تفسير الآية ٣٦ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٣٦ من سورة الحجر

قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ٣٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 47 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٦ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٦ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وعن سعيد بن جبير أنه قال: لما لعن الله إبليس تغيرت صورته عن صورة الملائكة ورن رنة فكل رنة في الدنيا إلى يوم القيامة منها.

رواه ابن أبي حاتم وأنه لما تحقق الغضب الذي لا مرد له سأل من تمام حسده لآدم وذريته النظِرة إلى يوم القيامة وهو يوم البعث.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: قال إبليس: ربّ فإذ أخرجتني من السموات ولعنتني، فأخِّرني إلى يوم تبعث خلقك من قبورهم فتحشرهم لموقف القيامة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أي يشكون أنه نازل بهم , وهو العذاب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيات من 36 الى 38 :ـ { قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي } أي: أمهلني { إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ } وليس إجابة الله لدعائه كرامة في حقه وإنما ذلك امتحان وابتلاء من الله له وللعباد ليتبين الصادق الذي يطيع مولاه دون عدوه ممن ليس كذلك، ولذلك حذرنا منه غاية التحذير، وشرح لنا ما يريده منا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ) أراد الخبيث أن لا يموت .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون» أي الناس.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال إبليس: رب أخِّرني في الدنيا إلى اليوم الذي تَبْعَث فيه عبادك، وهو يوم القيامة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - ما طلبه إبليس من ربه ، ومارد الله به عليه ، فقال - تعالى - ( قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم ) .والفاء فى قوله ( فأنظرنى ) للتفريع وهى متعلقة بمحذوف يدل عليه سياق الكلام .والإِنظار : التأخير والإِمهال ومنه قوله - تعالى - ( وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ) أى : قال إبليس لربه .

عز وجل : ما دمت قد أخرجتنى من جنتك ومن سمائك ، وجعلتنى مرجوماً ملعوناً إلى يوم الدين ، فأخر موتى إلى يوم يبعث آدم وذريته للحساب وخاطب الله - تعالى - بصفة الربوبية تخضعا وتذللا لكى يجاب طلبه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر حدوث الإنسان الأول واستدل بذكره على وجود الإله القادر المختار ذكر بعده واقعته وهو أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود له فأطاعوه إلا إبليس فإنه أبى وتمرد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ما تفسير كونه بشراً.

فالمراد منه كونه جسماً كثيفاً يباشر ويلاقي والملائكة والجن لا يباشرون للطف أجسامهم عن أجسام البشر، والبشرة ظاهرة الجلد من كل حيوان وأما كونه صلصالاً من حمأ مسنون فقد تقدم ذكره.

وأما قوله: ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ﴾ ففيه قولان: الأول: فإذا سويت شكله بالصورة الإنسانية والخلقة البشرية.

والثاني: فإذا سويت أجزاء بدنه باعتدال الطبائع وتناسب الأمشاج كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ  ﴾ .

وأما قوله: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ ففيه مباحث: الأول: أن النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر، وظاهر هذا اللفظ يشعر بأن الروح هي الريح، وإلا لما صح وصفها بالنفخ إلا أن البحث الكامل في حقيقة الروح سيجيء في قوله تعالى: ﴿ قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّي  ﴾ وإنما أضاف الله سبحانه روح آدم إلى نفسه تشريفاً له وتكريماً.

وقوله: ﴿ فَقَعُواْ لَهُ ساجدين ﴾ فيه مباحث: أحدها: أن ذلك السجود كان لآدم في الحقيقة أو كان آدم كالقبلة لذلك السجود، وهذا البحث قد تقدم ذكره في سورة البقرة.

وثانيها: أن المأمورين بالسجود لآدم عليه السلام كل ملائكة السموات أو بعضهم أو ملائكة الأرض، من الناس من لا يجوز أن يقال: إن أكابر الملائكة كانوا مأمورين بالسجود لآدم عليه السلام، والدليل عليه قوله تعالى في آخر سورة الأَعراف في صفة الملائكة: ﴿ إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ  ﴾ فقوله: ﴿ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ يفيد الحصر، وذلك يدل على أنهم لا يسجدون إلا لله تعالى وذلك ينافي كونهم ساجدين لآدم عليه السلام أو لأحد غير الله تعالى أقصى ما في الباب أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿ فَقَعُواْ لَهُ ساجدين ﴾ يفيد العموم، إلا أن الخاص مقدم على العام.

وثالثها: أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى كما نفخ الروح في آدم عليه السلام وجب على الملائكة أن يسجدوا له، لأن قوله: ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ ساجدين ﴾ مذكور بفاء التعقيب وذلك يمنع من التراخي وقوله: ﴿ فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ قال الخليل وسيبويه قوله: ﴿ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ توكيد بعد توكيد، وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال فسجد الملائكة احتمل أن يكون سجد بعضهم، فلما قال: ﴿ كُلُّهُمْ ﴾ زال هذا الاحتمال فظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ثم بعد هذا بقي احتمال آخر وهو أنهم سجدوا دفعة واحدة أو سجد كل واحد منهم في وقت آخر فلما قال: ﴿ أَجْمَعُونَ ﴾ ظهر أن الكل سجدوا دفعة واحدة، ولما حكى الزجاج هذا القول عن المبرد قال: وقول الخليل وسيبويه أجود، لأن أجمعين معرفة فلا يكون حالاً وقوله: ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ أجمعوا على أن إبليس كان مأموراً بالسجود لآدم، واختلفوا في أنه هل كان من الملائكة أم لا؟

وقد سبقت هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة وقوله: ﴿ أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين ﴾ استئناف وتقديره أن قائلاً قال: هلا سجد فقيل: أبى ذلك واستكبر عنه.

أما قوله: ﴿ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين ﴾ فاعلم أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله: ﴿ قَالَ يَا إِبْلِيسُ ﴾ أي قال الله تعالى له يا إبليس وهذا يقتضي أنه تعالى تكلم معه، فعند هذا قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس على لسان بعض رسله، إلا أن هذا ضعيف، لأن إبليس قال في الجواب: ﴿ لَمْ أَكُن لأِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صلصال ﴾ فقوله: ﴿ خَلَقْتَهُ ﴾ خطاب الحضور لا خطاب الغيبة، وظاهره يقتضي أن الله تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة وأن إبليس تكلم مع الله تعالى بغير واسطة، وكيف يعقل هذا مع أن مكالمة الله تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب وأشرف المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة ورئيسهم، ولعل الجواب عنه أن مكالمة الله تعالى إنما تكون منصباً عالياً إذا كان على سبيل الإكرام والإعظام، فأما إذا كان على سبيل الإهانة والإذلال فلا، وقوله: ﴿ لَمْ أَكُن لأِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: اللام في قوله: ﴿ لأِسْجُدَ ﴾ لتأكيد النفي، ومعناه: لا يصح مني أن أسجد لبشر.

البحث الثاني: معنى هذا الكلام أن كونه بشراً يشعر بكونه جسماً كثيفاً وهو كان روحانياً لطيفاً، فالتفرقة حاصلة بينهما في الحال من هذا الوجه.

كأنه يقول: البشر جسماني كثيف له بشرة، وأنا روحاني لطيف، والجسماني الكثيف أدون حالاً من الروحاني اللطيف، والأدون كيف يكون مسجوداً للأعلى، وأيضاً أن آدم مخلوق من صلصال تولد من حمأ مسنون، فهذا الأصل في غاية الدناءة وأصل إبليس هو النار وهي أشرف العناصر، فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدون، فالكلام الأول إشارة إلى الفرق الحاصل بسبب البشرية والروحانية، وهو فرق حاصل في الحال والكلام الثاني إشارة إلى الفرق الحاصل بحسب العنصر والأصل، فهذا مجموع شبهة إبليس وقوله تعالى: ﴿ قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ فهذا ليس جواباً عن تلك الشبهة على سبيل التصريح، ولكنه جواب عنها على سبيل التنبيه.

وتقريره أن الذي قاله الله تعالى نص، والذي قاله إبليس قياس، ومن عارض النص بالقياس كان رجيماً ملعوناً.

وتمام الكلام في هذا المعنى ذكرناه مستقصى في سورة الأعراف، وقوله: ﴿ فاخرج مِنْهَا ﴾ قيل المراد من جنة عدن، وقيل من السموات، وقيل من زمرة الملائكة، وتمام هذا الكلام مع تفسير الرجيم قد سبق ذكره في سورة الأعراف وقوله: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين ﴾ قال ابن عباس يريد يوم الجزاء حيث يجازي العباد بأعمالهم مثل قوله: ﴿ مالك يَوْمِ الدين  ﴾ .

فإن قيل: كلمة (إلى) تفيد انتهاء الغاية فهذا يشعر بأن اللعن لا يحصل إلا إلى يوم القيامة، وعند قيام القيامة يزول اللعن.

أجابوا عنه من وجوه: الأول: المراد منه التأبيد، وذكر القيامة أبعد غاية يذكرها الناس في كلامهم كقولهم: ﴿ مَا دَامَتِ السموات والأرض  ﴾ في التأبيد.

والثاني: أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين من غير أن يعذب فإذا جاء ذلك اليوم عذب عذاباً ينسى اللعن معه فيصير اللعن حينئذ كالزائل بسبب أن شدة العذاب تذهل عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الصلصال: الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخار.

قالوا: إذا توهمت في صوته مدّا فهو صليل، وإن توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة.

وقيل: هو تضعيف (صل) إذا أنتن.

والحمأ: الطين الأسود المتغير.

والمسنون: المصوّر، من سنة الوجه، وقيل: المصبوب المفرغ، أي: أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذوبة في أمثلتها.

وقيل: المنتن، من سننت الحجرعلى الحجر إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سنين، ولا يكون إلا منتنا ﴿ مّنْ حَمَإٍ ﴾ صفة لصلصال، أي: خلقه من صلصال كائن من حمأ وحق ﴿ مَّسْنُونٍ ﴾ بمعنى مصور، أن يكون صفة لصلصال، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف، فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك إلى جوهر آخر ﴿ والجآن ﴾ للجن كآدم للناس.

وقيل: هو إبليس.

وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: ﴿ والجأن ﴾ ، بالهمزة ﴿ مِن نَّارِ السموم ﴾ من نار الحرّ الشديد النافذ في المسام.

قيل: هذه السموم جزء من سبعين جزأ من سموم النار التي خلق الله منها الجانّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ فاخْرُجْ مِنها ﴾ مِنَ السَّماءِ أوِ الجَنَّةِ أوْ زُمَرِ المَلائِكَةِ.

﴿ فَإنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ مَطْرُودٌ مِنَ الخَيْرِ والكَرامَةِ، فَإنَّ مَن يُطْرَدُ يُرْجَمُ بِالحَجَرِ أوْ شَيْطانٌ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ، وهو وعِيدٌ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ عَنْ شُبْهَتِهِ.

﴿ وَإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ ﴾ هَذا الطَّرْدُ والإبْعادُ.

﴿ إلى يَوْمِ الدِّينِ ﴾ فَإنَّهُ مُنْتَهى أمَدِ اللَّعْنِ، فَإنَّهُ يُناسِبُ أيّامَ التَّكْلِيفِ ومِنهُ زَمانُ الجَزاءِ وما في قَوْلِهِ: ﴿ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ ﴾ بِمَعْنى آخَرَ يُنْسى عِنْدَهُ هَذِهِ.

وقِيلَ إنَّما حَدَّ اللَّعْنَ بِهِ لِأنَّهُ أبْعَدُ غايَةٍ يَضُرُّ بِها النّاسَ، أوْ لِأنَّهُ يُعَذَّبُ فِيهِ بِما يُنْسى اللَّعْنُ مَعَهُ فَيَصِيرُ كالزّائِلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى} فأخرني {إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}

قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي ﴾ أمْهِلْنِي وأخِّرْنِي ولا تُمِتْنِي والفاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مَفْهُومٍ مِنَ الكَلامِ أيْ إذْ جَعَلْتَنِي رَجِيمًا فَأمْهِلْنِي ﴿ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ أيْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّتَهُ لِلْجَزاءِ وأرادَ بِذَلِكَ أنْ يَجِدَ فُسْحَةً لِإغْوائِهِمْ ويَأْخُذَ مِنهم ثَأْرَهُ، قِيلَ: ولِيَنْجُوَ مِنَ المَوْتِ إذْ لا مَوْتَ بَعْدَ البَعْثِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، وكَأنَّهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ طَلَبَ تَأْخِيرَ مَوْتِهِ لِذَلِكَ ولَمْ يَكْتَفِ بِما أشارَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ في التَّغَيِّي مِنَ التَّأْخِيرِ لِما أنَّهُ يُمْكِنُ كَوْنُ تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَسائِرِ مَن أُخِّرَتْ عُقُوباتُهم إلى الآخِرَةِ مِنَ الكَفَرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عزّ وجلّ: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً يعني: قال ربك للملائكة سأخلق خلقاً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ أي: جمعت خلقه وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي أي: جعلت الروح فيه فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ أي: فخرّوا له سجّدا فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ سجدة تحية لا سجدة عبادة وكانت التحية لآدم  ، والعبادة لله تعالى.

كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ روي عن الخليل أنه قال: أَجْمَعُونَ على معنى توكيد بعد توكيد.

وذكر عن محمد بن يزيد المبرد أنه قال: معناه سجدوا كلهم في حالة واحدة.

وقال الزجاج: الأول أجود، لأن أجمعين معرفة، ولا يكون حالا.

إِلَّا إِبْلِيسَ قال بعضهم: لكن إبليس لم يكن من الساجدين، لأن إبليس لم يكن من الملائكة، فلا يكون الاستثناء من غير جنس ما تقدم، بدليل قوله: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ [الكهف: 50] .

وقال بعضهم: استثنى إبليس من الملائكة، وكان من جنسهم، إلا أنه لما لم يسجد لعن وغيّر عن صورة الملائكة فذلك قوله إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ أي: تعظم عن السجود لآدم مع الملائكة قوله عز وجل قالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ أي: مع الملائكة قالَ إبليس لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ قالَ فَاخْرُجْ مِنْها أي: من الأرض.

ويقال: من الجنة فَإِنَّكَ رَجِيمٌ أي: ملعون مطرود، فألحقه بجزائر البحور وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ أي طرد من رحمته إلى يوم الحساب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الرابع: المستَقْدِمِين: سائرُ الأمم، والمستأخرِينَ أمَّة سيِّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم قاله مجاهد «١» .

الخامس: قال الحَسَنُ: معناه: المتقدِّمين في الطاعة، والمستأخرين في المعصية «٢» .

انتهى.

ت: والحديثُ المتقدِّم، إِنْ صحَّ، فلا بد من تأويله، فإِن الصحابة ينزَّهُونَ عن فعْلِ ما ذُكِرَ فيه، فيؤوَّل بأنَّ ذلك صَدَرَ من بعضِ المنافقين، أوْ بعضِ الأعراب الذين قَرُبَ عهدهم بالإِسلام، ولم يَرْسَخِ الإِيمان في قلوبهم، وأما ابنُ عبَّاس، فإِنه كان يومَئِذٍ/ صغيراً بلا شك، هذا إِن كانت الآيةُ مدنيَّةً، فإِن كانت مكيَّةً، فهو يومئذٍ في سِنِّ الطفوليَّة، وبالجملة فالظاهرُ ضَعْفُ هذا الحديثِ من وجوه.

انتهى، وباقي الآية بيّن.

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ: يعني: آدم، قال ابن عباس: خُلِقَ من ثلاثَةٍ: مِنْ طينٍ لازبٍ، وهو اللازقُ الجَيِّد، ومِنْ صلصالٍ، وهو الأرضُ الطَّيِّبَةُ يقع عليها الماءُ، ثم ينحسرُ فيتشقَّقُ وتصيرُ مثْلَ الخزف، ومِنْ حَمإٍ مسنون، وهو الطينُ فيه الحماة «٣» ، وال مَسْنُونٍ: قال مَعمرٌ: هو المُنْتِنُ «٤» ، وهو مِنْ أَسِنَ الماءُ إِذا تَغَيَّر، وَرُدَّ من جهة التصريف، وقيل غير هذا، وفي الحديث: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ التُّرَابِ: الطَّيِّبِ وَالخَبِيثِ، وَالأَسْوَدِ وَالأَحْمَرِ» «٥» .

وقوله: وَالْجَانَّ: يراد به: جنسُ الشياطينِ، وسئل وهبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عنهم، فقال هم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ يَعْنِي آدَمَ ﴿ مِن صَلْصالٍ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي لَمْ تُصِبْهُ نارٌ، فَإذا نَقَرْتَهُ صَلَّ، فَسَمِعْتَ لَهُ صَلْصَلَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ الطِّينُ المُنْتِنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ.

ويُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ: إذا تَغَيَّرَتْ رائِحَتُهُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ، فَصارَ لَهُ صَوْتٌ عِنْدَ نَقْرِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

فَأمّا الحَمَأُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو جَمْعُ حَمْأةٍ، وهو الطِّينُ المُتَغَيِّرُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا خِلافَ أنَّ الحَمَأ: الطِّينُ الأسْوَدُ المُتَغَيِّرُ الرِّيحِ.

ورَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ قالَ: بُلَّ التُّرابُ حَتّى صارَ طِينًا، ثُمَّ تُرِكَ حَتّى أنْتَنَ وتَغَيَّرَ.

وَفِي المَسْنُونِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: المُنْتِنُ أيْضًا، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَسْنُونُ: المُتَغَيِّرُ الرّائِحَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ الطِّينُ الرَّطِبُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المَصْبُوبُ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وأبُو عُبَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المَحْكُوكُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، قالَ: فَمَن قالَ: المَسْنُونُ: المُنْتِنُ، قالَ: هو مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ تَسَنّى الشَّيْءُ: إذا أنْتَنَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ  ﴾ ، وإنَّما قِيلَ لَهُ: مَسْنُونٌ، لِتَقادُمِ السِّنِينَ عَلَيْهِ.

ومَن قالَ: الطِّينُ الرَّطِبُ، قالَ: سُمِّيَ مَسْنُونًا، لِأنَّهُ يَسِيلُ ويَنْبَسِطُ، فَيَكُونُ كالماءِ المَسْنُونِ المَصْبُوبِ.

ومَن قالَ: المَصْبُوبُ، احْتَجَّ بِقَوْلِ العَرَبِ: قَدْ سَنَنْتَ عَلَيَّ الماءَ: إذا صَبَبْتَهُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْبُوبَ عَلى صُورَةٍ ومِثالٍ، مِن قَوْلِهِ: رَأيْتُ سُنَّةَ وجْهِهِ، أيْ: صُورَةَ وجْهِهِ، قالَ الشّاعِرُ: تُرِيكَ سُنَّةَ وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ مَلْساءَ لَيْسَ بِها خالٌ ولا نَدَبُ وَمَن قالَ: المَحْكُوكُ، احْتَجَّ بِقَوْلِ العَرَبِ: سَنَنْتُ الحَجْرَ عَلى الحَجْرِ: إذا حَكَكْتَهُ عَلَيْهِ.

وسُمِّي المِسَنُّ مِسَنًّا، لِأنَّ الحَدِيدَ يُحَكُّ عَلَيْهِ.

قالَ: وإنَّما كُرِّرَتْ " مِن " لِأنَّ الأوْلى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ " خَلَقْنا " والثّانِيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالصَّلْصالِ، تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِنَ الصَّلْصالِ الَّذِي هو مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والجانَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَسِيخُ الجِنِّ، كَما أنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ مَسِيخُ الإنْسِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أبُو الجِنِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورَوى عَنْهُ الضَّحّاكُ أنَّهُ قالَ: الجانُّ أبُو الجِنِّ، ولَيْسُوا بِشَياطِينَ، والشَّياطِينُ ولَدُ إبْلِيسَ لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَ إبْلِيسَ، والجِنُّ يَمُوتُونَ، ومِنهُمُ المُؤْمِنُ ومِنهُمُ الكافِرُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أبُو الجِنِّ هو إبْلِيسُ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ هو، فَيَكُونُ هَذا القَوْلُ هو الَّذِي قَبْلَهُ.

والثّانِي: أنَّ الجانَّ أبُو الجِنِّ، وإبْلِيسُ أبُو الشَّياطِينِ، فَبَيْنَهُما إذًا فَرْقٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ العُلَماءُ: وإنَّما سُمِّيَ جانًّا، لِتَوارِيهِ عَنِ العُيُونِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنِي: قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ ﴿ مِن نارِ السَّمُومِ ﴾ ، وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مِن نارِ الرِّيحِ الحارَّةِ، وهي جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ.

والسَّمُومُ في اللُّغَةِ: الرِّيحُ الحارَّةُ وفِيها نارٌ، قالَ ابْنُ السّائِبِ: وهي نارٌ لا دُخانَ لَها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ ﴿ فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ﴾ ﴿ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ ﴾ ﴿ إلا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ الساجِدِينَ ﴾ ﴿ قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ الساجِدِينَ ﴾ ﴿ قالَ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ "إذْ" نُصِبَتْ بِإضْمارِ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ رَبُّكَ، و"البَشَرُ" ها هَنا آدَمُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ البَشَرَةِ، وهي وجْهُ الجِلْدِ في الأشْهَرِ مِنَ القَوْلِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "وَأنْقُوا البَشَرَةَ".» وقِيلَ: البَشَرَةُ ما يَلِي اللَحْمَ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: "إنَّما يُعاتَبُ الأدِيمُ ذُو البَشَرَةِ"، لَأنَّ تِلْكَ الجِهَةَ هي الَّتِي تُبَشِّرُ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى المَلائِكَةَ بِعَجَبٍ عِنْدَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا مَخْلُوقِينَ مِن نُورٍ، فَهي أجْسامٌ لِطافٌ، فَأخْبَرَهم أنَّهُ لا يَخْلُقُ جِسْمًا حَيًّا ذا بَشَرَةٍ، وأنَّهُ يَخْلُقُهُ مِن صَلْصالٍ، والبِشْرُ والبِشارَةُ أيْضًا أصْلُهُما البَشَرَةُ لَأنَّهُما فِيها يَظْهَرانِ.

و"سَوَّيْتُهُ" مَعْناهُ: كَمَّلْتُهُ وأتْقَنَتْهُ حَتّى إذا اسْتَوَتْ أجْزاؤُهُ عَلى ما يَجِبُ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن رُوحِي ﴾ إضافَةُ خَلْقٍ ومُلْكٍ إلى خالِقٍ مالِكٍ، أيْ: مِنَ الرُوحِ الَّذِي هو لِي، ولَفْظَةُ الرُوحِ هُنا لِلْجِنْسِ، وقَوْلُهُ: "فَقَعُوا" مَن وقَعَ يَقَعُ، وفُتِحَتِ القافُ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ تُقَوِّي أنَّ سُجُودَ المَلائِكَةِ إنَّما كانَ عَلى المَعْهُودِ عِنْدَنا، لا أنَّهُ خُضُوعٌ وتَسْلِيمٌ وإشارَةٌ كَما قالَ بَعْضُ الناسِ، وشَبَّهُوهُ بِقَوْلِ الشاعِرِ: فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسُها ∗∗∗ كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ وهَذا البَيْتُ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ السُجُودُ فِيهِ كالمَعْهُودِ عِنْدَنا، وحَكى الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "خَلَقَ اللهُ مَلائِكَةً وأمَرَهم بِالسُجُودِ لِآدَمَ فَأبَوْا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهُمْ، ثُمَّ خَلَقَ آخَرِينَ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ خَلَقَ آخَرِينَ فَأمَرَهم بِالسُجُودِ فَأطاعُوا إلّا إبْلِيسَ فَإنَّهُ كانَ مِنَ الأوَّلِينَ"، وقَوْلُهُ: "مِنَ الأوَّلِينَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ الأوَّلِينَ في حالِهِمْ وكُفْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ في أنَّهُ بَقِيَ مِنهم.

وقَوْلُهُ: ﴿ كُلُّهم أجْمَعُونَ ﴾ هو عِنْدَ سِيبَوَيْهِ تَأْكِيدٌ بَعْدَ تَأْكِيدٍ، يَتَضَمَّنُ الآخَرُ ما تَضَمَّنَ الأوَّلُ، وقالَ غَيْرُهُ: "كُلُّهُمْ" لَوْ وقَفَ عَلَيْهِ لَصَلَحَتْ لِلِاسْتِثْناءِ، وصَلَحَتْ عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ مَعَ أنْ يَكُونَ البَعْضُ لَمْ يَسْجُدْ، وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ: "كُلُّ الناسِ يَعْرِفُ كَذا"، وهو يُرِيدُ أنَّ المَذْكُورَ أمْرٌ مُشْتَهِرٌ، فَلَمّا قالَ: "أجْمَعُونَ" رَفَعَ الِاحْتِمالَ في أنْ يَبْقى مِنهم أحَدٌ، واقْتَضى الكَلامُ أنْ جَمِيعَهم سَجَدَ، وقالَ المُبَرِّدُ: لَوْ وقَفَ عَلى" كُلُّهُمْ" لاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُجُودُهم في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، فَلَمّا قالَ: "أجْمَعُونَ" دَلَّ عَلى أنَّهم سَجَدُوا في مَوْطِنٍ واحِدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واعْتَرِضَ قَوْلُ المُبَرِّدُ بِأنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "أجْمَعُونَ" حالًا.

بِمَعْنى "مُجْتَمِعِينَ"، ويَلْزَمُهُ -عَلى هَذا- أنْ يَكُونَ "أجْمَعُونَ" هُنا عَلى أنْ يَقْرُبَ مِنَ التَنْكِيرِ إذْ هو مَعْرِفَةٌ لِكَوْنِهِ يُلْزِمُ اتِّباعَ المَعارِفِ، والقِراءَةُ بِالرَفْعِ تَأْبى قَوْلَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ ، قِيلَ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ مَنَ الأوَّلِ، وهَذا مُتَرَكِّبٌ عَلى الخِلافِ في إبْلِيسَ، هَلْ هو مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا؟

والظاهِرُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الأحادِيثِ ومِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى أمْرَ المَلائِكَةَ بِالسُجُودِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يُذْنِبْ في تَرْكِ السُجُودِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّ إبْلِيسَ إنَّما كانَ مِن قَبِيلِ الجِنِّ، ولَمْ يَكُنْ قَطُّ مَلِكًا، ونَسَبَ ابْنُ فَوْرِكٍ القَوْلَ إلى المُعْتَزِلَةِ، وتَعَلَّقَ مَن قالَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَتِهِ: " كانَ مِنَ الجِنِّ "، وقالَتِ الفِرْقَةُ الأُخْرى: لا حُجَّةَ في هَذا لَأنَّ المَلائِكَةَ قَدْ تُسَمّى جِنًّا لِاسْتِتارِها وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ يا إبْلِيسُ ﴾ ، قِيلَ: إنَّهُ حِينَئِذٍ سَمّاهُ إبْلِيسَ، وإنَّما كانَ اسْمُهُ قَبْلُ عَزازِيلُ، وهو مِنَ الإبْلاسِ، وهو الإبْعادُ، أيْ: يا مُبْعَدُ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: إبْلِيسُ كانَ اسْمُهُ، ولَيْسَ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ، بَلْ هو أعْجَمِيٌّ، ويَقْضِي بِذَلِكَ أنَّهُ لا يَنْصَرِفُ، ولَوْ كانَ عَرَبِيًّا مُشْتَقًّا لَكانَ كَإجْفِيلٍ، مِن أجَفَلَ، وغَيْرَهُ، ولَكانَ مُنْصَرِفًا، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ألا تَكُونَ ﴾ ، "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ خَفْضٍ، والأصْلُ: "مالَكَ ألّا تَكُونَ"، وقَوْلُ إبْلِيسَ: ﴿ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ ﴾ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُ كُفْرِهِ عِنْدَ الحُذّاقِ، لَأنَّ إبايَتَهُ إنَّما هي مَعْصِيَةٌ فَقَطْ، وأمّا تَعْلِيلُهُ فَإنَّما يَقْتَضِي أنَّ اللهَ خَلَقَ خَلْقًا مَفْضُولًا وكَلَّفَ خَلْقًا أفْضَلَ مِنهُ أنْ يَذِلَّ لَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: "وَهَذا جَوْرٌ"، وذَلِكَ أنَّ إبْلِيسَ لِما ظَنَّ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ ظَنَّ أنَّ نَفْسَهُ أفْضَلُ مِن آدَمَ مِن حَيْثُ النارُ يَأْكُلُ الطِينَ، فَقاسَ وأخْطَأ في قِياسِهِ، وجَهِلَ أنَّ الفَضائِلَ إنَّما هي حَيْثُ جَعَلَها اللهُ المالِكُ لِلْجَمِيعِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف قصة على قصة.

و ﴿ إذ ﴾ مفعول لفعل (اذكر) محذوف.

وقد تقدم الكلام في نظائره في سورة البقرة وفي سورة الأعراف.

والبشر مرادف الإنسان، أي أنّي خالق إنساناً.

وقد فهم الملائكة الحقيقة بما ألقَى الله فيهم من العلم، أو أن الله وصف لهم حقيقة الإنسان بالمعنى الذي عبّر عنه في القرآن بالعبارة الجامعة لذلك المعنى.

وإنما ذُكر للملائكة المادة التي منها خلق البشر ليعلموا أن شرف الموجودات بمزاياها لا بمادة تركيبها كما أومأ إلى ذلك قوله: ﴿ فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ﴾ .

والتسوية: تعديل ذات الشيء.

وقد أطلقت هنا على اعتدال العناصر فيه واكتمالها بحيث صارت قابلة لنفخ الروح.

والنفخ: حقيقته إخراج الهواء مضغوطاً بين الشفتين مضمومتين كالصفير، واستعير هنا لوضع قوة لطيفة السريان قوية التأثير دَفعة واحدة، وليس ثَمة نفخ ولا منفوخ.

وتقريب نفخ الروح في الحي أنه تكون القوّة البخارية أو الكهربائية المنبعثة من القلب عند انتهاء استواء المزاج وتركيب أجزاء المزاج تكوناً سريعاً دفعياً وجريان آثار تلك القوة في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن في تجاويف جميع أعضائه الرئيسة وغيرها.

وإسناد النفخ وإضافة الروح إلى ضمير اسم الجلالة تنويه بهذا المخلوق.

وفيه إيماء إلى أن حقائق العناصر عند الله تعالى لا تتفاضل إلا بتفاضل آثارها وأعمالها، وأن كراهة الذات أو الرائحة إلى حالة يكرهها بعض الناس أو كلهم إنما هو تابع لما يلائم الإدراك الحسي أو ينافره تبعاً لطباع الأمزجة أو لإِلففِ العادة ولا يُؤْبَه في علم الله تعالى.

وهذا هو ضابط وصف القذارة والنّزاهة عند البشر.

ألا ترى أن المني يستقذر في الحس البشري على أن منه تكوين نوعه، ومنه تخلقت أفاضل البشر.

وكذلك المسك طَيّب في الحس البشري لملاءمة رائحته للشّم وما هو إلا غُدة من خارجات بعض أنواع الغزال، قال تعالى: ﴿ وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسلَهُ من سلالة من ماء مهين ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون ﴾ [سورة السجدة: 7 9].

وهذا تأصيل لكون عالم الحقائق غير خاضع لعالم الأوهام.

وفي الحديث «لَخلُوف فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك».

وفيه لا يُكْلَم أحد في سبيل الله؛ واللّهُ أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة ودَمه يَشْخُب اللّونُ لونُ الدم والريح ريح المسك.

ومعنى فقعوا له ساجدين } أُسقُطوا له ساجدين، وهذه الحال لإفادة نوع الوقوع، وهو الوقوع لقصد التعظيم، كقوله تعالى: ﴿ وخرّوا له سجداً ﴾ [سورة يوسف: 100].

وهذا تمثيل لتعظيم يناسب أحوال الملائكة وأشكالهم تقديراً لبديع الصنع والصلاحية لمختلف الأحوال الدال على تمام علم الله وعظيم قدرته.

وأمر الملائكة السجود لا ينافي تحريم السجود في الإسلام لغير الله من وجوه: أحدها: أن ذلك المنع لسدّ ذريعة الإشراك والملائكة معصومون من تطرّق ذلك إليهم.

وثانيها: أن شريعة الإسلام امتازت بنهاية مبالغ الحق والصلاح، فجاءت بما لم تجئ به الشرائع السالفة لأن الله أراد بلوغ أتباعها أوج الكمال في المدارك، ولم يكن السجود من قبل محظوراً فقد سجد يعقوب وأبناؤه ليوسف عليهم السلام وكانوا أهل إيمان.

وثالثها: أن هذا إخبار عن أحوال العالم العلوي، ولا تقاس أحكامه على تكاليف عالم الدنيا.

وقوله: ﴿ فسجد الملائكة كلهم أجمعون ﴾ عنوان على طاعة الملائكة.

و ﴿ كلهم أجمعون ﴾ تأكيد على تأكيد، أي لم يتخلّف عن السجود أحد منهم.

وقوله: ﴿ إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين ﴾ تقدم القول على نظيره في سورة البقرة وسورة الأعراف.

وقوله هنا ﴿ أن يكون مع الساجدين ﴾ بيان لقوله في سورة البقرة (34) ﴿ واستكبر ﴾ لأنه أبى أن يسجد وأن يساوي الملائكة في الرضى بالسجود.

فدلّ هذا على أنه عصى وأنه ترفّع عن متابعة غيره.

وجملة ما لك ألا تكون مع الساجدين } استفهام توبيخ.

ومعناه أي شيء ثبت لك، أي متمكناً منك، لأن اللام تفيد الملك.

و ﴿ ألا تكون ﴾ معمول لحرف جر محذوف تقديره (في).

وحَذف حرف الجر مطرد مع (أنْ).

وحرف (أن) يفيد المصدرية.

فالتقدير في انتفاء كونك من الساجدين.

وقوله: ﴿ لم أكن لأسجد ﴾ جُحود.

وقد تقدم أنه أشد في النفي من (لا أسجد) في قوله تعالى: ﴿ ما يكون لي أن أقول ﴾ في آخر العقود [المائدة: 116].

وقوله: ﴿ لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون ﴾ تأييد لإبايَته من السجود بأن المخلوق من ذلك الطين حقِير ذميم لا يستأهل السجود.

وهذا ضلال نشأ عن تحكيم الأوهام بإعطاء الشيء حكم وقعه في الحاسة الوهمية دون وقعه في الحاسة العقلية، وإعطاء حكم ما منه التكوين للشيء الكائن.

فشتّان بين ذكر ذلك في قوله تعالى للملائكة: ﴿ إني خالق بشراً من صلصال من حمإ مسنون ﴾ وبين مقصد الشيطان من حكاية ذلك في تعليل امتناعه من السجود للمخلوق منه بإعادة الله الألفاظ التي وصف بها الملائكة.

وزاد فقال ما حكي عنه في سورة ص (76) إذ قال: ﴿ أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ ولم يحك عنه هنا.

وبمجموع ما حكي عنه هنا وهناك كان إبليس مصرحاً بتخطئة الخالق، كافراً بصفاته، فاستحق الطرد من عالم القدس.

وقد بيناه في سورة ص.

وعطفت جملة أمره بالخروج بالفاء لأن ذلك الأمر تفرع على جوابه المُنبئ عن كفره وعدم تأهله للبقاء في السماوات.

والفاء في ﴿ فإنك رجيم ﴾ دالّة على سبب إخراجه من السماوات.

و(إنّ) مؤذنة بالتعليل.

وذلك إيماء إلى سبب إخراجه من عوالم القدس، وهو ما يقتضيه وصفه بالرجيم متلوث الطوية وخبث النفس، أي حيث ظهر هذا فيك فقد خبثت نفسك خبثاً لا يرجى بعده صلاح فلا تَبقى في عالم القدس والنزاهة.

والرجيم: المطرود.

وهو كناية عن الحقارة.

وتقدم في أول هذه السورة ﴿ وحفظناها من كل شيطان رجيم ﴾ [سورة الحجر: 17].

وضمير ﴿ منها ﴾ عائد إلى السماوات وإن لم تذكر لدلالة ذكر الملائكة عليها.

وقيل: إلى الجنة.

وقد اختلف علماؤنا في أنها موجودة.

و ﴿ اللعنة ﴾ : السّبّ بالطرد.

و(على) مستعملة في الاستعلاء المجازي؛ وهو تمكن اللعنة والشتم منه حتى كأنه يقع فوقه.

وجُعل ﴿ يوم الدين ﴾ وهو يوم الجزاء غاية للّعن استعمالاً في معنى الدوام، كأنه قيل أبدا.

وليس ذلك بمقتضي أن اللعنة تنتهي يوم القيامة ويخلفها ضدها، ولكن المراد أن اللعنة عليه في الدنيا إلى أن يلاقي جزاء عمله فذلك يومئذٍ أشد من اللعنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ أمّا الإنْسانُ ها هُنا فَهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ والضَّحّاكِ.

أمّا الصَّلْصالُ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي لَمْ تُصِبْهُ نارٌ، فَإذا نَقَرْتَهُ صَلَّ فَسَمِعْتَ لَهُ صَلْصَلَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وقاعٍ تَرى الصَّلْصالَ فِيهِ ودُونَهُ بَقايا بِلالٍ بِالقُرى والمَناكِبِ والصَّلْصَلَةُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ المَسْمُوعُ مِن غَيْرِ الحَيَوانِ، وهو مِثْلُ القَعْقَعَةِ في الثَّوْبِ.

الثّانِي: أنَّهُ طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الطِّينُ المُنْتِنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: صَلَّ اللَّحْمُ وأصَلَّ إذا أنْتَنَ، قالَ الشّاعِرُ: ذاكَ فَتًى يَبْذُلُ ذا قَدْرِهِ ∗∗∗ لا يَفْسُدُ اللَّحْمُ لَدَيْهِ الصُّلُولُ والحَمَأُ: جَمْعُ حَمْأةٍ وهو الطِّينُ الأسْوَدُ المُتَغَيِّرُ.

وَفي المَسْنُونِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المَسْنُونَ المُنْتِنُ المُتَغَيِّرُ، مِن قَوْلِهِمْ قَدْ أسِنَ الماءُ إذا تَغَيَّرَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ: سَقَتْ صَدايَ رُضابًا غَيْرَ ذِي أسَنٍ ∗∗∗ كالمِسْكِ فُتَّ عَلى ماءِ العَناقِيدِ الثّانِي: أنَّ المَسْنُونَ المَنصُوبُ القائِمُ، مِن قَوْلِهِمْ وجْهٌ مَسْنُونٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّالِثُ: أنَّ المَسْنُونَ المَصْبُوبُ، مِن قَوْلِهِمْ سَنَيْتُ الماءَ عَلى الوَجْهِ إذا صَبَبْتُهُ عَلَيْهِ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، ومِنهُ الأثَرُ المَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَسُنُّ الماءَ عَلى وجْهِهِ ولا يَشُنُّهُ، والشَّنُّ تَفْرِيقُ الماءِ، والسَّنُّ صَبُّهُ.

الرّابِعُ: أنَّ المَسْنُونَ الَّذِي يَحُكُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، مِن قَوْلِهِمْ سَنَنْتُ الحَجَرَ عَلى الحَجَرِ إذا حَكَكْتُ أحَدَهُما بِالآخَرِ، ومِنهُ سُمِّيَ المِسَنُّ لِأنَّ الحَدِيدَ يُسَنُّ عَلَيْهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الخامِسُ: أنَّ المَسْنُونَ المَنسُوبُ.

السّادِسُ: أنَّهُ الرَّطْبُ، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ.

السّابِعُ: أنَّهُ المُخَلِّصُ مِن قَوْلِهِمْ سِنَّ سَيْفَكَ أيِ اجْلُهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ ﴾ وفي الجانِّ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ إبْلِيسُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الجِنُّ حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أبُو الجِنِّ قالَهُ الكَلْبِيُّ فَآدَمُ أبُو الإنْسِ، والجانُّ: أبُو الجِنِّ، وإبْلِيسُ أبُو الشَّياطِينِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجانُّ أبُو الجِنِّ ولَيْسُوا شَياطِينَ.

والشَّياطِينُ ولَدُ إبْلِيسَ لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَ إبْلِيسَ.

والجِنُّ يَمُوتُونَ، ومِنهُمُ المُؤْمِنُ ومِنهُمُ الكافِرُ.

﴿ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنِي مِن قَبْلِ آدَمَ.

قالَ قَتادَةُ: لِأنَّ آدَمَ إنَّما خُلِقَ آخِرَ الخَلْقِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن نارِ السَّمُومِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي مِن لَهَبِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يَعْنِي مِن نارِ الشَّمْسِ، قالَهُ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ.

الثّالِثُ: مِن حَرِّ السَّمُومِ، والسَّمُومُ: الرِّيحُ الحارَّةُ.

ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: أنَّهُ نارُ السَّمُومِ نارُ الصَّواعِقِ بَيْنَ السَّماءِ وبَيْنَ حِجابٍ دُونَها، قالَهُ الكَلْبِيُّ وسُمِّيَ سَمُومًا لِدُخُولِهِ في مَسامِّ البَدَنِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الجان، مسيخ الجن كما القردة والخنازير مسيخ الإِنس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والجان خلقناه من قبل ﴾ وهو إبليس خلق من قبل آدم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والجان خلقناه من قبل من نار السموم ﴾ قال: من أحسن الناس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ من نار السموم ﴾ قال: ﴿ السموم ﴾ الحارة التي تقتل.

وأخرج الطيالسي والفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ﴿ السموم ﴾ التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، ثم قرأ ﴿ والجان خلقناه من قبل من نار السموم ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رؤيا المؤمن جزء من سبعين جزءاً من النبوّة، وهذه النار جزء من سبعين جزءاً من نار السموم التي خلق منها الجان» وتلا هذه الآية ﴿ والجان خلقناه من قبل من نار السموم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار رضي الله عنه قال: خلق الجان والشياطين من نار الشمس.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ خالق بَشَراً ﴾ يعني آدم عليه السلام ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى ﴾ يعني الروح التي في الجسد، وأضاف الله تعالى الروح إلى نفسه إضافة مُلْك إلى مالك أي: من الروح الذي هو لي وخلق من خلق، وتقدّم الكلام على سجود الملائكة في البقرة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً ﴾ قيل: نجوماً، ويحتمل البروج: المنازل التي ينزل فيها الشمس والقمر والنجوم، جعل لكل واحد من ذلك منزلا، ينزل في كل ليلة في منزل على حدة.

ويحتمل ما ذكر من البروج: هي مطالع [ما ذكر] من الشمس والقمر والنجوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ \[يعني السماء للناظرين\].

وفي قوله: ﴿ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ دلالة نقض قول من ينهي عن النظر إلى السماء من القراء؛ لأنه أخبر أنه زينها للناظرين، ولا يحتمل أن يزينها [للناظرين] ثم ينهي عن النظر إليها، دل أنه لا بأس [للناظرين]، وقال في آية أخرى: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا...

﴾ الآية [الأنعام: 97] وقال في موضع آخر: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ  ﴾ وجعل الله في الشمس والقمر والنجوم منافع: يهتدون بها الطرق في ظلمات الليل، وجعلها مصابيح في الظلمات، وأخبر أنه زينها للناظرين؛ لأن ما يقبح في العين من المنظر لا يتفكر الناظر فيه ولا ينظر إليه؛ فزينها لهم؛ ليحملهم ذلك على التفكر فيه، والنظر إليها؛ ليعلموا أنه تدبير واحد؛ حيث جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ مع بعد ما بينهما، وجعل أشياء هي في الظاهر أشباهاً؛ وهي في الحقيقة كالأضداد لها، ومنها ما هي في الظاهر أضداد، وهي كالأشكال؛ نحو النور والظلمة: هي في الظاهر أضداد، صارت كالأشكال؛ حيث تضيء النجوم في ظلمات الليل؛ حتى ينتفع بذلك أهل الأرض، وهما في الظاهر أضداد، فصارت بما يظهر من منافعها كالأشكال، وجعل لا ينتفع بضوء النجوم مع نور القمر، ولا ينتفع بنور القمر مع ضوء الشمس، وهن أشكال؛ فصارت بما يذهب كل واحد [منهما] بسلطان الآخر؛ كالأضداد ليعلم أنه تدبير واحد؛ حيث صارت الأضداد كالأشكال، والأشكال كالأضداد في حق المنفعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَفِظْنَاهَا ﴾ يعني: السماء، ﴿ مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ﴾ ذكر أن الشياطين كانوا يصعدون السماء فيستمعون من أخبار السماء من الملائكة، مما يكون في الأرض؛ من غيث وغيره، ثم زادوا فيها ما شاءوا فيلقون ذلك إلى الكهنة؛ فيخبر الكهنة الناس، فيقولون: ألم نخبركم [بالمطر] في يوم كذا وكذا، وكان حقّا، ثم منعوا عن ذلك - عن صعودهم - أعني السماء، وحفظوا عنهم، فجعلوا يسترقون السمع، فسلط الله الشهب عليهم، حتى يقذفون؛ وهو كقوله: ﴿ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ  دُحُوراً  ﴾ وقوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ  ﴾ .

ويحتمل ﴿ وَحَفِظْنَاهَا ﴾ : أي: أهلها من الشيطان الرجيم لما ذكرنا من ذكر أشياء من القرية والمصر والعير، وغيره، والمراد منه: أهله، فعلى ذلك هذا، إلا أن أهل السماء بأجمعهم أهل ولاية الله؛ وأهل طاعته، وأما أهل الأرض: ففيهم من الغاوين الضالين، فهم أولياء الشيطان؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ...

﴾ الآية [النحل: 100].

ويحتمل حفظ السماء نفسها: بالملائكة، وهو ما ذكر: ﴿ وَيُقْذَفُونَ...

﴾ الآية.

ويحتمل: بالشهب؛ التي في غير آي من القرآن.

وقال بعضهم: ﴿ رَّجِيمٍ ﴾ : اللعين، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: (من كل شيطان لعين) واللعين: - في اللغة -: فهو المطرود المبعد، وهو على ما ذكر ﴿ دُحُوراً ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ  ﴾ يعني الجبال، في ظاهر هذا أن الأرض كأنها تضطرب وتنكفئ بأهلها، فأثبتها بالجبال، وإلا من طبعها التسفل والانحدار، وكذلك الجبال من طبعها التسفل والانحدار، فكيف كان ثباتها بشيء [كان] طبعه التسفل والتسرب؟

إلا أن يقال: إن طبعها كان الاضطراب والانكفاء فأثبتها بالجبال عن الاضطراب والانكفاء؛ أو أن يقال: من طبعها ما ذكرنا: التسفل والانحدار؛ إلا أن الله - بلطفه - أثبت ما هو طبعه التسفل، بما هو طبعه كذلك؛ ليعلم لطف الله وقدرته، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فِيهَا ﴾ : يعني في الجبال، ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ : يعني: ما يوزن من نحو: الذهب، والفضة، والحديد، والرصاص، ونحوه مما يستخرج منها، وهذا كأنه ليس بصحيح؛ لأنه لا يقال في الذهب، والفضة والحديد: إنه أنبت في الأرض؛ كما يقال ذلك لنبات وما ينبت فيها، وإنما يقال للذهب، والفضة، والحديد: جعلنا فيها، أو خلقنا فيها.

وقال بعضهم: ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا ﴾ : يعني: في الأرض؛ من كل ألوان النبات، ﴿ مَّوْزُونٍ ﴾ : أي: معلوم مقدر بقدر؛ كقوله: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .

ويحتمل: وأنبتنا فيها ما يصير موزوناً في الآخرة من الزروع وغيرها من الحبوب، أو ما ذكرنا؛ أي: معلوم مقدر، والله أعلم، ليس على الجزاف؛ على ما يكون من فعل جاهل على غير تدبير ولا تقدير.

ويحتمل قوله: ﴿ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ : ما لو اجتمع الخلائق - لم يعرفوا قدر ما يزداد وينمو من النبات؛ في لحظة واحدة؛ وطرفة عين، في أول ما يخرج ويبدو من الأرض، وذلك موزون عنده؛ معلوم قدره، ليعلم لطفه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، وأنه تدبير واحد؛ حيث لم يختلف ذلك؛ ولم يتفاوت.

والله أعلم.

قال أبو عوسجة: ﴿ فَظَلُّواْ فِيهِ ﴾ : أي: صاروا يومهم ﴿ يَعْرُجُونَ ﴾ : يرتفعون ويصعدون.

وقال غيره: ظلوا: أي: ما لوا، كقوله: ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ  ﴾ أي: مالت، وقال: قوله: ﴿ سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ : أي: حيرت؛ يقال: تسكر بصره: إذا تحير، وقال: يقال أيضاً تحيرت، يقال: سكر الله بصره: أي: حيره، وسكرت الريح تسكر سكراً: إذا سكنت، ويقال: ليل ساكر، أي: ساكن، وسكرت الماء أسكره سكراً: أي: حبسته، والسكر: السدّ، والسكور جمع، والسكر: مصدر سكر يسكر سكراً؛ فهو سكران، وقوم سكرى وسكارى، والسكرة: الغمرة، والغمرة: الشدة، وقال - عز وجل -: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ  ﴾ أي: شدته.

وقال القتبي: سكرت: غشيت، ومنه يقال: سكر النهر: إذا سدّ، فالسكر اسم ما سكرت، وسكر الشراب منه؛ إنما هو الغطاء على العقل والعين.

وقال الحسن: سكرت - بالتخفيف -: سحرت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بُرُوجاً ﴾ : قال: إثنا عشر برجاً، وأصل البرج الحصن والقصر وقوله: ﴿ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ ﴾ يقول: حفظناها من أن يصل إليها شيطان أو يعلم من أمرها شيئاً إلا استراقاً، ثم يتبعه شهاب مبين: أي: كوكب مضيء.

وقال أبو عوسجة: ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ ﴾ : يقال: استرقت السمع: أي: تغفلت قوماً حتى سمعت حديثهم؛ وهم لا يعلمون، وهكذا لو علم الملائكة أن الشياطين يسترقون السمع، ويختطفون - لمنعوا من ذلك، وامتنعوا عن التكلم به؛ حتى لا يستمعون كلامهم، وحديثهم.

و ﴿ شِهَابٌ ﴾ : كوكب، وقيل: الشهاب: خشبة في طرفها نار، والشهبان جماعة.

وقال بعضهم: ﴿ شِهَابٌ مُّبِينٌ ﴾ لرسول الله كان له خاصّةً لم يكن قبل والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾ أي: في الأرض والجبال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ .

قال الحسن: أي: جعلنا [لكم] في الأرض معايش ما تتعيشون به، ولمن حولكم أيضاً، جعل فيها معايش، لا ترزقونه أنتم؛ إنما ذلك على الله، هو يرزقهم وإياكم.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ : الوحوش والطير، وأما الأنعام: فإنه قد أشركهم البشر في المعايش، وكان غير هذا أقرب وأوفق: وهو أن أهل مكة كانوا يمنّون على رسول الله  ، ويقولون: نحن ربيناه، وغذيناه، وأنفقنا عليه، ورزقناه؛ ثم فعل بنا كذا، فخرج هذا جواباً لهم: ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ ﴾ أي: محمداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ .

يحتمل هذا - والله أعلم -: وإن من شيء يخزن في الخلق - إلا عندنا خزائنه؛ [أي]: إلا عندنا تلك الخزائن؛ أي: ما تخزنون من الأشياء، فتلك عندنا وفي خزائننا.

﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .

على هذا ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ ﴾ : أي: ما نعطيه ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ : أي: وإن كان عندكم مخزوناً محبوساً - فإن ذلك كله في خزائنه، أعطى من شاء، وحرم من شاء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ والخزائن: هي الأمكنة الخفية التي تخزن فيها الأموال، وبواطن من الأرض، يقول - والله أعلم -: وإن من شيء كان في بواطن الأرض، وأمكنة خفية - إلا عندنا تدبير ذلك وعلمه، يخبر أن تدبيره وعلمه في الخفية من الأمكنة - كهو في الظاهر؛ لا يخرج شيء عن تدبيره وعلمه، بل كل ذلك في تدبيره وعلمه.

وقال الحسن: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ : أي: الماء الذي جعل به حياة كل شيء، ولا يخرج شيء عن منافعه، فهو خزائن الأشياء كلها، وبه قوام كل شيء، وقال: ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ ، ذكر الإنزال: وهو الذي ينزل من السماء طاهراً.

هذا الذي قاله محتمل، لكن تمامه أن يقال: إن الماء خزانة، والخزانة: هي الموضع الذي يخزن فيه، وفي الماء قوة ومعنى؛ يكون فيه حياة الخلق، ومنافعهم، فيما جعل فيه لا في نفس الماء، ألا ترى أنه يصيب عروق الشجر؛ فتظهر منافعه في غصونها؛ في أعلاها؛ فثبت أن فيه قوة سرية، ومعنى يكون المنافع بها لا بنفس الماء، والله أعلم بذلك.

ثم ما ذكر من الخزائن، والرياح، والماء، والمطر، وغير ذلك من النعم؛ يذكر على الاحتجاج عليهم؛ لأنه إنما أنشأ هذه الأشياء، وخلقها لهؤلاء، لا أنه أنشأها لنفسها، فإذا كان أنشأها لهم - فلا يحتمل أن يتركهم سدى؛ لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم ولا يجعل لهم عاقبة يثابون أو يعاقبون؛ ولذلك قال في آخره: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ على التأويل الأول: ما ذكرنا، أي: ما نعطيه إلا بقدر معلوم؛ وإن خزنه وحبسه.

ويحتمل: ﴿ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ أي: بقدر سابق معلوم، ذلك إن كان على هذا - فإنه يدل على أن ما يكون ويحدث - إنما يكون لقدر سابق؛ لا يكون غير ما سبق تقديره.

أو ﴿ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ محدود؛ أي: ليس ينزل جزافاً؛ ولكن معلوماً محدوداً.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ : حوامل.

وقال بعضهم: هذا لا يصح، لو كان على هذا - لكان ملاقح وملقحات.

وقال أبو عوسجة: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ تلقح الشجر: أي: تنبت ورقها وهي ملقحة، وقال: يقال: ناقة لاقح: أي: حامل قد حملت، ونوق لواقح، ويقال: حرب لاقح: أي: شديدة، وسحاب لاقح: الذي فيه ماء - أي: مطر - وريح لاقح: أي: ملقح تلقح الشجر؛ أي: تنبت ورقه وحمله، ويقال: ملقح، ويقال: ألقح الرجل إذا لقحت إبله؛ أي: حملت، ورجل ملقح، واللقوح: الناقة التي معها ولد صغير، والجمع: لقاح، وجمع الجمع: لقائح، واللقح: اللواقح؛ وهي الحوامل من الإبل.

قال القتبي: قال أبو عبيدة: ﴿ لَوَاقِحَ ﴾ : إنما هي ملاقح؛ جمع ملقحة، يريد أنها تلقح الشجر، وتلقح السحاب؛ كأنها تنتجه، واللواقح: المنتجة الثمار من الأشجار، والسحاب، وغيره.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ .

هو ما ذكرنا على التأويل في قوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ ، وعلى تأويل الحسن: هو ما ذكر من الماء والمطر.

﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ : أي: حابسين لما جرى به الذكر؛ من المطر والماء؛ الذي ذكر أنه أنزل من السماء.

ويحتمل ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ ﴾ أي: لله ﴿ بِخَازِنِينَ ﴾ : أي: ليست خزائنه في أيديكم؛ ولا بيد أحد، ولكن بيد الله، عز وجل.

وعلى تأويل الآخر: ﴿ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ : بمدبرين ما خزن في الأرض ودفن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ ﴾ .

أي: الباقون، يفنى الخلقُ كله؛ فيبقى هو، ولذلك سمي من خلف الميت وارثاً؛ لأنه يموت ويبقى الوارث؛ وهو باقٍ وكذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا  ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ .

قال بعضهم: ولقد علمنا المستقدمين من المكذبين منكم؛ ما حل بهم بالتكذيب، وقد علمنا المستأخرين من المكذبين منكم.

وقال بعضهم: ولقد علمنا من كان منهم ومات، وقد علمنا المستأخرين: من يكون منهم ويولد؛ ولذلك قال: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ : من مضى ومن بقي لم يكن بعد؛ إلى يوم القيامة.

وقال الحسن: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ ﴾ في الخير ﴿ ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ في الشّر.

وقال بعضهم: في القرن الأول والآخر، لكنه بعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ .

الحكيم: هو الذي يضع الأشياء مواضعها.

والثاني: هو الذي يجعل الأشياء مواضعها، فالأول قد يعرف الخلق وضع الأشياء مواضعها، وأما الثاني: فلا يكون ذلك إلا بالله.

وقوله: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : عليم بمصالح الخلق، ومالهم وما عليهم.

أو عليم بوضع الأشياء مواضعها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال إبليس: يا رب، أمهلني ولا تمتني إلى يوم يبعث الخلق.

<div class="verse-tafsir" id="91.z14Lz"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد