تفسير الآية ٥٦ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٥٦ من سورة هود

إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٥٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 10 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٥٦ من سورة هود من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٥٦ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) أي : [ هي ] تحت قهره وسلطانه ، وهو الحاكم العادل الذي لا يجور في حكمه ، فإنه على صراط مستقيم .

قال الوليد بن مسلم ، عن صفوان بن عمرو عن أيفع بن عبد الكلاعي أنه قال في قوله تعالى : ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ) قال : فيأخذ بنواصي عباده فيلقى المؤمن حتى يكون له أشفق من الوالد لولده ويقال للكافر : ( ما غرك بربك الكريم ) [ الانفطار : 6 ] .

وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به ، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر ، بل هي جماد لا تسمع ولا تبصر ، ولا توالي ولا تعادي ، وإنما يستحق إخلاص العبادة الله وحده لا شريك له ، الذي بيده الملك ، وله التصرف ، وما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه ، فلا إله إلا هو ، ولا رب سواه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) قال أبو جعفر: يقول: إني على الله الذي هو مالكي ومالككم ، والقيِّم على جميع خلقه ، توكلت من أن تصيبوني ، أنتم وغيركم من الخلق بسوء، (5) فإنه ليس من شيء يدب على الأرض ، (6) إلا والله مالكه، وهو في قبضته وسلطانه.

ذليلٌ له خاضعٌ.

* * * فإن قال قائل: وكيف قيل: (هو آخذ بناصيتها)، فخص بالأخذ " الناصية " دون سائر أماكن الجسد.

قيل: لأن العرب كانت تستعمل ذلك في وصفها من وصفته بالذلة والخضوع، فتقول: " ما ناصية فلان إلا بيد فلان "، أي : أنه له مطيع يصرفه كيف شاء .

وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمنّ عليه ، جزُّوا ناصيته ، ليعتدّوا بذلك عليه فخرًا عند المفاخرة.

فخاطبهم الله بما يعرفون في كلامهم، والمعنى ما ذكرت.

* * * وقوله: (إن ربي على صراط مستقيم) ، يقول: إن ربي على طريق الحق، يجازي المحسن من خلقه بإحسانه والمسيء بإساءته، لا يظلم أحدًا منهم شيئًا ولا يقبل منهم إلا الإسلام والإيمان به، (7) كما:- 18278- حدثني المثني قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (إن ربي على صراط مستقيم) ، الحقّ .

18279- حدثني المثني قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

18280- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

18281- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

---------------------- الهوامش : (5) انظر تفسير " التوكل " فيما سلف من فهارس اللغة ( وكل ) .

(6) انظر تفسير " دابة " فيما سلف ص : 240 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(7) انظر تفسير " صراط مستقيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( سرط ) ، ( قوم ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إني توكلت على الله ربي وربكم أي رضيت بحكمه ، ووثقت بنصره .ما من دابة أي نفس تدب على الأرض ; وهو في موضع رفع بالابتداء .إلا هو آخذ بناصيتها أي يصرفها كيف يشاء ، ويمنعها مما يشاء ; أي فلا تصلون إلى ضري .

وكل ما فيه روح يقال له داب ودابة ; والهاء للمبالغة .

وقال الفراء : مالكها ، والقادر عليها .

وقال القتبي : قاهرها ; لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته .

وقال الضحاك : يحييها ثم يميتها ; والمعنى متقارب .

والناصية قصاص الشعر في مقدم الرأس .

ونصوت الرجل أنصوه نصوا أي مددت ناصيته .

قال ابن جريج : إنما خص الناصية ; لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانا بالذلة والخضوع ; فيقولون .

ما ناصية فلان إلا بيد فلان ; أي إنه مطيع له يصرفه كيف يشاء .

وكانوا إذا أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليعرفوا بذلك فخرا عليه ; فخاطبهم بما يعرفونه في كلامهم .

وقال الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " قوله تعالى : ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها وجهه عندنا أن الله تعالى قدر مقادير أعمال العباد ، ثم نظر إليها ، ثم خلق [ ص: 48 ] خلقه ، وقد نفذ بصره في جميع ما هم فيه عاملون من قبل أن يخلقهم ، فلما خلقهم وضع نور تلك النظرة في نواصيهم فذلك النور آخذ بنواصيهم ، يجريهم إلى أعمالهم المقدرة عليهم يوم المقادير .

وخلق الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ; رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة .

ولهذا قويت الرسل وصاروا من أولي العزم لأنهم لاحظوا نور النواصي ، وأيقنوا أن جميع خلقه منقادون بتلك الأنوار إلى ما نفذ بصره فيهم من الأعمال ، فأوفرهم حظا من الملاحظة أقواهم في العزم ، ولذلك ما قوي هود النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى قال : فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها وإنما سميت ناصية لأن الأعمال قد نصت وبرزت من غيب الغيب فصارت منصوصة في المقادير ، قد نفذ بصر الخالق في جميع حركات الخلق بقدرة ، ثم وضعت حركات كل من دب على الأرض حيا في جبهته بين عينيه ، فسمي ذلك الموضع منه ناصية ; لأنها تنص حركات العباد بما قدر ; فالناصية مأخوذة بمنصوص الحركات التي نظر الله تعالى إليها قبل أن يخلقها ووصف ناصية أبي جهل فقال : ناصية كاذبة خاطئة يخبر أن النواصي فيها كاذبة خاطئة ; فعلى سبيل ما تأولوه يستحيل أن تكون الناصية منسوبة إلى الكذب والخطأ .

والله أعلم .إن ربي على صراط مستقيم قال النحاس : الصراط في اللغة المنهاج الواضح ; والمعنى أن الله جل ثناؤه وإن كان يقدر على كل شيء فإنه لا يأخذهم إلا بالحق .

وقيل : معناه لا خلل في تدبيره ، ولا تفاوت في خلقه سبحانه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ } أي: اعتمدت في أمري كله على الله { رَبِّي وَرَبُّكُمْ } أي: هو خالق الجميع، ومدبرنا وإياكم، وهو الذي ربانا.

{ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } فلا تتحرك ولا تسكن إلا بإذنه، فلو اجتمعتم جميعا على الإيقاع بي، والله لم يسلطكم علي، لم تقدروا على ذلك، فإن سلطكم، فلحكمة أرادها.

فـ { إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } أي: على عدل، وقسط، وحكمة، وحمد في قضائه وقدره، في شرعه وأمره، وفي جزائه وثوابه، وعقابه، لا تخرج أفعاله عن الصراط المستقيم، التي يحمد، ويثنى عليه بها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إني توكلت ) أي : اعتمدت ( على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) قال الضحاك : يحييها ويميتها .

قال الفراء : مالكها والقادر عليها .

وقال القتيبي : يقهرها ، لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته .

وقيل : إنما خص الناصية بالذكر لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانا بالذلة ، فتقول : ناصية فلان بيد فلان ، وكانوا إذا أسروا إنسانا وأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليعتدوا بذلك فخرا عليه ، فخاطبهم الله بما يعرفون .

( إن ربي على صراط مستقيم ) يعني : إن ربي وإن كان قادرا عليهم فإنه لا يظلمهم ولا يعمل إلا بالإحسان والعدل ، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بعصيانه .

وقيل : معناه أن دين ربي إلى صراط مستقيم .

وقيل فيه إضمار ، أي : إن ربي يحثكم ويحملكم على صراط مستقيم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إني توكلت على الله ربي وربكم ما من» زائدة «دابة» نسمة تدب على الأرض «إلا هو آخذ بناصيتها» أي مالكها وقاهرها فلا نفع ولا ضرر إلا بإذنه، وخص الناصية بالذكر لأن من أخذ بناصيته يكون في غاية الذل «إن ربي على صراط مستقيم» أي طريق الحق والعدل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إني توكلت على الله ربي وربكم مالك كل شيء والمتصرف فيه، فلا يصيبني شيء إلا بأمره، وهو القادر على كل شيء، فليس من شيء يدِبُّ على هذه الأرض إلا والله مالكه، وهو في سلطانه وتصرفه.

إن ربي على صراط مستقيم، أي عدل في قضائه وشرعه وأمره.

يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ينتقل بعد ذلك إلى بيان السبب الذى دعاه إلى البراءة من شركهم ، وإلى عدم المبالاة بهم فقال - كما حكى القرآن عنه - ( إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبِّي وَرَبِّكُمْ .

.

) .أى : إني فوضت أمرى إلى الله الذى هو ربى وربكم ، ومالك أمرى وأمركم ، والذى لا يقع فى هذا الكون شئ إلا بإرادته ومشيئته .وفى قوله : ( رَبِّي وَرَبِّكُمْ ) مواجهة بالحقيقة التى ينكرونها ، لإِفهامهم أن إنكارهم لا قيمة له ، وأنه إنكار عن جحود وعناد .

.

فهو - سبحانه - ربهم سواء أقبلوا ذلك أم رفضوه .

وقوله ( مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ ) تصوير بديع لشمول قدرته - سبحانه - والأخذ : هو التناول للشئ عن طريق الغلبة والقهر .والناصبة : منبت الشعر فى مقدم الرأس ، ويطلق على الشعر النابت نفسه .قال الإِمام الرازى : واعلم أن العرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة والخضوع قالوا : ما ناصية فلان إلا بيد فلان .

أى أنه مطيع له ، لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته .

وكانوا إذا أسروا أسير وأرادوا إطلاقه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره فخوطبوا فى القرآن بما يعرفون ..والمعنى : إنى اعتمدت على الله ربى وربكم : ما من دابة تدب على وجه الأرض إلا والله - تعالى - مالكها وقاهر لها ، وقادر عليها ، ومتصرف فيها كما يتصرف المالك فى ملكه .وفى هذا التعبير الحكيم صورة حسية بديعة تناسب المقام ، كما تناسب غلظة قوم هود وشدتهم .

وصلابة أجسامم وبنيتهم ، وجفاف حسهم ومشاعرهم .

.

فكأنه - عليه السلام - يقول لهم : إنكم مهما بلغتم من القوة والبطش ، فما أنتم إلا دواب من تلك الدواب التى يأخذ ربى بناصيتها ، ويقهرها بقوته قهراً يهلكها - إذا شاء ذلك - فكيف أخشى دوابا مثلكم مع توكلى على الله ربى وربكم؟!ثم يتبع هذا الوصف الدال على شمول قدرة الله - تعالى - بوصف آخر يدل على عدالته وتنزه عن الظلم فيقول : ( إِنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) .أى : إن ربى قد اقتضت سنته أن يسلك فى أحكامه طريق الحق والعدل وما دام الأمر كذلك فلن يسلطكم على لأنه - حاشاه - أن يسلط من كان متمسكا بالباطل ، على من كان متمسكا بالحق .واكتفى هنا باإضافة الرب إلى نفسه ، للإشارة إلى أن لطفه - سبحانه - يشمل هودا وحده ولا يشملهم ، لأنهم أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى .

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله