الآية ١ من سورة ص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 38 ص > الآية ١ من سورة ص

صٓ ۚ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 137 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة ص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة ص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة ص [ وهي ] مكية .

* قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان.

ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور.

قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة و "هل أتى على الإنسان" وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الم وحم والمص وص.

فواتح افتتح الله بها القرآن وكذا قال غيره عن مجاهد وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال الم اسم من أسماء القرآن وهكذا وقال قتادة وزيد بن أسلم ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبدالرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السور فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن فإنه يبعد أن يكون المص اسما للقرآن كله لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول قرأت المص إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن والله أعلم.

وقيل هي اسم من أسماء الله تعالى فقال عنها في فواتح السور من أسماء الله تعالى وكذلك قال سالم بن عبدالله وإسماعيل بن عبدالرحمن السدي الكبير وقال شعبة عن السدي بلغني أن ابن عباس قال الم اسم من أسماء الله الأعظم.

هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال سألت السدي عن حم وطس والم فقال قال ابن عباس هي اسم الله الأعظم وقال ابن جرير وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو النعمان حدثنا شعبة عن إسماعيل السدي عن مرة الهمذاني قال: قال عبدالله فذكر نحوه.

وحُكي مثله عن علي وابن عباس وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله تعالى وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال الم قسم.

وروينا أيضا من حديث شريك بن عبدالله بن عطاء بن السائب عن أبى الضحى عن ابن عباس: الم قال أنا الله أعلم وكذا قال سعيد بن جبير وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمذاني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الم قال أما الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى.

قال وأبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى الم قال هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلألائه ليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم.

قال عيسى ابن مريم عليه السلام وعجب: فقال أعجب أنهم يظنون بأسمائه ويعيشون في رزقه فكيف يكفرون به فالألف مفتاح الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد فالألف آلاء الله واللام لطف الله والميم مجد الله والألف سنة واللام ثلاثون سنة والميم أربعون سنة.

هذا لفظ ابن أبي حاتم ونحوه رواه ابن جرير ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر وأن الجمع ممكن فهي أسماء للسور ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته كما افتتح سورا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه قال ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله وعلى صفة من صفاته وعلى مدة وغير ذلك كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية لأن الكلمة الواحدة تطلق على معاني كثيرة كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين كقوله تعالى "إنا وجدنا آباءنا على أمة" وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله كقوله تعالى "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين" وتطلق ويراد بها الجماعة كقوله تعالى "وجد عليه أمة من الناس يسقون" وقوله تعالى "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا" وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله تعالى "وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة" أي بعد حين على أصح القولين قال فكذلك هذا.

هذا حاصل كلامه موجها ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا وعلى هذا معا ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول ليس هذا موضع البحث فيها والله أعلم.

ثم إن لفظة الأمة تدل على كل من معانيها في سياق الكلام بدلالة الوضع فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف والمسألة مختلف فيها وليس فيها إجماع حتى يحكم به وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا كما قال الشاعر: قلنا قفي لنا فقالت قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف تعني وقفت.

وقال الآخر: ما للظليم عال كيف لا يـ ينقد عنه جلده إذا يـ فقال ابن جرير كأنه أراد أن يقول إذا يفعل كذا وكذا فاكتفى بالياء من يفعل وقال الآخر: بالخير خيرات وان شرا فـ ولا أريد الشر إلا أن تـ يقول وإن شرا فشرا ولا أريد الشر إلا أن تشاء فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام والله أعلم.

قال القرطبي وفي الحديث "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" الحديث قال سفيان هو أن يقول في اقتل"ا قـ" وقال خصيف عن مجاهد أنه قال فواتح السور كلها"ق وص وحم وطسم والر" وغير ذلك هجاء موضوع وقال بعض أهل العربية هي حروف من حروف المعجم استغنى بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا كما يقول القائل ابني يكتب في - ا ب ت ث - أي في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغني بذكر بعضها عن مجموعها حكاه ابن جرير.

قلت مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا وهي - ال م ص ر ك ه ي ع ط س ح ق ن- يجمعها قولك: نص حكيم قاطع له سر.

وهي نصف الحروف عددا والمذكور منها أشرف من المتروك وبيان ذلك من صناعة التصريف.

قال الزمخشري وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة ومن الرخوة والشديدة ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة ومن حروف القلقلة.

وقد سردها مفصلة ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته.

وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله وههنا ههنا لخص بعضهم في هذا المقام كلاما فقال: لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثا ولا سدى ومن قال من الجهلة إن في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلمة فقد أخطأ خطأ كبيرا فتعين أن لها معنى في نفس الأمر فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا "آمنا به كل من عند ربنا" ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين وإنما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه وإلا فالوقف حتى يتبين هذا المقام.

المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها فقال بعضهم إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور حكاه ابن جرير وهذا ضعيف لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة وقال آخرون بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له تلا عليهم المؤلف منه حكاه ابن جرير أيضا وهو ضعيف أيضا لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها بل غالبها ليس كذلك ولو كـان كذلك أيضا لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابا للمشركين فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.

وقال آخرون بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا وقرره الزمخشري فى كشافه ونصره أتم نصر وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية.

قال الزمخشري ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة وكرر التحدي بالصريح في أماكن قال وجاء منها على حرف واحد كقوله - ص ن ق- وحرفين مثل "حم" وثلاثة مثل "الم" وأربعة مثل "المر" و "المص" وخمسة مثل "كهيعص- و- حم عسق" لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك "قلت" ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ولهذا يقول تعالى "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" "الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه" "المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه" "الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم" "الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين" "حم تنزيل من الرحمن الرحيم" "حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم" وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم.

وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له وطار في غير مطاره وقد ورد في ذلك حديث ضعيف وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته وهو ما رواه محمد بن إسحق بن يسار صاحب المغازي حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبدالله بن رباب قال مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فأتى أخاه بن أخطب في رجال من اليهود فقال تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فقال أنت سمعته قال نعم قال فمشى حي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد ألم يذكر أنك تتلوا فيما أنزل الله عليك "الم ذلك الكتاب"؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بلى" فقالوا جاءك بهذا جبريل من عند الله؟

فقال "نعم" قالوا لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك.

فقام حي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟

ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد هل مع هذا غيره فقال "نعم" قال ما ذاك؟

قال "المص" قال هذا أثقل وأطول الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة.

هل مع هذا يا محمد غيره؟

قال "نعم" قال ما ذاك؟

قال "الر" قال هذا أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة.

فهل مع هذا يا محمد غيره؟

قال "نعم" قال ماذا قال "المر" قال هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون ومائتان ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا.

ثم قال قوموا عنه ثم قال أبو ياسر لأخيه حي بن أخطب ولمن معه من الأحبار ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع سنين؟

فقالوا لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم والله أعلم.

وقوله تعالى "والقرآن ذي الذكر" أي والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد ونفع لهم في المعاش والمعاد قال الضحاك في قوله تعالى " ذي الذكر" كقوله تعالى " لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم" أي تذكيركم وكذا قال قتادة وأختاره ابن جرير.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير وإسماعيل بن أبي خالد وابن عيينة وأبو حصين وأبو صالح والسدي "ذي الذكر" ذي الشرف أي ذي الشأن والمكانة ولا منافاة بين القولين فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار واختلفوا في جواب هذا القسم فقال بعضهم هو قوله تعالى "إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب " وقيل قوله تعالى "إن ذلك لحق تخاصم أهل النار " حكاهما ابن جرير وهذا الثاني فيه بعد كبير وضعفه ابن جرير وقال قتادة جوابه "بل الذين كفروا في عزة وشقاق " واختاره ابن جرير ثم حكى ابن جرير عن بعض أهل العربية أنه قال جوابه "ص" بمعنى صدق حق "والقرآن ذي الذكر " وقيل جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها والله أعلم.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى قول الله عزّ وجلّ: (ص) فقال بعضهم: هو من المصاداة, من صاديت فلانا, وهو أمر من ذلك, كأن معناه عندهم: صاد بعملك القرآن: أي عارضه به, ومن قال هذا تأويله, فإنه يقرؤه بكسر الدال, لأنه أمر, وكذلك رُوي عن الحسن .

* ذكر الرواية بذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: قال الحسن (ص) قال: حادث القرآن.

وحُدثت عن عليّ بن عاصم, عن عمرو بن عبيد, عن الحسن, في قوله (ص) قال: عارض القرآن بعملك.

حُدثت عن عبد الوهاب, عن سعيد, عن قتادة, عن الحسن, في قوله (ص والقرآن) قال: عارض القرآن, قال عبد الوهاب: يقول اعرضه على عملك, فانظر أين عملك من القرآن.

حدثني أحمد بن يوسف, قال: ثنا القاسم, قال: ثنا حجاج, عن هارون, عن إسماعيل, عن الحسن أنه كان يقرأ: (ص والقرآن) بخفض الدال, وكان يجعلها من المصاداة, يقول: عارض القرآن.

وقال آخرون: هي حرف هجاء.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ: أما(ص) فمن الحروف.

وقال آخرون: هو قسم أقسم الله به.

* ذكر من قال ذلك: حدثني علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله (ص) قال: قسم أقسمه الله, وهو من أسماء الله.

وقال آخرون: هو اسم من أسماء القرآن أقسم الله به.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة (ص) قال: هو اسم من أسماء القرآن أقسم الله به.

وقال آخرون: معنى ذلك: صدق الله.

* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن المسيب بن شريك, عن أبي روق, عن الضحاك فى قوله (ص) قال: صدق الله.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك فقرأته عامة قرّاء الأمصار خلا عبد الله بن أبي إسحاق وعيسى بن عمر, بسكون الدال, فأما عبد الله بن أبي إسحاق فإنه كان يكسرها لاجتماع الساكنين, ويجعل ذلك بمنـزلة الأداة, كقول العرب: تركته حاثِ باثِ, وخازِ بازِ يخفضان من أجل أن الذي يلي آخر الحروف ألف فيخفضون مع الألف, وينصبون مع غيرها, فيقولون حيث بيث, ولأجعلنك في حيص بيص: إذا ضيق عليه.

وأما عيسى بن عمر فكان يوفق بين جميع ما كان قبل آخر الحروف منه ألف, وما كان قبل آخره ياء أو واو فيفتح جميع ذلك وينصبه, فيقول: ص و ق و ن ويس, فيجعل ذلك مثل الأداة كقولهم: ليتَ, وأينَ وما أشبه ذلك.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا السكون في كل ذلك, لأن ذلك القراءة التي جاءت بها قرّاء الأمصار مستفيضة فيهم, وأنها حروف هجاء لأسماء المسميات, فيعرب إعراب الأسماء والأدوات والأصوات, فيسلك به مسالكهن, فتأويلها إذ كانت كذلك تأويل نظائرها التي قد تقدم بيانها قبل فيما مضى.

وكان بعض أهل العربية يقول: (ص) في معناها كقولك: وجب والله, نـزل والله, وحق والله, وهي جواب لقوله (والقرآن) كما تقول: حقا والله, نـزل والله.

وقوله ( وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ) وهذا قسم أقسمه الله تبارك وتعالى بهذا القرآن فقال: ( وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ) واختلف أهل التأويل في تأويل قوله ( ذِي الذِّكْرِ ) فقال بعضهم: معناه: ذي لشرف.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا نصر بن عليّ, قال: ثنا أبو أحمد, عن قيس, عن أبي حصين, عن سعيد ( ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ) قال: ذي الشرف.

حدثنا نصر بن عليّ وابن بشار, قالا ثنا أبو أحمد, عن مسعر, عن أبي حصين (ذي الذكر) : ذي الشرف.

قال: ثنا أبو أحمد, عن سفيان, عن إسماعيل, عن أبي صالح أو غيره (ذي الذكر) : ذي الشرف.

حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ(والقرآن ذي الذكر) قال: ذي الشرف.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا معاوية بن هشام, عن سفيان, عن يحيى بن عُمارة, عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس (ص والقرآن ذي الذكر) ذي الشرف.

وقال بعضهم: بل معناه: ذي التذكير, ذكَّركمُ الله به.

* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن المسيب بن شريك, عن أبي روق, عن الضحاك (ذي الذكر) قال: فيه ذكركم, قال: ونظيرتها: لَقَدْ أَنْـزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ .

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة (ذي الذكر) : أي ما ذكر فيه.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ذي التذكير لكم, لأن الله أتبع ذلك قوله (بل الذين كفروا في عزة وشقاق) فكان معلوما بذلك أنه إنما أخبر عن القرآن أنه أنـزله ذكرًا لعباده ذكرهم به, وأن الكفار من الإيمان به في عزّة وشقاق.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة صسورة ص .مكية في قول الجميع ، وهي ست وثمانون آية .

وقيل ثمان وثمانون آية .بسم الله الرحمن الرحيم .ص والقرآن ذي الذكرقوله تعالى : ص قراءة العامة " ص " بجزم الدال على الوقف ; لأنه حرف من حروف الهجاء مثل : الم و المر .

وقرأ أبي بن كعب والحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم " صاد " بكسر الدال بغير تنوين .

ولقراءته مذهبان : أحدهما أنه من صادى يصادي إذا عارض ، ومنه فأنت له تصدى أي تعرض .

والمصاداة المعارضة ، ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الخالية .

فالمعنى صاد القرآن بعملك ، أي : عارضه بعملك وقابله به ، فاعمل بأوامره ، وانته عن نواهيه .

النحاس : وهذا المذهب يروى عن الحسن أنه فسر به قراءته رواية صحيحة .

وعنه أن المعنى اتله وتعرض لقراءته .

والمذهب الآخر : أن تكون الدال مكسورة لالتقاء الساكنين .

وقرأ عيسى بن عمر " صاد " بفتح الدال مثله : " قاف " و " نون " بفتح آخرها .

وله في ذلك ثلاثة مذاهب : أحدهن : أن يكون بمعنى اتل .

والثاني : أن يكون فتح لالتقاء الساكنين واختار الفتح للإتباع ، ولأنه أخف الحركات .

والثالث : أن يكون [ ص: 130 ] منصوبا على القسم بغير حرف ، كقولك : الله لأفعلن ، وقيل : نصب على الإغراء .

وقيل : معناه صاد محمد قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به .

وقرأ ابن أبي إسحاق أيضا " صاد " بكسر الدال والتنوين على أن يكون مخفوضا على حذف حرف القسم ، وهذا بعيد وإن كان سيبويه قد أجاز مثله .

ويجوز أن يكون مشبها بما لا يتمكن من الأصوات وغيرها .

وقرأ هارون الأعور ومحمد بن السميقع : " صاد " و " قاف " و " نون " بضم آخرهن : لأنه المعروف بالبناء في غالب الحال ، نحو منذ وقط وقبل وبعد .

و " ص " إذا جعلته اسما للسورة لم ينصرف ، كما أنك إذا سميت مؤنثا بمذكر لا ينصرف وإن قلت حروفه .

وقال ابن عباس وجابر بن عبد الله وقد سئلا عن ص فقالا : لا ندري ما هي .

وقال عكرمة : سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن ص فقال : ص كان بحرا بمكة وكان عليه عرش الرحمن إذ لا ليل ولا نهار .

وقال سعيد بن جبير : ص بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين .

وقال الضحاك : معناه صدق الله .

وعنه أن ص قسم أقسم الله به وهو من أسمائه تعالى .

وقال السدي ، وروي عن ابن عباس .

وقال محمد بن كعب : هو مفتاح أسماء الله تعالى : صمد ، وصانع المصنوعات ، وصادق الوعد .

وقال قتادة : هو اسم من أسماء الرحمن .

وعنه أنه اسم من أسماء القرآن .

وقال مجاهد : هو فاتحة السورة .

وقيل : هو مما استأثر الله تعالى بعلمه وهو معنى القول الأول .

وقد تقدم جميع هذا في [ البقرة ] .قوله تعالى : والقرآن خفض بواو القسم ، والواو بدل من الباء ، أقسم بالقرآن تنبيها على جلالة قدره ، فإن فيه بيان كل شيء ، وشفاء لما في الصدور ، ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم .ذي الذكر خفض على النعت ، وعلامة خفضه الياء ، وهو اسم معتل ، والأصل فيه ذوى على فعل .

قال ابن عباس : ومقاتل معنى ذي الذكر ذي البيان .

الضحاك : ذي الشرف أي : من آمن به كان شرفا له في الدارين ، كما قال تعالى : لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أي : شرفكم .

وأيضا القرآن شريف في نفسه لإعجازه واشتماله على ما لا يشتمل عليه غيره .

وقيل : ذي الذكر أي : فيه ذكر ما يحتاج إليه من أمر الدين .

وقيل : ذي الذكر أي : فيه ذكر أسماء الله وتمجيده .

وقيل : أي : ذي الموعظة والذكر .

وجواب القسم محذوف .

واختلف فيه على أوجه : فقيل جواب القسم ص ; لأن معناه حق ، فهي جواب لقوله : والقرآن كما تقول : حقا والله ، نزل والله ، وجب والله ، فيكون الوقف من هذا الوجه على قوله : والقرآن ذي الذكر حسنا ، وعلى في عزة وشقاق تماما .

قال ابن الأنباري .

وحكى معناه الثعلبي عن الفراء .

[ ص: 131 ] وقيل : الجواب بل الذين كفروا في عزة وشقاق لأن بل نفي لأمر سبق وإثبات لغيره ، قاله القتبي ، فكأنه قال : والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق عن قبول الحق وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم .

أو والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقولون من أنك ساحر كذاب ; لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة بل هم في تكبر عن قبول الحق .

وهو كقوله : ق والقرآن المجيد .

بل عجبوا .

وقيل : الجواب كم أهلكنا كأنه قال : والقرآن لكم أهلكنا ، فلما تأخرت كم حذفت اللام منها ، كقوله تعالى : والشمس وضحاها ثم قال : قد أفلح أي : لقد أفلح .

قال المهدوي : وهذا مذهب الفراء .

ابن الأنباري : فمن هذا الوجه لا يتم الوقف على قوله : في عزة وشقاق .

وقال الأخفش : جواب القسم إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب ونحو منه قوله تعالى : تالله إن كنا لفي ضلال مبين وقوله : والسماء والطارق إلى قوله إن كل نفس ابن الأنباري : وهذا قبيح ; لأن الكلام قد طال فيما بينهما وكثرت الآيات والقصص .

وقال الكسائي : جواب القسم قوله : إن ذلك لحق تخاصم أهل النار .

ابن الأنباري : وهذا أقبح من الأول ; لأن الكلام أشد طولا فيما بين القسم وجوابه .

وقيل : الجواب قوله : إن هذا لرزقنا ما له من نفاد .

وقال قتادة : الجواب محذوف تقديره والقرآن ذي الذكر لتبعثن ونحوه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا بيان من اللّه تعالى لحال القرآن، وحال المكذبين به معه ومع من جاء به، فقال: { ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ } أي: ذي القدر العظيم والشرف، المُذَكِّرِ للعباد كل ما يحتاجون إليه من العلم، بأسماء اللّه وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكام اللّه الشرعية، ومن العلم بأحكام المعاد والجزاء، فهو مذكر لهم في أصول دينهم وفروعه.وهنا لا يحتاج إلى ذكر المقسم عليه، فإن حقيقة الأمر، أن المقسم به وعليه شيء واحد، وهو هذا القرآن، الموصوف بهذا الوصف الجليل، فإذا كان القرآن بهذا الوصف، علم ضرورة العباد إليه، فوق كل ضرورة، وكان الواجب عليهم تَلقِّيه بالإيمان والتصديق، والإقبال على استخراج ما يتذكر به منه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية ( ص ) قيل : هو قسم ، وقيل : اسم السورة كما ذكرنا في سائر حروف التهجي في أوائل السور .

وقال محمد بن كعب القرظي : " ص " مفتاح اسم الصمد ، وصادق الوعد .

وقال الضحاك : معناه صدق الله .

وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - : صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - .

( والقرآن ذي الذكر ) أي ذي البيان ، قاله ابن عباس ومقاتل .

وقال الضحاك : ذي الشرف ، دليله قوله تعالى : " وإنه لذكر لك ولقومك " ( الزخرف - 44 ) ، وهو قسم .

واختلفوا في جواب القسم ، قيل : جوابه قد تقدم ، وهو قوله " ص " أقسم الله تعالى بالقرآن أن محمدا قد صدق .

وقال الفراء : " ص " معناها : وجب وحق ، وهو جواب قوله : " والقرآن " كما تقول : نزل والله .

وقيل : جواب القسم محذوف تقديره : والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقول الكفار ،

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ص» الله أعلم بمراده به «والقرآن ذي الذكر» أي البيان أو الشرف، وجواب هذا القسم محذوف: أي ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

(ص) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

سورة " ص " من السور القرآنية التى افتتحت ببعض حروف التهجى ، وقد سبق أن بينا بشئ من التفصيل آراء العلماء فى هذه المسألة ، عند تفسيرنا لسورة البقرة ، وآل عمران ، والأعراف .

ويونس .

.وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى بعض السور القرآنية على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن .فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم .فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك ، أو فى الإِتيان بعشر سور من مثله ، أو بسورة واحدة من مثله .فعجزوا وانقلبوا خاسرين .

وثبت أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - .والواو فى قوله - تعالى - : ( والقرآن ذِي الذكر ) للقسم .

والمقسم به القرآن الكريم .

وجواب القسم محذوف ، لدلالة ما بعده عليه .والذكر ، يطلق على الشرف ونباهة الشأن ، يقال فلان مذكور ، أى : صاحب شرف ونباهة .

ومنه قوله - تعالى - : ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ) ويطلق وبراد به التذكير على أنه مصدر ، لأن القرآن مشتمل على المواعظ والأحكام وقصص الأنبياء .

وغير ذلك مما يسعد الناس فى دينهم ودنياهم .وهذان الإِطلاقان ينطبقان على القرآن الكريم ، فيكون المعنى : وحق القرآن الكريم ذى الشرف العظيم ، وذى التذكير الحكيم المشتمل على ما ينفع الناس فى دنياهم وآخرتهم .

.إنك - أيها الرسول لصادق فى كل ما تبلغه عن ربك ولم يصدر منك إطلاقا ما يخالف الحق الذى أمرناك بتبليغه للناس .قال بعض العلماء ما ملخصه : اعلم أنهم اختلفوا فى تعيين الشئ الذى أقسم الله - تعالى - عليه فى قوله : ( والقرآن ذِي الذكر ) .فقال بعضهم إن المقسم عليه مذكور ، وهو قوله - تعالى - : ( إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار ) أو قوله - تعالى - : ( إِنَّ هذا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ ) أو قوله - تعالى - : ( كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ) .

.والحق أن القول بأن المقسم عليه مذكور ظاهر السقوط .وقال آخرون إن المقسم عليه محذوف ، واختلفوا فى تقديره ، فقال صاحب الكشاف : التقدير : ( والقرآن ذِي الذكر ) إنه لمعجز .

وقدره ابن عطية فقال : والتقدير : والقرآن ذى الذكر ليس الأمر كما يقول الكفار .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: الكلام المستقصى في أمثال هذه الفواتح مذكور في أول سورة البقرة ولا بأس بإعادة بعض الوجوه فالأول: أنه مفتاح أسماء الله تعالى التي أولها صاد، كقولنا صادق الوعد، صانع المصنوعات، صمد والثاني: معناه صدق محمد في كل ما أخبر به عن الله الثالث: معناه صد الكفار عن قبول هذا الدين، كما قال تعالى: ﴿ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله  ﴾ الرابع: معناه أن القرآن مركب من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها ولستم قادرين على معارضة القرآن، فدل ذلك على أن القرآن معجز الخامس: أن يكون صاد بكسر الدال من المصادة وهي المعارضة ومنها الصدى وهو ما يعارض صوتك في الأماكن الخالية من الأجسام الصلبة، ومعناه عارض القرآن بعملك فاعمل بأوامره وانته عن نواهيه السادس: أنه اسم السورة والتقدير هذه صاد، فإن قيل هاهنا إشكالان أحدهما: أن قوله: ﴿ والقرءان ذِى الذكر ﴾ قسم وأين المقسم عليه؟

والثاني: أن كلمة (بل) تقتضي رفع حكم ثبت قبلها، وإثبات حكم بعدها يناقض الحكم السابق، فأين هذا المعنى ههنا؟

والجواب: عن الأول من وجوه: الأول: أن يكون معنى صاد، بمعنى صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون صاد هو المقسم عليه، وقوله: ﴿ والقرءان ذِى الذكر ﴾ هو القسم الثاني: أن يكون المقسم عليه محذوفاً، والتقدير سورة (ص والقرآن ذي الذكر) أنه لكلام معجز، لأنا بينا أن قوله: ﴿ ص ﴾ تنبيه على التحدي والثالث: أن يكون صاد اسماً للسورة، ويكون التقدير هذه ص والقرآن ذي الذكر، ولما كان المشهور، أن محمداً عليه السلام يدعي في هذه السورة كونها معجزة، كان قوله هذه ص جارياً مجرى قوله: هذه هي السورة المعجزة، ونظيره قولك هذا حاتم والله، أي هذا هو المشهور بالسخاء والجواب: عن السؤال الثاني أن الحكم المذكور قبل كلمة ﴿ بَلِ ﴾ أما ما ذكره المفسر كون محمد صادقاً في تبليغ الرسالة أو كون القرآن أو هذه السورة معجزة والحكم المذكور بعد كلمة ﴿ بَلِ ﴾ هاهنا هو المنازعة والمشاقة في كونه كذلك فحصل المطلوب، والله أعلم.

المسألة الثانية: قرأ الحسن صاد بكسر الدال لأجل التقاء الساكنين، وقرأ عيسى بن عمر بنصب صاد ونون وبحذف حرف القسم وإيصال فعله كقولهم الله لأفعلن، وأكثر القراء على الجزم لأن الأسماء العارية عن العوامل تذكر موقوفة الأواخر.

المسألة الثالثة: في قوله ذي الذكر وجهان الأول: المراد ذي الشرف، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كتابا فِيهِ ذِكْرُكُمْ  ﴾ ومجاز هذا من قولهم لفلان ذكر في الناس، كما يقولون له صيت الثاني: ذي البيانين أي فيه قصص الأولين، والآخرين، وفيه بيان العلوم الأصلية والفرعية ومجازه من قوله: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ  ﴾ .

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة القرآن ذي الذكر والذكر محدث بيان الأول: قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ  ﴾ ﴿ وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ  ﴾ ﴿ والقرءان ذِى الذكر ﴾ ﴿ إن هو إلا ذكر وقرآن مبين  ﴾ وبيان الثاني: قوله: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ  ﴾ وقوله: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن الرحمن مُحْدَثٍ ﴾ والجواب: أنا نصرف دليلكم إلى الحروف والأصوات وهي محدثه.

أما قوله: ﴿ بَلِ الذين كَفَرُواْ ﴾ فالمراد منه الكفار من رؤساء قريش الذين يجوز على مثلهم الإجماع على الحسد والكبر على الإنقياد إلى الحق، والعزة هاهنا التعظيم وما يعقتده الإنسان في نفسه من الأحوال التي تمنعه من متابعة الغير لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم  ﴾ والشقاق هو إظهار المخالفة على جهة المساواة للمخالف أو على جهة الفضلية عليه، وهو مأخوذ من الشق كأنه يرتفع عن أن يلزمه الانقياد له بل يجعل نفسه في شق وخصمه في شق، فيريد أن يكون في شقة نفسه ولا يجري عليه حكم خصمه، ومثله المعاداة وهو أن يكون أحدهما في عدوة والآخر في عدوة، وهي جانب الوادي، وكذلك المحادة أن يكون هذا في حد غير حد الآخر، ويقال انحرف فلان عن فلان وجانب فلان فلاناً أي صار منه على حرف وفي جانب غير جانبه، والله أعلم، ثم إنه تعالى لما وصفهم بالعزة والشقاق خوفهم فقال: ﴿ كَم أَهْلَكْنَا قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ فَنَادَواْ ﴾ والمعنى أنهم نادوا عند نزول العذاب في الدنيا ولم يذكر بأي شيء نادوا، وفيه وجوه: الأول: وهو الأظهر أنهم نادوا بالاستغاثة لأن نداء من نزل به العذاب ليس إلا بالاستغاثة الثاني: نادوا بالإيمان والتوبة عند معاينة العذاب الثالث: نادوا أي رفعوا أصواتهم، يقال فلان أندى صوتاً من فلان أي ارفع صوتاً، ثم قال: ﴿ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ يعني ولم يكن ذلك الوقت وقت فرار من العذاب وهو كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قالوا آمنا  ﴾ وقال: ﴿ حتى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بالعذاب إِذَا هُمْ يَجْئَرُونَ  ﴾ والجؤار رفع الصوت بالتضرع والاستغاثة وكقوله: ﴿ ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ  ﴾ وقوله: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  ﴾ بقي هاهنا أبحاث: البحث الأول: في تحقيق الكلام في لفظ ﴿ لات ﴾ زعم الخليل وسيبويه أن لات هي لا المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على رب وثم للتأكيد، وبسب هذه الزيادة حدثت لها أحكام جديدة، منها أنها لا تدخل إلا على الأحيان، ومنها أن لا يبرز إلا أحد جزءيها، إما الاسم وإما الخبر ويمتنع بروزهما جميعاً، وقال الأخفش إنها لا النافية للجنس زيدت عليها التاء، وخصت بنفي الأحيان ﴿ وَحِينَ مَنَاصٍ ﴾ منصوب بها كأنك قلت ولات حين مناص لهم ويرتفع بالابتداء أي ولات حين مناص كائن لهم.

البحث الثاني: الجمهور يقفون على التاء من قوله: ﴿ وَّلاَتَ ﴾ والكسائي يقف عليها بالهاء كما يفق على الأسماء المؤنثة، قال صاحب الكشاف: وأما قول أبي يعبيدة التاء داخلة على الحين فلا وجه له، واستشهاده بأن التاء ملتزقة بحين في مصحف عثمان فضعيف فكم وقعت في المصحف أشياء خارجة عن قياس الخط.

البحث الثالث: المناص المنجا والغوث، يقال ناصه إذا أغاثه، واستناص طلب المناص، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ص ﴾ على الوقف وهي أكثر القراءة.

وقرئ: بالكسر والفتح لالتقاء الساكنين، ويجوز أن ينتصب بحذف حرف القسم وإيصال فعله، كقولهم: الله لأفعلنّ، كذا بالنصب، أو بإضمار حرف القسم، والفتح في موضع الجرّ، كقولهم: الله لأفعلنّ، بالجرّ وامتناع الصرف للتعريف والتأنيث، لأنها بمعنى السورة، وقد صرفها من قرأ ﴿ ص ﴾ بالجرّ والتنوين على تأويل الكتاب والتنزيل، وقيل: فيمن كسر هو من المصاداة وهي المعارضة والمعادلة.

ومنها الصدى وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الخالية من الأجسام الصلبة، ومعناه: عارض القرآن بعملك فاعمل بأوامره وانته عن نواهيه.

فإن قلت: قوله: ﴿ ص والقرءان ذِى الذكر بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ كلام ظاهره متنافر غير منتظم، فما وجه انتظامه؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون قد ذكر اسم هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحدّي والتنبيه على الإعجاز كما مرّ في أوّل الكتاب، ثم أتبعه القسم محذوف الجواب لدلالة التحدّي عليه، كأنه قال: ﴿ والقرءان ذِى الذكر ﴾ إنه لكلام معجز.

والثاني: أن يكون ﴿ ص ﴾ خبر مبتدأ محذوف، على أنها اسم للسورة، كأنه قال: هذه ص، يعني: هذه السورة التي أعجزت العرب، والقرآن ذي الذكر، كما تقول: هذا حاتم والله، تريد: هذا هو المشهور بالسخاء والله؛ وكذلك إذا أقسم بها كأنه قال: أقسمت بص والقرآن ذي الذكر إنه لمعجز ثم قال: بل الذين كفروا في عزة واستكبار عن الإذعان لذلك والاعتراف بالحق وشقاق لله ورسوله، وإذا جعلتها مقسماً بها وعطفت عليها ﴿ والقرءان ذِى الذكر ﴾ جاز لك أن تريد بالقرآن التنزيل كله، وأن تريد السورة بعينها.

ومعناه: أقسم بالسورة الشريفة والقرآن ذي الذكر، كما تقول: مررت بالرجل الكريم وبالنسمة المباركة، ولا تريد بالنسمة غير الرجل.

والذكر: الشرف والشهرة، من قولك: فلان مذكور، ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ [الزخرف: 44] أو الذكرى والموعظة، أو ذكر ما يحتاج إليه في الدين من الشرائع وغيرها، كأقاصيص الأنبياء والوعد والوعيد.

والتنكير في ﴿ عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ للدّلالة على شدّتهما وتفاقمهما.

وقرئ: ﴿ في غرّة ﴾ أي: في غفلة عما يجب عليهم من النظر واتباع الحقّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ ص مَكِّيَّةٌ وآيُها سِتٌّ أوْ ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ ص ﴾ وقُرِئَ بِالكَسْرِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقِيلَ: إنَّهُ أمْرٌ مِنَ المُصاداةِ بِمَعْنى المُعارَضَةِ، ومِنهُ الصَّدى فَإنَّهُ يُعارِضُ الصَّوْتَ الأوَّلَ أيْ عارِضِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ، وبِالفَتْحِ لِذَلِكَ أوْ لِحَذْفِ حَرْفِ القَسَمِ وإيصالِ فِعْلِهِ إلَيْهِ، أوْ إضْمارِهِ والفَتْحِ في مَوْضِعِ الجَرِّ فَإنَّها غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ لِأنَّها عَلَمُ السُّورَةِ وبِالجَرِّ والتَّنْوِينِ عَلى تَأْوِيلِ الكِتابِ.

﴿ والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ﴾ الواوُ لِلْقَسَمِ إنْ جَعَلَ ( ص ) اسْمًا لِلْحَرْفِ أوْ مَذْكُورٌ لِلتَّحَدِّي، أوْ لِلرَّمْزِ بِكَلامٍ مِثْلَ صَدَقَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ لِلسُّورَةِ خَبَرُ المَحْذُوفِ أوْ لَفْظُ الأمْرِ، ولِلْعَطْفِ إنْ جُعِلَ مُقْسَمًا بِهِ كَقَوْلِهِمُ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ بِالجَرِّ والجَوابُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما في ( ص ) مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّحَدِّي، أوِ الأمْرِ بِالمُعادَلَةِ أيْ إنَّهُ لَمُعْجِزٌ أوْ لَواجِبٌ العَمَلُ بِهِ، أوْ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ أوْ قَوْلِهِ: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ ما كَفَرَ بِهِ مَن كَفَرَ لِخَلَلٍ وجَدَهُ فِيهِ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِهِ.

﴿ فِي عِزَّةٍ ﴾ أيِ اسْتِكْبارٍ عَنِ الحَقِّ.

﴿ وَشِقاقٍ ﴾ خِلافٍ لِلَّهِ ورَسُولِهِ ولِذَلِكَ كَفَرُوا بِهِ، وعَلى الأوَّلِينَ الإضْرابُ أيْضًا مِنَ الجَوابِ المُقَدَّرِ ولَكِنْ مِن حَيْثُ إشْعارُهُ بِذَلِكَ والمُرادُ بِالذِّكْرِ العِظَةُ أوِ الشَّرَفُ والشُّهْرَةُ، أوْ ذِكْرُ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ مِنَ العَقائِدِ والشَّرائِعِ والمَواعِيدِ، والتَّنْكِيرُ في ﴿ عِزَّةٍ وشِقاقٍ ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّتِهِما، وقُرِئَ في «غِرَّةٍ» أيْ غَفْلَةٍ عَمّا يَجِبُ عَلَيْهِمُ النَّظَرُ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{بَلِ الذين كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ} تكبر عن الاذعان لذلك والاعتراف بالحق {وشقاق} خلاف الله ولرسوله والتنكير في عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ للدلالة على شدتهما وتفاقمهما وقرىء فى عزة أي في غفلة عما يجب عليهم من النظر واتباع الحق

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ ص مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ كَما قالَ الدّانِيُّ، وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً في الكُوفِيِّ، وسِتٌّ وثَمانُونَ في الحِجازِيِّ، والبَصْرِيِّ، والشّامِيِّ، وخَمْسٌ وثَمانُونَ في عَدِّ أيُّوبَ بْنِ المُتَوَكِّلِ وحْدَهُ، قِيلَ: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ إنَّ (ص) وحْدَها آيَةٌ، كَما قِيلَ في غَيْرِها مِنَ الحُرُوفِ في أوائِلِ السُّوَرِ، وفِيهِ بَحْثٌ، وهي كالمُتَمِّمَةِ لِما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّهُ ذُكِرَ فِيها، ما لَمْ يُذْكَرْ في تِلْكَ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَداوُدَ وسُلَيْمانَ، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلُ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: ﴿ لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ ، وأنَّهم كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ، بَدَأ - عَزَّ وجَلَّ - في هَذِهِ السُّورَةِ بِالقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، وفَصَّلَ ما أجْمَلَ هُناكَ مِن كُفْرِهِمْ، وفي ذَلِكَ مِنَ المُناسَبَةِ ما فِيهِ، ومَن دَقَّقَ النَّظَرَ لاحَ لَهُ مُناسَباتٌ أُخَرُ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ ص ﴾ بِالسُّكُونِ عَلى الوَقْفِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو السِّمالِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ ”صادِ“ بِكَسْرِ الدّالِ، والظّاهِرُ أنَّهُ كُسِرَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وهو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ نَحْوُ (ق) و(ن).

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أمْرٌ مِن صادى أيْ عارَضَ، ومِنهُ الصَّدى، وهو ما يُعارِضُ الصَّوْتَ الأوَّلَ ويُقابِلُهُ بِمِثْلِهِ في الأماكِنِ الخالِيَةِ والأجْسامِ الصُّلْبَةِ العالِيَةِ، والمَعْنى عارِضِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ أيِ اعْمَلْ بِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وقالَ عَبْدُ الوَهّابِ: أيِ اعْرِضْهُ عَلى عَمَلِكَ، فانْظُرْ أيْنَ عَمَلُكَ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ مِن صادى أيْ حادِثْ، والمَعْنى حادِثِ القُرْآنَ، وهو رِوايَةٌ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا، ولَهُ قُرْبٌ مِنَ الأوَّلِ.

وقَرَأ عِيسى ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو وفِرْقَةٍ ”صادَ“ بِفَتْحِ الدّالِ، وكَذا قَرَؤُوا قافَ ونُونَ بِالفَتْحِ فِيهِما، فَقِيلَ: هو لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ أيْضًا طَلَبًا لِلْخِفَّةِ، وقِيلَ: هو حَرَكَةُ إعْرابٍ عَلى أنَّ ”صادَ“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيِ اذْكُرْ، أوِ اقْرَأْ صادَ، أوْ بِفِعْلِ القَسَمِ بَعْدَ نَزْعِ الخافِضِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّعْظِيمِ المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ، نَحْوَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، أوْ مَجْرُورٌ بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، وهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ بِناءً عَلى أنَّهُ عَلَمُ السُّورَةِ، وقَدْ ذَكَرَ الشَّرِيفُ أنَّهُ إذا اشْتُهِرَ مُسَمًّى بِإطْلاقِ لَفْظٍ عَلَيْهِ يُلاحَظُ المُسَمّى في ضِمْنِ ذَلِكَ اللَّفْظِ، وأنَّهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ يَصِحُّ اعْتِبارُ التَّأْنِيثِ في الِاسْمِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ في رِوايَةِ ”صادِ“ بِالجَرِّ والتَّنْوِينِ، وذَلِكَ إمّا لِأنَّ الثُّلاثِيَّ السّاكِنَ الوَسَطِ يَجُوزُ صَرْفُهُ بَلْ قِيلَ: إنَّهُ الأرْجَحُ، وإمّا لِاعْتِبارِ ذَلِكَ اسْمًا لِلْقُرْآنِ، كَما هو أحَدُ الِاحْتِمالاتِ فِيهِ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ العِلَّتانِ، فَوَجَبَ صَرْفُهُ، والقَوْلُ بِأنَّ ذاكَ لِكَوْنِهِ عَلَمًا لِمَعْنى السُّورَةِ لا لِلَفْظِها، فَلا تَأْنِيثَ فِيهِ مَعَ العَلَمِيَّةِ، لِيَكُونَ هُناكَ عِلَّتانِ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ وهارُونُ، الأعْوَرُ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ ”صادُ“ بِضَمِّ الدّالِ، وكَأنَّهُ اعْتُبِرَ اسْمًا لِلسُّورَةِ، وجُعِلَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَذِهِ صادُ، ولَهم في مَعْناهُ غَيْرُ مُتَقَيِّدِينَ بِقِراءَةِ الجُمْهُورِ اخْتِلافٌ، كَأضْرابِهِ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، فَأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: سُئِلَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ عَنْ ”ص“ فَقالا: ما نَدْرِي ما هُوَ، وهو مَذْهَبُ كَثِيرٍ في نَظائِرِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ عَنْ ”ص“ فَقالَ: ص كانَ بَحْرًا بِمَكَّةَ، وكانَ عَلَيْهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، إذْ لا لَيْلَ، ولا نَهارَ.

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو بَحْرٌ يُحْيِي اللَّهُ تَعالى بِهِ المَوْتى بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: ص صَدَقَ اللَّهُ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ص، يَقُولُ: إنِّي أنا اللَّهُ الصّادِقُ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: هو مِفْتاحُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، صَمَدٌ وصانِعُ المَصْنُوعاتِ، وصادِقُ الوَعْدِ.

وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى صُدُودِ الكُفّارِ عَنِ القُرْآنِ.

وقِيلَ: حَرْفٌ مَسْرُودٌ عَلى مِنهاجِ التَّحَدِّي، وجَنَحَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِن أرْبابِ التَّحْقِيقِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلسُّورَةِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، والأكْثَرُونَ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ بَعْضِ القِراءاتِ كَما سَمِعْتَ عَنْ قَرِيبٍ، ومِنَ الغَرِيبِ أنَّ المَعْنى صادَ مُحَمَّدٌ  قُلُوبَ الخَلْقِ واسْتَمالَها حَتّى آمَنُوا بِهِ، ولَعَلَّ القائِلَ بِهِ اعْتَبَرَهُ فِعْلًا ماضِيًا مَفْتُوحَ الآخِرِ أوْ ساكِنَهُ لِلْوَقْفِ، وأنا لا أقُولُ بِهِ، ولا أرْتَضِيهِ وجْهًا، وهو عَلى بَعْضِ هَذِهِ الأوْجُهِ لا حَظَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وعَلى بَعْضِها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُقْسَمًا بِهِ، ومَفْعُولًا لِمُضْمَرٍ، وخَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى بَعْضِها يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ مُقْسَمًا بِهِ، وعَلى بَعْضِ ما تَقَدَّمَ في القِراءاتِ يَتَأتّى ما يَتَأتّى مِمّا لا يَخْفى عَلَيْكَ، وبِالجُمْلَةِ، إنْ لَمْ يُعْتَبَرْ مُقْسَمًا بِهِ، فالواوُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ﴾ لِلْقَسَمِ، وإنِ اعْتُبِرَ 162 مُقْسَمًا بِهِ، فَهي لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ، لَكِنْ إذا كانَ قَسَمًا مَنصُوبًا عَلى الحَذْفِ، والإيصالِ يَكُونُ العَطْفُ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ المَعْنى والأصْلِ، ثُمَّ المُغايَرَةُ بَيْنَهُما قَدْ تَكُونُ حَقِيقِيَّةً، كَما إذا أُرِيدَ بِالقُرْآنِ كُلُّهُ وبِـ (ص) السُّورَةُ، أوْ بِالعَكْسِ، أوْ أُرِيدَ بِـ(ص) البَحْرُ الَّذِي قِيلَ بِهِ فِيما مَرَّ، وبِالقُرْآنِ كُلُّهُ، أوْ بِالسُّورَةِ، وقَدْ تَكُونُ اعْتِبارِيَّةً كَما إذا أُرِيدَ بِكُلِّ السُّورَةِ أوِ القُرْآنِ عَلى ما قِيلَ، ولا يَخْفى ما تَقْتَضِيهِ الجَزالَةُ الخالِيَةُ عَنِ التَّكَلُّفِ.

وضُعِّفَ جَعْلُ الواوِ لِلْقَسَمِ أيْضًا بِناءً عَلى قَوْلِ جَمْعٍ: أنَّ تَوارُدَ قَسَمَيْنِ عَلى مُقْسَمٍ عَلَيْهِ واحِدٍ ضَعِيفٌ، والذِّكْرُ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الشَّرَفُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ ﴾ ، أوِ الذِّكْرى والمَوْعِظَةُ لِلنّاسِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ، أوْ ذِكْرُ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في أمْرِ الدِّينِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، وغَيْرِها مِن أقاصِيصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأخْبارِ الأُمَمِ الدّارِجَةِ، والوَعْدِ والوَعِيدِ عَلى ما قِيلَ، وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَذْكُورٌ، فَقالَ الكُوفِيُّونَ والزَّجّاجُ هو قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ ﴾ ، وتَعَقَّبَهُ الفَرّاءُ بِقَوْلِهِ: لا نَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا لِتَأخُّرِ ذَلِكَ جِدًّا عَنِ القَسَمِ، وقالَ الأخْفَشُ: هُوَ: ﴿ إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ ﴾ ، وقالَ قَوْمٌ: ﴿ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ ﴾ ، وحُذِفَتِ اللّامُ أيْ لَكم لَمّا طالَ الكَلامُ كَما حُذِفَتْ مِن ﴿ قَدْ أفْلَحَ ﴾ ، بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ”والشمس“، حَكاهُ الفَرّاءُ وثَعْلَبٌ، وتَعَقَّبَهُ الطَّبَرْسِيُّ بِأنَّهُ غَلَطٌ، لِأنَّ اللّامَ لا تَدْخُلُ عَلى المَفْعُولِ، ”وكم“ مَفْعُولٌ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ هَذِهِ الأقْوالَ يَجِبُ اطِّراحُها، ونَقَلَ السَّمَرْقَنْدِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلَخْ، فَإنَّ ﴿ بَلِ ﴾ لِنَفْيِ ما قَبْلَهُ، وإثْباتِ ما بَعْدَهُ، فَمَعْناهُ لَيْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلّا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ.

وجُوِّزَ أنْ يُرِيدَ هَذا القائِلُ أنَّ ﴿ بَلِ ﴾ زائِدَةٌ في الجَوابِ، أوْ رُبِطَ بِها الجَوابُ لِتَجْرِيدِها لِمَعْنى الإثْباتِ، وقِيلَ: هو صادَ إذْ مَعْناهُ صَدَقَ اللَّهُ تَعالى أوْ صَدَقَ مُحَمَّدٌ  ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الفَرّاءِ وثَعْلَبٍ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ جَوابِ القَسَمِ واعْتِقادِ أنَّ (ص) تَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ، ومَعَ هَذا في كَوْنِ (ص) نَفْسِهِ هو الجَوابُ خَفاءٌ، وقِيلَ: هو جُمْلَةُ هَذِهِ صادُ، عَلى مَعْنى السُّورَةِ الَّتِي أعْجَزَتِ العَرَبَ، فَكَأنَّهُ: قِيلَ هَذِهِ السُّورَةُ الَّتِي أعْجَزَتِ العَرَبَ، والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، وهَذا كَما تَقُولُ: هَذا حاتِمٌ واللَّهِ، تُرِيدُ هَذا هو المَشْهُورُ بِالسَّخاءِ واللَّهِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ التَّقَدُّمِ أيْضًا، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الحُوفِيُّ: لَقَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ، ونَحْوَهُ، وابْنُ عَطِيَّةَ: ما الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ، ونَحْوَهُ، وقَدَّرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ما كَفَرَ مَن كَفَرَ لِخَلَلٍ وجَدَهُ ودَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلِ الَّذِينَ ﴾ إلَخْ، وآخَرُ: إنَّهُ لَمُعْجِزٌ، ودَلَّ عَلَيْهِ ما في (ص) مِنَ الدِّلالَةِ عَلى التَّحَدِّي بِناءً عَلى أنَّهُ اسْمُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ، ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ التَّحَدِّي، والتَّنْبِيهِ عَلى الإعْجازِ، أوْ ما فِي: أُقْسِمُ بِـ(ص)، أوْ هَذِهِ (ص)، مِنَ الدِّلالَةِ عَلى ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، أوْ أنَّهُ لِواجِبِ العَمَلِ بِهِ، دَلَّ عَلَيْهِ (ص) بِناءً عَلى كَوْنِهِ أمْرًا مِنَ المُصاداةِ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم غَيْرَ ذَلِكَ، وفي البَحْرِ: يَنْبَغِي أنْ يُقَدَّرَ هُنا ما أُثْبِتَ جَوابًا لِلْقَسَمِ بِالقُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يس ﴾ ﴿ والقُرْآنِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ .

ويُقَوِّي هَذا التَّقْدِيرَ ذِكْرُ النِّذارَةِ هُنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ ﴾ وهُناكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”لتنذر قوما“، فالرِّسالَةُ تَتَضَمَّنُ النِّذارَةَ والبِشارَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثمانية وثمان آيات مكية قوله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ قرأ الحسن: صاد بالكسر.

وجعلها من المصاداة.

يقول عارض القرآن: أي عارض عملك بالقرآن.

ويقال: بقلبك.

وروى معمر، عن قتادة، في قوله ص قال: هو كما تقول تلق كذا أي: هيئ نفسك لقدوم فلان.

يعني: طهر نفسك بآداب القرآن كما قال  : «القُرْآنُ مَأْدُبَةُ الله تَعَالَى فَتَطَّعمُوا مِنْ مَأْدُبَتِهِ» وكان عيسى ابن مريم يعمر، يقرأ صَادَ بالنصب، وكذلك يقرأ قاف، ونون بالنصب.

ومعناه: اقرأ صاد، وقراءة العامة بسكون الدال، لأنها حروف هجاء، فلا يدخلها الإعراب، وتقديرها الوقف عليها.

وقيل: في تفسير قول الله تعالى: ص يعني: الله هو الصادق.

ويقال: هو قسم.

وَالْقُرْآنِ عطف عليه قسم بعد قسم.

ومعناه أقسمت بصاد، وبالقرآن.

وقال علي بن أبي طالب: الصاد اسم بحر في السماء.

وقال ابن مسعود في قوله: ص وَالْقُرْآنِ يعني: صادقوا القرآن حتى تعرفوا الحق من الباطل.

وقال الضحاك: معناه صدق الله.

ثم قال وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ يعني: والقرآن ذي الشرف.

ويقال: فيه ذكر من كان قبله، وجواب القسم عند قوله: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ص: 64] والجواب قد يكون مؤخراً عن الكلام كما قال: وَالْفَجْرِ (1) وَلَيالٍ عَشْرٍ [الفجر: 1، 2] وجوابه قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [الفجر: 14] وقوله: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ [البروج: 1] وجوابه قوله: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: 12] وقال بعضهم: جواب القسم هاهنا كَمْ أَهْلَكْنا ومعناه: لكم أهلكنا، فلما طال الكلام حذف اللام.

ثم قال: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ أي: في حمية.

كقوله: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ [البقرة: 206] يعني: الحمية.

ويقال: فِي عِزَّةٍ يعني: في تكبر وَشِقاقٍ يعني: في خلاف من الدين بعيد.

ويقال: في عداوة، ومباعدة، وتكذيب.

وقال القتبي: بل في اللغة على وجهين أحدهما لتدارك كلام غلطت فيه.

تقول: رأيت زيداً بل عمراً.

والثاني أن يكون لترك شيء، وأخذ غيره من الكلام كقوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ.

ثم خوّفهم فقال عز وجل: كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ يعني: من أمة فَنادَوْا يعني: فنادوا في الدنيا، واستغاثوا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ يعني: وليس تحين فرار.

قال الكلبي: فكانوا إذا قاتلوا، قال بعضهم لبعض: مَناصٍ يعني: يقول احمل حملة واحدة، فينجو من نجا، ويهلك من هلك.

فلما أتاهم العذاب قالوا: مَناصٍ مثل ما كانوا يقولون.

فقال الله تعالى: ليس تحين فرار وهي لغة اليمن.

وقال القتبي: النوص التأخر.

والبوص التقدم في كلام العرب.

وروى معمر عن قتادة في قوله: فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ قال: نادوا على غير حين النداء.

وقال عكرمة: نادوا وليس تحين انفلات.

وقال أبو عبيدة: اختلفوا في الوقف.

فقال بعضهم: يوقف عند قوله: وَلاتَ ثم يبتدأ ب حِينَ مَناصٍ لأنا لا نجد في شيء من كلام العرب ولات.

أما المعروف لا ولأنَّ تفسير ابن عباس يشهد لها، وذلك أنه قال: ليس تحين فرار.

وليس هي أخت لا ولا بمعناها.

قال أبو عبيد ومع هذا تعمدت النظر في الذي يقال له: مصحف الإمام.

وهو مصحف عثمان بن عفان-  - فوجدت التاء متصلة مع حين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «ص»

[وهي] مكّيّة بإجماع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قرأ أُبَيُّ بن كَعْبٍ والحسن وابن أبي إسحاقَ: «صَادِ» - بِكَسْرِ الدالِ «١» -، والمعنى:

مَاثِلِ القرآن بِعَمَلِكَ، وقارِبْهُ بطاعَتِكَ، وكذا فسَّرهُ الحَسَن «٢» ، أي: انظر أينَ عَمَلُكَ مِنْهُ، وقال الجمهورُ: إنه حَرْفُ مُعْجَمٍ يَدْخُلُه مَا يَدْخُل أوائِلَ السور مِنَ الأَقْوَالِ، وَيَخْتَصُّ هذا بأنْ قَالَ بعضُ الناس: معناه: صدق محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقال الضَّحَّاك: معناهُ: صَدَقَ اللَّهُ «٣» ، وقال محمد بن كَعْب القُرَظِيُّ: هو مِفْتَاحُ أَسْمَاءِ اللَّهِ: صمد صادق، ونحوه «٤» .

وقوله: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ قَسَمٌ قال ابن عباسٍ وغيره: معناه: ذي الشرف الباقي المخلّد «٥» ،

وقالَ قتادة: ذي التذكرةِ للنَّاسِ والهداية لهم «١» ، وقالت فرقةٌ: ذي الذِّكْرِ للأُمَمِ والقَصَصِ والغُيُوبِ، ت: ولا مانَعَ [مِنْ] أَنْ يُرَادَ الجميعُ، قال- عليه السلام «٢» : وأما جَوَابُ القَسَمِ، فَاخْتُلِفَ فيه فقالت فرقة: الجوابُ في قوله: ص إذ هُوَ بمعنى: صدق الله أو صدق محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقال الكوفيُّون والزَّجَّاج «٣» : الجَوَابُ في قوله: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ص: ٦٤] ، وقَالَ بَعْضُ البصريِّين ومنهم الأخفَشُ: الجوابُ في قوله: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ [ص: ١٤] ، قال ع «٤» : وهذانِ القولانِ بَعيدانِ، وقال قتادة «٥» والطبري «٦» : الجواب مقدَّرٌ قَبْلَ «بل» ، وهذا هو الصحيحُ، وتقديره: والقرآن، ما الأَمْرُ كَما يَزْعُمُونَ، ونَحْوُ هَذَا مِنَ التَّقْدِير، فَتَدَبَّرْهُ، وقال أبو حَيَّان «٧» : الجوابُ: إنك لمن المرسلين، وهو ما أثْبَتَ جَوَاباً للقرآن حينَ أقْسَمَ بهِ، انتهى، وهو حَسَنُ، قال أبو حيان:

وقوله: فِي عِزَّةٍ هي قراءةُ الجمهور، وعن الكسائي «٨» بالغين المعجمة والراء، أي: في غَفْلَةٍ، انتهى.

والعِزَّةُ هنا: المُعَازَّةُ والمُغَالَبَةُ والشِّقَاقُ ونحوُهُ، أيْ: هم في شِقٍّ، والحَقُّ في شِقٍّ، وكَمْ للتكثير، وهي خَبَرٌ فِيه مثالٌ ووعيدٌ، وهِي في مَوْضِعِ نَصْبٍ ب أَهْلَكْنا.

وقوله: فَنادَوْا معناهُ: مُسْتَغِيثين، والمعنى: أنهم فَعلوا ذلك بعد المُعَايَنَةِ، فَلَمْ ينْفعهم ذلك ولم يكُنْ في وَقْتِ نَفْعٍ، ولاتَ بمعنى: ليس، واسمها مقدَّرٌ عند سِيبَوَيْهِ، تقدِيره:

وَلاَتَ الحِينُ حِينَ مَنَاصٍ، والمَنَاصُ: المَفَرُّ، ناصَ يَنُوصَ: إذا فَرَّ وَفَاتَ، قالَ ابن عَبَّاس:

المعنى: ليسَ بِحِينِ نَزْوٍ وَلاَ فِرَارٍ ضبط القوم «٩» ، والضمير في عَجِبُوا لكفار قريش.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ صَ وَيُقالُ لَها: سُورَةُ داوُدَ، وهي مَكِّيَّةٌ [كُلُّها] بِإجْماعِهِمْ فَأمّا سَبَبُ نُزُولِ أوَّلِها، فَرَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ قُرَيْشًا شَكَوا رَسُولَ اللَّهِ  إلى أبِي طالِبٍ، فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، ما تُرِيدُ مِن قَوْمِكَ؟

فَقالَ: "يا عَمِّ، إنَّما أُرِيدُ مِنهم كَلِمَةً تَذِلُّ لَهم بِها العَرَبُ وتُؤَدِّي إلَيْهِمُ الجِزْيَةَ بِها العَجَمُ"، قالَ: كَلِمَةٌ؟

قالَ: "كَلِمَةٌ واحِدَةٌ"، قالَ: ما هِيَ؟

قالَ: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، فَقالُوا: أجْعَلَ الآَلِهَةَ إلَهًا واحِدًا؟!

فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ ص والقُرْآنِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنْ هَذا إلا اخْتِلاقٌ ﴾ » .

واخْتَلَفُوا في مَعْنى "صَ" عَلى سَبْعَةِ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: صَدَقَ مُحَمَّدٌ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: صَدَقَ اللَّهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ: صادِقٌ فِيما وعَدَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: الصّادِقُ اللَّهُ تَعالى.

والرّابِعُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآَنِ، أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ اسْمُ حَيَّةٍ رَأْسُها تَحْتَ العَرْشِ وذَنَبُها تَحْتَ الأرْضِ السُّفْلى، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وقالَ: أظُنُّهُ عَنْ عِكْرِمَةَ.

والسّادِسُ: أنَّهُ بِمَعْنى: حادِثِ القُرْآَنِ، أيِ: انْظُرْ فِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وهَذا عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرُوا، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، [والحَسَنُ]، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَيَكُونُ المَعْنى: صادِ بِعَمَلِكَ القُرْآَنُ، أيْ: عارَضَهُ.

وقِيلَ: اعْرِضْهُ عَلى عَمَلِكَ، فانْظُرْ أيْنَ هو [مِنهُ] .

والسّابِعُ: أنَّهُ بِمَعْنى: صادَ مُحَمَّدٌ قُلُوبَ الخَلْقِ واسْتَمالَها حَتّى آَمَنُوا بِهِ وأحَبُّوهُ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ، وهَذا عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ، وهي قِراءَةُ أبِي رَجاءٍ، وأبِي الجَوْزاءِ، وَحَمِيدٍ، ومَحْبُوبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو.

قالَ الزَّجّاجُ: والقِراءَةُ "صادْ" بِتَسْكِينِ الدّالِّ، لِأنَّها مِن حُرُوفِ التَّهَجِّي.

وقَدْ قُرِئَتْ بِالفَتْحِ وبِالكَسْرِ؛ فَمَن فَتَحَها، فَعَلى ضَرْبَيْنِ.

أحَدُهُما: لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.

والثّانِي: عَلى مَعْنى: أُتْلُ "صادْ"، ويَكُونُ [صادْ] اسْمًا لِلسُّورَةِ يَنْصَرِفُ؛ ومَن كَسَرَ، فَعَلى ضَرْبَيْنِ.

أحَدُهُما: لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ أيْضًا.

والثّانِي: عَلى مَعْنى: صادِ القُرْآَنُ بِعَمَلِكَ، مِن قَوْلِكَ: صادى يُصادِي: إذا قابَلَ وعادَلَ، يُقالُ: صادَيْتُهُ: إذا قابَلَتْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذِي الذِّكْرِ ﴾ في المُرادِ بِالذِّكْرِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الشَّرَفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: البَيانُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: التَّذْكِيرُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

فَإنْ قِيلَ: أيْنَ جَوابُ القَسَمِ بِقَوْلِهِ: "صَ والقُرْآَنِ ذِي الذَّكَرِ"؟

فَعَنْهُ خَمْسَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنْ "صَ" جَوابٌ لِقَوْلِهِ: "والقُرْآَنِ"، فَـ "صَ" في مَعْناها، كَقَوْلِكَ: وجَبَ واللَّهِ، نَزَلَ واللَّهِ، حُقٌّ واللَّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وثَعْلَبُ.

والثّانِي: أنَّ جَوابَ "صَ" قَوْلُهُ: "كَمْ أهْلَكْنا مَن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ"، ومَعْناهُ: لَكُمْ، فَلَمّا طالَ الكَلامُ، حُذِفَتِ اللّامُ، ومِثْلُهُ، ﴿ والشَّمْسِ وضُحاها ﴾ ﴿ قَدْ أفْلَحَ  ﴾ ، فَإنَّ المَعْنى: لَقَدْ أفْلَحَ، غَيْرَ أنَّهُ لَمّا اعْتَرَضَ بَيْنَهُما كَلامٌ، تَبِعَهُ قَوْلُهُ: "قَدْ أفْلَحَ"، حَكاهُ الفَرّاءُ، وثَعْلَبٌ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُهُ: "إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ" [ص: ١٤]، حَكاهُ الأخْفَشُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ  ﴾ ، قالَهُ الكِسائِيُّ، وقالَ الفَرّاءُ: لا نَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا في العَرَبِيَّةِ، لِتَأخُّرِهِ جِدًّا عَنْ قَوْلِهِ: "والقُرْآَنُ" .

والخامِسُ: أنَّ جَوابَهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: والقُرْآَنُ ذِي الذِّكْرِ ما الأمْرُ كَما يَقُولُ الكُفّارُ، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ ﴾ ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ قَتادَةُ.

والعِزَّةُ: الحَمِيَّةُ والتَّكَبُّرُ عَنِ الحَقِّ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ العاصِ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "فِي غِرَّةٍ" بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وراءٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ.

والشِّقاقُ: الخِلافُ والعَداوَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ الكَلِمَتَيْنِ مَشْرُوحًا [البَقَرَةِ: ٢٠٦، ١٣٨] .

ثُمَّ خَوَّفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الخالِيَةَ ﴿ فَنادَوْا ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ الهَلاكِ بِهِمْ.

وفي هَذا النِّداءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الدُّعاءُ.

والثّانِي: الِاسْتِغاثَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلاتَ حِينَ مَناصٍ ﴾ وقَرَأ الضَّحّاكُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: "وَلاتَ حِينَ" بِفَتْحِ التّاءِ ورَفْعِ النُّونِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ حِينَ يَرَوْهُ فِرارٌ.

وقالَ عَطاءٌ: في لُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ "لاتَ" بِمَعْنى "لَيْسَ" .

وقالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هي بِالسُّرْيانِيَّةِ.

وقالَ الفَرّاءُ: "لاتَ" بِمَعْنى "لَيْسَ"، والمَعْنى: لَيْسَ بِحِينِ فِرارٍ.

ومِنَ القُرّاءِ مَن يَخْفِضُ "لاتَ"، والوَجْهُ النَّصْبُ، لِأنَّها في مَعْنى "لَيْسَ"، أنْشَدَنِي المُفَضَّلُ: تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِينًا وأضْحى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ والخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ التّاءَ في قَوْلِهِ: "وَلاتَ" مُنْقَطِعَةٌ مِن "حِينَ" قالَ: وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوَقْفُ عِنْدِي عَلى هَذا الحَرْفِ "وَلا"، والِابْتِداءِ "تَحِينُ" لِثَلاثِ حُجَجٍ.

إحْداهُنَّ: أنَّ تَفْسِيرَ ابْنِ عَبّاسٍ يَشْهَدُ لَها، لِأنَّهُ قالَ: لَيْسَ حِينَ يَرَوْهُ فِرارٌ؛ فَقَدْ عَلِمَ أنْ "لَيْسَ" هي أُخْتُ "لا" وفي مَعْناها.

والحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنّا لا نَجْدُ في شَيْءٍ مِن كَلامِ العَرَبِ "وَلاتَ"، إنَّما المَعْرُوفَةُ "لا" .

والحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ هَذِهِ التّاءَ، إنَّما وجَدْناها تَلْحَقُ مَعَ "حِينَ" ومَعَ "الآَنِ" ومَعَ الـ "أوانِ"، فَيَقُولُونَ: كانَ هَذا تَحِينَ كانَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ: "تَأوانَ"، ويُقالُ: اذْهَبْ تَلانَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ: العاطِفُونَ تَحِينُ ما مِن عاطِفٍ ∗∗∗ والمُطْعِمُونَ زَمانَ ما مِن مُطْعِمِ وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّ مَعْنى هَذا البَيْتِ: "العاطِفُونَهُ" بِالهاءِ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ: "حِينَ ما مِن عاطِفٍ"؛ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّ الهاءَ إنَّما تُقْحَمُ عَلى النُّونِ في مَواضِعِ القَطْعِ والسُّكُونِ، فَأمّا مَعَ الِاتِّصالِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيَّ: النَّحْوِيُّونَ يَقُولُونَ في قَوْلِهِ: "وَلاتَ" هي "لا" زِيدَتْ فِيها التّاءُ، كَما قالُوا: ثُمَّ وثَمَّتْ، ورُبَّ ورُبَّتْ، وأصْلُها هاءٌ وُصِلَتْ بِـ "لا"، فَقالُوا: "لاهٍ"، فَلَمّا وصَلُوها، جَعَلُوها تاءً؛ والوَقْفُ عَلَيْها بِالتّاءِ عِنْدَ الزَّجّاجِ، وأبِي عَلِيٍّ، وعِنْدَ الكِسائِيِّ بِالهاءِ، وعِنْدَ أبِي عُبَيْدٍ الوَقْفُ عَلى "لا" .

فَأمّا المَناصُ، فَهو الفِرارُ.

قالَ الفَرّاءُ: النَّوْصُ في كَلامِ العَرَبِ: التَّأخُّرُ، والبَوْصُ: التَّقَدُّمُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أمِن ذِكْرِ سَلْمى إذْ نَأتْكَ تَنُوصُ ∗∗∗ فَتَقْصُرُ عَنْها خُطْوَةً وتَبُوصُ وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَناصُ: مَصْدَرُ ناصَّ يَنُوصُ، وهو المَنجى والفَوْزُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ ص هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ص والقُرْآنِ ذِي الذِكْرِ ﴾ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ ﴾ ﴿ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ ﴾ ﴿ وَعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ ﴾ ﴿ أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي إسْحَقَ: "صادِ" بِكَسْرِ الدالِ، عَلى أنَّهُ أمْرٌ مِن: صادى يُصادِي إذا ضاهى وماثَلَ، أيْ صارَ كالصَدى الَّذِي يَحْكِي الصِياحَ، والمَعْنى: ماثِلِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ، وقارِنْهُ بِطاعَتِكَ، وهَكَذا فَسَّرَ الحَسَنُ، أيِ: انْظُرْ أيْنَ عَمَلُكَ مِنهُ؟

وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ حَرْفُ المُعْجَمِ المَعْرُوفُ، ويَدْخُلُهُ ما يَدْخُلُ سائِرَ أوائِلِ السُوَرِ مِنَ الأقْوالِ، ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ بِأنْ قالَ بَعْضُ الناسِ: مَعْناهُ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ  ، وقالَ الضَحّاكُ: مَعْناهُ: صَدَقَ اللهُ، وقالَ مُجاهِدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: هو مِفْتاحُ أسْماءِ اللهِ "صَمَدٌ، صادِقُ الوَعْدِ، صانِعُ المَصْنُوعاتِ".

وقَرَأها الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحَقَ - بِخِلافٍ عنهُ - بِكَسْرِ الدالِ وتَنْوِينِها [صادٍ]، عَلى القَسَمِ، كَما تَقُولُ: اللهِ لَأفْعَلَنَّ، وحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ: بِدُونِ تَنْوِينٍ، وألْحَقَهُ بِقَوْلِ العَرَبِ: حاثِ باثِ، وخازِ بازِ، وقَرَأ فِرْقَةٌ مِنها عِيسى بْنُ عُمَرَ: [صادَ] بِفَتْحِ الدالِ، وكَذَلِكَ يَفْعَلُ في نُطْقِهِ بِكُلِّ الحُرُوفِ، يَقُولُ: قافَ، ونُونَ، ويَجْعَلُها كَأيْنَ ولَيْتَ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: "وَقِيلَ مَعْناهُ: صادَ مُحَمَّدٌ القُلُوبَ، بِأنِ اسْتَمالَها لِلْإيمانِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ص والقُرْآنِ ذِي الذِكْرِ ﴾ قَسَمٌ، وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْناهُ: ذِي الشَرَفِ الباقِي المُخَلَّدِ، وقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: ذِي التَذْكِرَةِ لِلنّاسِ والهِدايَةِ لَهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: ذِي الذِكْرِ لِلْأُمَمِ والقَصَصِ والغُيُوبِ.

وأمّا جَوابُ القَسَمِ فاخْتُلِفَ فِيهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَوابُ في قَوْلِهِ: "ص" ؛ إذْ هو بِمَعْنى: صَدَقَ مُحَمَّدٌ، أو صَدَقَ اللهُ، وقالَ الكُوفِيُّونَ والزَجّاجُ: الجَوابُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النارِ  ﴾ ، وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ - ومِنهُمُ الأخْفَشُ -: الجَوابُ في قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُسُلَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ القَوْلانِ بِعِيدانِ.

وقالَ قَتادَةُ، والطَبَرِيُّ: الجَوابُ مُقَدَّرٌ قَبْلَ "بَلْ"، وهَذا هو الصَحِيحُ، تَقْدِيرُهُ: "والقُرْآنِ ما الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ"، ونَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، فَتَأمَّلْهُ.

وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ ﴾ وهَذا مُتَكَلَّفٌ جِدًّا.

و"العِزَّةُ" هُنا: المُعازَّةُ والمُغالَبَةُ.

و"الشِقاقُ" نَحْوُهُ، أيْ: هم في شِقٍّ، والحَقُّ في شِقٍّ.

و"كَمْ" لِلتَّكْثِيرِ، وهي خَبَرٌ فِيهِ مِثالٌ ووَعِيدٌ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ"أهْلَكْنا"، و"القَرْنُ": الأُمَّةُ مِنَ الناسِ يَجْمَعُها زَمَنٌ واحِدٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ مِرارًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَنادَوْا" ﴾ مَعْناهُ: مُسْتَغِيثِينَ، والمَعْنى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ المُعايَنَةِ فَلَمْ يَنْفَعْ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ في وقْتِ نَفْعٍ، "وَلاتَ" بِمَعْنى: لَيْسَ، واسْمُها مُقَدَّرٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: ولاتَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ، وهي "لا" لَحِقَتْها تاءٌ، كَما لَحِقَتْ "رُبَّتَ وثُمَّتَ"، قالَ الزَجّاجُ: وهي كَتاءِ جَلَسَتْ وقامَتْ، تاءُ الحُرُوفِ كَتاءِ الأفْعالِ دَخَلَتْ عَلى ما لا يُعْرَبُ في الوَجْهَيْنِ، ولا تُسْتَعْمَلُ (لا) مَعَ التاءِ إلّا في الحِينِ والزَمانِ والوَقْتِ ونَحْوِهُ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ولاتَ ساعَةَ مَندَمِ وقالَ الآخَرُ: تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِينًا ∗∗∗ ∗∗∗ وأضْحى الشَيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا وَأنْشَدَ بَعْضُهُمْ: طَلَبُوا صُلْحَنا ولاتَ أوانٍ ∗∗∗ ∗∗∗ فَأجَبْنا أنْ لَيْسَ حِينَ بَقاءِ وأنْشَدَ الزَجّاجُ بِكَسْرِ التاءِ، وهَذا كَثِيرٌ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ فَتْحُ التاءِ مِن "لاتَ" والنُونِ مِن "حِينَ"، ورُوِيَ عن عِيسى كَسْرُ التاءِ مِن "لاتِ" ونَصْبُ النُونِ مِن "حِينَ"، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا كَسْرُ النُونِ مِنها.

واخْتَلَفُوا في الوَقْفِ عَلى "لاتَ"، فَذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ الوَقْفَ بِالتاءِ، ووَقَفَ الكِسائِيُّ بِالهاءِ، ووَقَفَ قَوْمٌ - واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدٍ - عَلى لا وجَعَلُوا التاءَ مَوْصُولَةً بِحِينَ، فَقالُوا، "لا تَحِينَ"، وذَكَرَ أبُو عُبَيْدٍ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ عُثْمانَ، ويَحْتَجُّ لِهَذا بِقَوْلِ أبِي وجْزَةَ: العاطِفُونَ تَحِينَ ما مِن عاطِفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ والمُطْعِمُونَ زَمانَ ما مِن مُطْعِمِ يَمْدَحُ آلَ الزُبَيْرِ.

وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "لاتَ حِينُ" بِرَفْعِ النُونِ مِن: حِينَ عَلى إضْمارِ الخَبَرِ.

و"المَناصُ": المَفَرُّ، ناصَ يَنُوصُ، إذا فاتَ وفَرَّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: لَيْسَ بِحِينِ نَزْوٍ ولا فِرارٍ، ضَبَطَ القَوْمُ.

والضَمِيرُ في ﴿ "وَعَجِبُوا" ﴾ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، واسْتَغْرَبُوا أنْ نُبِّئَ بِشْرٌ مِنهم فَأنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، وأنْ وحَّدَ الإلَهَ، وقالُوا: كَيْفَ يَكُونُ إلَهٌ واحِدٌ يَرْزُقُ الجَمِيعَ ويَنْظُرُ في كُلِّ أمْرِهِمْ؟

وَ"عُجابٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ، كَما قالُوا: سَرِيعٌ وسِراعٌ، وهَذا كَثِيرٌ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "عُجّابٌ" بِشَدِّ الجِيمِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الراجِزِ: جاؤُوا بِصَيْدٍ عَجَبٍ مِنَ العَجَبْ ∗∗∗ ∗∗∗ أُزَيْرِقِ العَيْنَيْنِ طُوّالِ الذَنَبْ وقَدْ قالُوا: رَجُلٌ كِرامٌ، أيْ كِرِيمٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ص ﴾ القول في هذا الحرف كالقول في نظائره من الحروف المقطعة الواقعة في أوائل بعض السور بدون فرق أنها مقصودة للتهجِّي تحدِّياً لبلغاء العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن وتورُّكاً عليهم إذ عجزوا عنه واتفق أهل العدّ على أن ﴿ ص ﴾ ليس بآية مستقلة بل هي في مبدأ آية إلى قوله: ﴿ ذِي الذِّكرِ ﴾ وإنما لم تعد ﴿ ص ﴾ آية لأنها حرف واحد كما لم يعد ﴿ ق ﴾ [ق: 1] و ﴿ ن ﴾ [القلم: 1] ; ﴿ والقرءان ذِىلذِّكْرِ ﴾ الواو للقسم أقسم بالقرآن قسَم تنويه به.

ووصف ب ﴿ ذِي الذِّكر ﴾ لأن ﴿ ذي ﴾ تضاف إلى الأشياء الرفيعة فتجري على متصف مقصود التنويه به.

و ﴿ الذكر ﴾ : التذكير، أي تذكير الناس بما هم عنه غافلون.

ويجوز أن يراد بالذكر ذكر اللسان وهو على معنى: الذي يُذكر، بالبناء للنائب، أي والقرآن المذكور، أي الممدوح المستحِق الثناء على أحد التفسيرين في قوله تعالى: ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم ﴾ [الأنبياء: 10] أي شرفكم.

وقد تردد المفسرون في تعيين جواب القسم على أقوال سبعة أو ثمانية وأحسن ما قيل فيه هنا أحد وجهين: أولهما أن يكون محذوفاً دلّ عليه حرف ﴿ ص ﴾ فإن المقصود منه التحدّي بإعجاز القرآن وعجزهم عن معارضته بأنه كلام بلُغتهم ومؤلَّفٌ من حروفها فكيف عجزوا عن معارضته.

فالتقدير: والقرآن ذي الذكر أنه لمن عند الله لهذا عجزتم عن الإِتيان بمثله.

وثانيهما: الذي أرى أن الجواب محذوف أيضاً دل عليه الإِضراب الذي في قوله: ﴿ بَللِ الذين كفروا في عزَّة وشِقَاقٍ ﴾ [ص: 2] بعد أن وُصف القرآن ب ﴿ ذِي الذِّكر ﴾ ، لأن ذلك الوصف يشعر بأنه ذِكر ومُوقظ للعقول فكأنه قيل: إنه لذكر ولكن الذين كفروا في عزة وشقاق يجحدون أنه ذكر ويقولون: سِحر مفترىً وهم يعلمون أنه حق كقوله تعالى: ﴿ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات اللَّه يجحدون ﴾ [الأنعام: 33]، فجواب القسم محذوف يدل عليه السياق، وليس حرف ﴿ ص ﴾ هو المقسم عليه مقدماً على القسم، أي ليس دليلُ الجواب من اللفظ بل من المعنى والسياق.

والغرض من حذف جواب القسم هنا الإِعراض عنه إلى ما هو أجدر بالذكر وهو صفة الذين كفروا وكذبوا القرآن عناداً أو شقاقاً منهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ ص مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ص ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ فَواتِحُ فَتَحَ اللَّهُ تَعالى بِها القُرْآنَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أقْسَمَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ حَرْفُ هِجاءٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: أنَّهُ بِمَعْنى صَدَقَ اللَّهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

السّادِسُ: أنَّهُ مِنَ المُصادَّةِ وهي المُعارَضَةُ ومَعْناهُ عارِضِ القْرُآنَ لِعِلْمِكَ، قالَهُ الحَسَنُ.

السّابِعُ: أنَّهُ مِنَ المُصادَّةِ وهي الِاتِّباعُ ومَعْناهُ اتَّبِعِ القُرْآنَ بِعِلْمِكَ، قالَهُ سُفْيانُ.

﴿ والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ذِي الشَّرَفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: بِالبَيانِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: بِالتَّذْكِيرِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: ذِكْرُ ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ قَتادَةُ: هاهُنا وقَعَ القَسَمُ.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في جَوابِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ جَوابَ القَسَمِ مَحْذُوفٌ وحَذْفُهُ أفْخَمُ لَهُ لِأنَّ النَّفْسَ تَذْهَبُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ.

وَمَن قالَ بِحَذْفِهِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ تَقْدِيرَ المَحْذُوفِ مِنهُ لَقَدْ جاءَ الحَقُّ.

الثّانِي: تَقْدِيرُهُ ما الأمْرُ كَما قالُوا.

والقَوْلُ الثّانِي: مِنَ الأصْلِ أنَّ جَوابَ القَسَمِ مُظْهَرٌ، ومَن قالَ بِإظْهارِهِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ ﴾ قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ ﴾ وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي في حَمِيَّةٍ وفِراقٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: في تَعَزُّزٍ واخْتِلافٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: في أنَفَةٍ وعَداوَةٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: في امْتِناعٍ ومُباعَدَةٍ.

﴿ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يَعْنِي قَبْلَ كُفّارِ هَذِهِ الأُمَّةِ.

﴿ مِن قَرْنٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن أُمَّةٍ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

الثّانِي: أنَّ القَرْنَ زَمانٌ مَقْدُورٌ وفِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الثّالِثُ: سِتُّونَ سَنَةً، رَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ النّاجِيُّ.

الرّابِعُ: سَبْعُونَ سَنَةً، قالَهُ قَتادَةُ.

الخامِسُ: ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

السّادِسُ: مِائَةُ سَنَةٍ، رَواهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بِشْرٍ عَنِ النَّبِيِّ  .

السّابِعُ: عِشْرُونَ ومِائَةُ سَنَةٍ، قالَهُ زُرارَةُ بْنُ أوْفى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: اسْتَغاثُوا.

الثّانِي: دَعَوْا.

﴿ وَلاتَ حِينَ مَناصٍ ﴾ التّاءُ مِن لاتَ مَفْصُولَةٌ مِنَ الحاءِ وهي كَذَلِكَ في المُصْحَفِ، ومَن وصَلَها بِالحاءِ فَقَدْ أخْطَأ.

وَفِيها وجْهانِ: أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى لا وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: أنَّها بِمَعْنى لَيْسَ ولا تَعْمَلُ إلّا في الحِينِ خاصَّةً، قالَ الشّاعِرُ: تَذْكُرُ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِينًا وأضْحى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا وَفِيِ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَلاتَ حِينَ مَناصٍ ﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ولَيْسَ حِينَ مَلْجَأٍ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: ولَيْسَ حِينَ مُغاثٍ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في رَجِزٍ لَهُ: لَأُصَبِّحَنَّ العاصِيَ بْنَ العاصِي ∗∗∗ سَبْعِينَ ألْفًا عاقِدِي النَّواصِي ∗∗∗ قَدْ جَنَّبُوا الخَيْلَ عَلى الدِّلاصِ ∗∗∗ آسادُ غِيلٍ حِينَ لا مَناصٍ الثّالِثُ: ولَيْسَ حِينَ زَوالٍ، رَواهُ أبُو قابُوسَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَهم خُشُوعٌ لِدِيَةٍ لا مَناصَ لَهم ∗∗∗ يَضُمُّهم مَجْلِسٌ يُشْفِي مِنَ الصَّيْدِ الرّابِعُ: ولَيْسَ حِينَ فِرارٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ قالَ الفَرّاءُ مَصْدَرٌ مِن ناصَ يَنُوصُ.

والنَّوْصُ بِالنُّونِ التَّأخُّرُ، والبَوْصُ بِالباءِ التَّقَدُّمُ وأنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: أمِن ذِكْرِ لَيْلى إنْ نَأْتِكَ تَنُوصُ ∗∗∗ فَتَقْصُرُ عَنْها خُطْوَةً وتَبُوصُ فَجَمَعَ في هَذا البَيْتِ بَيْنَ البَوْصِ والنَّوْصِ فَهو بِالنُّونِ التَّأخُّرُ وبِالباءِ التَّقَدُّمُ.

الخامِسُ: أنَّ النَّوْصَ بِالنُّونِ التَّقَدُّمُ، والبَوْصَ بِالباءِ التَّأخُّرُ، وهو مِنَ الأضْدادِ، وكانُوا إذا أحَسُّوا في الحَرْبِ بِفَشَلٍ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَناصٌ: أيْ حَمْلَةٌ واحِدَةٌ، فَيَنْجُو فِيها مَن نَجا ويَهْلَكُ فِيها مَن هَلَكَ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ: فَصارَ تَأْوِيلُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ ما قالَهُ السُّدِّيُّ أنَّهم حِينَ عايَنُوا المَوْتَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا فِرارًا مِنَ العَذابِ ولا رُجُوعًا إلى التَّوْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن أبي صالح قال: سئل جابر بن عبدالله وابن عباس رضي الله عنهما عن ﴿ ص ﴾ فقالا: ما ندري ما هو.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ص ﴾ قال: حادث القرآن.

وأخرج ابن جرير عن الحسن ْرضي الله عنه في قوله أنه كان يقرأ ﴿ ص، والقرآن ﴾ بخفض الدال، وكان يجعلها من المصاداة يقول عارض القرآن قال عبد الوهاب: أعرضه على عملك فأنظر أين عملك من القرآن.

وأخرج ابن مردويه عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ص ﴾ يقول: إني أنا الله الصادق.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ ص ﴾ قال: صدق الله.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ ص ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ص والقرآن ذي الذكر ﴾ قال: نزلت في مجالسهم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ص والقرآن ذي الذكر ﴾ قال: ذي الشرف.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة ﴿ بل الذين كفروا في عزة ﴾ قال: هاهنا وقع القسم ﴿ في عزة وشقاق ﴾ قال: في حمية وفراق.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ بل الذين كفروا في عزة وشقاق ﴾ قال: معازين ﴿ شقاق ﴾ قال: عاصين وفي قوله: ﴿ فنادوا ولات حين مناص ﴾ قال: ما هذا بحين فرار.

وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن التميمي قال: سألت ابن عباس رضي الله عنه عن قول الله: ﴿ فنادوا ولات حين مناص ﴾ قال: ليس بحين تزور ولا فرار.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنه أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ ولات حين ﴾ قال: ليس بحين فرار قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الأعشى وهو يقول: تذكرت ليلى لات حين تذكر ** وقد تبت عنها والمناص بعيد وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فنادوا ولات حين مناص ﴾ قال: نادوا والنداء حين لا ينفعهم وأنشد تذكرت.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس ﴿ ولات حين مناص ﴾ قال: لا حين فرار.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولات حين مناص ﴾ قال: ليس بحين مغاث.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ ولات حين مناص ﴾ ليس بحين جزع.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ ولات حين مناص ﴾ قال: وليس حين نداء.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ ولات حين مناص ﴾ قال: نادوا بالتوحيد والعقاب حين مضت الدنيا عنهم، فاستناصوا التوبة حين زالت الدنيا عنهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ فنادوا ولات حين مناص ﴾ قال: نادى القوم على غير حين نداء، وأرادوا التوبة حين عاينوا عذاب الله، فلم ينفعهم، ولم يقبل منهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ ولات حين مناص ﴾ قال: ليس حين انقلاب.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب بن منبه ﴿ ولات حين مناص ﴾ قال: إذا أراد السرياني أن يقول وليس يقول ولات.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

روى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس وجابر أنهما سئلا عن ﴿ ص ﴾ فقالا: لا ندري (١) وقال سعيد بن جبير: بحر يحيى الله به الموتى (٢) وقال الضحاك: صدق الله وعده (٣) وقال مجاهد: فاتحة السورة (٤) وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن (٥) وروى الوالبي عن ابن عباس قال: هو اسم من أسماء الله -عز وجل- (٦)  - (٧) وقال محمد القُرظي: هو مفتاح أسماء الله: صمد، وصانع المصنوعات، وصادق الوعد (٨) وقال السدي: هو قسم أقسم الله به (٩) وذكر أبو إسحاق (١٠) (١١) قوله: ﴿ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ﴾ عطف عليها، المعنى: أقسم بـ ﴿ ص ﴾ وبالقرآن ذي الذكر.

وأنكر أبو علي أن تكون ﴿ ص ﴾ قسمًا قال: (لأنه إذا كان قسمًا لا يخلو قوله: ﴿ وَالْقُرْآنِ ﴾ من أن يكون استئناف قسم أو عطفا على قسم، وهو قوله: ﴿ ص ﴾ ، فلا يجوز أن يكون استئناف قسم إن جعلت ﴿ ص ﴾ قسماً؛ لأن جواب الأول لم يمض، فإذا لم يمض جواب الأول لم يجز أن يستأنف قسم آخر، ولا يجوز أن يكون عطفاً على القسم الأول، فيكون جوابان تشرك الأول؛ لأنه لا حرف جر في الأول، فإذا لم يكن في الأول حرف جر لم يجز ذلك، ولا يجوز إضمار حرف الجر في القسم إلا في أسماء الله كما تقول: الله لأفعلن، ولا يجوز: الكعبة لأفعلن، يريد بالكعبة كما جاز في اسم الله، لأنه كثر في كلامهم فجاز فيه للكثرة مالا يجوز في غيره، ألا ترى أنهم قد استجازوا في هذا الاسم بدل الباء من الواو ولم يجبزوه في غيره، وقالوا: بالله اغفر لي، ولا ينادون اسمًا فيه الأف واللام سوى هذا، لقولك (١٢) ﴿ ص ﴾ قسمًا، ويكون ﴿ وَالْقُرْآنِ ﴾ قسماً لم يسبق قبله قسم) (١٣) وقوله: ﴿ ذِي الذِّكْرِ ﴾ أكثر المفسرين قالوا: معناه ذي الشرف.

وهو قول سعيد بن جبير وأبي حصين وإسماعيل بن أبي خالد وابن عباس في رواية سعيد (١٤) ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ  ﴾ .

قال مقاتل: ذي البيان (١٥) (١٦) واختلفوا في جواب القسم: فحكى النسائي والفراء والزجاج (١٧) ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ﴾ (١٨) ﴿ وَالْقُرْآنِ ﴾ تأخرًا كثيرًا وجرت بينهما قصص مختلفة، فلا يعد ذلك مستقيمًا في العربية) (١٩) ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا ﴾ واعترض بين القسم وجوابه: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ومعناه: لكم أهلكنا، فلما طال الكلام المعترض بينهما حذفت اللام (٢٠) وحكى الأخفش (٢١) ﴿ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ ﴾ .

وقال النحاس (٢٢) وذكر صاحب النظم هذا القول فقال: لما قال: ﴿ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ﴾ اعترض خبر آخر سواه، وهو قوله: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فمرَّ فيه إلى قوله: ﴿ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ ﴾ ثم قال: ﴿ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ﴾ فكان هذا جوابًا للقسم، ومعنى ﴿ إِنْ كُلٌّ ﴾ : ما كل، كما يقال في الكلام: والله ما هذا إلا كافر.

وما اعترض بين قوله: ﴿ ص وَالْقُرْآنِ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنْ كُلٌّ ﴾ قصة واحدة، وهذا الجواب قد يتصل بها وينتظم معها، فيكون جوابًا للقصة المعترضة للقسم انتهى كلامه.

وروي عن قتادة أن موضع القسم: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقال أبو القاسم الزجاج: (قال النحويون: إن بل يقع في جواب القسم كما تقع لن؛ لأن المراد بهما توكيد الخبر، وذلك في قوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وكذلك قوله: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا﴾ وهذا من طريق الاعتبار يصلح أن يكون بمعنى أن لا أنه شائع في عبارة العرب أن يكون بل جوابًا للقسم، لكن بل لما كان متضمنًا خبر وإثبات خبرًا آخر بعد، فكأنه وكد من سائر التوكيدات، فحسن وضعه في موضع إن وقد، فكأنه قال: ص والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا.

وقال: والقرآن المجيد لقد عجبوا) (٢٦) وذهب أبو حاتم إلى هذا القول الذي يروى عن قتادة (٢٧) (٢٨) قال الأخفش: (وهذا يقوله الكوفيون وليس بالجيد في العربية لو قلت: والله قام، وأنت تريد: قام والله لا يحسن أنها لليمين مواضع خاصة يقع فيها إذا أزلتها عنها لم يحسن) (٢٩) قال النحاس: (هذا خطأ على مذهب النحويين؛ لأنه إذا ابتدأ بالقسم وكان الكلام معتمدًا عليه لم يكن بد من الجواب، وأجمعوا على أنه لا يجوز: والله قام عمرو بمعنى قام عمرو والله؛ لأن الكلام معتمد على القسم) (٣٠) قال الأخفش وذكر وجها آخر: يجوز أن يكون لـ ﴿ ص ﴾ معنى يقع على القسم، لا ندري نحو ما هو كأنه كقوله: الحق والله (٣١) ﴿ ص ﴾ الصادق الله أو صدق محمد، وهذا الوجه ذكره الفراء أيضًا فجعل ﴿ ص ﴾ جواب القسم، قال: هو كذلك وجب والله، ونزل والله، فهي جواب لقوله: ﴿ وَالْقُرْآنِ ﴾ كما تقول: نزل والله) (٣٢) وذكر النحاس وغيره من المعاني (٣٣) (٣٤) ﴿ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ﴾ ما الأمر كما يقول هؤلاء الكفار، ودل على المحذوف قوله: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ .

قال: وهذا القول مذهب محمد بن جرير (٣٥) وشرح صاحب النظم هذا القول فقال: بل دافع لخبر قبله ومثبت لخبر بعده، فقد ظهر ما بعده.

وأضمر ما قبله.

وما بعده دليل على ما قبله فالظاهر يدل على الباطن، وإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ مخالفًا لهذا المضمر، فكأنه قيل: والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا يزعمون أنهم على الحق وكلامًا في هذا المعنى.

فهذه ستة أوجه ذكرناها في جواب القسم (٣٦) (١) انظر: "الثعلبي" 3/ 254 ب، "القرطبي" 15/ 143، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 143، وعزاه لعبد بن حميد عن أبي صالح.

(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 254 ب، "القرطبي" 15/ 143.

(٣) انظر: "الماوردي" 5/ 75.

"البغوي" 4/ 47، "القرطبي" 15/ 143.

(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 254 ب، "القرطبي" 15/ 143.

(٥) انظر: "الطبري" 23/ 117، "تفسير الثعلبي" 3/ 254 ب، "الماوردي" 5/ 75.

(٦) انظر: "الطبري" 23/ 117، "تفسير الثعلبي" 3/ 254 ب، "زاد المسير" 7/ 97.

(٧) انظر: "البغوي" 4/ 47، "زاد المسير" 7/ 97.

(٨) انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 491، "البغوي" 4/ 47، "القرطبي" 15/ 143.

(٩) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 254 ب، "القرطبي" 15/ 143.

(١٠) "معاني القرآن واعرابه" 4/ 319.

(١١) هذه الأقوال التي ذكرها المؤلف رحمه الله في معنى ﴿ ص ﴾ أقوال لا دليل عليها، والأولى أن يقال في جميع الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض سور القرآن: أنها بيان لإعجاز القرآن.

يقول الإمام ابن كثير رحمه الله عنها: إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها.

"تفسير ابن كثير" 1/ 38.

وهذا القول اختيار جماعة من المحققين.

انظر.

"الكشاف" 1/ 76، "فتح القدير" 1/ 37، "أضواء البيان" 3/ 3 - 7.

(١٢) هكذا جاءت في النسخ، ولعل الصواب: (لذلك) حتى يستقيم الكلام.

(١٣) لم أقف على قول أبي علي.

(١٤) انظر: "الطبري" 23/ 118، "الماوردي" 5/ 75، "المحرر الوجيز" 4/ 491، "زاد المسير" 7/ 98.

(١٥) "تفسير مقاتل" 115 أ.

(١٦) انظر: "الطبري" 23/ 119، "الماوردي" 5/ 75، "زاد المسير" 7/ 98.

(١٧) انظر: "مجمع البيان" 8/ 725، "التبيان في غريب القرآن" 2/ 1096، "الدر المصون" 5/ 525، "البحر المحيط" 7/ 367، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 319.

(١٨) وهذه الآية في آخر السورة رقمها (64).

ولطول الفاصل بين القسم وبين جوابه على هذا القول.

نجد أن الكسائي رده ولا يراه شيئًا.

وكذا الفراء، وكذلك استبعده النحاس في "معاني القرآن" 6/ 76.

(١٩) "معاني القرآن" 2/ 397.

(٢٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 397، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 319، "مجمع البيان" 8/ 725.

(٢١) "معاني القرآن" 2/ 492.

(٢٢) "معاني القرآن الكريم" 6/ 76.

(٢٣) انظر: "الطبري" 23/ 119، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 77، "زاد المسير" 7/ 99.

(٢٤) في جميع النسخ قدر ثلاث كلمات غير واضحة، ولم أستطع الوقوف عليها في مضانها بعد طول بحث.

(٢٥) القول بأن الجواب هو قوله: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وهو قول قتادة، لعله أرجح الأقوال، وقد رجحه الإمام الطبري في "تفسيره" 23/ 119.

فقال: والصواب عندي ما قاله قتادة؛ لأنَّ بل دلت على التكذيب، فمعنى الكلام: ما الأمر كما يقول هؤلاء الكفار، بل هم في عزة وشقاق ا.

هـ.

أما قول صاحب النظم بأن قائل هذا القول يحتج بأن النظم وإن لم يكن للعرب فيه أصل ولا لها فيه رسم ..

إلى آخر كلامه، فهذا تكلف لا مسوغ له.

(٢٦) لم أقف على قوله.

(٢٧) انظر القول منسوبًا لأبي حاتم وقتادة في: "القطع والائتناف" ص 615.

(٢٨) انظر: "تفسير القرطبي" 15/ 144، "المحرر الوجيز" 4/ 491، "البحر المحيط" 7/ 367، "زاد المسير" 7/ 99.

(٢٩) لم أقف عليه عن الأخفش.

وانظر: "القطع والائتناف" ص 615.

(٣٠) "القطع والائتناف" ص 615.

(٣١) لم أقف عله عن الأخفش.

انظر: "المصدر السابق" ص: 615 فقد ذكر هذا القول.

(٣٢) "معاني القرآن" 2/ 396.

(٣٣) لعل صحة الكلام: وغيره من أهل المعاني.

(٣٤) "معاني القرآن" للنحاس 6/ 76، "معاني القرآن" للفراء 2/ 397، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 319.

(٣٥) "تفسير الطبري" 23/ 119.

(٣٦) ولعل الأرجح منها -وهو ما سبق ترجيحه- قول قتادة، وهو أن الجواب قوله: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ .

وإن كان القول السادس -وهو ما قال به النحاس وأهل المعاني- مستخرجاً من قول قتادة كما يقول المؤلف، فهو قول قوي ومقبول أما الأقوال الأخرى ففيها بعد.

أما القول الأول: وهو أن الجواب قوله: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ﴾ فبعده لطول الفاصل بين القسم والجواب كما أسلفنا.

وأما الثاني: وهو أن الجواب قوله: ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا ﴾ فبعيد للفاصل أيضًا، وإن كان الفاصل قليلاً، إلا == أن هذا لا يجعلنا نقول: إن هذا هو الجواب؛ لوجود ما يصلح جواباً قبله.

وأما الثالث: وهو أن الجواب قوله: ﴿ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ ﴾ فبعيد أيضًا لطول الفصل.

وأما الرابع: وهو قول الأخفش: يجوز أن يكون لـ ﴿ ص ﴾ معنى يقع عليه القسم لا ندري نحن ما هو، كانه قولك الحق والله، فبعيد؛ لأن الجواب ظاهر ومفهوم ولا يحتاج إلى تقدير شيء.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ص ﴾ تكلمنا على حروف الهجاء في البقرة، ويختص بهذا أنه قال فيه: معناه صدق محمد، وقيل: هو حرف من اسم الله الصمد أو صادق الوعد، أو صانع المصنوعات ﴿ والقرآن ذِي الذكر ﴾ هذا قسم جوابه محذوف تقديره: إن القرآن من عند الله، وإن محمداً لصادق وشبه ذلك.

وقيل: جوابه في قوله: ﴿ ص ﴾ إذ هو بمعنى صدق محمد، وقيل: جوابه الآتي ﴿ إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرسل ﴾ [ص: 14] وهذا بعيد، وقيل: جوابه ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار ﴾ [ص: 64] وهذا أبعد، ومعنى ذي الذكر: الشرف والذكر بمعنى الموعظة، أو ذكر الله وما يحتاج إليه من الشريعة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أو أنزل ﴾ بالواو مثل ﴿ أونبئكم  ﴾ في آل عمران ﴿ عذابي ﴾ و ﴿ عقابي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والسرندي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل ﴿ أيكة ﴾ مذكور في "الشعراء" ﴿ من فواق ﴾ بضم الفاء: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالفتح ﴿ ولي نعجة ﴾ بفتح الياء: حفص والأعشى والبرجمي ﴿ فتناه ﴾ بتخفيف النون على أنه مثنى والضمير للخصمين: عباس ﴿ لتدبروا ﴾ بحذف إحدى التاءين على أنه خطاب: يزيد والأعشى والبرجمي.

الباقون: على الغيبة وإدغام تاء التفعل في الدال ﴿ إني أحببت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو من بعدي بالفتح ابو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ والرياح ﴾ مجموعة: يزيد.

الوقوف: ﴿ ذي الذكر ﴾ ط ﴿ وشقاق ﴾ ه ﴿ مناص ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ز لتصريح ذكر الكافرين مع إمكان الاكتفاء بالضمير وقد اتفقت الجملتان ﴿ كذاب ﴾ ج للاستفهام واتحاد العامل ﴿ واحداً ﴾ ج لمثل ما مر ﴿ عجاب ﴾ ه ﴿ آلهتكم ﴾ ج لما مر ﴿ يراد ﴾ ج ه لذلك ﴿ الآخرة ﴾ ج لذلك ﴿ اختلاق ﴾ ه ج لما قلنا ﴿ من بيننا ﴾ ط ﴿ من ذكري ﴾ ه لعطف الجملتين المختلفتين والابتداء بالتهديد ﴿ عذاب ﴾ ه لأن "أم" بمعنى ألف استفهام إنكار ﴿ الوهاب ﴾ ه ج "أم" تصلح ابتداء إنكار ﴿ الأسباب ﴾ ه ﴿ الأحزاب ﴾ ه ﴿ الأوتاد ﴾ ه لا ﴿ الأيكة ﴾ ط ﴿ الأحزاب ﴾ ه ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ فواق ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الأيد ﴾ ج للابتداء بإِن ولاحتمال التعليل ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ والإشراق ﴾ ه ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ الخطاب ﴾ ه ﴿ الخصم ﴾ م لأن "إذ" ليس بظرف للإتيان ولتناهي الاستفهام إلى الأمر أي اذكر إذ تسوّروا ﴿ المحراب ﴾ ه لا لأن "إذ" بدل من الأولى ﴿ لا تخف ﴾ ج لحق الحذف أي نحن خصمان مع اتحاد المقول ﴿ الصراط ﴾ ه ﴿ في الخطاب ﴾ ه ﴿ نعاجه ﴾ ج ﴿ ما هم ﴾ ط ﴿ وأناب ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ مآب ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ الأولى ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ باطلاً ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ج للابتداء بالتهديد مع فاء التعقيب ﴿ النار ﴾ ه ج لأن "أم" لاستفهام إنكار.

﴿ كالفجار ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ سليمان ﴾ ط ﴿ العبد ﴾ ط ﴿ أوّاب ﴾ ه لا والأصح الوقف والتقدير: اذكر إذ فإِن أوْبَهُ غير مقيد بل مطلق الجياد ه لا للعطف ﴿ ربي ﴾ ج لاحتمال أن "حتى" للابتداء وأن تكون لانتهاء الحب أي آثرت حب الخير حتى توارت ﴿ بالحجاب ﴾ 5 لحق الحذف تقديره: قال ردّوها عليّ فطفق.

﴿ والأعناق ﴾ ه ﴿ أناب ﴾ ه ﴿ بعدي ﴾ لا لاحتمال أن يكون التقدير فإنك ﴿ الوهاب ﴾ ه ﴿ اصاب ﴾ ه ﴿ وغوّاص ﴾ ه ﴿ الأصفاد ﴾ ه ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ مآب ﴾ ه.

التفسير:عن ابن عباس أن ﴿ ص ﴾ بحر عليه عرش الرحمن.

وعن سعيد بن جبير: بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين.

وقيل: صدق محمد  في كل ما أخبر به عن الله.

وقيل: صدّ الكفار عن قبول هذا الدين.

وقيل: صدّ محمد  قلوب العباد.

وقيل: هو من المصاداة المعارضة ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت في الجبال يؤيده قراءة من قرأ ﴿ ص ﴾ بالكسر، معناه عارض القرآن بعملك فاعمل بأوارمه وانته عن نواهيه.

والذكر الشرف والشهرة أو الموعظة، وجواب القسم محذوف كأنه قيل: إنه المعجز وإن إلهكم لواحد.

ويجوز إن كان ﴿ ص ﴾ اسم السورة أن يراد هذه ص، والقرآن يعني هذه السورة هي التي أعجزت العرب بحق القرآن كما تخبر عن هذا حاتم والله، تريد هذا هو المشهور بالسخاء والله.

ثم بين أن الكفار في استكبار عن الإذعان للحق وفي مخالفة الله ورسوله.

ومعنى "بل" ترك كلام والأخذ في كلام آخر.

ولئن سلم أنه للمغايرة الكلية فالكلام الأول هو كون محمد  صادقاً في تبليغ الرسالة، أو كون القرآن، أو هذه السورة معجزاً، والحكم المذكور بد "بل" هو المعازة والمشاقة في كونه كذلك فحصل المطلوب.

ثم خوف الكفار بقوله ﴿ كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات ﴾ أي رفعوا اصواتهم بالدعاء والاستغاثة لأن نداء من نزل به العذاب لا يكون إلا كذلك.

وعن الحسن: فنادوا بالتوبة كقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ﴾ ولهذا قال ﴿ ولات حين مناص ﴾ أي لم يكن ذلك الوقت وقت فرار من العذاب أو حين نداء ينجي.

قال سيبويه والخليل: التاء في "لات" زائدة مثلها في "ربت" و"ثمت" وهي المشبهة بليس، وقد تغير حكمها بزيادة التاء حيث لا تدخل إلا على الأحيان ولم يبرز إلا اسمها أو خبرها وتقدير الآية: ليس الحين حين مناص.

ولو رفع لكان تقديره وليس حين مناص حاصلاً لهم.

وقال الأخفش: إنها "لا" النافية للجنس زيدت عليها التاء وخصت بنفي الأحيان كأنه قيل: اصل "لات" ليس قلبت الياء ألفاً والسين تاء.

وقيل: التاء قد تلحق بحين كقوله: العاطفون تحين ما من عاطف *** والمطعمون زمان ما من مطعم وإلى هذا ذهب أبو عبيدة.

وتأكد هذا الرأي عنده حين رأى التاء في المصحف متصلاً بحين.

وضعف بعد تسليم أنه في الإمام كذلك بأن خط المصحف غير مقيس عليه.

أما الوقف على ﴿ لات ﴾ فعند الكوفيين بالهاء قياساً على الأسماء، وعند البصريين بالتاء قياساً على الأفعال.

والمناص مصدر ناص ينوص إذا هرب ونجا أو فات.

قال ابن عباس: لما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص أي اهربوا وخذوا حذركم فأنزل الله ﴿ ولات حين مناص ﴾ .

ثم حكى شر صنيعهم وسوء مقالتهم في حق النبي  قائلاً ﴿ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ﴾ أي من جنس البشر.

ثم سجل عليهم بالكفر بوضع الظاهر موضع المضمر قائلاً ﴿ وقال الكافرون هذا ساحر ﴾ في إظهار خوارق العادات ﴿ كذاب ﴾ على الله.

وإنما قيل في سورة ق ﴿ فقال الكافرون  ﴾ بالفاء لأن القول هناك شيء عجيب وهو نتيجة العجب فاتصل الكلامان لفظاً ومعنى: وأما ههنا فلم يتصل إلا معنى ﴿ أجعل الآلهة ﴾ أي صيرها وحكم عليها بالوحدة ﴿ إن هذا لشيء عجاب ﴾ بليغ في العجب.

يروى أنه لما أسلم عمر بن الخطاب شق ذلك على قريش وفرح المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الأشراف والرؤساء: امشوا إلى أبي طالب فأتوه وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك.

فدعا أبو طالب النبي  وقال له: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألون السواء فلا تمل كل الميل على قومك.

فقال: ماذا يسألونني؟

فقالوا: ارفضنا وارفض آلهتنا وندعك وإلهك.

فقال  : أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم فقال له أبو جهل: والله لنعطينكها وعشر أمثالها.

فقال  : قولوا لا إله إلا الله.

فنفروا من ذلك وقالوا: ﴿ أجعل الآلهة إلهاً واحداً ﴾ كيف يسع الخلق كلهم إله واحد فأنزل الله هذه الآيات.

يعني من أول السورة إلى قوله ﴿ كذبت قبلهم ﴾ ﴿ وانطلق الملأ منهم ﴾ أي نهضوا من ذلك المجلس و ﴿ أن ﴾ مفسرة أي ﴿ امشوا ﴾ من غير أن يتلفظوا به ﴿ واصبروا على ﴾ عبادة ﴿ آلهتكم ﴾ .

قال النحويون: الانطلاق ههنا مضمن معنى القول لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم.

وقيل: وانطلق الملأ منهم وقالوا لغيرهم امشوا.

وقيل: انطلقوا بأن امشوا أي بهذا القول.

وليس المراد بالمشي السير إنما المراد المضيّ على الأمر.

وقيل: امشوا واتركوا محمداً  .

وقيل: هي من مشت الماشية إذا كثر نسلها مشاء ومنه الماشية للتفاؤل.

وفي تهذيب اللغة عن الأزهري: مشى الرجل إذا استغنى فيكون هذا دعاء لهم بالبركة ﴿ إن هذا ﴾ الأمر وهو استعلاء محمد  ﴿ لشيء يراد ﴾ أي حكم الله به فلا حيلة في دفعه ولا ينفع إلا الصبر أو إنه لشيء من نوائب الدهر اريد بنا فلا انفكاك لنا منه، أو إن دينكم لشيء يراد أن يؤخذ منكم.

وقيل: إن عبادة الأصنام لشيء نريده ونحتاج إليه.

وقيل: إن هذا الاستعلاء والترفع لشيء يريده كل أحد وكل ذي همة وقريب منه قول القفال: إن هذه كلمة تذكر للتحذير والتخويف معناها إنه ليس غرض محمد  من هذا القول تقرير الدين ولكن غرضه أن يستولي علينا ويحكم في أموالنا وأولادنا بما يريد.

﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ أي بقول محمد  ﴿ في الملة الآخرة ﴾ فيما أدركنا عليه آباءنا أو في ملة عيسى التي هي آخر الملل، لأن النصارى مثلثة غير موحدة.

قال جار الله: يجوز أن يكون التقدير ما سمعنا بهذا كائناً في الملة الآخرة فيكون الظرف حالاً من هذا لا متعلقاً بـ ﴿ سمعنا ﴾ والمعنى أنا لم نسمع من أهل الكتاب ولا الكهان أنه يحدث في الملة الآخرة توحيد الله.

﴿ إن هذا إلا اختلاق ﴾ كذب اختلقه من عنده.

ثم أظهروا الحسد وما كان يغلي به صدورهم قائلين ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴾ وذلك أنهم ظنوا أن الشرف بالمال والجاه فقط نظيره في القمر ﴿ أألقي الذكر عليه من بيننا  ﴾ إلا أنه استعمل هناك الإلقاء لأن أذكارهم كانت صحفاً مكتوبة وألواحاً مسطورة.

وقدم الظرف ههنا لشدّة العناية ولزيادة غيظهم وحمقهم فأجاب الله  عن شبهتهم بقوله ﴿ بل هم في شك من ذكري ﴾ اي من دلائلي التي لو نظروا فيها لزال الشك عنهم، فالقاطع لا يساوي المشكوك.

وقيل: أراد أنهم لا يكذبونك ولكنهم جحدوا آياتي.

ثم قال ﴿ بل لما يذوقوا عذاب ﴾ أي لو ذاقوا لأقبلوا على أداء المأمورات والانتهاء عن المنهيات.

وقيل: أراد أن النبي  كان يخوّفهم بالعذاب لو أصروا على الكفر.

ثم إنهم أصروا ولم ينزل عليهم العذاب فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه  فلا جرم لا يزول ذلك الشك إلا بنزول العذاب.

ثم أجاب عن شبهتهم بوجه آخر وهو قوله ﴿ أم عندهم خزائن رحمة ربك ﴾ والمراد أن النبوة من جملة النعمة المخزونة عنده يعطيها من يشاء من عباده.

ثم خصص بعد التعميم قائلاً ﴿ أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما ﴾ ولا ريب أن هذه الأشياء بعض خزائن الله وإذا كانوا عاجزين عن البعض فعن الكل أولى.

ثم تهكم بهم بقوله ﴿ فليرتقوا ﴾ اي فإن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق وقسمة الرحمة فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوسل بها إلى المقصود.

وقيل: أسباب السموات أبوابها والمعنى إن ادّعوا ملك السموات وأنهم يعلمون ما يجري فيها فليرتقوا إليها.

قال بعض حكماء الإسلام: في الأسباب إشارة إلى أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب حوادث العالم السفلي.

ثم حقر أمرهم بقوله ﴿ جند مّا ﴾ وهو خبر مبتدأ محذوف و"ما" مزيدة للاستعظام جارية مجرى الصفة أي هم جند من الجنود.

ثم خصص الوصف بقوله ﴿ من الأحزاب ﴾ أي ما هم إلا جند من الكفار المتحزبين على رسل الله مهزوم مكسور عما قريب فلا تبال بهم.

قال قتادة ﴿ هنالك ﴾ إشارة إلى يوم بدر.

وقيل: يوم الخندق.

وقيل: فتح مكة فإن مكة هي الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات.

وقال أهل البيان: هي إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم كقولك لمن ينتدب لأمر "ليس من أهله" "لست هنالك".

ثم مثل حالهم بحال من قبلهم من الأمم المكذبة وقصصهم مذكورة مراراً.

والذي يختص بالمقام هو أنه وصف فرعون بذي الأوتاد فعن قتادة أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب بها عنده.

وقال المبرد: بنى أبنية طويلة صارت كالأوتاد لبقائها.

وقيل: هي أوتاد أربعة كان يعذب الناس بها على الأرض أو على رؤوس أخشاب أربعة.

وقيل: اراد كثرة أوتاد خيام معسكره.

وقيل: أراد ذو جموع كثيرة فبالجمعية يشتد الملك كما يشتد البناء بالأوتاد وهذا قريب.

وقول أهل البيان إن أصل هذه الكلمة من ثبات البيت المطنب بأوتاد، ثم استعير لثبات العز والملك والمقصود على الوجود كلها.

وصف فرعون بالشدة والقوة ونفاذ الأمر ليعلم أنه تتعالى أهلك من كان هذه صفته فكيف بمن هو دونه.

قال أبو البقاء: قوله ﴿ أولئك الأحزاب ﴾ مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون خبراً والمبتدأ من قوله وعاد أو من ثمود أو من قوم لوط، قلت: ويحتمل أن يكون ﴿ الأحزاب ﴾ صفة ﴿ أولئك ﴾ و ﴿ أولئك ﴾ بدلاً من مجموع المعطوفات والمعطوف عليه.

قال جار الله: قصد بهذه الإشارة الإعلام بأن هذه الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم وآباؤهم الذين وجد منهم التكذيب.

لقد ذكر تكذيبهم أوّلاً في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء بالجملة الاستثنائية أعني قوله ﴿ إن كل إلا كذب الرسل ﴾ فبين أن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل لأنهم إذا كذبوا واحداً منهم فقد كذبوا جميعهم ﴿ فحق ﴾ أي ثبت أو وجب لذلك عقابى إياهم في الدنيا ثم في الآخرة وذلك قوله ﴿ وما ينظر هؤلاء ﴾ المذكورون.

وقيل: أهل مكة: ﴿ إلا صيحة واحدة ﴾ وهي النفخة الأولى ﴿ ما لها من ﴾ توقف مقدار ﴿ فواق ﴾ وهو بالفتح والضم زمان ما بين حلبتي الحالب.

عن النبي  "العيادة قدر فواق الناقة" ومعنى الآية إذا جاء وقتها لم يمهل هذا القدر.

وقيل: الفواق بالفتح الإفاقة أي ما لها من رجوع وترداد لأن الواحدة تكفي أمرهم وما لها رجوع إلى الحالة الأولى بل تبقى ممتدة إلى أن يهلك كلهم واعلم أن القوم إنما تعجبوا لشبهات ثلاث وقعت لهم: أولاها في الإلهيات وهو قولهم ﴿ أجعل الآلهة إلهاً واحداً ﴾ والثانية في النبوات وهي قولهم ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴾ والثالثة تتعلق بالمعاد وهي قولهم ﴿ ربنا عجل لنا قطناً ﴾ وهو القطعة من الشيء لأنه قطع منه من قطة إذا قطعه.

والقط أيضاً صحيفة الجائزة ونحوها لأنها قطعة من القرطاس استعجلوا نصيبهم من العذاب الموعود، أو من اللذات العاجلة، أو من صحيفة الأعمال، كل ذلك استهزاء منهم فلذلك أمره بالصبر على ما يقولون.

قال جار الله: أراد اصبر على أذاهم وصن نفسك أن تزل فيما كلفت من مخابراتهم.

﴿ واذكر ﴾ أخاك ﴿ داود ﴾ كيف زل تلك الزلة اليسيرة فعوتب عليها ونسب إلى البغي، أو اصبر وعظم أثر أمر معصية الله في أعينهمم بذكر قصة داود وما أورثته زلته من البكاء الدائم والحزن الواصب.

وقال غيره: اصبر على اذى قومك فإنك مبتلى بذلك كما صبر سائر الأنبياء على ما ابتلاهم به.

ثم عدّهم وبدأ بداود وذلك أنه تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحق ويعقوب فأوحى الله إليه أنهم وجدوها بالصبر على البلايا فسأل الابتلاء.

ثم إن الدنيا لا تنفك من الهموم والأحزان واستحقاق الدرجات بقدر الصبر على البليات.

ثم إن مجامع ما ذكر الله  في قصة داود ثلاثة أنواع من الكلام: الأول: تفصيل ما آتاه الله  من الفضائل.

الثاني: شرح الواقعة التي وقعت له.

والثالث: استخلاف الله  إياه بعد ذلك.

والأول عشرة أصناف: أحدها ذكر نبينا  إياه ليقتدي به في الصبر وسائر اصول الأخلاق.

وثانيها تسميته بالعبد مضافاً إلى صيغة جمع التكلم للتعظيم والعبودية الصحيحة الجامعة لكمالات الممكنات كما سبق مراراً.

ويمكن أن يكون التلفظ بذكر اسمه العلم أيضاً تشريفاً له.

وثالثها قوله ﴿ ذا الأيد ﴾ ذا القوة في الحروب وعلى الطاعات وعن المعاصي وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً وهو أشد الصوم ويقوم نصف الليل.

ويحتمل أن يكون الياء محذوفاً اكتفاء بالكسر فيكون جميع اليد بمعنى النعمة لأن الله  أنعم عليه ما لم ينعم على غيره.

رابعها قوله ﴿ إنه أوّاب ﴾ أي رجاع ي الأمور كلها إلى طاعة الله ومرضاته من آب يؤب.

خامسها تسبيح الجبال معه وقوله ﴿ يسبحن ﴾ حال والإشراق وقت إضاءة الشمس وهو بعد شروقها عند الضحى.

يقال شرقت الشمس ولما تشرق.

واستدل به ابن عباس على وجود صلاة الضحى في القرآن لما روى عن أم هانئ: دخل علينا رسول الله  فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى وقال: يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق.

قال ابن عباس: وكانت صلاة يصليها داود  ويحتمل أن يكون معنى الإشراق الدخول في وقت الشروق فيراد وقت صلاة الفجر لانتهائه بالشروق قاله جار الله.

سادسها قوله ﴿ والطير محشورة ﴾ أي وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية.

قال ابن عباس: كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح واجتمعت إليه الطير فسبحت فذلك حشرها وقد مر ذكر هذه المعجزة في "الأنبياء" وفي "سبأ".

قال أهل البيان: قوله ﴿ محشورة ﴾ في مقابلة قوله ﴿ يسبحن ﴾ ولكنه اختير الفعل في أحد الموضعين والاسم في الآخر لأنه أريد في الأول الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئاً بعد شيء وحالاً بعد حال حتى كأن السامع يتصوّرها بتلك الحالة، وأما الحاشر فهو الله وحشر الطيور جملة واحدة أدل على القدرة له  .

سابعها قوله ﴿ كلّ له أوّاب ﴾ أي كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود مسبح مرجع للتسبيح.

وقيل: الضمير لله أي كل من داود والجبال والطير لله مسبح رجاع إلى فعله مرة بعد مرة، وهذا الوصف كالتأكيد للوصف الذي يتقدّمه وهذا أخص لأنه أدل على الواقعة.

ثامنها قوله ﴿ وشددنا ملكه ﴾ أي قوّيناه بالجنود والأعوان وبسائر الأسباب فكان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف حرس، وزاد بعضهم فقال أربعون الفاً.

وقيل: نصرناه بالهيبة، وسببه أن غلاماً ادّعى على رجل بقرة فأنكر المدّعى عليه ولطم الغلام لطمة فسأل داود من الغلام البينة فعجز فرأى داود في المنام أن الله  يأمره أن يقتل المدعى عليه ويسلم البقرة إلى الغلام.

فقال داود: هذا منام فـأتاه الوحي بذلك في اليقظة فأخبر بذلك بني إسرائيل فجزعوا وقالوا: أتقتل رجلاً بلطمة؟

فقال داود: هذا أمر الله فسكتوا.

ثم أحضر الرجل وأخبره إن الله أمره بقتله فقال الرجل: صدقت يا نبيّ الله إني قتلت أباه غيلة وأخذت البقرة، فقتله داود وعظمت هيبته واشتدّ ملكه وقالوا: إنه يقضي بالوحي من السماء.

تاسعها قوله ﴿ وآتيناه الحكمة ﴾ وقد مر معناها مراراً وأنها منحصرة في قسمين: الأول العلم بالتصوّرات الحقيقية والتصديقات اليقينية بمقتضى الطاقة البشرية، والثاني العمل بالأخلاق الفاضلة المفضية إلى السعادة الباقية.

وخصصها بعضهم بالعلم بالنبوّة والفهم أو بالزبور والشرائع.

عاشرها فصل الخطاب وهو القدرة على ضبط المعاني والتعبير عنها بأقصى الغايات حتى يكون كاملاً مكملاً فهماً مفهماً.

قال جار الله: الفصل بمعنى المفصول ومعناه البين من الكلام الملخص الذي لا يلتبس ولا يختلك بغيره.

قلت: ومن ذلك أن لا يخطئ صاحبه مظان الفصل والوصل كما تذكره في الوقوف.

وعن عليّ  أنه قال: البينة على المدّعي واليمين على من أنكر.

فالفصل بمعنى الفاصل كالصوم والصحب ويندرج فيه جميع كلامه في الأقضية والحكومات وتدابير الملك والمشورات.

يروى أنه  علق لأجله سلسلة من السماء وأمره أن يقضي بها بين الناس، فمن كان على الحق يأخذ السلسلة، ومن كان على الباطل لا يقدر على أخذها.

ثم إن رجلاً غصب من آخر لؤلؤه وجعلها في جوف عصاً له ثم خاصمه المدّعي إلى داود فقال المدعي: إن هذا أخذ مني لؤلؤة ولم يردّها عليّ وإني صادق في مقالتي، فجاء وأخذ السلسلة فتحير داود في ذلك فرفعت السلسلة وأمره أن يقضي بالبينة واليمين وهو فصل الخطب.

وقيل: هو قوله "أما بعد" وهو أوّل من تكلم به.

وقيل: هو أنه إذا تكلم في الحكم فصل وكل هذه الأقوال تخصيصات من غير دليل والأقوى ما قدمناه.

ثم إنه  لما مدحه بالوجوه العشرة أردفه بذكر واقعته قائلاً ﴿ وهل أتاك ﴾ يا محمد ﴿ نبأ الخصم ﴾ أي ما أتاك خبرهم وقد أتاك الآن.

وفائدة هذا الاستفهام التنبيه على جلالة القصة المستفهم عنها ليكون أدعى إلى الإصغاء لها.

وللناس في هذه الواقعة ثلاثة آقوال أقواها تقريرها على وجه لا يدل على صدور ذنب عن نبيّ الله، وثانيها التقرير على وجه يدل على صدور الصغيرة عن نبيّ الله، وثالثها التقرير على وجه يدل على صدور الكبيرة عنه، وأضعفها التقرير على وجه يدل على الكبيرة.

ويختلف تفسير بعض الألفاظ بحسب اختلاف بعض المذاهب فلنفسر كلاً منها على حدة.

وأما المشترك بين الأقوال فلا نفسره إلا مرة.

القول الأوّل: يروى أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبيّ الله داود - وكان له يوم يخلو بنفسه ويشتغل بطاعة ربه - فانتهضوا الفرصة في ذلك وتسوّروا المحراب أي تصعدوا غرفته من سوره.

وفي قوله ﴿ إذ دخلوا عليه ﴾ إشارة إلى أنهم بعد التسوّر نزلوا عليه.

قال الفراء: قد يجاء بإذ مرتين ويكون معناهما كالواحد كقولك "ضربتك إذ دخلت عليّ إذ اجترأت عليّ" مع أنه يكون وقت الدخول ووقت الاجتراء واحداً.

وحين رآهما قد دخلا عليه لا من الطريق المعتاد علم أنهم إنما دخلوا عليه للشر.

﴿ ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان ﴾ أي نحن خصمان والخصم في الأصل مصدر فلهذا لم يجمعه أوّلاً نظراً إلى أصله، وثناه ثانياً بتأويل شخصان أو فريقان خصمان، وجمع المائر في قوله ﴿ إذ تسوّروا ﴾ ﴿ إذ دخلوا ﴾ ﴿ ففزع منهم ﴾ ﴿ قالوا لا تخف ﴾ بناء على أن أقل الجمع اثنان، أو على أن صحب كل منهما من جملتهما.

والأوّل أظهر لأن القائلين كانا اثنين بالاتفاق ﴿ بغى بعضنا على بعض ﴾ أي بغى أحدنا على الآخر وتعدّى حدّ العدالة.

ثم قرروا مقصودهم بثلاث عبارات متلازمة إحداها ﴿ فاحكم بيننا بالحق ﴾ أي بالعدل الذي هو حكم الله فينا.

والثانية ﴿ ولا تشطط ﴾ وهو نهي عن الباطل بإلزام الحق والشط البعد.

شط وأشط لغتان، أرادوا لا تجر فالجور البعد عن الحق.

والثالثة ﴿ واهدنا إلى سواء الصراط ﴾ أي وسطه وهو مثل لمحض الحق وصدقه.

وحين اخبروا عن وقوع الخصومة مجملاً شرعوا في التفصيل فقال أحدهما مشيراً إلى الآخر ﴿ إن هذا ﴾ وقوله ﴿ أخي ﴾ أي في الدين أو الخلطة أو النسب خبر أو بدل والخبر ﴿ له تسع وتسعون نعجة ﴾ وهي أنثى من الضأن ﴿ ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها ﴾ أي ملكنيها فأكفلها كما أكفل ما تحت يدي ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ أي غلبني في المخاطبة فكان تكلمه أبين وبطشه اشدّ ﴿ قال ﴾ داود ﴿ لقد ظلمك بسؤال نعجتك ﴾ أضاف المصدر إلى المفعول الثاني وحذف الفاعل والمفعول الأوّل أي بسؤاله إياك نعجتك.

وليس السؤال ههنا سؤال خضوع وتفضل وإنما هو سؤال مطالبة ومعازة.

و ﴿ إلى ﴾ متعلقة بفعل دل عليه السؤال تقديره بسؤال أي ليضمها إلى نعاجه، أو ضمن السؤال معنى الإضافة كأنه قيل: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب ﴿ وإن كثيراً من الخلطاء ﴾ الشركاء الذين خلطوا أموالهم واطلع بسبب ذلك بعضهم على أحوال البعض ﴿ ليبغي بعضهم على بعض ﴾ وقد تغلب الخلطة في الماشية.

والشافعي يعتبرها في باب الزكاة إذا ااتحد الفحل والراعي والمراح والمسقى وموضع الحلب، فإن كانت للخليطين أرعبون شاة فعليهما شاة.

وعند أبي حنيفة لا شي عليهما وإن كانت لأحدهما واحدة وللآخر تسع وتسعون فعلى الأوّل أداء جزء من مائة جزء من شاة واحدة وعلى الآخر الباقي.

هذا عند الشافعي، وعند أبي حنيفة لا شيء على ذي النعجة.

ثم بين أن أكثر الخلطاء موسوم بسمة الظلم إلا المؤمنين وإنهم لقليل.

"وما" في قوله ﴿ وقليل ما هم ﴾ مزيدة للإبهام، وفيه تعجيب من قلتهم.

وقال ابن عيسى: هي موصولة أي وقليل الذين هم كذلك.

قصد نبيّ الله بذكر حال الخطاء في هذا المقام الموعظة الحسنة والترغيب في اختيار عادة الخلطاء الصلحاء لا التي عليها أكثرهم من الظلم والاعتداء، وفيه تسلية للمظلوم عما جرى عليه من خليطه وإن له في أكثر الخلطاء اسوة ﴿ وظن داود إنما فتناه ﴾ اي ابتليناه وذلك أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطاناً شديد القوّة وقد فزع منهم.

ثم إنه مع ذلك عفا عنهم دخل قلبه شيء من العجب فحمله على الابتلاء ﴿ فاستغفر ربه ﴾ من تلك الحالة ﴿ وأناب ﴾ إلى الله واعترف بأن إقدامه على تلك الخلة لم يكن إلا بتوفيق الله.

﴿ فغفرنا له ذلك ﴾ الخاطر أو لعله هم بإيذاء القوم.

ثم تذكر أنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم، ثم استغفر من تلك الهمة.

أو لعل القوم تابوا إلى الله وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم فاستغفر لأجلهم متضرعاً إلى الله فغفر ذنبهم بسبب شفاعته ودعائه.

﴿ و ﴾ معنى ﴿ خرّ راكعاً ﴾ سقط ساجداً.

قال الحسن: لأنه لا يكون ساجداً حتى يركع، أو المراد أن خرّ للسجود مصلياً لأن الركوع قد يعبر به عن الصلاة.

ومذهب الشافعي أن هذا الموضع ليس فيه سجدة التلاوة لأنه توبة نبيّ فلا توجب على غيره سجدة التلاوة ولا تستحب أيضاً.

ومذهب أبي حنيفة بخلافه.

وجوز مع ذلك أن يكون الركوع بدل السجود هذا تمام تقرير القول الأوّل.

ولا يرد عليه إلا أن داود كان أرفع منزلة من أن يتسور عليه بعض آحاد الرعية في حال تعبده أو يتجاسر عليه بقوله ﴿ لا تخف ﴾ ﴿ ولا تشطط ﴾ وأنه كيف سارع إلى تصديق أحد الخصمين على ظلم الآخر قبل استماع كلامه والأول استبعاد محض؟

وأجيب عن الثاني بأنه ما قال ذلك إلا بعد اعتراف صاحبه لكنه لم يذكر في القرآن، ومما يؤيد هذا القول ختم ذكر الواقعة بقوله: ﴿ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ﴾ والزلفى القربة، والمآب الحسن الجنة.

قال مالك بن دينار: إذا كان يوم القيامة يؤتى بمنبر رفيع ويوضع في الجنة يقال: يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا - وحاصل التفسير على هذا القول إن الخصمين كانا من الإنس وكانت الخصومة بينهما على الحقيقة، وكانا خليطين في الغنم، أو كان الخلطة خلطة الصدقة، أو الجوار وكان أحدهما موسراً وله نسوان كثيرة من الحرائر والسرائر.

والعرب تشبه المرأة بالنعجة والظبية، والثاني معسراً ما له إلا امرأة واحدة واستنزله عنها، وكانت الأنصار يواسون المهاجرين بمثل ذلك كما كانوا يقاسمونهم أموالهم ومنازلهم وما كان ذنب داود إلا خطرة أو همة.

القول الثاني: إن أهل زمان داود كان يسأل بعضهم بعضاً أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته فاتفق أن نظر داود وقع على امرأة رجل يقال له أوريا فأحبها فسأله النزول عنها فاستحيا ففعل فتزوجها وهي أم سليمان.

فقيل له: إن مع عظم منزلتك وارتفاع مرتبتك وكثرة نسائك لم يكن لك أن تسأل رجلاً ليس له امرأة واحدة النزول لك، كان الواجب عليك مغالبة هواك والصبر على ما امتحنت به.

وقيل: خطبها أوريا ثم خطبها داود فآثره أهلها وكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه، وعلى هذا يجوز أن يكون الخطاب في قوله ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ من الخطبة أي غالبني في خطبتها حيث زوّجها دوني.

وعلى هذا القول يجوز أن يكون الخصمان من الإنس كما مر.

وحين وافق حالهما حال داود تنبه فاستغفر.

وأن يكونا ملكين بعثهما الله ليتنبه على خطئه فيتداركه بالاستغفار ويرد على هذا أن الملكين لو قالا نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فكذب والملائكة لا يكذبون ولا يأمرهم الله بالكذب.

والجواب أن التقدير ما تقول خصمان قالا بغى بعضنا على بعض.

أو أرادوا: ارأيت لو كنا خصمين بغى بعضنا على بعض ألست تحكم بيننا، ثم صوروا المسألة ومثلوا قصته بقصة رجل له نعجة واحدة ولخليطه تسع وتسعون فأراد صاحبه تتمة المائة وحاجه في ذلك محاجة حريص على بلوغ مراده.

وعن الحسن: لم يكن لداود تسع وتسعون امرأة وإنما هذا مثل.

القول الثالث: وهو المشهور عند الجمهور أن داود  جزأ زمانه أربعة أجزاء: يوماً للعبادة، ويوماً للاشتغال بخواص أموره، ويوماً يجمع بني إسرائيل للوعظ والتذكير فجاءه الشيطان يوم العبادة والباب مغلق في صورة حمامة من ذهب فمد يده ليأخذها لابن صغير له فطارت إلى قريب منه، وهكذا مرة ثانية وثالثة إلى أن وقعت في كوة فتبعها فوقع بصره على امرأة جميلة تغتسل فنقضت شعرها فغطى جسدها فوقع في نفسه منها ما شغله عن الصلاة، فنزل من محرابه ولبست المرأة ثيابها وخرجت إلى بيتها، فخرج داود حتى عرف بيتها وسألها من أنت؟

فأخبرته فقال لها: هل لك زوج؟

فقالت: نعم.

قال: أين هو؟

قالت: في جند كذا فرجع وكتب إلى أمير جيشه إذا جاءك كتابي هذا فقدم فلاناً في أول التابوت وكان من يتقدم على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يفتح الله على يده أو يستشهد ففتح الله على يده وسلم.

فأمر برده مرة ثانية وثالثة حتى قتل، فأتاه خبر قتله فلم يحزن كما كان يحزن على الشهداء، وتزوّج امرأته فبعث الله إليه ملكين في صورة إنسانين فطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته ومنعهما الحرس فتسوّرا عليه المحراب فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان ففزع منهما، وحين وجد قصتهما مطابقة لحاله علم أنه مبتلى من الله.

يروى أنهما قالا حينئذ حكم على نفسه.

وقيل: ضحكا وغابا فعلم أن الله ابتلاه بذنبه.

ولا يخفى أن ذنبه بهذا التفسير والتقرير كبيرة لأنه يدل على الإفراط في العشق وعلى السعي في قتل النفس المسلمة بغير حق.

فيروى أنه سجد أربعين ليلة لم يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة ولم يذق طعاماً ولا شراباً حتى أوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإني قد غفرت لك.

ويروى أن جبرائيل قال له اذهب إلى أوريا وهو زوج المرأة واستحل منه فإنك تسمع صوته موضع كذا، فأتاه، واستحل منه فقال: أنت في حل.

قال: فلما رجع قال له جبرائيل: هل أخبرته بجرمك؟

فقال: لا قال: فإنك لم تعمل شيئاً فارجع وأخبره بالذي صنعت.

فرجع داود فأخبره بذلك فقال: أنا خصمك يوم القيامة فرجع مغتماً وبكى أربعين يوماً.

فأتاه جبريل وقال: إن الله  يقول: أنا أستوهبك من عبدي فيهبك لي وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء فسرى عنه وكان حزيناً في عمره باكياً على خطيئته.

وروي أنه نقش خطيئته على كفه حتى لا ينساها.

والمحققون كعلي  وابن عباس وابن مسعود وغيرهم ينكرون القصة على هذا الوجه.

روى سعيد بن المسيب والحرث بن الأعور أن علي بن أبي طالب  قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وهو حد الفرية على الأنبياء.

قلت: لا يخفى أن الأحوط السكوت عما لا يرجع إلى طائل، بل يحتمل أن يعود إلى قائله لوم عاجل وعقاب آجل.

ومن الدلائل القوية التي اعتمد عليها فخر الدين الرازي في ضعف هذه الرواية قوله  عقيب ذكر الواقعة ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ﴾ فمن البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دم أخيه المسلم بغير حق وبانتزاع زوجته منه ثم يقال: إنا فوضنا الخلافة إليه.

وعندي أن ذلك عليه لا له لقوله  ﴿ فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ﴾ الخ فكأنه قيل له: إنا جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله وفي سياسة المدن، أو تخلفنا كما يقال "السلطان ظل الله في الأرض" فاللائق بهذا المنصب السعي لإصلاح حال المسلمين وحفظ فروجهم ودمائهم وأموالهم لا السعي في تحصيل هوى النفس بأي وجه يمكن، فإن صاحبه المصر عليه ضال معرض عن إعداد الزاد ليوم المعاد.

يحكى عن بعض خلفاء بني مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز أو الزهري: هل سمعت ما بلغنا؟

قال: وما هو؟

قال: بلغنا أن الخليفة لا يجري عليه القلم ولا يكتب عليه معصية.

فقال: يا أمير المؤمنين، الخلفاء أفضل أم الأنبياء ثم تلا هذه الآية.

وحين تمم واقعة داود ونصحه وما فرض عليه في شأن الاستخلاف أشار إلى أن الأمور الدنيوية التابعة للحركات السماوية ليست واقعة على الجزاف، وبمقتضى الطبائع، ولكن لها غاية صحيحة فأجمل هذا المعنى أوّلاً بقوله ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق هذه الأشياء بلا غاية ﴿ ظن الذين كفروا ﴾ لأنهم بإنكارهم البعث جحدوا الجزاء الذي هو غاية التكليف ﴿ فويل للذين كفروا من النار ﴾ لأنهم بهذه العقيدة وقعوا في نار البعد والقطيعة فلم يستدلوا بالآفاق والأنفس على الصانع نظيره ما مر في آخر "آل عمران" ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار  ﴾ ثم صرح بالغاية قائلاً ﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.

"وأم" منقطعة بمعنى بل والهمزة للإنكار والمراد أنه لم بطل الجزاء كما زعموا لاستوت حال الطائفتين المتقي المصلح للأرض بتهذيب الأخلاق وتدبير المنزل والسياسة المدنية على وفق العقل والشرع، والفاجر المفسد في الأرض بهدم النواميس وتتبع الشهوات وهتك الحرمات، ومن سوى بينهم كان إلى السفه أقرب منه إلى الحكمة، ولا ينافي هذا إمكان التسوية من حيث المالكية.

وحين ذكر هذه المعاني اللطيفة والقواعد الشريفة منّ على رسوله بقوله ﴿ كتاب ﴾ اي هذا كتاب ﴿ أنزلناه إليك مبارك ﴾ كثير المنافع والفوائد ﴿ ليدّبروا آياته ﴾ ليتأملوا فيها ويستنبطوا الأسرار والحقائق منها فمن حفظ حروفه وضيع حدوده كان مثله كمثل معلق اللؤلؤ والجواهر على الخنازير.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : يقال في وجه النظم إن العقلاء قالوا: من ابتلى بخصم جاهل مصر متعصب وجب عليه أن يقطع الكلام معه ويخوض في كلام آخر أجنبي حتى إذا اشتغل خاطره بالكلام الأجنبي أدرج في أثنائه مقدمة مناسبة للمطلوب الأول، فإن ذلك المتعصب قد يسلم هذه المقدمة فإذا سلمها فحينئذ يتمسك بها في إثبات المطلوب الأول فيصير الخصم ساكتاً مفحماً.

وإذ قد عرفت هذا فنقول: إن الكفار قد بلغوا في إنكار الحشر إلى حيث قالوا على سبيل الاستهزاء ﴿ ربنا عجل لنا قطعنا قبل يوم الحساب ﴾ فقال تعالى: يا محمد ﴿ اصبر على ما يقولون ﴾ واقطع الكلام معهم في هذه المسألة واشرع في كلام آخر أجنبي في الظاهر وهو قصة داود إلى قوله ﴿ إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ﴾ فكل من سمع هذا قال: نعم ما فعل حيث أمره بالحكم الحق كأنه قال: أيها المكلف إني لا آمرك مع أني رب العالمين إلا بالحق فههنا الخصم يقول: نعم ما فعل حيث لم يقض إلا بالحق، فعند هذا يلتزم صحة القول بالحشر وإلاّ لزم التسوية بين من أصلح واتقى ومن افسد وفجر وذلك ضدّ الحكمة.

وحين ذكر هذه الطريقة الدقيقة في إلزام المنكرين وإفحامهم وصف القرآن بالبركة والإفادة والإرشاد، لأن هذه اللطائف لا تستفاد إلا منه.

وبعد تتميم قصة داود شرع في قصة ابنه سليمان ومدحه بقوله ﴿ نعم العبد ﴾ أي هو فحذف المخصوص للعلم به.

وفي قوله ﴿ إنه أوّاب ﴾ كما مر في قصة داود إشارة إلى أنه كان شبيهاً بالأب في الفضيلة والكمال فلذلك استويا في جهة المدح.

وفي القصة واقعتان يمكن تقرير كل منهما كما في واقعة أبيه على وجه لا يقدح في الصعمة وهو المختار عند المحققين، وعلى وجه دون ذلك وهو الأشهر فلنفسر كلاً منهما بالوجهين بتوفيق الله  .

أما الأوّل من الواقعة الأولى فقوله ﴿ إذ عرض عليه بالعشي الصافنات ﴾ وهي جمع صافن وهو الذي يقوم على ثلاث قوائم وعلى طرف الرابعة وهو نعت جيد للخيل.

قيل: الصافن الذي يجمع بين يديه.

وفي الحديث "من سرّه أن يقوم الناس له صفوفاً فليتبوّأ مقعده من النار" أي واقفين مثل خدم الجبابرة.

و ﴿ الجياد ﴾ جمع جواد وهو جيد الجري يعني إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة من مواقفها على أحسن الأشكال.

وإذا أجريت كانت سراعاً في جريها، فإذا طلبت لحقت، وإذا طلبت لم تلحق.

يروى أن رباط الخيل كان مندوباً في شرعهم كما في شرعنا.

ثم إن سليمان سلام الله عليه احتاج إلى الغزو فجلس بعد صلاة الظهر على كرسيه وأمر بإحضار الخيل، وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا وحظ النفس وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله ﴿ إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي ﴾ سمى الخيل خيراً لتعلق الخير بها كما جاء في الحديث "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة" أي آثرت حب الخير ولزمته لأن ربي أمرني بارتباطها ولم يصدر حب هذه المحبة الشديدة إلا عن ذكر الله وأمره.

والضمير في قوله ﴿ حتى توارت ﴾ للخيل أي ما زالت تعرض عليه ويأمر بإعدائها وسيرها إلى أن غابت عن بصره، ثم قال ﴿ ردّوها عليّ ﴾ أي أمر الرائضين بان يردوا الخيل عليه، فلما عادت عليه طفق يمسح مسحاً بوسقها وأعناقها تشريفاً لها وإظهاراً لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدوّ، أو لأنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها، أو أراد إظهار أنه بلغ في اختبار أمور المملكة إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه.

وقيل: مسح الغبار عن أعناقها وسوقها بيده.

وقيل: وسم أعناقهن وارجلهن فجعلهن في سبيل الله.

وأما الوجه الآخر في هذه الواقعة فما روي أن سليمان غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس.

وقيل: ورثها من ابيه وكان أبوه اصابها من العمالقة.

وقيل: أخرجها الشياطين من مرج من المروج أو من البحر وكانت ذوات أجنحة.

فقعد يوماً بعد الظهر واستعرضها فلم يزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وذلك قوله ﴿ حتى توارت ﴾ أي الشمس بدليل ذكر العشي ﴿ بالحجاب ﴾ حجاب الأفق.

وقيل: حتى توارت الخيل بحجاب الليل وغفل عن العصر، أو عن ورد من الذكر كان له وقت العشي فقال ﴿ إني أحببت حب الخير ﴾ وهو متضمن معنى فعل يتعدى بعن أي أنبت حب الخير عن ذكر ربي وجعلت حبها مغنياً عن ذكر ربي فاغتم لما فاته فاستردها وعقرها تقرباً لله وذلك قوله ﴿ فطفق مسحاً ﴾ قال جار الله: أي يمسح بالسيف سوقها وأعناقها فقلب لأمن الإلباس كقولهم "عرضت الناقة على الحوض" قال الراوي: قربها إلا مائة فما في ايدي الناس من الجياد فمن نسلها، وحين عقرها أبدله الله خيراً منها وهي الريح تجري بأمره.

وقيل: الضمير في ﴿ ردّوها ﴾ للشمس والخطاب للملائكة تضرع إلى الله فرد الله عليه الشمس فصلى العصر.

ومحل القدح في هذه الرواية هو نسبة سليمان إلى حب الدنيا حتى غفل عن الصلاة وضم بعضهم إلى ذلك أن قطع أعناق الخيل وعرقبة أرجلها منهي عنه.

وقد روي عن النبي  أنه نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله.

وأجيب بأنه فعل ذلك لأنها منعته عن الصلاة أو لأنه ذبحها للفقراء والمساكين، قال الزجاج: لم يفعل ذلك إلا وقد أباحه الله له وما أباح الله فليس بمنهي.

قال الإمام فخر الدين الرازي: إن الكفار لما بلغوا في الإيذاء والسفاهة إلى حيث قالوا ﴿ ربنا عجل لنا قطنا ﴾ قال لنبيه: اصبر يا محمد على ما يقولون وذاكر عبدنا داود.

ثم ذكر عقيبه قصة سليمان، وهذا الكلام إنما يكون لائقاً لو قلنا إن سليمان أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة وصبر على طاعة الله وأعرض عن الشهوات، فأما لو كان المقصود أنه أقدم على الكبيرة لم يكن ذكره مناسباً.

هذا تمام الكلام في الواقعة الأولى.

وأما الثانية وإليها الإشارة بقوله.

﴿ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ فالمحققون يروونه على وجوه: أحدها: أن سليمان ولد له ابن بعد أن ملك عشرين سنة فقالت الشياطين: إن عاش لم نتخلص من البلاء والتسخير فسبيلنا أن نقتله أو نخبله، فعلم بذلك سليمان فأمر السحاب أن يحفظه ويغذوه خوفاً من مضرة الشياطين، فما راعه إلا أن ألقي على كرسيه ميتاً فتنبه على خطئه في أن لم يتوكل فيه على ربه فاستغفر ربه وأناب.

وثانيها روي عن النبي  "أن سليمان قال ذات ليلة: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة.

وفي رواية على مائة وفي رواية على ألف- كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل: إن شاء الله.

فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل.

والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعين فذلك قوله {ولقد فتنا سليمان" .

وثالثها قال أبو مسلم: مرض سليمان مرضاً شديداً امتحنه الله به حتى صار جسداً على كرسيه ملقي كما جاء في الحديث "لحم على وضم وجسد بلا روح" لأن الجسد يطلق في الأكثر على ما لا روح له.

﴿ ثم أناب ﴾ أي رجع إلى حالة الصحة.

والمشهور عند الجمهور أن الجسد الملقى على كرسيه كان شيطاناً جلس على سرير ملكه اربعين يوماً، وذلك أن ملكه كان في خاتمة فأخذ شيطاناً يقال له آصف وقال: كيف تفتنون الناس؟

قال: أرني خاتمك أخبرك.

فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر فذهب ملكه وقعد آصف على كرسيه.

وعن علي  أنه قال: بينما سليمان جالس على شاطئ البحر وهو يعبث بخاتمه إذ سقط في البحر.

وقيل: إنه وطئ امرأة في الحيض فذلك ذنبه.

وقال في الكشاف: وغيره حكوا أن سليمان بلغه خبر صيدون وهي مدينة في بعض الجزائر وأن بها ملكاً عظيم الشأن.

فخرج إليه تحمله الريح حتى أناخ بها جنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وأصاب بنتاً له اسمها جرادة من أحسن الناس وجهاً، فاصطفاها لنفسه وأسلمت وأحبها وكانت لا يرقأ دمعها حزنا على أبيها.

فأمر الشياطين فمثلوا لها صورة ابيها فكستها مثل كسوته وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدون لها كعادتهن في ملكه، فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وكانت له أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها، فوضعه عندها يوماً فأتاها الشيطان صاحب البحر وهو الذي دل سليمان على الماس حين أمر ببناء بيت المقدس.

واسمه صخر - على صورة سليمان فقال: يا أمينة أعطيني خاتمي فتختم به وجلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير والجن والإنس.

وغير سليمان عن هيئته فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته فعرف أن الخطيئة قد أدركته، فكان يدور على البيوت يتكفف وإذا قال: أنا سليمان.

حثوا عليه التراب وسبوه فمكث على ذلك أربعين يوماً عدد ما عبد الوثن في بيته.

وكان ذلك الشيطان يقضي بين الناس ويتمكن من جميع ملكه إلا نساءه.

وقيل: من جميع ملكه ونسائه وما يدع امرأة في دمها ولا يغتسل من جنابة، فلما أراد الله أن يرد الملك إليه أنكر علماء بني إسرائيل قضية قضاها الشيطان فأحضروا التوراة، فلما قرؤها فرّ الشيطان وألقى الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فصادها صائد ووهبها لسليمان وأعطاها على أجره عمله يوماً فأخرج من بطنها الخاتم ﴿ ثم أناب ﴾ أي رجع على ملكه أو ثاب ووقع ساجداً.

ثم إن سليمان ظفر بالشيطان فجعله في تابوت وسده بالنحاس وألقاه في البحر.

والعلماء المتقنون أبوا قبول هذه الرواية وقالوا: إنها من أباطيل اليهود، والشياطين لا يتمكنون من مثل هذه الأفاعيل وإلا ارتفع الأمان عن الشرائع والأديان، وكيف يسلطهم الله على آحاد عباده فضلاً عن أنبيائه حتى يغيروا أحكامهم ويفجروا بنسائهم.

وأما اتخاذ التماثيل فيجوز أن تختلف فيه الشرائع والسجود للصورة إذا كان بغير إذنه فلا عتب عليه.

وحكى الثعلبي هذه القصة بوجه أقرب إلى القبول وهو أن سليمان لما افتتن بأخذ التمثال في بيته سقط الخاتم من يده فأخذه سليمان فأعاده إلى يده فسقط، فلما رآه لا يثبت في اليد أيقن بالفتنة فقال له آصف: إنك لمفتون فتب إلى الله واشتغل بالعبادة وأنا أقوم مقامك إلى أن يتوب الله عليك.

فقام آصف في ملكه أربعة عشر يوماً وهو الجسد الذي ألقي على كرسيه، فردّ الله إليه ملكه وأثبت الخاتم في يده.

وعن سعيد بن المسيب أن سليمان احتجب عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله إليه: يا سليمان احتجبت عن عبادي وما أنصفت مظلوماً عن ظالم، ثم ذكر القصة وأخذ الشيطان الخاتم ورجوعه إليه.

ثم حكى الله  أن سليمان قال ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً ﴾ قدم المغفرة على طلب الملك كما هو دأب الصالحين تقديماً لأمر الدين على أمر الدنيا، ولأن الاستغفار يجر الرزق فإن الإنسان قلما ينفك عن ترك الأولى فإذا زال عنه شؤم ذلك ببركة الاستغفار انفتح عليه أبواب الخيرات.

والذين حملوا الفتنة على صدور الذنب عنه فوجوب الاستغفار عندهم واضح وحملوا قوله ﴿ لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ على أنه سأل ملكاً لا يقدر الشيطان على أن تقوم مقامه.

والأوّلون ذهبوا إلى أنه لم يقل ذلك حسداً وإنما قصد به أن يكون معجزة له، ومن شرط المعجز أن لا يقدر غيره على معارضته ولا سيما أمته الذين بعث إليهم ولهذا قال بعضهم: أراد غيري ممن بعثت إليهم ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة.

وحقيقة لا ينبغي لا ينفعل من بغيت الشيء طلبته أي لا يصير مطلوباً لأنه سماوي فوق طوق البشر، أو قصد أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق فإذا كان ملكه آية كان ثوابه على الصبر عنه غاية ونهاية، أو أراد أن يظهر للخلق أن حصول الدنيا لا يمنع من خدمة المولى، وأن ملك سليمان إذا كان عرضة للفناء فالأولى بالعاقل أن يشتغل بالعبودية ولا يلتفت إلى الدنيا وما فيها.

وقيل: إنه لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا زائلة منتقلة إلى الغير بإرث ونحوه فطلب ملكاً لا يتصور انتقاله إلى الغير وهو ملك الدين والحكمة.

وقال أهل البيان: لم يقصد بذلك إلا عظم الملك وسعته كما تقول لفلان: ما ليس لأحد من الفضل والمال.

وربما كان للناس أمثال ذلك.

والأقوى هو الأوّل بدليل قوله عقيبه ﴿ فسخرنا له الريح ﴾ ﴿ والشياطين ﴾ .

ولا ريب أن هذا معجزة وملك عجيب دال على نبوّته ويؤيده ما جاء في الحديث "أردت أن أربطه - يعني الشيطان - على سارية من سواري المسجد إلا أني تذكرت دعوة أخي سليمان" والضمير في ﴿ بأمره ﴾ لسليمان.

وقيل: لله.

والرخاء الرخوة اللينة ولا ينافي هذا وصفها بالعصوف في الأنبياء فلعلها تختلف باختلاف الأحوال والأوقات، أو هي طيبة في نفسها ولكنها عاصفة بالإضافة إلى الرياح المعهودة.

ومعنى أصاب قصد واراد من إصابة السهم.

وقوله ﴿ والشياطين ﴾ معطوف على ﴿ الريح ﴾ وقوله ﴿ كل بناء وغواص ﴾ بدل الكل من الشياطين.

كانوا يبنون لأجله الأبنية الرفيعة ويستخرجون اللؤلؤ من البحر وهو أوّل من استخراج الدر من البحر ﴿ وآخرين ﴾ عطف على الشياطين أو على كل داخل في حكم البدل، وكان يقرن مردة الشياطين بعضهم مع بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد.

والصفد القيد والعطاء لأنه ارتباط للمنعم عليه ومنه قول عليّ  : من برك فقد أسرك *** ومن جفاك فقد أطلقك وقيل: حقيقته التفويض على الخير والشر.

قال الجبائي: إن الشيطان كان كثيف الجسم في زمن سليمان ويشاهده الناس.

ثم إنه لما توفي سليمان أمات الله ذلك الجنس وخلق نوعاً آخر لطيف الجسم بحيث لا يرى ولا يقوى على الأعمال الشاقة.

قلت: هذا إخبار بالغيب إلا أن تكون رواية صحيحة.

ولم لا يجوز أن تكون أجسامهم لطيفة بمعنى عدم اللون ولكنها صلبة بمعنى أنها لا تقبل التمزق والتفرق.

﴿ هذا عطاؤنا ﴾ أي قلنا لسيلمان هذا الملك عطاؤنا والإضافة للتعظيم.

وقوله: ﴿ بغير حساب ﴾ يتعلق بالعطاء يعني أنه جم كثير لا يدخل تحت الضبط والحصر فأعط منه ما شئت أو أمسك مفوّضاً إليك زمام التصرف فيه.

ويجوز أن يتعلق بالأمرين أي ليس عليك في ذلك حرج ولا تحاسب على ما تعطي وتمنع يوم القيامة.

عن الحسن: أن الله لم يعط أحداً عطية إلا جعل عليه فيها حساباً سوى سليمان فإنه أعطاه عطية هنيئة إن أعطى أجر وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة.

ويحتمل أن يراد هذا التسخير تسخير الشياطين عطاؤنا فامنن على من شئت منهم الإطلاق، أو أمسك منشئت منهم بالوثاق، فأنت في سعة من ذلك لا تحاسب في إطلاق من أطلقت وحبس من حبست وحين فرغ من تعداد النعم الدنيوية أردفه بما أنعم به عليه في الآخرة قائلاً: ﴿ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ﴾ كما في قصة داود وفيه أن ثوابه كفء ثواب أبيه كما أن سيرته سيرة أبيه.

التأويل بصاد صمديته في الأزل وصانعيته في الوسط وصبوريته إلى الأبد.

أقسم بالقرآن ذي الذكر لأن القرآن قانون معالجات القلوب وأعظم مرض القلب من نسيان الله فأعظم علاجه ذكر الله.

ثم أشار غلى انحراف مزاج الكفار بمرض نسيان الله من اللين والسلامة إلىالغلظ والقساوة، ومن التواضع إلى التكبر، ومن الوفاق إلى الخلاف، ومن التصديق إلى التكذيب، ومن التوحيد غلى تكثير الآلهة.

وفي قوله ﴿ واصبروا على آلهتكم ﴾ إشارة إلى أن الكفار إذا تواصوا فيما بينهم بالصير والثبات فالمؤمنون أولى بالثبات على قدم الصدق في طلب المحبوب الحقيقي ﴿ إن هذا لشيء يراد ﴾ في الأزل من المقبول والمردود.

﴿ بل لما يذوقوا عذاب ﴾ لأنهم في النوم فإذا ماتوا انتبهوا وأحسوا بالألم فعاينوا الأمر حين لا ينفع العيان، ويزول الشك في يوم لا يجدي البرهان.

﴿ عجل لنا قطنا ﴾ النفوس الخبيثة تميل بطبعها إلى السفليات العاجلة كما أن النفوس الكريمة تميل بطبعها إلى العلويات الباقية، ولكل من الصنفين جذبة بالخاصية إلى شكله كجذب المغناطيس الحديد.

﴿ له تسع وتسعون نعجة ﴾ هن آثار فيوض الصفات الربانية بحسب الأسماء التسعة والتسعين، فلكل منها مظهر في عالم الملك والخلق ﴿ ولي نعجة واحدة ﴾ هو ذات الله وحده ﴿ فقال أكفلنيها ﴾ أي صيرني أجمع بين الله وبين ما سواه.

ثم ههنا أسار كثيرة تفهمها إن شاء الله.

﴿ وظن داود أنما فتناه ﴾ امتحناه بالجمع بين الدين والدنيا ﴿ فاستغفر ﴾ للحق ﴿ ربه ﴾ ﴿ راكعاً وأناب ﴾ إلى الله معرضاً عما سواه.

وهذا التأويل مما خطر ببالي أرجو أن يكون مضاهياً للحق: ﴿ إنا جعلناك خليفة ﴾ فيه أن الخلافة عطاء من الله وأنها مخصوصة بالإنسان خلق مستعدّاً لها بالقوة، وفيه أن الجعلية تتعلق بعالم المعنى كما أن الخلقية تتعلق بعالم المعنى كما أن الخلقية تتعلق بعالم الصورة.

﴿ الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور  ﴾ ﴿ فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ ووجه الخلافة هو أن الروح الإنساني أوّل فيض بذاته وصفاته فذاته من ذات الله بلا واسطة، وصفاته من صفاته بلا واسطة فخلق لخليفة منزلاً صالحاً وهو قالبه، وأعد له عرشاً هو القلب ليكون محل استوائه، ونصب له خادماً وهو النفس، فلو بقي الإنسان على فطرة الله لكان روحه مستفيضاً من الله  فائضاً لخلافة الحق على عرش القلب، والقلب فائض لخلافة الروح على خادمه النفس، والنفس فائضه لخلافة القلب على القالب، والقالب فائض لخلافة النفس على الدنيا، وهي أرض الله فلا يجري شيء من الأمور إلا على نهج الحق.

﴿ ووهبنا لداود ﴾ الروح ﴿ سليمان ﴾ اقلب ﴿ إذ عرض عليه بالعشي ﴾ وهو بعد زوال شمس التجلي ﴿ الصافنات الجياد ﴾ وهي مركب الصفات البشرية.

وفي قوله ﴿ فطفق مسحاً ﴾ إشارة إلى أن كل محبوب سوى الله إذا حجبك عنه لحظة يلزمك أن تقتله بسيف "لا إله إلا الله" وإليه الإشارة بقوله ثانياً ﴿ ولقد فتنا سليمان والقينا على كرسيه ﴾ صدره شيئاً من الشهوات الجسدانية فافتتن به فتاب ورجع إلى الحضرة.

فإن قيل: قوله ﴿ لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ هل يتناول نبينا  ؟

قلنا: يتناوله بالصورة لا بالمعنى: فإن الذي كان مطلوب سليمان من تزكية النفس عن محبة الدنيا مع القدرة عليها، ومن تحلية القلوب بعلوّ الهمة وبذل المال والجاه وإفشاء العدل والنصفة وغير ذلك كان حاصلاً للنبي  من غير زحمة مباشرة صورة الملك والافتنان به عزة ودلالاً ولهذا قال في حديث تسلطه على الشيطان "ذكرت دعوة أخي سليمان فتركته" وكان يعرض عليه مقاليد الخزائن فيقول: "الفقر فخري" على أن صورة الملك أيضاً مما سيحصل لبعض أمته كما قال "وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها" <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ صۤ ﴾ لنا هو اسم تلك السورة التي ذكر، وكذلك قوله: ﴿ قۤ وَٱلْقُرْآنِ  ﴾ وكذلك جميع الحروف المقطعات، ولله أن يسمي ما شاء بما شاء وبأي اسم شاء.

وقال بعضهم لنا: هو أسماء الرب، تبارك وتعالى.

وقال بعضهم لنا: هو فواتح السورة، وقد ذكرنا أنه يفسره ما ذكر على أثره، وقد ذكرنا في غير موضع ما قيل في الحروف المقطعة.

وقال بعضهم: صاد، أي: عارض بالقرآن.

قال أبو عبيدة: صاد: من المصاداة.

وقال الزجاج: صاد بالقرآن، أي: قاتل به، وحارب بالقرآن.

وقال بعضهم: صاد بالقرآن، أي: ناد بالقرآن.

وقيل: أقبل بالقرآن ونحوه، والله أعلم.

وقال بعضهم: هو قسم أقسم بقوله: ﴿ وَٱلْقُرْآنِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذِي ٱلذِّكْرِ ﴾ .

يحتمل ذي الشرف، سماه ذكرا؛ لأن كل شريف يذكر في كل ملأ من الخلق، أو سماه: ذكراً؛ لما يذكرهم كل ما لهم وما عليهم وما يؤتى وما يذر، والله أعلم.

وقال بعضهم: ذي البيان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ .

"ذكر أن أبا طالب كان مريضاً فجاءه النبي  يعوده وعند رأسه مقعد رجل، فقال أبو جهل، فجلس فيه وعنده ملأ من قريش، فشكوا النبي  إلى أبي طالب، فقالوا: إنه يقع في آلهتنا، قال: يا بن أخي، ما تريد منهم؟

قال: يا عم، إني أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب ويؤدي إليهم بها العجم الجزية، قال: وما هي؟

قال: لا إله إلا الله، فقال أبو جهل: أجعل الآلهة إلهاً واحداً" ، بذلك أخبرهم "العزة" التي ذكر حيث قال: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ .

وقوله: ﴿ فِي عِزَّةٍ ﴾ .

قال بعضهم: منعة معاندين ممتنعين.

وقال بعضهم: ﴿ فِي عِزَّةٍ ﴾ في حمية واعتزاز، والحمية هي التي تحمل على الخلاف والمعصية، والله أعلم.

ثم اختلف في موضع القسم هاهنا: قال بعضهم: القسم في قوله: ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ قيل: في قوله: ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ﴾ بوجهين: أحدهما: أن هذا في كل كافر ومشرك ينادي عند موته وهلاكه، ويسأل ربه الرجوع والعود إلى الدنيا ليؤمن؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا...

﴾ \[المؤمنون: 99-100\] ﴿ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ الآية [المنافقون: 10] ونحوه، لكن لم ينفع ذلك النداء والغوث والسؤال التأخير على ما أخبر أنه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.

ومنهم من يقول: هذا في الجملة في الأمم التي أهلكت من قبل واستؤصلت بالتكذيب والعناد، كانوا ينادون عند نزول ذلك بهم ووقوعه عليهم، ويسألون الغوث ويظهرون الإيمان؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ  ﴾ لكن لا ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت على ما أخبر الله - عز وجل - لأنه إيمان دفع العذاب واضطرار لا إيمان اختيار، يخوف بهذا أهل مكة أن ينزل بهم ما نزل بأولئك ويندمون على صنيعهم كما ندم أولئك، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ هو في الأصل (ولاه)، فإذا وصل بـ (حين) صارت (ولات) كأنه يمين، أي: والله، وهو قول الكسائي.

وقال بعضهم: هو (ولا) وليس هنالك تاء وإنما التاء في (حين)، أي: (تحين)، وربما يزاد التاء في (حين) و(لا).

وقال بعضهم: (ولات) بالتاء، وقد قرئ بالتاء والوقف عليها.

[و] قوله: ﴿ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ ابن عباس -  - يقول: "ليس بحين تزور ولا فرار".

وقال بعضهم: ليس بحين مغاث.

وقيل: ليس بحين جزع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ  ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: ﴿ وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ ﴾ أي: من بشر مثلهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴾ \[المؤمنون: 33\]، وقولهم: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً  ﴾ كانوا ينكرون الرسالة في البشر ويقولون: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ  ﴾ .

والثاني: ﴿ بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ  ﴾ أي: من دونهم في أمر الدنيا، لما رأوا أنفسهم قد فضلوا في أمر الدنيا دونه، فقالوا: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ﴾ ، وقالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ لم يروا من دونهم في أمر الدنيا [أهلاً لذلك] على ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴾ .

دل هذا القول منهم: أنه قد كان من رسول الله  أنه معجزة أتى بها حتى قالوا: ﴿ سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴾ ، علموا أنه رسول الله، لكنهم عاندوا وأرادوا بقولهم: ﴿ سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴾ أن يغووا أتباعهم عليه، كما أغوى فرعون قومه على موسى -  - حيث قال: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ  ﴾ وهو -  - لم يرد أن يخرجهم من أرضهم، إنما يريد الإسلام منهم؛ فعلى ذلك هؤلاء الرؤساء عرفوا أنه ليس بساحر ولكنه رسول الله  ، ولكن أرادوا أن يغووا قومهم وأتباعهم عليه ولبسوا أمره عليهم؛ لئلا يتبعوه، وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ هذا القول من الرؤساء والمتبوعين منهم إغواء عليه لما عرفوا من خبر عبادة الأصنام والأوثان في قلوبهم، فقالوا: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ ﴾ قال بعضهم: إن الملأ منهم والأتباع، أتوا أبا طالب يشكون رسول الله  فيما يذكر آلهتهم بسوء، فلما كلموه في ذلك لم يلتئم أمرهم فيما طمعوا منه ولم يجبهم إلى ما دعوه إليه وسألوه، فقال الملأ وهو أشرافهم للأتباع: امشوا من عنده واصبروا على عبادة آلهتكم.

أو أن يقال: أن قال الملأ للأتباع: ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ ﴾ إلى آلهتكم ﴿ وَاْصْبِرُواْ ﴾ على عبادتها.

أو أن يكون قولهم لهم: ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ ﴾ إلى أبي طالب وقولوا له كذا ﴿ وَاْصْبِرُواْ ﴾ على كذا.

أو يقولون: امشوا إلى رسول الله  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾ .

لسنا ندري ما أرادوا بقولهم: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾ ، فجائز أن يكونوا أرادوا بذلك أن محمداً  وإن دعاكم إلى ترك عبادة الأصنام لا يترككم كذلك، ولكن يدعوكم إلى عبادة غيرها، أو يطلب منكم أشياء أحوالا، أو أشياء أرادوا لسنا نعرف ما أرادوا بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ ﴾ .

قال بعضهم: الملة الآخرة: هي ملة عيسى -  - قالوا ذلك؛ لأن النصارى اختلفوا في عيسى -  - منهم من اتخذه إلهاً، ومنهم من اتخذه ولداً لله - عز وجل - فيقولون: عبادة الواحد الذي يدعو إليه محمد  في الملة الآخرة وهي النصرانية إذ من صيره إلها عنده ومن قال: إنه صيره بحيث يحتمل الشريك؟!

فيقولون: ظهرت عبادة العدد من الملة الآخرة فكيف يمنعنا محمد - عليه الصلاة والسلام - عن عبادة العدد ويدعونا إلى عبادة الواحد؟!

وقال بعضهم في قوله: ﴿ فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ ﴾ : هي الحال التي كانوا عليها يقولون: ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ ﴾ التي نحن عليها وكان آباؤنا عليها لا على عبادة الواحد، يقولون: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ ﴾ من عند محمد  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ﴾ .

يدل على أنهم قد رأوا أن من أنزل عليه الذكر من السماء إنما ينزل لفضل وخصوصية، لكن إنما رأوا الفضل والخصوصية لأنفسهم؛ لما لهم الفضل في الدنيا؛ فلم يروا ذلك لرسول الله  ؛ لذلك أنكروا إنزال الذكر عليه دونهم؛ ولذلك قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ﴾ .

ثم أخبر - عز وجل - أنهم شاكون في ذكره، حيث قال: ﴿ بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي ﴾ .

وتأويل هذا - والله أعلم -: أن الشك هو الذي لا يوجب القطع على شيء بل يوجب الوقف فبطل القطع على شيء، فكيف قطعتم علي الرد والإنكار دون أن تقفوا فيه؟!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ﴾ .

ثم يحتمل أن يكون هذا على الإخبار عن الإياس من إيمانهم أنهم لا [يؤمنون حتى] يذوقوا العذاب؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ  وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ  ﴾ .

وقال مقاتل: اللام زائدة كأنه قال: ﴿ بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ﴾ يذكر سفههم في ردهم الذكر وتكذيبهم إياه على الشك منهم، والشك يوجب الوقف في الشيء لا القطع في الرد والتكذيب له.

ثم فيه الدلالة على أن الحجج والبراهين قد تلزم من جهلها ولم تتحقق عنده إذا كانت يسهل التحقق منها والوقوف عليها بالتأمل والنظر فيها وإن كانت لم تتحقق عنده بالبديهة وعند قرعها سمعه؛ فهو حجة لقول علمائنا: إن من أسلم في دار الإسلام ولم يعلم أن عليه الشرائع والأحكام كان مأخوذاً بها غير معذور في جهله فيها؛ لأنها يسهل ما يوصل إليها بالسؤال والبحث عنها والفحص منها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

﴿ ص ﴾ تقدم الكلام على نظائرها من الحروف المقطعة في بداية سورة البقرة.

أقسم بالقرآن المشتمل على تذكير الناس بما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم، ليس الأمر كما يظنه المشركون من وجود شركاء مع الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.pBrnp"

مزيد من التفاسير لسورة ص

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.3 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
الحمد لله