الآية ٣٢ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٣٢ من سورة النحل

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٣٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 55 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٢ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٢ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أخبر تعالى عن حالهم عند الاحتضار ، أنهم طيبون ، أي : مخلصون من الشرك والدنس وكل سوء ، وأن الملائكة تسلم عليهم وتبشرهم بالجنة ، كما قال تعالى : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم ) [ فصلت : 30 - 32 ] .

وقد قدمنا الأحاديث الواردة في قبض روح المؤمن وروح الكافر عند قوله تعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) [ إبراهيم : 27 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: كذلك يجزي الله المتقين الذين تَقْبِض أرواحَهم ملائكةُ الله، وهم طيبون بتطييب الله إياهم بنظافة الإيمان، وطهر الإسلام في حال حياتهم وحال مماتهم.

كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ) قال: أحياء وأمواتا، قدر الله ذلك لهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وقوله ( يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ) يعني جلّ ثناؤه أن الملائكة تقبض أرواح هؤلاء المتقين، وهي تقول لهم: سلام عليكم صيروا إلى الجنة بشارة من الله تبشرهم بها الملائكة.

كما حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: أخبرني أبو صخر، أنه سمع محمد بن كعب القُرَظيّ يقول: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك فقال: السلام عليك وليّ الله، الله يقرأ عليك السلام ، ثم نـزع بهذه الآية ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ) ...

إلى آخر الآية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراسانيّ ، عن ابن عباس، قوله فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ قال: الملائكة يأتونه بالسلام من قِبَل الله، وتخبره أنه من أصحاب اليمين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا الأشبُّ أبو عليّ، عن أبي رجاء، عن محمد بن مالك، عن البراء، قال: قوله سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ قال: يسلم عليه عند الموت.

وقوله ( بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) يقول: بما كنتم تصيبون في الدنيا أيام حياتكم فيها طاعة الله ، طلب مرضاته.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

الذين تتوفاهم الملائكة طيبين قرأ [ ص: 92 ] الأعمش وحمزة يتوفاهم الملائكة في الموضعين بالياء ، واختاره أبو عبيد ; لما روي عن ابن مسعود أنه قال : إن قريشا زعموا أن الملائكة إناث فذكروهم أنتم .

الباقون بالتاء ; لأن المراد به الجماعة من الملائكة .

وطيبين فيه ستة أقوال : الأول : طيبين طاهرين من الشرك .

الثاني : صالحين .

الثالث : زاكية أفعالهم وأقوالهم .

الرابع : طيبين الأنفس ثقة بما يلقونه من ثواب الله - تعالى - .

الخامس : طيبة نفوسهم بالرجوع إلى الله .

السادس : طيبين أن تكون وفاتهم طيبة سهلة لا صعوبة فيها ولا ألم ; بخلاف ما تقبض به روح الكافر والمخلط .

والله أعلم .يقولون سلام عليكم يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون السلام إنذارا لهم بالوفاة .

الثاني : أن يكون تبشيرا لهم بالجنة ; لأن السلام أمان .

وذكر ابن المبارك قال : حدثني حيوة قال أخبرني أبو صخر عن محمد بن كعب القرظي قال : إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال : السلام عليك ولي الله الله يقرأ عليك السلام .

ثم نزع بهذه الآية " الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم " .

وقال ابن مسعود : إذا جاء ملك الموت يقبض روح المؤمن قال : ربك يقرئك السلام .

وقال مجاهد : إن المؤمن ليبشر بصلاح ولده من بعده لتقر عينه .

وقد أتينا على هذا في ( كتاب التذكرة ) وذكرنا هناك الأخبار الواردة في هذا المعنى ، والحمد لله .وقوله : ادخلوا الجنة يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون معناه أبشروا بدخول الجنة .

الثاني : أن يقولوا ذلك لهم في الآخرةبما كنتم تعملون يعني في الدنيا من الصالحات .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ْ} مستمرين على تقواهم { طَيِّبِينَ ْ} أي: طاهرين مطهرين من كل نقص ودنس يتطرق إليهم ويخل في إيمانهم، فطابت قلوبهم بمعرفة الله ومحبته وألسنتهم بذكره والثناء عليه، وجوارحهم بطاعته والإقبال عليه، { يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ْ} أي: التحية الكاملة حاصلة لكم والسلامة من كل آفة.

وقد سلمتم من كل ما تكرهون { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ْ} من الإيمان بالله والانقياد لأمره، فإن العمل هو السبب والمادة والأصل في دخول الجنة والنجاة من النار، وذلك العمل حصل لهم برحمة الله ومنته عليهم لا بحولهم وقوتهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ) مؤمنين طاهرين من الشرك .

قال مجاهد : زاكية أفعالهم وأقوالهم .

وقيل : معناه : إن وفاتهم تقع طيبة سهلة .

( يقولون ) يعني : الملائكة لهم ، ( سلام عليكم ) وقيل : يبلغونهم سلام الله ، ( ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين» نعت «تتوفاهم الملائكة طيبين» طاهرين من الكفر «يقولون» عند الموت «سلام عليكم» ويقال لهم في الآخرة «ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

جنات إقامة لهم، يستقرون فيها، لا يخرجون منها أبدًا، تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهار، لهم فيها كل ما تشتهيه أنفسهم، بمثل هذا الجزاء الطيب يجزي الله أهل خشيته وتقواه الذين تقبض الملائكةُ أرواحَهم، وقلوبُهم طاهرة من الكفر، تقول الملائكة لهم: سلام عليكم، تحية خاصة لكم وسلامة من كل آفة، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون من الإيمان بالله والانقياد لأمره.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين أحوال الأقوام الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم؟

قالوا: أساطير الأولين.

وذكر أنهم يحملون أوزارهم ومن أوزار أتباعهم، وذكر أن الملائكة تتوفاهم ظالمي أنفسهم، وذكر أنهم في الآخرة يلقون السلم، وذكر أنه تعالى يقول لهم ادخلوا أبواب جهنم، أتبعه بذكر وصف المؤمنين الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم؟

قالوا خيراً، وذكر ما أعده لهم في الدنيا والآخرة من منازل الخيرات ودرجات السعادات ليكون وعد هؤلاء مذكوراً مع وعيد أولئك وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال القاضي: يدخل تحت التقوى أن يكون تاركاً لكل المحرمات فاعلاً لكل الواجبات، ومن جمع بين هذين الأمرين فهو مؤمن كامل الإيمان، وقال أصحابنا: يريد الذين اتقوا الشرك وأيقنوا أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأقول: هذا أولى مما قاله القاضي، لأنا بينا أنه يكفي في صدق قوله فلان قاتل أو ضارب كونه آتياً بقتل واحد وضرب واحد، ولا يتوقف صدق هذا الكلام على كونه آتياً بجميع أنواع القتل وجميع أنواع الضرب، فعلى هذا قوله: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا ﴾ يتناول كل من أتى بنوع واحد من أنواع التقوى إلا أنا أجمعنا على أنه لابد من التقوى عن الكفر والشرك فوجب أن لا يزيد على هذا القيد لأنه لما كان تقييد المطلق خلاف الأصل، كان تقييد المقيد أكثر مخالفة للأصل، وأيضاً فلأنه تعالى إنما ذكر هؤلاء في مقابلة أولئك الذين كفروا وأشركوا، فوجب أن يكون المراد من اتقى عن ذلك الكفر والشرك، والله أعلم.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إنه قال في الآية الأولى، قالوا أساطير الأولين، وفي هذه الآية قالوا خيراً، فلم رفع الأول ونصب هذا؟.

أجاب صاحب الكشاف عنه بأن قال: المقصود منه الفصل بين جواب المقر وجواب الجاحد يعني أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفاً مفعولاً للإنزال فقالوا خيراً أي أنزل خيراً، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو أساطير الأولين وليس من الإنزال في شيء.

المسألة الثالثة: قال المفسرون هذا كان في أيام الموسم، يأتي الرجل مكة فيسأل المشركين عن محمد وأمره فيقولون إنه ساحر وكاهن وكذاب، فيأتي المؤمنين ويسألهم عن محمد وما أنزل الله عليه فيقولون خيراً، والمعنى: أنزل خيراً.

ويحتمل أن يكون المراد الذي قالوه من الجواب موصوف بأنه خير، وقولهم خير جامع لكونه حقاً وصواباً، ولكونهم معترفين بصحته ولزومه فهو بالضد من قول الذين لا يؤمنون بالآخرة، أن ذلك أساطير الأولين على وجه التكذيب.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ﴾ وما بعده بدل من قوله: ﴿ خَيْرًا ﴾ وهو حكاية لقول الذين اتقوا، أي قالوا هذا القول، ويجوز أيضاً أن يكون قوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ﴾ إخباراً عن الله، والتقدير: إن المتقين لما قيل لهم: ﴿ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا ﴾ ثم إنه تعالى أكد قولهم وقال: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ ﴾ وفي المراد بقوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ﴾ قولان، أما الذين يقولون: إن أهل لا إله إلا الله يخرجون من النار فإنهم يحملونه على قول لا إله إلا الله مع الاعتقاد الحق، وأما المعتزلة الذين يقولون: إن فساق أهل الصلاة لا يخرجون من النار يحملون قوله: ﴿ أَحْسَنُواْ ﴾ على من أتى بالإيمان وجميع الواجبات واحترز عن كل المحرمات.

وأما قوله: ﴿ فِى هذه الدنيا ﴾ ففيه قولان: القول الأول: أنه متعلق بقوله: ﴿ أَحْسَنُواْ ﴾ والتقدير: للذين اتقوا بعمل الحسنة في الدنيا فلهم في الآخرة حسنة، وتلك الحسنة هي الثواب العظيم، وقيل: تلك الحسنة هو أن ثوابها يضاعف بعشر مرات وبسبعمائة وإلى ما لا نهاية له.

والقول الثاني: أن قوله: ﴿ فِى هذه الدنيا ﴾ متعلق بقوله: ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ والتقدير: للذين أحسنوا أن تحصل لهم الحسنة في الدنيا، وهذا القول أولى، لأنه قال بعده: ﴿ وَلَدَارُ الأخرة خَيْرٌ ﴾ وعلى هذا التقدير ففي تفسير هذه الحسنة الحاصلة في الدنيا وجوه: الأول: يحتمل أن يكون المراد ما يستحقونه من المدح والتعظيم والثناء والرفعة، وجميع ذلك جزاء على ما عملوه.

والثاني: يحتمل أن يكون المراد به الظفر على أعداء الدين بالحجة وبالغلبة لهم، وباستغنام أموالهم وفتح بلادهم، كما جرى ببدر وعند فتح مكة، وقد أجلوهم عنها وأخرجوهم إلى الهجرة، وإخلاء الوطن، ومفارقة الأهل والولد وكل ذلك مما يعظم موقعه.

والثالث: يحتمل أن يكون المراد أنهم لما أحسنوا بمعنى أنهم أتوا بالطاعات فتح الله عليهم أبواب المكاشفات والمشاهدات والألطاف كقوله تعالى: ﴿ والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى  ﴾ .

وأما قوله: ﴿ وَلَدَارُ الأخرة خَيْرٌ ﴾ فقد بينا في سورة الأنعام في قوله: ﴿ وَلَلدَّارُ الأخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ  ﴾ بالدلائل القطعية العقلية حصول هذا الخير، ثم قال: ﴿ وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين ﴾ أي لنعم دار المتقين دار الآخرة، فحذفت لسبق ذكرها، هذا إذا لم تجعل هذه الآية متصلة بما بعدها، فإن وصلتها بما بعدها قلت: ولنعم دار المتقين جنات عدن فترفع جنات على أنها اسم لنعم، كما تقول: نعم الدار دار ينزلها زيد.

وأما قوله: ﴿ جنات عَدْنٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنها إن كانت موصولة بما قبلها، فقد ذكرنا وجه ارتفاعها، وأما إن كانت مقطوعة، فقال الزجاج: جنات عدن مرفوعة بإضمار هي كأنك لما قلت ولنعم دار المتقين قيل: أي دار هي هذه الممدوحة فقلت: هي جنات عدن، وإن شئت قلت: جنات عدن رفع بالإبتداء، ويدخلونها خبره، وإن شئت قلت: نعم دار المتقين خبره، والتقدير: جنات عدن نعم دار المتقين.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ جنات ﴾ يدل على القصور والبساتين وقوله: ﴿ عَدْنٍ ﴾ يدل على الدوام، وقوله: ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ يدل على أنه حصل هناك أبنية يرتفعون عليها وتكون الأنهار جارية من تحتهم، ثم إنه تعالى قال: ﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءونَ ﴾ وفيه بحثان: الأول: أن هذه الكلمة تدل على حصول كل الخيرات والسعادات، وهذا أبلغ من قوله: ﴿ فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين  ﴾ لأن هذين القسمين داخلان في قوله: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا مَا يشاؤن ﴾ مع أقسام أخرى.

الثاني: قوله: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا مَا يشاؤن ﴾ يعني هذه الحالة لا تحصل إلا في الجنة، لأن قوله: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا مَا يشاؤن ﴾ يفيد الحصر، وذلك يدل على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده في الدنيا.

ثم قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَجْزِى الله المتقين ﴾ أي هكذا جزاء التقوى، ثم إنه تعالى عاد إلى وصف المتقين فقال: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طَيّبِينَ ﴾ وهذا مذكور في مقابلة قوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ  ﴾ وقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ صفة للمتقين في قوله: ﴿ كَذَلِكَ يَجْزِى الله المتقين ﴾ وقوله: ﴿ طَيّبِينَ ﴾ كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة، وذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به، واجتنابهم عن كل ما نهوا عنه ويدخل فيه كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة مبرئين عن الأخلاق المذمومة، ويدخل فيه كونهم مبرئين عن العلائق الجسمانية متوجهين إلى حضرة القدس والطهارة، ويدخل فيه أنه طاب لهم قبض الأرواح وأنها لم تقبض إلا مع البشارة بالجنة حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها ومن هذا حاله لا يتألم بالموت، وأكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح، وإن كان الحسن يقول: إنه وفاة الحشر، ثم بين تعالى أنه يقال لهم عند هذه الحالة: ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ فاحتج الحسن بهذا على أن المراد بذلك التوفي وفاة الحشر، لأنه لا يقال عند قبض الأرواح في الدنيا ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون، ومن ذهب إلى القول الأول وهم الأكثرون يقولون: إن الملائكة لما بشروهم بالجنة صارت الجنة كأنها دارهم وكأنهم فيها فيكون المراد بقولهم، ادخلوا الجنة أي هي خاصة لكم كأنكم فيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ خَيْرًا ﴾ أنزل خيراً فإن قلت: لم نصب هذا ورفع الأول؟

قلت: فصلا بين جواب المقرّ وجواب الجاحد، يعني أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفاً مفعولاً للإنزال، فقالوا خيراً: أي أنزل خيراً، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطير الأوّلين، وليس من الإنزال في شيء.

وروي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف وقالوا: إن لم تلقه كان خيراً لك، فيقول: أنا شرّ وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه، فيلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبرونه بصدقه، وأنه نبيّ مبعوث، فهم الذين قالوا خيراً.

وقوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ﴾ وما بعده بدل من خيراً، حكاية لقوله: ﴿ لّلَّذِينَ اتقوا ﴾ أي: قالوا هذا القول، فقدّم عليه تسميته خيراً ثم حكاه.

ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ عدة للقائلين، ويجعل قولهم من جملة إحسانهم ويحمدوه عليه ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ مكافأة في الدنيا بإحسانهم، ولهم في الآخرة ما هو خير منها، كقوله ﴿ فاتاهم الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة ﴾ [آل عمران: 148] ﴿ وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين ﴾ دار الآخرة، فحذف المخصوص بالمدح لتقدّم ذكره.

و ﴿ جنات عَدْنٍ ﴾ خبر مبتدأ محذوف ويجوز أن يكون المخصوص بالمدح ﴿ طَيّبِينَ ﴾ طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي.

لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم ﴿ يَقُولُونَ سلام عَلَيْكُمُ ﴾ قيل: إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فقال: السلام عليك يا وليّ الله، الله يقرأ عليك السلام، وبشره بالجنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ﴾ طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ.

وقِيلَ فَرِحِينَ بِبِشارَةِ المَلائِكَةِ إيّاهم بِالجَنَّةِ، أوْ طَيِّبِينَ بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ لِتُوَجَّهَ نُفُوسُهم بِالكُلِّيَّةِ إلى حَضْرَةِ القُدُسِ.

﴿ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ﴾ لا يُحِيقُكم بَعْدُ مَكْرُوهٌ.

﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ حِينَ تُبْعَثُونَ فَإنَّها مُعَدَّةٌ لَكم عَلى أعْمالِكم.

وقِيلَ هَذا التَّوَفِّي وفاةُ الحَشْرِ لِأنَّ الأمْرَ بِالدُّخُولِ حِينَئِذٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)

{الذين تتوفاهم الملائكة طَيِّبِينَ} طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم {يَقُولُونَ سلام عَلَيْكُمُ} قيل إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فقال السلام عليك يا ولي الله الله يقرأ عليك السلام ويبشره بالجنة ويقال لهم في الآخرة {ادخلوا الجنة بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} بعملكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ نَعْتٌ لِلْمُتَّقِينَ وجُوِّزَ قَطْعُهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ طَيِّبِينَ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِهِمْ، ومَعْناهُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي مُعاذٍ طاهِرِينَ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ وهو المُناسِبُ لِجَعْلِهِ في مُقابَلَةِ ﴿ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ في وصْفِ الكَفَرَةِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالظُّلْمِ أعْظَمُ أنْواعِهِ وهو الشِّرْكُ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ ذِكْرَ الطِّهارَةِ عَنِ الشِّرْكِ وحْدَهُ لا فائِدَةَ فِيهِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالتَّقْوى.

وأُجِيبُ بِأنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ الإشارَةُ إلى أنَّ الطَّهارَةَ عَنِ الشِّرْكِ هي الأصْلُ الأصِيلُ.

وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ بَعْدَ تَفْسِيرِ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ وتَفْسِيرِ طَيِّبَيْنِ بِطاهِرِينَ عَنْ دَنَسِ الظُّلْمِ وجَعْلِهِ حالًا قالَ: وفائِدَتُهُ الإيذانُ بِأنَّ مَلاكَ الأمْرِ في التَّقْوى هو الطَّهارَةُ عَمّا ذُكِرَ إلى وقْتِ تَوَفِّيهِمْ، فَفِيهِ حَثٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الِاسْتِمْرارِ عَلى ذَلِكَ ولِغَيْرِهِمْ عَلى تَحْصِيلِهِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ- بِطَيِّبِينَ- زاكِيَةٌ أقْوالُهم وأفْعالُهُمْ، وهو مُرادُ مَن قالَ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي وإلى هَذا ذَهَبَ الرّاغِبُ حَيْثُ قالَ: الطَّيِّبُ مِنَ الإنْسانِ مَن تَعَرّى مِن نَجاسَةِ الجَهْلِ والفِسْقِ وقَبائِحِ الأعْمالِ وتَحَلّى بِالعِلْمِ والإيمانِ ومَحاسِنِ الأعْمالِ وإيّاهم قَصَدَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ﴾ .

وانْتُصِرَ لِذَلِكَ بِأنَّ وصْفَهم بِأنَّهم مُتَّقُونَ مَوْعُودُونَ بِالجَنَّةِ في مُقابَلَةِ الأعْمالِ يَقْتَضِي ما ذُكِرَ، وحَمَلُوا الظُّلْمَ فِيما مَرَّ عَلى ما يَعُمُّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ لِأنَّ ذَلِكَ مُجابٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ﴾ فَلا تَفُوتُ المُناسَبَةُ في جَعْلِ هَذا مُقابِلًا لِذاكَ لَكِنْ في الِاسْتِدْلالِ بِما ذُكِرَ في الجَوابِ عَلى إرادَةِ العامِّ ما لا يَخْفى، والكَثِيرُ عَلى تَفْسِيرِ الطَّيِّبِ بِالطّاهِرِ عَنْ قاذُوراتِ الذُّنُوبِ مُطابِقُ الَّذِي لا خُبْثَ فِيهِ، وقِيلَ: المَعْنى فَرِحِينَ بِبِشارَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إيّاهم أوْ بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ لِتَوَجُّهِ نُفُوسِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ إلى حَضْرَةِ القُدْسِ، فالمُرادُ بِالطَّيِّبِ طَيِّبُ النَّفْسِ وطَيِّبُها عِبارَةٌ عَنِ القَبُولِ مَعَ انْشِراحِ الصَّدْرِ ﴿ يَقُولُونَ ﴾ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «الَّذِينَ» مُبْتَدَأً خَبَرُهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أيْ قائِلِينَ أوْ قائِلُونَ لَهُمْ: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ﴾ لا يَحِيقُكم بَعْدُ مَكْرُوهٌ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: ورَوى نَحْوَهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ: إذا اسْتُدْعِيَتْ نَفْسُ المُؤْمِنِ جاءَهُ مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا ولِيَّ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ وبَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ ﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ تَعالى لَكم ووَعَدَكم إيّاها وكَأنَّها إنَّما لَمْ تُوصَفْ لِشُهْرَةِ أمْرِها.

وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ اللّامُ لِلْعَهْدِ أيْ ( جَنّاتُ عَدْنٍ ) إلَخْ ولِذَلِكَ جُرِّدَتْ عَنِ النَّعْتِ وهو كَما تَرى، والمُرادُ دُخُولُهم فِيها بَعْدَ البَعْثِ بِناءً عَلى أنَّ المُتَبادِرَ الدُّخُولُ بِالأرْواحِ والأبْدانِ والمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ بِذَلِكَ قَبْلَ مَجِيءِ وقَتِهِ البِشارَةُ بِالجَنَّةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الدُّخُولُ حِينَ التَّوَفِّي بِناءً عَلى حَمْلِ الدُّخُولِ عَلى الدُّخُولِ بِالأرْواحِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ خَبَرُ: ««القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ»».

وكَوْنُ البِشارَةِ بِذَلِكَ دُونَ البِشارَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ لا يَمْنَعُ عَنْ ذَلِكَ عَلى أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ البِشارَةَ بِدُخُولِ الجَنَّةِ بِالأرْواحِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْبِشارَةِ بِدُخُولِها بِالأرْواحِ والأبْدانِ عِنْدَ وقْتِهِ، وكَوْنُ هَذا القَوْلِ كَسابِقِهِ عِنْدَ قَبْضِ الأرْواحِ هو المَرْوِيَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ والحَسَنُ: إنَّ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ مِنَ التَّوَفِّي وفاةُ الحَشْرِ أعْنِي تَسْلِيمَ أجْسادِهِمْ وإيصالَها إلى مَوْقِفِ الحَشْرِ مَن تَوَفّى الشَّيْءَ إذا أخَذَهُ وافِيًا، وجُوِّزَ حَمْلُ التَّوَفِّي عَلى المَعْنى المُتَعارَفِ مَعَ كَوْنِ القَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ إمّا بِجَعْلِ ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ يَقُولُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا أوْ بِجَعْلِ يَقُولُونَ حالًا مُقَدَّرَةً مِنَ المَلائِكَةِ (والَّذِينَ) عَلى حالِهِ أوَّلًا وحالُ ذَلِكَ لا يَخْفى ﴿ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ بِسَبَبِ ثَباتِكم عَلى التَّقْوى والطّاعَةِ بِالَّذِي كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ مِن ذَلِكَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ العادِيَّةِ، وهي فِيما في الصَّحِيحَيْنِ مِن قَوْلِهِ  : ««لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أحَدُكم بِعَمَلِهِ»».

الحَدِيثَ، لِلسَّبَبِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَةِ والحَدِيثِ، وبَعْضُهم جَعَلَ الباءَ لِلْمُقابَلَةِ دَفْعًا لِلتَّعارُضِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ أي: ملك الموت طَيِّبِينَ يقول: زاكين طاهرين من الشرك والذنوب، يَقُولُونَ أي: يقول لهم خزنة الجنة في الآخرة: سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا.

ويقال: هذا مقدم ومؤخر، أي: جنات عدن يدخلونها.

ثم قال: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ قرأ حمزة: الذين يتوفاهم بالياء بلفظ التذكير.

والباقون: بالتاء بلفظ التأنيث، لأن الفعل إذا كان قبل الاسم جاز التذكير والتأنيث.

قوله: لْ يَنْظُرُونَ يقول: ما ينظرون وهم أهل مكةلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أي: ملك الموت ليقبض أرواحهم وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ أي: عذاب ربك يوم بدر، ويقال: يوم القيامةذلِكَ فَعَلَ أي: كذلك كذبَ ذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ رسلهم، كما كذبك قومك، فأهلكهم الله تعالى ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ يعني: بإهلاكه إياهم لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بتكذيبهم رسلهم.

قرأ حمزة والكسائي: إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ بالياء بلفظ التذكير، والباقون بلفظ التأنيث، لأن الفعل مقدم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)

وقوله سبحانه: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ...

الآية: لما وصف سبحانه مقالَةَ الكفَّار الذين قالوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ...

[النحل: ٢٤] عادل ذلك بذكر مقالة المؤمنين من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأوجب لكلِّ فريقٍ ما يستحقُّ، وقولهم: خَيْراً جوابٌ بحسبِ السؤالِ، واختلف في قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ...

إلى آخر الآية، هل هو ابتداء كَلاَمٍ أو هو تفسيرٌ ل «الخير» الذي أَنْزَلَ اللَّه في الوَحْي على نبِّينا خبراً أنَّ من أحسَنَ في الدنيا بالطَّاعة، فله حسنةٌ في الدنيا ونعيمٌ في الآخرة، وروى أنَسُ بنُ مالكٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قال: «أَنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ» «١» .

وقوله سبحانه: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ...

الآية: تقدّم تفسير نظيرها، وطَيِّبِينَ: عبارةٌ عن صالح حالهم، واستعدادهم للمَوْت، و «الطَّيِّب» الذي لا خُبْثَ معه، وقولُ الملائكة: سَلامٌ عَلَيْكُمْ: بشارةٌ من اللَّه تعالى، / وفي هذا المعنَى أحاديثُ صحاحٌ يطول ذكْرها، وروى ابن المبارك في «رقائقه» عن محمد بن كَعْب القُرَظِيِّ قال: إِذا استنقعت نَفْسُ العَبْدِ المؤمن، جاءه مَلَكٌ، فقال: السَلامُ علَيْكَ، وليَّ اللَّهِ، اللَّهُ يُقْرِىءُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، ثُمَّ نَزَعَ بهذه الآية: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ...

انتهى.

«٢» .

وقوله سبحانه: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: علَّق سبحانه دخولَهُمُ الجَنَّة بأعمالهم من حيثُ جعَلَ الأعمالَ أمارةً لإِدخال العَبْدِ الجنَّةِ، ولا معارضة بين الآية، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ يَدْخُلُ أَحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ!» قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: «وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِفَضْلٍ مِنْهُ وَرَحْمَةٍ» «٣» ، فإِن الآية تردُّ بالتأويل إِلى معنى الحديث.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ بَعَثُوا سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا إلى عِقابِ مَكَّةَ أيّامَ الحَجِّ عَلى طَرِيقِ النّاسِ، فَفَرَّقُوهم عَلى كُلِّ عَقَبَةٍ أرْبَعَةُ رِجالٍ، لِيَصُدُّوا النّاسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  وقالُوا لَهم: مَن أتاكم مِنَ النّاسِ يَسْألُكم عَنْ مُحَمَّدٍ فَلْيَقُلْ بَعْضُكم: شاعِرٌ، وبَعْضُكم: كاهِنٌ، وبَعْضُكم: مَجْنُونٌ، وألّا تَرَوْهُ ولا يَراكم خَيْرٌ لَكم، فَإذا انْتَهَوْا إلَيْنا صَدَّقْناكم، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَبَعَثَ إلى كُلِّ أرْبَعَةٍ مِنهم أرْبَعَةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَأُمِرُوا أنْ يُكَذِّبُوهم، فَكانَ النّاسُ إذا مَرُّوا عَلى المُشْرِكِينَ، فَقالُوا ما قالُوا، رَدَّ عَلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ، وقالُوا كَذَبُوا، بَلْ يَدْعُو إلى الحَقِّ، ويَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ، ويَدْعُو إلى الخَيْرِ، فَيَقُولُونَ: وما هَذا الخَيْرُ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ ؟

فَيَقُولُونَ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ﴾ » .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا خَيْرًا ﴾ أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الخَيْرَ فَقالَ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا ﴾ قالُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأحْسَنُوا العَمَلَ " حَسَنَةٌ " أيْ: كَرامَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ، وهي الجَنَّةُ، وقِيلَ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ﴾ في الدُّنْيا وهي ما رَزَقَهم مِن خَيْرِها وطاعَتِهِ فِيها، ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ ﴾ يَعْنِي: الجَنَّةَ ﴿ خَيْرٌ ﴾ مِنَ الدُّنْيا.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الجَنَّةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ الآخِرَةُ، غَيْرَ أنَّهُ لَمّا ذُكِرَتْ أوَّلًا، عُرِفَ مَعْناها آخِرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ جَنّاتُ عَدْنٍ.

والثّانِي: أنَّها الدُّنْيا.

قالَ الحَسَنُ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ الدُّنْيا، لِأنَّهم نالُوا بِالعَمَلِ فِيها ثَوابَ الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (بَراءَةٍ:٧٢) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ " يَتَوَفّاهم " بِياءٍ مَعَ الإمالَةِ.

وفي مَعْنى " طَيِّبِينَ " خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مُؤْمِنِينَ.

والثّانِي: طاهِرِينَ مِنَ الشِّرْكِ.

والثّالِثُ: زاكِيَةٌ أفْعالُهم وَأقْوالُهم.

والرّابِعُ: طَيِّبَةٌ وفاتَهم، سَهْلٌ خُرُوجُ أرْواحِهِمْ.

والخامِسَةُ: طَيِّبَةٌ أنْفُسُهم بِالمَوْتِ، ثِقَةً بِالثَّوابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ﴾ .

وَفِي أيِّ وقْتٍ يَكُونُ هَذا [السَّلامُ] فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِنْدَ المَوْتِ.

قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مَلَكُ المَوْتِ إذا دَخَلَ عَلَيْهِ.

وقالَ القُرَظِيُّ: ويَقُولُ لَهُ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، ويُبَشِّرُهُ بِالجَنَّةِ.

والثّانِي: عِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ.

قالَ مُقاتِلٌ: هَذا قَوْلُ خَزَنَةِ الجَنَّةِ لَهم في الآخِرَةِ، يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ المُتَّقِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْتَفِعَ "جَنّاتُ" عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ بِتَقْدِيرِ: هي جَنّاتُ عَدْنٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَرْتَفِعَ بِقَوْلِهِ: "وَلَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ جَنّاتُ عَدْنٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "جَنّاتُ" مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: "يَدْخُلُونَها"، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "جَنّاتَ" بِالنَصْبِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ: "زَيْدًا ضَرَبْتُهُ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَدْخُلُونَها" وقَرَأ إسْماعِيلُ عن نافِعٍ: "يُدْخَلُونَها" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ، ولا يَصِحُّ هَذا عن نافِعٍ، ورُوِيَتْ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ بْنِ نِصاحٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَتَوَفّاهُمْ" بِالتاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: "يَتَوَفّاهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "تَوَفّاهُمْ" بِتاءٍ واحِدَةٍ في المَوْضِعَيْنِ.

و"طَيِّبِينَ" عِبارَةٌ عن صَلاحِ حالِهِمْ واسْتِعْدادِهِمْ لِلْمَوْتِ، وهَذا بِخِلافٍ ما قالَ في الكَفَرَةِ: "ظالِمِي أنْفُسِهِمْ"، والطَيِّبُ: الَّذِي لا خُبْثَ مَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ  ﴾ وقَوْلُ المَلائِكَةِ: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ﴾ بِشارَةً مِنَ اللهِ تَعالى، وفي هَذا أحادِيثٌ صِحاحٌ يَطُولُ ذِكْرُها.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ: بِما كانَ في أعْمالكم مِن تَكَسُّبِكُمْ، وهَذا عَلى التَجَوُّزِ، عَلَّقَ دُخُولَهُمُ الجَنَّةَ بِأعْمالِهِمْ مِن حَيْثُ جَعَلَ الأعْمالُ أمارَةً لِإدْخالِ العَبْدِ الجَنَّةَ، ويَعْتَرِضُ في هَذا قَوْلِ رَسُولِ اللهِ  : « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أحَدٌ بِعَمَلِهِ"، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولُ اللهِ؟

قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ"،» وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ بِالتَأْوِيلِ إلى مَعْنى الحَدِيثِ، ومِنَ الرَحْمَةِ والتَغَمُّدِ، أنْ يُوَفِّقَ اللهُ العَبْدَ إلى أعْمالٍ بَرَّةٍ، ومَقْصِدُ الحَدِيثِ نَفْيُ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلى اللهِ تَعالى بِالعَقْلِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ فَرِيقٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

مقابل قوله في أضدادهم ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ ، فما قيل في مقابله يقال فيه.

وقرأ الجمهور ﴿ تتوفاهم ﴾ بفوقيّتين، مثل نظيره.

وقرأه حمزة وخلَف بتحتية أولى كذلك.

والطيّب: بزنة فَيْعل، مثل قَيم وميّت، وهو مبالغة في الاتّصاف بالطيب وهو حسن الرائحة.

ويطلق على محاسن الأخلاق وكمال النّفس على وجه المجاز المشهور فتوصف به المحسوسات كقوله تعالى: ﴿ حلالاً طيباً ﴾ [سورة البقرة: 168] والمعاني والنفسيات كقوله تعالى: ﴿ سلام عليكم طبتم ﴾ [سورة الزمر: 73].

وقولهم: طبت نفساً.

ومنه قوله تعالى: ﴿ والبلد الطيّب يخرج نباته بإذن ربه ﴾ [سورة الأعراف: 58].

وفي الحديث «إنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّباً» أي مَالاً طيباً حلالاً.

فقوله تعالى هنا طيبين } يجمع كل هذه المعاني، أي تتوفّاهم الملائكة منزّهين من الشرك مطمئنيّ النفوس.

وهذا مقابل قوله في أضدادهم ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ [سورة النحل: 28].

وجملة ﴿ يقولون سلام عليكم ﴾ حال من ﴿ الملائكة ﴾ وهي حال مقارنة ل ﴿ تتوفاهم ﴾ ، أي يتوفّونهم مسلّمين عليهم، وهو سلام تأنيس وإكرام حين مجيئهم ليتوفّوهم، لأن فعل ﴿ تتوفاهم ﴾ يبتدئ من وقت حلول الملائكة إلى أن تنتزع الأرواح وهي حصّة قصيرة.

وقولهم: ﴿ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ﴾ هو مقابل قولهم لأضدادهم ﴿ إن الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب جهنم ﴾ [سورة النحل: 28، 29].

والقول في الأمر بالدخول للجنّة حين التوفّي كالقول في ضدّه المتقدم آنفاً.

وهو هنا نعيم المكاشفة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الجَنَّةَ خَيْرٌ مِنَ النّارِ، وهَذا وإنْ كانَ مَعْلُومًا فالمُرادُ بِهِ تَبْشِيرُهم بِالخَلاصِ مِنها: الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ مِن دارِ الدُّنْيا، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

﴿ وَلَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ الآخِرَةُ.

الثّانِي: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ الدُّنْيا، قالَ الحَسَنُ: لِأنَّهم نالُوا بِالعَمَلِ فِيها ثَوابَ الآخِرَةِ ودُخُولَ الجَنَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ﴾ قِيلَ مَعْناهُ صالِحِينَ.

وَيَحْتَمِلُ طَيِّبِي الأنْفُسِ ثِقَةً بِما يَلْقَوْنَهُ مِن ثَوابِ اللَّهِ تَعالى.

وَيَحْتَمِلُ - وجْهًا ثالِثًا - أنْ تَكُونَ وفاتُهم وفاةً طَيِّبَةً سَهْلَةً لا صُعُوبَةَ فِيها ولا ألَمَ بِخِلافِ ما تُقْبَضُ عَلَيْهِ رُوحُ الكافِرِ.

﴿ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ السَّلامُ عَلَيْهِمْ إنْذارًا لَهم بِالوَفاةِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ تَبْشِيرًا لَهم بِالجَنَّةِ؛ لِأنَّ السَّلامَ أمانٌ.

﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أبْشِرُوا بِدُخُولِ الجَنَّةِ.

الثّانِي: أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لَهم في الآخِرَةِ.

﴿ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا مِنَ الصّالِحاتِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ﴾ قال: أحياء وأمواتاً، قدر الله ذلك لهم.

وأخرج ابن مالك وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، وأبو القاسم بن منده في كتاب الأحوال، والبيهقي في شعب الإِيمان، عن محمد بن كعب القرظي قال: إذا استفاقت نفس العبد المؤمن، جاءه الملك فقال: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام.

ثم نزع بهذه الآية ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ﴾ الذين في موضع نصب؛ لأنه صفة المتقين في قوله: ﴿ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ﴾ .

قولى تعالى: ﴿ طَيِّبِينَ ﴾ ، أي: بأعمالهم الصالحة، خلاف من يتوفاهم خبيثين بأعمالهم القبيحة، قال الكلبي: طيبين من الشرك (١) (٢) (١) ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير البغوي" 5/ 17، وابن الجوزي 4/ 443، و"تفسير القرطبي" 10/ 101، والخازن 3/ 113، و"تنوير المقباس" ص 285، و"الشوكاني" 3/ 229، والألوسي 14/ 133، وصديق خان 7/ 236.

(٢) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 156 أ، بلفظه، وانظر: البغوي 5/ 17، والخازن 3/ 113، والألوسي 14/ 133، وورد غير منسوب في "تفسير ابن الجوزي" 4/ 443، و"القرطبي" 10/ 101، و"الشوكاني" 3/ 230، وصديق خان 7/ 236.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً ﴾ لما وصف مقالة الكفار الذين قالوا أساطير الأولين: قابل ذلك بمقالة المؤمنين، فإن قيل: لم نصب جواب المؤمنين وهو قولهم: خيراً، رفع جواب الكافرين وهو أساطير الأولين؟

فالجواب: أن قولهم خيراً منصوب بفعل مضمر تقديره أنزل خيراً، ففي ذلك اعتراف بأن الله أنزله، وأما أساطير الأولين فهو خبر ابتداء مضمر تقديره هو أساطير الأولين، فلم يعترفوا بأن الله أنزله فلا وجه لنصبه، ولو كان منصوباً لكان الكلام متناقضاً؛ لأن قولهم أساطير الأولين يقتضي التكذيب بأن الله أنزله، والنصب بفعل مضمر يقتضي التصديق بأن الله أنزله، لأن تقديره أنزل، فإن قيل: يلزم مثل هذا في الرفع، لأن تقديره هو أساطير الأولين، فإنه غير مطابق للسؤال الذي هو ماذا أنزل ربكم، الجواب: أنهم عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو أساطير الأولين، ولم ينزله الله ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ ﴾ ارتفع حسنة بالابتداء وللذين خبره، والجملة بدل من خيراً، وتفسيره للخير الذي قالوا، وقيل: هي استئناف كلام الله تعالى، لا من كلام الذين قالوا خيراً ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ ﴾ يحتمل أن يكون هو اسم الممدوح بنعم، فيكون مبتدأ وخبره فيما قبله أو خبر ابتداء مضمر، ويحتمل أن يكون مبتدأ وخبره يدخلونها أو مضمر تقديره: لهم جنات عدن.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ هداي ﴾ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي.

وقرأ الخزاز عن هبيرة ﴿ شركائي الذين ﴾ مرسلة الياء، الباقون بفتح الياء وكذلك في "الكهف" و"القصص".

﴿ تشاقون ﴾ بكسر النون: نافع، الآخرون بفتحها ﴿ تتوفاهم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وخلف ﴿ لا يهدي ﴾ بفتح الياء وكسر الدال: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون بضم الياء وفتح الدال.

﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي، الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ الأولين ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ يوم القيامة ﴾ لا لأن قوله ﴿ ومن أوزار ﴾ مفعول ﴿ ليحملوا ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ ما يزرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فيهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة ﴿ أنفسهم ﴾ ص لطول الكلام ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ أنزل ربكم ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ يشاءُون ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ طيبين ﴾ ه لا لأن ما بعده حال آخر.

﴿ سلام عليكم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ادخلوا ﴾ مفعول ﴿ يقولون ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ط ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ الثاني ط ﴿ من قبلهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الطاغوت ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ الضلالة ﴾ ط ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ يموت ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م لأن جواب "لو" محذوف أي لو كانوا يعلمون لما اختاروا الدنيا على الآخرة، ولو وصل لصار قوله: ﴿ ولأجر الآخرة ﴾ متعلقاً بشرط "أن" ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهو محال ﴿ يعلمون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين صبروا ﴾ بدل ﴿ الذين هاجروا ﴾ ﴿ يتوكلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد أراد أن يذكر شبهات منكري النبوة مع أجوبتها.

فالشبهة الأولى أنهم طعنوا في القرآن وعدّوه من قبيل الأساطير.

قال النحويون: "ماذا" منصوب بأنزل بمعنى أي شيء أنزله ربكم، أو "ما" مبتدأ و "ذا" موصولة، والجملة صلتها، والمجموع خبر المبتدأ، وعلى التقديرين: فقوله: ﴿ أساطير الأوّلين ﴾ بالرفع ليس بجواب للكفار وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأوّلين والكفار لا يقرون بالإنزال فهو إذن كلام مستأنف أي ليس ما تدّعون إنزاله منزلاً بل هو أساطير الأولين.

وقال في الكشاف: معناه المنزل أساطير الأوّلين وذكر في دفع التناقض أنه على السخرية كقوله: { ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ وجوز كونه منصوباً ولم يقرأ به.

واختلفوا في السائل فقيل: هو كلام بعضهم لبعض.

وقيل: هو قول المسلمين لهم وقيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله  إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله  قالوا: أحاديث الأوّلين وأباطيلهم، ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والحقائق والدقائق.

ثم إنه تعال اقتصر في جواب شبههم على محض الوعي لأنه قد ثبت بالتحدي كما مر ذكره مراراً أن القرآن معجز تحدوا بالقرآن جملة ثم بعشر سور ثم بسورة فعجزوا عن المعارضة فكان طعنهم فيه بعد ذلك مجرد المكابرة والعناد فلم يستحقوا في الجواب إلا التهديد والوعيد.

واللام في قوله: ﴿ ليحملوا ﴾ ليس لام الغرض لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لغرض حمل الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن التعليل به فكان لام العاقبة، وقوله: ﴿ كاملة ﴾ معناه أنه  لا يخفف من عقابهم شيئاً، وفيه دليل على أنه  قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين لأن هذا المعنى لو كان حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة.

قال الواحدي: لفظة "من" في قوله: ﴿ ومن أوزار الذين ﴾ ليست للتبعيض فإنه لا يخفف عن الأتباع بعض أوزارهم لقوله  "أيما داع دعا إلى الضلال فاتبع كان عليه وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء" ولكنها للابتداء أي لحملوا ما قد نشأ من أوزار الاتباع، أو للبيان أي ليحملوا ما هو من جنس أوزار تبعهم.

ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلاً منهم بما يتسحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال.

وقال في الكشاف: ﴿ بغير علم ﴾ حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال.

وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل.

ثم أوعدهم بما هو النهاية في التهديد فقال: ﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ وزرهم.

ثم حكى حال أضرابهم من المتقدين فقال: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان بنى صرحاً عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع - وقيل فرسخان - ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا، وألقت رأس الصرح في البحر فأحدث نمروذ وتبلبلت يومئذٍ ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وتسعين لساناً ولذلك سميت ببابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وابتلاه الله ببعوضة دخلت دماغه والحكاية مشهورة.

والأصح أن الآية عامة في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحق الضرر بالمحقين.

وعلى القول الأوّل معنى قوله: ﴿ فأتى الله ﴾ أي أمره وحكمه ﴿ بنيانهم من القواعد ﴾ وهي أساطين البناء التي تعمده أو الأساس أنه أسقط السقف عليهم بعد هدم القواعد.

وفائدة زيادة قوله: ﴿ من فوقهم ﴾ التنصيص على أن الأبنية تهدمت وهم ماتوا تحتها، وعلى الثاني يكون الكلام محض التمثيل والمراد أنهم سوّوا منصوبات وحيلاً ليمكروا بها رسل الله، فجعل الله هلاكهم في تلك الحيل كحيل قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين، فأتي البنيان من الأساطين بأن ضعفت فسقط عليهم السقف فهلكوا ونحوه "من حفر بئراً لأخيه فقد وقع فيه" وبعبارة أخرى "من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً".

ثم بين أن عذابهم ير مقصور على عذاب الدنيا بل الله  يخزيهم يوم القيامة بإدخالهم النار ﴿ إنك من تدخل النار فقد أخزيته  ﴾ ﴿ ويقول ﴾ مع ذلك لأجل الإهانة والتوبيخ ﴿ أين شركائي ﴾ الإضافة لأدنى الملابسة أو هي حكاية لإضافتهم استهزاء وتوبيخاً ﴿ الذين كنتم تشاقون ﴾ تخاصمون المؤمنين في شأنهم.

ومن قرأ بكسر النون فعلى حذف يا المتكلم لأن مشاقة المؤمنين مشاقة الله.

ثم ذكر على سبيل الاستئناف ﴿ قال الذين أوتوا العلم ﴾ عن ابن عباس هم الملائكة.

وقال الآخرون: هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يعظونهم ولا يلتفتون إليهم فيقولون ذلك يوم القيامة شماتة بهم.

قالت المرجئة قولهم: ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ يدل على أن ماهية الخزي والسوء مختص بالكافرين فينتفي عن غيرهم.

أما قوله: ﴿ فألقوا السلم ﴾ فعن ابن عباس: المراد أنهم أسلموا وأقروا بالعبودية عند الموت.

وقيل: إنه في يوم القيامة وقولهم: ﴿ ما كنا نعمل من سوء ﴾ أرادوا الشرك قالوه على وجه الكذب والجحود، ومن لم يجوز الكذب على أهل القيامة قال: أرادوا في اعتقادهم وظنونهم فرد عليهم أولو العلم أو الملائكة بقوله: ﴿ بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ﴾ في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب وإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم.

قال في الكشاف: وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك ﴿ فادخلوا أبواب جهنم ﴾ وفي ذكر الأبواب إشارة إلى تفاوت منازلهم في دركات جهنم.

ثم قال: ﴿ فلبئس مثوى المتكبرين ﴾ عن قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء.

والفاء للعطف على فاء التعقيب في ﴿ فادخلوا ﴾ واللام للتأكيد يجري مجرى القسم موافقة لقوله بعد ذلك ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ ولا نظير لهما في كل القرآن.

ثم أتبع أوصاف الأشقياء أحوال السعداء فقال: ﴿ وقيل للذين اتقوا ﴾ الآية.

وإنما ذكر الجواب ههنا بالنصب ليكون الجواب مطابقاً مكشوفاً بيناً من غير تلعثم أي أنزل خيراً أو ﴿ قالوا خيراً ﴾ لا شراً كما قاله الكفار، أو قالوا قولاً خيراً ولو رفعوا لأوهم أنه كلام مستأنف كما في جواب الكفار وليس بمنزل.

روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي  فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف كما مر، فكان الوافد يقول: كيف أرجع إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه.

فيلقى أصحاب رسول الله  ويخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فهم الذين قالوا خيراً.

وجوّز في الكشاف أن يكون ﴿ للذين أحسنوا ﴾ وما بعده بدلاً من ﴿ خيراً ﴾ كأنه فسر الخبر بهذا القول، وجوّز أن يكون كلاماً مبتدأ على سبيل الوعد فيكون قولهم الخير من جملة إحسانهم.

أما قوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ فإما أن يتعلق بما قبله فالمعنى: الذين جاءُوا بالإحسان في هذه الدنيا لهم في الآخرة ﴿ حسنة ﴾ هي الثواب العظيم أو المضاعف إلى سبعمائة أو أكثر، وإما أن يتعلق بما بعده والتقدير: الذين أحسنوا لهم الحسنة في الدنيا باستحقاق المدح والثناء، أبو بالظفر على أعداء الدين باللسان والسنان وفتح البلاد، أو بفتح أبواب المكاشفات والمشاهدات.

والحاصل أن لهم في الدنيا مكافأة بإحسانهم.

﴿ ولدار الآخرة خير ﴾ منها.

ثم بين الخيرية بقوله: ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره.

ثم قال: ﴿ جنات عدنٍ ﴾ أي هي هذه فيكون المبتدأ محذوفاً أو الجنات مبتدأ وما بعدها خبر أو ﴿ جنات عدن ﴾ هي المخصوص بالمدح.

فالجنات يدل على القصور والبساتين، والعدن على الدوام والإقامة.

وقوله: ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ على أنه حصل هناك أبنية مرتفعة هم عليها والأنهار تجري من تحتهم.

وقوله: ﴿ لهم فيها ما يشاءُون ﴾ أبلغ من قوله في موضع آخر ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  ﴾ وفي تقديم الظرف دلالة على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده إلا في الجنة، وقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ أكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح.

وقوله: ﴿ طيبين ﴾ أي طاهرين عن دنس الكفر والمعاصي أو دنس الكفر وحده، وهذه كلمة جامعة تشمل أنواع البراءة عن العلائق الجسمانية فلا يكون لصاحب هذه الحالة تألم بالموت دليله قوله: ﴿ يقول سلام عليكم ﴾ يروى أنه إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فيقول: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة فذلك قوله: ﴿ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ﴾ وعن الحسن أن المراد بهذا التوفي هو وفاة الحشر لأنه لا يقال عند قبض الروح في الدنيا ادخلوا الجنة.

والأولون قالوا: البشارة بالجنة بمنزلة الدخول فيها.

قوله  : ﴿ هل ينظرون ﴾ قيل: إنه جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة فإنهم طلبوا من النبي  أن ينزل عليهم ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوة فقال تعالى: هل ينظرون في تصديق نبوتك ﴿ إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ شاهدين بذلك.

ويحتمل أن يقال: إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أوعدهم الله  بما أوعد، ثم وصف القرآن بكونه حقاً وصدقاً وذكر جزاء المتقين ثم ذكر أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن كفرهم بسبب البيانات التي ذكرناها إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد أو لقبض الأرواح أو أتاهم أمر ربك وهو العذاب المستأصل أو القيامة ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ فأصابهم الهلاك المعجل ﴿ وما ظلمهم الله ﴾ بتدميرهم فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ﴿ فأصابهم سيئات ما عملوا ﴾ أي جزاء سيئات أعمالهم أو هو من باب الطباق والمشاكلة كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ﴿ وحاق بهم ﴾ .

أي نزل بهم على وجه الإحاطة عقاب استهزائهم.

الشبهة الثالثة لمنكري النبوة أنهم تشبثوا بمسألة الجبر فقالوا: ﴿ لو شاء الله ما عبدنا ﴾ الآية.

وقد مر في تفسير مثلها في آخر سورة الأنعام، وذكرنا أسرار المتشابه هناك وكذا استدلال المعتزلة بها وجواب الأشاعرة عنها.

وزاد بعض الأشاعرة فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على وجه الاستهزاء كما قال قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد  ﴾ ولو قالوا ذلك معتقدين كانوا مؤمنين.

وقال آخرون: إنه  أجاب عن شبهتهم وهي أنه لما كان الكل من الله كان بعثه الأنبياء عبثاً بقوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ يعني أنهم اعترضوا على أحكام الله وطلبوا لها العلة فعل من تقدمهم من الكفرة ﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ أي ما عليهم إلا التبليغ فإما تحصيل الإيمان فليس إليهم.

ثم إنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنهم من حقت عليه الضلالة ﴾ وفيه دلالة على أن أمر الله قد لا يوافق إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان ولا يريد الهداية إلا للبعض إذّ لو أرادها للكل لم يكفر أحد ولم ينزل العذاب على قوم لكنه كفر ونزل لقوله: ﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين  ﴾ .

ثم خصص الخطاب قائلاً لرسوله ﴿ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ﴾ لا يرشد أحداً أضله، قال ابن عباس: وقال الفراء: لا يهدي معناه لا يهتدي: ومن قرأ على البناء للمفعول فمعناه لا تقدر أنت ولا أحد على هداية من أضله الله فلن يكون مهدياً منصوراً، ولا يخفى أن أول الآية ظاهره يوافق مذهب المعتزلة.

أما قوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ إلى آخر الآيات فإنهم قد صاروا فيه إلى التأويل فقالوا: معناه أن متقدميهم أشركوا وحرموا حلال الله فلما نبهوا على قبح فعلهم أسندوه إلى الله ﴿ فهل على الرسل إلا ﴾ أن يبلغوا الحق وأن الله بريء من الظلم وخلق القبائح والمنكرات، وما من أمة إلا وقد بعث الله فيهم رسولاً يأمرهم بالخير الذي هو عبادة الله وينهاهم عن الشر الذي هو طاعة الطاغوت.

﴿ فمنهم من هدى الله ﴾ لأنه من أهل اللطف، ومنهم من ثبت عليه الخذلان لأنه عرفه مصمماً على الكفر، أو المراد منهم من حكم الله عليه بالاهتداء ومنهم من صار محكوماً عليه بالضلال لظهور ضلاله، أو منهم من هداه الله إلى الجنة ومنهم من أضله عنها.

﴿ فسيروا في الأرض فانظروا ﴾ ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه.

ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله  على إيمانهم وعرفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه لا يلطف بمن يخذل لأنه عبث والله  متعال عن العبث.

فهذا تفسير الفريقين لاشتمال آيات مسألة الجبر والقدر على الجهتين وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.

الشبهة الرابعة قدحهم في الحشر والنشر ليلزم إبطال النبوة وذلك أنهم ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ أي أغلاظ الأيمان كما في "المائدة" كأنهم ادّعوا علماً ضرورياً بأن الشيء إذا فني وصار عدماً محضاً فإنه لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر فأكدوا ادعاءهم بالقسم الغليظ فأجاب الله عن شبهتهم بقوله: ﴿ بلى ﴾ وهو إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم وقوله: ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لما دل عليه "بلى" لأن يبعث موعد من الله أي وعد البعث ﴿ وعدا عليه حقاً ﴾ لا خلاف فيه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم يبعثون أو أن وعد الله حق.

ثم ذكر لمية حقية البعث فقال ﴿ ليبين ﴾ أي يبعث كل من يموت من المؤمنين والكافرين ليبين ﴿ لهم ﴾ الحق الذي اختلفوا فيه بياناً عيانياً لا يشتبه فيه المطيع بالمعاصي والمحق بالمبطل والمظلوم بالظالم والصادق بالكاذب.

وجوز بعضهم أن يكون قوله: ﴿ ليبين ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ولقد بعثنا ﴾ أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا به وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين على الله الكذب في ادعاء الشريك له وفي قولهم بمجرد هواهم هذا حلال الله وهذا حرام.

ثم برهن على إمكان البعث بقوله: ﴿ إنما قولنا ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ أن نقول ﴾ وقد فسرنا مثل هذه الآية في سورة البقرة، وذكرنا فيه مباحث عميقة لفظية ومعنوية فلا حاجة إلى الإعادة.

والغرض أنه  لا مانع له من الإيجاد والإعدام ولا تتوقف آثار قدرته إلا على مجرد الإرادة والمشيئة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو أهون من الإبداء؟!

قال في الكشاف: قرىء ﴿ فيكون ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ نقول ﴾ قلت: ولا مانع من كونه منصوباً بإضمار "أن" لوقوعه في جواب الأمر بعد الفاء وقد مر في "البقرة".

احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم القرآن قال: إنه لو كان حادثاً لافتقر إلى أن يقال له "كن".

ثم الكلام في هذا اللفظ كالكلام في الأوّل وتسلسل، والجواب بعد تسليم أن هذا ليس مثلاً وأن ثم قولاً أن "إذا" لا تفيد التكرار فلا يلزم في كل ما يحدثه الله  إلى أن يقول له" كن".

وكيف يتصور أن تكون لفظة "كن" قديمة والكاف مقدم على النون بزمان محصور، ولو سلم فلا يجوز من قدم لفظة "كن" قدم القرآن.

على أن قوله: ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه ﴾ يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث وأنه علق القول بكلمة "إذا" ولا شك أنها للاستقبال وكذا قوله: ﴿ أن نقول ﴾ ثم إن كلمة ﴿ كن ﴾ متقدمة على المكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان يكون محدثاً، فتلخص من هذه الدلائل أن الكلام المسموع لا بد أن يكون محدثاً.

هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ولعل لنا فيه نظراً.

ولما حكى الله  عن الكفار ما حكى من إنكار البعث والجزاء لم يبعد منهم - والحالة هذه - إيذاء المسلمين وإنزال الضرر والهوان بهم وحينئذٍ يلزمهم أن يهاجروا تلك الديار فذكر ثواب المهاجرين قائلاً ﴿ والذين هاجروا في الله ﴾ أي في حقه وسبيله ﴿ من بعد ما ظلموا لنبوّئنهم في الدنيا ﴾ مثوبة ﴿ حسنة ﴾ أو مباءة حسنة هي المدينة أوهم أهلها ونصروهم قاله الحسن والشعبي وقتادة.

وقيل: لننزلنهم منزلة حسنة هي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، بل على العرب قاطبة بل على أهل المشرق والمغرب.

قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة - منهم صهيب وبلال وعمار وخباب- جعل المشركون يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام فقال صهيب: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر قال له: ربح البيع يا صهيب، وقال له عمر: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه.

أما الضمير في قوله: ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فإما أن يرجع إلى الكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين خير الدارين لرغبوا في دينهم، وإما أن يعود إلى المهاجرين أي لو علموا أن أجر الآخرة أكبر لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.ثم مدحهم بقوله: ﴿ الذين صبروا ﴾ على هم الذين أو أعني الذين.

والمراد صبرهم على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله، وعلى المجاهدة في سبيل الله بالنفوس والأموال.

قال المحققون: الصبر حبس النفس على خلاف ما تشتهيه من اللذات العاجلة وهو مبدأ السلوك، والتوكل هو الانقطاع بالكلية عما سوى الحق وهو آخر الطريق والله ولي التوفيق.

فإن العارفين بالصبر ساروا وبالتوكل طاروا ثم في الله حاروا حسبي الله ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً ﴾ .

قال أهل التأويل: هذا قول المؤمنين؛ مقابل قول المشركين: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ .

ثم اختلف في قوله: ﴿ قَالُواْ خَيْراً ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ قَالُواْ خَيْراً ﴾ أي: قولهم الذي قالوا أنه أرسل بحق، وأنه كذا خير.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ قَالُواْ خَيْراً ﴾ حكاية عما أنزل على رسول الله  : و ﴿ خَيْراً ﴾ : أي: أنزل عليه ربنا خيراً، أو أن يكون الناس الذين يأتون من الآفاق يسألون عن رسول الله  ، فإذا سألوا للمؤمنين: ماذا أنزل ربكم؟

قالوا: خيراً، وإذا سألوا الكفرة قالوا: أساطير الأولين.

وجائز أن يكون أتباع المؤمنين سألوا كبراءهم: ماذا أنزل ربكم؟

قالوا: خيراً، مقابل ما كان من كبراء الكفرة لأتباعهم أساطير الأولين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾ من النصر لهم، والظفر على عدوهم.

﴿ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾ لهم مما كان أعطاهم في الدنيا.

وقال بعضهم: للذين أحسنوا العمل في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة، ولدار الآخرة خير [لهم مما كان أعطاهم في الدّنيا]؛ أي: الجنة خير وأفضل للمؤمنين مما أوتوا في الدنيا.

﴿ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : قال هذا للمؤمنين مكان ما قال للكافرين: ﴿ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ  ﴾ ثم نعت الدار التي وعد المتقين؛ فقال: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ ﴾ من اللذات والشهوات.

فإن قيل: أرأيت لو شاءوا أن يكون لهم درجات الأنبياء ومنازل الأبرار والصديقين؛ أيكون لهم ما شاءوا؟

قيل: لا يشاءون هذا؛ لأن مثل هذا إنما يكون في الدنيا إمّا حسداً؛ وإمّا تمنياً، فلا يكون في الجنة حسد؛ لأن الحسد هو [أن يرى] لأحد شيئاً ليس له؛ فيحسد أو يتمنى مثله، فأهل الجنة يجدون جميع ما يتمنون ويخطر ببالهم، فلا معنى لسؤالهم ربهم ما لغيرهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ ﴾ .

على تأويل الحسن: تتوفاهم الملائكة وهم طيبون من بين يدي الله يوم الحساب، يقولون لهم: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ وقد ذكرنا: أن السلام هو تحية؛ جعل الله بين الخلق في الدنيا والآخرة؛ وقد ذكرناه في غير موضع.

وقال بعضهم: الذين تتوفاهم الملائكة بقبضهم الأرواح في الدنيا، يقبضون أرواحهم وهم طيبون.

وقال بعضهم: طيبون أحياء وأمواتاً، وهم المؤمنون الذين طابت أعمالهم في الدنيا.

يحتمل السلام وجهين: أحدهما: تحييهم الملائكة بالسلام في الجنة؛ كما يحيي أهل الإيمان في الدنيا بعضهم بعضاً.

والثاني: السلام يكون منهم أمن عن جميع الآفات والمكروهات، والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الذين يقبض ملك الموت وأعوانه من الملائكة أرواحهم في حال طهارة قلوبهم من الكفر، تخاطبهم الملائكة بقولهم: سلام عليكم، سلمتم من كل آفة، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون في الدنيا من الاعتقاد الصحيح والعمل الصالح.

<div class="verse-tafsir" id="91.pJYKM"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله