الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ٨٢ من سورة الشعراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 72 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٢ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) أي : هو الذي لا يقدر على غفر الذنوب في الدنيا والآخرة ، إلا هو ، ومن يغفر الذنوب إلا الله ، وهو الفعال لما يشاء .
( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) فربي هذا الذي بيده نفعي وضرّي, وله القدرة والسلطان, وله الدنيا والآخرة, لا الذي لا يسمع إذا دعي, ولا ينفع ولا يضرّ.
وإنما كان هذا الكلام من إبراهيم احتجاجا على قومه, في أنه لا تصلح الألوهة, ولا ينبغي أن تكون العبودة إلا لمن يفعل هذه الأفعال, لا لمن لا يطيق نفعا ولا ضرّا.
وقيل: إن إبراهيم صلوات الله عليه, عني بقوله: ( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) : والذي أرجو أن يغفر لي قولي: إِنِّي سَقِيمٌ وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا وقولي لسارة: إنها أختي.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: ( أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) قال: قوله: إِنِّي سَقِيمٌ وقوله: فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا وقوله لسارة: إنها أختي, حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) قال: قوله إِنِّي سَقِيمٌ وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا وقوله لسارة: إنها أختي.
قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو تُمَيلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن عكرمة ومجاهد نحوه.
ويعني بقوله ( يَوْمِ الدِّينِ ) يوم الحساب, يوم المجازاة.
وقد بيَّنا ذلك بشواهده فيما مضى.
قوله تعالى : والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي " أطمع " أي أرجو .
وقيل : هو بمعنى اليقين في حقه ، وبمعنى الرجاء في حق المؤمنين سواه .
وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق : ( خطاياي ) وقال : ليست خطيئة واحدة .
قال النحاس : خطيئة بمعنى خطايا [ ص: 105 ] معروف في كلام العرب ، وقد أجمعوا على التوحيد في قوله عز وجل فاعترفوا بذنبهم ومعناه بذنوبهم .
وكذا وأقيموا الصلاة معناه الصلوات .
وكذا " خطيئتي " إن كانت خطايا .
والله أعلم .
قال مجاهد : يعني بخطيئته قوله : بل فعله كبيرهم هذا وقوله : إني سقيم وقوله : إن سارة أخته .
زاد الحسن وقوله للكوكب : هذا ربي وقد مضى بيان هذا مستوفى .
وقال الزجاج : الأنبياء بشر فيجوز أن تقع منهم الخطيئة ; نعم لا تجوز عليهم الكبائر لأنهم معصومون عنها .
يوم الدين يوم الجزاء حيث يجازى العباد بأعمالهم .
وهذا من إبراهيم إظهار للعبودية وإن كان يعلم أنه مغفور له .
وفي صحيح مسلم عن عائشة ; قلت يا رسول الله : ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ، ويطعم المسكين ، فهل ذلك نافعه ؟
قال : لا ينفعه إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين .
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ فهذا هو وحده المنفرد بذلك, فيجب أن يفرد بالعبادة والطاعة, وتترك هذه الأصنام, التي لا تخلق, ولا تهدي, ولا تمرض, ولا تشفي, ولا تطعم ولا تسقي, ولا تميت, ولا تحيي, ولا تنفع عابديها, بكشف الكروب, ولا مغفرة الذنوب.
فهذا دليل قاطع, وحجة باهرة, لا تقدرون أنتم وآباؤكم على معارضتها، فدل على اشتراككم في الضلال, وترككم طريق الهدى والرشد.
قال الله تعالى: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ الآيات.
( والذي أطمع ) أي : أرجو ، ( أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) أي : خطاياي يوم الحساب .
قال مجاهد : هو قوله : " إني سقيم " ، وقوله : " بل فعله كبيرهم هذا " ، وقوله لسارة : " هذه أختي " ، وزاد الحسن وقوله للكواكب : " هذا ربي " .
وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا حفص بن غياث ، عن داود ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة قال : قلت يا رسول الله : ابن جدعان ، كان في الجاهلية يصل الرحم ، ويطعم المساكين ، فهل ذاك نافعه ؟
قال : " لا ينفعه إنه لم يقل يوما ، رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه ، وإخبار أنه لا يصلح للإلهية من لا يفعل هذه الأفعال .
«والذي أطمع» أرجو «أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين» الجزاء.
قال إبراهيم: أفأبصرتم بتدبر ما كنتم تعبدون من الأصنام التي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر، أنتم وآباؤكم الأقدمون من قبلكم؟
فإن ما تعبدونهم من دون الله أعداء لي، لكن رب العالمين ومالك أمرهم هو وحده الذي أعبده.
هو الذي خلقني في أحسن صورة فهو يرشدني إلى مصالح الدنيا والآخرة، وهو الذي ينعم عليَّ بالطعام والشراب، وإذا أصابني مرض فهو الذي يَشْفيني ويعافيني منه، وهو الذي يميتني في الدينا بقبض روحي، ثم يحييني يوم القيامة، لا يقدر على ذلك أحد سواه، والذي أطمع أن يتجاوز عن ذنبي يوم الجزاء.
ثم ختم إبراهيم هذه الصفات الكريمة بقوله : ( والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين ) أي : وهو وحده الذى أطمع أن يغفر لى ذنوبى يوم ألقاه لأنه لا يقدر على ذلك أحد سواه - عز وجل - .وفى هذه الآية أسمى درجات الأدب من إبراهيم مع ربه - سبحانه - ، لأنه يوجه طمعه فى المغفرة إليه وحده ، ويستعظم - عليه السلام - ما صدر منه من أمور قد تكون خلاف الأولى ، ويعتبرها خطايا ، هضما لنفسه ، وتعليما للأمة أن تجتنب المعاصى ، وأن تكون منها على حذر وأن تفوض رجاءها إلى الله - تعالى - وحده .
اعلم أنه تعالى لما حكى عنه أنه استثنى رب العالمين، حكى عنه أيضاً ما وصفه به مما يستحق العبادة لأجله، ثم حكى عنه ما سأله عنه، أما الأوصاف فأربعة: أولها: قوله: ﴿ الذى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾ .
واعلم أنه سبحانه أثنى على نفسه بهذين الأمرين في قوله: ﴿ ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴾ واعلم أن الخلق والهداية بهما يحصل جميع المنافع لكل من يصح الانتفاع عليه، فلنتكلم في الإنسان فنقول إنه مخلوق، فمنهم من قال هو من عالم الخلق والجسمانيات، ومن قال هو من عالم الأمر الروحانيات، وتركيب البدن الذي هو من عالم الخلق مقدم على إعطاء القلب الذي هو من عالم الأمر على ما أخبر عنه سبحانه في قوله: ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى ﴾ فالتسوية إشارة إلى تعديل المزاج وتركيب الأمشاج، ونفخ الروح إشارة إلى اللطيفة الربانية النورانية التي هي من عالم الأمر، وأيضاً قال: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ ﴾ ولما تمم مراتب تغيرات الأجسام قال: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ وذلك إشارة إلى الروح الذي هو من عالم الملائكة، ولا شك أن الهداية إنما تحصل من الروح، فقد ظهر بهذه الآيات أن الخلق مقدم على الهداية.
أما تحقيقه بحسب المباحث الحقيقية، فهو أن بدن الإنسان إنما يتولد عند امتزاج المني بدم الطمث، وهما إنما يتولدان من الأغذية المتولدة من تركب العناصر الأربعة وتفاعلها، فإذا امتزج المني بالدم فلا يزال ما فيها من الحار والبارد والرطب واليابس متفاعلاً، وما في كل واحد منها من القوى كاسراً سورة كيفية الآخر، فحينئذ يحصل من تفاعلهما كيفية متوسطة تستحر بالقياس إلى البارد وتستبرد بالقياس إلى الحار، وكذا القول في الرطب واليابس، وحينئذ يحصل الاستعداد لقبول قوى مدبرة لذلك المركب فبعضها قوى نباتية وهي التي تجذب الغذاء، ثم تمسكه ثم تهضمه ثم تدفع الفضلة المؤذية، ثم تقيم تلك الأجزاء بدل ما تحلل منها، ثم تزيد في جوهر الأعضاء طولاً وعرضاً، ثم يفضل عن تلك المواد فضلة يمكن أن يتولد عنها مثل ذلك، ومنها قوى حيوانية بعضها مدركة كالحواس الخمس والخيال والحفظ والذكر، وبعضها فاعلة: إما آمرة كالشهوة والغضب أو مأمورة كالقوى المركوزة في العضلات، ومنها قوى إنسانية وهي إما مدركة أو عاملة، والقوى المدركة هي القوى القوية على إدراك حقائق الأشياء الروحانية والجسمانية والعلوية والسفلية، ثم إنك إذا فتشت عن كل واحدة من مركبات هذا العالم الجسماني، ومفرداتها وجدت لها أشياء تلائمها وتكمل حالها وأشياء تنافرها وتفسد حالها، ووجدت فيها قوى جذابة للملائم دفاعة للمنافي، فقد ظهر أن صلاح الحال في هذه الأشياء لا يتم إلا بالخلق والهداية.
أما الخلق فبتصييره موجوداً بعد أن كان معدوماً، وأما الهداية فبتلك القوى الجذابة للمنافع والدفاعة للمضار فثبت أن قوله: ﴿ خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾ كلمة جامعة حاوية لجميع المنافع في الدنيا والدين، ثم هاهنا دقيقة وهو أنه قال: ﴿ خَلَقَنِى ﴾ فذكره بلفظ الماضي وقال: ﴿ يَهْدِينِ ﴾ ذكره بلفظ المستقبل، والسبب في ذلك أن خلق الذات لا يتجدد في الدنيا، بل لما وقع بقي إلى الأمد المعلوم.
أما هدايته تعالى فهي مما يتكرر كل حين وأوان سواء كان ذلك هداية في المنافع الدنيوية، وذلك بأن تحكم الحواس بتمييز المنافع عن المضار أو في المنافع الدينية وذلك بأن يحكم العقل بتمييز الحق عن الباطل والخير عن الشر، فبين بذلك أنه سبحانه هو الذي خلقه بسائر ما تكامل به خلقه في الماضي دفعة واحدة، وأنه يهديه إلى مصالح الدين والدنيا بضروب الهدايات في كل لحظة ولمحة.
وثانيها: قوله: ﴿ والذى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ ﴾ وقد دخل فيه كل ما يتصل بمنافع الرزق، وذلك لأنه سبحانه إذا خلق له الطعام وملكه، فلو لم يكن معه ما يتمكن به من أكله والاغتذاء به نحو الشهوة والقوة والتمييز لم تكمل هذه النعمة، وذكر الطعام والشراب ونبه بذكرهما على ما عداهما.
وثالثها: قوله: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ وفيه سؤال وهو أنه لم قال: ﴿ مرضات ﴾ دون أمرضني؟
وجوابه من وجوه: الأول: أن كثيراً من أسباب المرض يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك، ومن ثم قالت الحكماء: لو قيل لأكثر الموتى ما سبب آجالكم؟
لقالوا التخم الثاني: أن المرض إنما يحدث باستيلاء بعض الأخلاط على بعض، وذلك الاستيلاء إنما يحصل بسبب ما بينها من التنافر الطبيعي.
أما الصحة فهي إنما تحصل عند بقاء الأخلاط على اعتدالها وبقاؤها على اعتدالها، إنما يكون بسبب قاهر يقهرها على الاجتماع، وعودها إلى الصحة إنما يكون أيضاً بسبب قاهر يقهرها على العود إلى الاجتماع والاعتدال بعد أن كانت بطباعها مشتاقة إلى التفرق والنزاع، فلهذا السبب أضاف الشفاء إليه سبحانه وتعالى، وما أضاف المرض إليه.
وثالثها: وهو أن الشفاء محبوب وهو من أصول النعم، والمرض مكروه وليس من النعم، وكان مقصود إبراهيم عليه السلام تعديد النعم، ولما لم يكن المرض من النعم لا جرم لم يضفه إليه تعالى، فإن نقضته بالإماتة فجوابه: أن الموت ليس بضرر، لأن شرط كونه ضرراً وقوع الإحساس به، وحال حصول الموت لا يقع الإحساس به، إنما الضرر في مقدماته وذلك هو عين المرض، وأيضاً فلأنك قد عرفت أن الأرواح إذا كملت في العلوم والأخلاق كان بقاؤها في هذه الأجساد عين الضرر وخلاصتها عنها عين السعادة بخلاف المرض.
ورابعها: قوله: ﴿ والذى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ ﴾ والمراد منه الإماتة في الدنيا والتخلص عن آفاتها وعقوباتها، والمراد من الإحياء المجازاة.
وخامسها: قوله: ﴿ والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين ﴾ فهو إشارة إلى ما هو مطلوب كل عاقل من الخلاص عن العذاب والفوز بالثواب.
واعلم أن إبراهيم عليه السلام جمع في هذه الألفاظ جميع نعم الله تعالى من أول الخلق إلى آخر الأبد في الدار الآخرة، ثم هاهنا أسئلة: السؤال الأول: لم قال: ﴿ والذى أَطْمَعُ ﴾ والطمع عبارة عن الظن والرجاء، وإنه عليه السلام كان قاطعاً بذلك؟
جوابه: أن هذا الكلام لا يستقيم إلا على مذهبنا، حيث قلنا إنه لا يجب على الله لأحد شيء، وأنه يحسن منه كل شيء ولا اعتراض لأحد عليه في فعله، وأجاب الجبائي عنه من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى ﴾ أراد به سائر المؤمنين لأنهم الذين يطمعون ولا يقطعون به الثاني: المراد من الطمع اليقين، وهو مروي عن الحسن وأجاب صاحب الكشاف: بأنه إنما ذكره على هذا الوجه تعليماً منه لأمته كيفية الدعاء.
واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة، أما الأول: فلأن الله تعالى حكى عنه الثناء أولاً والدعاء ثانياً ومن أول المدح إلى آخر الدعاء كلام إبراهيم عليه السلام فجعل الشيء الواحد وهو قوله: ﴿ والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين ﴾ كلام غيره مما يبطل نظم الكلام ويفسده، وأما الثاني: وهو أن الطمع هو اليقين فهذا على خلاف اللغة، وأما الثالث: وهو أن الغرض منه تعليم الأمة فباطل أيضاً لأن حاصله يرجع إلى أنه كذب على نفسه لغرض تعليم الأمة، وهو باطل قطعاً.
السؤال الثاني: لم أسند إلى نفسه الخطيئة مع أن الأنبياء منزعون عن الخطايا قطعاً؟، وفي جوابه ثلاثة وجوه: أحدها: أنه محمول على كذب إبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ وقوله لسارة: (إنها أختي) وهو ضعيف لأن نسبة الكذب إليه غير جائزة.
وثانيها: أنه ذكره على سبيل التواضع وهضم النفس وهذا ضعيف لأنه إن كان صادقاً في هذا التواضع فقد لزم الإشكال، وإن كان كاذباً فحينئذ يرجع حاصل الجواب إلى إلحاق المعصية به لأجل تنزيهه عن المعصية.
وثالثها: وهو الجواب الصحيح أن يحمل ذلك على ترك الأولى، وقد يسمى ذلك خطأ فإن من ملك جوهرة وأمكنه أن يبيعها بألف ألف دينار فإن باعها بدينار، قيل إنه أخطأ، وترك الأولى على الأنبياء جائز.
السؤال الثالث: لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، وإنما تغفر في الدنيا؟
جوابه: لأن أثرها يظهر يوم الدين وهو الآن خفي لا يعلم.
السؤال الرابع: ما فائدة (لي) في قوله: ﴿ يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى ﴾ ؟
وجوابه من وجوه: أحدها: أن الأب إذا عفا عن ولده والسيد عن عبده والزوج عن زوجته فذلك في أكثر الأمر إنما يكون طلباً للثواب وهرباً عن العقاب أو طلباً لحسن الثناء والمحمدة أو دفعاً للألم الحاصل من الرقة الجنسية وإذا كان كذلك لم يكن المقصود من ذلك العفو رعاية جانب المعفو عنه بل رعاية جانب نفسه، إما لتحصيل ما ينبغي أو لدفع ما لا ينبغي، أما الإله سبحانه فإنه كامل لذاته فيستحيل أن تحدث له صفات كمال لم تكن أو يزول عنه نقصان كان، وإذا كان كذلك لم يكن عفوه إلا رعاية لجانب المعفو عنه فقوله: ﴿ والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى ﴾ يعني هو الذي إذا غفر كان غفرانه لي ولأجلي لا لأجل أمر عائد إليه ألبتة.
وثانيها: كأنه قال خلقتني لا لي فإنك حين خلقتني ما كنت موجوداً وإذا لم أكن موجوداً استحال تحصيل شيء لأجلي ثم مع هذا فأنت خلقتني، أما لو عفوت كان ذلك العفو لأجلي، فلما خلقتني أولاً مع أني كنت محتاجاً إلى ذلك الخلق فلأن تغفر لي وتعفو عني حال ما أكون في أشد الحاجة إلى العفو والمغفرة كان أولى.
وثالثها: أن إبراهيم عليه السلام كان لشدة استغراقه في بحر المعرفة شديد الفرار عن الالتفات إلى الوسائط، ولذلك لما قال له جبريل عليه السلام: ألك حاجة؟
قال أما إليك فلا فهاهنا قال: ﴿ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين ﴾ أي لمجرد عبوديتي لك واحتياجي إليك تغفر لي خطيئتي لا أن تغفرها لي بواسطة شفاعة شافع.
<div class="verse-tafsir"
لما أجابوه بجواب المقلدين لآبائهم قال لهم: رقوا أمر تقليدكم هذا إلى أقصى غاياته وهي عبادة الأقدمين الأوّلين من آبائكم، فإن التقدّم والأوّلية لا يكون برهاناً على الصحة، والباطل لا ينقلب حقاً بالقدم، وما عبادة من عبد هذه الأصنام إلا عبادة أعداء له، ومعنى العداوة قوله تعالى: ﴿ كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بعبادتهم وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً ﴾ [مريم: 82] ولأنّ المغري على عبادتها أعدى أعداء الإنسان وهو الشيطان، وإنما قال: ﴿ عَدُوٌّ لِى ﴾ تصويراً للمسألة في نفسه، على معنى: أني فكرت في أمرى فرأيت عبادتي لها عبادة للعدوّ، فاجتنبتها وآثرت عبادة من الخير كله منه، وأراهم بذلك أنها نصيحة نصح بها نفسه أوّلاً وبني عليها تدبير أمره، لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه، وما أراد لنا إلا ما أراد لروحه، ليكون ادعى لهم إلى القبول، وأبعث على الاستماع منه.
ولو قال: فإنه عدوّ لكم لم يكن بتلك المثابة، ولأنّه دخل في باب من التعريض، وقد يبلغ التعريض للنصوح ما لا يبلغه التصريح؛ لأنه يتأمّل فيه، فربما قاده التأمّل إلى التقبل.
ومنه ما يحكى عن الشافعيّ رضي الله تعالى عنه أنّ رجلاً واجهه بشيء فقال: لو كنت بحيث أنت، لاحتجت إلى أدب، وسمع رجل ناساً يتحدثون في الحجر فقال: ما هو ببيتي ولا بيتكم.
والعدوّ والصديق: يجيئان في معنى الوحدة والجماعة.
قال: وَقَوْمٍ عَلَيَّ ذَوِي مِرَّةٍ ** أَرَاهُمْ عَدُوًّا وَكَانُوا صَدِيقَا ومنه قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ﴾ [الكهف: 50] شبها بالمصادر للموازنة، كالقبول والولوع، والحنين والصهيل ﴿ إِلاَّ رَبَّ العالمين ﴾ استثناء منقطع، كأنه قال: ولكن رب العالمين ﴿ فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾ يريد أنه حين أتمّ خلقه ونفخ فيه الروح، عقب ذلك هدايته المتصلة التي لا تنقطع إلى كلّ ما يصلحه ويعنيه، وإلا فمن هداه إلى أن يغتذي بالدم في البطن امتصاصاً، ومن هداه إلى معرفة الثدي عند الولادة، وإلى معرفة مكانه، ومن هداه لكيفية الارتضاع، إلى غير ذلك من هدايات المعاش والمعاد، وإنما قال: ﴿ مَرِضْتُ ﴾ دون (أمرضني) لأنّ كثيراً من أسباب المرض يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك.
ومن ثم قالت الحكماء: لو قيل لأكثر الموتى: ما سبب آجالكم؟
لقالوا: التخم.
وقرئ: ﴿ خطاياي ﴾ ، والمراد: ما يندر منه من بعض الصغائر؛ لأنّ الأنبياء معصومون مختارون على العالمين.
وقيل: هي قوله: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ [الصافات: 89] وقوله: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ﴾ [الأنبياء: 63] وقوله لسارّة: هي أختي.
وما هي إلا معاريض كلام، وتخييلات للكفرة، وليست بخطايا يطلب لها الاستغفار.
فإن قلت: إذا لم يندر منهم إلا الصغائر وهي تقع مكفرة، فما له أثبت لنفسه خطيئة أو خطايا وطمع أن تغفر له؟
قلت: الجواب ما سبق لي: أن استغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم، وهضم لأنفسهم، ويدل عليه قوله: ﴿ أَطْمَعُ ﴾ ولم يجزم القول بالمغفرة.
وفيه تعليم لأممهم، وليكون لطفاً لهم في اجتناب المعاصي والحذر منها، وطلب المغفرة مما يفرط منهم.
فإن قلت: لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، وإنما تغفر في الدنيا؟
قلت: لأنّ أثرها يتبين يومئذٍ وهو الآن خفي لا يعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾ ذَكَرَ ذَلِكَ هَضْمًا لِنَفْسِهِ وتَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ أنْ يَجْتَنِبُوا المَعاصِيَ ويَكُونُوا عَلى حَذَرٍ، وطَلَبٌ لِأنْ يُغْفَرَ لَهم ما يَفْرُطُ مِنهم واسْتِغْفارًا لِما عَسى يَنْدُرُ مِنهُ مِنَ الصَّغائِرِ، وحَمْلُ الخَطِيئَةَ عَلى كَلِماتِهِ الثَّلاثِ: إنِّي سَقِيمٌ، بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا، وقَوْلُهُ «هِيَ أُخْتِي»، ضَعِيفٌ لِأنَّها مَعارِيضُ ولَيْسَتْ خَطايا.
﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا ﴾ كَمالًا في العِلْمِ والعَمَلِ أسْتَعِدُّ بِهِ لِخِلافَةِ الحَقِّ ورِئاسَةِ الخَلْقِ.
﴿ وَألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ﴾ ووَفِّقْنِي لِلْكَمالِ في العَمَلِ لِأنْتَظِمَ بِهِ في عِدادِ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ الَّذِينَ لا يَشُوبُ صَلاحَهم كَبِيرُ ذَنْبٍ ولا صَغِيرُهُ.
<div class="verse-tafsir"
{والذى أَطْمَعُ} طمع العبيد في الموالي بالإفضال لا على الاستحقاق بالسؤال {أَن يَغْفِرَ لِى خطيئتي} قيل هو قوله انى سقيم بل فعله كبيرهم هذا ربى للبازغ هي أختي لسارة وما هي إلا معاريض جائزة وليست بخطايا يطلب لها الاستغفار واستغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم وهضم لأنفسهم وتعليم للأمم في طلب المغفرة {يَوْمَ الدين} يوم الجزاء
﴿ والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾ اسْتَعْظَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما عَسى يَنْدُرُ مِنهُ مِن فِعْلِ خِلافِ الأوْلى حَتّى سَمّاهُ خَطِيئَةً، وقِيلَ: أرادَ بِها قَوْلَهُ: ﴿ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا ﴾ وقَوْلَهُ لِسارَّةَ: هي أُخْتِي، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَدَّها مِنَ الخَطايا ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ مِنِ امْتِناعِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أنْ يَشْفَعَ؛ حَياءً مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِصُدُورِ ذَلِكَ عَنْهُ.
وفِيهِ أنَّهُ - وإنْ صَحَّ عَدُّها مِنَ الخَطايا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، لِما قالُوا: إنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ - إلّا أنَّهُ لا يَصِحُّ إرادَتُها هُنا؛ لِما أنَّها إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ، أمّا الثّالِثَةُ فَظاهِرَةٌ لِوُقُوعِها بَعْدَ مُهاجَرَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى الشّامِ، وأمّا الأُولَيانِ فَلِأنَّهُما وقَعَتا مُكْتَنِفَتَيْنِ بِكَسْرِ الأصْنامِ، ومِنَ البَيْنِ أنَّ جَرَيانَ هَذِهِ المَقالاتِ فِيما بَيْنَهم كانَ في مَبادِئِ الأمْرِ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ إنَّها مِنَ المَعارِيضِ، وهي لِكَوْنِها في صُورَةِ الكَذِبِ يُمْتَنَعُ لَها مَن تَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الشَّفاعَةِ، ولِكَوْنِها لَيْسَتْ كَذِبًا حَقِيقَةً لا تَفْتَقِرُ إلى الِاسْتِغْفارِ، فَلا يَصِحُّ إرادَتُها هُنا؛ لِأنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ لَيْسَ إلّا لِعَدِّهِ إيّاها مِنَ الخَطايا، ومَتى عُدَّتْ مِنها افْتَقَرَتْ إلى الِاسْتِغْفارِ.
وقِيلَ: أرادَ بِها ما صَدَرَ عَنْهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الكَوْكَبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ مِن قَوْلِهِ: ( هَذا رَبِّي ) وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ كَما لا يَخْفى، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الخَطِيئَةِ في شَيْءٍ، وقِيلَ: أرادَ بِها ما عَسى يَنْدُرُ مِنهُ مِنَ الصَّغائِرِ وهو قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ، وقِيلَ: أرادَ بِها خَطِيئَةَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما قِيلَ نَحْوُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ ، وهو كَما تَرى، والطَّمَعُ عَلى ظاهِرِهِ ولَمْ يَجْزِمْ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِعِلْمِهِ أنْ لا وُجُوبَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِهِ اليَقِينُ، ولَيْسَ بِذاكَ، والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِـ(يَغْفِرَ).
والإتْيانُ بِالأوَّلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ نَفْعَ مَغْفِرَتِهِ تَعالى إنَّما يَعُودُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَعْلِيقُ المَغْفِرَةِ بِيَوْمِ الدِّينِ - مَعَ أنَّ الخَطِيئَةَ إنَّما تُغْفَرُ في الدُّنْيا - لِأنَّ أثَرَها يَتَبَيَّنُ يَوْمَئِذٍ؛ ولِأنَّ في ذَلِكَ تَهْوِيلًا لِذَلِكَ اليَوْمِ، وإشارَةً إلى وُقُوعِ الجَزاءِ فِيهِ إنْ لَمْ تُغْفَرْ.
وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ التَّلَطُّفِ بِأبِيهِ وقَوْمِهِ في الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ ما فِيها، وقَرَأ الحَسَنُ «خَطايايَ» عَلى الجَمْعِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ يعني: أخبر أهل مكة خبر إبراهيم، كيف قال لقومه، ثم أخبرهم عن ذلك فقال: إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ وذلك أن إبراهيم ، لما ولدته أمه في الغار، فلما خرج وكبر دخل المصر، فأراد أن يعلم على أي مذهب هم، وهكذا ينبغي للعاقل إذا دخل بلدة أن يسألهم عن مذهبهم، فإن وجدهم على الاستقامة دخل معهم، وإن وجدهم على غير الاستقامة أنكر عليهم.
فقال لهم إبراهيم: ما تَعْبُدُونَ؟
قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ أي: فنقيم عليها عابدين، فأراد أن يبين عيب فعلهم فقال: قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ يعني: هل تجيبكم الآلهة، سمَّى الإجابة سمعاً، لأن السمع سبب الإجابة إِذْ تَدْعُونَ يعني: هل يجيبونكم إذا دعوتموهم أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ إذا عبدتموهم أَوْ يَضُرُّونَ يعني: يضرونكم إن لم تعبدوهم قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ يعني: وجدنا آباءنا يعبدونهم، هكذا فنحن نعبدهم.
قالَ لهم إبراهيم أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الإعلام، يعني: اعلموا أن الذي كنتم تعبدون أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ وَأَجْدَادُكُمْ يعني: معبودكم ومعبود آبائكم وأجدادكم الْأَقْدَمُونَ يعني: الماضين فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي يعني: هم أعدائي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ يقال معناه: إلا من يعبد رب العالمين.
ويقال: كانوا يعبدون مع الله الآلهة، فقال لهم: جميع ما تعبدون من الآلهة، فهو عدو لي إلا رب العالمين، فإنه ليس بعدوّ لي.
ويقال: معناه أتبرأ من أفعالكم وأقوالكم، إلا الذي تقولون: رب العالمين وهو قوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: 87] ويقال: إِلَّا بمعنى لكن، ومعناه: فإنهم عدو لي، لكن رب العالمين، يعني: لكن أعبد رب العالمين.
ثم وصف لهم رب العالمين فقال: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ يعني: يحفظني ويثبتني على الهدى وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ يعني: هو الذي يرزقني ويرحمني.
ثم قال: وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ فقد أضاف سائر الأشياء إلى الله تعالى، وأضاف المرض إلى نفسه، لأن المرض بكسب يده كقوله عز وجل: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30] وفيه كفارة وإذا كان أصله من كسب نفسه، أضافه إلى نفسه.
ثم قال: وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ يعني: يميتني في الدنيا، ويحييني للبعث وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ يعني: أرجو أن يغفر خطيئتي، وهو قوله: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: 89] ويقال قوله: هذا رَبِّي [الأنعام: 78] ويقال: ما كان نبي من الأنبياء عليهم السلام إلا وقد همّ بزلة.
ثم قَالَ: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً يعني: النبوة وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ يعني: بالمرسلين في الجنة وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ يعني: الثناء الحسن في الباقين، وإنما أراد بالثناء الحسن، لكي يقتدوا به، فيكون له مثل أجر من اقتدى به وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ يعني: اجعلني ممن ينزل فيها.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ تقدم بيانُ هذه الجملة، والحمد للَّه فانظره في مَحَلِّهِ قال ابنُ العربيِّ «١» في «أحكامه» : قال مالكٌ: دعا موسى فرعونَ أربعين سنةً إلى الإسلام، وأنَّ السحرة آمنوا في يوم واحد، انتهى، وقولهم: لاَ ضَيْرَ أي: لاَ يَضُرُّنا ذلك مع انقلابنا إلى مغفرة الله ورضوانه، وقولهم: أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ يريدون: من القِبْطِ وصنيفتهم، وإلاَّ فقد كانت بنو إسرائيل آمنت، والشِّرْذَمَةُ: الجمع القليل المُحْتَقَرُ، وشرذمة كل شيء: بَقِيَّتُهُ الخسيسة.
وقوله: لَغائِظُونَ يريد بخلافهم الأمر وبأخذهم الأموال عارية وحاذِرُونَ جمع حَذِرٌ، والضمير في قوله: فَأَخْرَجْناهُمْ عائد على القِبْطِ، والجنات والعيون بحافتي النيل من أسوان إلى رشيد قاله ابن عمر «٢» وغيره، والمقام الكريم: قال ابن لَهِيعَةَ: هو الفَيُّوم، ٤٨ أوقيل: هو المنابر، وقيل: مجالس الأمراء والحُكَّامِ، وقيل: / المساكن الحسان، ومُشْرِقِينَ معناه: عند شروق الشمس، وقيل: معناه: نحو المشرق، والطود: هو الجبل، وأَزْلَفْنا معناه: قَرَّبنا، وقرأ ابن عباس «٣» : «وأزْلَقْنَا» بالقاف.
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ ...
الآية: هذه الآية تضمنت الإعلام بغيب، والعكوف:
اللزوم.
وقوله: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ قالت فرقة: هو استثناءٌ مُتَّصِلٌ.
لأنَّ في الآباء الأقدمين مَنْ قد عبد الله تعالى، وقالت فرقة: هو استثناءٌ مُنْقَطِعٌ لأَنَّهْ إنَّما أراد عُبَّادَ الأوثان من كل قرن منهم، وأسند إبراهيم عليه السلام المَرَضَ إلى نفسِهِ والشفاء إلى ربه عز وجل، وهذا حُسْنُ أدب في العبارة، والكل من عند الله، وأوقف عليه السلام نفسه على الطمع في المغفرة، وهذا دليل على شِدَّةِ خوفه مع عُلُوِّ منزلته عند الله، وروى الترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «مَنْ عَادَ مَرِيضاً أَوْ زَارَ أَخَا [لَهُ] «١» في اللهِ- نَادَاهُ مُنَادٍ: أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنْزِلاً» «٢» ، قال أبو عيسى:
هذا حديثٌ حَسَنَ، انتهى.
وفي «صحيح مسلم» عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الجنة حَتَّى يَرْجِعَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا خُرْفَةُ الجَنَّةِ؟
قال: جَنَاهَا» «٣» انتهى، وعنه صلى الله عليه وسلّم: «مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ العَظِيمِ «٤» أَنْ يَشْفَيَكَ- إلاَّ عَافَاهُ اللهُ سُبْحَانَهُ» «٥» خرجه أبو داود، والترمذيُّ، والحاكم في «المُسْتَدْرَكِ على الصحيحين» بالإسناد الصحيح، انتهى من «حلية النوويِّ» ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَ رَأْسِهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ:
أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ العَظِيمِ- أَنْ يَشْفَيَكَ- إلاَّ عَافَاهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ» «٦» .
رواه أبو داودَ واللفظ له، والترمذيُّ والنسائِيُّ والحاكم وابن حِبَّان في «صحيحيهما» بمعناه، وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط الشيخَيْنِ، يعني: البخاريَّ ومُسْلِماً، وفي رواية النسائيّ وابن حبّان: «كان النّبيّ صلى الله عليه وسلّم إذَا عَادَ الْمَرِيضَ، جَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ» ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ بمعناه انتهى من «السلاح» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ ﴾ والمَعْنى: هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " هَلْ يُسْمِعُونَكم " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ، ﴿ إذْ تَدْعُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنْ شِئْتَ بَيَّنْتَ الذّالَ، وإنْ شِئْتَ أدْغَمْتَها في التّاءِ وهو أجْوَدُ في العَرَبِيَّةِ، لِقُرْبِ الذّالِ مِنَ التّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يَنْفَعُونَكُمْ ﴾ أيْ: إنْ عَبَدْتُمُوهم ﴿ أوْ يَضُرُّونَ ﴾ إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُمْ؟
فَأخْبَرُوا عَنْ تَقْلِيدِ آبائِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الواحِدِ والمُرادُ بِهِ الجَمِيعُ؛ فالمَعْنى: فَإنَّهم أعْداءٌ لِي.
والثّانِي: فَإنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ لَكم عَدُوٌّ لِي.
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ وصْفِ الجَمادِ بِالعَداوَةِ؟
فالجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي يَوْمَ القِيامَةِ إنْ عَبَدْتُهم.
والثّانِي: أنَّهُ مِنَ المَقْلُوبِ؛ والمَعْنى: فَإنِّي عَدُوٌّ لَهم، لِأنَّ مَن عادَيْتَهُ عاداكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ إلا رَبَّ العالَمِينَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ الجِنْسِ، لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ مَعَ آلِهَتِهِمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مِن غَيْرِ الجِنْسِ؛ والمَعْنى: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ [لَيْسَ كَذَلِكَ]، قالَهُ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ ﴾ أيْ: إلى الرُّشْدِ، لا ما تَعْبُدُونَ، ﴿ والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ ﴾ أيْ: هو رازِقِي الطَّعامَ والشَّرابَ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ مَرِضْتُ ﴾ ، ولَمْ يَقُلْ " أمْرَضَنِي " ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ أرادَ الثَّناءَ عَلى رَبِّهِ فَأضافَ إلَيْهِ الخَيْرَ المَحْضَ، لِأنَّهُ لَوْ قالَ: " أمْرَضَنِي " لَعَدَّ قَوْمُهُ ذَلِكَ عَيْبًا، فاسْتَعْمَلَ حُسْنَ الأدَبِ؛ ونَظِيرُهُ قِصَّةُ الخَضِرِ حِينَ قالَ في العَيْبِ: ﴿ فَأرَدْتُ ﴾ ، وفي الخَيْرِ المَحْضِ: ﴿ فَأرادَ رَبُّكَ ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ: ﴿ والَّذِي يُمِيتُنِي ﴾ .
فالجَوابُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا لا يُنْكِرُونَ المَوْتَ، وإنَّما يَجْعَلُونَ لَهُ سَبَبًا سِوى تَقْدِيرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَأضافَهُ إبْراهِيمُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ يُحْيِينِ ﴾ يَعْنِي لِلْبَعْثِ، [وَهُوَ] أمْرٌ لا يُقِرُّونَ بِهِ، وإنَّما قالَهُ اسْتِدْلالًا عَلَيْهِمْ؛ والمَعْنى: أنَّ ما وافَقْتُمُونِي عَلَيْهِ مُوجِبٌ لِصِحَّةِ قَوْلِي فِيما خالَفْتُمُونِي فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي ﴾ يَعْنِي: ما يَجْرِي عَلى مِثْلِي مِنَ الزَّلَلِ؛ والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: إنَّما عَنى الكَلِماتِ الثَّلاثَ الَّتِي ذَكَرْناها في (الأنْبِياءِ: ٦٣)، ﴿ يَوْمَ الدِّينِ ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ الحَشْرِ والحِسابِ؛ وهَذا احْتِجاجٌ عَلى قَوْمِهِ أنَّهُ لا تَصْلُحُ الإلَهِيَّةُ إلّا لِمَن فَعَلَ هَذِهِ الأفْعالَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ ﴾ ﴿ والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ ﴾ ﴿ وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ ﴾ ﴿ والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ﴾ ﴿ والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِينِ ﴾ ﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصالِحِينَ ﴾ ﴿ واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ ﴾ ﴿ واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَعِيمِ ﴾ ﴿ واغْفِرْ لأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضالِّينَ ﴾ ﴿ وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾ أثْنى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى اللهِ تَعالى بِهَذِهِ الأوصافِ الَّتِي وُصِفَ اللهُ تَعالى بِها، والمُتَّصِفُ بِها يَسْتَحِقُّ الأوصافَ الفِعْلِيَّةَ الَّتِي تَخُصُّ البَشَرَ.
و ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي ﴾ بِقُدْرَتِهِ ﴿ فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾ أيْ: يُرْشِدُنِي إلى طاعَتِهِ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿ يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ ﴾ تَجْدِيدٌ لِلنِّعْمَةِ في الرِزْقِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: المَعْنى: يُطْعِمُنِي بِلا طَعامٍ، ويَسْقِينِي بِلا شَرابٍ، كَما قالَ النَبِيُّ : «إنِّي أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ».
وأسْنَدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ، والشِفاءَ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا حُسْنُ الأدَبِ في العِبارَةِ، والكُلُّ مِن عِنْدِ اللهِ، وهَذا كَقَوْلِ الخِضْرِ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها ﴾ .
وقالَ جَعْفَرٌ الصادِقُ: إذا مَرِضْتُ بِالذُنُوبِ، شَفانِي بِالتَوْبَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ هَذِهِ الأفْعالَ: [يَهْدِينِ يَسْقِينِ يَشْفِينِ - يُحْيِينِ] بِغَيْرِ ياءٍ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ إسْحاقَ: "يَهْدِينِ" بِالياءِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ.
وأوقَفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ نَفْسَهُ عَلى الطَمَعِ في المَغْفِرَةِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ خَوْفِهِ مَعَ مَنزِلَتِهِ وخُلَّتِهِ.
وقَوْلُهُ: "خَطِيئَتِي" ذَهَبَ فِيهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُ أرادَ كِذْباتِهِ الثَلاثَ: قَوْلُهُ: "هِيَ أُخْتِي" في شَأْنِ سارَّةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالخَطِيئَةِ اسْمَ الجِنْسِ، قَدَّرَها في كُلِّ أمْرِهِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أظْهَرُ عِنْدِي؛ لِأنَّ تِلْكَ الثَلاثَ قَدْ خَرَّجَها كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى المَعارِيضِ، وهي وإنْ كانَتْ كِذْباتٌ بِحُكْمِ قَوْلِ النَبِيِّ : «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ إلّا ثَلاثَ كِذْباتٍ»، وبِحُكْمِ ما في حَدِيثِ الشَفاعَةِ مِن قَوْلِهِ في شَأْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: «نَفْسِي نَفْسِي»، وذَكَرَ كِذْباتِهِ فَهي في مَصالِحٍ وعَوْنِ شَرْعٍ وحَقٍّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خَطِيئَتِي" بِالإفْرادِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "خَطايايَ" بِالجَمْعِ.
و"الحُكْمُ" الَّذِي دَعا فِيهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ هو الحِكْمَةُ والنُبُوَّةُ، ودُعاءُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في مِثْلِ هَذا هو في مَعْنى التَثْبِيتِ والدَوامِ.
و"إلْحاقُهُ بِالصالِحِينَ": تَوْفِيقُهُ لِعَمَلٍ يَنْتَظِمُهُ في جُمْلَتِهِمْ أو يَجْمَعُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في الجَنَّةِ، وقَدْ أجابَهُ تَبارَكَ وتَعالى حَيْثُ قالَ: ﴿ وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ ﴾ .
و"لِسانُ الصِدْقِ" هو الثَناءُ وتَخْلِيدُ المَكانَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وكَذَلِكَ أجابَ اللهُ دَعْوَتَهُ، فَكُلُّ مِلَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ، وهو عَلى الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ .
قالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: مَعْنى سُؤالَهُ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ فَأُجِيبَتِ الدَعْوَةُ في مُحَمَّدٍ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ، إلّا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لا يُعْطِيهِ إلّا بِتَحَكُّمٍ في اللَفْظِ.
وَلَمّا فَرَغَ مِن مَطالِبِ الدُنْيا طَلَبَ سَعادَةَ الآخِرَةِ وهي جَنَّةُ النَعِيمِ، وشَبَّهَها بِما يُورَثُ، قالَ تَعالى: ﴿ تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مِن كانَ تَقِيًّا ﴾ ، واسْتِغْفارُهُ لِأبِيهِ في هَذِهِ الآيَةِ هو قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ أنَّهُ عَدُوٌّ لَهُ، أيْ مَحْتُومٌ عَلَيْهِ، وهو عَنِ المَوْعِدَةِ المَذْكُورَةِ.
قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "واغْفِرْ لِأبَوِيَّ إنَّهُما كانا مِنَ الضالِّينَ".
﴿ وَلا تُخْزِنِي ﴾ إمّا مِنَ الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وإمّا مِنَ الخَزايَةِ وهي الحَياءُ، والضَمِيرُ في "يَبْعَثُونَ" ضَمِيرُ العِبادِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، أو ضَمِيرُ الضالِّينَ، ويَكُونُ مِن جُمْلَةِ الِاسْتِغْفارِ.
<div class="verse-tafsir"
الأظهر أن الموصول في موضع نعت ل ﴿ ربّ العالمين ﴾ [الشعراء: 77] وأنّ ﴿ فهو يهدين ﴾ عطف على الصلة مفرع عليه لأنه إذا كان هو الخالق فهو الأولى بتدبير مخلوقاته دون أن يتولاّها غيره.
ويجوز أن يكون الموصول مبتدأ مستأنفاً به ويكون ﴿ فهو يهدين ﴾ خبراً عن ﴿ الذي ﴾ .
وزيدت الفاء في الخبر لمشابهة الموصول للشرط.
وعلى الاحتمالين ففي الموصولية إيماء إلى وجه بناء الخبر وهو الاستدراك بالاستثناء الذي في قوله: ﴿ إلا رب العالمين ﴾ [الشعراء: 77]، أي ذلك هو الذي أُخلصُ له لأنه خلقني كقوله في الآية الأخرى: ﴿ إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ﴾ [الأنعام: 79].
وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: ﴿ فهو يهدين ﴾ دون أن يقول: فيهدين، لتخصيصه بأنه متولي الهداية دون غيره لأن المقام لإبطال اعتقادهم تصرف أصنامهم بالقصر الإضافي، وهو قصر قلب.
وليس الضمير ضمير فصل لأن ضمير الفصل لا يقع بعد العاطف.
والتعبير بالمضارع في قوله: ﴿ يهدين ﴾ لأن الهداية متجددة له.
وجعل فعل الهداية مفرّعاً بالفاء على فعل الخلق لأنه معاقب له لأن الهداية بهذا المعنى من مقتضى الخلق لأنها ناشئة عن خلق العقل كما قال تعالى: ﴿ الذي أعطى كلَّ شيء خلقه ثم هدى ﴾ [طه: 50].
والمراد بالهداية الدلالة على طرق العلم كما في قوله تعالى: ﴿ وهديناه النجدين ﴾ [البلد: 10] فيكون المعنى: الذي خلقني جسداً وعقلاً.
ومن الهداية المذكورة دفع وساوس الباطل عن العقل حتى يكون إعمال النظر معصوماً من الخطأ.
والقول في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: ﴿ والذي هو يطعمني ويسقين ﴾ ، وقوله: ﴿ فهو يشفين ﴾ كالقول في سابقهما للرد على زعمهم أن الأصنام تقدر لهم تيسير ما يأكلون وما يشربون وبها برؤهم إذا مرضوا، وليسا بضميري فصل أيضاً.
وعطف ﴿ إذا مَرضت ﴾ على ﴿ يطعمني ويسقينِ ﴾ لأنه لم يكن حين قال ذلك مريضاً فإن ﴿ إذا ﴾ تخلص الفعل بعدها للمستقبل، أي إذا طرأ عليّ مرض.
وفي إسناده فعل المرض إلى نفسه تأدب مع الله راعى فيه الإسناد إلى الأسباب الظاهرة في مقام الأدب، فأسند إحداث المرض إلى ذاته ولأنه المتسبب فيه، فأما قوله: ﴿ والذي يميتني ثم يحيين ﴾ فلم يأت فيه بما يقتضي الحصر لأنهم لم يكونوا يزعمون أن الأصنام تميت بل عمل الأصنام قاصر على الإعانة أو الإعاقة في أعمال الناس في حياتهم.
فأما الموت فهو من فعل الدهر والطبيعة إن كانوا دهريين وإن كانوا يعلمون أن الخلق والإحياء والإماتة ليست من شؤون الأصنام وأنها من فعل الله تعالى كما يعتقد المشركون من العرب فظاهر.
وتكرير اسم المَوصول في المواضع الثلاثة مع أن مقتضى الظاهر أن تعطف الصلتان على الصلة الأولى للاهتمام بصاحب تلك الصلات الثلاث لأنها نعت عظيم لله تعالى فحقيق أن يجعل مستقلاً بدلالته.
وأطلق على رجاء المغفرة لفظ الطمع تواضعاً لله تعالى ومباعدة لنفسه عن هاجس استحقاقه المغفرة وإنما طمع في ذلك لوعد الله بذلك.
والخطيئة: الذنب.
يقال: خَطِئ إذا أذنب.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ نغفر لكم خطاياكم ﴾ في البقرة (58).
والمقصود في لسان الشرائع: مخالفة ما أمر به الشرع.
وإذ قد كان إبراهيم حينئذ نبيئاً والأنبياء معصومون من الذنوب كبيرها وصغيرها فالخطيئة منهم هي مخالفة مقتضى المقام النبوي.
والمغفرة: العفو عن الخطايا، وإنما قيده بيوم الدين} لأنه اليوم الذي يظهر فيه أثر العفو، فأما صدور العفو من الله لِمثل إبراهيم عليه السلام ففي الدنيا، وقد يغفر خطايا بعض الخاطئين يوم القيامة بعد الشفاعة.
ويوم الدين: هو يوم الجزاء، وهذا الكلام خبر يتضمن تعريضاً بالدعاء.
وقد أشار في هذه النعوت إلى ما هو من تصرفات الله في العالم الحِسي بحيث لا يخفى عن أحد قصداً لاقتصاص إيمان المشركين إن راموا الاهتداء.
وفي تلك النعوت إشارة إلى أنها مهيئات للكمال النفساني فقد جمعت كلمات إبراهيم عليه السلام مع دلالتها على انفراد الله بالتصرف في تلك الأفعال التي هي أصل أطوار الخَلْق الجسماني دلالة أخرى على جميع أصول النعم من أول الخَلْق إلى الخَلْق الثاني وهو البعث، فذكر خَلق الجسد وخَلق العقل وإعطاءَ ما به بقاء المخلوق وهو الغذاء والماء، وما يعتري المرء من اختلال المزاج وشفائه، وذكر الموت الذي هو خاتمة الحياة الأولى، وأعقبه بذكر الحياة الثانية للإشارة إلى أن الموت حالة لا يظهر كونها نعمة إلا بغوص فكر ولكن وراءه حياة هي نعمة لا محالة لمن شاء أن تكون له نعمةً.
وحذفت ياآت المتكلم من ﴿ يهدين، ويسقين، ويشفين، ويحيين ﴾ لأجل التخفيف ورعاية الفاصلة لأنها يوقف عليها، وفواصل هذه السورة أكثرها بالنون الساكنة، وقد تقدم ذلك في قوله: ﴿ فأخاف أن يقتلون ﴾ [الشعراء: 14] في قصة موسى المتقدمة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الَّذِي خَلَقَنِي بِنِعْمَتِهِ فَهو يَهْدِينِ لِطاعَتِهِ.
الثّانِي: الَّذِي خَلَقَنِي لِطاعَتِهِ فَهو يَهْدِينِي لِجَنَّتِهِ، فَإنْ قِيلَ فَهَذِهِ صِفَةٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ فَكَيْفَ جَعَلَها إبْراهِيمُ دَلِيلًا عَلى هِدايَتِهِ ولَمْ يَهْتَدِ بِها غَيْرُهُ؟
قِيلَ: إنَّما ذَكَرَها احْتِجاجًا عَلى وُجُوبِ الطّاعَةِ، لِأنَّ مَن أنْعَمَ وجَبَ أنْ يُطاعَ ولا يُعْصى لِيَلْتَزِمَ غَيْرُهُ مِنَ الطّاعَةِ ما قَدِ التَزَمَها، وهَذا إلْزامٌ صَحِيحٌ ثُمَّ فَصَّلَ ذَلِكَ بِتَعْدِيدِ نِعَمِهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ ﴾ ﴿ وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ ﴾ وهَذا احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ لِمُوافَقَتِهِمْ لَهُ ثُمَّ قالَ: ﴿ والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ﴾ وهَذا قالَهُ اسْتِدْلالًا ولَمْ يَقُلْهُ احْتِجاجًا، لِأنَّهم خالَفُوهُ فِيهِ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّ ما وافَقُوهُ عَلَيْهِ مُوجِبٌ لِما خالَفُوهُ فِيهِ.
وَتُجَوِّزُ بَعْضُ المُتَعَمِّقَةِ في غَوامِضِ المَعانِي فَعَدَلَ بِذَلِكَ عَنْ ظاهِرِهِ إلى ما تَدْفَعُهُ بَداهَةُ العُقُولِ فَتَأوَّلَ ﴿ والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ ﴾ أيْ يُطْعِمُنِي لَذَّةَ الإيمانِ ويَسْقِينِي حَلاوَةَ القَبُولِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا مَرِضْتُ بِمُخالَفَتِهِ شَفانِي بِرَحْمَتِهِ.
الثّانِي: مَرِضْتُ بِمُقاساةِ الخَلْقِ شَفانِي بِمُشاهَدَةِ الحَقِّ.
وَتَأوَّلُوا قَوْلَهُ: ﴿ والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ﴾ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: والَّذِي يُمِيتُنِي بِالمَعاصِي ويُحْيِينِي بِالطّاعاتِ.
الثّانِي: يُمِيتُنِي بِالخَوْفِ ويُحْيِينِي بِالرَّجاءِ.
الثّالِثُ: يُمِيتُنِي بِالطَّمَعِ ويُحْيِينِي بِالقَناعَةِ.
وَهَذِهِ تَأْوِيلاتٌ تَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الِاحْتِمالِ إلى جِهَةِ الِاسْتِطْرافِ، فَلِذَلِكَ ذَكَرْناها وإنْ كانَ حَذْفُها مِن كِتابِنا أوْلى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان يقال أول نعمة الله على عبده حين خلقه.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ﴾ قال: قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ [ الصافات: 29] وقوله: ﴿ بل فعله كبيرهم هذا ﴾ [ الأنبياء: 63] وقوله لسارة: إنها أختي.
حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ يعني أهل الجنة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واجعل لي لسان صدق في الآخرين ﴾ قال: يؤمن بإبراهيم كل ملة.
وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر، وابن مردويه من طريق الحسن عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا توضأ العبد لصلاة مكتوبة فاسبغ الوضوء ثم خرج من باب داره يريد المسجد، فقال حين يخرج: بسم الله الذي خلقني فهو يهدين.
هداه الله للصواب- ولفظ ابن مردويه: لصواب الأعمال- والذي هو يطعمني ويسقين.
أطعمه الله من طعام الجنة، وسقاه من شراب الجنة، وإذا مرضت فهو يشفين.
شفاه الله وجعل مرضه كفارة لذنوبه، والذي يميتني ثم يحيين.
أحياه الله حياة السعداء، وأماته ميتة الشهداء، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين.
غفر الله خطاياه كلها وإن كانت أكثر من زبد البحر، رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين.
وهب الله له حكماً وألحقه بصالح من مضى وصالح من بقي، واجعل لي لسان صدق في الآخرين.
كتب في ورقة بيضاء أن فلان بن فلان من الصادقين، ثم وفقه الله بعد ذلك للصدق، واجعلني من ورثة جنة النعيم.
جعل الله له القصور والمنازل في الجنة» وكان الحسن يزيد فيه- واغفر لوالدي كما ربياني صغيراً.
وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه «عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله أن ابن جدعان كان يقري الضيف، ويصل الرحم، ويفعل ويفعل.
أينفعه ذلك؟
قال: لا.
إنه لم يقل يوماً قط: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ﴾ قال مقاتل: أرجو (١) ﴿ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي ﴾ قال مجاهد، ومقاتل، والكلبي، والحسن (٢) ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ وقوله: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ﴾ وهي الكذبات الثلاث (٣) وزاد الكلبي والحسن قوله للكواكب: ﴿ هَذَا رَبِّي ﴾ (٤) وقال أبو إسحاق: معنى ﴿ خَطِيئَتِي ﴾ أن الأنبياء بشر، وقد يجوز أن تقع عليهم الخطيئة إلا أنهم لا تكون منهم الكبيرة؛ لأنهم معصومون (٥) وقال أهل المعاني في قوله: (أطمع) هذا تلطف من إبراهيم في حسن الاستدعاء، وخضوع لله -عز وجل- (٦) قوله: ﴿ يَوْمَ الدِّينِ ﴾ يريد يوم الجزاء.
قاله ابن عباس (٧) وقال مقاتل: يعني يوم الحساب (٨) (١) "تفسير مقاتل" 51 ب.
و"تنوير المقباس" 309.
(٢) الحسن غير موجودة في نسخة (ب).
(٣) "تنوير المقباس" 309.
و"تفسير مجاهد" 2/ 462.
و"تفسير مقاتل" 51 ب.
وأخرجه بسنده ابن جرير 19/ 85، عن مجاهد.
وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2780، عن أبي هريرة - - مرفوعاً.
ولفظه عند البخاري، من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - -: (لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ - - إِلا ثَلَاثَ كَذَبَات ثِنْتَيْنِ مِنْهُن فِي ذَاتَ الله -عز وجل-؛ قَوْلُهُ: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ﴾ وَقَالَ: بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمِ وَسارَةُ إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ فَقِيلَ لَه إِنَّ هَاهُنَا رجُلا مَعَهْ امْرَأَةٌ مِرْ أَحْسَنِ == النَّاسِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ مَنْ هَذِهِ قَالَ أُخْتِي فَأَتَى سَارَةَ قَالَ يَا سَارَةُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ وَإِن هَذَا سَألَني فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ اخْتِي فَلَا تُكَذِّبِينِي فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ فَقَالَ ادْعِي الله لِي وَلَا أَضُرُّكِ فَدَعَتِ الله فَأُطْلِقَ ثُمّ تَنَاوَلَهَا الثانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ فَقَالَ ادْعِي الله لِي وَلَا أَضُركِ فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ مَهْيَا قَالَتْ رَدَّ الله كَيْدَ الْكَافِرِ أَوِ الْفَاجِرِ في نَحْرِهِ وَأَخْدَمَ هَاجَرَ).
البخاري، كتاب الأنبياء، رقم: 3358، الفتح 6/ 388.
ومسلم، 4/ 1840، كتاب الفضائل، رقم: 2371.
(٤) "تفسير الوسيط" 3/ 355.
وذكره السمرقندي، في "تفسيره" 2/ 475، ولم ينسبه.
ونسبه الثعلبي 8/ 112 ب، والبغوي 6/ 118، للحسن.
قال ابن عطية 11/ 123: وقالت فرقة: أراد بالخطيئة اسم الجنس، قدرها في كل أمره من غير تعيين.
واستظهر ابن عطية هذا القول.
وهذا مخالف لظاهر الآية حيث نسبة الخطأ إلى نفسه، ومخالف للحديث السابق، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون فيما يتعلق بالوحي وتبليغ الرسالة، ولا ينافي إثبات ذلك عصمةَ الرسل؛ فالعصمة ثابتة لهم في تبليغ الوحي، وأما ما يفعلونه باجتهادهم فهم كغيرهم من البشر يصيبون، وقد يخطئون فيصحح خطؤهم.
والله أعلم.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 94.
(٦) "تفسير الوسيط" 3/ 355، ولم ينسبه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2780، عن الأعرج.
قال ابن جرير 19/ 85: (يوم الحساب، يوم المجازاة).
(٨) "تفسير مقاتل" 51 ب.
ذكر الواحدي، في "الوسيط" 3/ 356، هاهنا حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ في الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وُيطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ قَالَ لَا يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) أخرجه مسلم 1/ 196، كتاب الإيمان، رقم 214.
والحاكم 2/ 439، كتاب التفسير، رقم: 3524، وقال صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
والحديث أخرجه مسلم كما سبق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي ﴾ قيل أراد كذباته الثلاثة الواردة في الحديث وهي قوله في سارة زوجته: هي أختي، وقوله: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ [الصافات: 89] وقوله: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ﴾ [الأنبياء: 63] أراد الجنس على الإطلاق؛ لأن هذه الثلاثة من المعاريض فلا إثم فيها ﴿ لِسَانَ صِدْقٍ ﴾ ثناء جميلاً ﴿ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ﴾ وما بعده منقطع عن كلام إبراهيم، وهو من كلام الله تعالى، ويحتمل أن يكون أيضاً من كلام إبراهيم ﴿ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ ، قيل: سليم من الشرك والمعاصي وقيل: الذي يلقى ربه وليس في قلبه شيء غيره وقيل: بقلب لديغ من خشية الله، والسليم هو اللديغ: لغة، وقال الزمخشري: هذا من بدع التفاسير، وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون متصلاً فيكون: ﴿ مَنْ أَتَى الله ﴾ مفعولاً، بقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ ﴾ والمعنى على هذا أن المال لا ينفع إلا من أنفقه في طاعة الله وأن النبيين لا ينفعون إلا من علمهم الدين وأوصاهم بالحق ويحتمل أيضا أن يكون متصلاً ويكون قوله: ﴿ مَنْ أَتَى الله ﴾ بدلاً من قوله: ﴿ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ ﴾ على حذف مضاف تقديره: إلا مال من أتى الله وبنوه ويحتمل أن يكون منقطعاً بمعنى لكن ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجنة ﴾ أي قربت.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لي إلا ﴾ ﴿ واغفر لأبي إنه ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع ﴿ وأجري إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص: ﴿ وأتباعك ﴾ على أنه جمع تابع أو تبع: يعقوب ﴿ أنا إلا ﴾ بالمد: أبو نشيط عن قالون ﴿ معي من المؤمنين ﴾ بفتح ياء المتكلم: حفص وورش.
الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" طرف ﴿ اتل ﴾ وإنما هو منصوب باذكر ﴿ ما تعبدون ﴾ ه ﴿ عاكفين ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ه ﴿ يضرون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا لأن الضمير بعده توكيد ﴿ الأقدمون ﴾ ه والوصل أولى للفاء ﴿ العالمين ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ صفة الرب ﴿ يهدين ﴾ ه لا ﴿ يشفين ﴾ ه ﴿ ويسقين ﴾ ه ﴿ يحيين ﴾ ه لا ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ بالصالحين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ النعيم ﴾ ه لا ﴿ الضالين ﴾ ه لا ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ ولا بنون ﴾ ه لا ﴿ سليم ﴾ ه ط بناء على أن ما بعده إلى آخر أحوال الجنة والنار هو من كلام الله وهو الظاهر.
وقيل: هو من تتمة كلام إبراهيم ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ شافعين ﴾ ه ﴿ حميم ﴾ ه ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الاية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ج لأن "إذ" تصلح ظرفاً للتكذيب مفعولاً لا ذكر ﴿ تتقون ﴾ ج ه لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ أمين ﴾ ه لا للفاء ﴿ وأطيعون ﴾ ج ه ﴿ من أجر ﴾ ج ﴿ العالمين ﴾ ج ه ﴿ وأطيعون ﴾ ه لا ﴿ الأرذلون ﴾ ه ط ﴿ يعملون ﴾ ج ه لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ تشعرون ﴾ ه لذلك ﴿ المؤمنين ﴾ ج ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ المرجومين ﴾ ه ط ﴿ كذبون ﴾ ه ج ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المشحون ﴾ ج ه ﴿ الباقين ﴾ ه ﴿ الآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ط ﴿ الرحيم ﴾ ه.
التفسير: القصة الثانية قصة إبراهيم وكان يعلم عبدة أصنام ولكنه سألهم للإلزام والتبكيت.
ومثله أهل المعاني بأن يقول أحد للتاجر: ما مالك؟
وهو يعلم أن ماله الرقيق ثم يقول له الرقيق: جمال وليس بمال.
وإنما قال في سورة الصافات ﴿ ماذا تعبدون ﴾ بزيادة "ذا" لأنه أراد هناك مزيد التوبيخ ولذلك بنى الكلام على الزيادة ثم اردفه بقوله ﴿ أئفكا آلهة دون الله تريدون ﴾ وحين صرح هنالك بالتوبيخ لم يجيبوه وههنا ظنوا أنه يريد الاستفهام حقيقة فأجابوه ولكنهم بسطوا الكلام بسطاً ولم يقتصروا على ﴿ أصناماً ﴾ بل زادوا ناصبه وعقبوه بقولهم ﴿ فنظل لها عاكفين ﴾ إظهاراً للابتهاج والافتخار.
قال في الكشاف: وإنما قالوا ﴿ فنظل ﴾ لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل.
قلت: وهذا مبني على النقل الصحيح والظن به حسن.
قال: لا بد في ﴿ يسمعونكم ﴾ من تقدير حذف المضاف معناه هل يسمعون دعاءكم؟
قلت: ويحتمل أن يكون المحذوف مفعولاً ثانياً أي هل يسمعونكم تدعون إذ تدعون وهو حكاية حال ماضية لأن "إذ" للمضي ومعناه استحضار الأحوال الماضية التي كانوا يدعونها فيها.
وحين تمسكوا في الجواب بطريقة التقليد قائلين على سبيل الإضراب ﴿ بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ﴾ نبههم إبراهيم بقوله ﴿ أفرأيتم ﴾ على أن الباطل لا يتغير بأن يكون قديماً أو حديثاً ولا بأن يكون في مرتكبيه كثرة أو قلة، وصرح بأن معبوديه أعداء لقوله ﴿ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً ﴾ أو لأن الذي يغري على عبادتها هو الشيطان وهو أعدى عدو للإنسان، وإنما لم يقل عدوّ لكم لأنه أراد تصوير المسألة في نفسه ليكون أدل على النصح وأقرب إلى القبول كأنه قال: إني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدوّ.
ويحكى عن الشافعي أن رجلاً واجهه بشيء فقال: لو كنت بحيث أنت لاحتجت إلى أدب.
وقوله ﴿ إلا رب العالمين ﴾ استثناء منقطع أي لكن رب العالمين حبيب لي.
ثم وصف لهم الرب بأنه ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾ أي خلق بدني على كماله الممكن له ثم يهدين في الاستقبال إلى ضروب مصالح الدين والدنيا كامتصاص الدم في البطن والثدي بعد الولادة نظيره ما مر في "طه" ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ .
ثم نبه بقوله ﴿ والذي هو يطعمني ويسقين ﴾ أن الذي يتعلق به قوام البدن من الاغتذاء بالطعام والإساغة بالشراب هو من جملة إنعام الله لأنه خلق هناك قوى جاذبة وماسكة وهاضمة ودافعة وغيرها، ولولاها لما تم أمر الانتفاع بالغذاء بل نفس الغذاء من جملة نعمه الشاملة، ثم قال ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين ﴾ وذلك أن البدن ليس دائماً على النهج الطبيعي بحيث تصدر عنه الأفعال الموضوع هو لها سليمة فاسترداد الصحة بعد زوالها ليس إلا بإذن الله وبما خلق لكل داء دواء وإنما لم يقل أمرضني لأن كثيراً من اسباب المرض يحدث بإسراف الإنسان في المطعم والمشرب.
وأيضاً الصحة تحتاج إلى سبب قاهر يقسر الأخلاط والقوى على النسبة المطلوبة، أما المرض فإنه بسبب تنافر الأخلاط وطلب كل منها مركزه الأصلي.
وأيضاً فيه رعاية الأدب في مقام المدح وتعداد النعم وإنما لم يراع هذه النكتة في قوله ﴿ والذي يميتني ﴾ لأن الإماتة ليست بضر كالمرض.
إما بعدم الإحساس وقتئذ، وإما لأنها مقدمة الوصول إلى عالم الخير والراحة.
وإنما زاد لفظة "هو" في الإطعام والشفاء لأنهما قد ينسبان إلى الإنسان فيقال: زيد يطعم وعمرو يداوي.
فأكد إعلاماً بأن ذلك في الحقيقة من الله، واما الإماتة والإحياء فلا يدعيهما مدع فأطلق: ثم اشار إلى ما بعد الإحياء من المجازاة بقوله ﴿ والذي أطمع ﴾ فحمل الأشاعرة الطمع على مجرد الظن والرجاء بناء على أنه لا يجب لأحد على الله شيء.
وحمله المعتزلة على اليقين تارة وعلى هضم النفس والتواضع وتعليم الأمة أخرى، كما أنه أضاف الخطيئة إلى نفسه لمثل ذلك.
وقد تحمل الخطيئة على المعاريض المنسوبة إليه من قوله ﴿ إني سقيم ﴾ وقوله ﴿ بل فعله كبيرهم ﴾ وقوله لسارة "هي أختي" وإنما علق المغفرة بيوم الدين لأن أثرها يتبين يومئذ وهو في الدنيا خفي.
قال بعضهم: فائدة زيادة "لي" هي أن يعلم أن المغفرة فائدتها تعود إليه والله لا يستفيد بذلك كمالاً لم يكن له.
والمراد: أطمع أن يغفر لي لمجرد عبوديتي له واحتياجي إليه لا بواسطة شفيع كما قال لجبرائيل: أما إليك فلا.
وحين قدم الثناء شرع في الدعاء تعليماً لأمته إذا أرادوا مسألة فقال ﴿ رب هب لي حكماً ﴾ وهو إشارة إلى كمال القوة النظرية ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ وهو إشارة إلى كمال القوة العملية.
ولقد اجابه حيث قال ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ وقيل: الحكم النبوة إذ النبي ذو حكمة وذو حكم.
بين عباد الله وزيف بأنه كان حاصلاً فكيف يطلبه؟
والظاهر أنه اراد بالحكم النسب الذهنية المطابقة للخارجية أعني العلوم النظرية كما بينا.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال، إنه طلب العلم من الله فلولا أن العلم بخلقه وإلا كان السؤال عبثاً.
وحمله المعتزلة على منح الألطاف.
قيل: الحكم المطلوب بالدعاء إن كان هو العلم بغير الله لزم أن يكون سائلاً لما يشغله عن الله وهو باطل، وإن كان العلم بالله بقدر ما هو شرط صحة الإيمان لزم طلب ما هو حاصل لأدنى المؤمنين فضلاً عن إبراهيم، فإذن هو العلم الزائد على ما هو ضروري في الإيمان وهو الوقوف على حقيقة الذات والصفات، ثم لا يكشف المقال عنها غير الخيال وبه يصير المؤمن من الواصلين إلى العين دون السامعين إلى الأثر.
ثم طلب الذكر الجميل بقوله ﴿ واجعل لي لسان صدق ﴾ والإضافة فيه كقوله ﴿ قدم صدق ﴾ وقال ابن عباس: وقد أعطاه الله ذلك لقوله ﴿ وتركنا عليه في الآخرين ﴾ ولهذا اتفق أهل الأديان قاطبة على حبه وادعاء متابعته.
ومدح الكافر ليس مقصوداً لذاته من حيث هو كافر وإنما المقصود أن يكون ممدوح كل إنسان ومحموداً بكل لسان.
وفائدة الثناء على الشخص بعد وفاته هو انصراف الهمم إلى ما به يحصل له عند الله زلفى وقد يصبر ذلك المدح داعياً للمادح أو لمن يسمعه إلى اكتساب مثل تلك الفضائل.
وقيل: سأل ربه أن يجعل من ذريته في آخر الزمان من يكون داعياً إلى ملته وهو محمد .
ثم سأل ما هو غاية كل سعادة فقال ﴿ واجعلني من ورثة جنة النعيم ﴾ وقد مر معنى هذه الوراثة في قوله ﴿ وتلك الجنة التي أورثتموها ﴾ وكذلك في سورة مريم ﴿ تلك الجنة التي نورث من عبادنا ﴾ ثم طلب السعادة الحقيقية لأشد الناس التصاقاً به وهو ابوه قائلاً ﴿ واغفر لأبي ﴾ وقد سبق في آخر التوبة وفي مريم" ما يتعلق به من المباحث.
وههنا سؤال: وهو أنه متى حصلت الجنة بدعائه امتنع حصول الخزي فكيف قال بعده ﴿ ولا تخزني ﴾ وايضاً قال ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ وما كان نصيب الكافر كيف يستجير منه المعصوم؟
أجاب عنه في التفسير الكبير كما أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فكذلك درجات الأبرار دركات المقربين، وخزي كل واحد ما يليق بحاله فكأنه سأل الشركة أوّلاً ثم الخصوصية ثانياً.
وأقول: يحتمل أن يكون هذا الدعاء من تتمة دعائه لأبيه أي لا تخزني ولا تفضحني بسبب تعذيب ابي يوم يبعث الضالون أو العباد كلهم، ومثل هذا الضمير مما يعلم عوده بالقرينة.
ويجوز أن يكون سأل الجنة بشرط التعظيم والإجلال، ويجوز أن يكون أخر هذا الدعاء لما يعقبه من حديث يوم القيامة وأهوالها وأحوالها فاراد أن لا ينقطع نظم الكلام.
وفي قوله ﴿ إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾ إشارة إلى ما وصفه الله به في قوله ﴿ وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم ﴾ وفي هذا الاستثناء وجوه منها: أنه منقطع والمضاف محذوف أي إلا حال من أتى الله بقلب سليم والمراد بالحال سلامة القلب والمعنى: أن المال والبنين لا ينفعان وإنما ينفع سلامة القلب عن الأمراض الروحانية كالجهل وسائر الأخلاق الذميمة، ويندرج في سلامة القلب سلامة سائر الجوارح لأنه رئيسها.
ولا شك أن المال والبنين ليسا من جنس سلامة القلب فيكون الاستثناء منقطعاً.
ومنها أنه متصل وذلك على وجهين: أحدهما لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه.
وثانيهما أن يجعل من باب قولهم: تحية بينهم ضرب وجيع *** والمضاف المحذوف الحال أو السلامة نظيره أن يقال لك: هل لزيد مال وبنون؟
فتقول: ماله وبنوه سلامة قلبه تريد نفي المال والبنين عنه وإثبات سلامة القلب له بدلاً عن ذلك.
ومنها أن يكون الموصول مفعولاً لينفع والاستثناء مفرغ أي لا ينفع مال ولا بنون أحداً إلا رجلاً سلم قلبه مع ماله وبنيه حيث أنفقه في طاعة الله وما قصر في باب تأديبهم وإرشادهم، أو سلم قلبه من فتنة المال والبنين فلم يكفر ولم يعص.
وقد يفسر السليم بالذائب من خشية الله .
وحين أنجرّ الكلام إلى ذكر يوم القيامة وصف الله أو إبراهيم أحواله وأهواله فقال ﴿ وأزلقت الجنة للمتقين ﴾ قال المفسرون: الجنة تقرب من موقف السعداء ليكون لهم فرجاً معجلاً، وتجعل النار بارزة مكشوفة للأشقياء ليزدادوا غماً وحسرة، ولمثل هذا اليوم وبخهم بقوله ﴿ إينما كنتم تعبدون ﴾ يعني الآلهة التي كنتم تعبدونها ﴿ من دون الله هل ينصرونكم ﴾ بنصرتهم لكم أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وآلهتهم وقود النار وذلك قوله ﴿ فكبكبوا فيها هم ﴾ أي الآلهة ﴿ والغاوون ﴾ الذين عبدوهم قال جار الله: الكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلاً على التكرير في المعنى كأنه إذا ألقى في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها أعاذنا الله منها.
والمراد بجنود إبليس شياطينهم أو متبعوه من عصاة الجن والإنس.
﴿ قالوا ﴾ يعني الغاوين وجنود إبليس ﴿ وهم ﴾ يعني والحال أن الأصنام وعبدتهم ﴿ فيها يختصمون ﴾ قال أكثر المفسرين: يجوز أن ينطق الله الأصنام بحيث يصح منها التخاصم.
وقيل: إن هذا التخاطب بين العصاة والشياطين إذ سووهم برب العالمين.
والمراد بالمجرمين على التفسيرين الرؤساء والكبراء.
وعن السدي: الأولون الذين سنوا الشرك.
وعن ابن جريج: إبليس وقابيل لأنه سن القتل وأنواع المعاصي: ﴿ فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ﴾ خالص يهمه ما يهمنا وفيه نفي الشفعاء والصديق راساً أو نفي للذين كانوا عدّوهم شفعاء واصدقاء من الأصنام والرؤساء، أو نفي للانتفاع بهم قصدوا بنفيهم ما يتعلق بهم من الفائدة، فكل عديم النفع حكمه حكم المعدوم.
قال جار الله: إنما جمع الشافع ووحد الصديق لكثرة الشفعاء لأجل الخشية عادة، ولكن الصديق الصادق أعز من الكبريت الأحمر حتى زعم بعض الحكماء أنه اسم لا معنى له.
وجوز أن يكون الصديق في معنى الجمع والكرة الرجعة إلى الدنيا "ولو" في معنى التمني.
وقوله ﴿ فنكون ﴾ جواب التمني أو عطف في المعنى على ﴿ كرة ﴾ أي ليت لنا كرة فإن نكون، وعلى هذا جاز أن تكون "لو" على أصل الشرط والجواب محذوف وهو لفعلنا كيت وكيت.
ثم بين أن فيما كره من قصة إبراهيم لآية لمن يريد أن يستدل بذلك وما كان أكثر قوم إبراهيم بمؤمنين.
القصة الثالثة قصة نوح: ولا ريب أن نبأه عظيم فقد كان يدعوهم الف سنة غلا خمسين عاماً، ومع ذلك لم يزد قومه إلا التكذيب.
والقوم مؤنث بدليل قوله ﴿ كذبت ﴾ وكان أميناً فيهم مشهوراً كمحمد في قريش.
وكرر قوله ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ تأكيداً وتقريراً في النفوس مع أنه علق كل واحد بسبب وهو الأمانة في الأول وقطع الطمع في الثاني نظيره قول الرجل لغيره: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيراً؟
ألا تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيراً؟
وقدم الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته لأن تقوى الله علة طاعته.
قوله ﴿ وما علمي ﴾ يريد ايّ شيء علمي ومعناه انتفاء علمه بإخلاص أعمالهم لله عز وجل واطلاعه على باطنهم ومكنون ضميرهم كأنهم طعنوا في إيمانهم ايضاً فذكر أن حسابهم على الله وأنه لم يبعث إلا للنذارة.
ويجوز أن يكون فسر لهم الرذالة بما هو الرذالة عنده من سوء الأعمال وفساد العقائد فبنى جوابه على ذلك وقال: ما علمي إلا اعتبار الظاهر والله يتولى السرائر.
وفي قوله ﴿ لو تشعرون ﴾ إشارة إلى أنهم لا يصدقون بالحساب والجزاء، وفيه إنكار أن يسمى المؤمن رذلاً وإن كان أفقر الناس وأوضعهم فالغني غني الدين والنسب نسب التقوى.
﴿ رب أن قومي كذبون ﴾ ليس إخباراً لأنه علام الغيوب وإنما هو تمهيد مقدمة لطلب الفتح والحكومة.
والفلك المشحون المملوء من كل زوجين اثنين مع نوح وأهله.
التأويل: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم ﴾ القلب ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ﴾ وهو الروح وما يتولد منه ﴿ نعبد أصناماً ﴾ وهو ما سوى الله ﴿ فنظل لها عاكفين ﴾ إلا أن أدركتنا العناية فنعرض عنها: ﴿ بل وجدنا آباءنا ﴾ وهم الأرواح والآباء العلوية كذلك يتعلق بعضهم ببعض ﴿ فإنهم عدوّ لي ﴾ إن تعلقت فصرت محجوباً بهم عن الله ﴿ خلقني فهو يهدين ﴾ إلى حضرته و ﴿ يطعمني ﴾ من طعام العبودية الذي يعيش القلوب، ويسقيني من شراب طهور التجلي ﴿ وإذا مرضت ﴾ بتعلقات الكونين ﴿ فهو يشفين ﴾ بالجذبة الإلهية ﴿ والذي يميتني ﴾ عن أوصاف البشرية ﴿ ثم يحيين ﴾ بأوصاف الروحانية ويميتني عن أوصاف الروحانية ثم يحيين بالأوصاف الربانية ثم يميتني عن أنانيتي ثم يحيين بهويته ﴿ والذي أطمع أن ﴾ يستر ظلمة خطيئة وجودي بطلوع شمس نهار الدين ﴿ رب هب لي ﴾ من ربوبيتك ﴿ حكماً ﴾ على بذل وجودي فيهويتك ﴿ وألحقني ﴾ بالذين صلحوا لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة.
﴿ واجعل لي لسان صدق في الآخرين ﴾ من النفس وصفاتها ليعرضوا عما سوى الله ﴿ واغفر لأبي ﴾ الروح ﴿ إنه كان من الضالين ﴾ حين رد من العالم العلوي إلى السفلي من قولهم "ضل الماء في اللبن" ﴿ ولا تخزني ﴾ بتعلقات الكونين ﴿ قال نوح ﴾ القلب ﴿ وما علمي بما كانوا يعملون ﴾ يعني أراذل الجسد والأعضاء لأنهم عملة عالم الشهادة وأنا من عملة عالم الغيب ﴿ إن حسابهم إلا على ربي ﴾ فيما يعملون من الأعمال الحيوانية لحاجة ضرورية يعفو عنها والشهوة حيوانية يؤاخذهم بها ﴿ لو تشعرون ﴾ الفرق بينهما ﴿ قالوا ﴾ أي النفس وصفاتها ﴿ لئن لم تنته يا نوح ﴾ القلب عما تدعونا إليه على خلاف إرادتنا ﴿ لنكونن من المرجومين ﴾ بأحجار الوساوس والهواجس ﴿ في الفلك المشحون ﴾ أي في فلك الشريعة المملوء بالأوامر والنواهي والحكم والمواعظ والأسرار والحقائق ﴿ ثم أغرقنا الباقين ﴾ بطوفان استيلاء الأخلاق الذميمة وآفات الدنيا الدنية، وباقي القصص إشارات إلى رسول القلب المسلم من الله وقومه النفس وصفاتها وإليه المرجع والمآب لما قررناه.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ﴾ : أي اتل على أهل مكة نبأ إبراهيم وخبره؛ لأنهم كانوا من أولاد إبراهيم ومن نسله، وهم يقلدون آباءهم في عبادتهم الأصنام، وإبراهيم وبعض أولاده: إسماعيل وإسحاق وهؤلاء كانوا مسلمين، عباد رب العالمين لا عباد الأصنام، فهل اتبعوا إبراهيم ومن كان معه على دينه من آبائهم، دون أن اتبعوا من عبد الأصنام يسفه أحلامهم في عبادتهم الأصنام وتقليدهم أولئك الذين عبدوا من آبائهم الأصنام، وتركهم تقليد من لم يعبدها وعبد الله.
ثم قول إبراهيم حيث قال لأبيه وقومه: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ ، يحتمل قوله: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَإِفْكاً ﴾ .
ويحتمل ﴿ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ أي: من تعبدون؟
فقالوا: ﴿ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ﴾ أي: نقيم لها عابدين، أي: نديم على عبادتها، والعكوف على الشيء: هو الإقامة عليه والدوام.
قال أبو معاذ النحوي: "ظَلَّ" لا يقال إلا بالنهار، ومحال أن يقال: ظل ليله يصنع كذا، حتى يقول: بات ليله، ومنه الحديث: "ظل نهاره صائماً، وبات ليله قائماً" [ثم قال] يبين سفههم: ﴿ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ ﴾ أي: هل يجيبونكم إذ تدعونهم.
ويحتمل: هل يسمعونكم على السماع نفسه، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم؛ كقوله: ﴿ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ ﴾ الآية [فاطر: 14].
وقوله: ﴿ إِذْ تَدْعُونَ ﴾ : يحتمل تعبدون، ويحتمل الدعاء نفسه، وإن كان على العادة فلا يحتمل تأويل السماع.
وقوله: ﴿ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴾ : وهل يقدرون على نفعكم وضركم إن أرادوا ذلك بكم وشاءوا.
أو أن يكون ما ذكر أهل التأويل: هل ينفعونكم إن عبدتموها وأطعتموها، أو يضرونكم إن عصيتموها وتركتم عبادتها، فبهتوا ولم يقدروا على الجواب له سوى ما ذكروا من تقليد آبائهم في ذلك فقالوا: ﴿ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ لما عرفوا أن تلك التي عبدوها لا تملك ضرّاً ولا نفعاً، لكنهم عبدوها تقليداً لآبائهم؛ لما وقع عندهم أن آباءهم ما عبدوها إلا بأمر، إذ لو لم يكن ذلك بأمر ما تركوا، لكن قد ذكر أن في آبائهم من لم يعبدها قط، ثم لم يقلدوهم فكيف قلدوا أولئك؟!
دل أن الاعتلال فاسد.
وقوله: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ ﴾ : ثم قال: إنهم وآباءهم الذين عبدوا الأصنام من قبل عدو له إلا رب العالمين، استثنى رب العالمين، يقول: هم عدو لي وأنا بريء منهم، إلا أن يكون فيهم من يعبد ربّ العالمين، فيكون على الإضمار، أي: فإنهم جميعاً عدو لي إلا من عبد رب العالمين.
وقال بعضهم: يقول: إن العابد والمعبود كلهم عدوّ لي إلا رب العالمين، أي: إلا المعبود بالحقيقة الذي يستحق العبادة، فإنه وليي.
وقال بعضهم: ليس على الاستثناء، ولكن على الابتداء؛ كأنه قال: أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدوّ لي، ولكن ربي: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ ﴾ ، ذكر هذا لهم أن الإله المستحق للعبادة هو هذا الذي يصنع هذا، وهو المالك للنفع ودفع الضر، لا الأصنام التي عبدتم أنتم وآباؤكم.
وقوله: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً ﴾ : قال بعضهم: فهما وعلما، وجائز أن يكون إبراهيم سأل ربه الإبقاء على الحكم؛ إذ كان قد أعطاه العلم والحكم؛ كقوله: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ .
أو سأل الزيادة على ما أعطاه؛ كقوله: ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً ﴾ .
ويحتمل أن يكون سأل ربه قبول حكمه في الخلق، ورفع الحرج له عن قلوبهم على ما ذكر في حكم رسول الله؛ حيث قال: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ...
﴾ الآية [النساء: 65].
وقوله: ﴿ وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ ﴾ أي: توفني على ما توفيت الصالحين حتى ألحق بهم، هذا - والله أعلم - يعني: آله؛ الإلحاق بالصالحين: أن يتوفاه على الذي توفي أولئك - وهو الإسلام - ليلحق بهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ ﴾ أي: اجعل لي الثناء الحسن في الناس، وكذلك إبراهيم - صلوات الله عليه - جميع أهل الأديان على اختلافهم قد انقادوا له وانتسبوا إليه، وادعوا أنهم على دينه، وأن دينه هو الذي هم عليه ليس من أهل ملة إلا وهم يتولونه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ أي: اجعلني باقياً من بعد موتي في جنة النعيم؛ إذ الوارث هو الباقي عن الموروث؛ وكذلك تأويل قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾ أي: نبقى بعد فناء أهلها؛ إذ الوارث هو الباقي؛ فعلى ذلك قول إبراهيم: اجعلني من الباقين في جنة النعيم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ : لا يحتمل أن يكون استغفار إبراهيم لأبيه - والله أعلم - على ما ذكر في ظاهر الآية: واغفر لأبي فإنه من الضالين؛ لأنه لا يجوز له أن يدعو له وهو كذلك، لكن كان من إبراهيم الاستغفار له، فأخبر الله له أنه من الضالين؛ فيكون هذا الثاني إخبارا من الله لإبراهيم أنه من الضالين، والأول قول إبراهيم.
وكذلك قال بعض أهل التأويل في قصة بلقيس حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً ﴾ ، فصدقها الله في مقالتها وقال: ﴿ وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ ، يجعلون قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ تصديقاً من الله لقول تلك المرأة، ومثال ذلك كثير في القرآن، يكون بعضه مفصولا من بعض [كقوله]: ﴿ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ ؛ قوله: ﴿ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ ﴾ مفصول من قوله: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ ، لا وصل بينهما؛ فعلى ذلك دعاء إبراهيم يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ ﴾ مفصولا من قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ ، هذا جائز أن يكون إخباراً من الله لإبراهيم حين دعا له بالمغفرة أنه من الضالين.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ ﴾ أي: أعط له ما به تغفر خطاياه وهو التوحيد؛ فيكون سؤاله سؤال التوحيد له والتوفيق على ذلك، وبه يغفر ما يغفر من الخطايا؛ كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
وعلى ذلك يخرج دعاء هود لقومه حيث أمرهم أن يستغفروا ربهم، وهو قوله: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ ، و ﴿ وَأَسْلِمُواْ لَهُ ﴾ ، طلب منهم ابتداء الإسلام؛ إذ لا يحتمل أن يقول لهم: قولوا: نستغفر الله، ولكن أمرهم أن يأتوا ما به يغفر لهم وهو التوحيد؛ وكذلك قول نوح: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ﴾ .
وقول أهل التأويل: "إن إبراهيم كذب ثلاثا" كلام لا معنى له، لا يحتمل أن يكون الله يختاره ويجعل رسالته في الذي يكذب بحال.
وقوله: ﴿ وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾ : قال أهل التأويل: ﴿ لاَ تُخْزِنِي ﴾ أي: لا تعذبني يوم يبعثون، وكأن الإخزاء هو العذاب يهتك الستر على صاحبه، فسأله ألا يهتك الستر عليه؛ لما خاف أن كان منه ما يهتك الستر عليه؛ فسأل ربه ذلك؛ إذ العصمة لا ترفع عن أصحابها الخوف، بل كلما عظمت العصمة كان الخوف أشدّ؛ لأن الأنبياء - صلوات الله عليهم - كان خوفهم أشدّ على دينهم وأنفسهم من غيرهم، ثم الأمثل فالأمثل، هم كذلك أشدّ خوفاً ممن هو دونهم؛ ألا ترى إلى قول إبراهيم حيث قال: ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ ﴾ ، وقال يوسف: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ ﴾ ومثله كثير.
وقوله: ﴿ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ : لا ينفع ويضر لا يكون في نفي النفع دفع الضر؛ وكقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ﴾ ؛ وكذلك قوله: ﴿ لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\]، وفي ظاهر ما استثنى من الآية دلالة أنه ينفع المال والبنون إذا أتوا بقلب سليم، حيث قال: ﴿ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ .
ويشبه أن يكون كذلك ينفعهم مالهم وأولادهم إذا أتوا ربهم بقلوب سليمة؛ لما استعملوا أموالهم في الطاعات وأنواع القرب، وعلموا الأولاد الآداب الصالحة والأخلاق الحسنة، فينفعهم ذلك يومئذ؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ ﴾ ، أخبر أنهم إذا آمنوا وتابوا تقربهم أموالهم وأولادهم عنده.
وجائز أن يكون على غير ذلك، أي: لا ينفع مال ولا بنون، وإنما ينفع من أتى ربه بقلب سليم.
والقلب السليم: هو السالم عن الشرك، أو السليم عن الآفات والذنوب، والخالص لربه لا يجعل لغيره فيه حقّاً ولا نصيباً.
وشرط فيه إيتاءه ربه ما ذكر؛ ليعلم أنه ما لم يقبض على السلامة والتوحيد لا ينفعه ما كان منه من قبل من الطاعات، إذ لم يقبض على التوحيد؛ وكذلك ذكر في الحسنات الإتيان فقال: من جاء بالحسنة فله كذا، ولم يقل: من عمل بالحسنة، وهو ما ذكرنا أن يخرج من الدنيا على التوحيد، ولا يفسد ما عمل من الحسنات، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
والذي أرجوه وحده أن يغفر لي خطيئتي يوم الجزاء.
<div class="verse-tafsir" id="91.wVzbM"