الإسلام > القرآن > سور > سورة 26 الشعراء > الآية ٩ من سورة الشعراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 64 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩ من سورة الشعراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وإن ربك لهو العزيز ) أي : الذي عز كل شيء وقهره وغلبه ، ( الرحيم ) أي : بخلقه ، فلا يعجل على من عصاه ، بل ينظره ويؤجله ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر .
قال أبو العالية ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، و [ محمد ] بن إسحاق : العزيز في نقمته وانتصاره ممن خالف أمره وعبد غيره .
وقال سعيد بن جبير : الرحيم بمن تاب إليه وأناب .
قال أبو جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك في هذا الموضع, لأن قوله: ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) عقيب وعيد الله قوما من أهل الشرك والتكذيب بالبعث, لم يكونوا أهلكوا, فيوجه إلى أنه خبر من الله عن فعله بهم وإهلاكه.ولعلّ ابن جُرَيج بقوله هذا أراد ما كان من ذلك عقيب خبر الله عن إهلاكه من أهلك من الأمم, وذلك إن شاء الله إذا كان عقيب خبرهم كذلك.
وإن ربك لهو العزيز الرحيم يريد المنيع المنتقم من أعدائه ، الرحيم بأوليائه .
( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ) الذي قد قهر كل مخلوق, ودان له العالم العلوي والسفلي، ( الرَّحِيمِ ) الذي وسعت رحمته كل شيء, ووصل جوده إلى كل حي, العزيز الذي أهلك الأشقياء بأنواع العقوبات, الرحيم بالسعداء, حيث أنجاهم من كل شر وبلاء.
( وإن ربك لهو العزيز ) العزيز بالنقمة من أعدائه ، ) ( الرحيم ) ذو الرحمة بأوليائه .
«وإن ربك لهو العزيز» ذو العزة ينتقم من الكافرين «الرحيم» يرحم المؤمنين.
أكذبوا ولم ينظروا إلى الأرض التي أنبتنا فيها من كل نوع حسن نافع من النبات، لا يقدر على إنباته إلا رب العالمين؟
إن في إخراج النبات من الأرض لَدلالة واضحة على كمال قدرة الله، وما كان أكثر القوم مؤمنين.
وإن ربك لهو العزيز على كل مخلوق، الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء.
( وَإِنَّ رَبَّكَ ) - أيها الرسول الكريم - ( العزيز ) أى : صاحب العزة والغلبة والقهر ( الرحيم ) أى : الواسع الرحمة بعباده ، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم لعلهم يتوبون أو يعقلون .
المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مّن ذِكْرٍ مّنَ الرحمن مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ ﴾ من تمام قوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ ﴾ فنبه تعالى على أنه مع قدرته على أن يجعلهم مؤمنين بالإلجاء رحيم بهم من حيث يأتيهم حالاً بعد حال بالقرآن، وهو الذكر ويكرره عليهم وهم مع ذلك على حد واحد في الإعراض والتكذيب والاستهزاء، ثم عند ذلك زجر وتوعد لأن المرء إذا استمر على كفره فليس ينفع فيه إلا الزجر الشديد فلذلك قال: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُواْ ﴾ أي بلغوا النهاية في رد آيات الله تعالى ﴿ فَسَيَأْتِيهِمْ أنباؤا مَا كَانُواْ به يستهزئون ﴾ وذلك إما عند نزول العذاب عليهم في الدنيا أو عند المعاينة أو في الآخرة، فهو كقوله تعالى: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ ﴾ وقد جرت العادة فيمن يسيء أن يقال له سترى حالك من بعد على وجه الوعيد، ثم إنه تعالى بين أنه مع إنزاله القرآن حالاً بعد حال قد أظهر أدلة تحدث حالاً بعد حال فقال: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأرض كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ والزوج هو الصنف (من النبات) والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه، يقال وجه كريم إذا كان مرضياً في حسنه وجماله.
وكتاب كريم إذا كان مرضياً في فوائده ومعانيه، والنبات الكريم هو المرضي فيما يتعلق به من المنافع، وفي وصف الزوج بالكريم وجهان: أحدهما: أن النبات على نوعين نافع وضار، فذكر سبحانه كثرة ما أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع وترك ذكر الضار والثاني: أنه يعم جميع النبات نافعه وضاره ووصفهما جميعاً بالكرم، ونبه على أنه ما أنبت شيئاً إلا وفيه فائدة وإن غفل عنها الغافلون.
أما قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ فهو كقوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ والمعنى أن في ذلك دلالة لمن يتفكر ويتدبر وما كان أكثرهم مؤمنين أي مع كل ذلك يستمر أكثرهم على كفرهم، فأما قوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم ﴾ فإنما قدم ذكر العزيز على ذكر الرحيم لأنه لو لم يقدمه لكان ربما قيل إنه رحمهم لعجزه عن عقوبتهم، فأزال هذا الوهم بذكر العزيز وهو الغالب القاهر، ومع ذلك فإنه رحيم بعباده، فإن الرحمة إذا كانت عن القدرة الكاملة كانت أعظم وقعاً.
والمراد أنهم مع كفرهم وقدرة الله على أن يعجل عقابهم لا يترك رحمتهم بما تقدم ذكره من خلق كل زوج كريم من النبات، ثم من إعطاء الصحة والعقل والهداية.
المسألة الثانية: أنه تعالى وصف الكفار بالإعراض أولاً وبالتكذيب ثانياً وبالاستهزاء ثالثاً وهذه درجات من أخذ يترقى في الشقاوة، فإنه يعرض أولاً ثم يصرح بالتكذيب والإنكار إلى حيث يستهزئ به ثالثاً.
المسألة الثالثة: فإن قلت ما معنى الجمع بين كم وكل، ولم لم يقل كم أنبتنا فيها من زوج كريم؟
قلت: قد دل كل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل وكم على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة، فهذا معنى الجمع (رتبه) على كمال قدرته، فإن قلت: فحين ذكر الأزواج ودل عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة وكانت بحيث لا يحصيها إلا عالم الغيب فكيف قال: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ وهلا قال لآيات؟
قلت فيه وجهان: أحدهما: أن يكون ذلك مشاراً به إلى مصدر أنبتنا، فكأنه قال إن في ذلك الإنبات لآية أي آية والثاني: أن يراد أن في كل واحد من تلك الأزواج لآية.
المسألة الرابعة: احتجت المعتزلة على خلق القرآن بقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مّن ذِكْرٍ مّنَ الرحمن مُحْدَثٍ ﴾ فقالوا الذكر هو القرآن لقوله تعالى: ﴿ وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ ﴾ وبين في هذه الآية أن الذكر محدث فيلزم من هاتين الآيتين أن القرآن محدث، وهذا الاستدلال بقوله تعالى: ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كتابا ﴾ وبقوله: ﴿ فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ وإذا ثبت أنه محدث فله خالق فيكون مخلوقاً لا محالة والجواب: أن كل ذلك يرجع إلى هذه الألفاظ ونحن نسلم حدوثها إنما ندعي قدم أمر آخر وراء هذه الحروف، وليس في الآية دلالة على ذلك.
<div class="verse-tafsir"
وصف الزوج وهو الصنف من النبات بالكرم، والكريم: صفة لكل ما يرضي ويحمد في بابه، يقال: وجه كريم، إذا رضي في حسنه وجماله، وكتاب كريم: مرضيّ في معانيه وفوائده، وقال: حَتَّى يَشُقَّ الصُّفُوفَ مِنْ كَرَمِهْ أي: من كونه مرضياً في شجاعته وبأسه.
والنبات الكريم: المرضي فيما يتعلق به من المنافع ﴿ إِنَّ فِى ﴾ إنبات تلك الأصناف ﴿ لآيَةً ﴾ على أن منبتها قادر على إحياء الموتى، وقد علم الله أن أكثرهم مطبوع على قلوبهم، غير مرجو إيمانهم ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز ﴾ في انتقامه من الكفرة ﴿ الرحيم ﴾ لمن تاب وآمن وعمل صالحاً.
فإن قلت: ما معنى الجمع بين كم وكل، ولو قيل كم أنبتنا فيها من زوج كريم؟
قلت: قد دلّ ﴿ كُلٌّ ﴾ على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و ﴿ كَمْ ﴾ على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة، فهذا معنى الجمع بينهما، وبه نبه على كمال قدرته.
فإن قلت: فما معنى وصف الزوج بالكريم؟
قلت: يحتمل معنيين، أحدهما: أن النبات على نوعين: نافع وضارّ، فذكر كثرة ما أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع، وخلى ذكر الضارّ.
والثاني: أن يعم جميع النبات نافعه وضارّه.
ويصفهما جميعاً بالكرم وينبه على أنه ما أنبت شيئاً إلا وفيه فائدة، لأنّ الحكيم لا يفعل فعلاً إلا لغرض صحيح ولحكمة بالغة، وإن غفل عنها الغافلون، ولم يتوصل إلى معرفتها العاقلون.
فإن قلت: فحين ذكر الأزواج ودلَّ عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة، وكانت بحيث لا يحصيها إلا عالم الغيب، كيف قال: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ وهلا قال: آيات؟
قلت: فيه وجهان: أن يكون ذلك مشاراً به إلى مصدر أنبتنا، فكأنه قال: إن في الإنبات لآية أيّ آية.
وأن يراد: أن في كل واحدة من تلك الأزواج لآية.
وقد سبقت لهذا الوجه نظائر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ ﴾ أوَلَمْ يَنْظُرُوا إلى عَجائِبِها.
﴿ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ صِنْفٍ ﴿ كَرِيمٍ ﴾ مَحْمُودٍ كَثِيرِ المَنفَعَةِ، وهو صِفَةٌ لِكُلِّ ما يَحْمَدُ ويَرْضى، وها هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً لِما يَتَضَمَّنُ الدَّلالَةَ عَلى القُدْرَةِ، وأنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً مُنَبِّهَةً عَلى أنَّهُ ما مِن نَبْتٍ إلّا ولَهُ فائِدَةٌ إمّا وحْدَهُ أوْ مَعَ غَيْرِهِ، ( وكُلِّ ) لِإحاطَةِ الأزْواجِ ( وكَمْ ) لِكَثْرَتِها.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ إنَّ في إنْباتِ تِلْكَ الأصْنافِ أوْ في كُلِّ واحِدٍ.
﴿ لآيَةً ﴾ عَلى أنَّ مُنْبِتَها تامُّ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، سابِغُ النِّعْمَةِ والرَّحْمَةِ.
﴿ وَما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ وقَضائِهِ فَلِذَلِكَ لا يَنْفَعُهم أمْثالُ هَذِهِ الآياتِ العِظامِ.
﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ ﴾ الغالِبُ القادِرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنَ الكَفَرَةِ.
﴿ الرَّحِيمُ ﴾ حَيْثُ أمْهَلَهم أوِ العَزِيزُ في انْتِقامِهِ مِمَّنْ كَفَرَ الرَّحِيمُ لِمَن تابَ وآمَنَ.
<div class="verse-tafsir"
{وإنّ ربّك لهو العزيز} في انتقامه من الكفرة {الرّحيم} لمن آمن منهم ووحد آية مع الإخبار بكثرتها لأن ذلك مشار به إلى مصدر أنبتنا والمراد أن في كل واحدى من تلك الأزواج لآية أي آية
﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ ﴾ أيِ الغالِبُ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الِانْتِقامُ مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ أيِ: البالِغُ في الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ يُمْهِلُهم ولا يُؤاخِذُهم بَغْتَةً بِما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظائِمِ المُوجِبَةِ لِفُنُونِ العُقُوباتِ، أوِ العَزِيزُ في انْتِقامِهِ مِمَّنْ كَفَرَ الرَّحِيمُ لِمَن تابَ وآمَنَ، أوِ العَزِيزُ في انْتِقامِهِ مِنَ الكَفَرَةِ الرَّحِيمُ لَكَ بِأنْ يُقَدِّرَ مَن يُؤْمِنُ بِكَ إنْ لَمْ يُؤْمِن هَؤُلاءِ، ولِلتَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ مِن تَشْرِيفِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والعِدَّةِ الخَفِيَّةِ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ما لا يَخْفى، وتَقْدِيمُ العَزِيزِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ أظْهَرُ في بَيانِ القُدْرَةِ، أوْ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى دَفْعِ المَضارِّ الَّذِي هو أهَمُّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ يعني: أو لم ينظروا في عجائب الأرض، ويتفكروا فيها كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ يعني: من كل نوع من النبات.
ويقال: من كل لون حسن.
وقال القتبي: الكريم يقع على الأنواع، والكريم: الشريف الفاضل.
قال الله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: 13] وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [الإسراء: 70] وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة: 129] وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً [النساء: 31] قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ [النمل: 29] أي: شريف فاضل، والكريم: الصفوح، وذلك من الشرف كما قال: فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل: 40] ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: 6] أي الصفوح، والكريم: الكثير كما قال: وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: 4] أي: كثير، والكريم: الحسن وذلك من الشرف والفضل كما قال: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [الشعراء: 7] أي: حسن وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً [الإسراء: 23] أي: حسناً.
وروي عن الشعبي أنه قال: كَمْ أَنْبَتْنا فِيها يعني: بني آدم، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.
ثم قال عز وجل: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني: في اختلاف النبات وألوانه لَآيَةً يعني: لعبرة لأهل مكة أنه إله واحد.
ثم قال: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: مصدقين بالتوحيد، ولو كان أكثرهم مؤمنين لم يعذّبوا.
وقال مقاتل: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: وما كانوا مؤمنين بل كلهم كانوا كافرين وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ يعني: المنيع بالنقمة لمن لم يجب الرسل الرَّحِيمُ حيث لم يعجل بعقوبتهم.
ويقال: رحيم بالمؤمنين.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى التقدير: واذكر إذ نادى ربك موسى، وسَوْقُ هذه القصة تمثيل لكفار قريش في تكذيبهم النبيَّ صلى الله عليه وسلّم.
وقوله: فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ معناه: يعينني وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ يعني قَتْلَهُ القِبْطِيَّ.
وقوله تعالى: كَلَّا رَدٌّ لقوله: إِنِّي أَخافُ أي: لا تخف ذلك، وقول فرعون لموسى: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً هو على جهة المَنِّ عليه والاحتقار، أي: رَبَّيْنَاكَ صغيراً، ولم نقتلك في جملة مَنْ قَتَلْنَا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ: فمتى كان هذا الذي تدَّعِيْهِ، ثم قرره على قتل القبطي بقوله: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ والفَعْلَةُ- بفتح الفاء-: المَرَّةُ، وقوله: وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ يريد: وقتلت القبطيَّ وأنت في قتلك إياه من الكافرين إذ هو نَفْسٌ لا يحلُّ قتلها قاله الضَّحَّاكُ «١» ، أو يريد: وأنت من الكافرين بنعمتي في قتلك إياه قاله ابن زيد «٢» ويحتمل أن يريد: وأنت الآن من الكافرين بنعمتي، وكان بين خروج موسى عليه السلام حين قتل القبطي وبين رجوعه نَبِيّاً إلى فرعون- أَحَدَ عَشَرَ عاماً غيرَ أشهرٍ.
وقوله: قالَ فَعَلْتُها إِذاً: من كلام موسى عليه السلام والضميرُ في قوله:
فَعَلْتُها لِقَتْلَةِ القِبْطِيِّ.
وقوله: وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ قال ابن زيد: معناه: من الجاهلين بأنَّ وكزتي إياه تأتي على نفسه «٣» ، وقال أبو عبيدةَ: معناه: من الناسين، ونزع بقوله: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [البقرة: ٢٨٢] ، وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس «٤» : «وأَنَا مِنَ الجَاهِلِينَ» ، ويشبه أن تكون هذه القراءة على جهة التفسير، وحُكْماً يريد: النبوّة وحكمتها.
سُورَةُ الشُّعَراءِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ إلى آخِرِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طسم ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " طسم " بِفَتْحِ الطّاءِ وإدْغامِ النُّونِ مِن هِجاءِ " سِين " عِنْدَ المِيمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وأبانُ، والمُفَضَّلُ: " طسم " و " طس " [النَّمْلِ] بِإمالَةِ الطّاءِ فِيهِما.
وَأظْهَرَ النُّونَ مِن هِجاءِ " سِين " عِنْدَ المِيمِ حَمْزَةُ هاهُنا وفي (القَصَصِ) .
وَفِي مَعْنى " طسم " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها حُرُوفٌ مِن كَلِماتٍ، ثُمَّ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: [ما] رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ طسم ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ : " الطّاءُ: طُورُ سَيْناءَ، والسِّينُ: الإسْكَنْدَرِيَّةُ، والمِيمُ: مَكَّةُ "» .
والثّانِي: [أنَّ] الطّاءَ: طَيْبَةُ، وسِينَ: بَيْتُ المَقْدِسِ، ومِيمَ: مَكَّةُ، [رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ] .
والثّالِثُ: الطّاءُ: شَجَرَةُ طُوبى، والسِّينُ: سِدْرَةُ المُنْتَهى، والمِيمُ: مُحَمَّدٌ ، قالَهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ.
والثّانِي: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ بَيَّنّا كَيْفَ يَكُونُ مِثْلُ هَذا مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى في فاتِحَةِ مَرْيَمَ.
وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللَّهُ بِطُولِهِ وسَنائِهِ ومُلْكِهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ، وأبُو رَوْقٍ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [المائِدَةِ: ١٥، الكَهْفِ: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ والمَعْنى: لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ لَوْ أرادَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ ما يَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ لَفَعَلَ، فَقالَ: ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " إنْ يَشَأْ يُنَزِّلْ " بِالياءِ فِيهِما، ﴿ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ ﴾ جَعَلَ الفِعْلَ أوَّلًا لِلْأعْناقِ، ثُمَّ جَعَلَ ﴿ خاضِعِينَ ﴾ لِلرِّجالِ، لِأنَّ الأعْناقَ إذا خَضَعَتْ فَأرْبابُها خاضِعُونَ.
وقِيلَ: لَمّا وصَفَ الأعْناقَ بِالخُضُوعِ، وهو مِن صِفات بَنِي آدَمَ، أخْرَجَ الفِعْلَ مَخْرَجَ الآدَمِيِّينَ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿ والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿ فَظَلَّتْ ﴾ مَعْناهُ: فَتَظَلُّ، لِأنَّ الجَزاءَ يَقَعُ فِيهِ لَفْظُ الماضِي في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِكَ: إنْ تَأْتِنِي أكْرَمْتُكَ، مَعْناهُ: أُكْرِمْكَ؛ وإنَّما قالَ: ﴿ خاضِعِينَ ﴾ لِأنَّ خُضُوعَ الأعْناقِ هو خُضُوعُ أصْحابِها، وذَلِكَ أنَّ الخُضُوعَ لَمّا لَمْ يَكُنْ إلّا بِخُضُوعِ الأعْناقِ، جازَ أنْ يُخْبِرَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما قالَ الشّاعِرُ: رَأتْ مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ فَلَمّا كانَتِ السُّنُونَ لا تَكُونُ إلّا بِمَرٍّ، أخْبَرَ عَنِ السِّنِينَ، وإنْ كانَ أضافَ إلَيْها المُرُورَ.
قالَ: وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يَعْنِي بِالأعْناقِ كُبَراءَهم ورُؤَساءَهم.
وجاءَ في اللُّغَةِ أنَّ أعْناقَهم جَماعاتُهم؛ يُقالُ: جاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ، أيْ: جَماعَةٌ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الأنْبِياءِ: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ ﴾ يَعْنِي المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ ﴿ كَمْ أنْبَتْنا فِيها ﴾ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فِيها نَباتٌ ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن كُلِّ جِنْسٍ حَسَنٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الزَّوْجُ: النَّوْعُ، والكَرِيمُ: المَحْمُودُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ الإنْباتِ ﴿ لآيَةً ﴾ تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ ﴿ وَما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: ما كانَ أكْثَرُهم يُؤْمِنُ في عِلْمِ اللَّهِ، ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ ﴾ المُنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ بِأوْلِيائِهِ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الشُعَراءِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، قالَهُ جُمْهُورُ الناسِ، وقالَ مُقاتِلٌ: مِنها مَدَّنِيٌّ الآيَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها الشُعَراءُ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ طسم ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ ﴿ لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ ﴾ ﴿ وَما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن الرَحْمَنِ مُحْدَثٍ إلا كانُوا عنهُ مُعْرِضِينَ ﴾ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ في أوائِلِ السُورِ مُسْتَوْعَبًا.
و "تِلْكَ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وهو وخَبَرُهُ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ عن "طسم" في بَعْضِ التَأْوِيلاتِ.
والإشارَةُ بـ "تِلْكَ" هي بِحَسْبِ الخِلافِ في "طسم"، وعَلى بَعْضِ الأقْوالِ تَكُونُ "تِلْكَ" إشارَةً إلى حاضِرٍ، و "ذَلِكَ" إلى مَوْجُودٍ، كَما أنَّ "هَذِهِ" قَدْ تَكُونُ الإشارَةُ بِها إلى غائِبٍ مَعْهُودٍ كَأنَّهُ حاضِرٌ.
و ﴿ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ القُرْآنُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "طسم" بِكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها وبِإدْغامِ النُونِ مِن "سِينْ" في المِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وَحْدَهُ بِإظْهارِها، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، ورَوى يَعْقُوبُ عن أبِي جَعْفَرٍ ونافِعٍ قَطْعَ كُلِّ حَرْفٍ مِنها عَلى حِدَةٍ، قالَ أبُو حاتِمُ: الِاخْتِيارُ فَتْحُ الطاءِ وإدْغامُ آخِرَ "سِينْ" في أوَّلِ "مِيمْ" فَتَصِيرُ المِيمُ مُتَّصِلَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكَ ﴾ الآيَةُ، تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ عَمّا كانَ فِيهِ مِنَ القَلَقِ والحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ، فَكانَ مِن شَغْلِ البالِ في حَيِّزِ الخَوْفِ عَلى نَفْسِهِ.
و "الباخِعُ" القاتِلُ نَفْسَهُ والمُهْلِكُ لَها بالهَمِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والناسُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ألا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عن يَدَيْهِ المَقادِرُ وخُوطِبَ بِـ "لَعَلَّ" عَلى ما في نَفْسِ البَشَرِ مِن تَوَقُّعِ الهَلاكِ في مِثْلِ تِلْكَ الحالِ.
ومَعْنى الآيَةِ: ألّا تَهْتَمَّ يا مُحَمَّدُ بِهِمْ، وبَلِّغْ رِسالَتَكَ، وما عَلَيْكَ مِن إيمانِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ بِيَدِ اللهِ تَعالى لَوْ شاءَ لَآمَنُوا، وقَوْلُهُ: "ألّا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ نَشَأْ ﴾ شَرْطٌ، وما في الشَرْطِ مِنَ الإبْهامِ هو - في هَذِهِ الآيَةِ - في حَيِّزِنا، وأمّا اللهُ تَعالى فَقَدْ عَلِمْ أنَّهُ لا يُنَزِّلُ عَلَيْهِمْ آيَةَ اضْطِرارٍ، وإنَّما جَعَلَ اللهُ تَعالى آياتِ الأنْبِياءِ والآياتِ الدالَّةِ عَلَيْهِ مُعَرَّضَةً لِلنَّظَرِ والفِكْرِ لِيَهْتَدِيَ مَن سَبَقَ في عِلْمِهِ هُداهُ، ويَضِلَّ مَن سَبَقَ ضَلالُهُ، ولِيَكُونَ لِلنَّظْرَةِ تَكَسُّبٌ بِهِ يَتَعَلَّقُ الثَوابُ والعِقابُ، وآيَةُ الِاضْطِرارِ تَدْفَعُ جَمِيعَ هَذا أنْ لَوْ كانَتْ.
وقَرَأ: "نُنَزِّلْ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الزايِ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ، والأعْرَجُ، وعاصِمْ، والحَسَنُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ البَصْرَةِ بِسُكُونِ النُونِ وتَخْفِيفِ الزايِ.
ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرٍو "يَشَأْ يُنَزِّلْ" بِالياءِ فِيهِما.
والخُضُوعُ لِلدَّلالَةِ في الآيَةِ المُنَزَّلَةِ كانَ يَتَرَتَّبُ بِأحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا بِخَوْفِ هَلاكٍ في مُخالَفَةِ الأمْرِ المُقْتَرِنِ بِها كَنَتْقِ الجَبَلِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ يَقَعُ الإذْعانُ لَها وانْقِيادُ النُفُوسِ، وكُلُّ هَذَيْنِ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَبِيٌّ، ووَجْهُ ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ، وهو تَوْجِيهٌ مَنصُوصٌ لِلْعُلَماءِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَتَظَلُّ أعْناقُهُمْ"، وهو المُرادُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وجَعْلُ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ إشارَةٌ إلى تَقْوِيَةِ وُقُوعِ الفِعْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعْناقُهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، والأخْفَشِ أنْ يُرِيدَ: جَماعاتِهُمْ، يُقالُ: جاءَ في عُنُقٍ مِنَ الناسِ، أيْ جَماعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أنَّ العِراقَ وأهْلَهُ ∗∗∗ عُنُقٌ إلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتا وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ أبِي مِحْجَنٍ: ..................
∗∗∗ وأكْتُمُ السِرَّ فِيهِ ضَرْبَةُ العُنُقِ ولِهَذا قِيلَ: "عُنُقُ رَقَبَةٍ"، ولَمْ يُقَلْ: "عُنُقُ عُنُقٍ" فِرارًا مِنَ الِاشْتِراكِ، قالَهُ الزَهْراوِيُّ.
والتَأْوِيلُ الآخَرُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الأعْناقِ" الجارِحَةَ المَعْلُومَةَ، وذَلِكَ أنَّ خُضُوعَ العُنُقِ والرَقَبَةِ هو عَلامَةُ الذِلَّةِ والِانْقِيادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وإذا الرِجالُ رَأوا يَزِيدَ رَأيْتَهم ∗∗∗ خُضُعَ الرِقابِ نَواكِسَ الأبْصارِ فَمَعْنى هَذا التَأْوِيلِ نَتَكَلَّمُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ خاضِعِينَ ﴾ ، كَيْفَ جَمَعَهُ جَمْعَ مَن يَعْقِلُ؟
وذَلِكَ مُتَخَرِّجٌ عَلى نَحْوَيْنِ مِن كَلامِ العَرَبِ: أحَدُهُما أنَّ الإضافَةَ إلى مَن يَعْقِلُ أفادَتْ حُكْمَهُ لِمَن لا يَعْقِلُ، كَما تُفِيدُ الإضافَةُ إلى المُؤَنَّثِ تَأْنِيثَ عَلامَةِ المُذَكَّرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: .................
∗∗∗ كَما شَرَقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَمِ وهَذا كَثِيرٌ.
والنَحْوُ الآخَرُ أنْ تَكُونَ "الأعْناقُ" لَمّا وُصِفَتْ بِفِعْلٍ لا يَكُونُ إلّا مَقْصُودًا لِلْبَشَرِ وهو الخُضُوعُ -؛ إذْ هو فِعْلٌ يَتْبَعُ أمْرًا في النَفْسِ جُمِعَتْ فِيهِ جَمْعَ مَن يَعْقِلُ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لَها خاضِعَةٌ".
ثُمْ عَنَّفَ الكُفّارَ، ونَبَّهَ عَلى سُوءِ فِعْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما يَأْتِيهِمْ ﴾ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُحْدَثٍ ﴾ يُرِيدُ: مُحْدَثَ الإتْيانِ، أيْ: مَجِيءُ القُرْآنِ لِلْبَشَرِ كانَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الذِكْرِ" مُحَمَّدًا ، كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ قَدْ أنْزَلَ اللهُ إلَيْكم ذِكْرًا ﴾ ﴿ رَسُولا ﴾ ، فَيَكُونُ وصْفُهُ بِالمُحْدَثِ مُتَمَكِّنًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أفْصَحُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ ﴾ الآيَةُ وعِيدٌ بِعَذابِ الدُنْيا، والآخِرَةِ، ويُقَوِّي أنَّهُ وعِيدٌ بِعَذابِ الدُنْيا؛ أنَّ ذَلِكَ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ، كَبَدْرٍ وغَيْرِها.
ولَمّا كانَ إعْراضُهم عَنِ النَظَرِ في الصانِعِ والإلَهِ أعْظَمَ كُفْرِهِمْ، وكانُوا يَجْعَلُونَ الأصْنامَ آلِهَةً، ويُعْرِضُونَ عَنِ الذِكْرِ في ذَلِكَ، نَبِّهْ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، وأنَّهُ الخالِقُ المُنْشِئُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ ﴾ الآيَةُ.
و "الزَوْجُ": النَوْعُ والصِنْفُ، و "الكَرِيمُ": الحَسَنُ المُتْقَنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، ويُرادُ الأشْياءُ الَّتِي بِها قِوامُ الأُمُورِ والأغْذِيَةُ والنَباتاتُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الحَيَوانُ لِأنَّهُ عن إنْباتٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ .
قالَ الشَعْبِيُّ: الناسُ مِن نَباتِ الأرْضِ، فَمَن صارَ إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ بِضِدِّ ذَلِكَ فَهو لَئِيمٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ .
حُكْمٌ عَلى أكْثَرِهِمْ بِالكُفْرِ.
ثُمْ تَوَعَّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ ، يُرِيدُ: عَزَّ في نِقْمَتِهِ مِنَ الكُفّارِ ورَحِمْ مُؤْمِنِي كُلِّ أُمَّةٍ، وقالَ نَحْوَ هَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، وفي لَفْظَةِ "الرَحِيمُ" وعْدٌ.
<div class="verse-tafsir"
الواو عاطفة على جملة: ﴿ وما يأتيهم من ذِكر من الرحمن مُحدَث إلا كانوا عنه معرضين ﴾ [الشعراء: 5]؛ فالهمزة الاستفهامية منه مقدمة على واو العطف لفظاً لأن للاستفهام الصدارةَ، والمقصود منه إقامة الحجة عليهم بأنهم لا تغني فيهم الآيات لأن المكابرة تصرفهم عن التأمل في الآيات، والآياتُ على صحة ما يدعوهم إليه القرآن من التوحيد والإيمان بالبعث قائمة متظاهرة في السماوات والأرض وهم قد عَمُوا عنها فأشركوا بالله، فلا عجب أن يضلوا عن آيات صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وكون القرآن منزلاً من الله فلو كان هؤلاء متطلعين إلى الحق باحثين عنه لكان لهم في الآيات التي ذُكِّروا بها مقنع لهم عن الآيات التي يقترحونها قال تعالى: ﴿ أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء ﴾ [الأعراف: 185]، وقال: ﴿ قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ﴾ [يونس: 101] أي عن قوم لم يعدوا أنفسهم للإيمان.
فالمذكور في هذه الآية أنواع النبات دالة على وحدانية الله لأن هذا الصنع الحكيم لا يصدر إلاّ عن واحد لا شريك له.
وهذا دليل من طريق العقل، ودليل أيضاً على إمكان البعث لأن الإنبات بعد الجَفاف مثيل لإحياء الأموات بعد رفاتهم كما قال تعالى: ﴿ وآية لهم الأرض الميتة أحيَيْناها ﴾ [يس: 33].
وهذا دليل تقريبي للإمكان فكان في آية الإنبات تنبيه على إبطال أصلي عدم إيمانهم وهما: أصل الإشراك بالله، وأصل إنكار البعث.
والاستفهام إنكار على عدم رؤيتهم ذلك لأن دلالة الإنبات على الصانع الواحد دلالة بينة لكل من يراه؛ فلما لم ينتفعوا بتلك الرؤية نزلت رؤيتهم منزلة العدم فأنكر عليهم ذلك.
والمقصود: إنكار عدم الاستدلال به.
وجملة: ﴿ كم أنبتنا ﴾ بَدل اشتمال من جملة ﴿ يروا ﴾ فهي مصبّ الإنكار.
وقوله: ﴿ إلى الأرض ﴾ متعلق بفعل ﴿ يروا ﴾ ، أي ألم ينظروا إلى الأرض وهي بمرأى منهم.
و ﴿ كم ﴾ اسم دال على الكثرة، وهي هنا خبرية منصوبة ب ﴿ أنبتنا ﴾ .
والتقدير: أنبتنا فيها كثيراً من كل زوج كريم.
و ﴿ مِن ﴾ تبعيضية.
ومورد التكثير الذي أفادته ﴿ كم ﴾ هو كثرة الإنبات في أمكنة كثيرة، ومورد الشمول المفاد من ﴿ كل ﴾ هو أنواع النبات وأصنافه وفي الأمرين دلالة على دقيق الصنع.
واستغني بذكر أبعاض كل زوج عن ذكر مميز ﴿ كم ﴾ لأنه قد عُلم من التبعيض.
والزوج: النوع، وشاع إطلاق الزوج على النوع في غير الحيوان قال تعالى: ﴿ ومن كل الثمرات جَعَلَ فيها زوجَيْن اثنين ﴾ على أحد احتمالين تقدما في سورة الرعد (3)، وتقدم قوله تعالى: ﴿ فأخرجنا به أزواجاً من نبات شَتى ﴾ في طَه (53).
والكريم: النفيس من نوعه قال تعالى: ﴿ ورزق كريم ﴾ في الأنفال (4)، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ مَرُّوا كِرَاماً ﴾ في سورة الفرقان (72).
وهذا من إدْماج الامتنان في ضمن الاستدلال لأن الاستدلال على بديع الصنع يحصل بالنظر في إنبات الكريم وغيرِه.
ففي الاستدلال بإنبات الكريم من ذلك وفاءٌ بغرض الامتنان مع عدم فوات الاستدلال.
وأيضاً فنظر الناس في الأنواع الكريمة أنفذُ وأشهرُ لأنه يبتدئ بطلب المنفعة منها والإعجاب بها فإذا تطلبها وقع في الاستدلال فيكون الاقتصار على الاستدلال بها في الآية من قبيل التذكير للمشركين بما هم ممارسون له وراغبون فيه.
والمشار إليه بذلك} هو المذكور من الأرض، وإنبات الله الأزواج فيها، وما في تلك الأزواج من منافع وبهجة.
والتأكيد بحرف ﴿ إنَّ ﴾ لتنزيل المتحدّث عنهم منزلة من ينكر دلالة ذلك الإنبات وصفاته على ثبوت الوحدانية التي هي باعث تكذيبهم الرسول لما دعاهم إلى إثباتها، وإفراد (آية) لإرادة الجنس، أو لأن في المذكور عدةَ أشياء في كل واحد منها آية فيكون على التوزيع.
وجملة: ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ عطف على جملة: ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ إخباراً عنهم بأنهم مصرّون على الكفر بعد هذا الدليل الواضح، وضمير ﴿ أكثرهم ﴾ عائد إلى معلوم من المقام كما عاد الضمير الذي في قوله: ﴿ ألا يكونوا مؤمنين ﴾ [الشعراء: 3]، وهم مشركو أهل مكة وهذا تحدَ لهم كقوله: ﴿ ولن تفعلوا ﴾ [البقرة: 24].
وأسنِد نفي الإيمان إلى أكثرهم لأن قليلاً منهم يؤمنون حينئذ أو بعد ذلك.
و ﴿ كان ﴾ هنا مقحمة للتأكيد على رأي سيبويه والمحققين.
وجملة: ﴿ وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ تذييل لهذا الخبر: بوصف الله بالعزة، أي تمام القدرة فتعلمون أنه لو شاء لعجّل لهم العقاب، وبوصف الرحمة إيماء إلى أن في إمهالهم رحمة بهم لعلهم يشكرون، ورحيم بك.
قال تعالى: ﴿ وربُّك الغفور ذو الرحمة لو يُؤاخذهم بما كسبوا لعجَّل لهم العذاب ﴾ [الكهف: 58].
وفي وصف الرحمة إيماء إلى أنه يرحم رسله بتأييده ونصره.
واعلم أن هذا الاستدلال لما كان عقلياً اقتصر عليه ولم يكرر بغيره من نوع الأدلة العقلية كما كررت الدلائل الحاصلة من العبرة بأحوال الأمم من قوله: ﴿ وإذ نادى ربُّك موسى ﴾ [الشعراء: 10] إلى آخر قصة أصحاب لَيْكة.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الشُّعَراءِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ إلى آخِرِها.
قَوْلُهُ ﴿ طسم ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ مِنَ الفَواتِحِ الَّتِي افْتَتَحَ اللَّهُ بِها كِتابَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: أنَّها حُرُوفُ هِجاءٍ مُقَطَّعَةٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ وصِفاتِهِ: أمّا الطّاءُ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّها مِنَ الطُّولِ.
الثّانِي: أنَّها مِنَ الطّاهِرِ.
وَأمّا السِّينُ فَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِنَ القُدُّوسِ.
الثّانِي: أنَّها مِنَ السَّمِيعِ.
الثّالِثُ: مِنَ السَّلامِ.
وَأمّا المِيمُ فَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِنَ المَجِيدِ.
الثّانِي: مِنَ الرَّحِيمِ.
الثّالِثُ: مِنَ المَلِكِ.
وَلِأصْحابِ الخَواطِرِ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الطّاءَ شَجَرَةُ طُوبى، والسِّينَ سِدْرَةُ المُنْتَهى، والمِيمَ مُحَمَّدٌ المُصْطَفى .
الثّانِي: أنَّ الطّاءَ طَرَبُ التّائِبِينَ، والسِّينَ سَتْرُ اللَّهِ عَلى المُذْنِبِينَ، والمِيمَ مَعْرِفَتُهُ بِالغاوِينَ، وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ ﴿ الم ﴾ مِن زِيادَةِ التَّأْوِيلاتِ ما يُجْزِئُ تَخْرِيجُهُ قَبْلَ هَذا المَوْضِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿ باخِعٌ نَفْسَكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قاتِلٌ نَفْسَكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والبَخْعُ القَتْلُ، قالَهُ ذُو الرُّمَّةِ: ألا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المَقادِرُ الثّانِي: مُحْرِجٌ نَفْسَكَ، قالَهُ عَطاءٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: ما عَظُمَ مِنَ الأُمُورِ القاهِرَةِ.
الثّانِي: ما ظَهَرَ مِنَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ.
﴿ فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَلْوِي أحَدٌ مِنهم عُنُقَهُ إلى مَعْصِيَةٍ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أصْحابَ الأعْناقِ فَحَذَفَهُ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنَّ الأعْناقَ الرُّؤَساءُ، ذَكَرَهُ ابْنُ شَجَرَةَ، وقالَهُ قُطْرُبٌ.
الرّابِعُ: أنَّ العُنُقَ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، مِن قَوْلِهِمْ: أتانِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ أيْ جَماعَةٌ، ورَأيْتُ النّاسَ عُنُقًا إلى فُلانٍ، ذَكَرَهُ النَّقّاشُ.
قَوْلُهُ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ أيْ نَوْعٍ مَعَهُ قَرِينَةٌ مِن أبْيَضَ وأحْمَرَ، وحُلْوٍ وحامِضٍ.
أحَدُها: حَسَنٌ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ النّافِعُ المَحْمُودُ كَما أنَّ الكَرِيمَ مِنَ النّاسِ هو النّافِعُ المَحْمُودُ.
الرّابِعُ: هُمُ النّاسُ نَباتُ الأرْضِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ ﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ فَمَن دَخَلَ الجَنَّةَ فَهو كَرِيمٌ، ومَن دَخَلَ النّارَ فَهو لَئِيمٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لعلك باخع نفسك ﴾ قال: لعلك قاتل نفسك ﴿ ألا يكونوا مؤمنين ﴾ ، ﴿ إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ﴾ قال: لو شاء الله أنزل عليهم آية يذلون بها فلا يلوي أحدهم عنقه إلى معصية الله ﴿ وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث...
﴾ يقول: ما يأتيهم من شيء من كتاب الله إلا أعرضوا عنه، ﴿ فسيأتيهم ﴾ يعني يوم القيامة ﴿ أنباء ﴾ ما استهزأوا به من كتاب الله وفي قوله: ﴿ كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم ﴾ قال: حسن.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ فظلت أعناقهم لها خاضعين ﴾ قال: العنق الجماعة من الناس قال: وهل تعرف العربُ ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت الحرث بن هشام وهو يقول ويذكر أبا جهل: يخبرنا المخبر أن عمراً ** أمام القوم من عنق مخيل وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فظلت أعناقهم لها خاضعين ﴾ قال: ذليلين.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: الخاضع: الذليل.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم ﴾ قال: من نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي ﴿ كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم ﴾ قال: الناس من نبات الأرض.
فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: كل شيء في الشعراء من قوله: ﴿ عزيز رحيم ﴾ فهو ما هلك ممن مضى من الأمم يقول ﴿ عزيز ﴾ حين انتقم من أعدائه ﴿ رحيم ﴾ بالمؤمنين حين أنجاهم مما أهلك به أعداءه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ قال ابن عباس: المنتقم (١) ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ بأوليائه (٢) وقال ابن جريج: عزيز بالانتقام من أعدائه، رحيم بإنجاء المؤمنين بما يُهلك به أعداءه (٣) وفي هذا إشارة إلى أن الله تعالى ينتقم من أعداء النبي - - بإهلاكهم وتعذيبهم وينجي المؤمنين (٤) (١) في نسخة (أ)، (ب): (المسمى).
(٢) "الوسيط" 3/ 351، غير منسوب.
وفي "تنوير المقباس" 306: ﴿ لَهُوَ الْعَزِيزُ ﴾ بالنقمة منهم ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ بالمؤمنين.
(٣) أخرجه ابن جرير 19/ 63.
وأوله: كل شيء في الشعراء، من قوله: "عزيز رحيم"، فهو ما أهلك ممن مضى من الأمم.
(٤) جعل مقاتل الرحمة راجعة إلى الكفار، فقال 48 أ: ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ حين لا يعجل عليهم بالعقوبة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَاخِعٌ ﴾ ذكر في الكهف ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ الأعناق جمع عنق وهي الجارحة المعروفة، وإنما جمع خاضعين جمع العقلاء؛ لأنه أضاف الأعناق إلى العقلاء، ولأنه وصفها بفعل لا يكون إلا من العقلاء، وقيل: الأعناق الرؤساء من الناس شبهوا بالأعناق كما يقال لهم: رؤوس وصدور، وقيل: هم الجماعات من الناس، فلا يحتاج جمع خاضعين إلى تأويل ﴿ مُحْدَثٍ ﴾ يعني به محدث الإتيان ﴿ فَسَيَأْتِيهِمْ ﴾ الآية: تهديد ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ أي من كل صنف من النبات فيعم ذلك الأقوات والفواكه والأدوية والمرعى، ووصفه بالكرم لما فيه من الحسن ومن المنافع ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ الإشارة إلى ما تقدّم من النبات، وإنما ذكره بلفظ الإفراد لأنه أراد أن في كل واحد آية أو إشارة إلى مصدر قوله: ﴿ أَنبَتْنَا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ طسم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد.
وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وقرأ حمزة ويزيد مظهرة النون عند الميم ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ ويضيق ولا ينطلق ﴾ بالنصب فيهما: يعقوب.
﴿ أرجه ﴾ مثل ما في "الأعراف" ﴿ أين لنا ﴾ بالمد وبالياء.
يزيد وأبو عمرو وزيد وقالون.
وقرأ ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد بهمزة ثم ياء، وعن قنبل ﴿ إن لنا ﴾ على الخبر.
الباقون بهمزتين.
هشام يدخل بينهما مدة.
﴿ آمنتم ﴾ بالمد: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ آمنتم ﴾ على الخير: حفص غير الخزاز.
الأخرون ﴿ أأمنتم ﴾ بهمزتين.
﴿ بعبادي إنكم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر ﴿ حاذرون ﴾ بالألف: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.
الباقون بغير الألف ﴿ فاتبعوهم ﴾ بالتشديد: زيد عن يعقوب.
الباقون بقطع الهمزة وسكون التاء ﴿ تراءى الجمعان ﴾ بكسر الراء والهمزة في الوصل: حمزة ونصير وهبيرة في طريق الخزاز.
واختلفوا في الوقف؛ فعن الكسائي بكسر الراء والهمزة على وزن "تريعى" وفي رواية أخرى عنه "ترائى" اي ترائى، والمشهور عنه "ترأ" بكسر الراء وفتح الهمزة، وأما حمزة فإنه يقف "ترى" بترك الهمزة وكسر الراء ويمد ويشير إلى موضع الهمزة وهو المصدر.
وأما هبيرة فإنه يقف "تريا" بكسر الراء ويشير إلى فتح الهمزة.
الباقون يقفون "تراءى" على وزن "تراعى" ﴿ معي ربي ﴾ بفتح الياء: حفص.
الوقوف: ﴿ طسم ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ خاضعين ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للابدال أو البيان تسجيلاً عليهم بالظلم ﴿ فرعون ﴾ ط للعدول عن الأمر إلى الاستفهام ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يكذبون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ ويضيق ﴾ بالرفع على الاستئناف ﴿ هرون ﴾ ط ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ قال كلا ﴾ لا للعطف معنى لا لفظاً ﴿ مستمعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ بني إسرائيل ﴾ ط ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط لأن جواب الشرط محذوف اي إن كنتم موقنين فلا تكذبوني ﴿ موقنين ﴾ ه ﴿ تستمعون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المسجونين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ للناظرين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ بسحره ﴾ ق قد قيل: بناء على أن ما بعده قول الملأ لفرعون والجمع للتعظيم، والأصح أنه من تتمة قول فرعون.
﴿ تأمرون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه لا لأن ما يتلوه جواب.
﴿ عليم ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه لا للعطف ﴿ مجتمعون ﴾ لا لاتصال المعنى ﴿ الغالبين ﴾ ه ﴿ لمن المقربين ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ ما يأفكون ﴾ ه للآية وللدلالة على إسراعهم في السجود ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وهرون ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ه للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ السحر ﴾ ط للفاء ولام الابتداء ﴿ فلسوف تعلمون ﴾ ه لتقدير القسم ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ لا ضير ﴾ ط توقية لحق "إن" وإلا فالأصل هو الوصل لأن ما بعده هو القول في الحقيقة كما في "الأعراف" ﴿ منقلبون ﴾ ه ج للآية مع اتحاد المقول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ متبعون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه للآية مع أن التقدير بأن هؤلاء ﴿ قليلون ﴾ ه ﴿ لغائظون ﴾ ه ﴿ حاذرون ﴾ ه ط لابتداء الخبر من الله ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ كذلك ﴾ ط أي كما وعدنا بني إسرائيل إيراثها ثم أخبر عن وقوع الموعود لبني إسرائيل ﴿ مشرقين ﴾ ه ﴿ لمدركون ﴾ ه ووجه الوصل الإسراع في تداركهم عن خوف الإدراك ﴿ كلا ﴾ ج لاحتمال أن يكون للردع وأن يكون بمعنى حقاً ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ ط لأجل الفاء الفصيحة أي فضرب فانفلق ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه الآية ط ﴿ مأمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه.
التفسير: قال جار الله: معنى طسم إن آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين وقد مر مثله في أول "يوسف".
والبخع الإهلاك وقد مر في اول "الكهف".
عزاه وعرفه أن غمه وحزنه لا ينفع كما أن وجود الكتاب على بيانه ووضوحه لا ينفع.
ثم بين أنه قادر على تنزيل آية ملجئة إلى الإيمان ولكن المشيئة والحكمة تقتضيان بناء الأمر على صورة الاختبار.
قال صاحب الكشاف: وجه عطف ﴿ فظلت ﴾ على ﴿ ننزل ﴾ كما قيل في قوله ﴿ فَأَصَّدَّقَ وأكن ﴾ كأنه قيل: أنزلنا فظلت.
وأقول: الظاهر أن الفاء في ﴿ فظلت ﴾ لسببية بدليل عدم المستتر فيه كما في ﴿ ننزل ﴾ .
ووجه العدول إلى الماضي كما قيل في ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ وجه مجيء ﴿ خاضعين ﴾ خبراً عن الأعناق إذ الأعناق تكون مقحماً لبيان موضع الخضوع.
وأصل الكلام: فظلوا لها خاضعين أي حين وصفت الأعناق بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل ﴿ خاضعين ﴾ كقوله ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ﴾ وقيل: أعناقهم رؤساؤهم كما يقال لهم الرؤوس والصدور.
وقيل: اراد جماعاتهم.
يقال: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم.
عن ابن عباس: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية.
قال: ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزة.
ومعنى ﴿ ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ﴾ قد مر في سورة الأنبياء.
نبه بذلك على أنه مع اقتداره على أن يجعلهم ملجئين على الإيمان حكيم يأتيهم بالقرآن حالاً بعد حال رعاية لقاعدة التكليف.
ثم ذكر أنه لا يحدد لهم توجيه موعظة وتذكير إلا جددوا ما هو نقيض المقصود، وذلك النقيض هو الإعراض والتكذيب والاستهزاء وهذا ترتيب في غاية الحسن كأنه قيل حين أعرضوا عن الذكر: فقد كذبوا به وحين كذبوا به فقد خف عندهم قدره حتى صار عرضة للاستهزاء.
وهذه درجات من أخذ في الشقاء فإنه يعرض أوّلاً، ثم يصرح بالتكذيب ثانياً، ثم يبلغ في التكذيب والإنكار إلى حيث يستهزئ.
وفي قوله ﴿ فسيأتيهم ﴾ وعيد لهم بعذاب بدر أو يوم القيامة وقد مر مثله في أول "الأنعام".
ثم بين أنه مع حكمته في إنزال القرآن حالاً بعد حال رحيم يظهر من الدلائل الحسية ما يكفي للمتأمل في باب النظر والاستدلال.
والزوج الصنف والكريم نعت لكل ما يرضى ويحمد في بابه منه "وجه كريم" إذا رضي في حسنه وجماله، و"كتاب كريم" مرضي في مبانيه، و"نبات كريم" مرضي فيما يتعلق به من المنافع، فما من نبت إلا وفيه نفع وفائدة من جهة وإن كانت فيه مضرة من جهة أخرى.
ويحتمل أن يراد بالكريم النافع منه وتكون المضارّ مسلوبة عنه.
قال جار الله: معنى الجمع بين "كم" و"كل" دون أن يقول "كم أنبتنا فيها من زوج كريم" هو أن "كلا" قد دل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و"كم" دل على أن هذا محيط مفرط الكثرة.
قلت: فالحاصل أن خلق النوع يصدق بخلق فرد واحد منه كما يصدق بخلق أفراد كثيرة.
فقوله ﴿ كل زوج ﴾ إشارة إلى خلق كل نوع من أنواع النبات، وقوله ﴿ كم أنبتنا ﴾ إشارة إلى كثرة افراد كل نوع منه وفيه تنبيه على كمال القدرة ونهاية الجود والرحمة ولهذا ختم الكلام بقوله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإنبات أو في كل واحد من تلك الأزواج ﴿ الآية ﴾ على الإبداء والإعادة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن الله طبع على قلوبهم ﴿ وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ فمن عزته قدر على عقوبتهم ومن رحمته بين لهم الدلائل ليتفكروا ويعتبروا، والرحمة إذا صدرت عن القدرة كانت أعظم موقعاً، واعلم أنه كرر بعض الآيات في هذه السورة لأجل التأكيد و"التقرير"؛ فمن ذلك أنه كرر قوله ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ إلى قوله ﴿ الرحيم ﴾ في ثمانية مواضع: أولها في ذكر النبي ، والثانية في قصة موسى، ثم إبراهيم، ثم نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم شعيب.
ومن ذلك قوله ﴿ ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ وهو مذكور في خمسة مواضع: في قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.
ومن ذلك أنه كرر ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ في قصة نوح وهود وصالح وليس في ذكر النبي : ﴿ ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاَّ على رب العالمين ﴾ لذكرها في مواضع من غير هذه السورة.
وليس في قصة موسى لأنه رباه فرعون حيث قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ ولا في قصة إبراهيم لأن اباه في المخاطبين حيث يقول: ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ﴾ وهو قد ربَّاه فاستحيا موسى وإبراهيم أن يقولا ﴿ وما أسألكم عليه من أجر ﴾ وإن كانا منزهين من طلب الأجر.
ثم إنه أعاد في هذه السورة قصص الأنبياء المشهورين مع أممهم اعتباراً لهذه الأمة، وبدأ بقصة موسى لما فيها من غرائب الأحوال وعجائب الأمور.
والنداء المسموع عند الأشعري هو الكلام القديم الذي لا يشبه الحروف والأصوات، وعند المعتزلة وإليه ميل أبي منصور الماتريدي أنه من جنس الحروف والأصوات وأنه وقع على وجه علم به موسى أنه من قبل الله وقد عرفه أنه سيظهر عليه المعجزات إذا طولب بذلك.
قال جار الله: قوله ﴿ ألا يتقون ﴾ كلام مستأنف فيه تعجيب لموسى من حالهم الشنعاء في قلة خوفهم وكثرة ظلمهم، أو حال أدخلت عليه همزة الإنكار.
ثم إن موسى خاف أن يذكب عند أداء الرسالة فاستظهر بهارون.
وفي قراءة النصب خاف التكذيب المستتبع لضيق الصدر المستلزم لاحتباس اللسان عن الجريان في الكلام، ولعله اراد بهذه الحبسة عقدة في لسانه قبل إجابة دعوته أو بقية يروى أنها بقيت بعد الإجابة كما مر في "طه".
ومعنى ﴿ فأرسل إلى هارون ﴾ أرسل إليه جبريل واجعله نبياً يصدقني في أمري فاختصر الكلام اختصاراً.
ثم ذكر أن لهم عليه ذنباً فسمى جزاء الذنب ذنباً، أو المضاف محذوف اي تبعه ذنب وهو قود قتل القبطي كما سيجيء تفصيله في سورة القصص.
فيمكن أن يقتل قبل أداء الرسالة فلا يتمكن من المقصود، وهذا قد جوزه الكعبي وغيره من البغداديين.
وقال الأكثرون: الأقرب من حال الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله الرسالة أنه يمكنهم من أدائها فلا معنى للخوف من القتل قبل الأداء.
نعم لو خاف بعد الأداء جاز وذلك لما جبل عليه طبع الإنسان من التنفر عن القتل فيسأل الله الأمان من ذلك وقد جمع الله له بقوله ﴿ كلا ﴾ الكلاءة وبقوله ﴿ فاذهبا ﴾ استنباء أخيه كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون ﴿ ومعكم ومستمعون ﴾ خبران لأن أو الخبر ﴿ مستمعون ﴾ و ﴿ معكم ﴾ متعلق به.
ولا يخفى ما في المعية من المجاز لأن المصاحبة من صفات الأجسام، فالمراد معية النصرة والمعونة، وأما الاستماع فمجاز أيضاً وإن كان إطلاق السمع على الله حقيقة لأن الاستماع جار مجرى الإصغاء ولا بد فيه من الجارحة.
فحاصل الآية إنا لكما ولعدوّكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه.
وإنما وحد الرسول في قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ لأنه أراد كل واحد أو أراد الرسول بمعنى المصدر أي ذو رسالة رب العالمين.
يقال: أرسلتهم برسول اي برسالة أو جعلا لاتفاقهما واتحاد مطلبهما كرسول واحد.
وههنا إضمار دل عليه سياق الكلام أي فأتيا فرعون فقالا له ذلك.
يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن ههنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين.
فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه.
فأديا إليه الرسالة فعرف أنه موسى فعند ذلك قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ أي صبياً وذلك لقرب عهده من الولادة.
قيل: مكث فيهم ثلاثين سنة من أول عمره.
وقيل: وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة ففر منهم.
والفعلة الوكزة عدد عليه نعمه، ثم وبخه بقتل نفس منهم وسماه كافراً لنعمه بسبب ذلك.
وجوز جار الله أن يراد وأنت إذ ذاك ممن يكفر بالساعة فيكون قد افترى على موسى أو جهل أمره لأنه كان يعايشهم بالتقية.
وإنما قلنا إنه افتراء أو جهل لأن الكفر غير جائز على الأنبياء ولو قبل النبوة، ويجوز أن يراد أنه من الكافرين بفرعون وإلهيته أو بآلهة كانوا يعبدونها.
قال : ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ ثم إن موسى ما أنكر تربيته ولكن أنكر الكفر فلم ينسب نفسه إلا إلى الضلال وأراد به الذهاب عن الصواب، أو أراد النسيان أو الخطأ وعدم التدبر في أدبار الأمور.
ثم ذكر موهبة ربه في حقه حين فر من فرعون وملئه المؤتمرين بقتله.
والحكم العلم بالتوحيد وكمال العقل والرأي، ولا تدخل فيه النبوة ظاهراً لئلا يلزم شبه التكرار بقوله: ﴿ وجعلني من المرسلين ﴾ قال جار الله ﴿ وتلك ﴾ إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدري ما هي إلا بعد أن فسرت بقوله ﴿ أن عبدت ﴾ نظيره قوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع ﴾ والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها عليّ كأنه أبى أن يسمي نعمته إلا نقمة لأن تعبيدهم أي تذليلهم واتخاذهم عبيداً وقصدهم.
بذبح أبنائهم صار هو السبب في حصوله عنده وفي تربيته فلهذا قال الزجاج: "أن" مع ما بعده في موضع نصب أي إنما صارت نعمة عليّ لأن عبدت بني إسرائيل إذ لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم ومن هنا قال جار الله: إن قول موسى ﴿ فعلتها إذن ﴾ جواب لقول فرعون ﴿ وفعلت فعلتك ﴾ وجزاء له كأن فرعون قال: جازيت نعمتي بما فعلت.
فقال موسى: فعلتها مجازياً لك وإن نعمتك جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء.
وقال الحسن: أراد أنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت عليّ فلا نعمة لك بالتربية على أن التربية كانت من قبل أمي وعشيرتي ولم يكن منك إلا أنك لم تقتلني.
وقيل: اراد أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في الإطعام والكسوة.
واعلم أن للعلماء خلافاً في نعمة الكافر فقيل: إنها لا تستحق الشكر لأن الكافر يستحق الإهانة بكفره فلو استحق الشكر لإنعامه لزم الجمع بين الإهانة والتعظيم في حق شخص واحد في وقت واحد.
وقيل: لا يبطل بالكفر إلا الثواب والمدح الذي يستحقه على الإيمان، وفي الآية نوع دلالة على كل من القولين.
ثم إن موسى حين أدى رسالته من قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ ﴿ قال فرعون وما رب العالمين ﴾ وقد سبق مراراً أن كفره احتمل أن يكون كفر عناد وأ، يكون كفر جهالة، والذي يختص بالمقام هو أن ما يطلب به حقيقة الشيء وماهيته، وهذا هو الذي قصده فرعون بسؤاله ولم يعرف أن الماهية لا تطلق على ذاته تعالى إذ لا أجزاء لها حدية ولا تقديريه ولا بأي وجه فرض ضرورة انتهاء الكل إليه واستغنائه عن الكل من كل الوجوه، فلا يصح أن يسأل عنه بما هو ولا بكيف هو ولا بأي شيء هو ولا بهل هو، غاية ذلك أن ينبه على وجوده الذي هو أظهر الأشياء بلوازمه وآثاره على وجه يعم الكل كما يقال: إنه رب السموات والأرض وما بينهما، أو بأخص من ذلك بأن يقال مثلاً: ﴿ ربكم ورب آبائكم الأولين ﴾ وهو الاستدلال بالأنفس أو يقال ﴿ رب المشرق والمغرب وما بينهما ﴾ من الجهات المفروضة على السماء من لدن طلوع الكواكب إلى غروبها وبالعكس وهو الاستدلال بالآفاق.
وقد راعى في الجواب الأول طريقة اللطف فختم بقوله ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ أي إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وجلائه.
وخاشنهم في الأخير بقوله ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله: ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله ﴿ إن رسولكم ﴾ ويمكن أن يراد بقوله ﴿ وما بينهما ﴾ ثانياً ما بين المشرق والمغرب من المخلوقات فيكون الفرق بين هذا الاستدلال وبين الأول أن الأول هو الاستدلال بالإمكان على طريقة الحكيم، والثاني هو الاستدلال بالحدوث على طريقة المتكلمين، والأول أقرب إلى اليقين فلهذا قال ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ والثاني أقرب إلى الحس فلهذا قال ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ ولما انجر الكلام إلى حد العناد والمخاشنة هدده فرعون بقوله: ﴿ لئن اتخذت إلهاً غيري لاجعلنك من المسجونين ﴾ وهذا أبلغ من أن لو قال: "لأسجننك" والمعنى لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه يطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع، وحينئذ عدل موسى إلى الحجة الأصلية في الباب وهو ادعاء المعجز المنبئ عن صدقه فقال ﴿ أولو جئتك ﴾ أي أتفعل فيَّ ذلك ولو جئتك بشيء أي جائياً بالمعجزة.
وفي قوله ﴿ إن كنت من الصادقين ﴾ إن سلم أنه قاله جداً لا هزلاً وجدالاً دلالة على ما ركز في العقول من أن دعوى الرسالة إن اقترنت بظهور المعجزة على يده تحقق صدقها.
وقد شنع في الكشاف ههنا أن في أهل القبلة من خفي عليهم ما لم يخف على فرعون حتى جوزوا القبيح عليه ولزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات.
وفي التخطئة سهو من وجهين: أحدهما: أنه لا قبيح عند الأشاعرة عقلاً.
والثاني أنه على تقدير التسليم لا يلزم تجويز كل قبيح وهذا من ذلك للزوم الاشتباه.
وباقي القصة سبق نظيرها في "الأعراف" فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالسورة.
قوله ﴿ قال للملأ حوله ﴾ قال في الكشاف: الظرف في محل النصب على الحال.
وأقول: الأصوب أن يجعل نعتاً للملأ أي الأشراف حوله على طريقة قوله: ولقد أمرّ على اللئيم يسبني *** قوله ﴿ لمقيات يوم معلوم ﴾ اليوم يوم الزينة وميقاته وقت الضحى كما مر في "طه".
قوله ﴿ هل أنتم مجتمعون ﴾ استبطاء لهم في الاجتماع وحث عليه كقول الرجل لغلامه: هل أنت منطلق إذا أراد أن يحثه على الانطلاق.
قوله ﴿ لعلنا نتبع السحرة ﴾ لم يكن غرضهم اتباع السحرة في دينهم وإنما غرضهم الأصلي أن لا تتبعوا موسى، فساقوا الكلام مساق المجاز لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى.
قوله ﴿ بعزة فرعون ﴾ هي من أيمان الجاهلية ولا يصح الحلف في الإسلام إلا بالله وبصفاته كما مر في "البقرة" و"المائدة".
وقوله ﴿ فألقى السحرة ﴾ لم يسم فاعله وهو الله في الحقيقة حين ألقى داعية الإيمان في قلوبهم ويجوز أن ينسب إلى ما عاينوا من المعجزات الباهرة ولك أن لا تقدر فاعلاً أي خروا.
قوله ﴿ لا ضير ﴾ أي لا ضير علينا فيما يتوعدنا به من القتل.
قوله ﴿ إنا نطمع ﴾ الطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين كقوله إبراهيم ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي ﴾ ويحتمل الظن بناء على أن المرء لا يعلم ما يختاره أو يؤل إليه عند الوفاة.
ومعنى ﴿ أن كنا ﴾ لأن كنا وكانوا أوّل طائفة مؤمنين من أهل زمانهم أو من قوم فرعون أو من أهل المشهد.
قوله: ﴿ إِنكم متبعون ﴾ تعليل للإسراء أي بنيت تدبير أمركم على أن تتقدموا لو يتبعكم فرعون وجنوده إلى أن يغشاهم من اليم ما يغشاهم.
قوله: ﴿ لشرذمة ﴾ هي الطائفة القليلة.
ثم وصفهم بالقلة واختار جمع السلامة ليدل على أن كل حزب منهم في غاية القلة، وذلك بالنسبة إلى عسكره وإلا فهم كثير في أنفسهم.
يروى أن فرعون أرسل في اثرهم الف ألف وخمسمائة الف ملك مسور مع كل ملك الف وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت على مقدّمته سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة، وكان قوم موسى إذ ذاك ستمائة ألف وسبعين ألفاً.
ويجوز أن يريد بالقلة الذلة والحقارة لا قلة العدد.
قوله: ﴿ وإنهم لنا لغائطون ﴾ معناه أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم ولكنهم يفعلون أفعالاً لغيظنا كأخذ الحلي وادّعاء الاستقلال والاستخلاص عن ذل الاستخدام ونحن قوم مجموعون كلمة وائتلافاً، ومن عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور.
فالحذر المتيقظ وهو يفيد الثبات والحاذر الذي يجدد حذره.
وقيل: هو تام السلاح لأنه فعل ذلك حذراً واحتياطاً لنفسه، وكل هذه المعاذير لأجل أن لا يظن به العجز وخلاف ما ادّعاه من القهر والتسلط.
وقرئ ﴿ حادرون ﴾ بالدال غير المعجمة، والحادر السمين القوي أراد أنهم أقوياء أشدّاء.
﴿ فأخرجناهم من جنات ﴾ أي بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة.
قال مجاهد: سماها كنوزاً لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله .
والمقام الكريم المنازل الحسنة والمجالس البهية.
وقال الضحاك: المنابر.
وقيل: السرر في الحجال.
﴿ كذلك ﴾ يحتمل النصب أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا، والجر على الوصف أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، ولارفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، وعلى هذا فيوقف على ﴿ كريم ﴾ .
﴿ فأتبعوهم ﴾ اي فلحقوهم.
ومن قرأ بالتشديد فظاهر.
والإشراق الدخول في وقت الشروق ﴿ فلما تراءى الجمعان ﴾ أي رأى قوم موسى قوم فرعون وحصل كل من الفريقين بمرأى للآخر ﴿ قال أصحاب موسى ﴾ خوفاً وفزعاً ﴿ إنا لمدركون ﴾ لملحقون.
قال موسى تثبيتاً لهم وردعاً عماهم عليه من الجزع والفزع ﴿ كلا إن معي ربي ﴾ بالنصرة والمعونة ﴿ سيهدين ﴾ سبيل النجاة والخلاص كما وعدني.
ثم بين أنه كيف هداه بقوله ﴿ فأوحينا ﴾ الآية.
ومعنى ﴿ فانفلق ﴾ فضرب فانفلق ﴿ فكان كل فرق ﴾ اي كل جزء متفرق منفلق منه ﴿ كالطود ﴾ وهو الجبل العظيم ومع ذلك وصفه بالعظيم ﴿ وأزلفنا ثم ﴾ أي قربنا حيث انفلق البحر ﴿ الآخرين ﴾ وهم قوم فرعون والمقرب منه بنو إسرائيل أو قوم فرعون أيضاً أي أدنينا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد، ويجوز أن يراد قدمانهم إلى البحر.
وقرئ ﴿ وأزلقنا ﴾ بالقاف أي أزللنا أقدامهم حساً بأن لم يكن لهم البحر يبساً كما كان لبني إسرائيل، أو عقلاً أي أذهبنا عزهم.
والبحر بحر القلزم أو بحر من وراء مصر يقال له أساف.
قالت الأشاعرة: إنه أضاف الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم في طلب موسى كفر.
أجاب الجبائي بأن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله ، فلما كان مسيرهم بتدبير الله وهؤلاء تبعوهم اضافه إلى نفسه توسعاً، وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول: أتعبني الغلام لما حدث ذلك عند فعله.
أو المراد أزلفناهم إلى الموت والأجل.
وقال الكعبي: أراد أنه جمع تفرقهم كيلا يصلوا إلى موسى وقومه، أو اراد أنه حلم عنهم وترك لهم لابحر يابساً حتى طمعوا في دخوله.
واعترض بأن كل ذلك لا بد أن يكون له أثر في استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم فيعود المحذور.
﴿ إن في ذلك ﴾ الذي حدث في البحر من إنجاء البعض وإغراق البعض أو في ذلك أي ذكر من القصة بطولها ﴿ لآية ﴾ عجيبة للمتدبر المتفكر في الأمور الإلهية ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ حين سألوا بعد النجاة أن يجعل لهم موسى إلهاً غير الله، واتخذوا العجل، واقترحوا اقتراحات خارجة عن قانون الأدب.
ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الأمة بدليل ﴿ واتل عليهم ﴾ وفيه تسلية لرسول الله فقد كان يغتم بتكذيب قومه بعد ظهور المعجزات ونزول الآيات.
التأويل: الطاء طوله في كمال عظمته، والسين سلامته عن كل عيب ونقص، والميم مجده الذي لا نهاية له.
أو الطاء طهارة قلب نبيه عن تعلقات الكونين، والسين سيادته على الأنبياء والمرسلين، واليمم مشاهدته جمال رب العالمين.
أو الطاء طيران الطائرين بالله، والسين سير السائرين إلى الله، والميم مشي الماشين لله الذين يمشون على الأرض هوناً.
﴿ إن نشأ ننزل ﴾ من سماء قلوبهم ﴿ آية ﴾ من واردات الحق ﴿ فظلت ﴾ أعناق نفوسهم ﴿ لها خاضعين ﴾ ﴿ فسيأتيهم ﴾ بعد مفارقة الأرواح الأجساد ﴿ أنباء ما كانوا به يستهزؤن ﴾ لظهور نتائج معاملاتهم الخبيثة على أرواحهم ﴿ أو لم يروا إلى ﴾ أرض قلوب العارفين ﴿ كما أنبتنا فيها ﴾ من اشجار أصناف الإيمان والتوكل واليقين والإخلاص وسائر الأخلاق الكريمة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن جناب الحق لعزته يجل عن أن يكون شرعة لكل وارد ﴿ وإن ربك لهو العزيز ﴾ الذي لا يوجد بالسعي ﴿ الرحيم ﴾ حين أدرك أولياءه بجذبات العناية كما أدرك موسى حين ناداه من الشجرة، وذلك لأنه جعله مظهر لطفه كما أ نه جعل فرعون مظهر قهره فصار من العتوّ والاستكبار في غاية الكمال.
ويعلم منه أن الإنسان له استعداد في مظهرية صفة القهر ليس لإبليس فلذلك عاند إبليس آدم وقال أنا خير منه وعاند فرعون الرب وقال أنا ربكم الأعلى.
وأن له استعداداً في مظهرية صفة اللطف ليس للملك ولهذا صار الإنسان مسجوداً للملائكة.
﴿ أن أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيه أن موسى القلب مرسل إلى فرعون النفس لئلا تستعيد الصفات الروحانية فإن لفرعون النفس في البداية استيلاء على موسى القلب والصفات الروحانية فاستعملهم في قضاء حوائجه وتحصيل مقاصده فعرفه فرعون النفس وقال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ فإن موسى القلب كان في حجر فرعون النفس إلى أن بلغ أوان الحلم وهي خمس عشرة سنة، فقتل قبطي الشهوة حين كفر بإله الهوى وكان قبل القتل ضالاً عن حضرة الربوبية ﴿ ففرت منكم ﴾ غلى الله لما خفت أن تقطعوا عليّ الطريق إلى الله.
رب سموات القلوب وأرض البشرية وما بينهما من المنازل ﴿ قال لمن حوله ﴾ من صفات النفس ﴿ الا تستمعون ﴾ ﴿ قال موسى ﴾ القلب لتعارفه بربه ﴿ ربكم ورب آبائكم الأوّلين ﴾ يعني الآباء العلوية الرحانية.
وفي قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ إشارة إلى كمال ضدية القلب والنفس فما يصدر عن القلب تعده النفس من الجنون وبالعكس.
﴿ رب ﴾ مشرق الروح من أفق البدن ﴿ ورب ﴾ مغربه فيه ﴿ وما بينهما ﴾ من مدة التعلق وقد مر نظيره في محاجة إبراهيم في "البقرة" ﴿ لأجعلنك من المسجونين ﴾ في سجن حب الدنيا فإن القلب إذا توجه إلى الله فلا استيلاء للنفس عليه إلا بشبكة حب النجاة والرياسة فإنها آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين.
فقال موسى القلب: لا تقدر على أن تسجنني فإن معي عصا الذكر واليد المنزعة عما سوى الله.
وباقي التأويل قد سبق قوله: ﴿ فأخرجناهم ﴾ أي ﴿ من جنات ﴾ صفات الأوصاف الروحانية ﴿ وعيون ﴾ الحكمة ﴿ وكنوز ﴾ المعارف ﴿ ومقام كريم ﴾ في حضرة أكرم الأكرمين ﴿ وأورثاها بني إسرائيل ﴾ فيه أن النفس إذا فنيت ورث القلب منها صفاتها وبقوتها تصير إلى مقامات لم يمكنه الوصول إليها بقوة صفاته، ولو مات القلب ورثت النفس منه صفاته وبقوتها تتنزل إلى دركات لم يمكنها الوصول إليها بمجرد صفاتها ﴿ فأتبعوهم ﴾ أي لحق أوصاف النفس أوصاف القلب عند إشراق شمس الروح ﴿ فكان كل فرق ﴾ فيه أن كل صفة من أوصاف الروح كجبل عظيم في العبور عنه.
﴿ وأزلفنا ثم الآخرين ﴾ أي قربنا صفات النفس بتبعية صفات القلب إلى بحر الروح.
﴿ وأنجينا موسى ومن معه ﴾ من الأوصاف في بحر الروح بالوصول إلى الحضرة ﴿ ثم أغرقنا ﴾ أوصاف النفس في بحر الروحانية فإن الوصول إلى الحضرة من خواص القلب وغاية سير النفس هو الاستغراق في بحر الروحانية ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ لأرباب العرفان ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ بهذه المنازل فإنه لا يصير إليها إلا الشاذ من المجذوبين بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ جعلنا الله من المستعدين لها والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ طسۤمۤ ﴾ قد ذكرنا تأويل الحروف المعجمة فيما تقدم؛ وكذلك قوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ ﴾ قد ذكرنا تأويله، أيضاً.
وقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ : كان يشتد على رسول الله تركهم الإيمان وتكذيبهم إياه؛ إشفاقاً وخوفاً عليهم، وتعظيماً لله وإجلالا لحقه، حتى كادت نفسه تهلك حزناً على ذلك؛ وكقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً ﴾ ، والأسف: هو النهاية في الحزن؛ كقول يعقوب: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ﴾ .
وقال بعضهم: الأسف: هو النهاية في الغضب؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ قيل: أغضبونا، وقد ذكرنا في سورة يوسف على ما ذكر الله ورسوله ووصفه كان مطبوباً بحزن وتأسف لمكان كفرهم وتكذيبهم؛ كقوله: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ...
﴾ الآية [التوبة: 128]، يحزن عليهم إشفاقاً عليهم، ويغضب عليهم لله تعظيماً له وإجلالا لأمره لما ضيعوا أمره ونهيه، وهكذا الواجب على كل من رأى آخر في فاحشة أو كبيرة أن يحزن ويترحم عليه ويغضب لله لما ارتكب من الفاحشة.
وقوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ : قالت المعتزلة: قوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً ﴾ مشيئة قسر وقهر حتى يضطروا لها فيؤمنوا.
لكن عندنا مشيئة الإيمان والاختيار، أي: إن شاء إيمانهم ينزل عليهم آية فيؤمنوا؛ لأن الآية لا تضطر أحداً ولا تقهر على الإيمان، دليله قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ الآية [الأنعام: 111]، أخبر أنهم لا يؤمنون وإن فعل ما ذكر، ولا يضطرهم ذلك على الإيمان؛ وكذلك ما أخبر عنهم في الآخرة، قال: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ...
﴾ الآية [المجادلة: 18].
وقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ...
﴾ الآية [الأنعام: 23]، أخبر عن خلفهم وإنكارهم في الآخرة: أنهم لم يكونوا على ما كانوا، ولا تكون آية أعظم مما عاينوا من أنواع العذاب، ثم لم يمنعهم ذلك عن التكذيب، ولا اضطرهم على الإقرار والتصديق؛ دل أن الآية وإن كانت عظيمة لا تضطر أهلها على الإيمان والتصديق، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم ما يغنينا عن ذكرها في هذا الموضع.
وقوله: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ أي: مالت وخضعت لها أعناقهم، والأعناق كأنها كناية عن أنفسهم.
وعن ابن عباس قال: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ قال: سيكون لنا دولة على بني أمية، فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة وهوانا بعد عزة، فقد كان ذلك.
وقال بعضهم: الأعناق: السادة والقادة، والواحد عنق، أي: إذا أسلم القادة أسلم الأتباع اتباعاً لهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ ﴾ : قال بعضهم: يقول: كلما نزل شيء بعد شيء من الموعظة والذكر فهو محدث من الأزل.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ ﴾ مما به فيه ذكرهم في الآخرين وشرفهم في الخلق إلا كانوا عنه معرضين؛ لأنهم لو آمنوا لذكروا في الناس، وبقي لهم ذكر وشرف كذكر الأنبياء والرسل فيهم إلى آخر الدهر.
وقوله: ﴿ مُحْدَثٍ ﴾ هو محدث على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما.
قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ ﴾ كما تقول: ظللت اليوم، قالا: والأعناق: السادة والواحد منه: عنق.
وقوله: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُواْ...
﴾ الآية: هي ظاهرة؛ قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.
وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: قد رأوا ما أنبتنا وأخرجنا منها.
والثاني: على الأمر، أي: رأوا ما أنبتنا في الأرض، وأخرجنا منها.
﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ : قال الحسن: الكريم: الحسن البهيج.
وقوله: ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ أي: جنس حسن.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ لآيَةً ﴾ لوحدانية الله وألوهيته، وآية لسلطانه وقدرته، وآية لعلمه وتدبيره؛ لأن من قدر على إحياء النبات والأرض بعد ما يبس وجف لقادر على إحياء الموتى وبعثهم.
ودل إخراج النبات من الأرض في كل عام على حد واحد، وعلى قدر وميزان واحد، على أنه إنما خرج ذلك عن تدبير وعلم ذاتي وقدرة ذاتية، ليست بمستفادة؛ فدل ذلك كله أنه فعل واحد قادر مدبّر عالم، لا يعجزه شيء أو لا يخفى عليه شيء، والله الموفق.
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ : يحتمل قوله: وما كان أكثر الذين بعث إليهم محمد مؤمنين، وهم الذين كانوا وقت مبعثه.
وجائز أن يكون: وما أكثر ما يكونوا مؤمنين.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ : جائز أن يقال: العزيز: المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه.
ويحتمل: العزيز على الخلائق كلهم، وهم أذلاء دونه، به يعز من عز.
<div class="verse-tafsir"
وإن ربك -أيها الرسول- لهو الغالب الَّذي لا يغلبه أحد، الرحيم بعباده.
<div class="verse-tafsir" id="91.M2K58"