التسهيل لعلوم التنزيل سورة القصص

الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة القصص

تفسيرُ سورةِ القصص كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 41 دقيقة قراءة

تفسير سورة القصص كاملةً (ابن جزي الكلبي)

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًۭا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةًۭ مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ ٤

﴿ عَلاَ فِي الأرض ﴾ أي تكبر وطغا ﴿ شِيَعاً ﴾ أي فرقاً مختلفين، فجعل فرعون القبطَ ملوكاً وبني إسرائيل خُداماً علهم، وهم الطائفة الذين استضعفهم، وأراد الله أن يمنّ عليهم ويجعلهم أئمة: أي ولاة في الأرض أرض فرعون وقومه.

<div class="verse-tafsir"

وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَحْذَرُونَ ٦ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى ٱلْيَمِّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَنِىٓ ۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ٧ فَٱلْتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّۭا وَحَزَنًا ۗ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا۟ خَـٰطِـِٔينَ ٨ وَقَالَتِ ٱمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍۢ لِّى وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ٩

﴿ وَهَامَانَ ﴾ وهو وزير فرعون ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى ﴾ اختلف هل كان هذا الوحي بإلهام أو منام أو كلام بواسطة الملك، وهذا أظهر لثقتها بما أوحى إليها وامتثالها ما أمرت به ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ ﴾ أي إذا خفت عليه أن يذبحه فرعون؛ لأن كان يذبح أبناء بني إسرائيل، لما أخبره الكهان أن هلاكه على يد غلام منهم ﴿ فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ ﴾ الالتقاط اللقاء من غير قصد، رُوي أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت في البحر، وهو النيل فأمرت أن يساق لها، ففتحته فوجدت فيه صبياً فأحبته، وقالت لفرعون: هذا قرّة عين لي ولك ﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً ﴾ اللام لام العاقبة وتسمى أيضاً لام الصيرورة ﴿ لاَ تَقْتُلُوهُ ﴾ روي أن فرعون همّ بذبحه، إذ توسم أنه من بني إسارئيل، فقالت امرأته لا تقتلوه ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أي لا يشعرون أن هلاكهم يكون على يديه، والضمير الفاعل لفرعون وقومه.

<div class="verse-tafsir"

وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَـٰرِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِۦ لَوْلَآ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٠

﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً ﴾ أي ذاهلاً لا عقل معها، وقيل: فارغاً من الصبر وقيل: فارغاً من كل شيء إلا من همّ موسى، وقيل: فارغاً من وعد الله: أي نسيت ما أوحى إليها، وقيل: فارغاً من الحزن إذ لم يغرق، وهذا بعيد لما بعده.

وقيل: فارغاً من كل شيء إلا من ذكر الله، وقرئ فزعاً بالزاي من الفزع ﴿ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ أي تظهر أمره، وفي الحديث كادت أمّ موسى أن تقول وابناه وتخرج صائجة على وجهها ﴿ رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا ﴾ أي رزقناها الصبر ﴿ لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ أي من المصدّقين بالوعد الذي وعدها الله.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَتْ لِأُخْتِهِۦ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِۦ عَن جُنُبٍۢ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ١١

﴿ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ ﴾ أي ابتعيه، والقص طلب الأثر، فخرجت أخته تبحث عنه في خفية ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ ﴾ أي رأته من بعيد، ولم تقرب منه لئلا يعلموا أنها أخته، وقيل معنى عن جنب؛ عن شوق إليه، وقيل: معناه أنها نظرت إليه، كأنها لا تريده ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أي لا يشعرون أنها أخته.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰٓ أَهْلِ بَيْتٍۢ يَكْفُلُونَهُۥ لَكُمْ وَهُمْ لَهُۥ نَـٰصِحُونَ ١٢ فَرَدَدْنَـٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ١٣ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسْتَوَىٰٓ ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ١٤

﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع ﴾ أي منع بأن بغضها الله له، والمراضع جمع مرضعة، وهي المرأة التي ترضع، أو جمع مرضع فتح الميم والضاد: وهو موضع الرضاع يعني الثدي ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أي من أول مرة ﴿ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ ﴾ القائلة أخته تخاطب آل فرعون ﴿ فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمِّهِ ﴾ لما منعه الله من المراضع وقالت أخته: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ ﴾ الآية: جاءت بأمه فقبل ثديها، فقال لها فرعون ومن أنت منه بذلكَ، وعلمت أن وعد الله حق في قوله: ﴿ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ ﴾ [القصص: 7] ﴿ بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ ذكر في [يوسف: 22] ﴿ واستوى ﴾ أي كمل عقله، وذلك من الأربعين سنة.

<div class="verse-tafsir"

وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍۢ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِۦ ۖ فَٱسْتَغَـٰثَهُ ٱلَّذِى مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِى مِنْ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۖ إِنَّهُۥ عَدُوٌّۭ مُّضِلٌّۭ مُّبِينٌۭ ١٥

﴿ وَدَخَلَ المدينة ﴾ يعني مصر وقيل: قرية حولها، والأول أشهر ﴿ على حِينِ غَفْلَةٍ ﴾ قيل: في القائلة وقيل بين العشاءين، وقيل يوم عيد، وقيل كان قد جفا فرعون وخاف على نفسه فدخل مختفياً متخوفاً ﴿ هذا مِن شِيعَتِهِ ﴾ الذي من شعيته من بني إسرائيل، والذي من عدوّه من القبط ﴿ فَوَكَزَهُ موسى ﴾ أي ضربه، والوكز الدفع بأطراف الأصابع وقيل: بجمع الكف ﴿ فقضى عَلَيْهِ ﴾ أي قتله، ولم يرد أن يقتله ولكن وافقت وكزته الأجل، فندم وقال: هذا من عمل الشيطان أي إن الغضب الذي أوجب ذلك كان من الشيطان، ثم اعترف واستغفر فغفر الله له، فإن قيل: كيف استغفر من القتل وكان المقتول كافراً؟

فالجواب أنه لم يؤذن له في قتله، ولذلك يقول يوم القيامة: إني قتلت نفساً لم أومر بقتلها.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًۭا لِّلْمُجْرِمِينَ ١٧

﴿ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ ﴾ الظهير المعين، والباء سببية، والمعنى بسبب إنعامك عليّ: لا أكون ظهيراً للمجرمين، فهي معاهدة عاهد موسى عليها ربه، وقيل الباء باء القسم، هذا ضعيف لأن قوله: ﴿ فَلَنْ أَكُونَ ﴾ لا يصلح لجواب القسم، وقيل: جواب القسم محذوف تقديره: وحق نعمتك لأتوين ﴿ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ ﴾ ، وقيل الباء للتحليف: أي اعصمني بحق نعمتك عليّ، ﴿ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ ﴾ ، ويحتج بهذه الآية على المنع من صحبة ولاة الجور.

<div class="verse-tafsir"

فَأَصْبَحَ فِى ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفًۭا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا ٱلَّذِى ٱسْتَنصَرَهُۥ بِٱلْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُۥ ۚ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰٓ إِنَّكَ لَغَوِىٌّۭ مُّبِينٌۭ ١٨

﴿ يَتَرَقَّبُ ﴾ في الموضعين أي يستحس هل يطلبه أحد ﴿ يَسْتَصْرِخُهُ ﴾ أي يستغيث به، لقي موسى الإسرائيليَّ الذي قاتل القبطي بالأمس يقاتل رجلاً آخر في من القبط، فاستغاث بموسى لينصره كما نصره بالأمس، فعظم ذلك على موسى وقال له: إنك لغوي مبين ﴿ فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بالذي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا ﴾ الضمير في ﴿ أَرَادَ ﴾ في يبطش لموسى، وفي قال للإسرائيلي، والمعنى لما أراد موسى أن يبطش بالقبطي الذي هو عدوّ له للإِسرائيلي، ظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به إذ قال له ﴿ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ ، فقال الإسرائيلي لموسى: ﴿ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأمس ﴾ ؟

وقيل: الضمير في أراد للإسرائيلي، والمعنى فلما أراد الإسرائيلي أن يبطش موسى بالقبطي، ولم يفعل موسى ذلك لندامته على قتله الآخر بالأمس، فنصح الإسرائيلي، فقال له: أتريد أن تقتلني فاشتهر خبر قتله للآخر إلى أن وصل إلى فرعون.

<div class="verse-tafsir"

وَجَآءَ رَجُلٌۭ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ ٢٠

﴿ وَجَآءَ رَجُلٌ ﴾ قيل: إنه مؤمن آل فرعون، وقيل: غيره ﴿ يسعى ﴾ أي يسرع في مشيه ليدرك موسى فينصحه ﴿ إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ ﴾ يتشاورون: وقيل: يأمر بعضهم بعضاً بقتلك كما قتلت القبطي.

<div class="verse-tafsir"

وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ٢٢

﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ ﴾ أي قصد بوجهه ناحية مدين وهي مدينة شعيب عليه السلام ﴿ قَالَ عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل ﴾ أي وسط الطريق يعني طريق مدين، إذ كان قد خرج فارّاً بنفسه، وكان لا يعرف الطريق، وبين مصر ومدين مسيرة ثمانية أيام، وقيل: أراد سبيل الهدى وهذا أظهر، ويدل كلامه هذا على أنه كان عارفاً بالله قبل نبوته.

<div class="verse-tafsir"

وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةًۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌۭ كَبِيرٌۭ ٢٣ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍۢ فَقِيرٌۭ ٢٤

﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ ﴾ أي وصل إليه وكان بئراً ﴿ يَسْقُونَ ﴾ أي يسقون مواشيهم ﴿ امرأتين ﴾ روى أن اسمهما ليا وصفوريا، وقيل: صفيرا وصفرا ﴿ تَذُودَانِ ﴾ أي تمنعان الناس عن غنمهما، وقيل: تذودان غنمهما عن الماء حتى يسقي الناس، وهذا أظهر لقولهما: ﴿ لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء ﴾ : أي كانت عادتهما ألا يسقيا غنمهما إلا بعد الناس لقوة الناس ولضعفهما، أو لكراهتهما التزاحم مع الناس ﴿ يُصْدِرَ ﴾ بضم الياء وكسر الدار فعل متعدّ، والمفعول محذوف تقديره حتى يصدر الرعاء مواشيهم، وقرأ أبو عمرو وابن عامر: يُصْدِرَ بفتح الياء وضم الدال أي ينصرفون عن الماء ﴿ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ أي لا يستطيع أن يباشر سقي غنمه، وهذا الشيخ هو شعيب عليه السلام في قول الجمهور، وقيل: ابن أخيه، وقيل: رجل صالح ليس من شعيب بنسب ﴿ فسقى لَهُمَا ﴾ أي أدركته شفقته عليهما فسقى غنمهما وروي أنه كان على فم البئر صخرة لا يرفعها إلا ثلاثون رجلاً فرفعها وحده ﴿ تولى إِلَى الظل ﴾ أي جلس في الظل، وروي أنه كان ظل سَمُرَة ﴿ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ طلب من الله ما يأكله وكان قد اشتدّ عليه الجوع.

<div class="verse-tafsir"

فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍۢ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٢٥

﴿ فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا ﴾ قبل هذا كلام محذوف تقديره: فذهبتا إلى أبيهما سريعتين، وكانت عادتهما الإبطاء في السقي، أخبرتاه بما كان من أمر سقي الرجل لهما، فأمر إحداهما أن تدعوه له فجاءته، واختلف هل التي جاءته الصغرى أو الكبرى ﴿ عَلَى استحيآء ﴾ رُويَ أنها سترت وجهها بكُم دِرْعِها والمجرور يتعلق بما قبله وقيل: بما بعده وهو ضعيف ﴿ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص ﴾ أي ذكر له قصته ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ أي قد نجوت من فرعون وقومه.

<div class="verse-tafsir"

قَالَتْ إِحْدَىٰهُمَا يَـٰٓأَبَتِ ٱسْتَـْٔجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ ٢٦

﴿ استأجره ﴾ أي اجعله أجيراً لك ﴿ إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين ﴾ هذا الكلام حكمة جامعة بليغة، روي أن أباها قال لها من أين عرفت قوته وأمانته، قالت أما قوته ففي رفعه الحجر عن فم البئر: وأما أمانته فإنه لم ينظر إليّ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ عَلَىٰٓ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَـٰنِىَ حِجَجٍۢ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًۭا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٢٧ قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا ٱلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَٰنَ عَلَىَّ ۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌۭ ٢٨ ۞ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارًۭا قَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًۭا لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍۢ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ٢٩

﴿ قَالَ إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي ﴾ زوجته التي دعته، واختلف هل زوّجه الكبرى أو الصغرى، واسم التي زوجه صفور، وقيل: صفوريا، ومن لفظ شعيب حَسُنَ أن يقال في عقود الأنكحة، أنكحه إياها أكثر من أن يقال أنكحها إياه ﴿ على أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ أيّ أزوجك بِنتي على أن تخدمني ثمانية أعوام، قال مكي: في هذه الآية خصائص في النكاح، منها أنه لم يعين الزوجة، ولا حدّ أول الأمد، وجعل المهر إجارة، قلت: فأما التعيين فيحتمل أن يكون عند عقد النكاح بعد هذه المراودة، وقد قال الزمخشري: إن كلامه معه لم يمكن عقد نكاح، وإنما كان مواعدة وأما ذكر أول الأمد، فالظاهر أنه من حيث العقد، وأما النكاح بالإجازة فظاهر من الآية، وقد قرر شرعنا حسبما ورد في الحديث الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم للرجل: «قد زوجكتها على ما معك من القرآن» ؛ أي على أن تعلمها ما عندك من القرآن، وقد أجاز النكاح بالإجازة الشافعي وابن حنبل وأبو حنيفة للآية والحديث، ومنعه مالك ﴿ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ ﴾ جعل الأعوام الثمانية شرطاً، ووكل العامين إلى مروءة موسى، فوفى له العشر، وقيل: وفي العشرة وعشراً بعدها، وهذا ضعيف لقوله.

﴿ فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل ﴾ أي الأجل المذكور ﴿ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ﴾ الأهل هنا الزوجة مشى بها إلى مصر ﴿ جَذْوَةٍ ﴾ أي قطعة، ويجوز كسر الجيم وضمها، وقد ذكر آنس، والطور، وتصطلون.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِىَ مِن شَـٰطِئِ ٱلْوَادِ ٱلْأَيْمَنِ فِى ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَـٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يَـٰمُوسَىٰٓ إِنِّىٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٣٠ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّۭ وَلَّىٰ مُدْبِرًۭا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَـٰمُوسَىٰٓ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ مِنَ ٱلْـَٔامِنِينَ ٣١ ٱسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍۢ وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ ۖ فَذَٰنِكَ بُرْهَـٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦٓ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًۭا فَـٰسِقِينَ ٣٢

﴿ شَاطِىءِ الوادي ﴾ جانبه والأيمن صفة للشاطئ اليمين، ويحتمل أن يكون من اليمن فيكون صفة للوادي ﴿ مِنَ الشجرة ﴾ روي: أنها كانت عوسجة ﴿ جَآنٌّ ﴾ ذكر من النمل ﴿ اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ أي أدخلها فيه، والجيب هو فتح الجبة من يحث يخرج الإنسان رأسه ﴿ واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ ﴾ الجناح اليد أو الإبط أو العضد، أمره الله لما خاف من الحية أن يضمه إلى جنبه ليخفَّ بذلك خوفه، فإن من شاء الإنسان إذا فعل ذلك في وقت فزعه أن يخف خوفه، وقيل: ذلك على وجه المجاز، والمعنى أنه أمر بالعزم على ما أمر به: كقوله اشدد حيازيمك واربط جأشك.

﴿ مِنَ الرهب ﴾ أي من أجل الرَّهْب، وهو الخوف، وفيه ثلاثة لغات: فتح الراء والهاء، وفتح الراء وإسكان الهاء، وضم الراء وإسكان الهاء ﴿ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ ﴾ أي حجتان والإشارة إلى العصا واليد ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ﴾ يتعلق بفعل محذوف يقتضيه الكلام.

<div class="verse-tafsir"

وَأَخِى هَـٰرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًۭا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًۭا يُصَدِّقُنِىٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ٣٤ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰنًۭا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِـَٔايَـٰتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ ٣٥

﴿ رِدْءاً ﴾ أي معيناً، وقرئ بالهمز وبغير همز على التسهيل من المهموز أو يكون من: أرديت أي زدت ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ﴾ استعارة في المعونة ﴿ بِآيَاتِنَآ ﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله: نجعل أو يصلون أو بالغالبون.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِى يَـٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّى صَرْحًۭا لَّعَلِّىٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ٣٨

﴿ فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين ﴾ أي اصنع الآجر لبنيان الصرح الذي رام أن يصعد منه إلى السماء، ورُوي أنه أول من عمل الآجر، وكان هامان وزير فرعون وانظر ضعف عقولهما وعقول قومهما، وجهلهم بالله تعالى في كونهم طمعوا أن يصلوا إلى السماء ببنيان الصرح، وقد روي أنه عمله وصعد عليه ورمى بسهم إلى السماء فرجع مخضوباً بدم، وذلك فتنة له ولقومه وتهكم بهم، ثم قال ﴿ وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكاذبين ﴾ يعني في دعوة الرسالة، والظن هنا يحتمل أن يكون على بابه أو بمعنى اليقين.

<div class="verse-tafsir"

وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةًۭ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ ٤١ وَأَتْبَعْنَـٰهُمْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةًۭ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ ٤٢

﴿ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار ﴾ أي كانوا يدعون الناس إلى الكفر المودجب للنار ﴿ مِّنَ المقبوحين ﴾ من المطرودين المبعدين، وقيل: قبحت وجوههم، وقيل: قبح ما فعل بهم وما يقال لهم.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ٤٤

﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي ﴾ خطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والمراد به إقامة حجة لإخباره بحال موسى، وهو لم يحضره والغربي المكان الذي في غربي الطور، وهو المكان الذي كلم الله فيه موسى، والأمر المقضي إلى موسى هو النبوة.

ومن الشاهدين: معناه من الحاضرين هناك.

<div class="verse-tafsir"

وَلَـٰكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُونًۭا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًۭا فِىٓ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِنَا وَلَـٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ٤٥

﴿ وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر ﴾ المعنى لم تحضر يا محمد للاطلاع على هذه الغيوب التي تخبر بها، ولكنها صارت إليك بوحينا فكان الواجب على الناس المسارعة إلى الإيمان بك، ولكن تطاول الأمر على القرون التي أنشأناها، فغابت عقولهم واستحكمت جهالتهم، فكفروا بك، وقيل: المعنى لكنا أنشأنا قروناً بعد زمان موسى فتطاول عليهم العمر، وطالت الفترة فأرسلناك على فترة من الرسل ﴿ ثَاوِياً ﴾ أي مقيماً.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَـٰكِن رَّحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍۢ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٤٦

﴿ إِذْ نَادَيْنَا ﴾ يعني تكليم موسى، والمراد بذلك إقامة حجة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لإخباره بهذه الأمور مع أنه لم يكن حاضراً حينئذ ﴿ ولكن رَّحْمَةً ﴾ انتصب على المصدر، أو على أنه مفعول من أجله والتقدير: ولكن أرسلناك رحمة منا لك ورحمة للخلق بك.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْلَآ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًۭا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٤٧ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا۟ لَوْلَآ أُوتِىَ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ مُوسَىٰٓ ۚ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۖ قَالُوا۟ سِحْرَانِ تَظَـٰهَرَا وَقَالُوٓا۟ إِنَّا بِكُلٍّۢ كَـٰفِرُونَ ٤٨

﴿ ولولا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ ﴾ لو هنا حرف امتناع ولولا الثانية عرض وتحضيض، والمعنى لولا أن تصيبهم مصيبة بكفرهم لم نرسل الرسل، وإنما أرسلناهم على وجه الإعذار وإقامة الحجة عليهم، لئلا يقولوا: ﴿ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق ﴾ يعني القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ قَالُواْ لولا أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ موسى ﴾ يعنون إنزال الكتاب عليه من السماء جملة واحدة، وقلب العصا حية وفلق البحر وشبه ذلك ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ ﴾ هذا ردّ عليهم فيما طلبوه، والمعنى أنهم كفروا بما أوتي موسى فلما آتينا محمداً مثل ذلك لكفروا به، ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ على هذا يتعلق بقوله: ﴿ أُوتِيَ موسى ﴾ ، ويحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ ﴾ ، إن كانت الآية في بني إسرائيل، والأول أحسن ﴿ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا ﴾ يعنون موسى وهارون، أو موسى ومحمداً صلى الله عليه وسلم والضمير في ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ ﴾ وفي ﴿ قَالُواْ ﴾ لكفار قريش وقيل: لآبائهم، وقيل لليهود والأول أظهر وأصح لأنهم المقصودون بالرد عليهم.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ فَأْتُوا۟ بِكِتَـٰبٍۢ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٤٩ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكَ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيْرِ هُدًۭى مِّنَ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٥٠

﴿ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ ﴾ أمر على وجه التعجيز لهم ﴿ أهدى مِنْهُمَآ ﴾ الضمير يعود على كتاب موسى وكتاب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ ﴾ قد علم أنهم لا يستجيبون للاتيان بكتاب هو أهدى منهما أبداً، ولكنه ذكره بحرف إن مبالغة في إقامة الحجة عليهم: كقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ﴾ [البقرة: 24]، فاعلم أنما يتبعون أهواهم: المعنى إن لم يأتوا بكتاب فاعلم أن كفرهم عناد واتباع أهوائهم، لا بحجة وبرهان.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٥١

﴿ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول ﴾ الضمير لكفار قريش، وقيل: لليهود والأول أظهر؛ لأن الكلام من أوله معهم، والقول هنا القرآن، و ﴿ وَصَّلْنَا لَهُمُ ﴾ : أبلغناه لهم، أو جعلناه موصلاً بعضه ببعض.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤْمِنُونَ ٥٢ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِۦ مُسْلِمِينَ ٥٣

﴿ الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب مِن قَبْلِهِ ﴾ يعني من أسلم من اليهود، وقيل: النجاشي وقومه، وقيل: نصارى نجران الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وهم عشرون رجلاً فآمنوا به، والضمير في قبله القرآن، وقولهم إنه الحق: تعليل لإيمانهم، وقولهم: ﴿ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ : بيان لأن إسلامهم قديم، لأنهم وجدوا ذكر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم قبل أن يبعث.

<div class="verse-tafsir"

أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا۟ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ٥٤

﴿ أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة فأعتقها وتزوّجها» ﴿ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ يعني صبرهم على إذاية قومهم لهم لما أسلما أو غير ذلك من أنواع الصبر ﴿ وَيَدْرَؤُنَ بالحسنة السيئة ﴾ أي يدفعون، ويحتمل أن يريد بالسيئة ما يقال لهم من الكلام القبيح، وبالحسنة ما يجاوبون به من الكلام الحسن، أو يريد سيئات أعمالهم وحسناتهم كقوله: ﴿ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ﴾ [هود: 114].

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا سَمِعُوا۟ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُوا۟ عَنْهُ وَقَالُوا۟ لَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى ٱلْجَـٰهِلِينَ ٥٥

﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو ﴾ يعني ساقط الكلام ﴿ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ هذا على وجه التبري والبعد من القائلين للغو ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ معناه هنا، المتاركة والمباعدة لا التحية، أو كأنه سلام الانصراف والبعد ﴿ لاَ نَبْتَغِي الجاهلين ﴾ أي لا نطلبهم للجدال والمراجعة في الكلام.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ٥٦

﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ «نزلت في أبي طالب إذ دعاه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول عند موته: لا إله إلا الله فقال: لولا أن يعايرني بها قريش لأقررت بها عينك ومات على الكفر» ، ولفظ الآية مع ذلك على عمومه ﴿ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ لفظ عام، وقيل: أراد به العباس بن عبد المطلب.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوٓا۟ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ۚ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًۭا يُجْبَىٰٓ إِلَيْهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَىْءٍۢ رِّزْقًۭا مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٥٧

﴿ وقالوا إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ﴾ القائلون لذلك قريش، وروي أن الذي قالها منهم: الحارث بن عامر بن نوفل، والهدى هو الإسلام، ومعناه الهدى على زعمك، وقيل: إنهم قالوا: قد علمنا أن الذي تقول حق، ولكن إن اتبعناك تخطفتنا العرب: أي أهلكونا بالقتال لمخالفة دينهم ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً ﴾ هذا ردّ عليهم فما اعتذروا به من تخطف الناس لهم، والمعنى أن الحرم لا تتعرض له العرب بقتال، ولا يمكن الله أحداً من إهلاك أهله، فقد كانت العرب يغير بعضهم على بعض، وأهل الحرم آمنون من ذلك ﴿ يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أي تجلب إليه الأرزاق مع أنه واد غير ذي زرع.

<div class="verse-tafsir"

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍۭ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَـٰكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنۢ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًۭا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَٰرِثِينَ ٥٨

﴿ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ﴾ معنى بطرت طغت وسفهت، ومعيشتها: نصب على التفسير مثل: سفه نفسه، أو لعى إسقاط حرف الجرّ تقديره: بطرت في معيشتها أو يتضمن معنى بطرت: كفرت ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ يعني: قليلاً من السكنى، أو قليلاً من الساكنين: أي لم يسكنها بعد إهلاكها إلا مارّاً على الطريق ساعة.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِىٓ أُمِّهَا رَسُولًۭا يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِنَا ۚ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى ٱلْقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَـٰلِمُونَ ٥٩

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى حتى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولاً ﴾ أم القرى مكة لأنها أول ما خلق الله في الأرض، ولأن فيها بيت الله، والمعنى أن الله أقام الحجة على أهل القرى؛ بأن بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في أم القرى، فإن كفروا أهلكهم بظلمهم بعد البيان لهم، وإقامة الحجة عليهم.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍۢ فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ٦٠ أَفَمَن وَعَدْنَـٰهُ وَعْدًا حَسَنًۭا فَهُوَ لَـٰقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَـٰهُ مَتَـٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ ٦١

﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ ﴾ الآية: تحقير للدنيا وتزهيد فيها وترغيب في الآخرة ﴿ أَفَمَن وَعَدْنَاهُ ﴾ الآية: إيضاح لما قبلها من البون بين الدنيا والآخرة، والمراد بمن وعدناه للمؤمنين، وبمن متعناه الكافرين، وقيل: سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم وأبو جهل، وقيل حمزة وأبو جهل، والعموم أحسن لفظاً، ومعنى من المحضرين أي من المحضرين في العذاب.

<div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ٦٢

﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ ﴾ العامل في الظرف مضمر، وفاعل ينادي: الله تعالى، ويحتمل أن يكون نداؤه بواسطة أو بغير واسطة، والمفعول به المشركون ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ﴾ توبيخ للمشركين ونسبهم إلى نفسه على زعمهم، ولذلك قال: ﴿ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ، فحذف المفعول وتقديره: تزعمون أنهم شركاء لي أو تزعمون أنهم شفعاء لكم.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَـٰهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ۖ تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كَانُوٓا۟ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ٦٣ وَقِيلَ ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُمْ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ۚ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَهْتَدُونَ ٦٤

﴿ قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول رَبَّنَا هؤلاء الذين أَغْوَيْنَآ ﴾ معنى ﴿ حَقَّ عَلَيْهِمُ القول ﴾ : وجب عليهم العذاب، والمراد بذلك رؤساء المشركين وكبراؤهم، والإشارة بقولهم: ﴿ هؤلاء الذين أَغْوَيْنَآ ﴾ : إلى أتباعهم من الضعفاء، فإن قيل: كيف الجمع بين قولهم ﴿ أَغْوَيْنَآ ﴾ وبين قولهم: ﴿ تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ ﴾ ، فإنهم اعترفوا بإغوائهم، وتبرأوا مع ذلك منهم؟

فالجواب إن إغوائهم لهم هو أمرهم لهم بالشرك، والمعنى أنا حملناهم على الشرك كما حملنا أنفسنا عليه، ولكن لم يكونوا يعبدوننا إنما كانوا يعبدون غيرنا، من الأصنام وغيرها فتبرأنا إليك من عبادتهم لنا، فتحصل من كلام هؤلاء الرؤساء أنهم اعترفوا أنهم أغووا الضعفاء، وتبرأوا من أن يكونوا هم آلهتهم فلا تناقض في الكلام، وقد قيل في معنى الآية غير هذا مما هو تكلف بعيد ﴿ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ ﴾ فيه أربعة أوجه: الأول أن المعنى لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا لم يعبدوا الأصنام، والثاني لو أنهم كانوا يهتدون لم يعذبوا والثالث لو أنهم كانوا يهتدون في الآخرة لحيلة يدفعون بها العذاب لفعلوا، فلو على هذه الأقوال حرف امتناع وجوابها محذوف، والرابع أن يكون للتمني: أي تمنوا لو كانوا مهتدين.

<div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ ٦٥ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَنۢبَآءُ يَوْمَئِذٍۢ فَهُمْ لَا يَتَسَآءَلُونَ ٦٦

﴿ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ﴾ أي هل صدقتم المرسلين أو كذبتموهم ﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنبآء يَوْمَئِذٍ ﴾ عميت عبارة عن حيرتهم، و ﴿ الأنبآء ﴾ الأخبار أي أظلمت عليهم الأمور، فلم يعرفوا ما يقولون ﴿ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ أي لا يسأل بعضهم بعضاً عن الأنباء لأنهم قد تساووا في الحيرة والعجز عن الجواب.

<div class="verse-tafsir"

وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٦٨

﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ﴾ قيل: سببها استغراب قريش لاختصاص سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة، فالمعنى أن الله يخلق ما يشاء، ويختار لرسالته من يشاء من عباده، ولفظها أعم من ذلك، والأحسن حمله على عمومه: أي يختار ما يشاء من الأمور على الاطلاق، ويفعل ما يريد ﴿ مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة ﴾ ما نافية، والمعنى ما كان للعباد اختيار إنما الاختيار، والإرادة لله وحده.

فالوقف على قوله ويختار، وقيل: إن ما مفعولة بيختار، ومعنى الخيرة على هذا الخير والمصلحة، وهذا يجري على قول المعتزلة، وذلك ضعيف؛ لرفع الخيرة على أنها اسم كان، ولو كانت ما مفعولة: لكان اسم كان مضمراً يعود على ما؛ وكانت الخيرة منصوبة على أنها خبر كان، وقد اعتذر عن هذا من قال: إن ما مفعولة بأن يقال: تقدير الكلام: يختار ما كان لهم الخيرة فيه، ثم حذف الجار والمجرور وهذا ضعيف، وقال ابن عطية: يتجه أن تكون ما مفعولة إذا قدرنا كان تامة، ويوقف على قوله ما كان: أي يختار كل كائن، ويكون ﴿ لهم الخيرة ﴾ جملة مستأنفة، وهذا بعيد جداً.

<div class="verse-tafsir"

وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ٦٩

﴿ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ﴾ أي ما تخفيه قلوبهم وعبر عن القلب بالصدر، لأنه يحتوي عليه.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلْأُولَىٰ وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٧٠ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَآءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ٧١ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍۢ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ٧٢ وَمِن رَّحْمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٧٣

﴿ لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة ﴾ قيل إن الحمد في الآخرة قولهم: ﴿ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾ [الزمر: 74] أو قولهم: ﴿ الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن ﴾ [فاطر: 34] وفي ذكر الأولى مع الآخرة مطابقة ﴿ سَرْمَداً ﴾ أي دائماً، والمراد بالآيات إثبات الوحدانية وإبطال الشرك، فإن قيل: كيف قال ﴿ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ ﴾ ، وهلا قال: يأتيكم بنهار في مقابلة قوله: ﴿ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ ﴾ فالجواب أنه ذكر الضياء لجملة ما فيه من المنافع والعبر ﴿ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ أي في الليل ﴿ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ أي في النهار، ففي الآية لف ونشر.

<div class="verse-tafsir"

وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًۭا فَقُلْنَا هَاتُوا۟ بُرْهَـٰنَكُمْ فَعَلِمُوٓا۟ أَنَّ ٱلْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ٧٥

﴿ وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ﴾ أي أخرجنا من كل أمة شهيداً منهم يشهد عليهم بأعمالهم وهو نبيهم، لأن كل نبي يشهد على أمته ﴿ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ أي هاتوا حجتكم على ما كنتم عليه من الكفر، وذلك إعذار لهم وتوبيخ وتعجيز.

<div class="verse-tafsir"

۞ إِنَّ قَـٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلْعُصْبَةِ أُو۟لِى ٱلْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُۥ قَوْمُهُۥ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ ٧٦

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ موسى ﴾ أي من بني إسرائيل، وكان ابن عم موسى وقيل ابن عمته، وقيل ابن خالته ﴿ فبغى عَلَيْهِمْ ﴾ أي تكبر وطغى، ومن ذلك كفره بموسى عليه السلام ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكنوز مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعصبة ﴾ المفاتح هي التي يفتح بها، وقيل: هي الخزائن، والأول أظهر، والعصبة جماعة الرجال من العشيرة إلى الأربعين، وتنوء معناه تثقل، يقال ناء به الحمل: إذا أثقله، وقيل: معنى تنوء تنهض بتحامل وتكلف، والوجه على هاذ أن يقال إن العصبة تنوء بالمفاتح، لكنه قلب كما جاء قلب الكلام عن العرب كثيراً، ولا يحتاج إلى قلب على القول الأول ﴿ لاَ تَفْرَحْ ﴾ الفرح هنا هو الذي يقود إلى الإعجاب والطغيان، ولذلك قال: ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين ﴾ ، وقيل السرور بالدنيا، لأنه لا يفرح بها إلا من غفل عن الآخرة ويدل على هذا قوله: ﴿ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ﴾ [الحديد: 23].

<div class="verse-tafsir"

وَٱبْتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ٧٧ قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِۦ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةًۭ وَأَكْثَرُ جَمْعًۭا ۚ وَلَا يُسْـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ ٧٨

﴿ وابتغ فِيمَآ آتَاكَ الله الدار الآخرة ﴾ أي اقصد الآخرة بما أعطاك الله من المال، وذلك بفعل الحسنات والصدقات ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا ﴾ أي لا تضيع حظك من دنياك وتمتع بها مع عملك إنما هو بما يعمل فيها من الخير، فالكلام على هذا وعظ، وعلى الأول إباحة للتمتع بالدنيا لئلا ينفر عن قبول الموعظة ﴿ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ﴾ أي أحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليك بالغنى قال: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي ﴾ لما وعظه قومه أجابهم بهذا على وجه الردل عليهم، والروغان عما ألزموه من الموعظة، والمعنى: أن هذا المال إنما أعطاه الله لي بالاستحقاق له بسبب علم عندي استجوبته به، اختلف في هذا العلم فقيل: إنه علم الكيمياء وقيل: التجارب للأمور والمعرفة بالمكاسب، وقيل: حفظه التوراة وهذا بعيد، لأنه كان كافراً، قيل: المعنى إنما أوتيته على علم من الله وتخصيص خصني به، ثم جعل قوله عندي كما تقول في ظني واعتقادي ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون ﴾ هذا ردّ عليه في اغتراره بالدنيا وكثرة جمعه للمال أو جمعه للخدم، والأول أظهر.

﴿ وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون ﴾ في معناه قولان: أحدهما أنه متصل بما قبله، والضمير في ذنوبهم يعود على القرون المتقدمة، والمجرمون من بعدهم أي: لا يسأل المجرمون عن ذنوب من تقدمهم من الأمم الهالكة؛ لأن كل أحد إنما يسأل عن ذنوبه خاصة، والثاني: أنه إخبار عن حال المجرمين في الآخرة؛ وأنهم لا يسألون عن ذنوبهم؛ لكونهم يدخلون النار من غير حساب، والصحيح أنهم يحاسبون على ذنوبهم ويسألون عنها لقوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [الحجر: 92-93] وأن هذا السؤال المنفي السؤال على وجه الاختبار وطلب التعريف، لأنه لا يحتاج إلى سؤالهم على هذا الوجه؛ لكن يسألون على وجه التوبيخ، وحيثما ورد في القرآن إثبات السؤال في الآخرة، فهو على معنى المحاسبة والتوبيخ، وحيثما ورد نفيه فهو على وجه الاستخبار والتعريف، ومنه قوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ [الرحمن: 39].

<div class="verse-tafsir"

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ فِى زِينَتِهِۦ ۖ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا يَـٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِىَ قَـٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍۢ ٧٩ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا وَلَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلصَّـٰبِرُونَ ٨٠ فَخَسَفْنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٍۢ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ ٨١ وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْا۟ مَكَانَهُۥ بِٱلْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَآ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ٨٢

﴿ فَخَرَجَ على قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾ في ثياب حمر، وقيل: في عبيده وحاشيته، واللفظ أعم من ذلك ﴿ وَيْلَكُمْ ﴾ زجر للذين تمنوا مثل حال قارون ﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الصابرون ﴾ الضمير عائد على الخصال التي دل عليها الكلام المتقدم، وهو الإيمان والعمل الصالح، وقيل: على الكلمة التي قالها الذين أوتوا العلم: أي لا تصدر الكلمة إلا عن الصابرين، والصبر هنا إمساك النفس عن الدنيا وزينتها ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض ﴾ روي أن قارون لما بغى على بني إسرائيل وآذى موسى دعى موسى عليه السلام عليه، فأوحى إليه أن قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه وفي أتباعه، فقال موسى: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الركب فاستغاثوا بموسى فقال: يا أرض خذيهم حتى تمّ بهم الخسف ﴿ مَكَانَهُ ﴾ أي منزلته في المال والعزة ﴿ بالأمس ﴾ يحتمل أن يريد به اليوم الذي كان قبل ذلك اليوم أو ما تقدم من الزمان القريب ﴿ وَيْكَأَنَّ ﴾ مذهب سيبويه أن وي حرف تنبيه، ثم ذكرت بعدها كأن، والمعنى على هذا أنهم تنبهوا لخطئهم في قولهم: ﴿ ياليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ ﴾ ، ثم قالوا: ﴿ وَيْكَأَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ﴾ : أي ما أشبه الحال بهذا، وقال الكوفيون: ويك هو ويلك حذفت منها اللام لكثرة الاستعمال، ثم ذكرت بعدها أن، والمعنى ألم يعلموا أن الله.

وقيل: ويكأن كلمة واحدة معناها ألم تعلم.

<div class="verse-tafsir"

تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّۭا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًۭا ۚ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ٨٣

﴿ عُلُوّاً فِي الأرض ﴾ أي تكبراً وطغياناً لا رفعة المنزلة، فإن إرادتها جائزة.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍۢ ۚ قُل رَّبِّىٓ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ٨٥

﴿ فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن ﴾ أي أنزله عليك وأثبته، وقيل المعنى أعطاك القرآن، والمعنى متقارب، وقيل فرض عليك أحكام القرآن، فهي على حذف مضاف ﴿ لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ ﴾ المعاد الموضع الذي يعاد إليه، فقيل: يعني مكة، والآية نزلت حين الهجرة، ففيها وعد بالرجوع إلى مكة وفتحها، وقيل: يعني الآخرة فمعناها إعلام بالحشر، وقيل يعني الجنة.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا كُنتَ تَرْجُوٓا۟ أَن يُلْقَىٰٓ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبُ إِلَّا رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًۭا لِّلْكَـٰفِرِينَ ٨٦

﴿ وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب ﴾ أي ما كنت تطمع أن تنال النبوّة، ولا أن ينزل عليك الكتاب، ولكن الله رحمك بذلك ورحم الناس بنبوّتك، والاستثناء بمعنى لكن فهو منقطع.

ويحتمل أن يكون متصلاً.

والمعنى ما أنزل عليك الكتاب إلا رحمة من ربك لك ورحمة للناس، ورحمة على هذا مفعول ما أجله أو حال، وعلى الأول منصوب على الاستثناء.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ ۖ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٨٧ وَلَا تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ ۘ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُۥ ۚ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٨٨

﴿ وادع إلى رَبِّكَ ﴾ يحتمل أن يكون من الدعاء بمعنى الرغبة، أو من دعوة الناس إلى الإيمان بالله، فالمفعول محذوف على هذا تقديره: ادع الناس ﴿ وَلاَ تَدْعُ ﴾ أي لا تعبد ﴿ مَعَ الله إلها آخَرَ لاَ إله إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ الآية.

أي إلا إياه، والوجه هنا عبارة عن الذات.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.5 / 29.5
الإضاءة 30%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل