الآية ٢٣ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٢٣ من سورة النحل

لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ ٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال هاهنا : ( لا جرم ) أي : حقا ( أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ) أي : وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء ، ( إنه لا يحب المستكبرين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يعني تعالى ذكره بقوله: لا جرم حقا أن الله يعلم ما يسرّ هؤلاء المشركون من إنكارهم ما ذكرنا من الأنباء في هذه السورة، واعتقادهم نكير قولنا لهم: إلهكم إله واحد، واستكبارهم على الله، وما يعلنون من كفرهم بالله وفريتهم عليه ( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ) يقول: إن الله لا يحب المستكبرين عليه أن يوحدوه ويخلعوا ما دونه من الآلهة والأنداد.

كما حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: ثنا مسعر، عن رجل: أن الحسن بن عليّ كان يجلس إلى المساكين، ثم يقول ( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِين ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون أي من القول والعمل فيجازيهم .

قال الخليل : لا جرم كلمة تحقيق ولا تكون إلا جوابا ; يقال : فعلوا ذلك ; فيقال : لا جرم سيندمون .

أي حقا أن لهم النار .

وقد مضى القول في هذا في " هود " مستوفىإنه لا يحب المستكبرين أي لا يثيبهم ولا يثني عليهم .

وعن الحسين بن علي أنه مر بمساكين قد قدموا كسرا بينهم وهم يأكلون فقالوا : الغذاء يا أبا عبد الله ، فنزل وجلس معهم وقال : إنه لا يحب المستكبرين فلما فرغ قال : قد أجبتكم فأجيبوني ; فقاموا معه إلى منزله فأطعمهم وسقاهم وأعطاهم وانصرفوا .

قال العلماء .

وكل ذنب يمكن التستر منه وإخفاؤه إلا الكبر ; فإنه فسق يلزمه الإعلان ، وهو أصل العصيان كله .

وفي [ ص: 87 ] الحديث الصحيح إن المستكبرين يحشرون أمثال الذر يوم القيامة يطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم .

أو كما قال - صلى الله عليه وسلم - : تصغر لهم أجسامهم في المحشر حتى يضرهم صغرها وتعظم لهم في النار حتى يضرهم عظمها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ لَا جَرَمَ } أي: حقا لا بد { أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } من الأعمال القبيحة { إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ } بل يبغضهم أشد البغض، وسيجازيهم من جنس عملهم { إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لا جرم ) حقا ( أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين ) أخبرنا أبو سعيد بكر بن محمد بن محمد بن محمي البسطامي ، أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سختويه ، أخبرنا أبو الفضل سفيان بن محمد الجوهري ، حدثنا علي بن الحسن بن أبي عيسى الهلالي حدثنا يحيى بن حماد ، حدثنا شعبة ، عن أبان بن تغلب ، عن فضيل الفقيمي ، عن إبراهيم النخعي ، عن علقمة بن قيس ، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان " ، فقال رجل : يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا؟

قال : " إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق وغمط الناس " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لا جرم» حقا «أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون» فيجازيهم بذلك «إنه لا يحب المستكبرين» بمعنى أنه يعاقبهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

حقًا أنَّ الله يعلم ما يخفونه مِن عقائد وأقوال وأفعال، وما يظهرونه منها، وسيجازيهم على ذلك، إنه عز وجل لا يحب المستكبرين عن عبادته والانقياد له، وسيجازيهم على ذلك.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما زيف فيما تقدم طريقة عبدة الأوثان والأصنام وبين فساد مذهبهم بالدلائل القاهرة قال: ﴿ إلهكم إله واحد ﴾ ثم ذكر تعالى ما لأجله أصر الكفار على القول بالشرك وإنكار التوحيد فقال: ﴿ فالذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ﴾ والمعنى أن الذين يؤمنون بالآخرة ويرغبون في الفوز بالثواب الدائم ويخافون الوقوع في العقاب الدائم إذا سمعوا الدلائل والترغيب والترهيب، خافوا العقاب فتأملوا وتفكروا فيما يسمعونه، فلا جرم ينتفعون بسماع الدلائل، ويرجعون من الباطل إلى الحق، أما الذين لا يؤمنون بالآخرة وينكرونها فإنهم لا يرغبون في حصول الثواب ولا يرهبون من الوقوع في العقاب فيبقون منكرين لكل كلام يخالف قولهم ويستكبرون عن الرجوع إلى قول غيرهم، فلا جرم يبقون مصرين على ما كانوا عليه من الجهل والضلال.

ثم قال تعالى: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ والمعنى أنه تعالى يعلم أن إصرارهم على هذه المذاهب الفاسدة ليس لأجل شبهة تصوروها أو إشكال تخيلوه، بل ذلك لأجل التقليد والنفرة عن الرجوع إلى الحق والشغف بنصرة مذاهب الأسلاف والتكبر والنخوة.

فلهذا قال: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين ﴾ وهذا الوعيد يتناول كل المتكبرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إلهكم إله واحد ﴾ يعني أنه قد ثبت بما تقدّم من إبطال أن تكون الإلهية لغيره، وأنها له وحده لا شريك له فيها، فكان من نتيجة ثبات الوحدانية ووضوح دليلها: استمرارهم على شركهم، وأنّ قلوبهم منكرة للوحدانية، وهم مستكبرون عنها وعن الإقرار بها ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ حقاً ﴿ أَنَّ الله يَعْلَمُ ﴾ سرّهم وعلانيتهم فيجازيهم، وهو وعيد ﴿ أَنَّهُ لا يُجِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾ يجوز أن يريد المستكبرين عن التوحيد يعني المشركين.

ويجوز أن يعمّ كل مستكبر.

ويدخل هؤلاء تحت عمومه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمُدَّعى بَعْدَ إقامَةِ الحُجَجِ.

﴿ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ .

بَيانٌ لِما اقْتَضى إصْرارَهم بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ وذَلِكَ عَدَمُ إيمانِهِمْ بِالآخِرَةِ، فَإنَّ المُؤْمِنَ بِها يَكُونُ طالِبًا لِلدَّلائِلِ مُتَأمِّلًا فِيما يَسْمَعُ فَيَنْتَفِعُ بِهِ، والكافِرُ بِها يَكُونُ حالُهُ بِالعَكْسِ وإنْكارُ قُلُوبِهِمْ ما لا يُعْرَفُ إلّا بِالبُرْهانِ اتِّباعًا لِلْأسْلافِ ورُكُونًا إلى المَأْلُوفِ، فَإنَّهُ يُنافِي النَّظَرَ والِاسْتِكْبارَ عَنِ اتِّباعِ الرَّسُولِ وتَصْدِيقِهِ والِالتِفاتَ إلى قَوْلِهِ، والأوَّلُ هو العُمْدَةُ في البابِ ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ ثُبُوتَ الآخَرِينَ.

﴿ لا جَرَمَ ﴾ حَقًّا.

﴿ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ﴾ فَيُجازِيهِمْ، وهو في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِـ ﴿ جَرَمَ ﴾ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ أوْ فِعْلٌ.

﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ ﴾ فَضْلًا عَنِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عَنْ تَوْحِيدِهِ أوِ اتِّباعِ الرَّسُولِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لاَ جَرَمَ} حقا {أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} أي سرهم وعلانيتهم فيجازيهم وهو وعيد {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين} عن التوحيد يعني المشركين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا جَرَمَ ﴾ أيْ حَقٌّ أوْ حَقًّا ﴿ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ ﴾ مِنَ الإنْكارِ ﴿ وما يُعْلِنُونَ ﴾ مِنَ الاسْتِكْبارِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ والنَّقّاشُ: المُرادُ هُنا بِما يُسِرُّونَ تَشاوُرُهم في دارِ النَّدْوَةِ في قَتْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو كَما تَرى، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ مِنَ العِلْمِ بِذَلِكَ الوَعِيدُ بِالجَزاءِ عَلَيْهِ، وأنَّ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَرْفُوعٍ - بِلا جَرَمَ- بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، والجُمْهُورُ مِن أنَّها اسْمٌ مُرَكَّبٌ مَعَ لا تَرْكِيبَ خَمْسَةَ عَشَرَ وبَعْدَ التَّرْكِيبِ صارَ مَعْناها مَعْنى فَعَلَ وهو حَقٌّ فَهي مُؤَوَّلَةٌ بِفَعَلَ.

وأبُو البَقاءِ يُؤَوِّلُها بِمَصْدَرٍ قائِمٍ مَقامَهُ وهو حَقًّا، وقِيلَ: مَرْفُوعٌ- بِجَرَمَ- نَفْسِها عَلى أنَّها فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى ثَبَتَ ووَجَبَ و(لا) نافِيَةٌ لِكَلامٍ مُقَدَّرٍ تَكَلَّمَ بِهِ الكَفَرَةُ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( لا أُقْسِمُ ) [القِيامَةِ: 1، البَلَدِ: 1] عَلى وجْهٍ.

وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ - لِجَرَمَ- عَلى أنَّها فِعْلٌ أيْضًا لَكِنْ بِمَعْنى كَسَبَ وفاعِلُها مُسْتَتِرٌ يَعُودُ إلى ما فُهِمَ مِنَ السِّياقِ ولا كَما في القَوْلِ السّابِقِ، وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ (لا) حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ الجَرِّ (وجَرَمَ) اسْمُها، والمَعْنى لا صَدَأ ولا مَنعَ في أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ إلَخْ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ.

وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ «إنَّ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والقَطْعِ مِمّا قَبْلَهُ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قَدْ يُغْنِي (لا جَرَمَ) عَنِ القَسَمِ تَقُولُ: لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ وحِينَئِذٍ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ جَوابَ القَسَمِ ﴿ إنَّهُ ﴾ جَلَّ جَلالُهُ ﴿ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ ﴾ أيْ مُطْلَقًا ويَدْخُلُ فِيهِ مَنِ اسْتَكْبَرَ عَنِ التَّوْحِيدِ أوْ عَنِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ أُولَئِكَ المُسْتَكْبِرُونَ والأوَّلُ أوْلى، وأيًّا ما كانَ فالِاسْتِفْعالُ لَيْسَ لِلطَّلَبِ مِثْلَهُ فِيما تَقَدَّمَ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ عامًّا مَعَ حَمْلِ الِاسْتِفْعالِ عَلى ظاهِرِهِ مِنَ الطَّلَبِ أيْ لا يُحِبُّ مَن طَلَبَ الكِبْرَ فَضْلًا عَمَّنِ اتَّصَفَ بِهِ، وقَدْ فَرَّقَ الرّاغِبُ بَيْنَ الكِبْرِ والتَّكَبُّرِ والِاسْتِكْبارِ بَعْدَ القَوْلِ بِأنَّها مُتَقارِبَةٌ، والحَقُّ أنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ بَعْضُها مَوْضِعَ بَعْضٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرُ ذَلِكَ آنِفًا وأظُنُّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ الوَعِيدِ، والمُرادُ مِن نَفْيِ الحُبِّ البُغْضُ وهو عِنْدُ البَعْضِ مُؤَوَّلٌ بِنَحْوِ الِانْتِقامِ والتَّعْذِيبِ، والأخْبارُ النّاطِقَةُ بِسُوءِ حالِ المُتَكَبِّرِ يَوْمَ القِيامَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها أي: لا تطيقوا إحصاءها، فكيف تقدرون على أداء شكرها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تاب ورجع.

وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ في قلوبكم وَما تُعْلِنُونَ بالقول.

ويقال: ما تخفون من أعمالكم وَما تُعْلِنُونَ أي: تظهرون منها، فالسر والعلانية عنده سواء.

ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: يعبدون من دون الله من الأوثان لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً أي: لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أي: ينحتون من الأحجار والخشب وغيره.

أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ قال الكلبي: يعني: أن الأصنام أموات ليس فيها روح وَما يَشْعُرُونَ يعني: الأصنام أَيَّانَ يُبْعَثُونَ أي: متى يحيون فيحاسبون.

ويقال أَمْواتٌ يعني: أن الكفار غير أحياء.

يعني: كأنهم أموات لا يعقلون شيئاً وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ يعني: أن الكفار لا يعلمون متى يبعثون.

وأَيَّانَ كلمة اختصار أصله: أي أوان فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني: الذين لا يصدقون بالبعث قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ للتوحيد، ويقال: قلوبهم خبيثة لا تدخل المعرفة فيها وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ أي متعظمون عن الإيمان.

ثم قال تعالى لاَ جَرَمَ أي: حقاً وذكر عن الفراء أنه قال لاَ جَرَمَ بمنزلة لا بد ولا محالة، ثم كثرت في الكلام، حتى صارت بمنزلة حقاً أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ أي: ما يكتمون وما يظهرون من الكفر والمكر في أمر محمد  إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ أي: المتعظمين عن الإيمان.

ويقال: لا يحب المتكبرين الذين يتكبرون على الناس.

قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل.

قال: حدثنا محمد بن جعفر.

قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف.

قال: حدثنا الفضل بن دكين، عن مسعر بن كدام، عن أبي مصعب، عن أبيه، عن أبي بن كعب قال: «سيأتي المتكبرون يوم القيامة كأمثال الذر في صور الرجال يغشاهم، أو يأتيهم الذل من كل مكان» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ويحتملُ تهتدُونَ بالنَّظَر في دَلاَلة هذه المَصْنُوعات علَى صَانِعِها.

/ وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ: قال ابن عبَّاسٍ: العلامَاتُ: معالمُ الطُّرُق بالنهار، والنجومُ: هدايةُ «١» الليل، وهذا قولٌ حَسَن فإِنه عمومٌ بالمعنَى، واللفظةُ عامَّة وذلك أَنَّ كُلَّ مَا دَلَّ على شيْءٍ وأعلَمَ به، فهو علامةٌ، والنجم هنا: اسم جنس، وهذا هو الصّواب.

وقوله سبحانه: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها ...

الآية: وبحسب العَجْز عن عدِّ نعم اللَّه تعالى يلزمُ أنْ يكون الشاكرُ لها مقصِّراً عن بعْضها فلذلك قال عزَّ وجلَّ:

لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، أي: عن تقصيركُمْ في الشكْر عن جميعها نحا هذا المنحَى الطبريُّ ويَرِدُ عليه أن نعمةَ اللَّهِ في قولِ العبدِ: «الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ» ، مع شرطها من النيَّة والطاعةِ يوازي جميعَ النِّعَمَ، ولكنْ أين قولها بشُرُوطها، والمخاطَبةُ بقوله: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها.

عامَّةٌ لجميع الناس.

وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي:

تدعونهم آلهةً، وأَمْواتٌ: يراد به الذين يَدْعُونَ مِنْ دونِ اللَّهِ، ورفع أَمْواتٌ على أنه خبر مبتدإٍ مضمرٍ، تقديره: هم أمواتٌ، وقوله: غَيْرُ أَحْياءٍ: أي: لم يقبلوا حياةً قطُّ، ولا اتصفوا بها، وقوله سبحانه: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ: أي: وما يشعر الكُفَّار متَى يبعثون إِلى التعذيب.

وقوله سبحانه: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ أي:

مُنْكِرَةٌ اتحاد الإله.

ت: وهذا كما حَكَى عنهم سبحانه في قولهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: ٥] .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٦٣) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ والجَزاءِ " قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ " أيْ: جاحِدَةٌ لا تَعْرِفُ التَّوْحِيدَ ﴿ وَهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ أيْ: مُمْتَنِعُونَ مِن قَبُولِ الحَقِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا جَرَمَ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في (هُودٍ:٢٢)، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُجازِيهِمْ بِسِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ، لِأنَّهُ يَعْلَمُهُ.

والمُسْتَكْبِرُونَ: المُتَكَبِّرُونَ عَنِ التَّوْحِيدِ والإيمانِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ ما يُسِرُّونَ ﴾ حِينَ بَعَثُوا في كُلِّ طَرِيقٍ مَن يَصُدُّ النّاسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ﴿ وَما يُعْلِنُونَ ﴾ حِينَ أظْهَرُوا العَداوَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي: المُسْتَكْبِرِينَ ﴿ ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ عَلى مُحَمَّدٍ  ؟

قالَ الزَّجّاجُ: " ماذا " بِمَعْنى " ما الَّذِي " .

و ﴿ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ مَرْفُوعَةٌ عَلى الجَوابِ.

كَأنَّهم قالُوا: الَّذِي أُنْزِلَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، أيِ: الَّذِي تَذْكُرُونَ أنْتُمْ أنَّهُ مُنَزَّلٌ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الأساطِيرِ في (الأنْعامِ:٢٥) .

قالَ مُقاتِلٌ: الَّذِينَ بَعَثَهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ في طُرُقِ مَكَّةَ يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، ويَقُولُ بَعْضُهم: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، ويَقُولُ بَعْضُهم: شاعِرٌ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في (الحِجْرِ:٩٠) في ذِكْرِ المُقْتَسِمِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهُمْ ﴾ هَذِهِ لامُ العاقِبَةِ، وقَدْ شَرَحْناها في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والأوْزارُ: الآثامُ، وإنَّما قالَ: كامِلَةً، لِأنَّهُ لَمْ يُكَفَّرْ مِنها شَيْءٌ بِما يُصِيبُهم مِن نَكْبَةٍ، أوْ بَلِيَّةٍ، كَما يُكَفَّرُ عَنِ المُؤْمِنِ، " ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ " أيْ: أنَّهم أضَلُّوهم بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وإنَّما حَمَلُوا مِن أوْزارِ الأتْباعِ، لِأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ يُقْتَدى بِهِمْ في الضَّلالَةِ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في " مِن " وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، فَهم يَحْمِلُونَ ما شَرِكُوهم فِيهِ، فَأمّا ما رَكِبَهُ أُولَئِكَ بِاخْتِيارِهِمْ مِن غَيْرِ تَزْيِينِ هَؤُلاءِ، فَلا يَحْمِلُونَهُ، فَيَصِحُّ مَعْنى التَّبْعِيضِ.

والثّانِي: أنَّ " مِن " مُؤَكِّدَةٌ، والمَعْنى: وأوْزارَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم.

﴿ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ أيْ: بِئْسَ ما حَمَلُوا عَلى ظُهُورِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِهِ: النَّمْرُودَ بْنَ كَنْعانَ، وذَلِكَ أنَّهُ بَنى صَرْحًا طَوِيلًا.

واخْتَلَفُوا في طُولِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَمْسَةُ آلافِ ذِراعٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ طُولُهُ فَرْسَخَيْنِ، قالُوا: ورامَ أنْ يَصْعَدَ إلى السَّماءِ لِيُقاتِلَ أهْلَها بِزَعْمِهِ.

ومَعْنى " المَكْرِ " هاهُنا: التَّدْبِيرُ الفاسِدُ.

وَفِي الهاءِ والمِيمِ مِن " قَبْلِهِمْ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلْمُقْتَسِمِينَ عَلى عِقابِ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: لِكُفّارِ مَكَّةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ ﴾ أيْ: مِنَ الأساسِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: أرْسَلَ اللَّهُ رِيحًا فَألْقَتْ رَأْسَ الصَّرْحِ في البَحْرِ، وخَرَّ عَلَيْهِمُ الباقِي.

قالَ السُّدِّيُّ: لَمّا سَقَطَ الصَّرْحُ، تَبَلْبَلَتْ ألْسُنُ النّاسِ مِنَ الفَزَعِ، فَتَكَلَّمُوا بِثَلاثَةٍ وسَبْعِينَ لِسانًا، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ " بابِلَ "، وإنَّما كانَ لِسانُ النّاسِ قَبْلَ ذَلِكَ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، لِأنَّ التَّبَلْبُلَ يُوجِبُ الِاخْتِلاطَ والتَّكَلُّمَ بِشَيْءٍ غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ، فَأمّا أنْ يُوجِبَ إحْداثَ لُغَةٍ مَضْبُوطَةِ الحَواشِي، فَباطِلٌ، وإنَّما اللُّغاتُ تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الماكِرُ واحِدًا، فَكَيْفَ قالَ: " الَّذِينَ " ولَمْ يَقُلِ: " الَّذِي " ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ الماكِرُ مَلِكًا لَهُ أتْباعٌ، فَأُدْخِلُوا مَعَهُ في الوَصْفِ.

والثّانِي: أنَّ العَرَبَ تُوقِعُ الجَمْعَ عَلى الواحِدِ، فَيَقُولُ قائِلُهم: خَرَجْتُ إلى البَصْرَةِ عَلى البِغالِ، وإنَّما خَرَجَ عَلى بَغْلٍ واحِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ " الَّذِينَ " غَيْرُ مُوقَعٍ عَلى واحِدٍ مُعَيَّنٍ، لَكِنَّهُ يُرادُ بِهِ: قَدْ مَكَرَ الجَبّارُونَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَكانَ عاقِبَةَ مَكْرِهِمْ رُجُوعُ البَلاءِ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ هَذِهِ الأجْوِبَةَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ: وذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ: أنَّهُ إنَّما قالَ: " مِن فَوْقِهِمْ "، لِيُنَبَّهَ عَلى أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ، إذْ لَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، لاحْتَمَلَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا تَحْتَهُ، لَأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: سَقَطَ عَلَيْنا البَيْتُ، وخَرَّ عَلَيْنا الحانُوتُ، وتَداعَتْ عَلَيْنا الدّارُ، ولَيْسُوا تَحْتَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ أيْ: مِن حَيْثُ ظَنُّوا أنَّهم آمِنُونَ فِيهِ.

قالَ السُّدِّيُّ: أُخِذُوا مِن مَأْمَنِهِمْ.

ورَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَّ عَلَيْهِمْ عَذابٌ مِنَ السَّماءِ.

وعامَّةُ المُفَسِّرِينَ عَلى ما حَكَيْناهُ مِن أنَّهُ بُنْيانٌ سَقَطَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا مَثَلٌ، والمَعْنى: أهْلَكَهُمُ اللَّهُ، كَما هَلَكَ مَن هُدِمَ مَسْكَنُهُ مِن أسْفَلِهِ، فَخَرَّ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ﴾ أيْ: يُذِلُّهم بِالعَذابِ.

﴿ وَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " شُرَكائِيَ الَّذِينَ " بِهَمْزَةٍ وفَتْحِ الياءِ، وقالَ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: " شُرَكايَ " مِثْلَ " هُدايَ "، والمَعْنى: أيْنَ شُرَكائِي عَلى زَعْمِكم ؟

هَلّا دَفَعُوا عَنْكم !

.

﴿ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أيْ: تُخالِفُونَ المُسْلِمِينَ فَتَعْبُدُونَهم وهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وقَرَأ نافِعٌ: " تُشاقُّونِ " بِكَسْرِ النُّونِ، أرادَ: تُشاقُّونَنِي، فَحَذَفَ النُّونَ الثّانِيَةَ، وأبْقى الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلَيْها، والمَعْنى: كُنْتُمْ تُنازِعُونَنِي فِيهِمْ، وتُخالِفُونَ أمْرِي لِأجْلِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ.

فَأمّا " الخِزْيُ " فَقَدْ شَرَحْناهُ في مَواضِعَ [آلِ عِمْرانَ:١٩٢] و " السُّوءُ " هاهُنا: العَذابُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ ﴿ لا جَرَمَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ لِيَحْمِلُوا أوزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ وصْفُ الأصْنامِ جاءَ الخَبَرُ الحَقُّ بِالوَحْدانِيَّةِ، وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الناسِ مُعْلِمَةً بِأنَّ اللهَ تَعالى مُتَّحِدٌ وِحْدانِيَّةً تامَّةً، لا يَحْتاجُ لِكَمالِها إلى مُضافٍ إلَيْها، ثُمَّ أخْبَرَ عن إنْكارِ قُلُوبِ الكافِرِينَ، وأنَّهم يَعْتَقِدُونَ إلَهِيَّةَ أشْياءَ أُخَرَ، ويَسْتَكْبِرُونَ عن رَفْضِ مُعْتَقَدِهِمْ فِيها واطِّراحِ طَرِيقَةِ آبائِهِمْ في عِبادَتِها، ووَسَمَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، إذْ هي أقْوى رُتَبِ الكُفْرِ، أعْنِي الجَمْعَ بَيْنَ التَكْذِيبِ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى وبِالبَعْثِ، لِأنَّ كُلَّ صِدْقٍ بِالبَعْثِ فَمُحالٌ أنْ يُكَذِّبَ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا جَرَمَ ﴾ عَبَّرَتْ فِرْقَةٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ عن مَعْناها بِـ "لا بُدَّ، ولا مَحالَةَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناها: "حَقٌّ أنَّ اللهَ"، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "لا" نَفْيٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ، و"جَرَمَ" مَعْناهُ: وجَبَ أو حَقَّ، ونَحْوَ هَذا مِن مَذْهَبِ الزَجاجِ، ولَكِنْ مَعَ مَذْهَبِهِما "لا" مُلازِمَةٌ لِـ "جَرَمَ"، لا تَنْفَكُّ هَذِهِ مِن هَذِهِ، وفي جَرَمَ لُغاتٌ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَها في سُورَةِ هُودٍ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَرَمَتْ فَزارَةُ وَقالَ: مَعْناها: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ وأوجَبَتْ أنْ يَغْضَبُوا.

و"أنَّ" عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فاعِلَةِ بِـ "جَرَمَ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنَّ" مَفْتُوحَةً، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "إنَّ" بِكَسْرِ الألْفِ عَلى القَطْعِ، قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، والنَقاشُ: المُرادُ هُنا بِـ "ما يُسِرُّونَ" تَشاوُرُهم في دارِ النَدْوَةِ في قَتْلِ النَبِيِّ  ، وقَوْلُهُ: "إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ" عامُّ في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، يَأْخُذُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهم بِقِسْطِهِ، وفي الحَدِيثِ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ وفي قَلْبِهِ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن كِبَرٍ"،» وفِيهِ "إنَّ الكِبْرَ مَنعُ الحَقِّ وغَمْطُ الناسِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ أنَّهُ كانَ يَجْلِسُ مَعَ المَساكِينِ ويُحَدِّثُهم ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ ﴾ ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّهُ « "مَن سَجَدَ لِلَّهِ سَجْدَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ فَقَدَ بَرِئَ مِنَ الكِبْرِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ الآيَةُ.

الضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِكُفّارِ مَكَّةَ، ويُقالُ: إنَّ سَبَبَ الآيَةِ كانَ أنَّ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ سافَرَ عن مَكَّةَ إلى الحَيْرَةِ وغَيْرِها، فَجاءَ إلى مَكَّةَ وكانَ قَدِ اتَّخَذَ كُتُبَ التارِيخِ "كَلَيْلَةُ ودِمْنَةُ"، وأخْبارُ إسْفِنْدِيارَ ورُسْتَمَ"، فَكانَ يَقُولُ: إنَّما يُحَدِّثُ مُحَمَّدٌ بِأساطِيرَ الأوَّلِينَ، وحَدِيثِي أجْمَلُ مِن حَدِيثِهِ.

وقَوْلُهُ: "ماذا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا و"ذا" بِمَعْنى: الَّذِي، وفي "أنْزَلَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما" و"ذا" اسْمًا واحِدًا مُرَكَّبًا، كَأنَّهُ قالَ: أيُّ شَيْءٍ؟

وقَوْلُهُمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" لَيْسَ بِجَوابٍ عَلى السُؤالِ الأوَّلِ، لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا أنَّهُ نَزَّلَ شَيْءٌ، ولا أنْ تَمَّ مَنزِلًا، ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَءُوا الخَبَرَ بِأنَّ هَذِهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وإنَّما الجَوابُ عَنِ السُؤالِ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ في الآيَةِ المُسْتَقْبِلَةِ: خَيْرًا، وقَوْلُهُمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" إنَّما هو جَوابٌ بِالمَعْنى.

فَأمّا عَلى السُؤالِ وبِحَسَبِهِ فَلا.

واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَحْمِلُوا" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ العاقِبَةِ، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" أنْ يَحَمِلُوا الأوزارَ، ويُحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ صَرِيحَ لامِ كَيْ عَلى مَعْنى: قَدَّرَ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الأمْرِ عَلى مَعْنى الحَتْمِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ والصِغارُ المُوجِبُ لَهم.

و"الأوزارُ: الأثْقالُ، وقَوْلُهُ: "وَمِن" لِلتَّبْعِيضِ، وذَلِكَ أنَّ هَذا الرَأْسَ المُضِلَّ يَحْمِلُ وزَرَ نَفْسِهِ كامِلًا، ويَحْمِلُ وِزْرًا مِن أوزارِ كُلِّ مُضِلٍّ بِسَبَبِهِ، ولا تَنْقُصُ أوزارُ أُولَئِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِها المُضِلَّ، أيْ: أضَلَّ بِغَيْرِ بُرْهانٍ قامَ عِنْدَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ المُقَلِّدِينَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم.

ثُمَّ اسْتَفْتَحَ اللهَ تَعالى الإخْبارَ عن سُوءِ ما يَتَحَمَّلُونَهُ لِلْآخِرَةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثًا نَصُّهُ: « "أيَّما داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ فاتَّبَعَ فَإنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ أوزارِ مَنِ اتَّبَعَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوزارِهِمْ شَيْءٌ، وأيَّما داعٍ دَعا إلى الهُدى فاتَّبَعَ فَلَهُ مَثَلُ أُجُورِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُنْقَصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ"،» و"ساءَ" فِعْلٌ مُسْنَدٌ إلى "ما"، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ هُنا إلى صِلَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف نتيجةً لحاصل المحاجّة الماضية، أي قد ثبت بما تقدّم إبطال إلهية غير الله، فثبت أن لكم إلهاً واحداً لا شريك له، ولكون ما مضى كافياً في إبطال إنكارهم الوحدانية عُرّيت الجملة عن المؤكّد تنزيلاً لحال المشركين بعدما سمعوا من الأدلّة منزلة من لا يظن به أنه يتردّد في ذلك بخلاف قوله تعالى: ﴿ إن إلهكم إله واحد ﴾ في سورة البقرة (163) خطاب لأهل الكتاب.

وتفرّع عليه الإخبار بجملة فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة}، وهو تفريع الأخبار عن الأخبار، أي يتفرّع على هذه القضية القاطعة بما تقدّم من الدّلائل أنكم قلوبكم منكرة وأنتم مستكبرون وأن ذلك ناشئ عن عدم إيمانكم بالآخرة.

والتعبير عن المشركين بالموصول وصلته «الذين لا يؤمنون بالآخرة» لأنهم قد عُرفوا بمضمون الصّلة واشتهروا بها اشتهارَ لمز وتنقيص عند المؤمنين، كقوله: ﴿ وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ﴾ [سورة الفرقان: 21]، وللإيماء إلى أن لهذه الصّلة ارتباطاً باستمرارهم على العناد، لأن انتفاء إيمانهم بالبعث والحساب قد جرّأهم على نبذ دعوة الإسلام ظهرياً فلم يتوقعوا مؤاخذة على نبذها، على تقدير أنها حقّ فينظروا في دلائل أحقّيتها مع أنهم يؤمنون بالله ولكنّهم لا يؤمنون بأنه أعدّ للناس يوم جزاء على أعمالهم.

ومعنى قلوبهم منكرة } جاحدة بما هو واقع.

استعمل الإنكار في جحد الأمر الواقع لأنه ضدّ الإقرار.

فحذف متعلق ﴿ منكرة ﴾ لدلالة المقام عليه، أي منكرة للوحدانية.

وعبر بالجملة الاسمية ﴿ قلوبهم منكرة ﴾ للدلالة على أن الإنكار ثابت لهم دائم لاستمرارهم على الإنكار بعد ما تبين من الأدلّة.

وذلك يفيد أن الإنكار صار لهم سجيّة وتمكّن من نفوسهم لأنهم ضروا به من حيث إنهم لا يؤمنون بالآخرة فاعتادوا عدم التبصّر في العواقب.

وكذلك جملة ﴿ وهم مستكبرون ﴾ بنيت على الاسمية للدّلالة على تمكّن الاستكبار منهم.

وقد خولف ذلك في آية سورة الفرقان (21) ﴿ لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً ﴾ لأن تلك الآية لم تتقدّمها دلائل على الوحدانية مثل الدلائل المذكورة في هذه الآية.

وجملة لا جرم أن الله يعلم} معترضة بين الجملتين المتعاطفتين.

والجَرم بالتحريك: أصلهُ البُدُّ.

وكثر في الاستعمال حتى صار بمعنى حَقّاً.

وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ في سورة هود (22).

وقوله: ﴿ أن الله يعلم ﴾ في موضع جرّ بحرف جرّ محذوف متعلق ب ﴿ جَرَم ﴾ .

وخبر ﴿ لا ﴾ النافية محذوف لظهوره، إذ التقدير: لا جرم موجودٌ.

وحذْف الخبر في مثله كثير.

والتقدير: لا جرم في أن الله يعلم أو لا جرم من أنه يعلم، أي لا بدّ من أنه يعلم، أي لا بدّ من علمه، أي لا شكّ في ذلك.

وجملة ﴿ أن الله يعلم ﴾ خبر مستعمل كناية عن الوعيد بالمؤاخذة بما يخفون وما يظهرون من الإنكار والاستكبار وغيرهما بالمُؤاخذة بما يخفون وما يظهرون من الإنكار والاستكبار وغيرهما مؤاخذةَ عقاب وانتقام، فلذلك عقب بجملة ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ الواقعةِ موقع التعليل والتذييل لها، لأن الذي لا يحب فعلاً وهو قادرٌ يجازي فاعله بالسّوء.

والتعريف في ﴿ المستكبرين ﴾ للاستغراق، لأن شأن التذييل العموم.

ويشمل هؤلاء المتحدّث عنهم فيكون إثبات العقاب لهم كإثبات الشيء بدليله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ يَعْنِي: وإذا قِيلَ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ وقُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ بِالبَعْثِ.

﴿ ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ القائِلُ ذَلِكَ لَهم وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ بَعْضٍ لِبَعْضٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ ماذا نُسِبَ إلى إنْزالِ رَبِّكم؛ لِأنَّهم مُنْكِرُونَ لِنُزُولِهِ مِن رَبِّهِمْ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ لَهُمْ، اخْتِبارًا لَهم، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَحْمُولًا عَلى حَقِيقَةِ نُزُولِهِ مِنهُ.

﴿ قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ وهَذا جَوابُهم عَمّا سُئِلُوا عَنْهُ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أيْ أحادِيثُ الأوَّلِينَ اسْتِرْذالًا لَهُ واسْتِهْزاءً بِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ مِثْلُ ما جاءَ بِهِ الأوَّلُونَ، تَكْذِيبًا لَهُ ولِجَمِيعِ الرُّسُلِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهُمْ ﴾ أيْ أثْقالَ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ.

﴿ كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لَمْ تَسْقُطْ بِالتَّوْبَةِ.

الثّانِي: أنَّها لَمْ تُخَفَّفْ بِالمَصائِبِ.

﴿ وَمِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ قَدِ اقْتَرَنَ بِما حَمَلُوهُ مِن أوْزارِهِمْ ما يَتَحَمَّلُونَهُ مِن أوْزارِ مَن أضَلُّوهم.

وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المُضِلَّ يَتَحَمَّلُ أوْزارَ الضّالِّ بِإغْوائِهِ.

الثّانِي: أنَّ الضّالَّ يَتَحَمَّلُ أوْزارَ المُضِلِّ بِنُصْرَتِهِ وطاعَتِهِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِغَيْرِ عِلْمِ المُضِلِّ بِما دَعا إلَيْهِ.

الثّانِي: بِغَيْرِ عِلْمِ الضّالِّ بِما أجابَ إلَيْهِ.

وَيَحْتَمِلُ المُرادُ بِالعِلْمِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهم يَتَحَمَّلُونَ سُوءَ أوْزارِهِمْ لِأنَّهُ تَقْلِيدٌ بِغَيْرِ اسْتِدْلالٍ ولا شُبْهَةٍ.

الثّانِي: أرادَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ بِما تَحَمَّلُوهُ مِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم.

﴿ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهم يَتَحَمَّلُونَ سُوءَ أوْزارِهِمْ.

الثّانِي: مَعْناهُ أنَّهُ يَسُوءُهم ما تَحَمَّلُوهُ مِن أوْزارِهِمْ.

فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مُعَجَّلًا في الدُّنْيا، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ مُؤَجَّلًا في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن عبد حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق قتادة، عن الحسن عن قيس بن عباد قال: إن الله لما خلق الأرض جَعَلتْ تَمور، فقالت الملائكة ما هذه بمُقِرَّة على ظهرها أحداً، فأصبحت صبحاً، وفيها رواسيها، فلم يدروا من أين خلقت، فقالوا ربنا هل من خلقك شيء أشد من هذا؟

قال: نعم، الحديد، فقالوا: هل من خلقك شيء أشد من الحديد؟

قال: نعم، النار.

قالوا: ربنا، هل من خلقك شيء أشد من النار؟

قال: نعم!

الماء.

قالوا: ربنا، هل من خلقك شيء هو أشد من الماء؟

قال: نعم الريح.

قالوا: ربنا، هل من خلقك شيء هو أشد من الريح؟

قال: نعم الرجل.

قالوا: ربنا، هل من خلقك شيء هو أشد من الرجل؟

قال: نعم المرأة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ رواسي ﴾ قال: الجبال ﴿ أن تميد بكم ﴾ قال: أثبتها بالجبال، ولولا ذلك ما أقرت عليها خلقاً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ رواسي أن تميد بكم ﴾ قال: حتى لا تميد بكم.

كانوا على الأرض تمور بهم لا يستقر بها، فأصبحوا صبحاً، وقد جعل الله الجبال، وهي الرواسي أوتاداً في الأرض.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ أن تميد بكم ﴾ قال: أن تكفأ بكم، وفي قوله وأنهاراً قال بكل بلدة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ وسبلاً ﴾ قال: السبل هي الطرق بين الجبال.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخطيب في كتاب النجوم، عن قتادة في قوله: ﴿ وسبلاً ﴾ قال: طرقاً ﴿ وعلامات ﴾ قال: هي النجوم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ وعلامات ﴾ قال: أنهار الجبال.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن الكلبي في قوله: ﴿ وعلامات ﴾ قال: الجبال.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعلامات ﴾ يعني معالم الطرق بالنهار ﴿ وبالنجم هم يهتدون ﴾ يعني بالليل.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن إبراهيم ﴿ وعلامات ﴾ قال: هي الاعلام التي في السماء ﴿ وبالنجم هم يهتدون ﴾ قال: يهتدون به في البحر في أسفارهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ وعلامات وبالنجم هم يهتدون ﴾ قال منها ما يكون علامة، ومنها ما يهتدى به.

وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد أنه كان لا يرى بأساً أن يتعلم الرجل منازل القمر.

وأخرج ابن المنذر، عن إبراهيم، أنه كان لا يرى بأساً أن يتعلم الرجل من النجوم ما يهتدي به.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ قال: الله هو الخالق الرازق، وهذه الأوثان التي تعبد من دون الله تُخْلَقُ ولا تخلقُ شيئاً، ولا تملك لأهلها ضراً ولا نفعاً.

قال الله: ﴿ أفلا تذكرون ﴾ وفي قوله: ﴿ والذين يدعون من دون الله ﴾ الآية.

قال: هذه الأوثان التي تعبد من دون الله أموات لا أرواح فيها، ولا تملك لأهلها خيراً ولا نفعاً ﴿ إلهكم إله واحد ﴾ قال: الله إلهنا ومولانا وخالقنا ورازقنا ولا نعبد ولا ندعو غيره.

﴿ الذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ﴾ يقول منكرة لهذا الحديث ﴿ وهم مستكبرون ﴾ قال مستكبرون عنه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا جرم ﴾ يقول بلى.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك في قوله: ﴿ لا جرم ﴾ يعني الحق.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ لا جرم ﴾ قال لا كذب.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ قال: هذا قضاء الله الذي قضى ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ وذكر لنا، «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، إنه ليعجبني الجمال، حتى أود أن علاقة سوطي، وقبالة نعلي حسن، فهل ترهب عليّ الكبر؟

فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: كيف تجد قلبك؟

قال: أجده عارفاً للحق مطمئناً إليه.

قال: فليس ذاك بالكبر، ولكن الكبر أن تبطر الحق وتغمص الناس، فلا ترى أحداً أفضل منك، وتغمص الحق، فتجاوزه إلى غيره» .

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وعبد بن حميد وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسين بن علي، أنه كان يجلس إلى المساكين ثم يقول: ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن علي قال: ثلاث من فعلهن لم يكتب مستكبراً: من ركب الحمار ولم يستنكف، ومن اعتقل الشاة واحتلبها، وأوسع للمسكين وأحسن مجالسته.

وأخرج مسلم والبيهقي في الشعب، عن عياض بن حمار المجاشعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في خطبته «إن الله أوحى إليّ، أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد» .

وأخرج البيهقي، عن عمر بن الخطاب رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله: «من تواضع لي هكذا- وأشار بباطن كفه إلى الأرض وأدناه من الأرض- رفعته هكذا- وأشار بباطن كفه إلى السماء- ورفعها نحو السماء» .

وأخرج الخطيب والبيهقي، عن عمر أنه قال على المنبر: يا أيها الناس تواضعوا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من تواضع لله رفعه الله وقال: انتعش رفعك الله، فهو في نفسه صغير، وفي أعين الناس عظيم، ومن تكبر، وضعه الله، وقال: اخسأ خفضك الله، فهو في أعين الناس صغير، وفي نفسه كبير، حتى لهو أهون عليهم من كلب أو خنزير» .

وأخرج البيهقي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من آدمي إلا وفي رأسه سلسلتان- سلسلة في السماء وسلسلة في الأرض- وإذا تواضع العبد، رفعه الملك الذي بيده السلسلة من السماء، وإذا تجبر جذبته السلسلة التي في الأرض» .

وأخرج البيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أدمي إلا وفي رأسه حكمة- الحكمة بيد ملك- فإن تواضع قيل للملك: ارفع حكمته، وإن ارتفع، قيل للملك: ضع حكمته» .

وأخرج البيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تكبر تعظماً وضعه الله، ومن تواضع لله تخشعاً رفعه الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فقال رجل: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً؟

فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر من بطر الحق وغمص الناس» .

وأخرج ابن سعد وأحمد والبيهقي، عن أبي ريحانة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل شيء من الكبر الجنة, قال قائل: يا رسول الله، إني أحب أن أتجمل بعلاقة سوطي وشسع نعلي؟

فقال: إن ذلك ليس بالكبر إن الله جميل يحب الجمال، إنما الكبر من سفه الحق، وغمص الناس بعينيه» وأخرجه البغوي في معجمه والطبراني، عن سوار بن عمرو الأنصاري قال: «قلت يا رسول الله، إني رجل حبب إلي الجمال، وأعطيت منه ما ترى، فما أحب أن يفوقني أحد في شسع افمِنَ الكبر ذاك؟

قال: لا.

قلت: فما الكبر يا رسول الله؟

قال: من سفه الحق وغمص الناس» .

وأخرج البغوي والطبراني، عن سوار بن عمرو الأنصاري قال: «سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني رجل حبب إلي الجمال، حتى إني لا أحب أحداً يفوقني بشراك، افمن الكبر ذاك؟

قال: لا.

ولكن الكبر من غمص الناس وبطر الحق» .

وأخرج ابن عساكر، عن ابن عمر، عن أبي ريحانة قال: «يا رسول الله، إني لأحب الجمال حتى في نعلي وعلاقة سوطي، أفمن الكبر ذلك؟

قال: إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده، الكبر من سفَّه الحق، وغمص الناس أعمالهم» .

وأخرج ابن عساكر، عن خريم بن فاتك أنه قال: يا رسول الله، إني لأحب الجمال، حتى إني لأحبه في شراك نعلي، وجلاد سوطي، وإن قومي يزعمون أنه من الكبر، فقال: «ليس الكبر أن يحب أحدكم الجمال، ولكن الكبر أن يسفه الحق ويغمص الناس» .

وأخرج سمويه في فوائده، والباوردي، وابن قانع، والطبراني، عن ثابت بن قيس بن شماس قال: ذكر الكبر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً، فقال رجل من القوم: والله يا رسول الله، إن ثيابي لتغسل، فيعجبني بياضها، ويعجبني علاقة سوطي، وشراك نعلي، فقال النبي:- صلى الله عليه وسلم- ليس ذاك من الكبر، إنما الكبر: أن تسفه الحق وتغمص الناس» .

وأخرج الطبراني، عن أسامة قال: أقبل رجل من بني عامر فقال: يا رسول الله، بلغنا أنك شددت في لبس الحرير والذهب، وإني لأحب الجمال، فقال رسول الله:- صلى الله عليه وسلم- «إن الله جميل يحب الجمال، إنما الكبر من جهل الحق وغمص الناس بعينيه» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني رجل حبب إليَّ الجمال، وأعطيت منه ما ترى؛ حتى ما أحب أن يفوقني أحد بشراك، أو شسع، أفمن الكبر هذا؟

قال: لا، ولكن الكبر من بطر الحق وغمص الناس» .

وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن مسعود رضي الله عنه مثله، وفيه: إن الرجل مالك الرهاوي، وقال البغي بدل الكبر.

وأخرج أحمد في الزهد، عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوصى نوح ابنه، فقال: إني موصيك بوصية وقاصرها عليك حتى لا تنسى، أوصيك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين، فأما اللتان أوصيك بهما، فإني رأيتهما يكثران الولوج على الله عز وجل، ورأيت الله تبارك وتعالى يستبشر بهما، وصالح خلقه، قل: سبحان الله وبحمده، فإنها صلاة الخلق وبها يرزق الخلق، وقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فإن السموات والأرض لو كُنَّ حلقة لقصمتها، ولو كُنَّ في كفةٍ لرجحت بهن، وأما اللتان أنهاك عنهما، فالشرك والكبر، فقال عبد الله بن عمرو: يا رسول الله، الكبر أن يكون لي حلة حسنة ألبسها؟

قال: لا إن الله جميل يحب الجمال قال: فالكبر أن يكون لي دابة صالحة أركبها؟

قال: لا، قال: فالكبر أن يكون لي أصحاب يتبعوني وأطعمهم؟

قال: لا، قال: فأيما الكبر يا رسول الله؟

قال: أن تسفه الحق وتغمص الناس» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن عمرو قال: لا يدخل حظيرة القدس متكبر.

وأخرج عبد بن حميد، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: المتكبرون يجعلون يوم القيامة في توابيت من نار فتطبق عليهم.

وأخرج أحمد والدارمي والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن حبان والحاكم، عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من فارق الروح جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة، الكبر والدين والغلول» قال ابن الجوزي: في جامع المسانيد كذا روى لنا الكبر، وقال الدارقطني إنما هو الكنز بالنون والزاي.

وأخرج الطبراني عن السائب بن يزيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قالوا يا رسول الله هلكنا وكيف لنا أن نعلم ما في قلوبنا من دأب الكبر؟

وأين هو؟

فقال: من لبس الصوف، أو حلب الشاة، أو أكل مع من ملكت يمينه، فليس في قلبه إن شاء الله الكبر» .

وأخرج تمام في فوائده وابن عساكر، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لبس الصوف وانتعل المخصوف وركب حماره وحلب شاته وأكل معه عياله، فقد نحى الله عنه الكبر.

أنا عبد ابن عبد أجْلِس جلسة العبد وآكل أكل العبد، أني قد أوحي إلي أن تواضعوا ولا يبغ أحد على أحد، أن يد الله مبسوطة في خلقه، فمن رفع نفسه وضعه الله، ومن وضع نفسه رفعه الله، ولا يمشي امرؤ على الأرض شبراً يبتغي سلطان الله الا أكبه الله» .

وأخرج أحمد في الزهد عن يزيد بن ميسرة قال: قال عيسى عليه السلام: ما لي لا أرى فيكم أفضل العبادة؟

قالوا: وما أفضل العبادة يا روح الله؟

قال: التواضع لله.

وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي، عن عائشة رضي الله عنها قالت: إنكم لتدعون أفضل العبادة: التواضع.

وأخرج البيهقي عن يحيى بن أبي كثير قال: أفضل العمل الورقع، وخير العبادة التواضع.

وأخرج ابن ابي شيبة والبيهقي، عن ابن عمرو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، كبّه الله على وجهه في النار» .

وأخرج البيهقي عن النعمان بن بشير: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن للشيطان مصالي وفخوخاً، وإن من مصاليه وفخوخه البطر بنعم الله والفخر بعطاء الله والكبر على عباد الله واتباع الهوى في غير ذات الله تعالى» .

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أنبئكم بأهل النار؟

كل فظ غليظ مستكبر.

الا أنبئكم بأهل الجنة؟

كل ضعيف متضعف ذي طمرين، لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره» .

وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه والبيهقي، عن جبير بن مطعم قال: يقولون في التيه: وقد ركبت الحمار ولبست الشملة وحلبت الشاة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فعل هذا فليس فيه من الكبر شيء» .

وأخرج أحمد في الزهد، عن عبد الله بن شداد رفع الحديث قال: من لبس الصوف واعتقل الشاة وركب الحمار وأجاب دعوة الرجل الدون أو العبد، لم يكتب عليه من الكبر شيء.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وأبو يعلى والحاكم وصححه والبيهقي، عن عبد الله بن سلام أنه رؤي في السوق على رأسه حزمة حطب، فقيل له: أليس قد أوسع الله عليك؟

قال: بلى، ولكني أردت أن أدفع الكبر، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر» .

وأخرج البيهقي عن جابر قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل رجل، فلما رآه القوم أثنوا عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأرى على وجهه سفعة من النار.

فلما جاء وجلس قال: أنشدك بالله، أجئت وأنت ترى أنك أفضل القوم؟

قال: نعم» .

وأخرج البيهقي عن ابن المبارك، أنه سئل عن التواضع فقال: التكبر على الأغنياء.

وأخرج البيهقي عن ابن المبارك قال: من التواضع أن تضع نفسك عند من هو دونك في نعمة الدنيا، حتى تعلمه أنه ليس لك فضل عليه لدنياك، وأن ترفع نفسك عند من هو فوقك في دنياه، حتى تعلمه أنه ليس لدنياه فضل عليك.

وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: من خضع لغني ووضع له نفسه اعظاماً له وطمعاً فيما قبله، ذهب ثلثا مروءته وشطر دينه.

وأخرج أحمد في الزهد عن عون بن عبد الله قال: قال عبد الله بن مسعود: لا يبلغ عبد حقيقة الإِيمان حتى يحل بذروته، ولا يحل بذروته حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى والتواضع أحب إليه من الشرف، وحتى يكون حامده وذامّه سواء.

قال: ففسرها أصحاب عبد الله قالوا: حتى يكون الفقر في الحلال أحب إليه من الغني في الحرام.

وحتى يكون التواضع في طاعة الله أحب إليه من الشرف في معصية الله، وحتى يكون حامده وذامّه في الحق سواء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ ﴾ الآية، ذكرنا معنى لا جرم، والخلاف فيه في سورة هود عند) (١) ﴿ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ  ﴾ ، وليس يحتمل هاهنا من تلك الأقوال إلا قولًا واحدًا، وهو أن يكون بمعنى: حقًّا، وبهذا فسره ابن عباس (٢) (٣) (٤) ﴿ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ ، وتأكيد ذلك تأكيد جزائهم؛ كأنه قيل: يجازيهم بما يسرون وما يعلنون؛ لأنه يعلم ذلك.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾ ، أي: لا يثيبهم ولا يمدحهم ولا يرضى عنهم (٥) (١) في نسخة (أ) ما بين القوسين كتب على الهامش.

(٢) انظر: "تنوير المقباس" ص 284، وورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" 14/ 94، والسمرقندى 2/ 232، والثعلبي 2/ 155 ب.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 194، بنحوه.

(٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 46.

(٥) هذا من تأويلات الأشاعرة للصفات الفعلية لله تعالى، إذ صرفوا اللفظ عن ظاهره دون دليل أو حجة إلا شبهات واهية، فأولوا صفة المحبة: بالإثابة والمدح والرضى عنهم كما هنا، أو بالإحسان إليهم والتفضل بإعطاء الثواب أو إرادة الإنعام والإحسان.

أما مذهب أهل الحق: فيثبتون صفة المحبة الله تعالى إثباتًا حقيقيًا على وجه يليق بجلاله وعظمته، كما أنهم يثبتون معه لازم المحبة؛ وهي إرداته سبحانه إكرام من يحبه وإثابته، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء -  -.

انظر: "مجموع الفتاوى" 2/ 354، و"مدارج السالكين" 3/ 18، و"أقاويل الحقات في تأويل الأسماء والصفات" ص 77، و"شرح العقيدة الواسطية" للهراس ص 53.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أموات غَيْرُ أَحْيَآءٍ ﴾ أي لم تكن لهم حياة قط ولا تكون، وذلك أغرق في موتها ممن تقدّمت له حياة ثم مات، ثم يعقب موته حياة ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ الضمير في يشعرون: للأصنام وفي: يبعثون للكفار الذين عبدوهم، وقيل: إن الضميرين للكفار ﴿ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ ﴾ أي تنكر وحدانية الله عز وجل ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ أي لابد ولا شك، وقيل إن لا نفي لما تقدم، وجرم معناه وجب، أو حق، وأن فاعله بجرم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تشركون ﴾ وما بعده بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف.

والآخرون على الغيبة ﴿ تنزل ﴾ بالفتحات الثلاث ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: سهل وروح وزيد وأبو زيد مثله لكن بضم التاء الفوقانية: جبلة ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: ابن كثير وأبو عمرو ورويس: والباقون بالتشديد من التنزيل.

﴿ بشق الأنفس ﴾ بفتح الشين: يزيد.

الباقون بكسرها ﴿ ننبت ﴾ بالنون: يحيى وحماد.

الآخرون بياء الغيبة ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات ﴾ كلها مرفوعات: ابن عامر وافق حفص والمفضل ﴿ في النجوم مسخرات ﴾ الباقون: بنصب الجميع على أن ﴿ مسخرات ﴾ حال.

﴿ يسرون ويعلنون ﴾ بالياء التحتانية فيهما: الخزاز عن هبيرة.

الآخرون بتاء الخطاب ﴿ يدعون ﴾ على الغيبة: سهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الباقون على الخطاب.

الوقوف: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ خلقها ﴾ ج لاحتمال تمام الكلام واحتمال أن يكون ﴿ لكم ﴾ متعلقاً به والوقف حينئذٍ على ﴿ لكم ﴾ ﴿ تأكلون ﴾ ه ص للعطف ﴿ تسرحون ﴾ ه ص لذلك ﴿ الأنفس ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا لأن ﴿ الخيل ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ ﴿ وزينة ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ جائر ﴾ ط ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تسيمون ﴾ ه ﴿ الثمرات ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والشمس ﴾ وما بعده بالرفع ومن نصب ﴿ الشمس والقمر ﴾ ورفع ﴿ النجوم ﴾ وقف على ﴿ القمر ﴾ ومن نصب الكل وقف على ﴿ بأمره ﴾ ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ سخر ﴾ ﴿ ألوانه ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ تلبسونها ﴾ ج لأن قوله ﴿ وترى ﴾ فعل مستأنف مع اتصال المعنى.

﴿ تشكرون ﴾ ه لا ﴿ تهتدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ وعلامات ﴾ عطف على ﴿ سبلاً ﴾ ﴿ وعلامات ﴾ ط ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ لا يخلق ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وما تعلنون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه ط لأن التقدير: هم أموات ﴿ غير أحياء ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وما يشعرون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مستكبرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ المستكبرين ﴾ ه.

التفسير: هذه السورة تسمى سورة النعم أيضاً، وحكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية.

وقال الآخرون: من أولها إلى قوله: ﴿ كن فيكون ﴾ مدنية وما سواه مكي.

وعن قتادة بالعكس منه.

قال أهل النظم: إن رسول الله  كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر، وتارة بعذاب القيامة.

ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئاً من ذلك أقبلوا على تكذيبه وكانوا يستعجلون ما وعدوا به استهزاء.

وروي أنه لما نزلت ﴿ اقتربت الساعة  ﴾ قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن.

فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئاً فنزلت ﴿ اقترب للناس حسابهم  ﴾ فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزلت ﴿ أتى أمر الله ﴾ فوثب رسول الله  ورفع الناس رؤوسهم فنزلت ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فاطمأنوا.

والحاصل أن قوله: ﴿ أتى أمر الله ﴾ جواب عن شبهتهم إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع كما يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: جاءك الغوث فلا تجزع.

أو المراد أن ﴿ أمر الله ﴾ بذلك وحكمه قد وقع وأتى.

فأما المحكوم به فإنما لم يقع لأنه  حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود فلا تسعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت.

ثم إن المشركين كأنهم قالوا: هب يا محمد أنا سلمنا صحة ما تقول من أنه  حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة إلا أنا نعبد هذه الأصنام لأنها شفعاؤنا عند الله فكيف نستحق العذاب بسبب هذه العبادة؟

فأجاب الله عن هذه الشبه بقوله: {  وتعالى عما يشركون} كما مر في أول سورة يونس.

والمراد تنزيه نفسه عن الأضداد والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجساد أن يشفع عنده إلا بإذنه، أو يستعجل في حكم من أحكامه، أو قضية قبل أوانه.

ثم إنهم كأنهم قالوا سلمنا أنه  أن يقضي على طائفة باللطف وعلى الآخرين.

بالقهر ولكن كيف صرت واقفا على أسرار الله  في ملكه وملكوته دوننا، من أين حصل لك هذا الفضل علينا؟

فأزال الله  شبهتهم بقوله: ﴿ ينزل الملائكة ﴾ الآية.

والمراد أن له بحكم المالكية أن يختص بعض عبيده بإنزال الوحي عليه ويأمره بأن يكلف سائر العباد بمعرفة توحيد الله وبعبادته، فظهر بهذا البيان أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه.

قال الواحدي: روى عطاء عن ابن عباس أنه أراد بالملائكة ههنا جبرائيل وحده، وتسمية الواحد بالجمع إذا كان رئيساً مطاعاً جائزة.

وعلى هذا التفسير فالمراد بالروح كلام الله تعالى كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ قال المحققون: الروح الأصلي هو القرآن الذي فيه بيان المبدأ والوسط والمعاد، فبه يحصل إشراق العقل، وبالعقل يكمل ضياء جوهر الروح، وبالروح يكمل حال الجسد فهو الأصل والباقي فرع عليه وبهذه المناسبة يسمى جبرائيل روحاً وعيسى روحاً.

وعن أبي عبيدة أن الروح ههنا جبرائيل، والباء بمعنى "مع" أي تنزل الملائكة مع جبرائيل.

وذلك أنه في أكثر الأحوال كان ينزل ومعه أقوام من الملائكة كما في يوم بدر وحنين، وكان ينزل على رسول الله  ملك الجبال وملك البحار وخزان الجنة وغيرهم.

قال في الكشاف: ﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب الميتة بالجهل من وحيه، أو بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد وقال غيره: من أمره معناه أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله كقوله { ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ قال الزجاج: ﴿ أن أنذروا ﴾ بدل من "الروح" أي ينزلهم بأن أنذروا.

و"أن" إما مفسرة لأن تنزيل الوحي فيه معنى القول، وإما مخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر أي بأن الشأن أقول لكم أنذروا أي أعلموا الناس قولي: ﴿ لا إله إلا أنا ﴾ وهو إشارة إلى استكمال القوة النظرية.

وقوله: ﴿ فاتقون ﴾ رمز إلى استكمال القوة العملية ومنه يعلم أن النفس متى كملت من هاتين الجهتين حصل لها روح حقيقي وحياة أبدية وسعادة سرمدية.

قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا لا نعلم كون جبريل صادقاً ولا معصوماً من الكذب والتلبيس إلا بالدلائل السمعية، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على صدق محمد  ، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل الله لا من قبل شيطان خبيث، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبرائيل صادق مبرأ عن التلبيس وأفعال الشياطين، وحينئذٍ يلزم الدور وهذا مقام صعب.

أقول: قد ذكرنا مراراً أن الفرق بين المعجز والسحر هو أن صاحب المعجز يدعو إلى الخير، وصاحب السحر يدعو إلى الشر، والفرق بين الملك والشيطان هو أن الملك يلهم بالخير، والشيطان يوسوس بضده وإذا كان الأمر كذلك فكيف تشتبه المعجزة بالسحرة وجبرائيل بإبليس ومن أين يلزم الدور؟

ولما بين الله  أن روح الأرواح وروح الأجسام هو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل أن يعمل به، أتبعه دلائل التوحيد مبتدئاً من الأشرف وهو السماويات إلى الأدون - وهو الأرضيات - فقال: ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ وقد مر تفسير مثله مراراً.

وقوله: ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ تنزيه لذاته عمن يشاركه في الأزلية والقدم والتدبير والتأثير والصنع والإبداع.

فالفائدة المطلوبة من هذا الكلام غير الفائدة المطلوبة من مثله في أول السورة كما ذكرنا فلا تكرار.

ثم إن أشرف الأجسام بعد الفلكيات بدن الإنسان فلهذا عقب المذكور بقوله: ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ قالت الأطباء: إن الغذاء إذا وصل إلى المعدة حصل له هناك هضم، وإذا وصل إلى الكبد حصل له فيها هضم ثانٍ، وفي العروق له هضم ثالث، وفي جواهر الأعضاء هضم رابع، وحينئذٍ يصير جزءاً من العضو المغتذى شبيهاً به، ثم عند استيلاء الحرارة على البدن وقت هيجان الشهوة يحصل ذوبان لجملة الأعضاء وتجتمع منه النطفة في أوعيتها، وعلى هذا تكون النطفة جسماً مختلفة الأجزاء والطبائع، وإن كانت تخيل في الحس أنها متشابهة الأجزاء.

وكيفما كان فالمقتضي لتولد البدن منها ليس هي الطبيعة الحاصلة لجوهر النطفة ودم الطمث، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار، والقوّة الطبيعة إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة.

وعلى هذا الحرف عول الحكماء في قولهم: البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعة في الكرة، وإذا عملت في مادة مختلفة الأجزاء وكل مركب فإنه ينحل إلى بسائط فإنه يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضموم بعضها إلى بعض، وكلا الأمرين غير مطابق للواقع، فعلمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس بالطبيعة وإنما هو بتدبير الفاعل المختار وهو الله  ، وكيف لا والنطفة رطوبة سريعة الاستحالة؟

فالأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل، والجزء الذين هو مادة القلب قد يحصل في الفوق، فلا يكون حدوث أعضاء الحيوان على هذا الترتيب الخاص دائماً ولا أكثرياً، وحيث كان كذلك علمنا أن حدوثها بإحداث مدبر مختار.

ثم إن نزلنا عن جميع هذه المراتب فلا خلاف بين الحكم وبين المتكلم أن الطبيعة خرقاء وأنها ليست واجبة الوجود لذاتها فلا بد من الانتهاء الى الصانع الحكيم الخبير.

أما قوله: ﴿ فإذا هو خصم مبين ﴾ فقد ذكروا فيه وجهين: الأول فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مبين للحجة بعد أن كان نطفة لا حس به ولا حراك.

وتقرير ذلك أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهماً وذكاء من نفوس سائر الحيوانات، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من البيضة يعرف الصديق من العدو فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والذي لا يوافقه.

وحال الطفل بخلاف ذلك فانتقاله من تلك الحالة الخسيسة إلى أن يقوى على معرفة الإلهيات والفلكيات والعنصريات وعلى إيراد الشكوك والشبهات على النتائج والمقدمات إنما يكون بتدبير إله مختار قدير ينقل الأرواح من النقصان إلى الكمال ومن الجهالة إلى المعرفة.

الوجه الثاني أن المراد فإذا هو خصيم لربه منكر على خالقه قائل من يحيي العظام وهي رميم.

فعلى الوجه الأول جوز أن يكون الخصيم "فعيلاً" بمعنى "مفاعل" كالأكيل والشريب، وأن يكون بمعنى مختصم، وعلى الوجه الثاني تعين كونه بمعنى "مفاعل" والترجيح من الوجهين للأول بناء على أن هذه الآيات مسوقة لتقرير الدلائل على وجود الصانع الحكيم وقدرته لا لأجل وصف الإنسان بالتمادي في القحة والكفران.

وقد يرجح الثاني بما روي أن أبيّ بن خلف الجمحي جاء بعظم رميم إلى رسول الله صلى الله عليه فقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟

فنزلت.

ثم أردف تكوين الإنسان بتكوين الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في ضروراته من الأكل والركوب وجر الأثقال وفي غير الضروريات من الأغراض الصحيحة كالتزيين والجمال فقال: ﴿ والأنعام خلقها ﴾ هي الأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام وهي: الضأن والمعز والإبل والبقر.

وإن شئت قلت: الإبل والبقر والغنم.

قال في الكشاف: وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل: قلت: ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله بعد ذلك: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأن هذا الوصف لا يليق إلا بالإبل.

وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر.

ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ الإنسان ﴾ أي خلق الإنسان والأنعام.

ثم قال: ﴿ خلقها لكم ﴾ أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان.

قال صاحب النظم: وأحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: ﴿ خلقها ﴾ بدليل أنه عطف عليه قوله: ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ والدفء اسم ما يدفأ به كالملء اسم ما يملأ به وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر.

قال الجوهري: الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها، والدفء أيضاً السخونة.

وقوله: ﴿ ومنافع ﴾ قالوا: المراد نسلها ودرّها، والمنافع بالحقيقة أعم من ذلك فقد ينتفع بها في البيع والشراء بالنقود والأثواب وبسائر الحاجات.

أما قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ بتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص فلأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في مآكلهم عادة، وأما الأكل من غيرها كالدجاج وصيد البر والبحر فكغير المعتد به الجاري مجرى التفكه، ويحتمل أن يراد أن غالب أطعمتكم إنما يحصل منها لأنكم تحرثون بالبقر وتكتسبون بإكراء الإبل وتشترون بنتاجها وألبانها وجلودها جميع ما تشتهون من الأطعمة.

قوله: ﴿ حين تريحون ﴾ الإراحة رد الإبل إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلاً ويقال: سرح القوم إبلهم سرحاً إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى.

وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر حين تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها.

قوله: ﴿ بشق الأنفس ﴾ من قرأ بفتح الشين فمعناه المشقة فيكون مصدر شق الأمر عليه شقاً وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع.

ومن قرأ بالكسر فمعناه النصف كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد.

قال جار الله.

معنى المضي في قوله: ﴿ لم تكونوا ﴾ راجع إلى الفرض والتقدير: أي لو لم يخلق الإبل لم تكونوا إلا كذلك.

وإنما لم يقل "لم تكونوا حامليها إلى ذلك البلد" ليطابق قوله: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأجل المبالغة كأنه قيل: قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة وذهاب قوة فضلاً أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم ويجوز أن يكون العائد إلى الأثقال محذوفاً أي لم تكونوا بالغيها إلا بالشق، أو المراد بالأثقال الأجساد، عن ابن عباس أنه فسر البلد بمكة إلى اليمن وإلى الشام وإلى مصر، قال الواحدي: هذا قوله والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل شق عليكم.

وخص ابن عباس هذه البلاد لأنها أكثر متاجر أهل مكة ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ وإلا لم يخلق هذه الحوامل لأجل تيسير هذه المصالح.

احتج منكرو الكرامات بالآية على امتناع طي الأرض كما ينقل عن بعض الأولياء.

والجواب أن الامتناع العادي لا ينافي الإمكان الذاتي.

﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ معطوفات على الأنعام أي وخلق هؤلاء للركوب والزينة فانتصب على أنه مفعول له معطوف على محل ﴿ لتركبوها ﴾ وإنما لم يقل و "لتتزينوا بها" ليكون المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد لأن الركوب فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن وهو الخالق.

والتحقيق فيه أن الركوب أحد الأمور المعتبرة في المقصود بخلاف التزين بالشيء فإنه قلما يلتفت إليه أرباب الهمم العالية لأنه يورث العجب والتيه غالباً وكأنه قال: خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات.

احتجت المعتزلة القائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح بأن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لهذه المصلحة.

والجواب أن استتباع الغاية والفائدة مسلم ولكن التعليل ممنوع، واحتج الحنفية بالآية على تحريم لحوم الخيل من وجوه: أحدها إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر فيجب اشتراك الكل في الحكم، لكن البغال والحمير محرمان فكذا الخيل.

ثانيها أن منفعة الأكل أعظم منة من الركوب والتزين فلو كان أكل لحم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر.

وثالثها أن قوله فيما قبل: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ يقتضي الحصر فيجب أن لا يجوز أكل ما عدا الأنعام إلا بدليل منفصل والأصل عدمه ورابعها أن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب والزينة، فلو كان حل أكلها مقصوداً لزم أن يكون ما فرض تمام المقصود بعض المقصود هذا محال.

والجواب أن تحريم الخيل محل النزاع وتحريم الحمير بنص الكتاب ممنوع لما روي عن جماعة من الصحابة أنه  نهى عام خيبر عن لحوم الحمر الأهلية.

فلو كان للآية دلالة على تحريم لحم الخيل لفهموه منها قبل ذلك العام لأن الآية مكية عند الأكثرين، ولو فهموا التحريم قبل ذلك لم يبقَ لتخصيص التحريم بهذه السنة فائدة.

وإذا لم يكن الحمير والخيل محرمين لم يكن لتحريم البغال المتولدة منهما وجه.

وأيضاً كون معظم المنة في الأكل بالنسبة إلى هذه الأنواع ممنوع بل الركوب والزينة هما أعظم المنافع فيها ولهذا جعلا تمام المقصود منها، فكأنما أعطى الأكثر والمعظم حكم الكل.

واقتضاء الحصر في قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ ممنوع بل لعل الظرف قدم لرعاية الفاصلة.

ثم إن أنواع الغرائب والعجائب المخلوقة في هذا العالم لا حد لها ولا حصر فلهذا أشار إلى ما بقي منها على سبيل الإجمال فقال: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ أي كنهه وتفاصيله بل نوعه وجنسه فإن مركبات العالم السفلي وغرائب العالم العلوي لا يعلمها إلا موجدها.

روى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة، يدخل فيه جبرائيل  كل سحر ويغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله، ثم ينتفض فيخلق الله  من كل نقطة تقع من رأسه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور، وفي الكعبة أيضاً سبعون ألفاً ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.

وقيل: المراد ما خلق في الجنة والنار مما لم يبلغه فيهم أحد ولا وهمه.

ولما ذكر بعض دلائل التوحيد بين أنه إنما ذكرها إزاحة للعذر وإزالة للشبهة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فقال: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ ذكر صاحب الكشاف أن السبيل للجنس والقصد مصدر بمعنى الفاعل يقال: قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه، والجور الميل عن الاستقامة.

احتجت المعتزلة بالآية على مسألتين من أصولهم: إحداهما أنه يجب على الله  الإرشاد والهداية لأن كلمة، "على" للوجوب والمضاف محذوف أي وعلى الله بيان قصد السبيل؛ فالمعنى أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه.

والثانية أنه لا يضل أحداً ولا يغويه وإلا لقيل وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر فلما غير أسلوب الكلام قائلاً: ﴿ ومنها جائر ﴾ دل على أنه أراد أن يبين ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز.

والجواب عن الأول بعد تسليم إفادة كلمة "على" الوجوب أنه وجوب بحسب الفضل والكرم لا بمعنى استحقاق الذم على الترك.

وعن الثاني أن دلالة قوله: ﴿ ومنها جائر ﴾ على ما ذكرتم ليست دلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام، لأن قول القائل "من السبيل سبل منحرفة" لا يفيد إلا الإخبار بوجود الانحراف في بعض السبيل، فأما أن فاعل تلك السبيل من هو فلا دلالة للكلام عليه أصلاً على أن قوله: ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ يناقض ما ادعيتم.

وتفسير المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر أو بالهداية إلى الجنة خلاف الظاهر كما مر مراراً.

ولما استدل على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال: ﴿ هو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ وقوله: ﴿ لكم ﴾ متعلق بأنزل أو بشراب خبراً له.

والشراب ما يشرب كالطعام لما يطعم والمراد أن الماء النازل من السماء قسمان: بعضه يبقى لأجل الشرب كما هو ويحتمل أن يكون الماء المحتبس في الآبار والعيون منه كقوله: ﴿ فأسكناه في الأرض ﴾ \[المؤمنون: 18\] وبعضه يحصل منه شجر يرعاه المواشي.

قال الزجاج: كل ما ينبت من الأرض فهو شجر لأن التركيب يدل على الاختلاط ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق.

وقال ابن قتيبة: المراد بالشجر في الآية الكلأ.

وفي حديث عكرمة "لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت" أراد الكلأ.

وقيل الشجر كل ما له ساق كقوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان  ﴾ والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له وجب أن يكون الشجر ما له ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز، وبأن قوله: ﴿ فيه تسيمون ﴾ من سامت الماشية إذا رعت وأسامها صاحبها وهو من السومة العلامة لأنه تؤثر بالرعي علامات في الأرض يقتضي أن يكون الشجر هو العشب ليمكن الرعي.

ورد بأن الإبل قد تقدر على رعي الأشجار الكبار.

وحين ذكر مرعى الحيوان أتبعه ذكر غذاء الإنسان فقال: ﴿ ينبت لكم به الزرع ﴾ الذي هو الغذاء الأصلي ﴿ والزيتون ﴾ الذي هو فاكهة من وجه وغذاء من وجه لكثرة ما فيه من الدهن ﴿ والنخيل والأعناب ﴾ اللتين هما أشرف الفواكه.

ثم أشار إلى الثمرات بقوله: ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها بقوله: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ قال في الكشاف: إنما لم يقل و "كل الثمرات" بل زاد "من" التبعيضية لأن كلها لا يكون إلا في الجنة.

واعلم أنه قدم الغذاء الحيواني على الغذاء النباتي لأن النعمة فيه أعظم لأنه أسرع تشبيهاً ببدن الإنسان، وفي ذكر الغذار النباتي قدم غذاء الحيوان - وهو الشجر - على غذاء الإنسان - وهو الزرع وغيره - بناء على مكارم الأخلاق وهو أن يكون اهتمام الإنسان بحال من تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه، وإنما عكس الترتيب في قوله: ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ بناء على ما هو الواجب في نفس الأمر كقوله  : "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ معنى تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب مصالحهم على سنن واحد يتعاقبان دائماً كالعبد المطواع، وكذا الكلام في تسخير الشمس والقمر والنجوم كما في "الأعراف" وفي سورة إبراهيم.

وهذا حسم لمادة شبهة من يزعم أن حركات الأفلاك هي المقتضية لتعاقب الليل والنهار ومسيرات الكواكب هي المستدعية للحوادث السفليات، فإنه إن سلم لهم ذلك فلا بد لتلك الحركات والمسيرات من الانتهاء إلى صانع قديم منزه عن التغير والإمكان مبرإ عن الحدوث والنقصان وهو الله  .

﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ قال جار الله: جمع الآية وذكر العقل لأن آثار العلو أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة.

وقال غيره: إنما جمع الآيات لتطابق قوله: ﴿ مسخرات ﴾ ومثله في هذه السورة في موضع آخر ﴿ مسخرات في جوّ السماء ما يمكسهن إلا الله إن في ذلك لآيات  ﴾ وأقول: إنما جمع لأن كلاً من تسخيراً الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها لتباين الليل والنهار وتخالف مسيرات الكواكب كما هو مقرر في علم الهيئة بخلاف قوله ﴿ ينبت لكم ﴾ فإن مطلق الإنبات آية واحدة.

وكذا قوله: ﴿ وما ذرأ لكم في الأرض ﴾ أي خلق لكم فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك: ﴿ مختلفاً ألوانه ﴾ فإن ذرء هذه الأشياء على حالة اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية وفي تأثير الفلكيات فيها، آية واحدة على وجود الصانع  شأنه، ولست أدعي إلا إمكان هذه الاعتبارات وإلا: ففي كل شيء آية تدل على أنه واحد.

وإنما خص المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة، وخص المقام الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة وإزاحة العلة، فمن لم يعترف بعدها بالوحدانية فلا عقل له.

وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة فمن شك بعد ذلك فلا حس له.

ومن جملة الآيات التي هي في الحقيقة إنعامات على الإنسان تسخير البحر بالركوب عليه والانتفاع به أكلاً ولبساً.

والمراد باللحم الطريّ السمك.

قال ابن الأعرابي: لحم طريّ غير مهموز ومصدره طراوة.

يقال: شيء طريّ أي غض بين الطراوة.

وقال قطرب: طرو اللحم وطري طراوة والمراد في الآية السمك وما في معناه.

قال في الكشاف: وصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه فيسارع إلى أكله خيفة الفساد عليه.

وقال المتكلمون: إنه لما خرج من البحر المالح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة، علم أنه لم يحدث بحسب الطبع بل حدث بقدرة الله  وحكمته بحيث أظهر الضد من الضد.

قال أكثر الفقهاء ومنهم أبو حنيفة والشافعي: من حلف أن لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث لأن اللحم لا يتناوله عرفاً.

ومبنى الأيمان على العرف والعادة.

ولهذا لو قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار عيله.

ورد عليهم الإمام فخر الدين الرازي بأنه إذا قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بلحم العصفور كان حقيقاً بالإنكار مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور.

فثبت أن العرف مضطرب والرجوع إلى نص القرآن متعين فليس فوق بيان الله بيان.

ولقائل أن يقول: لعل الإنكار في هذه الصورة بعد تسليمه إنما جاء من قبل ندرة شراء العصفور أو شراء لحمه فإنه إنما يشترى كله ولم يجىء من إطلاق اللحم على لحمه.

ومن منافع البحر استخراج الحلية منه قالوا: أراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان، والمراد بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم ولأن تزيينهن لأجلهم.

ولقائل أن يقول: لا مانع من تزيين الرجال باللآلىء ونحوها شرعاً فلا حاجة إلى هذه التكلف.

استدل الإمام فخر الدين بالآية في إبطال قول الشافعية إنه لا زكاة في الحلى قال: لأن اللام فيما يروى عنه  أنه قال: "لا زكاة في الحلى" تنصرف إلى المعهود السابق ولا معهود إلا ما في الآية من الحلية فصار معنى الحديث: لا زكاة في اللآلىء.

وهذا باطل بالاتفاق.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن تكون اللام للجنس فتشمل المصوغ من الذهب والفضة أيضاً فيكون الحديث مخصصاً بالآية إن ثبت صحته؟

ومن عجائب البحر ومنافعه قوله  : ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال أهل اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها.

وعن الفراء صوت دويّ الفلك بالرياح.

وقال ابن عباس: مواخر أي جواري.

وإنما حسن هذا التفسير لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية: وقوله: ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ أي تتجروا فيه فتطلبوا الربح من فضل الله وإذا وجدتم فضله وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره.

واعلم أن قوله: ﴿ مواخر فيه ﴾ جاء على القياس لأن موضع الظرف المتعلق بمواخر بعد مضي مفعولي "ترى"، وأما في سورة الملائكة فقدم الظرف ليكون موافقاً لقوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ ولتقدم الجار في قوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ حذف لفظة "منه" هناك.

الواو في ﴿ ولتبتغوا ﴾ في هذه السورة للعطف على لام العلة في ﴿ لتأكلوا ﴾ وقوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ اعتراض في السورتين يجري مجرى المثل ولهذا وحد الخطاب في قوله: ﴿ وترى ﴾ وقبله وبعده جمع "أي لو حضرت أيها المخاطب لرأيته بهذه الصفة.

ويمكن أن يقال: إنما قال في الملائكة ﴿ فيه مواخر ﴾ بتقديم الظرف لئلا يفصل بين لام العلة وبين متعلقها وهو مواخر، وليكتنف المتعلق المتعلقان.

وإنما بنينا الكلام على أن قوله: ﴿ فيه ﴾ متعلق بـ ﴿ مواخر ﴾ لا بـ ﴿ ترى ﴾ لقرب هذا وبعد ذاك والله أعلم.

قوله: ﴿ أن تميد بكم ﴾ أي كراهة أن تميد الأرض بكم والباء للتعدية أو للمصاحبة.

والميد الحركة والاضطراب يميناً وشمالاً.

يروى أنه  خلق الأرض فجعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت.

قال جمهور المفسرين: إن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميل من جانب إلى جانب وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء فهكذا الأرض تستقر على الماء بسبب ثقل الجبال.

واعترض عليه بأن السفينة إنما تضطرب على الماء لتخلخلها وخفتها بسبب الهواء الداخل في تجاويف الخشب ومسامها، أما الأرض فجسم كثيف ثقيل من شأنها الرسوب في الماء على ما هو مشاهد من حال أجزائها المنفصلة عنها.

فإن كان طبيعة الكل كذلك فكيف يعقل طفوّها حتى توجب الجبال إرساءها وثباتها، وإن لم تكن طبيعة الكل كذلك حتى تكون طافية مائدة وقد أرساها الله  بالجبال، فالرسو والرسوخ إنما يتصور على جسم واقف وليس إلا الماء فينقل الكلام إلى وقوف الماء في حيزه المعين.

فإن كان بحسب الطبيعة فهذا خلاف التقدير لأنا نفينا القول بالطبائع الموجبة لهذه الأحوال، وإن لم يكن بالطبع بل كان واقفاً بتخليق الفاعل المختار وتسكينه في حيزه المخصوص فلم لا نقول مثله في تسكين الأرض؟

هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ونسب المقام إلى الصعوبة والإشكال واستخرج لحله وجهاً مبنياً على قوانين الحكمة، وهو أن الأرض جسم كروي، والكرة إذا كانت صحيحة الاستدارة فإنها تتحرك بأدنى سبب، فلما أحدث الله  على وجه الكرة هذه الخشونات الجارية مجرى الأوتاد منعتها عن السلاسة والحركة.

قلت: في هذا الحال خلل.

أما أولاً فلكونه مبنياً على غير قواعد أهل التفسير، وأما ثانياً فلما ثبت في الحكمة أن نسبة أعظم جبل في الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى جميع الأرض كنسبة خمس سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع، ولا ريب أن ذلك القدر من الشعيرة لا يخرج الكرة المذكورة عن صحة الاستدارة بحيث يمنعها عن سلاسة الحركة، فكذا ينبغي أن يكون حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض.

والجواب الصحيح على قاعدة أهل الشرع أن يقال: لا نسلم أن الأرض بكليتها لها طبيعة موجبة لحالة من الأحوال، وعلى تقدير التسليم فلا نسلم أن لها طبيعة الرسوب بل لعل طبيعتها الطفوّ فلهذا احتاجت إلى الرواسي.

وأما قوله: "لم أوقف الله الماء في حيزه ولم يوقف الأرض من غير إرساء" فلا يخفى سقوطه مع القول بالفاعل المختار، فللوسائط والأسباب مدخل في الأمور العادية، وإن لم نقل بتأثيرها، هذا وإن حركة الأرض عند الزلازل لا تنافي حكم الله بعدم اضطرابها لأن إثبات الحركة لجزء الشيء لا ينافي نفيها عن كله.

وشبهوا الزلزلة وهي حركة قطعة من الأرض لاحتقان البخارات في داخلها وطلبها المنفذ باختلاج يحصل في جزء معين من بدن الحيوان.

قوله  : ﴿ وأنهاراً ﴾ معطوف على ﴿ رواسي ﴾ أي وجعل فيها رواسي وأنهاراً لأن الإلقاء ههنا بمعنى الجعل والخلق كقوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني  ﴾ وكذا قوله ﴿ وسبلاً ﴾ أي أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم.

ولما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلاً معينة ذكر أنه أظهر في تلك السبل علامات مخصوصة وهي كل ما يستدل به السابلة من جبل وسهل وغير ذلك.

يحكى أن جماعة يشمون التراب فيعرفون به الطرقات.

قال الأخفش: تم الكلام عند قوله: ﴿ وعلامات ﴾ وقوله ﴿ وبالنجم هم يهتدون ﴾ كلام منفصل عن الأول.

والمراد بالنجم الجنس كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس.

وعن السدي هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي.

قال بعض المفسرين: أراد بقوله ﴿ هم يهتدون ﴾ أهل البحر لتقدم ذكر البحر ومنافعه، وقيل: أراد أعم من ذلك فأهل البر أيضاً قد يحصل لهم الاهتداء بالنجوم في الطرق والمسالك، وفي معرفة القبلة، وإنما جيء بالضمير الغائب لعوده إلى السائرين الدال عليهم ذكر السبل.

وقال في الكشاف: كأنه أراد قريشاً فقد كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم وكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم فكان الشكر أوجب عليهم والاعتبار ألزم لهم فخصصوا بتقديم النجم.

وإقحام لفظ ﴿ هم ﴾ كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء يهتدون.

ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته واتصافه بجميع صفات الكمال أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ أي كالأصنام التي لا تخلق شيئاً إلا أنه أجراها مجرى أولي العلم فأطلق عليها لفظ "من" التي هي لأولي العقل بناء على زعمهم أنها آلهة، أو لأجل المشاكلة بينه وبين من يخلق، أو أراد أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده، أو أراد كل ما عبد من دون الله مغلباً فيه أولو العلم منهم.

واعلم أنه أهل البيان يقولون: إن المشبه به يجب أن يكون أقوى وأتم في وجه الشبه من المشبه ليلتحق الأضعف بالأقوى في وجه الشبه كقولك "وجهه كالقمر".

ولا ريب أن الخالق أقوى من غير الخالق فكان حق النظم في الظاهر أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق.

والقرآن ورد على العكس.

ووجهه عند العلماء زيادة التوبيخ ليكون كأنهم جعلوا غير الخالق أقوى حالاً وأعرف من الخالق.

قال في الكشاف: إنهم جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبهوه بها حين جعلوا غيره مثله في التسمية والعبادة فأنكر عليهم ذلك، ولوضوح كون هذا الأمر منكراً عند من له أدنى عقل بل حس قال ﴿ أفلا تذكرون ﴾ وفيه مزيد توبيخ وتجهيل لأنه لجلائه كالحاصل الذي يحصل عند العقل بأدنى تذكر ومع ذلك هم عنه غافلون.

قال بعض الأشاعرة.

في الآية دلالة على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه لأن الآية سيقت لبيان امتيازه بصفة الخالقية.

أجابت المعتزلة بأن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والجبال والنجوم.

أو نقول: معنى الآية أن كل ما كان خالقاً يكون أفضل ممن لا يكون خالقاً، وهذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقاً فإنه يجب أن يكون إلهاً نظيره قوله: ﴿ ألهم أرجل يمشون بها  ﴾ أراد به أن الإنسان أفضل من الصنم والأفضل لا يليق به عبادة الأخس فكذا ههنا.

وقال الكعبي في تفسيره: نحن لا نطلق لفظ الخالق على العبد ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله  كقوله: ﴿ وإذ تخلق من الطين  ﴾ فعلى هذا لا يتوجه عليهم السؤال إلا أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد حتى إن أبا عبد الله البصري قال: إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز لأن الخلق عبارة عن التقدير وهو الظن والحسبان.

ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي بالنسبة إلى الملكلفين نعم قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ وقد مر تفسيره في سورة إبراهيم.

قال العقلاء: إن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لنغص العمر على الإنسان وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل.

ثم إنه  يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الملائم له غالباً مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بمصالحه ومفاسده، فليكن هذا المثال حاضراً في ذهنك وقس عليه سائر نعم الله  حتى تعرف تقصيرك وقصورك عن شكر أدنى نعمة فضلاً عن جميعها، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ يغفر التقصير الصادر عنكم في أداء شكر النعمة ويرحمكم حيث لا يقطعها عنكم بالتفريط ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها.

كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله يسرون ضروباً من الكفر والمكايد في حق الرسول  فأوعدهم بقوله: ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ﴾ وفيه أيضاً تعريض وتوبيخ بسبب أن الإله يجب أن يكون عالماً بالسر والعلانية، والأصنام التي عبدوها جمادات لا شعور لها أصلاً فكيف يحسن عبادتها.

ثم زاد في التوبيخ فقال: ﴿ والذين يدعون ﴾ أي الآلهة الذين يدعونهم الكفار ﴿ من دون الله لا يخلقون شيئاً ﴾ وقد ذكر هذا المعنى في قوله: ﴿ كمن لا يخلق ﴾ وزاد ههنا قوله: ﴿ وهم يخلقون ﴾ أي بخلق الله أو بالنحت والتصوير وهم لا يقدرون على نحو ذلك فهم أعجز من عبدتهم، ففي هذه الآية زيادة بيان لأنه نفى عنهم صفة الكمال وأثبت صفة النقصان.

وكذلك قوله: ﴿ أموات غير أحياء ﴾ يستلزم ذمهم مرتين لأن من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطفة والجسد الإنساني الذي فارقه الروح، وأما الحجارة فأموات لا تقبل الحياة أصلاً.

وفيه أن الإله الحق يجب أن يكون حياً لا يعقبه موت وحال هذه الأصنام بالعكس.

وفيه أن هؤلاء الكفار في غاية الغباوة وقد يقرر المعنى الواحد مع الغبي الجاهل بعبارتين مختلفتين تنبيهاً على بلادته ﴿ وما يشعرون ﴾ الضمير فيه للآلهة.

أما الضمير في ﴿ أيان يبعثون ﴾ فإما للآلهة أيضاً ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن الله  يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، وإما للداعين أي لا يشعر الآلهة متى يبعث عبدتهم فيكون فيه تهكم بالمشركين من حيث إن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم؟!

وفيه أنه لا بد من البعث وأنه من لوازم التكليف، وإما للأحياء أي لا يعلم هؤلاء الآلهة متى تبعث الأحياء تهكماً بحلها لأن شعور الجماد محال فكيف بشعور ما لا يعلمه حي إلا الحي القيوم  ؟

وجوز في الكشاف أن يراد بالذين يدعوهم الكفار الملائكة، لأن ناساً منهم كانوا يعبدونهم.

ومعنى أنهم ﴿ أموات ﴾ أي لا بد لهم من الموت ﴿ غير أحياء ﴾ أي غير باقية حياتهم ولا علم لهم بوقت بعثهم.

ولما زيف طريقة عبدة الأصنام صرح بما هو الحق في نفس الأمر فقال: ﴿ إلهكم إله واحد ﴾ ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار على شركهم فقال: ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ﴾ للوحدانية أو لكل كلام يخالف هواهم ﴿ وهم مستكبرون ﴾ عن قبول الحق وذلك أن المؤمن بالعبث والجزاء يؤثر فيه الترغيب والترهيب فينقاد للحق أسرع، وأما الجاحد للمعاد فلا يقبل إلا ما يوافق رأيه ويلائم طبعه فيبقى في ظلمة الإنكار ﴿ لا جرم ﴾ أي حقاً ﴿ أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ فيجازيهم على ما أسروا من الاستكبار وأعلنوا من العناد ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ عن التوحيد فيختص بالمشركين أو كل مستكبر فيدخل هؤلاء دخولاً أوّلياً لأن الكلام فيهم.

التأويل: الناس طبقات ثلاث: الغافلون والخطاب معهم بالعتاب إذا كانوا مشتاقين إلى الدنيا.

وزخارفها وهم أصحاب النفوس، والعاقلون والخطاب معهم بوعد الثواب لرغبتهم في الطاعات والأعمال الصالحات وهم أرباب العقول، والعاشقون والخطاب معهم بوصل رب الأرباب لاشتياقهم إلى جمال ذي الجلال.

فحين قال في الأزل ﴿ أتى أمر الله ﴾ استعجل أرواح كل طبقة منهم للخروج من العدم إلى الوجود لنيل المقصود وطلب المفقود فخاطبهم بقوله: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فإنه سيصيب في كل طبقة منكم ما كتب له في القسمة الأزلية: والله  منزه عن أن يشاركه في الحكم أحد فلا مبدل لكلماته.

﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب من المواهب الربانية من أمره الوارد على الجوارح بالتكاليف الشرعية وعلى النفوس بآداب الطريقة، وعلى القلوب بالإشارات، وعلى الأرواح بملازمة الحضرة للمكاشفات، وعلى الأسرار بالمراقبات للمشاهدات وعلى الخفيات بتجلي الصفات لإفناء الذوات.

﴿ على من يشاء من عباده ﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿ أن أنذروا ﴾ أعلموا أوصاف وجودكم ببذلها في أنانيتي ﴿ أنه لا إله إلا أنا فاتقون ﴾ عن أنانيتكم بأنانيتي.

﴿ خلق ﴾ سموات الأرواح وأرض الأشباح وجعلها مظهراً لأفاعيله.

فهو الفاعل لما يظهر على الأرواح والأشباح ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ الأرواح والأشباح في إحالة أفاعيله إلى غيره ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ لا علم لها ولا فعل ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ يدعي الشركة معه في الوجود.

والأفاعيل والأنعام أي الصفات الحيوانية ﴿ خلقها لكم فيها دفء ﴾ لأنها المودعة في جبلتكم ﴿ ومنافع ومنها تأكلون ﴾ باستفادة بدل ما يتحلل ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ في أوقات الفترات وأزمنة الاستراحات ﴿ وتحمل ﴾ أثقال أرواحكم وهي أعباء الأمانة إلى بلد عالم الجبروت ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ .

إذا أفنيتم أنفسكم في جبروته يبقيكم ببقاء عظموته ﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ أي صفاتها خلقت فيكم لأنها مراكب الروح عند السير إلى عالم الجبروت ﴿ وزينة ﴾ عند رجوعه بالجذبة إلى مستقره الذي أهبط منه ﴿ ويخلق ﴾ فيكم حينئذٍ ﴿ ما لا تعملون ﴾ وهو قبول فيض الله بلا واسطة.

وعلى الله قصد السبيل} بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ ومنها جائر ﴾ يعني نفوسكم تحيد عن الفناء وبذل الوجود ﴿ هو الذي أنزل ﴾ من سماء الكرم ماء الفيض ﴿ منه شراب ﴾ المحنة لقلوبكم ﴿ ومنه شجر ﴾ القوى البشرية ودواعيها ﴿ فيه ﴾ ترعون مواشي نفوسكم ﴿ ينبت لكم ﴾ زرع الطاعات وزيتون الصدق ونخيل الأخلاق الحميدة وأعناب الواردات الربانية، ومن كل ثمرات المعقولات والمشاهدات والمكاشفات.

﴿ وسخر لكم ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس الروح وقمر القلب ونجوم الحواس والقوى، وتسخيرها استعمالها على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ وما ذرأ لكم ﴾ في أرض جبلتكم من الاستعدادات يتلون في كل عالم بلونه من عوالم الملكية والشيطانية والحيوانية ﴿ وسخر لكم ﴾ بحر العلوم ﴿ لتأكلوا منه ﴾ الفوائد الغيبية السنية الطرية ﴿ وتستخرجوا منه ﴾ جواهر المعاني فيلبس بها أرواحكم النور والبهاء.

وترى فلك الشرائع والمذاهب جواري في بحر العلوم لتبتغوا الأسرار الخفية عن الملائكة.

وألقى في أرض البشرية جبال الوقار والسكينة لئلا تميد بكم صفات البشرية عن جادّة الشريعة والطريقة، وأنهاراً من ماء الحكمة وسبلاً إلى الهداية والعناية، وعلامات من الشواهد والكشوف، وبنجم الجذبة الإلهية هم يهتدون فيخرجون من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي.

أفمن يخلق الله فيه هذه الكمالات كمن لا يخلقها فيه من الملائكة وغيرهم ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ وهي قسمان: نعمة الأعطاف وهي ما يتعلق بوجود النعمة ظاهرة وباطنة، ونعمة الألطاف وهي ما يتعلق بوجود المنعم من الذوات والصفات ﴿ والله يعلم ما تسرون ﴾ من أداء شكر نعمه بالقلوب ﴿ وما تعلنون ﴾ من أداء الشكر بالأجساد ﴿ والذين يدعون من دون الله ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ لا يخلقون شيئاً ﴾ من المنافع ﴿ وهم يخلقون ﴾ بتعب الطالب في تحصيلها ولهذا قال: ﴿ أموات غير أحياء وما يشعرون أيان ﴾ يبعثها دواعي البشرية ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ بما في عالم الغيب ﴿ قلوبهم منكرة ﴾ لأهل الحق لأنهم لا يتجاوزون عالم الحس ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من الإنكار ﴿ وما يعلنون ﴾ من الاستكبار..

الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: ذكر هذا ليكونوا أيقظ وأحذر؛ لأن في الشاهد من يعلم أن عليه رقيباً حافظاً بما يفعل، كان هو أرقب وأحفظ لأعماله، ويكون أحذر ممن يعلم أنه ليس عليه حافظ ولا رقيب.

والثاني: يعلم ما تسرّون من المكر برسول الله، والكيد له من القتل، والإخراج، وغير ذلك [أي: يعلم ذلك] كله منكم، ما أسررتم وأعلنتم، وهو يخرج على نهاية الوعيد والتعيير، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل يدعون: أي: يسمونها: آلهة، وربما كانوا يدعونهم عند الحاجة.

ويحتمل ﴿ يَدْعُونَ ﴾ : يعبدون؛ أي: الذين يعبدون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون؛ فهذا يرجع إلى الأوّل؛ أفمن يخلق كمن لا يخلق؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ...

﴾ \[الآية\].

يحتمل المراد بقوله: ﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ﴾ : الذين عبدوا الأصنام والأوثان وجميع من كفر بالله؛ هم أموات غير أحياء؛ لأن الله  سمَّى الكافر في غير آي من القرآن ميّتاً؛ فيشبه أن يكون قوله: ﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ﴾ أيضاً.

﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ .

أي: يشعرون حين يبعثون، أي: لو شعروا هذا في الدنيا ما شعروا في الآخرة؛ لم يعلموا ما عملوا.

ويحتمل قوله: ﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ﴾ : الأصنام التي عبدوها؛ هن أموات غير أحياء.

قال بعضهم: أموات لأنها لا تتكلم، ولا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضرّ؛ كالميت ﴿ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ﴾ : أي: ليس فيها أرواح ينتفع بها كالبهائم والأنعام، ويكون قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ راجعاً إلى الذين عبدوا الأصنام؛ لأنها لا تشعر أيان يبعثون، وهم يعلمون أنها لا تشعر ذلك؛ لكن هم يشعرون حين يبعثون.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ يبعث الآلهة والذين عبدوها جميعاً؛ كقوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ  مِن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ قال بعضهم: يحشر أولئك الذين عبدوا الأصنام، ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ : أي: حين يبعثون، ولو شعروا ذلك في الدنيا ما فعلوا [ما فعلوا] وإن كان قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ راجعاً إلى الملائكة والملوك الذين عبدوا دون الله يكون تأويل قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ : أي: لا يشعرون وقت يبعثون، وإن كان راجعاً إلى الأصنام، فقوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ : أي: لا يشعرون أنهم يبعثون، لا يحتمل أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ أن يقال [ذلك] في الأصنام؛ لأن أولئك يعلمون أنهم لا يخلقون، وإنما يقال ذلك في الأصنام: لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، فدل أن ذلك راجع إلى الملائكة والذين عبدوهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم ما يبين إبطال ما كانوا يعبدون، وما لا يليق بأمثالها العبادة لها؛ ونصبهم آلهة ثم ذكر ما يبين جعل الألوهية والربوبية أنه لواحد، وأنه هو المستحق لذلك دون العدد الذي عبدوها؛ فقال: إلهكم إله واحد لا العدد الذي عبد أولئك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ ﴾ : أي: منكرة للإيمان بالآخرة والبعث بعد الموت.

أو قلوبهم منكرة لجعل الألوهية والربوبية لواحد وصرف العبادة إليه؛ كقولهم: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ ﴾ لما جاء به الرسول، وهم مستكبرون على ما جاء به من الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ﴾ يحتمل مستكبرون على رسول الله، لم يروه أهلا لخضوع أمثالهم لمثله، أو مستكبرون إلى ما دعتهم الرسل؛ لأن الرسل جميعاً دعوا الخلق إلى وحدانية الله وجعل العبادة له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مَا يُسِرُّونَ ﴾ : من المكر برسول الله، والكيد له، ﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ من المظاهرة عليه.

أو يعلم ما يسرّون من أعمالهم الخبيثة التي أسروها و [ما] أعلنوها، يخبر أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم؛ أسرّوا أو أعلنوا.

وقوله: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ قال الأصم: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ : كلمة تستعملها العرب في إيجاب تحقيق أو نفي تحقيق؛ كقولهم: حقّاً، ولعمري، وايم الله، ونحوه.

وقال الحسن: هو كلمة وعيد.

وقال بعضهم: لا جرم، وحقّاً، وبلى، ولا بدّ، كلّه في الحاصل: يرجع إلى واحد، وهو وعيد؛ لأن قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ وعيد.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾ .

لأنه لا يحبّ الاستكبار، ولا يليق لأحد من الخلائق أن يتكبر على غيره من الخلق؛ لأن الخلق كلهم أشكال وأمثال، ولا يجوز لكل ذي [مثل وشكل] أن يتكبر على شكله [ومثله]؛ لأن تكبّر بعضهم على بعض كذب وزور؛ إذ جعل كلهم أمثالا وأشكالا، لذلك كان زوراً وكذباً، و قد حرم الله الكذب والزور، وجعله قبيحاً في العقول.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

حقًّا إن الله يعلم ما يسره هؤلاء من الأعمال، ويعلم ما يظهرونه منها , لا يخفى عليه شيء، وسيجازيهم عليها، إنه سبحانه لا يحب المستكبرين عن عبادته والخضوع له، بل يمقتهم أشد المقت.

<div class="verse-tafsir" id="91.goZpw"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله