الآية ٣٢ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٣٢ من سورة هود

قَالُوا۟ يَـٰنُوحُ قَدْ جَـٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ٣٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٢ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٢ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن استعجال قوم نوح نقمة الله وعذابه وسخطه ، والبلاء موكل بالمنطق : ( قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ) أي : حاججتنا فأكثرت من ذلك ، ونحن لا نتبعك ( فأتنا بما تعدنا ) أي : من النقمة والعذاب ، ادع علينا بما شئت ، فليأتنا ما تدعو به ، ( إن كنت من الصادقين)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: قال قوم نوح لنوح عليه السلام: قد خاصمتنا فأكثرت خصومتنا ، (1) فأتنا بما تعدنا من العذاب ، إن كنت من الصادقين في عِداتك ودَعواك أنك لله رسول.

يعني: بذلك أنه لن يقدر على شيء من ذلك.

* * * 18117- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (جادلتنا)، قال: ماريتنا.

18118- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

18119- وحدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

18120- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: (قالوا يا نوح قد جادلتنا) ، قال: ماريتنا ، (فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا) ، قال ابن جريج: تكذيبًا بالعذاب، وأنه باطلٌ(فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا) ، قال ابن جريج: تكذيبًا بالعذاب، وأنه باطلٌ.

------------------------ الهوامش : (1) انظر تفسير " الجدال " فيما سلف 12 : 523 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا أي خاصمتنا فأكثرت خصومتنا وبالغت فيها .

والجدل في كلام العرب المبالغة في الخصومة ; مشتق من الجدل وهو شدة الفتل ; ويقال للصقر أيضا أجدل لشدته في الطير ; وقد مضى هذا المعنى في " الأنعام " بأشبع من هذا .

وقرأ ابن عباس " فأكثرت جدلنا " ذكره النحاس .

والجدل في الدين محمود ; ولهذا جادل نوح والأنبياء قومهم حتى يظهر الحق ، فمن قبله أنجح وأفلح ، ومن رده خاب وخسر .

وأما الجدال لغير الحق حتى يظهر الباطل في صورة الحق فمذموم ، وصاحبه في الدارين ملوم .فأتنا بما تعدنا أي من العذاب .إن كنت من الصادقين في قولك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلما رأوه، لا ينكف عما كان عليه من دعوتهم، ولم يدركوا منه مطلوبهم { قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب { إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } فما أجهلهم وأضلهم، حيث قالوا هذه المقالة، لنبيهم الناصح.

فهلا قالوا: إن كانوا صادقين: يا نوح قد نصحتنا، وأشفقت علينا, ودعوتنا إلى أمر، لم يتبين لنا، فنريد منك أن تبينه لنا لننقاد لك، وإلا فأنت مشكور في نصحك.

لكان هذا الجواب المنصف، الذي قد دعي إلى أمر خفي عليه، ولكنهم في قولهم، كاذبون، وعلى نبيهم متجرئون.

ولم يردوا ما قاله بأدنى شبهة، فضلا عن أن يردوه بحجة.ولهذا عدلوا - من جهلهم وظلمهم - إلى الاستعجال بالعذاب، وتعجيز الله

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قالوا يا نوح قد جادلتنا ) خاصمتنا ، ( فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا ) من العذاب ( إن كنت من الصادقين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قالوا يا نوح قد جادلتنا» خاصمتنا «فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا» به من العذاب «إن كنت من الصادقين» فيه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قالوا: يا نوح قد حاججتنا فأكثرت جدالنا، فأتنا بما تعدنا من العذاب إن كنت من الصادقين في دعواك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وهكذا نجد نوحا - عليه السلام - يشرح لقومه بأسلوب مهذب حكيم حقيقة أمره ، ويرد على شبهاتهم بما يزهقها .

.

.وعندما وجدوا أنفسهم عاجزين عن الرد على نبيهم بأسلوب مقارعة الحجة بالحجة ، لجأوا - على عادة طبقتهم - إلى أسلوب التحدى وقد أخذتهم العزة بالإِثم فقالوا - كما حكى القرآن عنهم :( قَالُواْ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا .

.

.

)أى : قال قوم نوح - عليه السلام - له بعد أن غلبهم بحجته ، وعجزوا عن الدفاع عن أنفسهم : ( يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا .

.

.

)أى : خاصمتنا ونازعتنا فأكثرت فى ذلك حتى لم تترك لنا منفذا للرد عليك ، والجدال : هو المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة .

وأصله - كما يقول الآلوسى - من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله ، ومنه الجديل - أى الحبل المفتول - وجدلت البناء : أحكمته ، والأجدال : الصقر المحكم البنية ، والمجدل - كمنبر القصر المحكم البناء .

.

.وسميت المنازعة فى الرأى جدالا ، لأن كل واحد من المتجادلين كأنما ، يفتل الآخر عن رأيه - أى بصرفه عنه - .

.

.وقيل : الأصل فى الجدال الصراع ، وإسقاط الإِنسان صاحبه على الجدالة - بفتح الجيم - أى : الأرض الصلبة .ثم أضافوا إلى هذا العجز عن مجابهة الحجة سفاهة فى القول فقالوا : ( فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ) .أى : لقد سئمنا مجادلتك لنا ومللناها ، فأتنا بالعذاب الذى تتوعدنا به ، إن كنت من الصادقين فى دعواك النبوة ، وفى وعيدك لنا بعقاب الله ، فإننا مصرون على عبادة آلهتنا ، وكارهون لما تدعونا إليه .وهذا شأن الجاهل المعاند ، إنه بشهر السيف إذا أعجزته الحجة ، ويعلن التحدى إذا يئس عن مواجهة الحق .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الكفار لما أوردوا تلك الشبهة.

وأجاب نوح عليه السلام عنها بالجوابات الموافقة الصحيحة أورد الكفار على نوح كلامين: الأول: أنهم وصفوه بكثرة المجادلة فقالوا: يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا، وهذا يدل على أنه عليه السلام كان قد أكثر في الجدال معهم، وذلك الجدال ما كان إلا في إثبات التوحيد والنبوة والمعاد، وهذا يدل على أن الجدال في تقرير الدلائل وفي إزالة الشبهات حرفة الأنبياء، وعلى أن التقليد والجهل والإصرار على الباطل حرفة الكفار.

والثاني: أنهم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به، فقالوا: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ﴾ ثم إنه عليه السلام أجاب عنه بجواب صحيح فقال: ﴿ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَاء وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ والمعنى أن إنزال العذاب ليس إلي وإنما هو خلق الله تعالى فيفعله إن شاء كما شاء، وإذا أراد إنزال العذاب فإن أحداً لا يعجزه، أي لا يمنعه منه، والمعجز هو الذي يفعل ما عنده لتعذر مراد الغير فيوصف بأنه أعجزه، فقوله: ﴿ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي لا سبيل لكم إلى فعل ما عنده، فلا يمتنع على الله تعالى ما يشاء من العذاب إن أراد إنزاله بكم، وقد قيل معناه: وما أنتم بمانعين، وقيل: وما أنتم بمصونين، وقيل: وما أنتم بسابقين إلى الخلاص، وهذه الأقوال متقاربة.

واعلم أن نوحاً عليه السلام لما أجاب عن شبهاتهم ختم الكلام بخاتمة قاطعة، فقال: ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ ﴾ أي إن كان الله يريد أن يغويكم فإنه لا ينفعكم نصحي ألبتة، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الله تعالى قد يريد الكفر من العبد، وأنه إذا أراد منه ذلك فإنه يمتنع صدور الإيمان منه، قالوا: إن نوحاً عليه السلام قال: ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ﴾ والتقدير: لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم ويضلكم، وهذا صريح في مذهبنا، أما المعتزلة فإنهم قالوا ظاهر الآية يدل على أن الله تعالى إن أراد إغواء القوم لم ينتفعوا بنصح الرسول، وهذا مسلم، فإنا نعرف أن الله تعالى لو أراد إغواء عبد فإنه لا ينفعه نصح الناصحين، لكن لم قلتم إنه تعالى أراد هذا الإغواء فإن النزاع ما وقع إلا فيه، بل نقول إن نوحاً عليه السلام إنما ذكر هذا الكلام ليدل على أنه تعالى ما أغواهم، بل فوض الاختيار إليهم وبيانه من وجهين: الأول: أنه عليه السلام بين أنه تعالى لو أراد إغواءهم لما بقي في النصح فائدة فلو لم يكن فيه فائدة لما أمره بأن ينصح الكفار، وأجمع المسلمون على أنه عليه السلام مأمور بدعوة الكفار ونصيحتهم، فعلمنا أن هذا النصح غير خال عن الفائدة، وإذا لم يكن خالياً عن الفائدة وجب القطع بأنه تعالى ما أغواهم، فهذا صار حجة لنا من هذا الوجه.

الثاني: أنه لو ثبت الحكم عليهم بأن الله تعالى أغواهم لصار هذا عذراً لهم في عدم إتيانهم بالإيمان ولصار نوح منقطعاً في مناظرتهم، لأنهم يقولون له إنك سلمت أن الله أغوانا فإنه لا يبقى في نصحك ولا في جدنا واجتهادنا فائدة، فإذا ادعيت بأن الله تعالى قد أغوانا فقد جعلتنا معذورين فلم يلزمنا قبول هذه الدعوة، فثبت أن الأمر لو كان كما قاله الخصم، لصار هذا حجة للكفار على نوح عليه السلام، ومعلوم أن نوحاً عليه السلام لا يجوز أن يذكر كلاماً يصير بسببه مفحماً ملزماً عاجزاً عن تقرير حجة الله تعالى، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية لا تدل على قول المجبرة، ثم إنهم ذكروا وجوهاً من التأويلات: الأول: أولئك الكفار كانوا مجبرة، وكانوا يقولون إن كفرهم بإرادة الله تعالى، فعند هذا قال نوح عليه السلام: إن نصحه لا ينفعهم إن كان الأمر كما قالوا، ومثاله أن يعاقب الرجل ولده على ذنبه فيقول الولد: لا أقدر على غير ما أنا عليه، فيقول الوالد فلن ينفعك إذاً نصحي ولا زجري، وليس المراد أنه يصدقه على ما ذكره بل على وجه الإنكار لذلك.

الثاني: قال الحسن معنى ﴿ يُغْوِيَكُمْ ﴾ أي يعذبكم، والمعنى: لا ينفعكم نصحي اليوم إذا نزل بكم العذاب فآمنتم في ذلك الوقت، لأن الإيمان عند نزول العذاب لا يقبل، وإنما ينفعكم نصحي إذا آمنتم قبل مشاهدة العذاب.

الثالث: قال الجبائي: الغواية هي الخيبة من الطلب بدليل قوله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً  ﴾ أي خيبة من خير الآخرة قال الشاعر: ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً *** الرابع: أنه إذا أصر على الكفر وتمادى فيه منعه الله تعالى الألطاف وفوضه إلى نفسه، فهذا شبيه ما إذا أراد إغواءه فلهذا السبب حسن أن يقال إن الله تعالى أغواه هذا جملة كلمات المعتزلة في هذا الباب.

والجواب عن أمثال هذه الكلمات قد ذكرناه مراراً وأطواراً فلا فائدة في الإعادة.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ﴾ جزاء معلق على شرط بعده شرط آخر وهذا يقتضي أن يكون الشرط المؤخر في اللفظ مقدماً في الوجود وذلك لأن الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار، كان المفهوم كون ذلك الطلاق من لوازم ذلك الدخول، فإذا ذكر بعده شرطاً آخر مثل أن يقول: إن أكلت الخبز كان المعنى أن تعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول مشروط بحصول هذا الشرط الثاني والشرط مقدم على المشروط في الوجود فعلى هذا إن حصل الشرط الثاني تعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول إما إن لم يوجد الشرط المذكور ثانياً لم يتعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول، هذا هو التحقيق في هذا التركيب، فلهذا المعنى قال الفقهاء: إن الشرط المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى، والمقدم في اللفظ مؤخر في المعنى.

واعلم أن نوحاً عليه السلام لما قرر هذه المعاني قال: ﴿ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ وهذا نهاية الوعيد أي هو إلهكم الذي خلقكم ورباكم ويملك التصرف في ذواتكم وفي صفاتكم قبل الموت وعند الموت وبعد الموت مرجعكم إليه وهذا يفيد نهاية التحذير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ﴾ معناه: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته، كقولك: جاد فلان فأكثر وأطاب ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا ﴾ من العذاب المعجل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا ﴾ خاصَمْتَنا.

﴿ فَأكْثَرْتَ جِدالَنا ﴾ فَأطَلْتَهُ أوْ أتَيْتَ بِأنْواعِهِ.

﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ﴾ مِنَ العَذابِ.

﴿ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ في الدَّعْوى والوَعِيدِ فَإنَّ مُناظَرَتَكَ لا تُؤَثِّرُ فِينا.

﴿ قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ ﴾ عاجِلًا أوْ آجِلًا.

﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ أوِ الهَرَبِ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالُواْ يَا نُوحٌ قَدْ جَادَلْتَنَا} خاصمتنا {فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا} من العذاب {إِن كُنتَ مِنَ الصادقين} في وعدك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا ﴾ أيْ خاصَمْتَنا ونازَعْتَنا وأصْلُهُ مِن جَدَلْتُ الحَبْلَ أيْ أحْكَمْتُ فَتْلَهُ ومِنهُ الجَدِيلُ وجَدَلْتُ البِناءَ أحْكَمْتُهُ، ودِرْعٌ مَجْدُولَةٌ والأجْدَلُ الصَّقْرُ المُحْكَمُ البِنْيَةَ والمِجْدَلُ القَصْرُ المُحْكَمُ البِناءَ، وسُمِّيَتِ المُنازَعَةُ جِدالًا لِأنَّ المُتَجادِلَيْنِ كَأنَّهُما يَفْتِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ عَنْ رَأْيِهِ، وقِيلَ: الأصْلُ في الجِدالِ الصِّراعُ وإسْقاطُ الإنْسانِ صاحِبَهُ عَلى الجَدالَةِ وهي الأرْضُ الصُّلْبَةُ.

﴿ فَأكْثَرْتَ جِدالَنا ﴾ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ عَلى مَعْنى شَرَعْتَ في جِدالِنا فَأطَلْتَهُ أوْ أتَيْتَ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الجِدالِ فَأعْقَبْتَهُ بِأنْواعٍ أُخَرَ، فالفاءُ عَلى ظاهِرِها ولا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِ جادَلْتَنا بِأرَدْتَ جِدالَنا كَما قالَهُ الجُمْهُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ ونَظِيرُ ذَلِكَ جادَلَ فُلانٌ فَأكْثَرَ، وجَعَلَ بَعْضُهم مَجْمُوعَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ التَّمادِي والِاسْتِمْرارِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما جَدَلَنا، وهو -كَما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ- اسْمٌ بِمَعْنى الجِدالِ ولَمّا حَجَّهم عَلَيْهِ السَّلامُ وأبْرَزَ لَهم ما ألْقَمَهم بِهِ الحَجْرَ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ وقالُوا: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا مِنَ العَذابِ المُعَجَّلِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ العَذابَ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ ﴾ بِناءً عَلى أنْ لا يَكُونَ المُرادُ بِاليَوْمِ يَوْمَ القِيامَةِ و(ما) مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ بِالَّذِي تَعِدُنا بِهِ، وفي البَحْرِ تَعِدْناهُ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وفِيهِ نَوْعُ تَكَلُّفٍ ﴿ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ في حُكْمِكَ بِلُحُوقِ العَذابِ إنْ لَمْ نُؤْمِن بِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ يعني: لو طردتهم فيعذبني الله بذلك، فمن يمنعني من عذاب الله، إن طردتهم عن مجلسي؟

أَفَلا تَذَكَّرُونَ أي: أفلا تَتَّعِظُون ولا تفهمون أنّ مَنْ آمن بالله لا يُطْرَدُ؟.

ثم قال: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ يعني: مفاتيح الله في الرزق، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ أن الله يهديكم أم لا.

ويقال: وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ، يعني: علم ما غاب عني، وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ من الملائكة، وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ يعني: تحتقر أعينكم من السفلة، لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً يعني: لا أقول إن الله تعالى لا يكرمهم بالإيمان، ولا يهدي من هو حقير في أعينكم، ولكن الله يَهْدِى مَن يشاء.

ثم قال: اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ يعني: بما في قلوبهم من التصديق والمعرفة، إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ يعني: إن طردتهم فلم أقبل منهم الإيمان، بسبب احتقاركم إياهم ما لم أعلم ما في قلوبهم، كنت ظالماً على نفسي.

فعجز قومه عن جوابه، قالُوا يَا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا، قال مقاتل: يعني: ماريتنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا يعني: مراءنا.

وقال الكلبي: دعوتنا فأكثرت دعاءنا.

ويقال: وعظتنا فأكثرت موعظتنا.

فَأْتِنا بِما تَعِدُنا يعنيَ: لا نقبل موعظتك، فأتنا بما تعدنا من العذاب، إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ بأن العذاب نازل بنا.

قالَ لهم نوح: إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ إن شاء يُعذبكم، وإن شاء يصرفه عنكم، وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ يعني: إن أراد أن يعذبكم لا تفوتون من عذابه.

ثم قال: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي يعني: دعائي وتحذيري ونصيحتي، إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ يعني: إن أردت أن أدعوكم من الشرك إلى التوحيد والتوبة والإيمان، إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ يعني: لا تنفعكم دعوتي، إن أراد الله أن يضلكم عن الهدى، ويترككم على الضلالة ويهلككم.

هُوَ رَبُّكُمْ يعني: هو أولى بكم.

ويقال: هو ربكم رب واحد ليس له شريك وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يعني: بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم.

ثم قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قَال مقاتل: هذا الخطاب لأهل مكة، معناه: أَتقولون إن محمداً تقوله من ذات نفسه قُلْ لهم: إِنِ افْتَرَيْتُهُ من ذات نفسي فَعَلَيَّ إِجْرامِي يعني: خطيئتي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ يعني من خطاياكم.

وقال الكلبي: هذا الخطاب أيضاً لقوم نوح، يعني: قوم نوح أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ يعني: اختلقه من ذات نفسه.

فقال لهم نوح: إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي يعني: آثامي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ يعني: مما تأثمون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)

وقوله سبحانه: قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ...

الآية: كأنه قال: أرأيتم إِن هدانِي اللَّهُ وأضلَّكم أَأُجبرُكُمْ على الهدَى، وأنتم له كارِهُونَ، وعبارة نوحٍ عليه السلام كانَتْ بلغته دالَّة على المعنى القائِم بنَفْسه، وهو هذا المفهومُ مِنْ هذه العبارة العربيَّة، فبهذا استقام أنْ يقال: قال كذا وكذا إِذ القوم ما أفاد المعنى القائِمَ في النَّفْس، وقوله: عَلى بَيِّنَةٍ أي: على أمْرٍ بيِّن جَلِيٍّ، وقرأ الجمهور:

«فَعَمِيَتْ» «١» ولذلك وجهان من المعنَى:

أحدهما: خَفِيَتْ.

والثاني: أَنْ يكون المعنَى: فَعُمِّيتُمْ أنتم عنها.

وقوله: أَنُلْزِمُكُمُوها: يريد: إِلزامَ جبر كالقتال ونحوه، وأما إِلزامُ الإِيجاب، فهو حاصلٌ.

وقوله: وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا: يقتضي أَنَّ قومه طلبوا طَرْدَ الضعفاءِ الذين بادَرُوا إِلى الإِيمان به نَظِيرَ ما اقترحت قريش، وتَزْدَرِي: أصله: تَزْتَرِي تَفْتَعِلُ مِنْ زَرَى يَزْرِي، ومعنى: تَزْدَرِي: تحتقر، و «الخير» هنا: يظهر فيه أَنَّهُ خيرُ الآخرة، اللَّهم إِلا أَنْ يكونَ ازدراؤهم من جهة الفَقْر، فيكون الخَيْرُ المال وقد قال بعضُ المفسِّرين: حيثُ ما ذَكَرَ الله الخير/ في القرآن، فهو المال.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي ﴾ أيْ: مَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أرادَ بِالخَزائِنِ: عَلِمَ الغَيْبِ المَطْوِيَّ عَنِ الخَلْقِ، لِأنَّهم قالُوا لَهُ: إنَّما اتَّبَعَكَ هَؤُلاءِ في الظّاهِرِ ولَيْسُوا مَعَكَ، فَقالَ لَهم: لَيْسَ عِنْدِي خَزائِنُ غُيُوبِ اللَّهِ فَأعْلَمَ ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ الضَّمائِرُ.

وإنَّما قِيلَ لِلْغُيُوبِ: خَزائِنُ لِغُمُوضِها عَنِ النّاسِ واسْتِتارِها عَنْهم.

قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: إنَّما آياتُ القُرْآنِ خَزائِنُ، فَإذا دَخَلْتَ خِزانَةً فاجْتَهِدْ أنْ لا تَخْرُجَ مِنها حَتّى تَعْرِفَ ما فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ قِيلَ: إنَّما قالَ لَهم هَذا، لِأنَّ أرْضَهم أجْدَبَتْ، فَسَألُوهُ: مَتى يَجِيءُ المَطَرُ ؟

وقِيلَ: بَلْ سَألُوهُ: مَتى يَجِيءُ العَذابُ ؟

فَقالَ: ولا أعْلَمُ الغَيْبَ.

وقَوْلُهُ: " ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ " جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا  ﴾ .

﴿ وَلا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكُمْ ﴾ أيْ: تَحْتَقِرُ وتَسْتَصْغِرُ المُؤْمِنِينَ.

قالَ الزَّجّاجُ: " تَزْدَرِي " تَسْتَقِلُّ وتَسْتَخِسُّ، يُقالُ: زَرَيْتُ عَلى الرَّجُلِ: إذا عِبْتَ عَلَيْهِ وخَسَسْتَ فِعْلَهُ، وأزْرَيْتُ بِهِ: إذا قَصَّرْتَ بِهِ.

وأصْلُ تَزْدَرِي: تَزْتَرِي، إلّا أنَّ هَذِهِ التّاءَ تُبْدَلُ بَعْدَ الزّايِ دالًا، لِأنَّ التّاءَ مِن حُرُوفِ الهَمْسِ، وحُرُوفُ الهَمْسِ خَفِيَّةً، فالتّاءُ بَعْدَ الزّايِ تُخْفى، فَأُبْدِلَتْ مِنها الدّالَ لِجَهْرِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إيمانًا.

ومَعْنى الكَلامِ: لَيْسَ لِي أنْ أطَّلِعَ عَلى ما في نُفُوسِهِمْ فَأقْطَعَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ، ولَيْسَ لِاحْتِقارِكم إيّاهم يَبْطُلُ أجْرُهم.

﴿ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ ﴾ إنْ قُلْتُ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقِيلَ إنْ طَرَدْتُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ جادَلْتَنا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجِدالُ: هو المُبالَغَةُ في الخُصُومَةِ والمُناظَرَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الجَدْلِ، وهو شِدَّةُ الفَتْلِ، ويُقالُ لِلصَّقْرِ: أجْدَلُ، لِأنَّهُ مِن أشَدِّ الطَّيْرِ.

ويُقْرَأُ " فَأكْثَرْتَ جَدْلَنا " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنُونَ العَذابَ.

" إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ " أنَّهُ يَأْتِينا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ ﴾ أيْ: أنْصَحُكم.

وفي هَذِهِ الآيَةِ شَرْطانِ، فَجَوابُ الأوَّلِ النُّصْحُ، وجَوابُ الثّانِي النَّفْعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يُضِلَّكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يُهْلِكَكم، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقالَ: هو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ.

الثّالِثُ: يُضِلَّكم ويُهْلِكَكم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ رَبُّكُمْ ﴾ أيْ: هو أوْلى بِكم، يَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ كَما يَشاءُ ﴿ وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ بَعْدَ المَوْتِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهِ خَيْرًا اللهِ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ وَلا أقُولُ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالا  ﴾ ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنِّي لا أُمَوِّهُ عَلَيْكم ولا أتَعاطى غَيْرَ ما أهَّلَنِي اللهُ لَهُ، فَلَسْتُ أقُولُ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ، يُرِيدُ القُدْرَةَ الَّتِي يُوجَدُ بِها الشَيْءُ بَعْدَ حالِ عَدَمِهِ، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَوْجُوداتِ كالرِياحِ والماءِ، ونَحْوُهُ كَثِيرٌ بِإبْداعِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَإنَّ سُمِّي ذَلِكَ- عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ- مُخْتَزَنًا فَيُشْبِهُ.

ألا تَرى المَرْوِيَّ في في أمْرِ رِيحِ عادٍ أنَّهُ فَتَحَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِيحِ قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوْ كانَ عَلى قَدْرِ مِنخَرِ الثَوْرِ لِأهْلَكَ الأرْضَ.

ورُوِيَ أنَّ الرِيحَ عَتَتْ عَلى المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِتَقْدِيرِها فَلِذَلِكَ وصَفَها اللهُ تَعالى بِالعُتُوِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: عَتَتْ عَلى الخَزّانِ.

فَهَذا ونَحْوُهُ يَقْتَضِي أنَّ ثَمَّ خَزائِنَ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ ، ثُمَّ انْحَطَّ عَلى هاتَيْنِ فَقالَ: ﴿ وَلا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ﴾ ، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ فَضْلُ المَلَكِ عَلى البَشَرِ وعَلى النَبِيِّ  وهي مَسْألَةُ اخْتِلافٍ.

وظَواهِرُ القُرْآنِ عَلى ما قُلْناهُ.

وإنْ أخَذْنا قَوْلَهُ: ﴿ وَلا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ﴾ عَلى حَدِّ أنْ لَوْ قالَ: "وَلا أقُولُ إنِّي كَوْكَبٌ أو نَحْوُهُ" زالَتْ طَرِيقَةُ التَفْضِيلِ، ولَكِنَّ الظاهِرَ هو ما ذَكَرْنا.

و"تَزْدَرِي" أصْلُهُ: تَزْتَرِي "تَفْتَعِلُ" مَن زَرى يَزْرِي ومَعْنى "تَزْدَرِي": تَحْتَقِرُ.

و"الخَيْرُ" هُنا يَظْهَرُ فِيهِ أنَّهُ خَيْرُ الآخِرَةِ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ازْدِراؤُهم مِن جِهَةِ الفَقْرِ، فَيَكُونُ الخَيْرُ المالَ وقَدْ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: حَيْثُما ذَكَرَ اللهُ الخَيْرَ في القُرْآنِ فَهو المالُ.

وفي هَذا الكَلامِ تَحامُلٌ، والَّذِي يُشْبِهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَيْثُما ذُكِرَ الخَيْرُ فَإنَّ المالَ يَدْخُلُ فِيهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ اللهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ ﴾ تَسْلِيمٌ لِلَّهِ تَعالى، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِن هَذا وإنَّما يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ويَخْرُجُ حُكْمُهُ إلى حَيِّزِ الوُجُودِ اللهُ تَعالى الَّذِي يَعْلَمُ ما في نُفُوسِهِمْ ويُجازِيهِمْ بِذَلِكَ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمُ:اتَّبَعَكَ أراذِلُنا عَلى ما يَظْهَرُ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: حَسَبَما تَقَدَّمَ في بَعْضِ تَأْوِيلاتِ تِلْكَ الآيَةِ آنِفًا، فالمَعْنى لَسْتُ أنا أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِألّا يَكُونَ لَهم خَيْرٌ بِظَنِّكم بِهِمْ أنَّ بَواطِنَهم لَيْسَتْ كَظَواهِرِهِمْ، اللهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بِما في نُفُوسِهِمْ، ثُمَّ قالَ: "إنِّي إذًا" لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ "لَمِنَ الظالِمِينَ" الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا ﴾ الآيَةُ مَعْناهُ: قَدْ طالَ مِنكَ هَذا الجِدالُ، وهو المُراجَعَةُ في الحُجَّةِ والمُخاصَمَةُ والمُقابَلَةُ بِالأقْوالِ حَتّى تَقَعَ الغَلَبَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الجَدْلِ وهو شِدَّةُ الفَتْلِ ومِنهُ: حَبْلٌ مَجْدُولٌ، أيْ مُمَرٍّ، ومِنهُ قِيلَ: لِلصَّقْرِ أجْدَلُ لِشِدَّةِ بِنْيَتِهِ وفَتْلِ أعْضائِهِ و"الجِدالُ" فِعالٌ، مَصْدَرُ فاعَلَ، وهو يَقَعُ مِنِ اثْنَيْنِ، ومَصْدَرُ فاعَلَ يَجِيءُ عَلى فِعالٍ وفَيْعالٍ ومُفاعَلَةٍ، فَتُرِكَتِ الياءُ مِن فَيْعالٍ ورُفِضَتْ.

ومِنَ الجِدالِ ما هو مَحْمُودٌ، وذَلِكَ إذا كانَ مَعَ كافِرٍ حَرْبِيٍّ في مَنَعَتِهِ ويُطْمَعُ بِالجِدالِ أنْ يَهْتَدِيَ، ومِن ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ  ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.

ومِنَ الجِدالِ ما هو مَكْرُوهٌ، وهو ما يَقَعُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ في طَلَبِ عِلَلِ الشَرائِعِ وتَصَوُّرِ ما يُخْبِرُ الشَرْعُ بِهِ مِن قُدْرَةِ اللهِ، وقَدْ نَهى النَبِيُّ  عن ذَلِكَ، وكَرِهَهُ العُلَماءُ، واللهُ المُسْتَعانُ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جَدَلَنا" بِغَيْرِ ألِفٍ، وبِفَتْحِ الجِيمِ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ﴾ العَذابَ والهَلاكَ، والمَفْعُولُ الثانِي لِـ "تَعِدُنا" مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: بِما تَعِدُناهُ.

ولَمّا كانَ الكَلامُ يَقْتَضِي العَذابَ جازَ أنْ يُسْتَعْمَلَ فِيهِ الوَعْدُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

فصلت هذه الجملة فصلاً على طريقة حكاية الأقوال في المحاورات كما تقدم في قصة آدم عليه السلام من سورة البقرة.

والمجادلة: المخاصمة بالقول وإيراد الحجّة عليه، فتكون في الخير كقوله: ﴿ يجادلنا في قوم لوطٍ ﴾ [هود: 74]، ويكون في الشر كقوله: ﴿ ولا جدال في الحجّ ﴾ [البقرة: 197].

وإنما أرادوا أنه جادلهم فيما هو شر فعبّر عن مرادهم بلفظ الجدال الموجّه، وقد مضى عند قوله تعالى: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ في سورة [النساء: 107].

وهذا قول وقع عقب مجادلته المحكية في الآية قبل هذه، فتعين أن تلك المجادلة كانت آخر مجادلة جادَلها قومه، وأن ضجرهم وسآمتهم من تكرار مجادلته حصل ساعتئذٍ فقالوا قولهم هذا، فكانت كلها مجادلات مضت.

وكانت المجادلة الأخيرة هي الّتي استفزّت امتعاضهم من قوارع جدله حتى سئموا من تزييف معارضتهم وآرائهم شأن المبطل إذا دمغته الحجة، ولذلك أرادوا طي بساط الجدال، وأرادوا إفحامه بأن طلبوا تعجيل ما توعدهم من عذاب ينزل بهم كقوله آنفاً: ﴿ إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم ﴾ [هود: 26].

وقولهم: ﴿ فأكثرت جِدَالَنا ﴾ خبرٌ مستعمل في التذمر والتضجير والتأييس من الاقتناع، أجابهم بالمبادرة لِبيان العذاب لأن ذلك أدخل في الموعظة فبادر به ثم عاد إلى بيان مجادلته.

والإتيان بالشيء: إحضاره.

وأرادوا به تعجيله وعدم إنظاره.

و ﴿ ما تَعِدنا ﴾ مصداقه ﴿ عذاب يوم أليم ﴾ [هود: 26].

والقصر في قوله: ﴿ إنما يأتيكم به الله إن شاء ﴾ قصر قلب بناء على ظاهر طلبهم، حملاً لكلامهم على ظاهره على طريقة مجاراة الخصم في المناظرة، وإلاّ فإنهم جازمون بتعذّر أن يأتيهم بما وعدهم لأنهم يحسبونه كاذباً وهم جازمون بأنّ الله لم يتوعدهم، ولعلّهم كانوا لا يؤمنون بوجود الله.

وقوله: ﴿ إن شاء ﴾ احتراس راجع إلى حمل العذاب على عذاب الدنيا.

ومعنى ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ ما أنتم بناجين وفالتين من الوعيد، يريد أن العذاب واقع لا محالة.

ولعل نوحاً عليه السّلام لم يكن له وحي من الله بأن يحلّ بهم عذاب الدنيا، فلذلك فوّضه إلى المشيئة؛ أو لعلّه كان يوقن بنزوله بهم فيكون التعليق ب ﴿ إن شاء ﴾ منظوراً فيه إلى كون العذاب معجلاً أو مؤخراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ﴾ احْتَمَلَ هَذا القَوْلُ مِن نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ جَوابًا لِقَوْمِهِ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا ﴾ الثّانِي: أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهم عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ قُلْ: ﴿ وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الرَّحْمَةُ أيْ لَيْسَ بِيَدِيِ الرَّحْمَةُ فَأسُوقَها إلَيْكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها الأمْوالُ، أيْ لَيْسَ بِيَدِي أمْوالٌ فَأُعْطِيَكم مِنها عَلى إيمانِكم.

﴿ وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ فَأُخْبِرَكم بِما في أنْفُسِكم.

﴿ وَلا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ﴾ يَعْنِي فَأُبايِنُ جِنْسَكم.

﴿ وَلا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ﴾ والِازْدِراءُ الِاحْتِقارُ.

يُقالُ: ازْدَرَيْتُ عَلَيْهِ إذا عِبْتَهُ، وزَرَيْتُ عَلَيْهِ إذا حَقَّرْتَهُ.

وَأنْشَدَ المُبَرَّدُ: يُباعِدُهُ الصَّدِيقُ وتَزْدَرِيهِ حَلِيلَتُهُ ويَنْهَرُهُ الصَّغِيرُ ﴿ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ﴾ أيْ لَيْسَ لِاحْتِقارِكم لَهم يَبْطُلُ أجْرُهم أوْ يَنْقُصُ ثَوابُهم، وكَذَلِكَ لَسْتُمْ لِعُلُوِّكم في الدُّنْيا تَزْدادُونَ عَلى أُجُورِكم.

﴿ اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ ويُؤاخِذُهم بِهِ.

﴿ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي إنْ قُلْتُ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا باديَ الرأي ﴾ قال: فيما ظهر لنا.

وأخرج أبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه.

مثله.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن كنت على بينة من ربي ﴾ قال: قد عرفتها وعرفت بها أمره وأنه لا إله إلا هو ﴿ وآتاني رحمة من عنده ﴾ قال: الإِسلام والهدى والإِيمان والحكم والنبوة.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنلزمكموها ﴾ قال: أما والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه ولكنه لم يستطع ذلك ولم يملكه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما.

أنه كان يقرأ ﴿ أنلزمكموها من شطر أنفسنا وأنتم لها كارهون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ أنلزمكموها من شطر قلوبنا ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن أجري ﴾ قال: جزائي.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ قال: قالوا له: يا نوح إن أحببت أن نتبعك فاطردهم وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء.

وفي قوله: ﴿ إنهم ملاقوا ربهم ﴾ قال: فيسألهم عن أعمالهم ﴿ ولا أقول لكم عندي خزائن الله ﴾ التي لا يفنيها شيء فأكون إنما أدعوكم لتتبعوني عليها لأعطيكم منها بملكه أي عليها ﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ لا أقول اتبعوني على علمي بالغيب ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ نزلت من السماء برسالة ﴿ ما أنا إلا بشر مثلكم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا أقول للذين تزدري أعينكم ﴾ قال: حقرتموهم.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ قال: يعني إيماناً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قالوا يا نوح قد جادلتنا ﴾ قال: ماريتنا.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ فائتنا بما تعدنا ﴾ قال: تكذيباً بالعذاب وأنه باطل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فعليَّ إجرامي ﴾ قال: عملي ﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ أي مما تعملون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ جادلتنا ﴾ الجدال هو المخاصمة والمراجعة في الحجة ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ ﴾ أي بالعذاب ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نصحي ﴾ الآية: جزاء قوله: إن أردت أن أنصح لكم هو ما دل عليه قوله: نصحي وجزاء قوله: إن كان الله يريد أن يغويكم: هو ما دل عليه قوله: لا ينفعكم نصحي، فتقديرها: إن أراد الله أن يغويكم لن ينفعكم نصحي إن نصحت لكم، ثم استأنف قوله هو ربكم، ولا يجوز أن يكون ربكم هو جواب الشرط ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه ﴾ الآية: الضمير في يقولون لكفار قريش، وفي افتراه لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول جميع المفسرين، واختار ابن عطية أن تكون في شأن نوح عليه السلام، فيكون الضمير في يقولون لقوم نوح، وفي افتراه لنوح لئلا يعترض ما بين قصة نوح بغيرها وهو بعيد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني لكم ﴾ بكسر الهمزة: نافع وابن عامر وعاصم وحمزة.

والآخرون بفتحها ﴿ بادىء ﴾ بالهمزة: أبو عمرو ونصير.

﴿ الرأي ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ فعميت ﴾ مجهولاً مشدداً.

حمزة وعلي وخلف وحفص.

الباقون بضدهما ﴿ أنلزمكموها ﴾ باختلاس ضمة الميم: عباس ﴿ أجري إلا ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ولكني أريكم ﴾ بالفتح حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصحي إن ﴾ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ بأعيننا ﴾ مدغماً.

حيث كان: عباس ﴿ من كل ﴾ بالتنوين حيث كان: حفص والمفضل ﴿ مجريها ﴾ بفتح الميم بالإِمالة: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ مجريها ﴾ بالضم وبالإمالة: أبو عمرو.

والباقون بالضم مفخماً.

﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء: عاصم ﴿ اركب معنا ﴾ مظهراً: عاصم وحمزة ﴿ عمل ﴾ على أنه فعل غير بالنصب: علي وسهل ويعقوب.

الآخرون ﴿ عمل ﴾ غير بالرفع فيهما ﴿ تسألن ﴾ بالنون المشددة المسكورة لإدغام النون المخففة في نون الوقاية بعد حذف ياء المتكلم في الحالين: ابن عامر وقالون: بإثبات الياء في الوصل: أبو جعفر ونافع غير قالون بفتح النون المشددة: ابن كثير ﴿ تسألني ﴾ بغير نون التأكيد وإثبات الياء في الحالين سهل ويعقوب الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ إني أعظك ﴾ ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الرأي ﴾ ج ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فعيمت عليكم ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مالاً ﴾ ط ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ طردتهم ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ أنفسهم ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ أن يغويكم ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ط ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ تجرمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ ظلموا ﴾ ج لا حتمال التعليل.

﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ سخروا منه ﴾ ه ﴿ تسخرون ﴾ ه ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ التنور ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ومن آمن ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ 5 ط ﴿ ومرساها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من الماء ﴾ ط، ﴿ رحم ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع اختلاف العامل.

﴿ المغرقين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه.

﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ من أهلك ﴾ ج ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ هذا ﴾ ط وعلى قوله: ﴿ فاصبر ﴾ أحسن للابتداء بــ"أن" ﴿ للمتقين ﴾ ه.

التفسير: لما أورد على الكفار أنواع الدلائل أكدها بالقصص على عادته من التفنن في الكلام والنقل من أسلوب إلى أسلوب في الموعظة فبدأ بقصة نوح.

ومعنى ﴿ إني لكم ﴾ أي متلبساً بهذا الكلام وهو قوله: ﴿ إني لكم ﴾ فلما اتصل به الجار فتح ومن كسر فعلى إرادة القول.

و ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ بدل من ﴿ إني لكم نذير ﴾ أي أرسلناه بأن لا تعبدوا ﴿ إلا الله ﴾ أو يكون "أن" مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير.

ووصف اليوم بأليم لوقوع الألم فيه فيكون مجازاً.

وكذا لو جعل الوصف للعذاب والجر بالجوار.

ثم حكى أنه طعن أشراف قومه في نبوته من ثلاث جهات.

الأولى أنه بشر مثلهم.

الثانية أنه لم يتبعه إلا الأراذل يعنون أصحاب الحرف الخسيسة كالحياكة وغيرها قالوا: لو كنت صادقاً لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم.

والأراذل جمع أرذل.

وقيل: جمع الأرذال جمع رذل وهو الدون من كل شيء في منظره وحالاته.

ومعنى ﴿ بادي الرأي ﴾ أول الرأي وهو نصب على الظرف أي اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي من غير روية، أو معناه ظاهر الرأي من قولك بدا الشيء إذا ظهر، ومنه البادية للبرية لظهروها وبروزها للناظر.

وهذا تفسير من قرأ بغير همز.

وعلى هذا فالمراد أنهم اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه، أو اتبعوك وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

ويجوز أن يتعلق ﴿ بادي الرأي ﴾ بقوله: ﴿ أراذلنا ﴾ أي كونهم كذلك أمر ظاهر لكل من يراهم عياناً، ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه قرأ ﴿ إلا الذين هم أراذلنا رأي العين ﴾ وإنما استرذلوا المؤمنين لاعتقادهم أن المزية عند الله  بالمال والجاه ولم يعلموا أن ذلك مبعد من الحق لا مقرب منه، وأن الأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف يجعل قلة المال طعناً في النبوة وفي متابعة النبي.

الشبهة الثالثة: ﴿ وما نرى لكم علينا من فضل ﴾ لا في العقل ولا في كيفية رعاية المصالح ولا في قوة الجدل ﴿ بل نظنكم كاذبين ﴾ خطاب لنوح ولمن آمن به بتبعيته، أو خطاب للأراذل كأنهم نسبوهم إلى الكذب في ادعاء الإيمان.

ثم حكى ما أجاب به نوح قومه وهو أن حصول المساواة في صفة البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة وذلك قوله: ﴿ أرأيتم إن كنت على بينة ﴾ برهان ﴿ من ربي وآتاني ﴾ بإيتاء تلك البينة ﴿ رحمة ﴾ وعلى هذا البينة هي الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة وبالرحمة النبوة وقيل بالعكس ﴿ فعيمت ﴾ خفيت أو أخفيت البينة أو كل من البينة والرحمة أي صارت مظلمة مشتبهة في عقولكم.

والبينة توصف بالإبصار والعمى مجازاً باعتبار نتيجتها كما أن دليل القوم إن كان بصيراً اهتدوا وإن كان أعمى بقول خابطين متحيرين.

ثم قال: ﴿ أنلزمكموها ﴾ أي أنكرهكم على قبول البينة ﴿ وأنتم لها كارهون ﴾ والمراد أنا لا نقدر على إيصال حقيقة البينة إليك.

وإنما يقدر على ذلك من هو قادر على الإيجاد والإعدام وتغيير الأحوال وتبديل الأخلاق.

ثم ذكر أنه لا يطلب على تبليغ الرسالة مالاً حتى يتفاوت الحال بسبب كون المجيب غنياً أو فقيراً ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ عن ابن جريج أنهم قالوا: إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم، فلم يبذل ملتمسهم وعلل ذلك بقوله ﴿ إنهم ملاقو ربهم ﴾ فيعاقب من يطردهم أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من الإيمان الصحيح أو النفاق بزعمكم، أو المراد أنهم متقدون لقاء ربهم ﴿ ولكني أراكم قوماً تجهلون ﴾ لقاء ربكم وأنهم خير منكم، أو قوماً تسفهون حيث تسمون المؤمنين أراذل.

ثم أكد عدم طردهم بقوله: ﴿ ويا قوم من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من عقابه ﴿ إن طردتهم ﴾ لأن العقل والشرع توافقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر المتقي ومن إهانة الكافر الفاجر فكيف يليق بنبي الله أن يقلب هذه القضية.

سؤال: إن كان طرد المؤمن لطلب مرضاة الكافر معصية فكيف فعل ذلك رسول الله  حتى نهي عنه بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ ؟

الجواب أنه لم يكن ذلك طرداً مطلقاً وإنما عين لأجلهم أوقاتاً مخصوصة، ولأشراف قريش أوقاتاً أخرى فعوتب على ذلك القدر.

احتجت المعتزلة بالآية على عدم الشفاعة للفاسق إذ لو كانت جائزة لكانت في حق نوح أولى، فلم يقل من الذي يخلصني من عذابه.

وأجيب بأنه مخصوص بآيات العفو.

ثم ذكر أنه كما لا يسألهم مالاً فإنه لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى يجحدوا أن له فضلاً عليهم من هذه الجهة.

﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ حتى أصل به إلى ما أريده لنفسي ولأتباعي وأطلع على الضمائر ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ أتعظم بذلك عليكم بل طريقي الخضوع والتواضع وعدم الاستنكاف عن مخالطة الفقراء وقد مر في "الأنعام" سائر ما يتعلق بالآية.

ومعنى ﴿ تزدري ﴾ تعيب وتحقر والازدراء افتعال من زرى عليه إذا عابه.

وفي قوله  ﴿ الله أعلم بما في أنفسهم ﴾ دلالة على أنهم كانوا ينسبون اتباعه مع الفقر والذلة الى النفاق ﴿ إني إذا ﴾ أي إن قلت شيئاً من ذلك كنت من الظالمين لنفسي.

أو إن قلت إن الله لن يؤتيهم خيراً مع أنه لا وقوف لي على باطنهم.

ثم إن قومه وصفوه بكثرة الجدال قائلين ﴿ يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ﴾ قال أهل المعاني: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته كقوله: جاد لي فلان فأكثر.

لم ترد أنه أعطى عطيتين أقل فأكثر بل تريد أن الوصف مقارن للموصوف.

وفي الآية دلالة على أن الجدال في تقرير دلائل التوحيد من دأب أكابر الأنبياء.

ثم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به فأجاب نبي الله بأن ذلك ليس إليّ وإنما هو بمشيئة الله وإرادته ولا يعجزه عن ذلك أحد.

وقوله: ﴿ ولا ينفعكم نصحي ﴾ كقول القائل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار إن أكلت الخبز لم يقع الطلاق إلا إذا دخل الدار فأكل الخبز.

ولهذا قال الفقهاء: المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى فكأنه قيل: ﴿ إن كان الله يريد أن يغويكم ﴾ فإن أردت أن أنصح لكم لم ينفعكم نصحي.

واحتجاج الأشاعرة بالآية ظاهر.

وأجابت المعتزلة بأنه لا يلزم من فرض أمر وقوعه، ولعل نوحاً إنما قال ذلك ليبين لهم أنه  بنى أمر التكليف على الاختيار وإلا لم يكن للنصح فائدة، ولو تشبث الخصم بالجبر لزم إفحام النبي.

ومن الجائز أن يراد بالإغواء التعذيب من غوى الفصيل إذا بشم فهلك، أو يراد به الخيبة كقوله: ﴿ فسوف يلقون غياً  ﴾ أي خيبة من خير الآخرة، أو يراد به منع الألطاف وقد تقدم أمثال ذلك مراراً.

ثم أشار إلى المبدإ والمعاد بقوله: ﴿ هو ربكم وإليه ترجعون ﴾ ثم أنكر الله  عليهم قولهم إنما ادعاء نوح أنه أوحي إليه مفترى فقال: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ فأمره بأن يجيب بكلام منصف وهو قوله: ﴿ قل إن افتريته فعليّ إجرامي ﴾ أي عقاب إثمي وهو الافتراء.

﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ أي من إجرامكم وهو إسناد الافتراء إليّ وههنا إضمار كأنه قيل: لكني ما افتريته فالإجرام وعقابه عليكم وأنا بريء منه.

وأكثر المفسرين على أن هذه الآية من تمام قصة نوح.

وعن مقاتل أنها من قصة محمد  وقعت في أثناء قصة نوح.

قوله  : ﴿ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن ﴾ إقناط له من إيمانهم الذي كان يتوقعه منهم بدليل قوله: ﴿ إلا من قد آمن ﴾ فإن "قد" للتوقع.

وقوله: ﴿ فلا تبتئس ﴾ تسلية له أي لا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام منهم.

قال أكثر المعتزلة: إنه لا يجوز أن ينزل الله عذاب الاستئصال على قوم يعلم أن فيهم من يؤمن أو في أولادهم من يؤمن بدليل دعاء نوح ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا فاجراً كفاراً  ﴾ علل الإهلاك بمجموع الأمرين فدل ذلك على أنهما لو لم يحصلا لم يجز الإهلاك.

وذهب كثير منهم إلى الجواز، فليس كل خبر معلوم بواجب الوقوع نعم كلما يقع يجب أن يكون على الوجه الأصلح.

ومذهب الأشاعرة في هذا المعنى ظاهر فله أن يفعل في ملكه ما شاء.

ثم عرفه وجه إهلاكهم وألهمه وجه خلاص من آمن فقال: ﴿ واصنع الفلك ﴾ وهو أمر إيجاب على الأظهر لأنه لا سبيل إلى صون روحه عن الهلاك في الطوفان إلا بذلك، وصون النفس واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وقيل: أمر إباحة كمن أمر أن يتخذ الإنسان لنفسه داراً يسكنها.

والإنصاف أن الأمر ظاهره الوجوب وإن قطعنا النظر عن فائدته وغايته.

وقوله: ﴿ بأعيننا ووحينا ﴾ في موضع الحال أي متلبساً بذلك.

والسبب فيه أن إقدامه على صنعة السفينة مشروط بأمرين: أحدهما أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل وأشار إليه بقوله: ﴿ بأعيننا ﴾ وليست العين بمعنى الجارحة لأنه منزه عن الجوارح والأعضاء فالمراد بها الحفظ والحياطة والكلاءة لأن العين آلة الحفظ والحراسة.

والثاني أن يكون عالماً بكيفية تركيب الأخشاب ونحتها.

عن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله  إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر.

وقيل: المراد عين الملك الذي كان يعرّفه كيفية اتخاذ السفينة.

ثم قال: ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ أي في شأنهم.

وقيل: علل عدم الخطاب بقوله: ﴿ إنهم مغرقون ﴾ أي إنهم محكوم عليهم بالإغراق وقد جف القلم عليهم بذلك فلا فائدة للشفاعة.

وقيل: لا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم يغرقون في الوقت المعين لذلك فلا فائدة في الاستعجال فلكل أمة أجل.

وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته واعلة وكنعان ابنه.

ثم حكى الحال الماضية بقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ والحال أنه ﴿ كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ يحتمل أن يكون هذا جواباً لـ"كلما" وقوله: ﴿ قال إن تسخروا ﴾ استئناف على تقدير سؤال سائل كأنه قيل: ماذا قال نوح حينئذٍ؟

ويحتمل أن يكون ﴿ سخروا ﴾ بدلاً من ﴿ مر ﴾ أو صفة لــ ﴿ ملأ ﴾ و ﴿ قال ﴾ جواب ﴿ قيل ﴾ كانوا يقولون: يا نوح كنت نبياً فصرت نجاراً، ولو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق.

وقيل: إنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك فكانوا يتعجبون ويسخرون.

وقيل: إنها كانت كبيرة وكان يصنعها في مفازة بعيدة عن الماء فكانوا يقولون هذا من باب الجنون.

وقيل: طالت مدته وكان ينذرهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة وليس منه عين ولا أثر فغلب على ظنونهم كونه كاذباً فيسخرون منه فأجابهم بقوله: ﴿ إن تسخروا منا ﴾ في الحال ﴿ فإنا نسخر منكم ﴾ في المستقبل إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة.

أو إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله، أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم لأنكم لا تستجهلون إلا عن الجهل بحقيقة الأمر.

والبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الأغمار.

وسمي جزاء السخرية سخرية كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ثم هددهم بقوله: ﴿ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ في الدنيا وهو عذاب الغرق ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ في الآخرة لازم لزوم الدين الحال للغريم.

و"من" موصولة أو استفهامية وقد مر في "الأنعام".

روي أن نوحاً  اتخذ السفينة في سنتين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعاً وارتفاعها ثلاثين.

وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون: الأسفل للوحوش والسباع والهوام، والأوسط للدواب والأنعام، والأعلى للناس ولما يحتاجون إليه من الزاد وحمل معه جسد آدم.

وقال الحسن: كان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة.

قوله: ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ هي غاية لقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ أي كان يصنعها إلى أن جاء وقت الأمر بالإهلاك.

﴿ وفار التنور ﴾ أي نبع الماء من بشدة وسرعة تشبيهاً بغليان القدر.

والتنور هي التي يختبز فيها فقيل: هو مما استوى فيه العربي والعجمي.

وقيل: معرب لأنه لا يعرف في كلام العرب نون قبل راء.

عن ابن عباس والحسن ومجاهد: هو تنور نوح.

وقيل: كان لآدم وحواء حتى صار لنوح وموضعه بناحية الكوفة قاله مجاهد والشعبي.

وعن علي  أنه في مسجد الكوفة وقد صلى فيه سبعون نبياً.

وقيل: بالشام بموضع يقال له عين وردة قاله مقاتل.

وقيل: بالهند.

روي أن امرأته كانت تخبز فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في تلك الحال بوضع الأشياء في السفينة وكان الله  جعل هذه الحالة علامة لواقعة الطوفان.

ويروى عن علي  أيضاً أن المراد بالتنور وجه الأرض لقوله: ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً  ﴾ وعنه أيضاً كرم الله وجهه أن معنى ﴿ فار التنور ﴾ طلع الصبح.

وقيل: معناه اشتد الأمر كما يقال حمي الوطيس.

والمراد إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فاركب في السفينة وذلك قوله ﴿ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ﴾ والزوجان شيئان يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى.

فمن قرأ بالإضافة فمعناه احمل من كل صنفين بهذا الوصف اثنين، ومن قرأ بالتنوين.

فالمراد حمل من كل شيء زوجين.

واثنين للتأكيد ولا يبعد أن يكون النبات داخلاً فيه لاحتياج الناس إليه ﴿ وأهلك ﴾ معطوف على مفعول ﴿ احمل ﴾ وكذا ﴿ من آمن ﴾ وقوله ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته قدر الله لهما الكفر إذا علم منهما ذلك.

ثم قال ﴿ وما آمن معه إلا قليل ﴾ أي نفر قليل: عن مقاتل أنهم ثمانون وبهم سموا قرية الثمانين بناحة الموصل لأنهم لما خرجوا من السفينة بنوها.

وقيل: اثنان وسبعون رجلاً وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث ونساؤهم.

فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء.

وعن محمد بن إسحق كانوا عشرة، وعن النبي  كانوا ثمانية، نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم.

وقيل في بعض الروايات: إن إبليس دخل معه السفينة وفيه بعد لأنه جسم ناري فلا يؤثر الغرق فيه.

قوله  وتعالى حكاية عن نوح وأهله ﴿ وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها ﴾ الآية.

فيه أبحاث الأول: أن الركوب متعد بنفسه يقال: ركبت الدابة والبحر والسفينة أي علوتها.

فما الفائدة في زيادة لفظة "في"؟

قال الواحدي: فائدته أن يعلم أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهره.

الثاني قوله: ﴿ بسم الله ﴾ إما أن تتعلق بقوله: ﴿ اركبوا ﴾ حالاً من الواو أي مسمين الله، أو قائلين باسم الله ﴿ ومجريها ومرسيها ﴾ مصدران حذف منهما الوقت المضاف كقولهم: جئتك خفوق النجم ومقدم الحاج، أو يراد مكان الإجراء والإرساء أو زمانها.

وانتصابهما بما في بسم الله من معنى الفعل، أو بالقول المقدر.

وعلى التقادير يكون مجموع قوله: ﴿ وقال اركبوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومرساها ﴾ كلاماً واحداً.

وإما أن يكون ﴿ باسم الله مجريها ومرساها ﴾ كلاماً آخر من مبتدإ وخبر أي باسم الله إجراؤها وإرساؤها.

يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست.

ويجوز أن يقحم الاسم كقوله: تم اسم السلام عليكما، ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها، وكان نوح أمرهم بالركوب أوّلاً ثم أخبرهم بأن إجراءها وإرساءها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته.

وجوز في الكشاف أن تكون هذه الجملة في موضع الحال من ضمير الفلك ولا تكون جملة مستأنفة ولكن فضلة من تتمة الكلام الأول كأنه قال اركبوا فيها مقدرين أن إجراءها وإرساءها باسم لله  .يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت، وأرساه غيره.

يروى أنها سارت لأول يوم من رجب أو لعشر مضين منه فسارت ستة أشهر ثم استوت على الجودي يوم العاشر من المحرم.

ويروى أنها مرت بالبيت وطافت به سبعاً فأعتقها الله من الغرق.

البحث الثالث قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ كيف ناسب مقام الإهلاك وإظهار العزة؟

والجواب كان القوم اعتقدوا أنهم نجوا ببركة إيمانهم وعملهم، فنبههم الله  بهذا الذكر على أن الإنسان في كل حال من أحواله لا ينفك عن ظلمات الخطأ والزلل فيحتاج إلى مغفرة الله ورحمته.

وفي الآية إشارة إلى أن العاقل إذ ركب في سفينة الفكر ينبغي أن يكون قد برىء من حوله وقوته وقطع النظر عن الأسباب وربط قلبه وعلق همته بفضل واهب العقل فيقول بلسان الحال بسم الله مجريها ومرسيها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل الإيقان، وتتخلص عن أمواج الشبه والظنون والأوهام.

قال في الكشاف: ﴿ وهي تجري بهم ﴾ متصل بمحذوف كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون باسم الله وهي تجري بهم وهم فيها ﴿ في موج كالجبال ﴾ في التراكم والارتفاع، فلعل الأمواج أحاطت بالسفينة من الجوانب فصارت كأنها في داخل تلك الأمواج.

واختلف المفسرون في قوله: ﴿ ونادى نوح ابنه ﴾ فالأكثرون على أنه ابن له في الحقيقة لئلا يلزم صرف الكلام عن الحقيقة الى المجاز من غير ضرورة، ولا استبعاد في كون ولد النبي كافراً كعكسه.

واعترض عل هذا القول بأنه كيف ناداه مع كفره وقد قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ وأجيب بأنه كان منافقاً وظن نوح أنه مؤمن أو ظن أنه كافر إلا أنه توقع منه الإيمان عند مشاهدة العذاب بدليل قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ أو لعل شفقة الأبوة حملته على ذلك النداء.

وعن محمد بن علي الباقر والحسن البصري أنه كان ابن امرأته ويؤيده ما روي أن علياً  قرأ ﴿ ونادى نوح ابنها ﴾ ويؤكد هذا الظن قوله: ﴿ إن ابني من أهلي ﴾ دون أن يقول "إنه مني" وقيل: إنه ولد على فراشه لغير رشده وإليه الإشارة بقوله  ﴿ فخانتاهما  ﴾ ورد هذا القول بأنه يجب صون منصب الأنبياء عن مثل هذه الفضيحة لقوله: ﴿ الخبيثات للخبيثين  ﴾ وفسر ابن عباس تلك الخيانة بأن امرأة نوح كانت تقول زوجي مجنون.

وامرأة لوط دلت الناس على ضيفه.

وقوله: ﴿ وكان في معزل ﴾ هو مفعل من عزله عنه إذا نحاه أو أبعده أي كان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن السفينة وعمن فيها، أو كان في معزل عن دين أبيه.

وقيل في معزل عن الكفار ولهذا ظن نوح أنه يريد مفارقة الكفرة، ولكن قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ لا يساعد هذا القول.

وقوله ﴿ يا بني ﴾ بكسر الياء لأجل الاكتفاء به عن ياء الإضافة، وبفتحها اكتفاء به عن الألف المبدلة من الياء، ويجوز أن يكون الياء والألف ساقطتين من اللفظ فقط لالتقاء الساكنين.

ثم حكى إصرار ابنه على الكفر بأن قال ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ فأجاب نوح بأنه ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ﴾ واعترض عليه بأن معنى ﴿ من رحم ﴾ من رحمه الله وهو معصوم فكيف يصح استثناؤه من العاصم؟

وأجيب بأن "من" فاعلة في المعنى لا مفعول، والمراد نوح لأنه سبب الرحمة والنجاة كما أضيف الإحياء إلى عيسى  ، أو الرحيم الذي مر ذكره في قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ وهو عاصم لا معصوم، أو هو استثناء مفرغ والتقدير لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا لمن رحم، أو العاصم بمعنى ذو العصمة كلابن وتامر.

وذو العصمة المعصوم أو المضاف محذوف والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من رحمهم الله ونجاهم يعني السفينة، أو هو استثناء منقطع كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم ﴿ وحال بينهما الموج ﴾ أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح فصار من جملة الغرقى.

وقوله  : ﴿ وقيل يأرض ﴾ الآية.

مما اختص بمزيد البلاغة حتى صارت متداولة بين علماء المعاني فتكلموا فيها وفي وجوه محاسنها فلا علينا أن نورد ههنا بعض ما استفدنا منهم فنقول: النظر فيها من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني، ومن جهتي الفصاحتين المعنوية واللفظية.

أما من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها.

فالقول فيه أنه عز سلطانه أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاؤه وإغراق قومه كما وعدناه فقضي، وأن تستوي السفينة على الجودي - وهو جبل بقرب الموصل - فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى، فبنى الكلام على تشبيه الأرض والسماء بالمأمور الذي لا يتأتى منه - لكمال هيبته - العصيان، وعلى تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوّن المقصود تصويراً لاقتداره، وأن السماء والأرض مع عظم جرمهما تابعتان لإرادته إيجاداً وإعداماً وتغييراً وتصريفاً كأنهما عقلاء مميزون قد أحاطا علماً يوجب الامتثال والإذعان لخالقهما، فاستعمل ﴿ قيل ﴾ بدل "أريد" مجازاً إطلاقاً للمسبب على السبب، فإن صدور القول إنما يكون بعد إرادته.

وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد بقوله: ﴿ يا أرض ابلعي ماءَك ويا سماء ﴾ والخطابان أيضاً على سبيل الاستعارة للشبه المذكور وهو كون السماء والأرض كالمأمورين المنقادين.

وأيضاً استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال القوة الجاذبة في الطعوم للشبه بين الغور والبلع وهو الذهاب إلى مقر خفيّ.

ووجعل قرينة الاستعارة نسبه الفعل إلى المفعول، وفي جعل الماء مكان الغذاء أيضاً استعارة لأنه شبه الماء بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار تقوّي الآكل بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة ﴿ ابلعي ﴾ لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.

ثم أمر الجماد على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره وخاطب في الأمر دون أن يقول ليبلع ترشيحاً لاستعارة النداء إذ كونه مخاطباً من صفات الحي كما أن كونه منادى من صفاته ثم قال ﴿ ماءك ﴾ بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك.

واختار ضمير الخطاب دون أن يقول "ليبلع ماؤها" لأجل الترشيح المذكور.

ثم اختار مستعيراً لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان ثم أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر لمثل ما تقدم في ﴿ ابلعي ﴾ من ترشيح استعارة النداء.

ثم قال ﴿ وغيض الماء ﴾ غاض الماء قل ونضب، وغاضه الله يتعدى ولا يتعدى ﴿ وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً ﴾ فلم يصرح بالفاعل سلوكاً لسبيل الكناية لأن هذه الأمور لا تتأتى إلا من قدير قهار فلا مجال لذهاب الوهم إلى غيره، ومثله في صدر الآية ليستدل من ذكر الفعل وهو اللازم على الفاعل وهو الملزوم وهذا شأن الكناية، ثم ختم الكلام بالتعريض لأنه ينبىء عن الظلم المطلق وعن علة قيام الطوفان.

وأما النظر فيها من جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة منها، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، فذلك أنه اختير "يا" للنداء لأنها أكثر استعمالاً ولدلالتها على تبعيد المنادى الذي يستدعيه مقام العزة والهيبة، ولهذا لم يقل " يا أرضي" بالإضافة تهاوناً بالمنادى، ولم يقل "يا أيتها الأرض" للاختصار مع الاحتراز عن تكلف التنبيه لمن ليس من شأنه التنبيه.

واختير لفظ الأرض والسماء لكثرة دورانهما مع قصد المطابقة، واختير ﴿ ابلعي ﴾ على ﴿ ابتلعي ﴾ لكونه أخصر ولمجيء حظ التجانس بينه وبين ﴿ أقلعي ﴾ أوفر.

وقيل: ﴿ ماءك ﴾ بلفظ المفرد لما في الجمع من الاستكثار المتأتي عنه مقام العزة والاقتدار، وكذا في إفراد الأرض والسماء.

ولم يحذف مفعول ﴿ ابلعي ﴾ لئلا يلزم تعميم الابتلاع لكل ما على الأرض.

ولما علم اختصاص الفعل فيه اقتصر عليه فحذف من ﴿ أقلعي ﴾ حذراً من التطويل.

وإنما لم يقل "ابلعي ماءك فبلعت" لأن عدم تخلف المأمور به عن أمر الآمر المطاع معلوم.

واختير ﴿ غيض ﴾ على غيض المشددة للاختصار ولمثل هذا عرف الماء والأمر دون أن يقال ماء الطوفان، أو أمر نوح للاستغناء عن الإضافة بالتعريف العهدي ولم يقل سويت لتناسب أول القصة وهي تجري بهم من بناء الفعل للفاعل، ولأن ﴿ استوت ﴾ أخصر لسقوط همزة الوصل.

ثم قيل: ﴿ بعداً للقوم ﴾ دون أن يقال "ليبعد القوم من بعد" بالكسر يبعد بالفتح إذا هلك، للتأكيد مع الاختصار ودلالة "لام" الملك على أن البعد حق لهم.

وقول القائل "بعداً له" من المصادر التي لا يستعمل إظهار فعلها.

ثم أطلق الظلم ليتناول ظلم أنفسهم وظلمهم غيرهم.

وأما ترتيب الجمل فقدم النداء على الأمر ليتمكن الأمر الوارد عقيب النداء كما في نداء الحي، وقدم نداء الأرض لابتداء الطوفان منها بدليل قوله: ﴿ وفار التنور ﴾ ثم بين نتيجة البلع والإقلاع بقوله: ﴿ وغيض الماء ﴾ ثم ذكر مقصود القصة وهو قوله ﴿ وقضي الأمر ﴾ أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء المؤمنين.

ثم بين حال استقرار السفينة بقوله: ﴿ واستوت على الجودي ﴾ وكان جبلاً منخفضاً فكان استواء السفينة عليه دليلاً على انقطاع مادة الماء.

ثم ختمت القصة بما ختمت من التعريض.

قيل: كيف يليق بحكمة الله تغريق الأطفال بسبب إجرام الكفار؟

وأجيب على أصول الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل، وعلى أصول المعتزلة بأنه يعوض الأطفال والحيوانات كما في ذبحها واستعمالها في الأعمال الشاقة.

وقد روى جمع من المفسرين أنه  أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ أربعين.

وهذا مع تكلفه لا يتمشى في الجواب عن إهلاك سائر الحيوانات.

والظاهر أن القائل في قوله: ﴿ وقيل بعداً ﴾ هو الله  لتناسب صدر الآية، ويحتمل أن يكون القائل نوحاً وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع القوم الظلمة أنه يقول مثل هذا الكلام، ولأنه جارٍ مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق.

وأما النظر في الآية من جهة الفصاحة المعنوية فهي أنها كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية المراد بأبلغ وجه وأتمه.

وأما من جهة الفصاحة اللفظية فهي كالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة عذبة على العذبات سلسة على الأسلات، ولعل ما تركنا من لطائف هذه الآية بل كل آية أكثر مما نذكر والله  أعلم بمراده من كلامه.

﴿ ونادى نوح ربه ﴾ أي أراد أن يدعوه ﴿ فقال رب إن ابني من أهلي ﴾ بعض سواء كان من صلبه أو رببياً له ﴿ وإن وعدك ﴾ أي كل ما تعد به ﴿ الحق ﴾ الثابت الذي لا شك في إنجازه وقد وعدتني أن تنجي أهلي ﴿ وأنت أحكم الحاكمين ﴾ أعلمهم وأعدلهم لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل، ويجوز أن يكون الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدارع.

﴿ قال يا نوح إنه ليس من أهلك ﴾ أي من أهلك دينك أو من أهلك الذين وعدتهم الإنجاء معك.

ثم صرح بأن العبرة بقرابة الدين والعمل الصالح لا بقرابة النسب فقال: ﴿ إنه عمل غير صالح ﴾ من قرأ على لفظ الفعل فمعناه أنه عمل عملاً غير صالح وهو الإشراك والتكذيب، ومن قرأ على لفظ الاسم فللمبالغة كما يقال: فلان كرم وجود إذا غلب عليه الكرم والجود وفي قوله: ﴿ غير صالح ﴾ دون أن يقول "فاسد" تعريض بل تصريح بأنه إنما نجا من نجا بالصلاح، ويحتمل على هذه القراءة أن يعود الضمير في ﴿ إنه ﴾ إلى سؤال نوح أي إن نداءك هذا المتضمن لسؤال إنجاء ابنك عمل غير صالح.

وقيل: المراد أن هذا الابن ولد زنا وقد عرفت سقوطه.

ثم نهاه عن مثل هذا السؤال ووبخه عليه بقوله: ﴿ فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ قال المحققون: الظاهر أن ابنه كان منافقاً فلذلك اشتبه أمره على نوح، وحمله شفقة الأبوة أوّلاً على دعوته إلى ركوب السفينة، فلما حال بينهما الموج لجأ إلى الله في خلاصه من الغرق، فعوتب على ذلك لأنه لما وعده الله إنجاءه أهله واستثنى منهم من سبق عليه القول كان عليه أن يتوكل على الله حق توكله ويعلم أن كل من كان من أهله مؤمناً فإنه يخلص من الغرق لا محالة.

ولما لم يصبر إلى تبين الحال توجه إليه العتاب على ترك الأولى فلذلك تنبه ورجع إلى الله قائلاً ﴿ رب إني أعوذ بك أن أسألك ﴾ فيما يستقبل من الزمان ﴿ ما ليس لي به علم ﴾ تأدباً بآدابك واتعاظاً بعظتك.

﴿ وألا تغفر لي ﴾ ما فرط مني من الخطأ في باب الاجتهاد، أو من قلة الصبر على ما يجب عليه الصبر، وهذا التضرع مثل تضرع أبيه وأبينا آدم في قوله: ﴿ ربنا ظلمنا  ﴾ الآية.

فلذلك عفى عنه.

﴿ وقيل يا نوح اهبط ﴾ أي من السفينة بعد استوائها على الجبل، أو انزل من الجبل إلى الفضاء ملتبساً ﴿ بسلام منا ﴾ بسلامة من التهديد والوعيد بل من جميع الآفات والمخافات، لأنه لما خرج من السفينة كان خائفاً من عدم المأكول والملبوس وسائر جهات الحاجات لأنه لم يبق في الأرض شيء يمكن أن ينتفع به من النبات والحيوانات.

وقيل: أي مسلماً عليك مكرماً.

والبركات الخيرات النامية الثابتة، وفسروها في هذا المقام بأنه وعد له بأن جميع أهل الأرض من الأشخاص الإنسانية يكون من نسله إما لأنه لم يكن في السفينة إلا من هو ذريته، وإما لأنه لما خرج من السفينة مات من لم يكن من أهله وبقي النسل والتوالد في ذرّيته، دليله قوله  ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين  ﴾ فنوح آدم الأصغر.

وقيل: لما وعده السلامة من الآفات وعده أن موجبات السلامة والراحة تكون في التزايذ والثبات لا عليك وحدك بل ﴿ وعلى أمم ممن معك ﴾ إن كان "من" للبيان فالمراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات، أو هم أصل الأمم التي انشعبت منه.

وإن كان لابتداء الغاية فالمعنى على أمم ناشئة ممن معك إلى آخر الدهر.

وهذا شأن الأمة المؤمنة ثم ذكر حال الأمة الكافرة المتوالدة فقال: ﴿ وأمم ﴾ وهو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي وممن معك أمم ﴿ سنمتعهم ﴾ في الدنيا ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة ﴿ منا عذاب أليم ﴾ عن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض، ثم أخرج منهم نسلاً منهم من رحم ومنهم من عذب، وخصص بعضهم الأمم الممتعة بقوم هود وصالح ولوط وشعيب و ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى قصة نوح وهو مبتدأ والجمل بعدها أخبار.

وقوله ﴿ ولا قومك ﴾ للمبالغة كقول القائل: لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا قومك ولا أهل بلدك.

والمراد تفاصيل القصة وإلا فمجملها أشهر من أن يخفى.

ومعنى ﴿ من قبل هذا ﴾ أي من قبل هذا الإيحاء أو العلم الذي كسبته بالوحي، أو من قبل هذا الوقت وكأن هذه القصة أعيدت في هذه السورة تثبيتاً للنبي  على إنذار قومه ولذلك ختمت بقوله: ﴿ فاصبر ﴾ كما صبر نوح و ﴿ إن العاقبة ﴾ الحميدة ﴿ للمتقين ﴾ .

التأويل: ﴿ ما نراك إلا بشراً مثلنا ﴾ أي مخلوقاً محتاجاً مثلنا.

وفيه أن النفس بنظرها السفلي ترى الروح العلوي سفلياً فلهذا تنظر إلى النبي ولا ترى نبوته الحميدة، بل تراه بنظر الكذب والسحر والجنون ﴿ إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ﴾ والأراذل من اتباع الروح البدن والجوارح الظاهرة، فإن الغالب على الخلق أن البدن يقبل دعوة الروح ويستعمل الجوارح بالأفعال الشرعية، ولكن النفس الأمارة تكون على كفرها ولا تخلي البدن أن يشتغل بالأعمال الشرعية الدينية إلا لغرض فاسد ومصلحة دنيوية كما هو المعتاد لأكثر الخلق.

﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ من طبع النفس أن تتأذى من استعمال البدن وجوارحه في التكاليف الشرعية فتقول للروح: إن ترد أن أومن بك وأتخلق بأخلاقك فأمتع البدن وجوارحه في التكاليف ﴿ من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من قهره إن منعت البدن من الطاعة، فاقتصر على مجرد إيمان النفس وتخلقها بأخلاق الروح كما هو معتقد أهل الفلسفة والإباحة يقولون: إن أصل العبودية معرفة الربوبية وجمعية الباطن والتحلي بالأخلاق الحميدة.

﴿ أفلا تذكرون ﴾ أن جميعة الباطن ونوره من نتائج استعمال الشرع في الظاهر؟

فالنور في الشرع والظلمة في الطبع، وإنما بعث الأنبياء ليخرجوا الخلق من ظلمات الطبع إلى نور الشرع ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ أي استعداداً لتحصيل الدرجات العلوية وإنهم مخلوقون من السفليات الله أعلم بما في نفس كل جارحة من استعداد تحصيل الكمال ﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ من التكذيب.

وفيه أن ذنوب النفس لا تؤثر في صفاء الروح ولا يتكدر بها ما كان الروح متبرئاً من ذنوب النفس متأسفاً على معاملات النفس وتتبع هواها.

﴿ وأوحي إلى نوح ﴾ الروح ﴿ أنه لن يؤمن من قومك ﴾ وهم القلب وصفاته والسر والنفس وصفاتها والبدن وجوارحه ﴿ إلا من قد آمن ﴾ من خواص العباد وهم القلب وصفاتها والسر وصفات النفس والبدن وجوارحه.

فأما النفس فإنها لا تؤمن أبداً اللهم إلا نفوس الأنبياء وخواص الأولياء فإنها تسلم أحياناً دون الإيمان ﴿ فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ﴾ لأن أعمال الشر لنفوس السعداء كالجسد للإكسير ينقلب ذهباً مقبولاً عند طرح الروح عليها، فكذلك تنقلب أعمال الشر خيراً عند طرح التوبة عليها ﴿ أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ ولا تبتئس على نفوس الأشقياء لأن أعمالها حجة الله على شقاوتهم، وبتلك السلاسل يسحبون في النار على وجوههم ﴿ واصنع الفلك ﴾ اتخذ يا نوح الروح سفينة الشريعة بنظرنا لا بنظرك فإن نظرك تبع الحواس يبصر ظاهرها ويغفل عن أسرارها ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ فإن الظلم من شيم النفوس ﴿ إنهم مغرقون ﴾ في بحر الدنيا وشهواتها.

﴿ وكلما مر عليه ملأ ﴾ هم النفس وهواها وصفاتها ﴿ يسخرون ﴾ من استعمال أركان الشريعة إذ لم يفهموا حقائقها ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ وهو حد البلوغ والركوب في سفينة الشريعة ﴿ وفار ﴾ ماء الشهوة من تنور القالب ﴿ قلنا احمل ﴾ في سفينة الشريعة من كل صفة وزوجها: كالشهوة وزوجها العفة.

والحرص وزوجها القناعة، والبخل وزوجها السخاء، والغضب وزوجه الحلم، وكذا الحقد مع السلامة، والعداوة مع المحبة، والكبر مع التواضع، والتأني مع العجلة ﴿ وأهلك ﴾ وهم صفات الروح لا النفس ﴿ ومن آمن ﴾ وهم القلب والسر.

وفي قوله  : ﴿ وقال اركبوا فيها باسم الله ﴾ إشارة إلى أن من ركب سفينة الشرع بالطبع وتقليد الآباء والمعلمين لم يحصل له النجاة الحقيقية كما ركب إبليس بالطبع في سفينة نوح وإنما النجاة لمن ركب بأمر الله وذكره مجراها من الله ومرساها إلى الله كقوله: ﴿ وأن إلى ربك المنتهى  ﴾ ﴿ في موج ﴾ من الفتن ﴿ كالجبال ونادى نوح ﴾ الروح ﴿ ابنه ﴾ كنعان النفس المتولد بينه وبين القالب ﴿ وكان في معزل ﴾ من معرفة الله وطلبه ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ العقل ﴿ يعصمني من الماء ﴾ الفتن ﴿ لا عاصم اليوم ﴾ أي إذا نبع ماء الشهوات من أرض البشرية ونزل ماء ملاذ الدنيا وزينتها من سماء القضاء فلا يتخلص منه إلا من يرحمه الله بالاعتصام بسفينة الشريعة ﴿ ابلعي ﴾ ماء شهواتك ﴿ اقلعي ﴾ عن إنزال مطر الآفات ﴿ وغيض ﴾ ماء الفتن ببركة الشرع ﴿ وقضي الأمر ﴾ ما كان مقدراً من طوفان الفتن للابتلاء والتربية، ﴿ واستوت ﴾ سفينة الشريعة ﴿ على الجودي ﴾ وهو مقام التمكين بعد مقامات التلوين ﴿ وإن وعدك الحق ﴾ وهو ما وعد نوح الروح عند إهباطه إلى العالم السفلي من الرجوع إلى العالم العلوي: ﴿ إنه ليس من أهلك ﴾ وكان للروح أربعة بنين: ثلاثة من المؤمنين وهم القلب والسر والعقل، وواحد كافر وهو النفس.

فنفى عن النفس أهلية الدين والملة لأنها خلقت للأمارية ﴿ اهبط ﴾ من سفينة الشريعة عند مفارقة الجسد والخلاص من طوفان الفتن ﴿ وأمم سنمتعهم ﴾ هم النفوس متعت بالحظوظ الدنيوية ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة عذاب البعد عن المألوفات، ﴿ فاصبر ﴾ على تربية الروح و النفس ﴿ إن العاقبة ﴾ لمن اتقى طوفان فتن الدنيا والنفس والهوى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ﴾ : قالوا ذلك لأنه قد كان طال عمره وهو بين أظهرهم ويدعوهم إلى الإيمان، فأكثر حجاجه ومجادلته إياهم.

فقالوا: ﴿ فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ وكان يعدهم العذاب إن لم يجيبوه؛ كقوله: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ  ﴾ ، وما كان وعد لهم في غير آية من القرآن إن لم يجيبوه فقالوا: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ ﴾ من العذاب، فقال: ﴿ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ ﴾ أي: ليس لي إتيان ذلك إنما ذلك إلى الله، إن شاء عجل وإن شاء أخر إلى ما بعد الموت؛ وهو كقول رسول الله لقومه: ﴿ لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي: لا تعجزون الله عن تعذيبكم فتفوتون عنه، وقيل: وما أنتم بسابقي الله بأعمالكم الخبيثة حتى يجزيكم بها؛ وهو واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ﴾ : تأويله - والله أعلم - لا ينفعكم دعائي إلى ما به نجاتكم إن كان الله يريد أن يغويكم [ثم اختلف في وقت ذلك: قال بعضهم: لا ينفعكم نصحي عند إقبال العذاب عليكم؛ إن كان في حكم الله ألاَّ تكونوا من الغاوين في ذلك الوقت.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ ﴾ إن كان الله يريد أن يغويكم] أي: لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يعذبكم في نار جهنم ويقول الغي العذاب؛ كقوله: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً  ﴾ أي: عذاب جهنم ونحوه من الكلام.

وأما عندنا فهو على ما أخبر: إن كان الله يريد إغواء قوم أبدا فهم في الغواية أبداً، وأصله أن الله أراد غواية من في علمه أنه يختار الغواية [وأراد ضلال كل من في علمه أنه يختار الضلال؛ لأن من في علمه أنه يختار الغواية] والضلال اختار عداوته، ولا يجوز أن يريد هو هداية من يعلم أنه يختار عداوته؛ لأن ذلك يكون من الضعف أن يختار المرء ولاية من يختار هو عداوته، فدل أنه لم يرد الهداية لمن علم منه اختيار الغواية والضلال.

ثم إضافة الإغواء والإزاغة والإضلال إلى الله يخرج على وجهين: أحدهما: أنه ينشئ ذلك الفعل منهم غيا وزيغاً وضلالا لا بد؛ لأن فعلهم فعل غواية وزيغ.

والثاني: أنه خذلهم ولم يوفقهم ولم يرشدهم ولم يعصمهم ولا سددهم، فمن ذلك الوجه ليس فعله فعل الذم عليه حتى يتحرج بالإضافة إليه، ومن الإضافة إلى الخلق يكون على الذم؛ لأن فعلهم نفسه فعل غواية وضلال، فاستوجبوا الذم عليه بذلك، والإغواء من الخلق هو الدعاء إلى ذلك أو الأمر به، فهو مذموم يذمون على ذلك وليس من الله  من هذا الوجه، ولكن على الوجهين اللذين ذكرناهما.

وفي قوله: ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ﴾ دلالة تعليق الشرط على الشرط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ ﴾ أي: بل يقولون.

إنه افتراه من عند نفسه قل: ﴿ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: قال قوم نوح لنوح -  -: إنه افترى على الله أنه رسول إليهم من الله على ما سبق من دعائه قومه إلى دين الله، فقالوا له: إنه افتراه.

وقال بعضهم: هو قول قوم محمد قالوا: افترى محمد هذا القرآن من نفسه ليس هو من الله على ما يزعم، وهو ما قال في صدر السورة، وهو قوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ إلى آخر ما ذكر، فعلى ذلك هذا هو قولهم لرسول الله  إنه افترى هذا القرآن الذي يقول هو من الله من نفسه فقال: ﴿ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ﴾ أي: إن افتريته فعليَّ جرمُ افترائي وجزاؤه.

﴿ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ﴾ معناه - والله أعلم - أي: لا تؤاخذون أنتم بجرم افترائي إن افتريته، وأنا لا أؤاخذ بإجرامكم؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ وكقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ  ﴾ ، فعلى ذلك إجرامي، وأمكن أن يكون هذا القول لهم لما أيس من إيمانهم؛ كقوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ  ﴾ لما أيس عن إيمانهم، وانقطع طمعه ورجاؤه عن إسلامهم، قال لهم ذلك أن لا محاجة بيننا وبينكم بعد هذا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قالوا تَعَنُّتًا وتكبرًا: يا نوح، قد خاصمتنا وناظرتنا، فأكثرت مخاصمتنا ومناظرتنا، فأتنا بما تعدنا به من العذاب إن كنت من الصادقين فيما تدعيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.RqeM8"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر