الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع الجنايات فيما دون النفس
مسائلُ فقهيةٌ في أنواع الجنايات فيما دون النفس على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 28 دقيقة قراءةولنا: إنَّ الشلَّاءَ لا نفْعَ فيها سِوى الجَمالِ، فلا يُؤخذُ بها ما فيه نَفعٌ كالصَّحيحةِ لا تُؤخذُ بالقائِمةِ، وما ذُكرَ له قياسٌ وهو لا يَقولُ بالقِياسِ، وإذا لم نُوجبِ القِصاصَ في العَينينِ مع قَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] لأجلِ تَفاوُتِهما في الصِّحةِ والعَمى فلَأنْ لا يَجبَ ذلكَ فيما لا نَصَّ فيه أَولى (١).
أنواعُ الجِناياتِ فيما دُونَ النَّفسِ:
أنواعُ الجِناياتِ فيما دُونَ النَّفسِ ثَلاثةٌ: جُرحٌ يشقُّ، وقَطعٌ يُبينُ، وإزالةُ مَنفعةٍ بلا شَقٍّ ولا إبانةٍ.
النَّوعُ الأولُ: الجُرحُ:
وهو ضَربانِ:
الضَّربُ الأولُ: الجُرحُ الواقِعُ على الرَّأسِ والوَجهِ، وتُسمَّى الشِّجاجَ:
جِراحُ الوَجهِ والرَّأسِ يُسمَّى شِجاجًا، وهي جُرحٌ فِيهما، أمَّا في غَيرِهما فيُسمَّى جُرحًا لا شَجَّةً، وهي عَشرةٌ:
إحداها: الحارِصةُ: وهي ما شَقَّ الجِلدَ قَليلًا كالخَدشِ.
وهذهِ لا قِصاصَ فيها عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنه جُرحٌ لم يَرِدِ الشرعُ فيه بتَوقيتٍ، ولأنه لا يُؤمَنُ الزيادةُ والنُّقصانُ في طُولِ الجِراحةِ وعَرضِها، ولا يُوثقُ باستِيفاءِ المِثلِ، ولذلكَ لا يَجبُ القِصاصُ في كَسرِ العِظامِ.
(١) «المغني» (٨/ ٢٧٢).
وفيها حُكومةُ عَدلٍ عندَ الحَنفيةِ والحَنابلةِ؛ لأنه ليسَ فيها أرشٌ مُقدَّرٌ مِنْ جِهةِ السَّمعِ، ولا يُمكنُ إهدارُها، فيَجبُ فيها حُكومةُ عَدلٍ.
وقالَ الشافِعيةُ: إنْ عُرِفتْ نِسبتُها مِنْ المُوضِحةِ وجَبَ قِسطٌ مِنْ أرشِها بالنِّسبةِ، وإنْ لم تُعرَفْ نِسبتُه منها فحُكومةٌ لا تَبلغُ أرشَ مُوضِحةٍ كجُرحِ سائرِ البَدنِ.
تَفسيرُ الحُكومةِ: أنْ يُقوَّمَ لو كانَ مَملوكًا وليسَ به هذه الشَّجةُ، ويُقوَّمَ وهي به، ثُمَّ يُنظرُ كم نقَصَ ذلكَ مِنْ قِيمةِ العَبدِ، فيَجبُ ذلكَ القَدرُ مِنْ دِيةِ الحُرِّ، فإنْ كانَ نِصفَ عُشرِ القِيمةِ يَجبُ نِصفُ عُشرِ الدِّيةِ، وإنْ كانَ رُبعَ عُشرٍ فرُبعُ عُشرٍ.
وقالَ المالِكيةُ: فيها القِصاصُ.
الثانيةُ: الدَّامِيَةُ: وهي التي تَدمِي مَوضعَها مِنْ الشقِّ والخَدشِ مِنْ غيرِ سَيَلانِ دمٍ.
وهي على نَفسِ الخِلافِ السابقِ، لا يَجبُ فيها القُصاصُ عندَ الجُمهورِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، وفيها القِصاصُ عندَ المالِكيةِ.
الثالثةُ: الباضِعةُ: وهي التي تَقطعُ- أي: تَشقُّ- اللَّحمَ الذي بعدَ الجِلدِ شَقًّا خَفيفًا، مِنْ البَضعِ، وهو القَطعُ.
وهي على نَفسِ الخِلافِ السابقِ، لا يَجبُ فيها القُصاصُ عندَ الجُمهورِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، وفيها القِصاصُ عندَ المالِكيةِ.
الرابعةُ: المُتَلاحِمةُ: وهي التي تَغوصُ في اللحمِ ولا تَبلغُ الجِلدةَ التي
بينَ اللحمِ والعَظمِ، وهي التي يَبقَى بينَها وبينَ العَظمِ سِتْرٌ رَقيقٌ، سُمِّيتْ بذلكَ تَفاؤلًا بما تَؤولُ إليه مِنْ الالتِحامِ، وتُسمَّى أيضًا المُلاحِمةَ.
وهي على نَفسِ الخِلافِ السابقِ، لا يَجبُ فيها القُصاصُ عندَ الجُمهورِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، وفيها القِصاصُ عندَ المالِكيةِ.
الخامِسةُ: السِمحَاقُ: وهي التي تَبلغُ الجِلدةَ التي بينَ اللَّحمِ والعَظمِ، سُمِّيتْ بذلكَ لأنَّ تلكَ الجِلدةَ يُقالَ لها: سِمحاقُ الرَّأسِ، مَأخوذةٌ مِنْ سَماحيقِ البَطنِ، وهي الشَّحمُ الرَّقيقُ.
وهي على نَفسِ الخِلافِ السابقِ، لا يَجبُ فيها القُصاصُ عندَ الجُمهورِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، وفيها القِصاصُ عندَ المالِكيةِ.
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّ الجُروحَ قِصاصٌ في كلِّ ما يَتأتَّى فيه القِصاصُ، ومِن الجُروحِ التي لا يَتأتَّى فيها:
الخارِصةُ: وهي التي تَشقُّ الجِلدَ قَليلًا، وقيلَ: بل تَكشطُه، ومنه قَولُهم: خرَصَ القصَّارُ الثَّوبَ، أي شَقَّه، وتُسمَّى القاشِرةَ، وتُسمَّى المَلطاءَ.
ثم الباضِعةُ: وهي التي تَشقُّ اللَّحمَ بعدَ الجِلدِ.
ثم البازِلةُ: وهي التي تُنزلُ الدمَ، وتُسمَّى الدامِيةَ والدامِغةَ.
والمُتلاحِمةُ: وهي التي تَغوصُ في اللَّحمِ.
والسِّمحاقُ: وهي التي تَبقَى بينَها وبينَ العَظمِ جِلدةٌ رَقيقةٌ.
فهذه الجِراحُ الخَمسُ ليسَ فيها تَقديرٌ شَرعيٌّ بإجماعِ الأئمَّةِ الأربَعةِ المَذكورينَ، إلا ما رُويَ عن أحمَدَ مِنْ أنه ذهَبَ إلى حُكمِ زَيدٍ في ذلكَ،
وهو «أنَّ زَيدًا حكَمَ في الدامِغةِ ببَعيرٍ، وفي الباضِعةِ ببَعيرينِ، وفي المُتلاحِمةِ بثَلاثِ أبعِرةٍ، وفي السِّمحاقِ بأربَعةِ أبعِرةٍ»، قالَ أحمَدُ: فأنا أذهَبُ إليه، وهذه رِوايةُ أبي طالبٍ المِشكاتِيِّ عن أحمَدَ، والظاهِرُ مِنْ مَذهبِه أنه لا مُقدَّرَ فيها كالجماعةِ.
وأجمَعُوا على أنَّ في كلِّ واحدٍ منها حُكومةٌ بعدَ الاندمالِ، والحُكومةُ أنْ يُقوَّمَ المجنيُّ عليهِ قبلَ الجنايِة كأنه كانَ عَبدًا، ويقالَ: كَمْ قِيمتُه قبلَ الجِنايةِ؟ وكم قِيمتُه بعدَها؟ فيَكونُ له بقَدرِ التفاوُتِ مِنْ دِيتِه.
ثم اختَلفُوا في هذه الجِراحِ الخَمسِ التي فيها الحُكومةُ إذا بلَغَتْ مِقدارًا زائِدًا على ما فيهِ التَّوقيتُ، هل يُؤخذُ مِقدارُ التَّوقيتِ أو دُونُه؟
فقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: إذا بلَغَتِ الحدَّ المُؤقَّتَ فلا تُبلَغُ بها إليه في الارشِ، بل تُنقَصُ منه.
وقالَ مالكٌ: يُبلغُ بها إليهِ إذا بلَغَتْه ويُزادُ على أرشِ المُؤقَّتِ إنْ زادَتْ هي عليهِ مِندملةً على شَيئينِ.
وقالَ أحمَدُ: لا يُجاوَزُ بشَيءٍ مِنْ ذلكَ أرشُ المُؤقَّتِ، رِوايةً واحِدةً، وهل يُبلغُ بها أرشُ المؤقَّتِ؟ على رِوايتينِ:
إحداهُما: لا يُبلغُ بها أرشُ المؤقَّتِ، وهي المَذهبُ.
والأخرَى: يُبلغُ بها، والمُؤقَّتُ هو المُوضِحةُ (١).
(١) «الإفصاح» (٢/ ٢٣٥، ٢٣٦).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: قالَ مالكٌ: الأمرُ عِندَنا أنه ليسَ فيما دُونَ المُوضِحةِ مِنْ الشِّجاجِ عَقلٌ حتى تَبلغَ المُوضحةَ، وإنما العَقلُ في المُوضحةِ فما فوقَها؛ وذلكَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ انتهَى إلى المُوضحةِ في كِتابِه لعَمرِو بنِ حَزمٍ، فجعَلَ فيه خَمسًا مِنْ الإبلِ، ولم تَقْضِ الأئمَّةُ في القَديمِ ولا في الحَديثِ فيما دُونَ المُوضحةِ بعَقلٍ مُسمًّى.
قالَ أبو عُمرَ: قولُه: إنه ليسَ فيما دُونَ المُوضحةِ عَقلٌ مُسمًّى، وإنما فيهِ حُكومةٌ يَجتهدُ فيها الحاكِمُ، وهو قَولُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وقَولُ أكثرِ العُلماءِ (١).
السادِسةُ: المُوضِحَة: وهي التي تُوضِحُ العَظمَ، أي تُبيِّنُه، وفيها القِصاصُ إذا كانَتْ عَمدًا باتِّفاقِ المَذاهبِ.
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: فأما المُوضِحةُ وهي التي تُوضِحُ عن العَظمِ وفي مُوضحةِ الوَجهِ ففي أيِّ مَوضعٍ كانَتْ مِنْ الوَجهِ فيها خَمسٌ مِنْ الإبلِ عندَ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وأحمدَ في إحدَى رِوايتيهِ، والأخرَى: أنَّ فيها عَشرًا مِنْ الإبلِ.
وقالَ مالِكٌ: في مُوضِحةِ الأنفِ واللِّحى والأسفلِ حُكومةٌ خاصَّةٌ، وباقي المَواضعُ فيها خَمسٌ مِنْ الإبلِ.
فإن كانَتِ المُوضحةُ في الرَّأسِ فهل هي بمَنزلةِ المُوضِحةِ في الوَجهِ أم لا؟ قالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ: هي بمَنزلتِها، وعن أحمَدَ رِوايتانِ:
(١) «الاستذكار» (٨/ ٩٦).
إحداهُما: هي بمَنزلتِها، والأخرَى: إذا كانَت في الوجهِ ففيها عَشرٌ، وإذا كانَتْ في الرأسِ ففيها خَمسٌ.
وأجمَعُوا على أنَّ المُوضحةَ فيها القِصاصُ إذا كانَت عَمدًا (١).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأما الشِّجاجُ فلا خِلافَ في أنَّ المُوضِحةَ فيها القِصاصُ؛ لعُمومِ قولِه ﷾: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، إلا ما خُصَّ بدَليلٍ، ولأنه يُمكِنُ استيفاءُ القِصاصِ فيها على سَبيلِ المُماثلةِ؛ لأنَّ لها حدًّا تَنتهي إليه السكِّينُ وهو العَظمُ (٢).
ولأنَّ المُماثَلةَ فيها مُمكِنةٌ، بأنْ تَنتهيَ السِّكينُ إلى العَظمِ فيَتساوَيانِ، ولا تَكونُ المُوضحةُ إلَّا في الرَّأسِ والوجهٍ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: الجُرحُ الذي يُمكنُ استيفاؤُه مِنْ غيرِ زيادةٍ هو كلُّ جُرحٍ يَنتهي إلى عَظمٍ كالمُوضِحةِ في الرأسِ والوَجهِ، ولا نَعلمُ في جَوازِ القِصاصِ في المُوضحةِ خِلافًا، وهي كلُّ جُرحٍ يَنتهي إلى العَظمِ في الرأسِ والوَجهِ؛ وذلكَ لأنَّ اللهَ تعالَى أوجَبَ القِصاصَ في الجُروحِ، فلو لم يَجبْ هاهُنا لَسقَطَ حُكمُ الآيةِ، وفي معنَى المُوضحةِ كلُّ جُرحٍ يَنتهي إلى عَظمٍ فيما سِوى الرأسِ والوجهِ، كالسَّاعدِ والعَضدِ والساقِ والفخذِ في قَولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، وهو مَنصوصُ الشافِعيِّ.
(١) «الإفصاح» (٢/ ٢٣٧).
(٢) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٠٩).
وقالَ بعضُ أصحابِه: «لا قِصاصَ فيها؛ لأنه لا يُقدَّرُ فيها»، وليسَ بصَحيحٍ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنه أمكَنَ استيفاؤُها بغيرِ حَيفٍ ولا زِيادةٍ؛ لانتِهائِها إلى عَظمٍ، فهي كالمُوضحةِ، والتقديرُ في المُوضحةِ ليس هو المُقتضي للقِصاصِ ولا عَدمُه مانِعًا، وإنما كانَ التقديرُ في المُوضحةِ لكَثرةِ شَينِها وشَرفِ مَحلِّها، ولهذا ما قُدِّرَ ما فوقَها مِنْ شِجاجِ الرأسِ والوجهِ، ولا قِصاصَ فيه، وكذلكَ الجائفةُ أرشُها مُقدَّرٌ لا قِصاصَ فيه (١).
وقالَ أيضًا: فإنْ كانَ مِنْ غيرِ مَفصلٍ فلا قِصاصَ فيه مِنْ مَوضعِ القَطعِ بغيرِ خِلافٍ نَعلمُه، وقد رَوى نَمرُ بنُ جابرٍ عن أبيه «أنَّ رَجلًا ضرَبَ رَجلًا على ساعِدِه بالسيفِ فقطَعَها مِنْ غيرِ مَفصلٍ، فاستَعدَى عليهِ النبيَّ ﷺ، فأمَرَ له بالدِّيةِ، قالَ: إني أريدُ القِصاصَ، قالَ: خُذِ الديَةَ بارَكَ اللهُ لكَ فيها، ولم يَقْضِ له بالقِصاصِ» (٢) رواهُ ابنُ ماجَه (٣).
وفيها نِصفُ عُشرِ دِيةِ صاحِبها، ففيها لحُرِّ ذَكرٍ مُسلمٍ غيرِ جَنينٍ خَمسةُ أبعِرةٍ، فتُراعَى هذه النِّسبةُ في حَقِّ غَيرِه مِنْ المَرأةِ والكِتابيِّ وغيرِهما، ويَجبُ ذلكَ على العاقِلةِ في الخطأِ، وإنْ أدَّى مِنْ الإبلِ أدَّى في مُوضِحةِ
(١) «المغني» (٨/ ٢٥٢).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه (٢٦٣٦).
(٣) «المغني» (٨/ ٢٥٥).
الرَّجلِ خَمسًا مِنْ الإبلِ، وفي المَرأةِ نِصفَ ذلكَ؛ لأنَّ في كِتابِ عَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي المُوضِحةِ خَمسٌ مِنْ الإبلِ» (١).
قالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ في المُوضِحةِ خَمسًا مِنْ الإبلِ.
وأجمَعوا على أنَّ المُوضحةَ تَكونُ في الرأسِ والوجهِ (٢).
السابِعةُ: الهاشِمةُ: وهي التي تَهشِمُ العَظمَ-أي: تَكسرُه-، سَواءٌ أوضَحَتْه أم لا.
والهاشِمةُ لا قِصاصَ فيها عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ؛ لأنه ليسَ لها حَدٌّ تنتهي إليه، ولا يُمكنُ الاستيفاءُ مِنْ غيرِ حَيفٍ.
ونَصَّ الشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ له أنْ يَقتصَّ مُوضِحةً بدَلًا عنها، ويجبُ له إذا اقتَصَّ مُوضحةً ما بينَ ديَةِ المُوضحةِ وبينَ ديةِ الهاشمةِ.
والهاشِمةُ فيها عُشرُ الدِّيةِ، وهو مِنْ الدَّراهمِ ألفُ دِرهمٍ، ومِن الإبلِ عَشرٌ، وفي المَرأةِ نِصفُ ذلكَ إذا أوضِحَتْ، وقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: بدُونِ إيضاحٍ فيها خَمسةُ أبعِرةٍ.
وفي رِوايةٍ للحنابلةِ: فيها حُكومةٌ.
وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأما الهاشِمةُ وهي التي تَكسرُ العَظمَ وتَهشِمُه، فقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمَدُ: فيها عَشرٌ مِنْ الإبلِ.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (٤٨٥٣).
(٢) «الإجماع» (٦٧١، ٦٧٢).
واختُلفَ عن مالكٍ، فقالَ في رِوايةٍ عنه: لا أعرِفُ الهاشِمةَ، فإذا أوضَحَ وهشَمَ فعَليهِ في الإيضاحِ خَمسٌ مِنْ الإبلِ، وفي الهَشمِ حُكومةٌ، وهي اختيارُ ابنِ القصَّارِ مِنْ أصحابِه، ورُويَ عنه أنَّ فيها خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبلِ كما في المُنقِّلةِ، وهذا اختِيارُ الأبهَريِّ مِنْ أصحابِه، وقالَ أشهَبُ: فيها عَشرٌ مِنْ الإبلِ (١).
وقالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وليسَ في الهاشِمةِ عن رَسولِ اللهِ ﷺ فَرضٌ يُعلَمُ، وعَوامُّ أهلِ العِلمِ يَجعلونَ في الهاشمةِ عَشرًا مِنْ الإبلِ.
وكلُّ مَنْ أحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ يَرى أنَّ معنَى قَولِهم: «حُكومةٌ» أنْ يقالَ: «إذا أصيبَ الإنسانُ بجُرحٍ لا عقْلَ له مَعلومٌ كم قِيمةُ هذا (العَبدِ) لو كانَ عبدًا قبلَ أنْ يُجرحَ هذا الجُرحَ أو يُضربَ هذا الضَّربَ؟ فإنْ قيلَ: مائةُ دينارٍ، قيلَ: وكَم قيمتُه وقد أصابَه هذا الجُرحُ وانتَهى بُرؤُه؟ فإنْ قيلَ: خَمسةٌ وتِسعونَ دينارًا» فالذي يَجبُ للمَجنيِّ عليهِ على الجاني نِصفُ عُشرِ الديَةِ، وإنْ قالُوا: «تِسعونَ» ففيه عُشرُ الديَةِ، وما زادَ أو نقَصَ فعلى هذا المِثالِ، ويُقبلُ فيه قولُ رَجلينِ ثِقتينِ مِنْ أهلِ المَعرفةِ، وقيلَ: بل يُقبلُ عدلٌ واحدٌ (٢).
الثامِنةُ: المُنقِّلةُ: وهي التي تنقلُ العظمَ بعدَ الكَسرِ، أي تُحوِّلُه مِنْ مَحلٍّ إلى آخَرَ، سَواءٌ أوضَحَتْه وهشَمَتْه أم لا.
(١) «الإفصاح» (٢/ ٢٣٧، ٢٣٨).
(٢) «الإقناع» (٢/ ٢٨٧).
وفيها عُشرٌ ونِصفُ عُشرٍ، وهو مِنْ الدَّراهمِ ألفٌ وخَمسُمائةٍ، ومِن الإبلِ خَمسةَ عشَرَ؛ لِما في كِتابِ عَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي المُنقِّلةِ خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبلِ» (١).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ في المُنقِّلةِ خَمسةَ عشرَ مِنْ الإبلِ.
وأجمَعُوا على أنَّ المُنقِّلةَ هي التي تنقلُ العِظامَ.
وأجمَعُوا على أنَّ المُنقِّلةَ لا قوَدَ فيها، وانفَردَ ابنُ الزُّبيرِ، فَروينَا أنه أقادَ فيها (٢).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأما المُنقِّلةُ فهي التي تُوضِحُ وتَهضمُ وتَسطُوا حتَّى يَنتقلَ منها العِظامَ، وفيها خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبلِ بالإجماعِ (٣).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وليسَ في شَيءٍ مِنْ شِجاجِ الرأسِ قِصاصٌ سِوى المُوضحةِ، وسَواءٌ في ذلكَ ما دونَ المُوضحةِ كالحارِصةِ والبازِلةِ والباضِعةِ والمُتلاحِمةِ والسِّمحاقِ، وما فوقَها وهي الهاشِمةُ والمُنقِّلةُ والآمَّةُ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، فأما ما فوقَ المُوضِحةِ فلا نَعلمُ أحدًا أوجَبَ فيها القِصاصَ، إلا ما رُويَ عن ابنِ الزُّبيرِ أنه أقادَ مِنْ المُنقِّلةِ، وليسَ بثابتٍ عنه، وممَّن قالَ به عطاءٌ وقَتادةُ وابنُ شُبرمةَ و مالكٌ و الشافِعيُّ وأصحابُ
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (٤٨٥٣).
(٢) «الإجماع» (٦٧٣، ٦٧٥).
(٣) «الإفصاح» (٢/ ٢٣٨).
الرأيِ، وقالَ ابنُ المُنذرِ: لا أعلَمُ أحدًا خالَفَ ذلكَ، ولأنهُما جِراحتانِ لا تُؤمنُ الزِّيادةُ فيهما، أشبَهَا المأمومةَ والجائفةَ (١).
التاسِعةُ: المَأمومةُ: وتُسمَّى الآمَّةَ، وهي التي قَطَعتِ العَظمَ وبَلَغتْ إلى قِشرةٍ رَقيقةٍ فوقَ الدِّماغِ.
وهذهِ ليسَ فيها قِصاصٌ إجماعًا، وفيها ثُلثُ الدِّيةِ إجماعًا، لقَولِ النبيِّ ﷺ في حَديثِ عَمرِ بنِ حزمٍ: «وفي المَأمومةِ ثلُثُ الديةِ ثَلاثٌ وثَلاثونَ مِنْ الإبلِ وثُلثٌ، أو قِيمتُها مِنْ الذَّهبِ أو الوَرِقِ أو البَقرِ أو الشَّاءِ» (٢).
قالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا أنَّ في المَأمومةِ ثُلثَ الديةِ.
وأجمَعُوا أنْ لا قوَدَ في المأمومةِ (٣).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأما المَأمومةُ فهي التي تَصلُ إلى الجِلدةِ التي للدِّماغِ، وتُسمَّى الآمةَ، ففيها ثُلثُ الديَةِ إجماعًا (٤).
قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: لا أعلَمُ أحدًا قالَ في المأمومةِ قَودٌ ولا في الجائفةِ …
قالَ أبو عُمرَ: اتَّفق مالكٌ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهم على أنه لا
(١) «المغني» (٨/ ٢٥٦).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٥٦٤)، والنسائي (٤٨٥٣).
(٣) «الإجماع» (٦٧٦، ٦٧٧).
(٤) «الإفصاح» (٢/ ٢٣٨).
قِصاصَ في شَيءٍ مِنْ شِجاجِ الرأسِ إلا في المُوضحةِ، وما عَداها مِنْ شِجاجِ الرأسِ ففيها الديةُ، وقد مَضَى ما في المُنقِّلةِ والهاشِمةِ.
واتَّفقوا على أنَّ في المَأمومةِ ثُلثَ الدِّيةِ، وكذلكَ في كِتابِ النبيِّ ﷺ لعَمرِو بنِ حَزمٍ في الديَاتِ قالَ: «وفي المَأمومةِ ثُلثُ الديةِ».
قالَ أبو عُمرَ: أهلُ العِراقِ يُسمُّونَها الآمَّةَ، قالوا: هي التي تَؤُمُّ الدِّماغَ، وفيها ثلثُ الديةِ (١).
العاشِرةُ: الدامِغةٌ: وهي التي تَخرِقُ جِلدةَ الدماغِ وتَصلُ إليهِ، وقيلَ: لا يَعيشُ صاحبُها غالبًا.
ولم يَذكُرْها فُقهاءُ الحَنفيةِ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَعيشُ معَها في الغالبِ، فلا مَعنى لذِكرِها، ويَكونُ حُكمُها حُكمُ القتلِ.
ولا قِصاصَ فيها اتِّفاقًا.
واختَلفُوا فيها هل تَجبُ فيها دِيةٌ كامِلةٌ؟ أم ثُلثُ الدِّيةِ؟ أم حُكومةٌ؟
فعندَ بعضِ الشافِعيةِ: فيها الدِّيةُ كامِلةً؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَعيشُ معَها غالبًا.
وعندَ الشافِعيةِ في المَذهبِ والحَنابلةِ في المَذهبِ: فيها ما في المَأمومةِ ثُلثُ الديةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ خرَقَ جِلدةَ الدِّماغِ فهي الدامِغةُ وفيها ما في المَأمومةِ، قالَ القاضي: لم يَذكرْ أصحابُنا الدامِغةَ؛ لمُساواتِها المَأمومةَ
(١) «الاستذكار» (٨/ ٩٦).
في أرشِها، وقيلَ: فيها في ذلكَ حُكومةٌ؛ لخَرقِ جِلدةِ الدِّماغِ، ويحتملُ أنهُم تَرَكوا ذِكرَها لكَونِها لا يَسلمُ صاحبُها في الغالبِ (١).
وقالَ البَغويُّ رحمة الله عليه: والعاشِرةُ الدامِغةُ: وهي التي تَخرقُ الخَريطةَ فتَصلُ إلى الدِّماغِ، فلا تُتصوَّرُ الحياةُ بعدَه، فيَجبُ فيها كمالُ ديةِ النفسِ (٢).
وقالَ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: وأما الدامِغةُ فقدْ قالَ بعضُ أصحابِنا: يجبُ فيها ما يَجبُ في المَأمومةِ.
وقالَ أقضَى القُضاةِ أبو الحَسنِ الماوَرديُّ البَصريُّ: يَجبُ عليهِ أرشُ المَأمومةِ وحُكومةٌ؛ لأنَّ خرْقَ الجِلدِ جِنايةٌ بعدَ المأمومةِ، فوجَبَ لأجلِها حُكومةٌ (٣).
(١) «المغني» (٨/ ٣٧٠).
(٢) «شرح السنة» (١٠/ ١٩٩).
(٣) «المهذب» (٢/ ١٩٩). ويُنظَر: «المبسوط» (٢٦/ ٧٣، ٧٤)، و «تحفة الفقهاء» (٣/ ١١١)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٩٦، ٣٠٩)، و «الهداية» (٤/ ١٨٢، ١٨٣)، و «الاختيار» (٥/ ٥١، ٥٣)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ١٣٢)، و «البحر الرائق» (١٠/ ٣٨٠)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢٤٤، ٢٤٩)، و «اللباب» (٢/ ٢٦١، ٢٦٢)، و «الاستذكار» (٨/ ٩٦، ٩٩)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢٣٤، ٢٣٧)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٤، ١٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١٩٨، ٢٠١)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٣٨، ٢٤٢)، و «الكافي» (٥٩٩)، و «الحاوي الكبير» (١٢/ ١٤٩، ١٥١)، و «البيان» (١١/ ٣٦٠، ٣٦٣)، و «روضة الطالبين» (٦/ ١٩٣، ١٩٥)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٣٨٤، ٣٨٧)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢٤٨، ٢٤٩)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٣٢٥، ٣٢٧)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٣٥، ٢٣٨)، و «المغني» (٨/ ٣٦٨، ٣٧٠)، و «الكافي» (٤/ ٨٨، ٨٩)، و «شرح الزركشي» (٥/ ٥٦، ٥٧)، و «المبدع» (٩/ ٧، ٨)، و «الإنصاف» (١٠/ ١١٠، ١١١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٦٥٩، ٦٦٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٦٩، ٧١)، و «منار السبيل» (٣/ ٢٧٧، ٢٨١).
ارجع إلى الجنايات والحدود للاطلاع على جميع الأبواب.