الآية ٨٣ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٨٣ من سورة الحجر

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ٨٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 61 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٣ من سورة الحجر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٣ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فأخذتهم الصيحة مصبحين ) أي : وقت الصباح من اليوم الرابع

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ) يقول: فأخذتهم صيحة الهلاك حين أصبحوا من اليوم الرابع من اليوم الذي وُعدوا العذاب، وقيل لهم: تَمتَّعوا في داركم ثلاثة أيام.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أي في وقت الصبح , وهو نصب على الحال .وقد تقدم ذكر الصيحة في هود والأعراف .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ } فتقطعت قلوبهم في أجوافهم وأصبحوا في دارهم جاثمين هلكى، مع ما يتبع ذلك من الخزي واللعنة المستمرة

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فأخذتهم الصيحة ) يعني : صيحة العذاب ( مصبحين ) أي : داخلين في وقت الصبح .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فأخذتهم الصيحة مصبحين» وقت الصباح.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأخذتهم صاعقة العذاب وقت الصباح مبكرين، فما دفع عنهم عذابَ الله الأموالُ والحصونُ في الجبال، ولا ما أُعطوه من قوة وجاه.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

هذه هي القصة الرابعة، وهي قصة صالح.

قال المفسرون: الحجر اسم وادٍ كان يسكنه ثمود وقوله: ﴿ المرسلين ﴾ المراد منه صالح وحده، ولعل القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل وقوله: ﴿ وءاتيناهم ءاياتنا ﴾ يريد الناقة، وكان في الناقة آيات كثيرة كخروجها من الصخرة وعظم خلقها وظهور نتاجها عند خروجها، وكثرة لبنها وأضاف الإيتاء إليهم وإن كانت الناقة آية لصالح لأنها آيات رسولهم، وقوله: ﴿ فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ يدل على أن النظر والاستدلال واجب وأن التقليد مذموم وقوله: ﴿ وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال ﴾ قد ذكرنا كيفية ذلك النحت في سورة الأعراف وقوله: ﴿ ءَامِنِينَ ﴾ يريد من عذاب الله، وقال الفراء: ﴿ ءَامِنِينَ ﴾ أن يقع سقفهم عليهم وقوله: ﴿ فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ أي ما دفع عنهم الضر والبلاء ما كانوا يعملون من نحت تلك الجبال ومن جمع تلك الأموال، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أصحاب الحجر ﴾ ثمود، والحجر واديهم، وهو بين المدينة والشأم ﴿ المرسلين ﴾ يعني بتكذيبهم صالحاً، لأنّ من كذب واحداً منهم فكأنما كذبهم جميعاً، أو أراد صالحاً ومن معه من المؤمنين كما قيل: الخبيبون في ابن الزبير وأصحابه.

وعن جابر: (مررنا مع النبي صلى الله عليه وسلم على الحجر فقال لنا: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، حذراً أن يصيبكم مثل ما أصاب هؤلاء» ثم زجر النبي صلى الله عليه وسلم راحلته فأسرع حتى خلفها) ﴿ ءامِنِينَ ﴾ لوثاقة البيوت واستحكامها من أن تتهدم ويتداعى بنيانها، ومن نقب اللصوص ومن الأعداء وحوادث الدهر.

أو آمنين من عذاب الله يحسبون أنّ الجبال تحميهم منه ﴿ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ من بناء البيوت الوثيقة والأموال والعدد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ ﴾ مِنَ الِانْهِدامِ ونَقْبِ اللُّصُوصِ وتَخْرِيبِ الأعْداءِ لِوَثاقَتِها، أوْ مِنَ العَذابِ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِمْ أوْ حُسْبانِهِمْ أنَّ الجِبالَ تَحْمِيهِمْ مِنهُ.

﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴾ ﴿ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ مِن بِناءِ البُيُوتِ الوَثِيقَةِ واسْتِكْثارِ الأمْوالِ والعَدَدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة} العذاب {مُّصْبِحِينَ} في اليوم الرابع وقت الصبح

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ ﴾ مِن نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمارِ، وقِيلَ: مِنَ الِانْعِدامِ ونَقْبِ اللُّصُوصِ وتَحْزِيبِ الأعْداءِ لِمَزِيدِ وِثاقَتِها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أصَحُّ ما يَظْهَرُ لِي في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَةِ فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها بَلْ يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ، وتَفْرِيعُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴾ أظْهَرُ في تَأْيِيدِ الأوَّلِ ووَقَعَ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ﴾ ووُفِّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ الصَّيْحَةَ تُفْضِي إلى الرَّجْفَةِ أوْ هي مَجازٌ عَنْها، واسْتُشْكِلَ التَّقْيِيدُ- بِمُصْبِحِينَ- مَعَ ما رُوِيَ في تَرْتِيبِ أحْوالِهِمْ بَعْدَ أنْ أوْعَدَهم عَلَيْهِ السَّلامُ بِنُزُولِ العَذابِ مِن أنَّهُ لَمّا كانَتْ ضَحْوَةُ اليَوْمِ الرّابِعِ تَحَنَّطُوا بِالصَّبْرِ وتَكَفَّنُوا بِالأنْطاعِ فَأتَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فَتَقَطَّعَتْ لَها قُلُوبُهُمْ، فَإنَّ هَذا يَقْتَضِي أنَّ أخْذَ الصَّيْحَةِ إيّاهم بَعْدَ الضَّحْوَةِ لا مِصْبِحِينَ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ يُحْمَلُ ﴿ مُصْبِحِينَ ﴾ عَلى كَوْنِ الصَّيْحَةِ في النَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ أوْ أُطْلِقَ الصُّبْحُ عَلى زَمانٍ مُمْتَدٍّ إلى الضَّحْوَةِ وقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَ الآيَةِ والخَبَرِ بِنَحْوِ ما جُمِعَ بِهِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ آنِفًا، وفِيهِ تَأمُّلٌ فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ وهم قوم صالح، كذبوا صالحاً، والحجر: أرض ثمود وَآتَيْناهُمْ آياتِنا أي: الناقة فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ يقول: مكذبين لها وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ من أن تقع عليهم الجبال.

ويقال: آمِنِينَ من نزول العذاب، فلم يعرفوا نعمة الله تعالى.

فعقروا الناقة، وقسموا لحمها، فأهلكهم الله تعالى بصيحة جبريل فذلك قوله: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ أي: حين أصبحوا ويقال: آمِنِينَ من العذاب بعقر الناقة فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ من الكفر والشرك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

و «المتوسمين» : قال مجاهد: المتفرِّسون «١» ، وقال أيْضاً: المعتبرون «٢» ، وقيل غير هذا، وهذا كلُّه تفسيرٌ بالمعنَى، وأما تفسير اللفظة، فالمتوسِّم هو الذي يَنْظُرُ في وَسْمِ المعنَى، فيستدلُّ به على المعنى، وكأن معصيةَ هؤلاء أبقَتْ من العذابِ والإِهلاكِ وَسْماً، فمَنْ رأَى الوَسْم، استدل على المعصية به واقتاده النظر إِلى تجنُّب المعاصِي لئلا ينزل به ما نَزَلَ بهم ومِنَ الشِّعْرِ في هذه اللفظة قولُ الشاعر: [الطويل]

تَوَسَّمْتُهُ لَمَّا رَأَيْتُ مَهَابَةً ...

عَلَيْهِ وَقْلْتُ المَرْءُ مِنْ آلِ هَاشِمِ «٣»

والضمير في قوله: وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ: يحتمل أنْ يعود على المدينةِ المُهْلَكَة، أي: أنها في طريقٍ ظاهر بيِّن للمعتَبِر، وهذا تأويلُ مجاهد وغيره «٤» ، ويحتمل أن يعود على الآيات، ويحتملُ أنْ يعود على الحِجَارَةِ، ويقوِّيه ما روي عنه صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قَالَ: «إِنَّ حِجَارَةَ العَذَابِ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ مُنْذُ أَلْفَيْ سَنَةٍ لِعُصَاةِ أُمَّتِي» .

وقوله سبحانه: وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ: الْأَيْكَةِ:

الغَيْضة والشجَرُ الملتفُّ المُخْضَرُّ، قال الشاعر: [الطويل]

أَلاَ إِنَّمَا الدُّنْيَا غَضَارَةُ أَيْكَةٍ ...

إِذا اخْضَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ جَفَّ جَانِبُ «٥»

وكان هؤلاءِ قوماً يسكنون غَيْضَة، ويرتَفِقُون بها في معايِشِهم، فبعث إِليهم شعيبٌ، فكفروا به، فسَلَّط اللَّه عليهم الحَرَّ، فدام عليهم سبعةَ أيام، ثم رأوا سحابة، فخرجوا،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (الأعْرافِ:٧٤) .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ آمِنِينَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: آمِنِينَ أنْ تَقَعَ عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: آمَنِينَ مِن خَرابِها.

والثّالِثُ: مِن عَذابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما كانُوا يَعْمَلُونَ مِن نَحْتِ الجِبالِ.

والثّانِي: ما كانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الأمْوالِ والأنْعامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ أيْ: لِلْحَقِّ ولِإظْهارِ الحَقِّ، وهو ثَوابُ المُصَدِّقِ وعِقابُ المُكَذِّبِ.

﴿ وَإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ ﴾ أيْ: وإنَّ القِيامَةَ لَتَأْتِي، فَيُجازى المُشْرِكُونَ بِأعْمالِهِمْ، ﴿ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ ﴾ عَنْهم، وهو الإعْراضُ الخالِي مِن جَزَعٍ وفُحْشٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

فَأمّا ﴿ الخَلاقُ ﴾ فَهو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.

و ﴿ العَلِيمُ ﴾ قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ [البَقَرَةِ:٢٩] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ ﴾ ﴿ فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ وَآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عنها مُعْرِضِينَ ﴾ ﴿ وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ ﴾ ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴾ ﴿ فَما أغْنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ الساعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَفْحَ الجَمِيلَ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ ﴾ "الأيْكَةُ": الغَيْضَةُ والشَجَرُ المُلْتَفُّ المُخْضَرُّ، يَكُونُ السِدْرَ ونَحْوَهُ، قالَ قَتادَةُ: رُوِيَ أنَّ أيْكَةَ هَؤُلاءِ كانَتْ مِن شَجَرِ الدُومِ، وقِيلَ: مِنَ المُقْلِ، وقِيلَ: مِنَ السِدْرِ، وكانَ هَؤُلاءِ قُومًا يَسْكُنُونَ غَيْضَةً ويَرْتَفِقُونَ بِها في مَعايِشِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ فَكَفَرُوا، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ فَدامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رَأوا سَحابَةً فَخَرَجُوا فاسْتَظَلُّوا تَحْتَها فاضْطَرَمَتْ عَلَيْهِمْ نارًا، وحَكى الطَبَرِيُّ قالَ: بُعِثَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ كَفَرَتا فَعُذِّبَتا بِعَذابَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أهْلُ مَدْيَنَ عُذِّبُوا بِالصَيْحَةِ، وأصْحابُ الأيْكَةِ عَذَّبُوا بِالظُلَّةِ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في هَذا المَوْضِعِ في إدْخالِ الألِفِ واللامِ عَلى "أيْكَةٍ"، وأكْثَرُهم هَمَزَ ألْفَ "أيْكَةٍ" بَعْدَ اللامِ، ورُوِيَ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ سَهَّلَها ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى اللامِ فَقَرَأ: "الأيْكَةَ" دُونَ هَمْزٍ، واخْتَلَفُوا في سُورَةِ الشُعَراءِ، وفي سُورَةِ ص.

و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما"، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَظالِمِينَ" بِمَعْنى "إلّا"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأيْكُ: جَمْعُ أيْكَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ومِنَ الشاهِدِ عَلى اللَفْظَةِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ: كَبُكاءِ الحَمامِ عَلى غُصُو....

نِ الأيْكِ في الطَيْرِ الجَوانِحِ وَقَوْلُ جَرِيرٍ: وقَفْتُ بِها فَهاجَ الشَوْقُ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ حَمامُ الأيْكِ يُسْعِدُها حَمامُ ومِنهُ قَوْلٌ الآخَرُ: ألّا إنَّما الدُنْيا غَضارَةُ أيْكَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا اخْضَرَّ مِنها جانِبٌ جَفَّ جانِبُ ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: مُوَشَّحَةٌ بِالطُرَّتَيْنِ دَنا لَها ∗∗∗ ∗∗∗ جَنى أيْكَةٍ يَضْفُو عَلَيْها قِصارُها وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: وما خَلِيجٌ مِن ذُو حَدَبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَرْمِي الصَعِيدَ بِخُشْبِ الأيِكِ والضالِّ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّهُما" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَتَيْنِ اللَتَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، مَدِينَةُ قَوْمِ لُوطٍ، ومَدِينَةُ أصْحابِ الأيْكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَبِيَّيْنِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ في أنَّهُما عَلى طَرِيقٍ مِنَ اللهِ وشَرْعٍ مُبِينٍ.

و"الإمامُ" في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ ويُؤْتَمُّ، يَقُولُونَهُ لِخَيْطِ البِناءِ، وقَدْ يَكُونُ الطَرِيقَ، وقَدْ يَكُونُ الكِتابَ المُفِيدَ، وقَدْ يَكُونُ القِياسَ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ الصُنّاعُ، وقَدْ يَكُونُ الرَجُلَ المُقْتَدى بِهِ، ونَحْوَ هَذا، ومَن رَأى عَوْدَ الضَمِيرِ في "إنَّهُما" عَلى المَدِينَتَيْنِ قالَ: الإمامُ: الطَرِيقُ، وقِيلَ عَلى ذَلِكَ: الإمامُ: الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ إهْلاكَهُما.

و ﴿ أصْحابُ الحِجْرِ ﴾ ثَمُودُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُهُمْ، و"الحِجْرِ" مَدِينَتُهُمْ، وهي ما بَيْنَ المَدِينَةِ وتَبُوكَ، وقالَ: "المُرْسَلِينَ" مِن حَيْثُ يَجِبُ بِتَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبُ الجَمِيعِ، إذِ القَوْلُ في المُعْتَقَداتِ واحِدٌ لِلرُّسُلِ أجْمَعَ، فَهَذِهِ العِبارَةُ أشْنَعُ عَلى المُكَذِّبِينَ.

والآياتُ الَّتِي آتاهُمُ اللهُ هي الناقَةُ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن خَرْقِ العادَةِ حَسْبَ ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وبَسْطُهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَآتَيْناهم آيَتَنا" مُفْرَدَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانُوا يَنْحِتُونَ ﴾ الآيَةُ.

يَصِفُ قَوْمَ صالِحٍ بِشِدَّةِ النَظَرِ لِلدُّنْيا والتَكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا أنَّ بُيُوتَهم كانُوا يَنْحِتُونَها في حِجْرِ الجِبالِ، والنَحْتُ: النَقْرُ بِالمَعاوِلِ ونَحْوَها في الحِجارَةِ والعُودِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها وذَلِكَ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وقَوْلُهُ: "آمِنِينَ"، قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ انْهِدامِها، وقِيلَ: مِن حَوادِثَ الدُنْيا، وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَةِ، فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها.

ومَعْنى "مُصْبِحِينَ" أيْ عِنْدِ دُخُولِهِمْ في الصَباحِ، وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ سَبْتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ عَذابِهِمْ ومِيعادُهم وتَغَيُّرُ ألْوانِهِمْ، ولَمْ تُغْنِ عنهم شِدَّةُ نَظَرِهِمْ لِلدُّنْيا وتَكَسُّبِهِمْ شَيْئًا، ولا دَفَعَ عَذابَ اللهِ.

و"ما" الأُولى لِلنَّفْيِ، وتَحْتَمِلُ التَقْرِيرَ، والثانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ ﴾ الآيَةُ.

المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ المُكْتَسِبِينَ لِلدُّنْيا الَّذِينَ لَمَّ يُغْنِ عنهُمُ اكْتِسابُهم لَيْسُوا في شَيْءٍ، فَإنَّ السَماواتِ والأرْضَ وجَمِيعَ الأشْياءِ لَمْ تُخْلَقْ عَبَثًا ولا سُدًى ولا لِتَكُونَ طاعَةً اللهِ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ ونُظَراؤُهُمْ، وإنَّما خُلِقَتْ بِالحَقِّ، ولِواجِبٍ مَقْصُودٍ وأغْراضٍ لَها نِهاياتٌ مِن عَذابٍ ونَعِيمٍ، وإنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ عَلى جَمِيعِ أُمُورِ الدُنْيا، أيْ: فَلا تَهْتَمُّ يا مُحَمَّدُ بِأعْمالِ قَوْمِكِ، فَإنَّ الجَزاءَ لَهم بِالمِرْصادِ، فاصْفَحْ عن أعْمالِهِمْ، أيْ: ولِّها صَفْحَةَ عُنُقِكَ بِالإعْراضِ عنها، وأكَّدَ الصَفْحَ بِنَعْتِ الجَمالِ إذِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ لا عَتَبَ فِيهِ ولا تَعْرُّضَ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي مُهادَنَةً، ونَسْخَها في آيَةِ السَيْفِ، قالَهُ قَتادَةُ.

ثُمَّ سَلّاهُ في آخِرِ الآيَةِ بِأنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ مَن شاءَ لِمَن شاءَ، ويَعْلَمُ تَعالى وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ، لا هَذِهِ الأوثانُ الَّتِي تَعْبُدُونَها.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الخَلّاقُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ: "الخالِقُ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جُمِعتْ قصص هؤلاء الأمم الثّلاث: قوممِ لوط، وأصحاببِ الأيكة، وأصحاب الحجر في نسق، لتماثل حال العذاب الّذي سلط عليها وهو عذاب الصّيحة والرّجفة والصّاعقة.

وأصحاب الحِجر هم ثمود كانوا ينزلون الحِجر بكسر الحاء وسكون الجيم.

والحجر: المكان المحجور، أي الممنوع من النّاس بسبب اختصاص به، أو اشتقّ من الحجارة لأنهم كانوا ينحتون بيوتهم في صخر الجبل نحتاً محكماً.

وقد جعلت طبقات وفي وسطها بئر عظيمة وبئار كثيرة.

والحجر هو المعروف بوادي القرى وهو بين المدينة والشّام، وهو المعروف اليوم باسم مدائن صالح على الطريق من خيبر إلى تبوك.

وأما حَجر اليمامة مدينةُ بني حنيفة فهي بفتح الحاء وهي في بلاد نَجد وتسمى العَروض وهي اليوم من بلاد البحرين.

وقد توهّم بعض المستشرقين من الإفرنج أن البيوت المنحوتة في ذلك الجبل كانت قبوراً، وتعلقوا بحجج وهمية.

ومما يفنّد أقوالهم خلوّ تلك الكهوف عن أجساد آدمية.

وإذا كانت تلك قبوراً فأين كانت منازل الأحياء؟.

والظاهر أن ثمود لما أخذتهم الصّيحة كانوا منتشرين في خارج البيوت لقوله تعالى: ﴿ فأخذتهم الصيحة مصبحين ﴾ .

وقد وُجدت في مداخل تلك البيوت نقر صغيرة تدلّ على أنّها مجعولة لوصد أبواب المداخل في اللّيل.

وتعريف ﴿ المرسلين ﴾ للجنس، فيصدق بالواحد، إذ المراد أنّهم كذبوا صالحاً عليه السلام فهو كقوله تعالى: ﴿ كذبت قوم نوح المرسلين ﴾ [سورة الشعراء: 105].

وقد تقدم.

وكذلك جمع الآيات في قوله: آياتنا } مراد به الجنس، وهي آية النّاقة، أو أريد أنها آية تشتمل على آيات في كيفيّة خروجها من صخرة، وحياتها، ورعيها، وشربها.

وقد روي أنّها خرج معها فصيلها، فهما آيتان.

وجملة ﴿ وكانوا ينحتون ﴾ معترضة.

والنّحتُ: بَرْي الحجر أوالعود من وسطه أو من جوانبه.

و ﴿ من الجبال ﴾ تبعيض متعلق ب ﴿ ينحتون ﴾ .

والمعنى من صخر الجبال، لما دلّ عليه فعل ﴿ ينحتون ﴾ .

و ﴿ آمنين ﴾ حال من ضمير ﴿ ينحتون ﴾ وهي حال مقدرة، أي مقدرين أن يكونوا آمنين عقب نحتها وسكناها.

وكانت لهم بمنزلة الحصون لا ينالهم فيها العدو.

ولكنهم نسوا أنها لا تأمنهم من عذاب الله فلذلك قال: ﴿ فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ﴾ .

والفاء في ﴿ فأخذتهم الصيحة ﴾ للتعقيب والسببية.

و ﴿ مصبحين ﴾ حال، أي داخلين في وقت الصّباح.

و ﴿ ما كانوا يكسبون ﴾ أي يصنعون، أي البيوت التي عُنوا بتحصينها وتحسينها كما دلّ عليه فعل ﴿ كانوا ﴾ .

وصيغة المضارع في ﴿ يكسبون ﴾ لدلالتها على التكرّر والتجدّد المكنّى به عن إتقان الصنعة.

وبذلك كان موقع الموصول والصلة أبلغ من موقع لفظ (بيوتهم) مثلاً، ليدل على أن الذي لم يغن عنهم شيءٌ متّخذ للإغناء ومن شأنه ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ ﴾ وهم ثَمُودُ قَوْمُ صالِحٍ.

وَفي ﴿ الحِجْرِ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الوادِي، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّها مَدِينَةُ ثَمُودَ، قالَهُ ابْنُ شِهابٍ.

الثّالِثُ: ما حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ الحِجْرَ أرْضٌ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ.

وَرَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ النَّبِيَّ  مَرَّ في غَزاةِ تَبُوكَ بِالحِجْرِ، فَقالَ: (هَؤُلاءِ قَوْمُ صالِحٍ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ إلّا رَجُلًا كانَ في حَرَمِ اللَّهِ، مَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِن عَذابِ اللَّهِ) .

قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن هُوَ؟

قالَ: (أبُو رِغالٍ)» .

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: آمِنِينَ أنْ تَسْقُطَ عَلَيْهِمْ.

الثّانِي: آمِنِينَ مِنَ الخَرابِ.

الثّالِثُ: آمِنِينَ مِنَ العَذابِ.

الرّابِعُ: آمِنِينَ مِنَ المَوْتِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه وابن عساكر، عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ان مدين وأصحاب الأيكة، أمتان بعث الله إليهما شعيباً» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس ﴿ وإن كان أصحاب الأيكة ﴾ قال: قوم شعيب و ﴿ الأيكة ﴾ ذات آجام وشجر كانوا فيها.

وأخرج ابن جرير عن خصيف في قوله: ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ قال: الشجر.

وكانوا يأكلون في الصيف الفاكهة الرطبة، وفي الشتاء اليابسة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين ﴾ ذكر لنا أنهم كانوا أهل غيضة، وكان عامة شجرهم هذا الدوم، وكان رسولهم فيما بلغنا شعيب، أرسل إليهم وإلى أهل مدين، أرسل إلى أمتين من الناس وعذبتا بعذابين شتى.

أما أهل مدين، فأخذتهم الصيحة.

وأما ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ فكانوا أهل شجرٍ متكاوش.

ذكر لنا أنه سلط عليهم الحر سبعة أيام لا يظلهم منه ظل ولا يمنعهم منه شيء، فبعث الله عليهم سحابة فجعلوا يلتمسون الروح منها، فجعلها الله عليهم عذاباً، بعث عليهم ناراً فاضطرمت عليهم فأكلتهم.

فذلك ﴿ عذاب يوم الظلة أنه كان عذاب يوم عظيم ﴾ [ الشعراء: 189] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ قال: الغيضة.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ قال: أصحاب غيضة.

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ﴿ الأيكة ﴾ الشجر الملتف.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ أصحاب الأيكة ﴾ أهل مدين.

و ﴿ الأيكة ﴾ الملتفة من الشجر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ الأيكة ﴾ مجمع الشجر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب: أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها، فملا خرجوا منها أصابهم فزع شديد، ففرقوا أن يدخلوا البيوت أن تسقط عليهم، فأرسل الله عليهم الظلة فدخل تحتها رجل فقال: ما رأيت كاليوم ظلاً أطيب ولا أبرد!...

هلموا أيها الناس.

فدخلوا جميعاً تحت الظلة، فصاح فيهم صيحة واحدة فماتوا جميعاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإنهما لبإمام مبين ﴾ يقول: على الطريق.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ لبإمام مبين ﴾ قال: طريق ظاهر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وإنهما لبإمام مبين ﴾ قال: بطريق معلم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ لبإمام مبين ﴾ قال: طريق واضح.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ لبإمام مبين ﴾ قال: بطريق مستبين.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أصحاب الحجر ﴾ قال: أصحاب الوادي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان ﴿ أصحاب الحجر ﴾ ثمود، قوم صالح.

وأخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين؛ فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك بالحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من مياه الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، وعجنوا منها ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم بإهراق القدور.

وعلفوا العجين الإِبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا فقال: «إني أخشى أن يصيبكم مثل الذي أصابهم، فلا تدخلوا عليهم» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر: أن الناس لما نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود، استقوا من أبيارها وعجنوا به العجين.

فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهرقوا ما استقوا ويعلفوا الإِبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت ترد الناقة.

وأخرج ابن مردويه عن سبرة بن معبد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بالحجر لأصحابه: «من عمل من هذا الماء شيئاً فليلقه.

قال: ومنهم من عجن العجين، ومنهم من حاس الحيس» .

وأخرج ابن مردويه وابن النجار، عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ قال: الرضا بغير عتاب.

وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ قال: هو الرضا بغير عتاب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ قال: هذا الصفح الجميل، كان قبل القتال.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب قال: السبع المثاني، فاتحة الكتاب.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طرق، عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي فاتحة الكتاب.

وأخرج ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: فاتحة الكتاب ﴿ والقرآن العظيم ﴾ قال: سائر القرآن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس: أنه سئل عن السبع المثاني قال: فاتحة الكتاب، استثناها الله لأمة محمد، فرفعها في أم الكتاب فدخرها لهم حتى أخرجها ولم يعطها أحداً قبله.

قيل: فأين الآية السابعة؟

قال: بسم الله الرحمن الرحيم.

وأخرج ابن الضريس عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: دُخرَتْ لنبيكم صلى الله عليه وسلم، لم تُدَّخَرَ لنبي سواه.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي أم القرآن، تثنى في كل صلاة.

وأخرج ابن الضريس وأبو الشيخ وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: السبع المثاني، فاتحة الكتاب.

وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب قال: السبع المثاني، الحمد لله رب العالمين.

وأخرج ابن الضريس عن يحيى بن يعمر وأبي فاختة في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم ﴾ قالا: هي فاتحة الكتاب.

وأخرج ابن الضريس عن مجاهد في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي أم الكتاب.

وأخرج ابن جرير عن الحسن مثله.

وأخرج ابن الضريس وابن جرير، عن قتادة في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: فاتحة الكتاب، تثنى في كل ركعة مكتوبة وتطوّع.

وأخرج ابن الضريس عن أبي صالح في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي فاتحة الكتاب، تثنى في كل ركعة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: فاتحة الكتاب سبع آيات.

وإنما سميت ﴿ المثاني ﴾ لأنه ثنى بها، كلما قرأ القرآن قرأها.

قيل للربيع: إنهم يقولون السبع الطول.

قال: لقد أنزلت هذه الآية.

وما نزل من الطول شيء.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: السبع الطول.

وأخرج الفريابي وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي السبع الطول.

ولم يُعْطَهُنَّ أحدٌ إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطي موسى منهن اثنتين.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ الطول.

وأوتي موسى ستاً، فلما ألقى الألواح، ذهب اثنتان وبقي أربعة.

وأخرج الدارمي وابن مردويه عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فاتحة الكتاب هي السبع المثاني» .

وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس.

وأخرج سعيد بن منصور وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: السبع الطول: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس.

فقيل لابن جبير: ما قوله: ﴿ المثاني ﴾ قال: ثنى فيها القضاء والقصص.

وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والكهف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان ﴿ المثاني ﴾ المئين: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف وبراءة والأنفال سورة واحدة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي من طريق سعيد جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: السبع الطول.

قلت: لم سميت ﴿ المثاني ﴾ ؟

قال: يتردد فيهن الخبر والأمثال والعبر.

وأخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ فاتحة الكتاب والسبع الطول منهن.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن زياد بن أبي مريم في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: أعطيتك سبعاً أخر أؤمر وأنه وبشر وأنذر واضرب الأمثال واعدد النعم واتل نبأ القرون.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن أبي مالك قال: القرآن كله مثاني.

وأخرج آدم بن أبي إياس وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي، عن مجاهد في قوله: ﴿ سبعاً من المثاني ﴾ قال: هي السبع الطول الأول ﴿ والقرآن العظيم ﴾ سائره.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: ﴿ المثاني ﴾ ما ثني من القرآن.

ألم تسمع لقول الله: ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني ﴾ [ الواقعة: 16] .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: ﴿ المثاني ﴾ القرآن، يذكر الله القصة الواحدة مراراً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أصحاب الحجر ﴾ هم ثمود قوم صالح، الحجر واديهم هو بين المدينة والشام ﴿ المرسلين ﴾ ذكره بالجمع وإنما كذبوا واحداً منهم، وفي ذلك تأويلان أحدهما أن من كذب واحداً من الأنبياء لزمه تكذيب الجميع؛ لأنهم جاءوا بأمر متفق من التوحيد، والثاني: أنه أراد الجنس كقولك: فلان يركب الخيل، وإن لم يركب إلا فرساً واحداً ﴿ وآتيناهم آياتنا ﴾ يعني الناقة، وما كان فيها من العجائب ﴿ وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً ﴾ النحت: النقر بالمعاويل وشبهها من الحجر والعود وشبهه ذلك وكانوا ينقرون بيوتهم في الجبال ﴿ ءَامِنِينَ ﴾ يعني آمنين من تهدم بيوتهم لوثاقتها، وقيل: آمنين من عذاب الله ﴿ إِلاَّ بالحق ﴾ يعني أنها لم تخلق عبثاً.

﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ قيل: إن الصفح الجميل هو الذي ليس معه عقاب ولا عتاب، وفي الآية مهادنة للكفار منسوخة بالسيف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إذ دخلوا ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف غير هشام ﴿ إنا نبشرك ﴾ بسكون الباء وضم الشين: حمزة.

الآخرون بالتشديد ﴿ تبشرون ﴾ بالتشديد وكسر النون المخففة: نافع مثله.

ولكن مشددة النون: ابن كثير.

الباقون بفتح النون على أنها علامة رفع ﴿ يقنط ﴾ بكسر النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وخلف وكذلك بابه.

الآخرون بالفتح ﴿ آل لوط ﴾ مدغماً حيث كان شجاع ﴿ لمنجوهم ﴾ بالتخفيف: يعقوب وحمزة علي وخلف.

الباقون بالتشديد ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف حيث كان: أبو بكر وحماد ﴿ بناتي إن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ أني أنا ﴾ بفتح ياء المتكلم: جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ه ج لئلا يصير ﴿ إذا دخلوا ﴾ ظرفاً ﴿ لنبئهم ﴾ فإنه محال ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ وجلون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ تبشرون ﴾ ه ﴿ القانطين ﴾ ه ﴿ الضالون ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه لا للاستثناء.

﴿ آل لوط ﴾ ط ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ قدرنا ﴾ لا لأن الجملة بعده مفعول والكسر لدخول اللام في الخبر ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "لما" ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ يمترون ﴾ ه ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ تؤمرون ﴾ ه ﴿ مصبحين ﴾ ه ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ فلا تفضحون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا تخزون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ط لابتداء القسم ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ مشرقين ﴾ ه لا لاتصال انقلابها بالصيحة ﴿ من سجيل ﴾ ط ﴿ للمتوسمين ﴾ ه ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط لتمام القصة ﴿ لظالمين ﴾ ه لا لاتصال الانتقام بظلمهم ﴿ منهم ﴾ ه ط لأن الواو للابتداء فلو وصل لشابه الحال وهو محال ﴿ مبين ﴾ ه ط لتمام قصتهم ﴿ المرسلين ﴾ ه لا لأن الواو بعده للحال وقد آتيناهم ﴿ معرضين ﴾ ه لا للعطف ﴿ آمنين ﴾ ه ط ﴿ مصبحين ﴾ ه ط للاتصال معنى ﴿ يكسبون ﴾ ه م لتمام القصص ﴿ إلا بالحق ﴾ ط ﴿ الجميل ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ج لجواز تعلق الكاف بقوله: ﴿ فأخذتهم ﴾ أو بقوله: ﴿ فانتقمنا ﴾ ولجواز تعلقها بمحذوف أي أنزلنا عليهم العذاب كما أنزلنا، وتمام البحث سيجيء في التفسير.

﴿ المقتسمين ﴾ ه لا ﴿ عضين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ المستهزئين ﴾ ه لا ﴿ آخر ﴾ ج لابتداء التهديد مع الفاء ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يقولون ﴾ ه لا لاتصال الأمر بالتسبيح تسلية ﴿ الساجدين ﴾ ه لا للعطف ﴿ اليقين ﴾ ه.

التفسير: إنه  عطف ﴿ ونبئهم ﴾ على ﴿ نبىء عبادي ﴾ ليكون سماع هذه القصص مرغباً في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأولياء، ومحذراً من المعصية المستتبعة لدركات الأشقياء، ولما في قصة لوط من ذكر إنجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين، وكل ذلك يقوّي ما ذكر من أنه غفور رحيم للمؤمنين، وأن عذابه عذاب أليم للكافرين.

وعند المعتزلة غفور للتائبين معذب لغيرهم.

وقد مر تفسير أكثر هذه القصة في سورة هود فنذكر الآن ما هو مختص بالمقام.

فقوله: ﴿ وجلون ﴾ معناه خائفون خافهم لامتناعهم من الأكل أو لدخولهم بغير إذن وفي غير وقت.

﴿ إنا نبشرك ﴾ استئناف في معنى تعليل النهي عن الوجل.

بشروه بالولد الذكر بكونه عليماً فقيل: أرادوا بعلمه نبوته.

وقيل: العلم مطلقاً.

وقوله: ﴿ على أن مسني ﴾ في موضع الحال أي مع هذه الحالة استفهم منكراً للولادة في حالة الهرم أنها أمر عجيب عادة لا لأنه شك في قدرة الله  ولذلك قال: ﴿ فبم تبشرون ﴾ "ما" استفهامية دخلها معنى التعجب كأنه قال: فبأي أعجوبة تبشروني أي أو أنكم لا تبشروني بشيء في الحقيقة لأن ذلك أمر غير متصور في العادة؟

وأحسن ما قيل فيه أن لا يكون قوله: "بما" صلة للتبشير بل يكون سؤالاً عن الوجه والطريقة يعني إذا كان الطريق.

المعتاد ممتنعاً فبأي طريق تبشرونني بالولد، فلذلك قالوا في جوابه ﴿ بشرناك بالحق ﴾ أي باليقين الذي لا لبس فيه، أو بشرناك بالولد بطريق هو حق وذلك قول الله  ووعده وأنه قادر على خلق الولد من غير أبوين فضلاً من شيخ فانٍ وعجوز عاقر.

قال أبو حاتم: حذف نافع ياء المتكلم مع النون وإسقاط الحرفين لا يجوز.

وأجيب بأنه لم يحذف إلا الياء اكتفاء بالكسرة ونون الوقاية لم يوردها كما أوردت في قراءة التشديد، وإنما كسر نون الجمع لأجل الياء وكلتا اللغتين فصيحة.

قيل: عظم فرحه بتلك البشارة فدهش عن الجواب المنتظم فتكلم بالكلام المضطرب.

وقيل: طلب مزيد الطمأنينة كقوله: ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ عن ابن عباس: يريد بالحق ما قضى الله أن يخرج من صلب إبراهيم إسحق ومن صلب إسحق أكثر الأنبياء.

وقوله: ﴿ فلا تكن من القانطين ﴾ لا يدل على أنه كان قانطاً فقد ينهى عن الشيء ابتداء كقوله: ﴿ ولا تطع الكافرين  ﴾ .

ولذلك أنكر إبراهيم نهيهم بقول: ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ﴾ أي المخطئون طريق الصواب أو الكافرون نظيره ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون  ﴾ وفيه أنه لم يستنكر ذلك قنوطاً من رحمته ولكن استبعاداً له في العادة التي أجراها الله هما لغتان: قنط يقنط مثل ضرب يضرب، وقنط يقنط مثل علم يعلم.

وزعم الفارسي أن الأولى أعلى اللغتين.

ثم سأل عما لأجله أرسلهم الله حيث قال: ﴿ فما خطبكم ﴾ والخطب الشأن العظيم.

فسئل أنهم لما بشروه بالولد الذكر العليم فما وجه السؤال عن مجيئهم؟

وأجاب الأصم بأن المراد ما الأمر الذي وجهتم فيه سوى البشرى؟.

وقال القاضي: إنه علم أن المقصود لو كان التبشير فقط لكان الملك الواحد كافياً.

وقيل: علم أنه لو كان تمام الغرض البشارة لذكروها أول ما دخلوا قبل أن يوجس إبراهيم منهم خيفة.

قلت: لعله استصغر أمر التبشير إما لأجل التواضع وإما لأنه واقعة خاصة فسألهم عن الأمر الذي هو أعظم من ذلك وأعم تعظيماً لشأنهم ﴿ قالوا إنا أرسلنا ﴾ زعم صاحب الكشاف أن الإرسال ههنا في معنى التعذيب والإهلاك كإرسال الحجر أو السهم إلى المرمى.

وأقول: كأنه لا حاجة إلى هذا التجوز لقوله في سورة الذاريات ﴿ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين  ﴾ فالتقدير إنا أرسلنا إليهم لنهلكهم ﴿ إلا آل لوط ﴾ وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً لاختلاف الجنسين، فإن القوم موصوفون بالإجرام دون آل لوط.

يكون قوله: ﴿ إنا لمنجوهم ﴾ جارياً مجرى خبر "لكن" كأنه قيل: لكن قوم لوط منجون، ويكون قوله: ﴿ إلا امرأته ﴾ استثناء من الاستثناء أي أرسلنا إليهم لنهلكهم إلا آل لوط ﴿ إلا امرأته ﴾ كقول المقر: لفلان علي عشرة إلا ثلاثة إلا واحداً.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ إلا آل لوط ﴾ مستثنى من الضمير في ﴿ مجرمين ﴾ حتى يكون الاستثناء متصلاً أي إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم.

ولم لا يجوزالاستثناء من الاستثناء بناء على أن ﴿ آل لوط ﴾ مستثنى من معمول ﴿ أرسلنا ﴾ أو ﴿ مجرمين ﴾ و ﴿ إلا امرأته ﴾ من معمول ﴿ منجوهم ﴾ وقد عرفت ما فيه على أنه إذا جعل الإرسال بمعنى الإهلاك كما قرره هو آل الأمر إلى ما ذكرنا فلا أدري لم استبعده مع وفور فضله.

قال أهل اللغة: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل جعلت الشيء على مقدار غيره، ومنه قدر الله الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية، وقدر الأمور أي جعلها على مقدار ما يكفي في أبواب الخير والشر.

وقيل: في معنى قدرنا: كتبنا.

وقال الزجاج: دبرنا.

وقيل: قضينا.

والكل متقارب، والمشدد في هذا المعنى أكثر استعمالاً وأنه جواب سؤال كأنه قيل: ما بالها استثنيت من الناجين؟

فقيل: ﴿ قدرنا إنها لمن الغابرين ﴾ أي الباقين في الهوالك.

ويقال للماضي أيضاً غابر وهو من الأضداد.

قال في الكشاف: علق فعل التقدير مع أن التعليق من خصائص أفعال القلوب لأنه في معنى العلم.

وإنما أسندوا الفعل إلى أنفسهم مع التقدير لله عز وجل بياناً لاختصاصهم به  كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا أو أمرنا بكذا ولعل المدبر والآمر هو الملك وحده.

ثم إن الملائكة لما بشروا إبراهيم  بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط وذلك قوله: ﴿ فلما جاء آل لوط المرسلون قال ﴾ أي لوط ﴿ إنكم قوم منكرون ﴾ تنكركم نفسي وتنفر منكم.

وذلك أنهم هجموا عليه فلم يعرفهم وخاف أن يطرقوه بشر فلذلك ﴿ قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ﴾ أي ما جئناك بما توهمت بل جئناك بما فيه فرجك وتشفيك من عدوك وهو العذاب الذي كنت تخوفهم به وهم يشكون في وقوعه.

﴿ وأتيناك بالحق ﴾ باليقين الثابت.

وقال الكلبي: بالعذاب الذي لا شك فيه ﴿ وإنا لصادقون ﴾ فيما أخبرناك به ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل ﴾ أي في آخره وقدم في سورة هود وزاد ههنا قوله: ﴿ واتبع أدبارهم ﴾ لأنه إذا ساقهم وكان من ورائهم علم بنجاتهم، ولا يخفى حالهم.

ففي الآية زيادة بيان لكيفية الإسراء ثم زاد في البيان فقال: ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ ولم يستثن امرأته اكتفاء بما مر في السورة من قوله: ﴿ إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته ﴾ قال جار الله: إنما أمر باتباع أدبارهم ونهى عن الالتفات ليكون فارغ البال من حالهم فيخلص قلبه لشكر الله، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، ولئلا يشاهدوا عذاب قومهم فيرقوا لهم مع أنهم ليسوا من أهل الرقة عليهم، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ولا يتحسروا على ما خلفوا.

وجوز أن يكون النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني، لأن من يلتفت لا بد أن يقع له أدنى وقفة ﴿ وامضوا حيث تؤمرون ﴾ قال الجوهري: مضى الشيء مضياً ذهب، ومضى في الأمر مضياً أنفذه.

وقال في الكشاف: عدى ﴿ وامضوا ﴾ إلى ﴿ حيث ﴾ تعديته إلى الظرف المبهم لأن ﴿ حيث ﴾ مبهم في الأمكنة، وكذلك الضمير في ﴿ تؤمرون ﴾ قلت: حاصل الكلام يرجع إلى قوله: اذهبوا إلى المكان الذي تؤمرون بالذهاب إليه، أو أنفذوا أمر الذهاب إلى هنالك.

عن ابن عباس: إنه الشام.

وقيل: مصر.

وقال المفضل: حيث يقول لكم جبرائيل وكانت قرية معينة ما عمل أهلها عمل قوم لوط.

ثم أخبر عن حالهم مجملاً فقال: ﴿ وقضينا ﴾ ضمن معنى أوحينا ولذلك عدي بإلى كأنه قيل: وأوحينا.

﴿ إليه ذلك الأمر ﴾ مقتضياً مبتوتاً.

ثم فسر ذلك الأمر بقوله: ﴿ أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ﴾ أي يستأصلون عن آخرهم حال ظهور الصبح ودخولهم فيه.

وفي هذا الإجمال والتفسير تفخيم لشأن الأمر وتعظيم له.

ثم حكى ما أبدى قوم لوط من الفعال بعد نزول الملائكة فقال: ﴿ وجاء أهل المدينة ﴾ أي أهل سذوم التي ضرب بقاضيها المثل فقيل أجور من قاضي سذوم.

﴿ يستبشرون ﴾ بظهور السرور بمجيء الملائكة لأنهم رأوهم مرداً حسان الوجوه ﴿ قال ﴾ لوط لما قصدوا أضيافه ﴿ إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون ﴾ بفضيحة ضيفي لأن الضيف يجب إكرامه فإذا أسيء إليه في دار المضيف كان ذلك إهانة وفضيحة للمضيف.

يقال: فضحه يفضحه فضحاً وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار ﴿ واتقوا الله ولا تخزون ﴾ مر في "هود" ﴿ قالوا ﴾ في جواب لوط ﴿ أو لم ننهك عن العالمين ﴾ أي ألسنا نهيناك عن أن تكلمنا في شأن أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟

وكانوا يتعرضون لكل أحد، وكان لوط  ينهاهم عن ذلك فأوعدوه نظيره ﴿ لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين ﴾ {الشعراء: 116] وقيل: نهوه عن ضيافة الناس وإنزالهم ﴿ قال هؤلاء بناتي ﴾ من الصلب أو أراد نساء أمته كما مر في "هود".

قال جار الله ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ شك في قبولهم لقوله كأنه قال وما أظنكم تفعلون.

وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فبما أحل الله دون ما حرم.

ثم قالت الملائكة للوط  ﴿ لعمرك ﴾ مبتدأ محذوف الخبر لكثرة الاستعمال أي قسمي أو هو ما أقسم به.

والعمر والعمر بالفتح والضم واحد إلاّ أنهم خصوا القسم بالمفتوح اتباعاً للأخف، فإن الحلف كثير الدور على ألسنتهم ﴿ إنهم لفي سكرتهم ﴾ غوايتهم التي أذهبت عقولهم حتى لم يميزوا بين خطئهم وصوابك ﴿ يعمهون ﴾ يتحيرون فكيف يقبلون قولك الذي تأمرهم به من ترك البنين إلى البنات؟

وقيل: إنه  خاطب رسول الله  وأقسم بحياته  كرامة له  وما أقسم بحياة أحد قط وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله ﴿ فأخذتهم الصيحة مشرقين ﴾ داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس كان اتبداء العذاب من أول الصبح لقوله: ﴿ مصبحين ﴾ أليس الصبح بقريب؟

وغلبته كانت عن طلوع الشمس قال المفسرون: هي صيحة جبرائيل.

قلت: ويحتمل أن تكون صيحة قلب المدائن وإرسال الحجارة عليهم.

قال بعض المفسرين: إنما قال: ﴿ وأمطرنا عليهم ﴾ وفي سورة هود ﴿ وأمطرنا عليها  ﴾ لأنه أراد ههنا من شذ من القرية منهم.

وقيل: سبب تخصيص هذه السورة بجمع المذكر هو بناء القصة على قوله: ﴿ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ﴾ ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ للمتفرسين.

وحقيقة التوسم التثبت في النظر حتى يعرف حقيقة سمة الشيء فعبر به عن التأمل والتفكر ﴿ وإنها ﴾ يعني تلك القرى وآثارها ﴿ لبسبيل مقيم ﴾ ثابت يسلكه الناس المارة من الحجاز إلى الشام يشاهدون آثار قهر الله وغضبه هنالك.

قال بعضهم: إنما جميع الآيات في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ لأنه أشار إلى ما تقدم عن ضيف براهيم وقصة لوط وقلب المدينة وإمطار الحجارة عليها وعلى من غاب منهم.

وقال في الثانية ﴿ وإنها ﴾ أي القرية ﴿ لبسبيل ﴾ وهذه واحدة من تلك الآيات فلذلك قال: ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ وقيل: ما جاء من القرآن من الآيات فلجمع الدلائل، وما جاء من الآية فلوحدانية المدلول عليه، فلما ذكر عقيبه المؤمنين وهم مقرون بوحدانيته وحد الآية نظيره في "العنكبوت" { ﴿ خلق الله السموات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين  ﴾ .

ثم أجمل قصة قوم شعيب فقال: ﴿ وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين ﴾ "إن" مخففة من الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة في خبرها.

كانوا أصحاب غياض ومواضع ذات شجر فنسبوا إليها.

والآيكة الشجر الملتف.

والضمير في قوله: ﴿ وإنهما ﴾ يعود إلى قرى قوم لوط وإلى الأيكة.

وقيل: بل إلى الآيكة ومدين لأن شعيباً كان مبعوثاً إليهما فدل بذكر أحد الموضعين ههنا - وهو الأيكة - على الآخر ﴿ لبإمام مبين ﴾ لبطريق واضح.

قال الفراء والزجاج: سمي الطريق إماماً لأنه يؤم ويتبع.

وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده.

ثم ختم القصص بقصة ثمود فقال: ﴿ ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين ﴾ وهو واد بين الشأم والمدينة.

وجمع المرسلين لأن تكذيب نبي واحد- وهو صالح - كتكذيب جميع الأنبياء، أو لأن القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل، أو أراد صالحاً ومن معه من المؤمنين، ﴿ وآتيناهم ﴾ أي أعطينا رسولهم ﴿ آياتنا ﴾ أراد الناقة وكانت فيها آيات خروجها من الصخر وعظم خلقها وكثرة لبنها إلى غير ذلك كما حكينا في "الأعراف" ﴿ فكانوا عنها ﴾ أي عن النظر فيها والاعتبار بها ﴿ معرضين ﴾ وفيه أن التقليد مذموم والاستدلال واجب ﴿ وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين ﴾ من أن تنهدم ويتداعى بنيانها أو يقع سقفهم عليهم، أو آمنين من عذاب الله أو من حوادث الدهر.

﴿ فما أغنى عنهم ﴾ لم يدفع عنهم شيئاً من عذاب الله ﴿ ما كانوا يكسبون ﴾ من بناء البيوت الوثيقة ومن جمع الأموال والعدد.

ولم فرغ من القصص قال: ﴿ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ أي متلبسة بالفوائد والغايات والحكم الصحيحة منها: اشتغال المكلفين بالعبادة والطاعة حتى لو تركوها وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير الأرض منهم، وهذا النظم يناسب أصول الاعتزال، قال الجبائي: فيه بطلان مذهب الجبرية الذين يزعمون أن أكثر ما خلق الله بين السموات والأرض من الكفر والمعاصي باطل.

وأجيب بأن أفعال العباد من جملة ما بين السموات والأرض فوجب أن يكون الله خالقها.

ويمكن أن يقال في وجه النظم: إن هذا ابتداء شروع في تسلية النبي صلى الله عليه و سلم وتصبيره على أذيات قومه بعد اقتصاص أحوال الأمم السالفة ومعاملاتهم مع أنبيائهم، ويؤيد هذا النظم قوله: ﴿ وإن الساعة لآتية ﴾ معناه أن الله سينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق والعدل فكيف يليق بحكمته وفضله إهمال أمرك؟

ولما صبره على أذى قومه رغبه في الصفح فقال: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ أي فأعرض عنهم إعراضاً جميلاً بحلم وإغضاء إن كان اللام الجنس فالمراد هذا النوع من الصفح لا الذين يشتمل على حقد واجتهال ومكر، وإن كان للعهد فلعل المراد ما أمر به في نحو قوله: ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين  ﴾ وقيل: هذا منسوخ بآية السيف والأظهر أن حسن المعاشرة والمخالقة مأمور به ما أمكن فلا حاجة إلى ارتكاب النسخ ﴿ إن ربك هو الخلاق ﴾ كثير الخلق ﴿ العليم ﴾ الكامل العلم يعلم ما يجري بين الخلائق من الأحوال والأخلاق وإن كثروا وكثرت فيجازيهم يوم القيامة على حسب ذلك.

وقيل: أراد أنه الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، فاليوم الصفح أصلح فاصفحوا إلى أن يكون السيف أصلح.

ثم حثه على الصفح والتجاوز بذكر النعم العظام التي خصه بها فقال: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بها فاتحة الكتاب وهو قول عمر وعلي  ما وابن مسعود وأبي هريرة والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة.

وذلك أنها سبع آيات.

والمثاني جمع مثناة من التثنية أو جمع مثنية لأنها تثنى في كل صلاة.

وقال الزجاج: تثنى بما يقرأ بعدها معها.

وأيضاً قسمت بنصفين قسم ثناء وقسم دعاء، وقد ورد الحديث في هذا المعنى "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" وقد مر في أول الكتاب.

وأيضاً كلماتها مثناة مثل: ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ ﴿ إياك ﴾ و ﴿ إياك ﴾ ﴿ الصراط ﴾ ﴿ صراط ﴾ ﴿ عليهم ﴾ ﴿ عليهم ﴾ واشتمالها على ثناء الله تعالى وتحميده مقرر ومما يتفرع على هذا القول ما نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال: كان ابن مسعود لا يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب.

فقيل: كأنه رأى أنه  عطف عليه قوله: ﴿ والقرآن العظيم ﴾ والعطف يوجب المغايرة فوجب أن تكون السبع المثاني غير القرآن.

والجواب أنه قد يكون بعطف الجزء على الكل كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل  ﴾ أو بالعكس كما في الآية.

والمقصود في الوصفين تميز البعض عن الكل تنبيهاً على مزية ذلك البعض وشرفه.

فإن قلت: ليس لعطف لكل على البعض نظير، والاستدلال بالآية استدلال بصورة النزاع من غير دليل.

قلنا: يكفي بقوله: ﴿ ولقد آتيناك ﴾ دليلاً على أنه من القرآن.

وعن ابن عمر وسعيد بن جبير في رواية: أن السبع المثاني هي السبع الطوال سميت بذلك لما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، أو لأنها تثني على الله بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى.

وأنكر الربيع هذا القول لأن هذه السورة مكية وأكثر تلك السورة مدنية.

وأجيب بأن المراد من الإيتاء إنزالها إلى السماء الدنيا، والمكية والمدنية في ذلك سيان، وضعف بأن إطلاق لفظ الإيتاء على ما لم يصل بعد إليه خلاف الظاهر.

وقال قوم: السبع المثاني هي التي دون الطول والمئين وفوق المفصل، واحتجوا عليه بما روى ثوبان أن رسول الله  قال: "إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني المثاني مكان الزبور وفضلني ربي بالمفصل" .

قال الواحدي: والقول في تسمية هذه السور مثاني كالقول في تسمية الطول مثاني.

وروي عن ابن عباس وإليه ذهب طاوس أنها هي القرآن لقوله  : ﴿ كتاباً متشابهاً مثاني  ﴾ وأنها سبعة أسباع كرر فيها دلائل التوحيد والنبوة والتكاليف.

ومعنى العطف على هذا القول الجمعية كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام.

وكأنه قيل: آتيناك ما هو الجامع لكونه سبعاً مثاني ولكونه قرآناً عظيماً.

قال الزجاج ووافقه صاحب الكشاف: و"من" في ﴿ من المثاني ﴾ للبيان أو للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطول، وللبيان إذا أردت الأسباع.

ولما عرف رسوله نعمه الدينية ورغبه فيها نفره من اللذات العاجلة الزائلة لأن كل نعمة وإن عظمت فإنها بالنسبة إلى نعمة القرآن ضيئلة حقيرة، ومنه الحديث "من لم يتغن بالقرآن أي لم يستغن به - فليس منا" وقول أبي بكر: من أوتي القرآن فرآى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً.

فمن حق قارىء القرآن الواقف على معانيه أن لا يشغل سره بالالتفات إلى الدنيا وزهرتها.

قال الواحدي: إنما يكون مادّاً عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه، وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه.

وقال في الكشاف: معنى ﴿ لا تمدن ﴾ لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمن له ﴿ إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ﴾ أي أصنافاً من الكفار قاله ابن قتيبة.

وقال الجوهري: الأزواج القرناء.

وقال بعضهم: لا تمدن عينيك أي لا تحسدنّ أحداً على ما أوتي من الدنيا.

وضعف بأن الحسد منهي عنه مطلقاً فكيف يحسن تخصيص الرسول به؟

ويمكن أن يجاب بأن المراد منه نهي التكوين كقوله: ﴿ ولا تكونن من المشركين  ﴾ أو المراد الغبطة فهي محظورة عليه  لجلالة منصبه وإن كانت جائزة لأمته.

ويروى أنه وافت من بلاد الشام سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجوهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها ولأنفقناها في سبيل الله.

فقال لهم الله عز وجل: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ لا تمدن ﴾ بغير واو العطف لأنه لم يسبقه طلب بخلاف ما في سورة طه.

ثم لما نهاه عن الالتفات إلى أموالهم وأمتعتهم نهاه عن الالتفات إليهم أنفسهم وإن لم يحصل لهم في قلبه قدر ووزن فقال: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ أي على أنهم لم يؤمنوا فيتقوى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون، وكما أمره بالتكبر على الأغنياء والترفع عنهم إذا كانوا كفاراً أمره بالتواضع للفقراء، إذا كانوا مؤمنين فقال: ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ الخفض نقيض الرفع، وجناحا الإنسان يداه، وخفضهما كناية عن اللين والرفق.

وإنما قال في سورة الشعراء بزيادة ﴿ لمن اتبعك  ﴾ لأنه قال قبله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين  ﴾ فلو لم يذكر هذه الزيادة لكان الظاهر أن اللام للعهد فصار الأمر بخفض الجناح مختصاً بالأقربين من عشيرته فزيد ﴿ لمن اتبعك  ﴾ ليعلم أن هذا التشريف شامل لجميع متبعيه من الأمة.

ولما بعثه على الرفق بأهل الإيمان أمره بالإنذار لكل المكلفين فقال: ﴿ وقل إني أنا النذير المبين ﴾ ويدخل تحت كونه نذيراً كونه مبلغاً لجميع التكاليف، لأن كل ما كان واجباً ترتب على تركه عذاب، وكل ما كان حراماً ترتب على فعله عقاب.

ويدخل في كونه مبيناً كونه شارحاً لجميع مراتب أهل التكاليف من الجنة والنار.

فالإنذار بالنار والإحذار بالجنة هو الإخبار عن موجب الحرمان عنها.

وفي متعلق قوله: ﴿ كما أنزلنا ﴾ وجهان بعد ما مر به في الوقوف: أحدهما أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد آتيناك ﴾ أي أنزلنا} أي أنزلنا عليك ما أنزلنا ﴿ على المقتسمين ﴾ ومن هم؟

قيل: أهل الكتاب ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ أي أجزاء جمع عضة وأصلها عضوة "فعلة" من عضى الشاة إذا جعلها أجزاء وأعضاء، أو "فعلة" من عضهته إذا بهته فالمحذوف منها الهاء لا الواو.

وعن عكرمة: العضه السحر بلسان قريش يقولون للساحرة عاضهة.

ولعن رسول الله  العاضهة والمستعضهة فينقصانها الهاء أيضاً.

وجمعت العضة بالمعاني جمع العقلاء لما لحقها من الحذف، فجعلوا الجمع بالواو والنون عوضاً عما لحقها من الحذف كسنين.

فمعنى الآية أن اليهود اقتسموا القرآن إلى حق وباطل وجزؤه فقالوا بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما.

ويجوز أن يراد بالقرآن ما يقرأونه من كتبهم وقد اقتسموه بتحريفهم وتكذيبهم، والإقرار بالبعض والتكذيب بالبعض كقوله: { ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض  ﴾ وفي هذا تسلية لرسول الله  عن تكذيب قومه وعداوتهم، ولهذا وسط بين المتعلق بقوله: ﴿ لا تمدن ﴾ الآية لأنه مدد للتسلية لما فيه من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم ومن الإقبال بالكلية على المؤمنين.

الوجه الثاني أن يتعلق بقوله: ﴿ النذير المبين ﴾ وعلى هذا لا يكون بد من التزام إضمار أو زيادة، أما الإضمار فأن يكون التقدير: أنا النذير عذاباً كما أنزلنا كقولك رأيت كالقمر في الحسن أي وجهاً كالقمر، وأما الزيادة فأن تكون الكاف زائدة كقوله: ﴿ ليس كمثله شيء  ﴾ ويمكن أن يقال: الكاف بمعنى مثل ولا حاجة إلى الالتزام والتقدير: أنذر قريشاً مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم إما اليهود ويراد بالعذاب ما جرى على قريظة والنضير فيكون قد جعل المتوقع بمنزلة الواقع وهو من الإعجاز لأنه إخبار بما سيكون وقد كان، وإما غيرهم من أهل مكة أو من قوم صالح.

قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة ومداخلها أيام الموسم فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا الناس عن الإيمان بالله ورسوله.

يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر، ويقول الآخر كذاب، والآخر شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات وكانوا قريباً من أربعين، منهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب.

وقال عكرمة: اقتسموا القرآن استهزاء وكان يقول بعضهم سورة البقرة لي ويقول الآخر سورة آل عمران لي وقال مقاتل: اقتسموه.

قال بعضهم سحر، وبعضهم شعر، وبعضهم كذب، وبعضهم أساطير الأولين.

وقال ابن زيد: المقتسمون هم الذين تقاسموا بالله ليبيتن صالحاً كما سيجيء في سورة النمل، فرمتهم الملائكة بالحجارة وقتلوهم، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ الذين جعلوا ﴾ منصوباً بالنذير أي أنذر المعضين الذين يجزؤن القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين.

ثم أقسم على سبيل الوعيد فقال: ﴿ فوربك لنسألنهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في أول "الأعراف" وذلك قوله ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم  ﴾ .

والأظهر أن الضمير عائد إلى جميع المكلفين المنذرين، وأن السؤال يكون عن جميع الأعمال، وقد يخص الضمير بالمقتسمين والسؤال بالاقتسام.

ثم شجع نبيه قائلاً ﴿ فاصدع ﴾ أي اجهر ﴿ بما تؤمر ﴾ وأظهره وفرق بين الحق والباطل.

وأصل الصدع الشق والفصل ومنه سمي الصبح صديعاً كما سمي فلقاً.

وصدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً.

قال النحويون: الجار محذوف والمعنى بالذي تؤمر به من الشرائع مثل "أمرتك الخير".

وجوز أن تكون "ما" مصدرية أي بأمرك وشأنك مصدر من المبني للمفعول.

وقالوا: وما زال النبي  مستخفياً حتى نزلت هذه الآية.

ثم قال: ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة وهذا لا ينافي آية القتال حتى يلزم النسخ على ما ظن بل يؤكدها.

ثم أكد النهي عن الاكتراث بهم وقوّى قلبه فقال: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ ولا ريب أنهم طبقة ذو شوكة قدروا على الاستهزاء بالرسول مع جلالة قدره.

والآية لا تفيد إلا هذا القدر لكن المفسرين ذكروا عددهم وأسماءهم مع اختلاف بينهم.

والأشهر على ما رواه عروة بن الزبير أنهم خمسة نفر من الأشراف: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحرث بن الطلاطلة.

وعن ابن عباس: ماتوا كلهم قبل يوم بدر.

وقال جبرائيل  لرسول الله  : أمرت أن أكفيكهم فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظماً لأخذه فأصابه عرقاً في عقبة فقطعه فمات.

وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل فدخلت فيها شوكة فقال: لدغت لدغت فانتفخت رجله حتى صارت كالرحى ومات، وأشار إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي، وأشار إلى أنف الحرث فامتخط قيحاً فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح رأسه بالشجر ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، ثم زاد في تسلية نبيه  ﴿ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ﴾ من المطاعن فيك وفي القرآن لأن الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك.

ثم أمره لكشف ما نابه بأربعة أشياء: بالتسبيح والتحميد والسجود والعبادة إلى إتيان اليقين.

عن ابن عباس: هو الموت سمي بذلك لأنه أمر متيقن ولا يجب الإخلال بالعبادة ما دام المكلف حياً وهذا كما قيل في تحديد مدة طلب العلم: إنه من المهد إلى اللحد.

وكيف يصير الإقبال على الطاعات سبباً لزوال ضيق القلب؟

قال المحققون: لأنه ينكشف له أضواء عالم الربوبية فيهون في نظره المصالح الدنيوية فلا يستوحش من فقدانها ولا يستأنس بوجدانها.

وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فعليه أن يفزع إلى الله بالذكر الدائم والسجود وسائر أنواع العبادة فكأنه يقول: وجب عليّ عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكاره.

وقالت المعتزلة: من اعتقد تنزيه الله عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق لأنه يعلم أنه تعالى عدل منزه عما لا فائدة فيه ولا غرض فيطيب قلبه.

التأويل: في بشارة إبراهيم إشارة إلى أن الطالب الصادق وإن كان مسناً ضعيف القوى كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد.

فأنه ينبغي أن لا يقنط من رحمة الله، ويتقرب إليه بالأعمال القلبية ليتقرب إليه ربه بأصناف الألطاف وجذبات الأعطاف، فيخرج من صلب روحه ورحم قلبه غلاماً عليماً بالعلوم اللدنية وهو واعظ الله الذي في قلب المؤمن ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ لأصحاب القلوب المتوسمين بشواهد أحكام الغيب.

وما خلقنا سموات الأرواح وأرض الأشباح، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار والخفيات ﴿ إلا بالحق ﴾ أي إلا لمظهر الحق، ومظهره هو الإنسان المخصوص بذلك من بين سائر المخلوقات ﴿ وإن الساعة ﴾ يعني قيامة العشق ﴿ لآتية ﴾ لنفوس الطالبين الصادقين من أصحاب الرياضات لأن أنفسهم تموت بالرياضة ومن مات فقد قامت قيامته ﴿ فاصفح ﴾ أيها الطالب الصادق عن النفس المرتاضة بأن تداويها وتواسيها، فإن في قيامة العشق يحصل من تزكية النفس في لحظة واحدة ما لا يحصل بالمجاهدة في سنين كثيرة ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين.

﴿ إن ربك هو الخلاق ﴾ لصور المخلوقات ولمعانيها ولحقائقها ﴿ العليم ﴾ بمن خلقه مستعداً لمظهرية ذاته وصفاته ومظهريتهما وليس ذلك في السموات والأرض وما بينهما إلا الإنسان الكامل وغيره مختص بمظهرية الصفات دون الذات وان كان ملكاً فلهذا قال: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً ﴾ أي سبع صفات ذاتية لله تبارك وتعالى: السمع والبصر والكلام والحياة والعلم والإرادة والقدرة ﴿ من المثاني ﴾ أي من خصوصية المظهرية، والمظهرية الذات والصفات.

﴿ والقرآن العظيم ﴾ ولهذا صار خلقه عظيماً لأنه كان خلقه القرآن ﴿ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً ﴾ من أهل الدنيا والآخرة ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ بهذا المقام ليصلوا بجناح همتك إليه ﴿ على المتقسمين ﴾ الذين قسموا قهر الله على أنفسهم فصاروا مظاهر القهر ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ أي جزؤوه في الاستعمال فقوم قرأوه ليقال لهم القراء وبه يأكلون، وقوم حفظوه ليقال لهم الحفاظ وبه يجرّون الرزق، وقوم حصلوا تفسيره وتأويله إظهاراً للفضل وطلباً للشهرة، وقوم استنبطوا معانيه وفقهه على وفق آرائهم ومذاهبهم فكفروا إذ فسروا القرآن برأيهم.

﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ الذين يستعملون الشريعة بالطبيعة استهزاء بدين الله ﴿ الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ فسبح بحمد ربك ﴾ لأنك لست منهم ﴿ وكن من الساجدين ﴾ سجدة الشكر ﴿ واعبد ربك ﴾ بالإخلاص ﴿ حتى يأتيك اليقين ﴾ أي إلى الأبد لأن كل مقام يحصل فيه اليقين بالعيان بعد العرفان فإنه يحصل فوقه مقام آخر مشكوك فيه إلى أن يحصل برد اليقين فيه أيضاً، فهناك مراتب لا تتناهى فاليقين يكون إشارة إلى الأبد والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ﴾ .

أي: وقد كان أصحاب الأيكة لظالمين.

والأيكة: ذكر أنها الغيضة من الشجر؛ وهي ذات آجام وشجر، كانوا فيها فبعث إليهم شعيب وهم في الغيضة.

وذكر [بعض] أهل التأويل: أن شعيباً بعث إلى قومين: إلى أهل غيضة مرة، وإلى أهل مدين مرة؛ على ما ذكر: ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً  ﴾ وقال في آية [أخرى]: ﴿ كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ  إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ﴾ سمى الله  الكفرة بأسماء مختلفة: سماهم مرة ظالمين، ومرة [فاسقين، ومرة مشركين]، واسم الظلم قد يقع فيما دون الكفر والشرك، وكذلك اسم الفسق يقع فيما دون الكفر والشرك، ثم الكفر لم يقبح لاسم الكفر، وكذلك الإيمان لم يحسن لاسم الإيمان؛ إذ ما من مؤمن إلا وهو يكفر بأشياء ويؤمن بأشياء؛ قال الله  : ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ  ﴾ المؤمن يكفر بالطاغوت وبالأصنام؛ التي كان أهل الكفر عبدوها، وكذلك الكافر يؤمن بأشياء ويكفر بأشياء: يؤمن بالأصنام ويكفر بالله؛ فثبت أن الكفر لاسم الكفر - ليس بقبيح، وكذلك الإيمان لاسم الإيمان - ليس بحسن، ولكن إنما حسن؛ لأنه إيمان بالله، والكفر إنما قبح؛ لأنه كفر بالله.

وأما الظلم: فهو لاسم الظلم قبيح، وكذلك الفسق لاسم الفسق قبيح؛ فسماهم بأسماء هي لاسمها قبيحة، لكن الإيمان المطلق هو الإيمان بالله، والكفر المطلق هو الكفر بالله، وإن كان يسمى بدون الله كفراً وإيماناً؛ كما قلنا: الكتاب المطلق كتاب الله، والدين المطلق دين الله؛ وإن كان اسم الكتاب والدين يقع على ما دونه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ .

ذكر الانتقام منهم؛ ولم يذكر هاهنا بِمَ كان الانتقام، وقال في آية أخرى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ  ﴾ فيحتمل أن يكون الرجفة لقوم؛ والصيحة لقوم؛ وعذاب يوم الظلة لقوم منهم، أو كان كله واحداً؛ فسماها بأسماء مختلفة، وليس لنا إلى معرفة ذلك العذاب حاجة - سوى ما عرف أنهم إنما أهلكوا أو عذبوا بالتكذيب؛ ليكون ذلك آية لمن بعدهم؛ ليحذروا مثل صنيعهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ للرسل؛ كما انتقمنا من قوم لوط للوط؛ بسوء صنيعهم، وسوء معاملتهم إياه، فعلى ذلك ننتقم من أهل مكة لمحمد  ؛ بسوء صنيعهم ومعاملتهم إياه، وقد كان ما نزل بأصحاب الأيكة كفاية مزجر لهم، وعظة لا يحتاج إلى ذكر ما نزل بقوم لوط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُمَا ﴾ قال بعضهم: يعني قوم لوط، وقوم شعيب.

وقوله: ﴿ لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ : أي: طريق مستبين؛ أي: بين هلاكهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ ﴾ ، ﴿ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ - واحد؛ أي: بيّن واضح آثارهم من سلك ذلك الطريق؛ أو دخل قراهم ومكانهم - لاستبان له آثار هلاكهم؛ وما حل بهم.

وقوله: ﴿ لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ : أي: طريق يُؤمّ، ويقصد؛ بيّن واضح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .

قال أهل التأويل:أصحاب الحجر: هم قومُ صالحٍ ثمودُ، وقالوا: الحجر: هو اسم واد.

وقيل: هو اسم القرية على شط الوادي؛ نسبوا إليه.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ قال أهل التأويل: يعني بالمرسلين [ولم يذكر]؛ صالحاً وحده، لكن ذكر المرسلين؛ لأن صالحاً كان يدعوهم إلى ما كان دعا سائر الرسل، فإذا كذبوه فكأن قد كذبوا الرسل جميعاً؛ إذ كل رسول كان يدعو إلى الإيمان بالرسل جميعاً، فإذا كذب واحد منهم - فقد كذب الكل.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ .

تحتمل الآيات: آيات وحدانية الله وحججه، ويحتمل: جميع الآيات: آيات الوحدانية، وحججه، وآيات رسالتهم.

﴿ مُعْرِضِينَ ﴾ : أي: لم يقبلوها؛ فإذا لم يقبلوها - فقد أعرضوا عنها؛ [أو أعرضوا عنها]، أي: كذبوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ﴾ .

يحتمل آمنين عما وعدهم صالح من عذاب الله؛ حيث قالوا: ﴿ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ كانوا آمنين عن ذلك.

وقال بعضهم: كانوا آمنين عن أن يقع عليهم ما نحتوا لحذاقتهم، وهو ما قال: ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ  ﴾ على تأويل بعضهم: حاذقين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴾ يحتمل: أخذتهم ظاهرة بالنهار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ ﴾ : أي: ما كانوا ينحتون، لا يغنيهم من عذاب الله من شيء.

ويحتمل: فما أغنى عنهم ما عملوا من عبادة الأصنام والأوثان؛ حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ولقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ أي: لم يغنهم ما عبدوا من عذاب الله.

أو يقول: ما أغنى عنهم ما متعوا وأنعموا في هذه الدنيا؛ في دفع عذاب الله عن أنفسهم؛ كقوله: ﴿ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ...

﴾ الآية [الأحقاف: 26] أي: وإن أعطوا ما ذكر؛ من السمع، والبصر، والأفئدة، إذا لم ينظروا ولم يتفكروا في آيات الله فجحدوها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فأخذتهم صاعقة العذاب عند دخولهم وقت الصبح.

<div class="verse-tafsir" id="91.NoEb0"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله