شروط المصالح عنه

الإسلام > المعاملات المالية > شروط المصالح عنه

مسائلُ فقهيةٌ في شروط المصالح عنه على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 31 دقيقة قراءة

تعريف شروط المصالح عنه وحكمها

إلى القَبضِ والتَّسليمِ، فلَم تَكُنْ جَهالَتُه مُحتَمَلةً؛ لِهذا لا يَجوزُ بَيعُها، فلا يَصحُّ الصُّلحُ عليها.

والأصلُ: أنَّ كلَّ ما يَجوزُ بَيعُه وشِراؤُه يَجوزُ الصُّلحُ عليه، وما لا فلا.

شُروطُ المُصالَحِ عنه:

وأمَّا الذي يَرجِعُ إلى المُصالَحِ عنه فأنواعٌ:

أحَدُها: أنْ يَكونَ حَقًّا العَبدِ، لا حَقًّا اللهِ ﷿، سَواءٌ كان مالًا، عَينًا أو دَينًا، أو حَقًّا ليس مالًا عَينًا ولا دَينًا، حتى إنَّه لا يَصحُّ الصُّلحُ مِنْ حَدِّ الزِّنا والسَّرقةِ وشُربِ الخَمرِ؛ بأنْ أخَذَ زانيًا أو سارِقًا مِنْ غَيرِه أو شارِبَ خَمرٍ فصالَحَه على مالٍ على ألَّا يَرفَعَه إلى وَليِّ الأمرِ؛ لأنَّه حَقُّ اللهِ وجَلَّ شَأنُه.

ولا يَجوزُ الصُّلحُ مِنْ حُقوقِ اللهِ وعَزَّ شَأنُه؛ لأنَّ المُصالَحَ بالصُّلحِ مُتصرِّفٌ في حَقِّ نَفْسِه؛ إمَّا باستِيفاءِ كلِّ حَقِّه أو باستِيفاءِ بَعضٍ وإسقاطِ البَقيَّةِ، أو بالمُعاوَضةِ، وكلُّ ذلك لا يَجوزُ في غيرِ حَقِّه.

وكذا إذا صالَحَ مِنْ حَدِّ القَذفِ، بأنْ قَذَفَ رَجلًا فصالَحه على مالٍ على أنْ يَعفوَ عنه؛ لأنَّه -وإنْ كان لِلعَبدِ فيه حَقٌّ- المُغلَّبُ فيه حَقُّ اللهِ ، والمَغلوبُ مُلحَقٌ بالعَدَمِ شَرعًا، فكان في حُكمِ الحُقوقِ المُتمَحَّضةِ حَقًّا للهِ ﷿ وهي لا تَحتمِلُ الصُّلحَ، كذا هذا.

وكذلك لو صالَحَ شاهِدًا يُريدُ أنْ يَشهَدَ عليه على مالٍ على ألَّا يَشهَدَ عليه فهو باطِلٌ؛ لأنَّ الشاهِدَ في إقامةِ الشهادةِ مُحتَسِبٌ حَقًّا للهِ

وعَزَّ شَأنُه، قال اللهُ : ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، والصُّلحُ عن حُقوقِ اللهِ ﷿ باطِلٌ ويَجبُ عليه رَدُّ ما أخَذَ؛ لأنَّه أخَذَه بغَيرِ حَقٍّ.

ولو عَلِمَ القاضي به أبطَلَ شَهادَتَه؛ لأنَّه فِسقٌ، إلا أنْ يُحدِثَ تَوبةً فتُقبَلَ.

ويَجوزُ الصُّلحُ عن التَّعزيرِ؛ لأنَّه حَقُّ العَبدِ.

وكذا يَصحُّ عن القِصاصِ في النَّفسِ وما دونَه؛ لأنَّ القِصاصَ مِنْ حَقِّ العَبدِ، سَواءٌ كان البَدَلُ عَينًا أو دَينًا، إلا إذا كان دَينًا فيُشترَطُ القَبضُ في المَجلِسِ؛ احتِرازًا عن الافتِراقِ عن دَينٍ بدَينٍ، وسَواءٌ كان مَعلومًا أو مَجهولًا جَهالةً غيرَ مُتَفاحِشةٍ حتى لو صالَحَ مِنَ القِصاصِ على عَبدٍ أو ثَوبٍ هَرَويٍّ جازَ؛ لأنَّ الجَهالةَ قَلَّتْ ببَيانِ النَّوعِ؛ لأنَّ مُطلَقَ العَبدِ يَقَعُ على عَبدٍ وَسَطٍ، ومُطلَقَ الثَّوبِ الهَرَويِّ يَقَعُ على الوَسَطِ منه، فتَقِلُّ الجَهالةُ فيَصحُّ الصُّلحُ، وله الخيارُ، إنْ شاءَ أعطى الوَسَطَ مِنْ ذلك، وإنْ شاءَ أعطى قيمَتَه، كما في النِّكاحِ، فأمَّا إذا صالَحَ على ثَوبٍ أو دابَّةٍ أو دارٍ فلا يَجوزُ؛ لأنَّ الثيابَ والدَّوابَّ أجناسٌ تَحتَها أنواعٌ مُختَلِفةٌ، ولأنَّ جَهالةَ النَّوعِ مُتَفاحِشةٌ، فتَمنَعُ الجَوازَ.

وكذا جَهالةُ الدُّورِ -لاختِلافِ الأماكِنِ- مُلحَقةٌ بجَهالةِ الثَّوبِ والدَّابَّةِ، فتَمنَعُ الجَوازَ، كما في بابِ النِّكاحِ.

والأصلُ والضابِطُ في هذا أنَّ كلَّ جَهالةٍ تَمنَعُ صِحَّةَ التَّسميةِ في بابِ النِّكاحِ تَمنَعُ صِحَّةَ الصُّلحِ مِنَ القِصاصِ، وما لا فلا؛ لأنَّ ما وَقَع عليه الصُّلحُ والمَهرُ كلُّ واحِدٍ منهما يَجبُ بَدَلًا عما ليس بمالٍ، والجَهالةُ لا تَمنَعُ مِنَ الصِّحَّةِ لِعَينِها.

ألَا تَرى أنَّ الشَّرعَ وَرَدَ بمَهرِ المِثلِ في بابِ النِّكاحِ مع أنَّه مَجهولُ القَدْرِ؟ وإنَّما يُمنَعُ منها لِإفضائِها إلى المُنازَعةِ، ومَبنى النِّكاحِ والصُّلحِ مِنَ القِصاصِ على المُسامَحةِ، كالإنسانِ يُسامِحُ بنَفْسِه ما لا يُسامِحُ بمالِه عادةً، فلا يَكونُ القَليلُ مِنَ الجَهالةِ مُفضيًا إلى المُنازَعةِ، فلا يَمنَعُ مِنَ الجَوازِ، بخِلافِ بابِ البَيعِ؛ لأنَّ مَبناه على المُماكَسةِ والمُضايَقةِ؛ لِكَونِه مُعاوَضةَ مالٍ بمالٍ، والإنسانُ يُضايِقُ بمالِه ما لا يُضايِقُ بنَفْسِه، فهو الفَرقُ.

وإذا لَم يَصحَّ الصُّلحُ -لِتَفاحُشِ جَهالةِ البَدَلِ- يَسقُطُ القِصاصُ وتَجِبُ الدِّيةُ، وفي النِّكاحِ يَجبُ مَهرُ المِثلِ، إلا أنَّ بَينَهما فَرقًا مِنْ وَجهٍ، فإنَّه لو صالَحَ عن القِصاصِ على خَمرٍ أو خِنزيرٍ لا يَصحُّ ولا يَجبُ شَيءٌ آخَرُ، ولو تَزَوَّجَ امرأةً على خَمرٍ أو خِنزيرٍ لا تَصحُّ التَّسميةُ، ويَجبُ مَهرُ المِثلِ.

وَجهُ الفَرقِ أنَّ الخَمرَ إذا لَم تَصلُحْ بَدَلَ الصُّلحِ بَطَلتْ تَسميتُه وجُعِلَتْ لَفظةُ الصُّلحِ كِنايةً عن العَفوِ، وذلك جائِزٌ؛ لأنَّ العَفوَ الفَضلُ، وفي الصُّلحِ مَعنى الفَضلِ، فأمكَنَ جَعلُه كِنايةً عنه، وبعدَ العَفوِ لا يَجبُ شَيءٌ آخَرُ، فأمَّا لَفظُ النِّكاحِ فلا يَحتمِلُ العَفوَ، ولو احتَمَلَه فالعَفوُ عن حَقِّ الغَيرِ لا يَصحُّ، فيَبقى النِّكاحُ مِنْ غيرِ تَسميةٍ، فيَجِبُ مَهرُ المِثلِ، كما إذا سَكَتَ عن المَهرِ أصلًا، فهو الفَرقُ، وسَواءٌ كان البَدَلُ قَدْرَ الدِّيةِ أو أقَلَّ أو أكثَرَ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨].

فقوله ﷿: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ أي: أُعطيَ له، وقَولُه عَزَّ شَأنُه: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، أي: فليُتْبِعْ، مَصدَرٌ بمَعنى الأمرِ، فقد أمَرَ اللهُ تبارك وتعالى الوَليَّ

بالاتْباعِ بالمَعروفِ إذا أُعطيَ له شَيءٌ، واسمُ الشَّيءِ يَتناوَلُ القَليلَ والكَثيرَ، فدَلَّتِ الآيةُ على جَوازِ الصُّلحِ مِنَ القِصاصِ على القَليلِ والكَثيرِ، وهذا بخِلافِ القَتلِ الخَطَأِ وشِبهِ العَمدِ، فهو إذا صالَحَ على أكثَرَ مِنَ الدِّيةِ لا يَجوزُ.

والفَرقُ أنَّ بَدَلَ الصُّلحِ في بابِ الخَطَأِ وشِبهِ العَمدِ عِوَضٌ عن الدِّيةِ وهي مُقدَّرةٌ بمِقدارٍ مَعلومٍ لا تَزيدُ عليه، فالزِّيادةُ على المُقدَّرِ تَكونُ رِبًا، فأمَّا بَدَلُ الصُّلحِ عن القِصاصِ فعِوَضٌ عن القِصاصِ، والقِصاصُ ليس مِنْ جِنسِ المالِ حتى يَكونَ البَدَلُ عنه زيادةً على المالِ المُقدَّرِ، فلا يَتحقَّقُ الرِّبا فهو الفَرقُ.

وأمَّا كَونُ المُصالَحِ عنه مَعلومًا فليس بشَرطٍ لِجَوازِ الصُّلحِ، حتى إنَّ مَنِ ادَّعى على آخَرَ حَقًّا في عَينٍ فأقَرَّ به المُدَّعَى عليه أو أنكَرَ فصالَحَ على مالٍ مَعلومٍ جازَ؛ لأنَّ الصُّلحَ كما يَصحُّ بطَريقِ المُعاوَضةِ يَصحُّ بطَريقِ الإسقاطِ، ولا يُمكِنُ تَصحيحُه هنا بطَريقِ المُعاوَضةِ؛ لِجَهالةِ أحَدِ البَدَلَيْنِ فيُصحَّحُ بطَريقِ الإسقاطِ، فلا يُؤدِّي إلى المُنازَعةِ المانِعةِ مِنَ التَّسليمِ والتَّسلُّمِ والقَبضِ؛ لأنَّ الساقِطَ لا يَحتمِلُ ذلك، وقد مَرَّ أنَّ الجَهالةَ فيما لا يَحتمِلُ التَّسليمَ والقَبضَ لا تَمنَعُ جَوازَ الصُّلحِ.

الثاني: أنْ يَكونَ المُصالَحُ عنه حَقًّا لِلمُصالَحِ: فإذا لَم يَكُنْ حَقًّا له لَم يَجُزِ الصُّلحُ.

والثالِثُ: أنْ يَكونَ حَقًّا ثابِتًا له في المَحَلِّ: فما لا يَكونُ حَقًّا ثابِتًا له في المَحَلِّ لا يَجوزُ الصُّلحُ عنه.

- حتى لو أنَّ امرأةً طَلَّقَها زَوجُها ادَّعتْ عليه صَبيًّا في يَدِه أنَّه ابنُه منها وجحَد الرَّجُلُ فصالَحَتْ عنِ النَّسَبِ على شَيءٍ فالصُّلحُ باطِلٌ؛ لأنَّ النَّسَبَ حَقُّ الصَّبيِّ، لا حَقُّها، فلا تَملِكُ الاعتياضَ عن حَقِّ غَيرِها، ولأنَّ الصُّلحَ إمَّا إسقاطٌ أو مُعاوَضةٌ، والنَّسَبُ لا يَحتمِلُهما.

ولو صالَحَ الشَّفيعُ مِنَ الشُّفعةِ التي وَجَبتْ له على شَيءٍ على أنْ يُسلِّمَ الدارَ لِلمُشتَري فالصُّلحُ باطِلٌ؛ لأنَّه لا حَقَّ لِلشَّفيعِ في المَحَلِّ، إنَّما الثابِتُ له حَقُّ التَّمليكِ، وهو ليس لِمَعنًى في المَحَلِّ، بل هو عِبارةٌ عن الوِلايةِ، وهي صِفةُ الوالي فلا يَحتمِلُ الصُّلحَ عنه، بخِلافِ الصُّلحِ عن القِصاصِ؛ لأنَّ المَحَلَّ هناكَ يَصيرُ مَملوكًا في حَقِّ الاستِيفاءِ، فكان الحَقُّ ثابِتًا في المَحَلِّ، فمَلَكَ الاعتياضَ عنه بالصُّلحِ، فهو الفَرقُ.

وكذلك الكَفيلُ بالنَّفسِ إذا صالَحَ على مالٍ أنْ يُبرِئَه مِنَ الكَفالةِ، فالصُّلحُ باطِلٌ؛ لأنَّ الثابِتَ لِلطالِبِ قبلَ الكَفيلِ بالنَّفْسِ حَقُّ المُطالَبةِ بتَسليمِ المَكفولِ نَفْسَه بنَفْسِه، وذلك عِبارةٌ عن وِلايةِ المُطالَبةِ، وهي صِفةُ الوالي فلا يَجوزُ الصُّلحُ عنها، فأشبَهَ الشُّفعةَ، وهل تَبطُلُ الكَفالةَ، فيه رِوايتانِ: في رِوايةٍ لا تَبطُلُ؛ لأنَّه ما رَضيَ بسُقوطِ حَقِّه إلا بعِوَضٍ، ولَم يُسلَّمْ له، فلا يَسقُطُ حَقُّه، وفي رِوايةٍ يَسقُطُ؛ لأنَّ الإبراءَ لا تَقِفُ صِحَّتُه على العِوَضِ فيَصحُّ، وإنْ لَم يُسلِّمِ العِوَضَ فإذا صَحَّ أنَّه إسقاطٌ فالساقِطُ لا يَحتمِلُ العَوْدَ.

وإذا كان لِرَجُلٍ ظُلَّةٌ -أي: مِظلَّةٌ- على طَريقٍ، أو كَنيفُ شارِعٍ أو مِيزابُه فخاصَمَه رَجُلٌ وأرادَ أنْ يَطرَحَه فصالَحَه على مالٍ، فهذا لا يَخلو مِنْ وَجهَيْنِ:

إمَّا أنْ يَكونَ الطَّريقُ نافِذًا، وإمَّا ألَّا يَكونَ نافِذًا، فإذا كان نافِذًا فخاصَمَه رَجُلٌ مِنَ المُسلِمينَ وأرادَ طَرحَه فصالَحَه على مالٍ فالصُّلحُ باطِلٌ؛ لأنَّ رَقَبةَ الطَّريقِ النافِذِ لا تَكونُ مِلكًا لِأحَدٍ مِنَ المُسلِمينَ، وإنما لهم حَقُّ المُرورِ، وهو ليس بحَقٍّ ثابِتٍ في رَقَبةِ الطَّريقِ، بل هو عِبارةٌ عن وِلايةِ المُرورِ، وهي صِفةُ المارِّ، فلا يَجوزُ الصُّلحُ عنه مع أنَّه لا فائِدةَ في هذا الصُّلحِ؛ لأنَّه إنْ سَقَطَ حَقُّ هذا الواحِدِ بالصُّلحِ فللباقينَ حَقُّ القَلعِ، وكذا لو صالَحَ الثاني مع هذا المُتقدِّمِ إليه على مالٍ يُؤخَذُ مِنَ المُتقدِّمِ إليه الطَّرحُ، فالصُّلحُ باطِلٌ؛ لأنَّ الطَّرحَ واجِبٌ عليه، فأخْذُ المالِ عنه يَكونُ رَشوةً، هذا إذا كان الطَّريقُ نافِذًا.

فأمَّا إذا لَم يَكُنْ نافِذًا فصالَحَه رَجُلٌ مِنْ أهلِ الطَّريقِ على مالٍ لِلتَّركِ فالصُّلحُ جائِزٌ؛ لأنَّ رَقَبةَ الطَّريقِ هنا مَملوكةٌ لِأهلِ السِّكَّةِ، فكان لِكُلِّ واحِدٍ منهم فيها مِلكٌ، فجازَ الصُّلحُ عنه.

ولو ادَّعى على رَجُلٍ مالًا وأنكَرَ المُدَّعَى عليه ولا بَيِّنةَ لِلمُدَّعِي فطَلَب منه اليَمينَ فصالَحَ عن اليَمينِ على ألَّا يَستَحلِفَه جازَ الصُّلحُ وبَرِئُ مِنَ اليَمينِ، وكذا إذا قال المُدَّعَى عليه: «صالَحتُكَ مِنَ اليَمينِ التي وَجَبتْ لكَ علَيَّ»، أو قال: «افتَدَيتُ منكَ يَمينَكَ بكذا وكذا»، صَحَّ الصُّلحُ؛ لأنَّ هذا صُلحٌ عن حَقٍّ ثابِتٍ لِلمُدَّعِي؛ لأنَّ اليَمينَ حَقُّ المُدَّعِي قبلَ المُدَّعَى عليه.

قال النَّبيُّ في قِصةِ الحَضرَميِّ والكِنْدِيِّ: «ألَكَ بَيِّنةٌ؟»، قال: لا، قال: «إذَنْ لَكَ يَمينُه»، فجَعَل اليَمينَ حَقَّ المُدَّعِي، فكان هذا صُلحًا عن حَقٍّ ثابِتٍ شَرعًا لِلمُدَّعِي، وكذا المِلكُ في المُدَّعِي ثابِتٌ في

زَعمِه، فكان الصُّلحُ عن حَقٍّ ثابِتٍ في حَقِّه، وفي حَقِّ المُدَّعَى عليه، وهو بَدَلُ المالِ؛ لِإسقاطِ الخُصومةِ والافتِداءِ عن اليَمينِ.

ولو قال المُدَّعَى عليه: «اشتَرَيتُ منكَ اليَمينَ على كذا»، وقال المُدَّعِي: «بِعتُ منكَ اليَمينَ على كذا»، لا يَصحُّ، فقد خالَفَ الصُّلحُ البَيعَ حيثُ جازَ بلَفظِ الصُّلحِ والافتِداءِ، ولَم يَجُزْ بلَفظِ البَيعِ والشِّراءِ.

ولو ادَّعى رَجُلٌ على امرأةٍ نِكاحًا فجَحَدتْه فصالَحَتْه على مالٍ بَذَلتْه حتى يَترُكَ الدَّعوى جازَ؛ لأنَّ النِّكاحَ حَقٌّ ثابِتٌ في حَقِّ المُدَّعِي، فكان الصُّلحُ على حَقٍّ ثابِتٍ، فكان في مَعنى الخُلعِ؛ إذْ هو أخْذُ المالِ بالبُضعِ، وقد وُجِدَ، فكان جائِزًا، وفي حَقِّها بَدَلُ مالٍ لِإسقاطِ الخُصومةِ، وهو جائِزٌ أيضًا لِلنَّصِّ.

ولو ادَّعتِ امرأةٌ على رَجُلٍ نِكاحًا فجَحَد الرَّجُلُ فصالَحَها على مالٍ بَذَله لها لا يَخلو إمَّا أنْ يَكونَ النِّكاحُ ثابِتًا، أو لَم يَكُنْ ثابِتًا، فإنْ لَم يَكُنْ ثابِتًا كان دَفعُ المالِ إليها مِنَ الرَّجُلِ في مَعنى الرَّشوةِ، وإنْ كان ثابِتًا لا تَثبُتُ الفُرقةُ بهذا الصُّلحِ، لأنَّ العِوَضَ في الفُرقةِ تُعطيه المَرأةُ لا الزَّوجُ، فلا يَكونُ المالُ الذي تأخُذُه المَرأةُ عِوَضًا عن شَيءٍ، فلا يَجوزُ.

ولو ادَّعى على إنسانٍ مِئةَ دِرهَمٍ فأنكَرَ المُدَّعَى عليه فتَصالَحا على أنَّه إنْ حلَف المُدَّعَى عليه فهو بَريءٌ فالصُّلحُ باطِلٌ، والمُدَّعِي على دَعواه، حتى لو أقامَ بَيِّنةً أخَذَه بها؛ لأنَّ قَولَه: «على أنَّه إنْ حلَف المُدَّعَى عليه فهو بَريءٌ»، تَعليقُ البَراءةِ بالشَّرطِ، وهو باطِلٌ؛ لأنَّ في الإبراءِ مَعنى التَّمليكِ.

والأصلُ في التَّمليكِ ألَّا يَحتمِلَ التَّعليقَ بالشَّرطِ، وإنْ لَم تَكُنْ له بَيِّنةٌ وأرادَ استِحلافَه فهو على وَجهَيْنِ؛ إنْ كان ذلك الحَلِفُ عندَ غيرِ القاضي فله أنْ يَستَحلِفَه عندَ القاضي مَرَّةً أُخرى؛ لأنَّ تلك اليَمينَ غيرُ مُعتَبرةٍ؛ لأنَّها غيرُ واجِبةٍ ولا تَنقَطِعُ بها خُصومةٌ، فلَم يَكُنْ مُعتَدًّا بها.

وإنْ كان عندَ القاضي لَم يَستَحلِفْه ثانيةً؛ لأنَّ الحَلِفَ عندَ القاضي مُعتَدٌّ به فقد استَوفى المُدَّعِي حَقَّه مَرةً فلا يَجبُ الإيفاءُ ثانيةً.

ولو تَصالَحا على أنْ يَحلِفَ المُدَّعَى عليه، فإذا حلَف فالمالُ واجِبٌ على المُدَّعَى عليه، فهو باطِلٌ؛ لأنَّ هذا تَعليقُ وُجوبِ المالِ بالشَّرطِ، وهو باطِلٌ؛ لِكَونِه قِمارًا.

ولو أودَعَ إنسانًا وَديعةً ثم طَلَبَها منه فقال المُودِعُ: «هَلَكتْ»، أو قال: «رَدَدتُها»، وكَذَّبَه المُودِعُ وقال: «استَهلَكتَها»، فتَصالَحا على شَيءٍ فالصُّلحُ باطِلٌ عندَ أبي يُوسُفَ، وعندَ مُحمدٍ صَحيحٌ.

وَجهُ قَولِ مُحمدٍ أنَّ هذا صُلحٌ وَقَع عن دَعوى صَحيحةٍ ويَمينٍ مُتوجِّهةٍ، فيَصحُّ كما في سائِرِ المَواضِعِ.

وَجهُ قَولِ أبي يُوسُفَ أنَّ المُدَّعِي مُناقِضٌ في هذه الدَّعوى؛ لأنَّ المُودَعَ أمينُ المالِكِ، وقَولُ الأمينِ قَولُ المُؤتَمَنِ، فكان إخبارُه بالرَّدِّ والهَلاكِ إقرارًا مِنَ المُودَعِ، فكان مُناقِضًا في دَعوى الاستِهلاكِ، والتَّناقُضُ يَمنَعُ صِحَّةَ الدَّعوى، إلا أنَّه يُستَحلَفُ، لكنْ لا لِدَفعِ الدَّعوى؛ لأنَّها مُندَفِعةٌ لِبُطلانِها، بل لِلتُّهمةِ، وإذا لَم تَصحَّ الدَّعوى لا يَصحُّ الصُّلحُ.

الصُّلحُ على عَيبٍ:

ولو اشتَرى مِنْ رَجُلٍ شَيئًا فطَعَنَ فيه بعَيبٍ وخاصَمَه فيه ثم صالَحَه على شَيءٍ أو حَطَّ مِنْ ثَمَنِه شَيئًا، فإنْ كان المَبيعُ ممَّا يَجوزُ رَدُّه على البائِعِ وله المُطالَبةُ بأرْشِ العَيبِ دونَ الرَّدِّ فالصُّلحُ جائِزٌ؛ لأنَّ الصُّلحَ عن العَيبِ صُلحٌ عن حَقٍّ ثابِتٍ في المَحَلِّ، وهو صِفةُ سَلامةِ المَبيعِ عن عَيبٍ، وهي مِنْ قَبيلِ الأموالِ، فكان عن العَيبِ مُعاوَضةَ مالٍ بمالٍ فصَحَّ.

وكذا الصُّلحُ عن الأرشِ مُعاوَضةُ مالٍ بمالٍ لا شَكَّ فيه.

وإذا لَم يَكُنْ لِلمُشتَري حَقُّ رَدِّ المَبيعِ على البائِعِ، ولا المُطالَبةُ بأرْشِه بأنْ باعَ الشَّيءَ فالصُّلحُ باطِلٌ؛ لأنَّ حَقَّ الدَّعوى والخُصومةِ فيهما قبلَ البَيعِ قد بطَل بالبَيعِ، فلا يَجوزُ الصُّلحُ.

ولو صالَحَ مِنَ العَيبِ ثم زالَ العَيبُ بأنْ كان بَياضًا في عَينِ العَبدِ فانجَلَى بطَل الصُّلحُ، ويَرُدُّ ما أخَذَ؛ لأنَّ المُعوَّضَ -وهو صِفةُ السَّلامةِ- قد عادَ، فيَعودُ العِوَضَ، فبطَل الصُّلحُ.

ولو طَعَنَ المُشتَري بعَيبٍ في المَبيعِ فصالَحَه البائِعُ على أنْ يُبرِئَه مِنْ ذلك العَيبِ ومِن كلِّ عَيبٍ فهو جائِزٌ؛ لأنَّ الإبراءَ عن العَيبِ إبراءٌ عن صِفةِ السَّلامةِ وإسقاطٌ لها، وهي مُستحقَّةٌ على البائِعِ فيَصحُّ الصُّلحُ عنها، والإبراءُ عن كلِّ عَيبٍ.

وإنْ كان إبراءً عن المَجهولِ، لكنَّ جَهالةَ المُصالَحِ عنه لا تَمنَعُ صِحَّةَ الصُّلحِ، فلا تَمنَعُ صِحَّتَه.

إنَّ الجَهالةَ لِعَينِها غيرُ مانِعةٍ، بل لِإفضائِها إلى المُنازَعةِ المانِعةِ مِنَ التَّسليمِ والقَبضِ، والذي وَقَع الصُّلحُ، والإبراءُ عنه لا يَفتَقِرُ إلى التَّسليمِ والقَبضِ، فلا تَضُرُّه الجَهالةُ.

وكذلك لو لَم يَطعَنِ المُشتَري بعَيبٍ فصالَحَه البائِعُ مِنْ كلِّ عَيبٍ على شَيءٍ فالصُّلحُ جائِزٌ؛ لأنَّه -وإنْ لَم يَطعَنْ بعَيبٍ- له حَقُّ الخُصومةِ فيُصالِحُه لِإبطالِ هذا الحَقِّ.

ولو خاصَمَه في ضَربٍ مِنَ العُيوبِ، نحوَ الشِّجاجِ والقُروحِ، فصالَحَه على ذلك ثم ظَهَرَ عَيبٌ غَيرُه، كان له أنْ يُخاصِمَه فيه؛ لأنَّ الصُّلحَ وَقَعَ عن نَوعٍ خاصٍّ، فكان له حَقُّ الخُصومةِ في غَيرِه.

ولو اشتَرى شَيئًا مِنَ امرأةٍ فظَهَرَ به عَيبٌ فصالَحَتْه على أنْ تَتَزوَّجَه فهو جائِزٌ، وهذا إقرارٌ منها بالعَيبِ، فإنْ كان أرشُ العَيبِ يَبلُغُ عَشَرةَ دَراهِمَ فهو مَهرُها، وإنْ كان أقَلَّ مِنْ ذلك يُكمِلُ لها عَشَرةَ دَراهِمَ؛ لأنَّ أرشَ العَيبِ لمَّا صارَ مَهرَها والنِّكاحُ مُعاوَضةُ البُضعِ بالمَهرِ، فإذا نَكَحتْ نَفْسَها فقد أقَرَّتْ بالعَيبِ.

وكذلك لو اشتَرى شَيئًا بأرشِ عَيبٍ كان إقرارًا بالعَيبِ؛ لأنَّ الشِّراءَ مُعاوَضةٌ، فالإقدامُ عليه يَكونُ إقرارًا بالعَيبِ، بخِلافِ الصُّلحِ، حيث لا يَكونُ إقرارًا بالعَيبِ؛ لأنَّ الصُّلحَ مَرةً يَصحُّ مُعاوَضةً ومَرةً يَصحُّ إسقاطًا، فلا يَصحُّ دَليلًا على الإقرارِ بالشَّكِّ والاحتِمالِ.

ولو اشتَرى ثَوبَيْنِ، كلَّ واحِدٍ بعَشَرةِ، فقبَضهما ثم وَجَدَ بأحَدِهما عَيبًا

فصالَحَ على أنْ يَرُدَّه بالعَيبِ على أنْ يَزيدَه في ثَمَنِ الآخَرِ دِرهَمًا فالرَّدُّ جائِزٌ وزيادةُ الدِّرهَمِ باطِلةٌ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ، وعندَ أبي يُوسُف لا يَجوزُ شَيءٌ مِنْ ذلك، ووَجهُ قَولِه أنَّ الرَّدَّ بالعَيبِ فَسخٌ والفَسخَ بَيعٌ جَديدٌ بمَنزِلةِ الإقالةِ، والبَيعَ تُبطِلُه الشُّروطُ الفاسِدةُ.

وَجهُ قَولِهما أنَّ هذا تَعليقُ الزِّيادةِ في الثَّمَنِ بالشَّرطِ وهو باطِلٌ؛ لأنَّ الزِّيادةَ تُلحَقُ بأصلِ العَقدِ، وأصلُ الثَّمَنِ لا يَحتمِلُ التَّعليقَ بالشَّرطِ؛ لأنَّه في مَعنى القِمارِ، فكذا الزِّيادةُ عليه، فأمَّا الرَّدُّ ففَسخُ العَقدِ، وإنَّه يَحتمِلُ الشَّرطَ فجائِزٌ.

ولو ادَّعى على امرأةٍ نِكاحًا فجَحَدتْ فصالَحها على مِئةِ دِرهَمٍ على أنْ تُقِرَّ له بالنِّكاحِ فأقَرَّتْ فهو جائِزٌ، وتُجعَلُ المِئةُ مِنَ الزَّوجِ زِيادةً في مَهرِها؛ لأنَّ إقرارَها بالنِّكاحِ مَحمولٌ على الصِّحَّةِ.

ولو ادَّعى على إنسانٍ ألْفًا وأنكَرَ المُدَّعِي فصالَحَه على مِئةِ دِرهَمٍ على أنْ يُقِرَّ له بالألفِ فهو باطِلٌ؛ لأنَّ المُدَّعِي لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ صادِقًا في دَعواه، أو أنْ يَكونَ كاذِبًا فيها، فإنْ كان صادِقًا فيها فالألْفُ واجِبةٌ على المُدَّعَى عليه، ويَكونُ أخْذُ العِوَضِ عليه في مَعنى الرَّشوةِ، وهو حَرامٌ، وإنْ كان كاذِبًا في دَعواه فإقرارُ المُدَّعَى عليه بالألْفِ التِزامُ المالِ ابتِداءً، وهذا لا يَجوزُ.

ولو قال لِامرأةٍ: أعطَيتُكِ مِئةَ دِرهَمٍ على أنْ تَكوني امرأتي، ففَعَلتْ ذلك فهو جائِزٌ، إذا كان بمَحضَرٍ مِنَ الشُّهودِ، ويُجعَلُ كِنايةً عن إنشاءِ النِّكاحِ،

مسائل شروط المصالح عنه الفقهية

ارجع إلى المعاملات المالية للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 1 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 2.2 / 29.5
الإضاءة 5%
البدر بعد 13 يوم
سبحان الله