبدهم، وقرأ الضَّحَّاك «٣» : «وتِلْكَ نِعْمَةٌ مَا لَكَ أَنْ تَمُنَّهَا عَلَيَّ» وهذه قراءة تؤيِّد هذا التأويل، وقال الطبريُّ «٤» والسُّدِّيُّ: هذا الكلام من موسى عليه السلام علي جهة الإقرار بالنعمة كأنه يقول: نعم «٥» ، وتربيتك نعمة عليَّ من حيث عَبَّدْتَ غيري وتركتني، ولكن ذلك لا يدفع رسالتي، ولمَّا لم يجد فرعونُ حُجَّةً رجع إلى معارضة موسى في قوله: وَما ٤٧ ب رَبُّ الْعالَمِينَ واستفهمه استفهاماً فقال موسى/ هو رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

الآية، فقال فرعون «٦» عند ذلك: أَلا تَسْتَمِعُونَ: على معنى الإغراء والتعجب من شنعة المقالة [إذ] «٧» كانت عقيدة القوم أَنَّ فرعون رَبُّهم ومعبودهم والفراعنة قبله كذلك، فزاده موسى في البيان بقوله: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ فقال فرعون حينئذٍ على جهة الاستخفاف: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ فزاده موسى في بيان الصفات التي تُظْهِرُ نقصَ فرعونَ، وتبين أَنَّهُ في غاية البعد عن القدرة عليها، وهي رُبُوبِيَّةِ المشرق والمغرب، ولم يكن لفرعونَ إلاَّ مِلْكُ مصرَ، ولما انقطع فرعون في باب الحجة، رجع إلى الاستعلاء والتغلب فقال لموسى: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ وفي

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ ﴾ سَألَهُ عَنْ ماهِيَّةِ مَن لا ماهِيَّةَ لَهُ، فَأجابَهُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن مَصْنُوعاتِهِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ.

والثّانِي: إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أنَّ ما تُعايِنُونَهُ كَما تُعايِنُونَهُ، فَكَذَلِكَ، فَأيْقَنُوا أنَّ رَبَّ العالَمِينَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.

﴿ قالَ ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنُ ﴿ لِمَن حَوْلَهُ ﴾ مِن أشْرافِ قَوْمِهِ ﴿ ألا تَسْتَمِعُونَ ﴾ مُعَجِّبًا لَهم.

فَإنْ قِيلَ: فَأيْنَ جَوابُهُمْ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ أرادَ ألا تَسْتَمِعُونَ قَوْلَ مُوسى؟

فَرَدَّ مُوسى، لِأنَّهُ المُرادُ بِالجَوابِ، ثُمَّ زادَ في البَيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ ﴾ ، فَأعْرَضَ فِرْعَوْنُ عَنْ جَوابِهِ ونَسَبُهُ إلى الجُنُونِ، فَلَمْ يَحْفِلْ مُوسى بِقَوْلِ فِرْعَوْنَ، واشْتَغَلَ بِتَأْكِيدِ الحُجَّةِ، فَـ ﴿ قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ ذَوِي عُقُولٍ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْكم ما أقُولُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضالِّينَ ﴾ ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ قالَ رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴾ ﴿ قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ ﴾ ﴿ قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ ﴾ ﴿ قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ القائِلُ هُنا هو مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَعَلْتُها ﴾ لِقَتْلِهِ القِبْطِيِّ، وقَوْلُهُ: "إذًا" صِلَةٌ في الكَلامِ، وكَأنَّها بِمَعْنى: حِينَئِذٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنا مِنَ الضالِّينَ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: مِنَ الجاهِلِينَ بِأنَّ وكْزَتِي إيّاهُ تَأْتِي عَلى نَفْسِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مِنَ الناسِينَ لِذَلِكَ، ونَزَعَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما  ﴾ ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "وَأنا مِنَ الجاهِلِينَ"، ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى جِهَةِ التَفْسِيرِ.

وقَوْلُهُ: "حُكْمًا" يُرِيدُ النُبُوَّةَ وحِكْمَتُها، وقَرَأ عِيسى: "حُكُمًا" بِضَمِّ الحاءِ والكافِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ دَرَجَةٌ ثانِيَةٌ لِلنُّبُوَّةِ، فَرُبَّ نَبِيٍّ لَيْسَ بِرَسُولٍ.

ثُمْ حاجَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ في مَنِّهِ عَلَيْهِ بِالتَرْبِيَةِ وتَرْكِ القَتْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ هَذا الكَلامِ، فَقالَ قَتادَةُ: هَذا مِنهُ عَلى جِهَةِ الإنْكارِ عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ نِعْمَةً، كَأنَّهُ قالَ: أوَ يَصِحُّ لَكَ أنْ تَعُدَّ عَلىَّ نِعْمَةَ تَرْكِ قَتْلِي مِن أجْلِ أنَّكِ ظَلَمْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهُمْ؟

أيْ: لَيْسَتْ نِعْمَةً؛ لِأنَّ الواجِبَ كانَ ألّا تَقْتُلَنِي وألّا تَقْتُلَهُمْ، وألّا تَسْتَعْبِدَنِي ولا تَسْتَعْبِدَهم بِالقَتْلِ ولا بِالخِدْمَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ الضَحّاكُ: "وَتِلْكَ نِعْمَةٌ ما لَكَ أنْ تَمُنَّها"، وهَذِهِ قِراءَةٌ تُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ، وقالَ الأخْفَشُ: قِيلَ: الواوُ، ألِفُ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ، والمَعْنى: أوَ تِلْكَ؟

وهَذا لا يَجُوزُ إلّا إذا عادَلَتْها "أمْ" كَما قالَ: ................

تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أمْ تَبْتَكِرْ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا القَوْلِ تَكَلُّفٌ، وقَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَقْرِيرٌ بِغَيْرِ ألِفٍ، وهو صَحِيحٌ كَما قالَ قَتادَةُ، واللهُ المُعِينُ.

وَقالَ السُدِّيُ، والطَبَرِيُّ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنَعْمَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: "نَعَمْ، وتَرْبِيَتُكَ نِعْمَةٌ عَلَيَّ مِن حَيْثُ عَبَّدْتَ غَيْرِي وتَرَكْتَنِي، ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يَدْفَعُ رِسالَتِي".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولِكُلِّ وجْهٍ ناحِيَةٌ مِنَ الِاحْتِجاجِ، فالأوَّلُ ماضٍ في طَرِيقِ المُخالَفَةِ لِفِرْعَوْنَ ونَقْضِ كَلامِهِ، والثانِي مُبْدٍ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ مُنْتَصِفٌ مِن نَفْسِهِ مُعْتَرِفٌ بِالحَقِّ، ومَتى حَصَلَ أحَدُ المُتَجادِلَيْنِ في هَذِهِ الرُتْبَةِ، وكانَ حَجِيجُهُ في ضِدِّها غَلَبَ المُتَّصِفُ بِذَلِكَ، وكانَ قَوْلُهُ أوقَعَ في النُفُوسِ.

ولَمّا لَمْ يَجِدْ فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللهُ- هَذا الطَرِيقَ مِن تَقْرِيرِهِ عَلى التَنْزِيهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، رَجَعَ إلى مُعارَضَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَما رَبُّ العالَمِينَ ﴾ فاسْتَفْهَمَهُ اسْتِفْهامًا عن مَجْهُولٍ مِنَ الأشْياءِ، قالَ مَكِّيٌّ: كَما يَسْتَفْهِمُ عَنِ الأجْناسِ، فَلِذَلِكَ اسْتَفْهَمَ بِـ "ما"، وقَدْ ورَدَ لَهُ اسْتِفْهامٌ بِـ "مَن" في مَوْضِعٍ آخَرَ، ويُشْبِهُ أنَّها مَواطِنُ، فَأجابَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِالصِفاتِ الَّتِي يَتَبَيَّنُ السامِعُ مِنها أنَّهُ لا مُشارَكَةَ لِفِرْعَوْنَ فِيها، وأنَّها رُبُوبِيَّةُ السَماواتِ والأرْضِ، وهَذِهِ المُجادَلَةُ مِن فِرْعَوْنَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ دَعاهُ إلى التَوْحِيدِ، فَقاَل فِرْعَوْنُ عِنْدَ ذَلِكَ: "ألا تَسْتَمِعُونَ" عَلى مَعْنى الإغْراءِ أوِ التَعَجُّبِ مِن شُنْعَةِ المَقالَةِ؛ إذْ كانَتْ عَقِيدَةُ القَوْمِ أنَّ فِرْعَوْنَ رَبُّهُمُ ومَعْبُودُهُمْ، والفَراعِنَةُ قَبْلَهُ كَذَلِكَ، وهَذِهِ ضَلالَةٌ مِنها في مِصْرَ ودِيارِها إلى اليَوْمِ بَقِيَّةٌ، فَزادَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في البَيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ ﴾ ، فَقالَ فِرْعَوْنُ حِينَئِذٍ -عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ-: ﴿ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ ﴾ .

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أرْسَلَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، فَزادَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في بَيانِ الصِفاتِ الَّتِي تُظْهِرُ نَقْصَ فِرْعَوْنَ، وتُبَيِّنُ أنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ القُدْرَةِ عَلَيْها، وهي رُبُوبَيَّةُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ولَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ إلّا مُلْكُ مِصْرَ مِنَ البَحْرِ إلى أسْوانَ وأرْضِ الإسْكَنْدَرِيَّةَ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأصْحابِهِ: "رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ وما بَيْنَهُما".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما رأى موسى سوء فهمهم وعدم اقتناعهم بالاستدلال على الوحدانية بالتكوين المعتاد إذ التبس عليهم الأمر المعتاد بالأمر الذي لا صانع له انتقل موسى إلى ما لا قبل لهم بجحده ولا التباسِه وهو التصرف العجيب المشاهد كل يوم مرتين، كما انتقل إبراهيم عليه السلام من الاستدلال على وجود الله بالإحياء والإماتة لما تَمَوَّه على النمرود حقيقة معنى الإحياء والإماتة فانتقل إبراهيم إلى الاستدلال بطلوع الشمس فيما حكى الله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربّه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربّي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتتِ بها من المغرب ﴾ [البقرة: 258] فكانت حجة موسى حجة خليلية.

والمشرق والمغرب يجوز أن يراد بهما مكان شروق الشمس ومكان غروبها في الأفق، فيكون تحريكاً للاستدلال بما يقع في ذلك المكان من الأُفق من شروق الشمس وغروبها، فيكون المراد بربّ المشرق والمغرب خالقَ ذلك النظام اليومي على طريقة الإيجاز.

ويجوز أن يراد بالمشرق والمغرب المصدر الميمي، أي ربّ الشروق والغروب، فيكون المراد بالربّ الخالق، أي مكوِّن الشروق والغروب ويكون المراد بما بينهما على هاذين الوجهين ما بين الحالين وضمير (بينهما) للمشرق والمغرب فكأنه قيل وما بين المشرق والمغرب وما بين المغرب والمشرق، أي ما يقع في خلال ذلك من الأحوال، فأما ما بين الشروق والغروب فالضحى والزوال والعصر والاصفرار، وأما ما بين الغروب والشروق فالشفق والفجر والإسفار كلها دلائل على تكوين ذلك النظام العجيب المتقن.

وقيل المراد برب المشرق والمغرب مالك الجهتين.

وهذا التفسير يفيت مناسبة الكلام لمقام الاستدلال بعظيم ولا يلاقي التذييل الواقع بعده في قوله: ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ .

وتانك الجهتان هما منتهى الأرض المعروفة للناس يومئذ فكأنه قيل: ربّ طرَفي الأرض، وهو كناية عن كون جميع الأرض ملكاً لله.

وهذا استدلال عرفي إذ لم يكونوا يعرفون يومئذ مَلِكاً يملك ما بين المشرق والمغرب، وما كان مُلك فرعون المؤلّه عندهم إلا لبلاد مصر والسودان.

والتذييل بجملة: ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ تنبيه لنظرهم العقلي ليعاودوا النظر فيدركوا وجه الاستدلال، أي إن كنتم تُعملون عقولكم، ومن اللطائف جعل ذلك مقابل قول فرعون: إن رسولكم لمجنون، لأن الجنون يقابله العقل فكان موسى يقول لهم قولاً ليناً ابتداء، فلما رأى منهم المكابرة ووصفوه بالجنون خاشنهم في القول وعارض قول فرعون ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ [الشعراء: 27] فقال: ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ أي إن كنتم أنتم العقلاء، أي فلا تكونوا أنتم المجانين، وهذا كقول أبي تمام للذَيْن قالا له: «لِم تقول ما لا يُفهم» قال: «لم لا تفهمان ما يقال».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَألْقى عَصاهُ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتْ مِن عَوْسَجٍ، قالَ الحَكِيمُ: ولَمْ يُسَخَّرِ العَوْسَجُ لِأحَدٍ بَعْدَهُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: كانَتْ مِن آسِ الجَنَّةِ عَشَرَةُ أذْرُعٍ عَلى طُولِ مُوسى.

﴿ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الحَيَّةُ الذَّكَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ اعْتَمَّ الحَيّاتِ الصُّفْرَ شَعْراءَ العُنُقِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

﴿ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُبِينٌ أنَّهُ ثُعْبانٌ.

الثّانِي: مُبِينٌ أنَّها آيَةٌ وبُرْهانٌ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ هَمَّ بِمُوسى، فَلَمّا صارَتِ العَصا ثُعْبانًا فاغِرًا فاهُ خافَهُ ولاذَ بِمُوسى مُسْتَجِيرًا ووَلّى قَوْمُهُ هَرَبًا حَتّى وطِئَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وكانَ اجْتِماعُهم بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ، قالَ الزَّجّاجُ: رُوِيَ أنَّ السَّحَرَةَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ أيْ تُشِيرُونَ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ التّابِعُ المَتْبُوعَ، فَجَعَلَ المَشُورَةَ أمْرًا لِأنَّها عَلى لَفْظِهِ.

وَيَحْتَمِلُ اسْتِشارَتُهُ لَهم وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ أنْ يَسْتَعْطِفَهم لِضَعْفِ نَفْسِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ أذْهَلَهُ ما شاهَدَ فَحارَ عَقْلُهُ فَلَجَأ إلى رَأْيِهِمْ وهو يَقُولُ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، وقَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ تَناقُضُ الأمْرَيْنِ خِذْلانًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ وإذ نادى ربك موسى ﴾ قال: حين نودي من جانب الطور الأيمن.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولهم عليّ ذنب ﴾ قال: قتل النفس التي قتل فيهم وفي قوله: ﴿ وفعلت فعلتك التي فعلت ﴾ قال: قتل النفس أيضاً.

وفي قوله: ﴿ فعلتها إذاً وأنا من الضالين ﴾ قال: من الجاهلين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولهم عليّ ذنب ﴾ قال: قتل النفس.

وفي قوله: ﴿ ألم نربّك فينا وليداً ﴾ قال: التقطه آل فرعون فربوه وليداً حتى كان رجلاً ﴿ وفعلت فعلتك التي فعلت ﴾ قال: قتلت النفس التي قتلت ﴿ وأنت من الكافرين ﴾ قال: فتبرأ من ذلك نبي الله قال: ﴿ فعلتها إذاً وأنا من الضالين ﴾ قال: من الجاهلين.

قال: وهي في بعض القراءة ﴿ إذن وأنا من الجاهلين ﴾ فإنما هو شيء جهله ولم يتعمده.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ﴾ قال: من فرعون على موسى حين رباه.

يقول: كفرت نعمتي.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وتلك نعمة تمنها عليَّ أن عبدت بني إسرائيل ﴾ قال: قهرتهم واستعملتهم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ﴾ قال: للنعمة.

إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر؟

وفي قوله: ﴿ قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين ﴾ قال: من الجاهلين.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن جريج قال في قراءة ابن مسعود ﴿ فعلتها إذن وأنا من الجاهلين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فوهب لي حكماً ﴾ قال: النبوة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وتلك نعمة تمنها عليَّ ﴾ قال: يقول موسى لفرعون: أتمن عليَّ يا فرعون بأن اتخذت بني إسرائيل عبيداً وكانوا أحراراً فقهرتهم واتخذتهم عبيداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قال فرعون وما رب العالمين ﴾ إلى قوله: ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ قال: فلم يزده إلا رغماً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ﴾ يقول: مبين له خلق حية ﴿ ونزع يده ﴾ يقول: وأخرج موسى يده من جيبه ﴿ فإذا هي بيضاء ﴾ تلمع ﴿ للناظرين ﴾ ينظر إليها ويراها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: أقبل موسى بأهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلاً، فتضيف على أمه وهو لا يعرفهم في ليلة كانوا يأكلون منها الطقشيل، فنزل في جانب الدار، فجاء هارون، فلما أبصر ضيفه سأل عنه أمه، فأخبرته أنه ضيف فدعاه فأكل معه، فلما قعدا فتحدثا فسأله هارون من أنت؟

قال: أنا موسى.

فقام كل واحد منهما إلى صاحبه فاعتنقه، فلما أن تعارفا قال له موسى: يا هارون انطلق بي إلى فرعون فإن الله قد أرسلنا إليه.

قال هارون: سمعاً وطاعة فقامت أمهما فصاحت وقالت: أنشدكما بالله أن لا تذهبا الى فرعون فيقتلكما، فأبيا فانطلقا إليه ليلاً، فأتيا الباب، فضرباه، ففزع فرعون وفزع البواب فقال فرعون: من هذا الذي يضرب ببابي هذه الساعة؟

فأشرف عليهما البواب فكلمهما فقال له موسى: ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ ففزع البواب، فأتى فرعون فأخبره فقال: إن هاهنا إنساناً مجنوناً يزعم أنه رسول رب العالمين فقال: أدخله، فدخل فقال: إنه رسول رب العالمين.

﴿ قال فرعون: وما رب العالمين ﴾ قال: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ [ طه: 50] قال: ﴿ إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين.

فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ﴾ [ الأعراف: 106] والثعبان الذكر من الحيات فاتحة فمها لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سورة القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها ووثب فأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك وصاح: يا موسى خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل.

فأخذها موسى فصارت عصا فقالت السحرة في نجواهم ﴿ إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهم ﴾ [ طه: 63] فالتقى موسى وأمير السحرة فقال له موسى: أرأيت أن غلبتك غداً أتؤمن بي، وتشهد أن ما جئت به حق؟

قال الساحر: لآتين غداً بسحر لا يغلبه شيء، فوالله لئن غلبتني لأؤمنن بك، ولأشهدن أنك حق؛ وفرعون ينظر إليهما.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقيل للناس هل أنتم مجتمعون ﴾ قال: كانوا بالاسكندرية قال: ويقال بلغ ذنب الحية من وراء البحيرة يومئذ قال: وهزموا وسلم فرعون وهمت به فقال: خذها يا موسى.

وكان مما بلي الناس به منه أنه كان لا يضع على الأرض شيئاً، فاحدث يومئذ تحته، وكان ارساله الحية في القبة الخضراء.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ﴾ قال: فوجدوا الله أعز منه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن بشر بن منصور قال: بلغني أنه لما تكلم ببعض هذا ﴿ وقالوا بعزة فرعون ﴾ قالت الملائكة: قصمه ورب الكعبة فقال الله «تالون عليَّ قد أمهلته أربعين عاماً» .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ لا ضير ﴾ قال: يقولون لا يضرنا الذي تقول، وإن صنعت بنا وصلبتنا ﴿ إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ يقول: انا إلى ربنا راجعون.

وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتك ايانا، وثباتنا على توحيده، والبراءة من الكفر به، وفي قوله: ﴿ أن كنا أول المؤمنين ﴾ قال: كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رآها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ قال مقاتل: إن كنتم تعقلون توحيد الله (١) وقال أهل المعاني: إن كنتم ذوي عقول لم يَخف عليكم ما أقول (٢) ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴾ \[الشعراء24\].

قال أبو إسحاق: فلم يجبه في هذه الأشياء بنقيضٍ لحجته (٣) (١) "تفسير مقاتل" 49 أ.

(٢) "الوسيط" 3/ 352.

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 88.

وهو في "الوسيط" 3/ 352، غير منسوب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الكافرين ﴾ قصد فرعون بهذا الكلام توبيخ موسى عليه السلام، ويعني بالفعلة: قتله للقبطي، والواو في قوله: ﴿ وَأَنتَ ﴾ إن كانت للحال فقوله من الكافرين، معناه كافراً بهذا الدين الذي جئت به لأن موسى إنما أظهر لهم الإسلام بعد الرسالة، وقد كان قبل ذلك مؤمناً، ولم يعلم بذلك فرعون، وقيل: معناه من الكافرين بنعمتي، وإن كانت الواو للاستئناف: فيحتمل أن يريد من الكافرين بديني، ومن الكفارين بنعمتي ﴿ قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين ﴾ القائل هنا هو موسى عليه السلام، والضمير في قوله: فعلتها لقتله القبطي، واختلف في معنى قوله: ﴿ مِنَ الضالين ﴾ ، فقيل: معناه من الجاهلين بأن وكزتي تقتله، وقيل؛ معناه من الناسين، فهو كقوله: ﴿ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا ﴾ [البقرة: 282] وقوله: ﴿ إِذاً ﴾ صلة في الكلام، وكأنها بمعنى حنيئذ، قال ذلك ابن عطية ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ ﴾ أي من فرعون وقومه، ولذلك جمع ضمير الخطاب بعد أن أفرده في قوله: ﴿ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ ﴾ ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ معنى ﴿ عَبَّدتَّ ﴾ : ذللت واتخذتهم عبيداً فمعنى هذا الكلام أنك عددت نعمة عليّ تعبيد بني إسرائيل، وليست في الحقيقة بنعمة إنما كانت نقمة، لأنك كنت تذبح أبناءهم، ولذلك وصلت أنا إليك فربيتني، فالإشارة بقوله: ﴿ وَتِلْكَ ﴾ إلى التربية، و ﴿ أَنْ عَبَّدتَّ ﴾ في موضع رفع عطف بيان على تلك، أو في موضع نصب على أنه مفعول من أجله، وقيل: معنى الكلام تربيتك نعمة علي لأنك عبدت بني إسرائيل وتركتني فهي في المعنى الأول إنكار لنعمته وفي الثاني اعتراف بها ﴿ قَالَ لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين ﴾ لما أظهر فرعون الجهل بالله فقال: وما رب العالمين؟

أجابه موسى بقوله: ﴿ رَبُّ السماوات والأرض ﴾ ، فقال: ﴿ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ ﴾ ؟

تعجباً من جوابه فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين ﴾ لأن وجود الإنسان وآبائه أظهر الأدلة عند العقلاء وأعظم البراهين، فإن أنفسهم أقرب الأشياء إليهم فيستدلون بها على وجود خالقهم، فلما ظهرت هذه الحجة حاد فرعون عنها ونسب موسى إلى الجنون مغالطة منه، وأيد الازدراء والتهكم في قوله: ﴿ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ ﴾ فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله: ﴿ رَبُّ المشرق والمغرب ﴾ ، لأن طلوع الشمس وغروبها آية ظاهرة لا يمكن أحداً جحدها، ولا أن يدعيها لغير الله، ولذلك أقام إبراهيم الخليل بها الحجة على نمرود، فلما انقطع فرعون بالحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب فهدّده بالسجن، فأقام موسى عليه الحجة بالمعجزة، وذكرها له بتلطف طمعاً في إيمانه، فقال: ﴿ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ ﴾ والواو واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام وتقديره: أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين؟

وقد تقدم في الأعراف ذكر العصا واليد، وماذا تأمرون؟

وأرجه، وحاشرين فإن قيل: كيف قال أولاً: ﴿ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ ، ثم قال آخراً ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ؟

فالجواب أنه لايَنَ أولاً طمعاً في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة: وبخهم بقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ...

لَمَجْنُونٌ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ طسم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد.

وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وقرأ حمزة ويزيد مظهرة النون عند الميم ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ ويضيق ولا ينطلق ﴾ بالنصب فيهما: يعقوب.

﴿ أرجه ﴾ مثل ما في "الأعراف" ﴿ أين لنا ﴾ بالمد وبالياء.

يزيد وأبو عمرو وزيد وقالون.

وقرأ ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد بهمزة ثم ياء، وعن قنبل ﴿ إن لنا ﴾ على الخبر.

الباقون بهمزتين.

هشام يدخل بينهما مدة.

﴿ آمنتم ﴾ بالمد: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ آمنتم ﴾ على الخير: حفص غير الخزاز.

الأخرون ﴿ أأمنتم ﴾ بهمزتين.

﴿ بعبادي إنكم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر ﴿ حاذرون ﴾ بالألف: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

الباقون بغير الألف ﴿ فاتبعوهم ﴾ بالتشديد: زيد عن يعقوب.

الباقون بقطع الهمزة وسكون التاء ﴿ تراءى الجمعان ﴾ بكسر الراء والهمزة في الوصل: حمزة ونصير وهبيرة في طريق الخزاز.

واختلفوا في الوقف؛ فعن الكسائي بكسر الراء والهمزة على وزن "تريعى" وفي رواية أخرى عنه "ترائى" اي ترائى، والمشهور عنه "ترأ" بكسر الراء وفتح الهمزة، وأما حمزة فإنه يقف "ترى" بترك الهمزة وكسر الراء ويمد ويشير إلى موضع الهمزة وهو المصدر.

وأما هبيرة فإنه يقف "تريا" بكسر الراء ويشير إلى فتح الهمزة.

الباقون يقفون "تراءى" على وزن "تراعى" ﴿ معي ربي ﴾ بفتح الياء: حفص.

الوقوف: ﴿ طسم ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ خاضعين ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للابدال أو البيان تسجيلاً عليهم بالظلم ﴿ فرعون ﴾ ط للعدول عن الأمر إلى الاستفهام ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يكذبون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ ويضيق ﴾ بالرفع على الاستئناف ﴿ هرون ﴾ ط ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ قال كلا ﴾ لا للعطف معنى لا لفظاً ﴿ مستمعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ بني إسرائيل ﴾ ط ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط لأن جواب الشرط محذوف اي إن كنتم موقنين فلا تكذبوني ﴿ موقنين ﴾ ه ﴿ تستمعون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المسجونين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ للناظرين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ بسحره ﴾ ق قد قيل: بناء على أن ما بعده قول الملأ لفرعون والجمع للتعظيم، والأصح أنه من تتمة قول فرعون.

﴿ تأمرون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه لا لأن ما يتلوه جواب.

﴿ عليم ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه لا للعطف ﴿ مجتمعون ﴾ لا لاتصال المعنى ﴿ الغالبين ﴾ ه ﴿ لمن المقربين ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ ما يأفكون ﴾ ه للآية وللدلالة على إسراعهم في السجود ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وهرون ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ه للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ السحر ﴾ ط للفاء ولام الابتداء ﴿ فلسوف تعلمون ﴾ ه لتقدير القسم ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ لا ضير ﴾ ط توقية لحق "إن" وإلا فالأصل هو الوصل لأن ما بعده هو القول في الحقيقة كما في "الأعراف" ﴿ منقلبون ﴾ ه ج للآية مع اتحاد المقول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ متبعون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه للآية مع أن التقدير بأن هؤلاء ﴿ قليلون ﴾ ه ﴿ لغائظون ﴾ ه ﴿ حاذرون ﴾ ه ط لابتداء الخبر من الله ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ كذلك ﴾ ط أي كما وعدنا بني إسرائيل إيراثها ثم أخبر عن وقوع الموعود لبني إسرائيل ﴿ مشرقين ﴾ ه ﴿ لمدركون ﴾ ه ووجه الوصل الإسراع في تداركهم عن خوف الإدراك ﴿ كلا ﴾ ج لاحتمال أن يكون للردع وأن يكون بمعنى حقاً ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ ط لأجل الفاء الفصيحة أي فضرب فانفلق ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه الآية ط ﴿ مأمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه.

التفسير: قال جار الله: معنى طسم إن آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين وقد مر مثله في أول "يوسف".

والبخع الإهلاك وقد مر في اول "الكهف".

عزاه وعرفه أن غمه وحزنه لا ينفع كما أن وجود الكتاب على بيانه ووضوحه لا ينفع.

ثم بين أنه قادر على تنزيل آية ملجئة إلى الإيمان ولكن المشيئة والحكمة تقتضيان بناء الأمر على صورة الاختبار.

قال صاحب الكشاف: وجه عطف ﴿ فظلت ﴾ على ﴿ ننزل ﴾ كما قيل في قوله ﴿ فَأَصَّدَّقَ وأكن  ﴾ كأنه قيل: أنزلنا فظلت.

وأقول: الظاهر أن الفاء في ﴿ فظلت ﴾ لسببية بدليل عدم المستتر فيه كما في ﴿ ننزل ﴾ .

ووجه العدول إلى الماضي كما قيل في ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ وجه مجيء ﴿ خاضعين ﴾ خبراً عن الأعناق إذ الأعناق تكون مقحماً لبيان موضع الخضوع.

وأصل الكلام: فظلوا لها خاضعين أي حين وصفت الأعناق بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل ﴿ خاضعين ﴾ كقوله ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين  ﴾ وقيل: أعناقهم رؤساؤهم كما يقال لهم الرؤوس والصدور.

وقيل: اراد جماعاتهم.

يقال: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم.

عن ابن عباس: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية.

قال: ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزة.

ومعنى ﴿ ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ﴾ قد مر في سورة الأنبياء.

نبه  بذلك على أنه مع اقتداره على أن يجعلهم ملجئين على الإيمان حكيم يأتيهم بالقرآن حالاً بعد حال رعاية لقاعدة التكليف.

ثم ذكر أنه  لا يحدد لهم توجيه موعظة وتذكير إلا جددوا ما هو نقيض المقصود، وذلك النقيض هو الإعراض والتكذيب والاستهزاء وهذا ترتيب في غاية الحسن كأنه قيل حين أعرضوا عن الذكر: فقد كذبوا به وحين كذبوا به فقد خف عندهم قدره حتى صار عرضة للاستهزاء.

وهذه درجات من أخذ في الشقاء فإنه يعرض أوّلاً، ثم يصرح بالتكذيب ثانياً، ثم يبلغ في التكذيب والإنكار إلى حيث يستهزئ.

وفي قوله ﴿ فسيأتيهم ﴾ وعيد لهم بعذاب بدر أو يوم القيامة وقد مر مثله في أول "الأنعام".

ثم بين أنه مع حكمته في إنزال القرآن حالاً بعد حال رحيم يظهر من الدلائل الحسية ما يكفي للمتأمل في باب النظر والاستدلال.

والزوج الصنف والكريم نعت لكل ما يرضى ويحمد في بابه منه "وجه كريم" إذا رضي في حسنه وجماله، و"كتاب كريم" مرضي في مبانيه، و"نبات كريم" مرضي فيما يتعلق به من المنافع، فما من نبت إلا وفيه نفع وفائدة من جهة وإن كانت فيه مضرة من جهة أخرى.

ويحتمل أن يراد بالكريم النافع منه وتكون المضارّ مسلوبة عنه.

قال جار الله: معنى الجمع بين "كم" و"كل" دون أن يقول "كم أنبتنا فيها من زوج كريم" هو أن "كلا" قد دل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و"كم" دل على أن هذا محيط مفرط الكثرة.

قلت: فالحاصل أن خلق النوع يصدق بخلق فرد واحد منه كما يصدق بخلق أفراد كثيرة.

فقوله ﴿ كل زوج ﴾ إشارة إلى خلق كل نوع من أنواع النبات، وقوله ﴿ كم أنبتنا ﴾ إشارة إلى كثرة افراد كل نوع منه وفيه تنبيه على كمال القدرة ونهاية الجود والرحمة ولهذا ختم الكلام بقوله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإنبات أو في كل واحد من تلك الأزواج ﴿ الآية ﴾ على الإبداء والإعادة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن الله  طبع على قلوبهم ﴿ وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ فمن عزته قدر على عقوبتهم ومن رحمته بين لهم الدلائل ليتفكروا ويعتبروا، والرحمة إذا صدرت عن القدرة كانت أعظم موقعاً، واعلم أنه  كرر بعض الآيات في هذه السورة لأجل التأكيد و"التقرير"؛ فمن ذلك أنه كرر قوله ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ إلى قوله ﴿ الرحيم ﴾ في ثمانية مواضع: أولها في ذكر النبي  ، والثانية في قصة موسى، ثم إبراهيم، ثم نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم شعيب.

ومن ذلك قوله ﴿ ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ وهو مذكور في خمسة مواضع: في قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.

ومن ذلك أنه كرر ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ في قصة نوح وهود وصالح وليس في ذكر النبي  : ﴿ ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاَّ على رب العالمين  ﴾ لذكرها في مواضع من غير هذه السورة.

وليس في قصة موسى لأنه رباه فرعون حيث قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ ولا في قصة إبراهيم لأن اباه في المخاطبين حيث يقول: ﴿ إذ قال لأبيه وقومه  ﴾ وهو قد ربَّاه فاستحيا موسى وإبراهيم أن يقولا ﴿ وما أسألكم عليه من أجر ﴾ وإن كانا منزهين من طلب الأجر.

ثم إنه  أعاد في هذه السورة قصص الأنبياء المشهورين مع أممهم اعتباراً لهذه الأمة، وبدأ بقصة موسى لما فيها من غرائب الأحوال وعجائب الأمور.

والنداء المسموع عند الأشعري هو الكلام القديم الذي لا يشبه الحروف والأصوات، وعند المعتزلة وإليه ميل أبي منصور الماتريدي أنه من جنس الحروف والأصوات وأنه وقع على وجه علم به موسى أنه من قبل الله  وقد عرفه أنه سيظهر عليه المعجزات إذا طولب بذلك.

قال جار الله: قوله ﴿ ألا يتقون ﴾ كلام مستأنف فيه تعجيب لموسى من حالهم الشنعاء في قلة خوفهم وكثرة ظلمهم، أو حال أدخلت عليه همزة الإنكار.

ثم إن موسى خاف أن يذكب عند أداء الرسالة فاستظهر بهارون.

وفي قراءة النصب خاف التكذيب المستتبع لضيق الصدر المستلزم لاحتباس اللسان عن الجريان في الكلام، ولعله اراد بهذه الحبسة عقدة في لسانه قبل إجابة دعوته أو بقية يروى أنها بقيت بعد الإجابة كما مر في "طه".

ومعنى ﴿ فأرسل إلى هارون ﴾ أرسل إليه جبريل واجعله نبياً يصدقني في أمري فاختصر الكلام اختصاراً.

ثم ذكر أن لهم عليه ذنباً فسمى جزاء الذنب ذنباً، أو المضاف محذوف اي تبعه ذنب وهو قود قتل القبطي كما سيجيء تفصيله في سورة القصص.

فيمكن أن يقتل قبل أداء الرسالة فلا يتمكن من المقصود، وهذا قد جوزه الكعبي وغيره من البغداديين.

وقال الأكثرون: الأقرب من حال الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله  الرسالة أنه يمكنهم من أدائها فلا معنى للخوف من القتل قبل الأداء.

نعم لو خاف بعد الأداء جاز وذلك لما جبل عليه طبع الإنسان من التنفر عن القتل فيسأل الله الأمان من ذلك وقد جمع الله له بقوله ﴿ كلا ﴾ الكلاءة وبقوله ﴿ فاذهبا ﴾ استنباء أخيه كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون ﴿ ومعكم ومستمعون ﴾ خبران لأن أو الخبر ﴿ مستمعون ﴾ و ﴿ معكم ﴾ متعلق به.

ولا يخفى ما في المعية من المجاز لأن المصاحبة من صفات الأجسام، فالمراد معية النصرة والمعونة، وأما الاستماع فمجاز أيضاً وإن كان إطلاق السمع على الله حقيقة لأن الاستماع جار مجرى الإصغاء ولا بد فيه من الجارحة.

فحاصل الآية إنا لكما ولعدوّكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه.

وإنما وحد الرسول في قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ لأنه أراد كل واحد أو أراد الرسول بمعنى المصدر أي ذو رسالة رب العالمين.

يقال: أرسلتهم برسول اي برسالة أو جعلا لاتفاقهما واتحاد مطلبهما كرسول واحد.

وههنا إضمار دل عليه سياق الكلام أي فأتيا فرعون فقالا له ذلك.

يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن ههنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين.

فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه.

فأديا إليه الرسالة فعرف أنه موسى فعند ذلك قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ أي صبياً وذلك لقرب عهده من الولادة.

قيل: مكث فيهم ثلاثين سنة من أول عمره.

وقيل: وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة ففر منهم.

والفعلة الوكزة عدد عليه نعمه، ثم وبخه بقتل نفس منهم وسماه كافراً لنعمه بسبب ذلك.

وجوز جار الله أن يراد وأنت إذ ذاك ممن يكفر بالساعة فيكون قد افترى على موسى أو جهل أمره لأنه كان يعايشهم بالتقية.

وإنما قلنا إنه افتراء أو جهل لأن الكفر غير جائز على الأنبياء ولو قبل النبوة، ويجوز أن يراد أنه من الكافرين بفرعون وإلهيته أو بآلهة كانوا يعبدونها.

قال  : ﴿ ويذرك وآلهتك  ﴾ ثم إن موسى ما أنكر تربيته ولكن أنكر الكفر فلم ينسب نفسه إلا إلى الضلال وأراد به الذهاب عن الصواب، أو أراد النسيان أو الخطأ وعدم التدبر في أدبار الأمور.

ثم ذكر موهبة ربه في حقه حين فر من فرعون وملئه المؤتمرين بقتله.

والحكم العلم بالتوحيد وكمال العقل والرأي، ولا تدخل فيه النبوة ظاهراً لئلا يلزم شبه التكرار بقوله: ﴿ وجعلني من المرسلين ﴾ قال جار الله ﴿ وتلك ﴾ إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدري ما هي إلا بعد أن فسرت بقوله ﴿ أن عبدت ﴾ نظيره قوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع  ﴾ والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها عليّ كأنه أبى أن يسمي نعمته إلا نقمة لأن تعبيدهم أي تذليلهم واتخاذهم عبيداً وقصدهم.

بذبح أبنائهم صار هو السبب في حصوله عنده وفي تربيته فلهذا قال الزجاج: "أن" مع ما بعده في موضع نصب أي إنما صارت نعمة عليّ لأن عبدت بني إسرائيل إذ لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم ومن هنا قال جار الله: إن قول موسى ﴿ فعلتها إذن ﴾ جواب لقول فرعون ﴿ وفعلت فعلتك ﴾ وجزاء له كأن فرعون قال: جازيت نعمتي بما فعلت.

فقال موسى: فعلتها مجازياً لك وإن نعمتك جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء.

وقال الحسن: أراد أنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت عليّ فلا نعمة لك بالتربية على أن التربية كانت من قبل أمي وعشيرتي ولم يكن منك إلا أنك لم تقتلني.

وقيل: اراد أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في الإطعام والكسوة.

واعلم أن للعلماء خلافاً في نعمة الكافر فقيل: إنها لا تستحق الشكر لأن الكافر يستحق الإهانة بكفره فلو استحق الشكر لإنعامه لزم الجمع بين الإهانة والتعظيم في حق شخص واحد في وقت واحد.

وقيل: لا يبطل بالكفر إلا الثواب والمدح الذي يستحقه على الإيمان، وفي الآية نوع دلالة على كل من القولين.

ثم إن موسى حين أدى رسالته من قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ ﴿ قال فرعون وما رب العالمين ﴾ وقد سبق مراراً أن كفره احتمل أن يكون كفر عناد وأ، يكون كفر جهالة، والذي يختص بالمقام هو أن ما يطلب به حقيقة الشيء وماهيته، وهذا هو الذي قصده فرعون بسؤاله ولم يعرف أن الماهية لا تطلق على ذاته تعالى إذ لا أجزاء لها حدية ولا تقديريه ولا بأي وجه فرض ضرورة انتهاء الكل إليه واستغنائه عن الكل من كل الوجوه، فلا يصح أن يسأل عنه بما هو ولا بكيف هو ولا بأي شيء هو ولا بهل هو، غاية ذلك أن ينبه على وجوده الذي هو أظهر الأشياء بلوازمه وآثاره على وجه يعم الكل كما يقال: إنه رب السموات والأرض وما بينهما، أو بأخص من ذلك بأن يقال مثلاً: ﴿ ربكم ورب آبائكم الأولين ﴾ وهو الاستدلال بالأنفس أو يقال ﴿ رب المشرق والمغرب وما بينهما ﴾ من الجهات المفروضة على السماء من لدن طلوع الكواكب إلى غروبها وبالعكس وهو الاستدلال بالآفاق.

وقد راعى في الجواب الأول طريقة اللطف فختم بقوله ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ أي إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وجلائه.

وخاشنهم في الأخير بقوله ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله: ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله ﴿ إن رسولكم ﴾ ويمكن أن يراد بقوله ﴿ وما بينهما ﴾ ثانياً ما بين المشرق والمغرب من المخلوقات فيكون الفرق بين هذا الاستدلال وبين الأول أن الأول هو الاستدلال بالإمكان على طريقة الحكيم، والثاني هو الاستدلال بالحدوث على طريقة المتكلمين، والأول أقرب إلى اليقين فلهذا قال ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ والثاني أقرب إلى الحس فلهذا قال ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ ولما انجر الكلام إلى حد العناد والمخاشنة هدده فرعون بقوله: ﴿ لئن اتخذت إلهاً غيري لاجعلنك من المسجونين ﴾ وهذا أبلغ من أن لو قال: "لأسجننك" والمعنى لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه يطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع، وحينئذ عدل موسى إلى الحجة الأصلية في الباب وهو ادعاء المعجز المنبئ عن صدقه فقال ﴿ أولو جئتك ﴾ أي أتفعل فيَّ ذلك ولو جئتك بشيء أي جائياً بالمعجزة.

وفي قوله ﴿ إن كنت من الصادقين ﴾ إن سلم أنه قاله جداً لا هزلاً وجدالاً دلالة على ما ركز في العقول من أن دعوى الرسالة إن اقترنت بظهور المعجزة على يده تحقق صدقها.

وقد شنع في الكشاف ههنا أن في أهل القبلة من خفي عليهم ما لم يخف على فرعون حتى جوزوا القبيح عليه  ولزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات.

وفي التخطئة سهو من وجهين: أحدهما: أنه لا قبيح عند الأشاعرة عقلاً.

والثاني أنه على تقدير التسليم لا يلزم تجويز كل قبيح وهذا من ذلك للزوم الاشتباه.

وباقي القصة سبق نظيرها في "الأعراف" فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالسورة.

قوله ﴿ قال للملأ حوله ﴾ قال في الكشاف: الظرف في محل النصب على الحال.

وأقول: الأصوب أن يجعل نعتاً للملأ أي الأشراف حوله على طريقة قوله: ولقد أمرّ على اللئيم يسبني *** قوله ﴿ لمقيات يوم معلوم ﴾ اليوم يوم الزينة وميقاته وقت الضحى كما مر في "طه".

قوله ﴿ هل أنتم مجتمعون ﴾ استبطاء لهم في الاجتماع وحث عليه كقول الرجل لغلامه: هل أنت منطلق إذا أراد أن يحثه على الانطلاق.

قوله ﴿ لعلنا نتبع السحرة ﴾ لم يكن غرضهم اتباع السحرة في دينهم وإنما غرضهم الأصلي أن لا تتبعوا موسى، فساقوا الكلام مساق المجاز لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى.

قوله ﴿ بعزة فرعون ﴾ هي من أيمان الجاهلية ولا يصح الحلف في الإسلام إلا بالله  وبصفاته كما مر في "البقرة" و"المائدة".

وقوله ﴿ فألقى السحرة ﴾ لم يسم فاعله وهو الله  في الحقيقة حين ألقى داعية الإيمان في قلوبهم ويجوز أن ينسب إلى ما عاينوا من المعجزات الباهرة ولك أن لا تقدر فاعلاً أي خروا.

قوله ﴿ لا ضير ﴾ أي لا ضير علينا فيما يتوعدنا به من القتل.

قوله ﴿ إنا نطمع ﴾ الطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين كقوله إبراهيم ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي ﴾ ويحتمل الظن بناء على أن المرء لا يعلم ما يختاره أو يؤل إليه عند الوفاة.

ومعنى ﴿ أن كنا ﴾ لأن كنا وكانوا أوّل طائفة مؤمنين من أهل زمانهم أو من قوم فرعون أو من أهل المشهد.

قوله: ﴿ إِنكم متبعون ﴾ تعليل للإسراء أي بنيت تدبير أمركم على أن تتقدموا لو يتبعكم فرعون وجنوده إلى أن يغشاهم من اليم ما يغشاهم.

قوله: ﴿ لشرذمة ﴾ هي الطائفة القليلة.

ثم وصفهم بالقلة واختار جمع السلامة ليدل على أن كل حزب منهم في غاية القلة، وذلك بالنسبة إلى عسكره وإلا فهم كثير في أنفسهم.

يروى أن فرعون أرسل في اثرهم الف ألف وخمسمائة الف ملك مسور مع كل ملك الف وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت على مقدّمته سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة، وكان قوم موسى إذ ذاك ستمائة ألف وسبعين ألفاً.

ويجوز أن يريد بالقلة الذلة والحقارة لا قلة العدد.

قوله: ﴿ وإنهم لنا لغائطون ﴾ معناه أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم ولكنهم يفعلون أفعالاً لغيظنا كأخذ الحلي وادّعاء الاستقلال والاستخلاص عن ذل الاستخدام ونحن قوم مجموعون كلمة وائتلافاً، ومن عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور.

فالحذر المتيقظ وهو يفيد الثبات والحاذر الذي يجدد حذره.

وقيل: هو تام السلاح لأنه فعل ذلك حذراً واحتياطاً لنفسه، وكل هذه المعاذير لأجل أن لا يظن به العجز وخلاف ما ادّعاه من القهر والتسلط.

وقرئ ﴿ حادرون ﴾ بالدال غير المعجمة، والحادر السمين القوي أراد أنهم أقوياء أشدّاء.

﴿ فأخرجناهم من جنات ﴾ أي بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة.

قال مجاهد: سماها كنوزاً لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله  .

والمقام الكريم المنازل الحسنة والمجالس البهية.

وقال الضحاك: المنابر.

وقيل: السرر في الحجال.

﴿ كذلك ﴾ يحتمل النصب أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا، والجر على الوصف أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، ولارفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، وعلى هذا فيوقف على ﴿ كريم ﴾ .

﴿ فأتبعوهم ﴾ اي فلحقوهم.

ومن قرأ بالتشديد فظاهر.

والإشراق الدخول في وقت الشروق ﴿ فلما تراءى الجمعان ﴾ أي رأى قوم موسى قوم فرعون وحصل كل من الفريقين بمرأى للآخر ﴿ قال أصحاب موسى ﴾ خوفاً وفزعاً ﴿ إنا لمدركون ﴾ لملحقون.

قال موسى تثبيتاً لهم وردعاً عماهم عليه من الجزع والفزع ﴿ كلا إن معي ربي ﴾ بالنصرة والمعونة ﴿ سيهدين ﴾ سبيل النجاة والخلاص كما وعدني.

ثم بين أنه كيف هداه بقوله ﴿ فأوحينا ﴾ الآية.

ومعنى ﴿ فانفلق ﴾ فضرب فانفلق ﴿ فكان كل فرق ﴾ اي كل جزء متفرق منفلق منه ﴿ كالطود ﴾ وهو الجبل العظيم ومع ذلك وصفه بالعظيم ﴿ وأزلفنا ثم ﴾ أي قربنا حيث انفلق البحر ﴿ الآخرين ﴾ وهم قوم فرعون والمقرب منه بنو إسرائيل أو قوم فرعون أيضاً أي أدنينا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد، ويجوز أن يراد قدمانهم إلى البحر.

وقرئ ﴿ وأزلقنا ﴾ بالقاف أي أزللنا أقدامهم حساً بأن لم يكن لهم البحر يبساً كما كان لبني إسرائيل، أو عقلاً أي أذهبنا عزهم.

والبحر بحر القلزم أو بحر من وراء مصر يقال له أساف.

قالت الأشاعرة: إنه  أضاف الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم في طلب موسى كفر.

أجاب الجبائي بأن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله  ، فلما كان مسيرهم بتدبير الله وهؤلاء تبعوهم اضافه إلى نفسه توسعاً، وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول: أتعبني الغلام لما حدث ذلك عند فعله.

أو المراد أزلفناهم إلى الموت والأجل.

وقال الكعبي: أراد أنه جمع تفرقهم كيلا يصلوا إلى موسى وقومه، أو اراد أنه حلم عنهم وترك لهم لابحر يابساً حتى طمعوا في دخوله.

واعترض بأن كل ذلك لا بد أن يكون له أثر في استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم فيعود المحذور.

﴿ إن في ذلك ﴾ الذي حدث في البحر من إنجاء البعض وإغراق البعض أو في ذلك أي ذكر من القصة بطولها ﴿ لآية ﴾ عجيبة للمتدبر المتفكر في الأمور الإلهية ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ حين سألوا بعد النجاة أن يجعل لهم موسى إلهاً غير الله، واتخذوا العجل، واقترحوا اقتراحات خارجة عن قانون الأدب.

ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الأمة بدليل ﴿ واتل عليهم  ﴾ وفيه تسلية لرسول الله  فقد كان يغتم بتكذيب قومه بعد ظهور المعجزات ونزول الآيات.

التأويل: الطاء طوله في كمال عظمته، والسين سلامته عن كل عيب ونقص، والميم مجده الذي لا نهاية له.

أو الطاء طهارة قلب نبيه عن تعلقات الكونين، والسين سيادته على الأنبياء والمرسلين، واليمم مشاهدته جمال رب العالمين.

أو الطاء طيران الطائرين بالله، والسين سير السائرين إلى الله، والميم مشي الماشين لله الذين يمشون على الأرض هوناً.

﴿ إن نشأ ننزل ﴾ من سماء قلوبهم ﴿ آية ﴾ من واردات الحق ﴿ فظلت ﴾ أعناق نفوسهم ﴿ لها خاضعين ﴾ ﴿ فسيأتيهم ﴾ بعد مفارقة الأرواح الأجساد ﴿ أنباء ما كانوا به يستهزؤن ﴾ لظهور نتائج معاملاتهم الخبيثة على أرواحهم ﴿ أو لم يروا إلى ﴾ أرض قلوب العارفين ﴿ كما أنبتنا فيها ﴾ من اشجار أصناف الإيمان والتوكل واليقين والإخلاص وسائر الأخلاق الكريمة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن جناب الحق لعزته يجل عن أن يكون شرعة لكل وارد ﴿ وإن ربك لهو العزيز ﴾ الذي لا يوجد بالسعي ﴿ الرحيم ﴾ حين أدرك أولياءه بجذبات العناية كما أدرك موسى حين ناداه من الشجرة، وذلك لأنه جعله مظهر لطفه كما أ نه جعل فرعون مظهر قهره فصار من العتوّ والاستكبار في غاية الكمال.

ويعلم منه أن الإنسان له استعداد في مظهرية صفة القهر ليس لإبليس فلذلك عاند إبليس آدم وقال أنا خير منه وعاند فرعون الرب وقال أنا ربكم الأعلى.

وأن له استعداداً في مظهرية صفة اللطف ليس للملك ولهذا صار الإنسان مسجوداً للملائكة.

﴿ أن أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيه أن موسى القلب مرسل إلى فرعون النفس لئلا تستعيد الصفات الروحانية فإن لفرعون النفس في البداية استيلاء على موسى القلب والصفات الروحانية فاستعملهم في قضاء حوائجه وتحصيل مقاصده فعرفه فرعون النفس وقال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ فإن موسى القلب كان في حجر فرعون النفس إلى أن بلغ أوان الحلم وهي خمس عشرة سنة، فقتل قبطي الشهوة حين كفر بإله الهوى وكان قبل القتل ضالاً عن حضرة الربوبية ﴿ ففرت منكم ﴾ غلى الله لما خفت أن تقطعوا عليّ الطريق إلى الله.

رب سموات القلوب وأرض البشرية وما بينهما من المنازل ﴿ قال لمن حوله ﴾ من صفات النفس ﴿ الا تستمعون ﴾ ﴿ قال موسى ﴾ القلب لتعارفه بربه ﴿ ربكم ورب آبائكم الأوّلين ﴾ يعني الآباء العلوية الرحانية.

وفي قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ إشارة إلى كمال ضدية القلب والنفس فما يصدر عن القلب تعده النفس من الجنون وبالعكس.

﴿ رب ﴾ مشرق الروح من أفق البدن ﴿ ورب ﴾ مغربه فيه ﴿ وما بينهما ﴾ من مدة التعلق وقد مر نظيره في محاجة إبراهيم في "البقرة" ﴿ لأجعلنك من المسجونين ﴾ في سجن حب الدنيا فإن القلب إذا توجه إلى الله فلا استيلاء للنفس عليه إلا بشبكة حب النجاة والرياسة فإنها آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين.

فقال موسى القلب: لا تقدر على أن تسجنني فإن معي عصا الذكر واليد المنزعة عما سوى الله.

وباقي التأويل قد سبق قوله: ﴿ فأخرجناهم ﴾ أي ﴿ من جنات ﴾ صفات الأوصاف الروحانية ﴿ وعيون ﴾ الحكمة ﴿ وكنوز ﴾ المعارف ﴿ ومقام كريم ﴾ في حضرة أكرم الأكرمين ﴿ وأورثاها بني إسرائيل ﴾ فيه أن النفس إذا فنيت ورث القلب منها صفاتها وبقوتها تصير إلى مقامات لم يمكنه الوصول إليها بقوة صفاته، ولو مات القلب ورثت النفس منه صفاته وبقوتها تتنزل إلى دركات لم يمكنها الوصول إليها بمجرد صفاتها ﴿ فأتبعوهم ﴾ أي لحق أوصاف النفس أوصاف القلب عند إشراق شمس الروح ﴿ فكان كل فرق ﴾ فيه أن كل صفة من أوصاف الروح كجبل عظيم في العبور عنه.

﴿ وأزلفنا ثم الآخرين ﴾ أي قربنا صفات النفس بتبعية صفات القلب إلى بحر الروح.

﴿ وأنجينا موسى ومن معه ﴾ من الأوصاف في بحر الروح بالوصول إلى الحضرة ﴿ ثم أغرقنا ﴾ أوصاف النفس في بحر الروحانية فإن الوصول إلى الحضرة من خواص القلب وغاية سير النفس هو الاستغراق في بحر الروحانية ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ لأرباب العرفان ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ بهذه المنازل فإنه لا يصير إليها إلا الشاذ من المجذوبين بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ جعلنا الله من المستعدين لها والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

ثم قال له فرعون: ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ : يذكر نعمته التي أنعمها عليه بتربيته إياه صغيراً، وكونه فيهم دهرا، وكفران موسى لما أنعم عليه وهو ما قال: ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ، وهو قتل ذلك القبطي الذي وكزه موسى فقضى عليه، فأقر له موسى بذلك، فأخبر أنه فعل ذلك حيث قال: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ ﴾ .

وقوله: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ ﴾ أي: فعلت ذلك وأنا كنت من الجاهلين، لا يعلم أن وكزته تلك تقتله، وإلا لو علم ما وكزه؛ لأنه لم يكن يحل له قتله حيث قال: ﴿ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ  ﴾ ؛ دل ذلك منه أنه كان لم يحل قتله إلا أنه جرى ذلك على يده خطأ وجهلا.

وفيه دلالة أن الرجل قد ينهى ويؤاخذ بما يجري على يده خطأ وجهلا، ويخاطب بذلك حيث قال: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ ﴾ .

ثم قال: ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ﴾ : وهو حين قال ذلك الرجل: ﴿ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ ﴾ الآية [القصص: 20]، فخرج منها خائفاً يترقب، وذلك فراره منهم.

وقوله: ﴿ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً ﴾ أي: نبوة.

وقال بعضهم: حكما، أي: منَّ عليّ بالحكم وجعلني من المرسلين، وقد كان ذلك له كله.

وقوله: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ : وهو استعبادك إياهم، أي: إذا ذكرت هذا فاذكر ذاك، هذا يحتمل وجوهاً.

أحدها: أن تذكر ما أنعمت عليّ وتمنها، ولا تذكر مساوئك ببني إسرائيل، وهو استعبادك إياهم، أي: إذا ذكرت هذا فاذكر ذاك.

والثاني: أن تلك نعمة تمنها عليّ حيث لم تعبدني وعبّدت بني إسرائيل، يخرج على قبول المنة منه.

والثالث: وتلك نعمة لو خليت عن بني إسرائيل ولم تستعبدهم لولوا ذلك عنك، وتمام هذا يقول موسى لفرعون: أتمن عليّ يا فرعون بأن اتخذت بني إسرائيل عبيداً، وكانوا أحراراً فقهرتهم؟!

وقال موسى: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ ﴾ أي: من الجاهلين بذلك أنه يتولد من وكزته الموت؛ وكذلك روي في بعض الحروف: ﴿ وأنا من الجاهلين ﴾ ؛ دل أنه على الجهل ما فعل ذلك لا على القصد.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ ﴾ يقول: وهذه منة تمنها بقوله: ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً ﴾ يقول: تمن بها عليّ أن تستعبد بني إسرائيل، وتمنّ عليّ بذلك.

ثم قال فرعون لموسى: ﴿ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، فقال له: ﴿ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ﴾ : من خلق، ﴿ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ ، ثم قال لمن حوله: ﴿ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ ﴾ .

إنما قال اللعين هذا - والله أعلم - لما وقع عنده أن موسى حاد عن جواب ما سأله؛ لأنه إنما سأله عن ماهيته فهو إنما أجابه عن قهره وربوبيته؛ فظن أنه حائد عن جواب ما سأله؛ وكذلك قال لقومه: ﴿ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ ﴾ إلى ما يقول موسى؛ تعجباً منه أني أسأله عن شيء وهو يجيبني عن شيء آخر.

ثم قال موسى: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، فقال عند ذلك: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ ، نسبه إلى الجنون لما ذكرنا أنه ظن أنه حائد عن الجواب في كل ما ذكر، إنما كان السؤال منه عن الماهية، وهو لم يجبه عنها، فعند ذلك قال موسى: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ، لم يجبه موسى في كل ما ذكر عن الماهية، ولكن أجابه في الأول في بيان ربوبيته وألوهيته حيث قال: ﴿ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ ذلك، فعرف اللعين أنه ليس هو رب السماوات والأرض لما يعلم أن لا صنع له في ذلك، وأنه لم ينشئهما ولكن أنشأهما رب العالمين على ما ذكر موسى، لكن كأنه لم يعرف حدوثهما ولا فناءهما بما ذكر له موسى؛ لما لم يشاهد حدوثهما وفناءهما، فلم يتقرر ذلك عنده لما يقع عنده أنهما كذلك كانا ويكونان أبداً، فعند ذلك احتاج إلى أن ذكر له ما يشاهد حدوثهما وفناءهما وهو ما قال: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ذكر له ما شاهد حدوثه وفناءه، فإذا عرف حدوث ما ذكر وفناءه يعرف أنه إذاً لم يكن بنفسه ولا كان نفسه، ولكن بمحدث أحدثه وبمدبر دبره.

ثم قال: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ﴾ : ذكر هاهنا قدرته وسلطانه، وهو ما يأتي بالنهار من المشرق، وبالليل من المغرب، ويطلع الشمس من المشرق، ويغربها من المغرب؛ وكذلك القمر والنجوم، ففيه دلالة البعث؛ لأن من قدر على أن يأتي بالنهار من كذا، وبالليل من ناحية كذا، والشمس والقمر من كذا - قادر على البعث، لا يعجزه شيء؛ ففي كل حرف من هذه الأحرف دلالة واستدلال على شيء ليس ذلك في الأخرى.

وفي قوله: ﴿ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ دلالة ربوبية الله وألوهيته.

وفي قوله: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ دلالة حدوث ما ذكر وفنائه، ودلالة محدث ومدبر.

وفي قوله: ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ ﴾ دلالة قدرته وسلطانه على البعث على الوجه الذي ذكرنا.

وفي ذلك دلالة أن الله  لا يعرف بالماهية ولا بما يحس، ولكنه إنما يعرف من جهة الاستدلال بخلقه، وبالآيات التي تدل على وحدانيته، حيث سأل فرعون موسى عن الماهية، فأجاب على الاستدلال بخلقه.

ثم قال اللعين: ﴿ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ ﴾ : قال بعضهم: إنما أوعده السجن ولم يوعده القتل؛ لأنه طلب منه الحجة على ما ادعى من الرسالة حيث قال: ﴿ فَأْتِ بِهِ ﴾ الآية، ولو قتله لكان لا يقدر على إتيانها.

وقال بعضهم: لا، ولكن كان سجنه أشد من القتل ومن كل عقوبة.

فقال له موسى: ﴿ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: ما يبين ربوبية الله وألوهيته أو ما يبين أني رسول الله، فقال له فرعون: ﴿ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ بالرسالة، وبما ادّعيت، فدل قول فرعون لموسى حيث قال له: ﴿ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ أنه قد عرف أنه رسول، وأنه ليس بإله على ما ادعى، وأن الإله غيره حيث طلب هذه الآية.

وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ بالآيات التي تدل على وحدانية الله  ومشيئته، ذكر هذا مقابل إنكارهم الصانع.

والإيقان: هو العلم الذي يستفاد من جهة الاستدلال؛ ولذلك لا يقال لله: موقن.

وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ : صلة قوله: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾ : قال بعضهم: الثعبان: هو الكبيرة العظيمة من الحيات.

وقال في موضع آخر: ﴿ تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ  ﴾ ، فجائز أن تكون كالثعبان بعد ما طرحها وألقاها، وقبل أن يطرحها كالجان وهي الحية الصغيرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾ : بياضاً خارجاً عن خلقة البشرية، وخارجاً عن الآفة على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ﴾ : هذا منه إغراء وتحريش منه لقومه على موسى؛ لئلا ينظروا إليه بعين التعظيم؛ لعظيم ما أتاهم من الآية وأراهم، حيث قال: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ﴾ ، وموسى كان لم يرد إخراجهم من أرضهم، ولكن ذلك إغراء منه لهم عليه؛ لئلا يتبعوه؛ كأنه يقول: يريد أن يخرجكم من أرضكم فيفسد عليكم معاشكم، ويضيق عليكم مقامكم ومتقلبكم.

وقوله: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ : هذا يبين أنه كان عرف أنه ليس بإله، فبين دناءته وقلة معرفته؛ لأنه لا يقول ملك من الملوك لقومه: ماذا تأمرون، وخاصة من يدعي لنفسه الألوهية بقوله: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي  ﴾ ؛ فدل أنه كان خسيس الهمة في الرأي والبال.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال موسى: الله الَّذي أدعوكم إليه هو رب المشرق، ورب المغرب، ورب ما بينهما إن كانت لكم عقول تعقلون بها.

<div class="verse-tafsir" id="91.vNo0P"

مزيد من التفاسير لسورة الشعراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده