الآية ٥٥ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٥٥ من سورة النحل

لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ٥٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٥ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٥ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ليكفروا بما آتيناهم ) قيل : " اللام " هاهنا لام العاقبة .

وقيل : لام التعليل ، بمعنى : قيضنا لهم ذلك ليكفروا ، أي : يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم ، وأنه المسدي إليهم النعم ، الكاشف عنهم النقم .

ثم توعدهم قائلا ) فتمتعوا ) أي : اعملوا ما شئتم وتمتعوا بما أنتم فيه قليلا ( فسوف تعلمون ) أي : عاقبة ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ ) يقول: ليجحدوا الله نعمته فيما آتاهم من كشف الضرّ عنهم ( فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ، وهذا من الله وعيد لهؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآيات ، وتهديد لهم، يقول لهم جلّ ثناؤه: تمتعوا في هذه الحياة الدنيا إلى أن توافيكم آجالكم، وتبلغوا الميقات الذي وقته لحياتكم وتمتعكم فيها، فإنكم من ذلك ستصيرون إلى ربكم، فتعلمون بلقائه وبال ما كسبت أيديكم، وتعرفون سوء مغبة أمركم، وتندمون حين لا ينفعكم الندم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ليكفروا بما آتيناهم أي ليجحدوا نعمة الله التي أنعم بها عليهم من كشف الضر والبلاء .

أي أشركوا ليجحدوا ، فاللام لام كي .

وقيل لام العاقبة .

وقيل : " ليكفروا بما آتيناهم " أي ليجعلوا النعمة سببا للكفر ، وكل هذا فعل خبيث ; كما قال :والكفر مخبثة لنفس المنعمفتمتعوا أمر تهديد .

وقرأ عبد الله " قل تمتعوا " .فسوف تعلمون أي عاقبة أمركم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ ِليَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ } أي: أعطيناهم حيث نجيناهم من الشدة، وخلصناهم من المشقة، { فَتَمَتَّعُوا } في دنياكم قليلا { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } عاقبة كفركم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ليكفروا ) ليجحدوا ، [ وهذه اللام تسمى لام العاقبة ، أي : حاصل أمرهم هو كفرهم ] ( بما آتيناهم ) أعطيناهم من النعماء وكشف الضراء والبلاء ، ( فتمتعوا ) أي : عيشوا في الدنيا المدة التي ضربتها لكم ، ( فسوف تعلمون ) عاقبة أمركم .

هذا وعيد لهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ليكفروا بما آتيناهم» من النعمة «فتمتعوا» باجتماعكم على عبادة الأصنام أمر تهديد «فسوف تعلمون» عاقبة ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ليجحدوا نعمنا عليهم، ومنها كَشْفُ البلاء عنهم، فاستمتعوا بدنياكم، ومصيرها إلى الزوال، فسوف تعلمون عاقبة كفركم وعصيانكم.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن كل ما سوى الله سواء كان من عالم الأرواح أو من عالم الأجسام، فهو منقاد خاضع لجلال الله تعالى وكبريائه، أتبعه في هذه الآية بالنهي عن الشرك وبالأمر بأن كل ما سواه فهو ملكه وملكه وأنه غني عن الكل فقال: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: إن الإلهين لابد وأن يكونا اثنين، فما الفائدة في قوله: ﴿ إلهين اثنين ﴾ .

وجوابه من وجوه: أحدها: قال صاحب النظم: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: لا تتخذوا اثنين إلهين.

وثانيها: وهو الأقرب عندي أن الشيء إذا كان مستنكراً مستقبحاً، فمن أراد المبالغة في التنفير عنه عبر عنه بعبارات كثيرة ليصير توالي تلك العبارات سبباً لوقوف العقل على ما فيه من القبح.

إذا عرفت هذا فالقول بوجود الإلهين قول مستقبح في العقول، ولهذا المعنى فإن أحداً من العقلاء لم يقل بوجود إلهين متساويين في الوجوب والقدم وصفات الكمال، فقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين ﴾ المقصود من تكريره تأكيد التنفير عنه وتكميل وقوف العقل على ما فيه من القبح.

وثالثها: أن قوله: ﴿ إلهين ﴾ لفظ واحد يدل على أمرين: ثبوت الإله وثبوت التعدد، فإذا قيل: لا تتخذوا إلهين لم يعرف من هذا اللفظ أن النهي وقع عن إثبات الإله أو عن إثبات التعدد أو عن مجموعهما.

فلما قال: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين ﴾ ثبت أن قوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين ﴾ نهي عن إثبات التعدد فقط.

ورابعها: أن الأثنينية منافية للإلهية، وتقريره من وجوه: الأول: أنا لو فرضنا موجودين يكون كل واحد منهما واجباً لذاته لكانا مشتركين في الوجوب الذاتي ومتباينين بالتعين وما به المشاركة غير ما به المباينة، فكل واحد منهما مركب من جزأين، وكل مركب فهو ممكن، فثبت أن القول بأن واجب الوجود أكثر من واحد ينفي القول بكونهما واجبي الوجود.

والثاني: أنا لو فرضنا إلهين وحاول أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه امتنع كون أحدهما أولى بالفعل من الثاني، لأن الحركة الواحدة والسكون الواحد لا يقبل القسمة أصلاً ولا التفاوت أصلاً، وإذا كان كذلك امتنع أن تكون القدرة على أحدهما أكمل من القدرة على الثاني، وإذا ثبت هذا امتنع كون إحدى القدرتين أولى بالتأثير من الثانية، وإذا ثبت هذا فإما أن يحصل مراد كل واحد منهما وهو محال، أو لا يحصل مراد كل واحد منهما وهو محال أو لا يحصل مراد كل واحد منهما ألبتة.

فحينئذ يكون كل واحد منهما عاجزاً والعاجز لا يكون إلهاً.

فثبت أن كونهما اثنين ينفي كون كل واحد منهما إلهاً.

الثالث: أنا لو فرضنا إلهين اثنين لكان إما أن يقدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر، فإن قدر ذاك إله والآخر ضعيف، وإن لم يقدر فهو ضعيف، والرابع: وهو أن أحدهما إما أن يقوى على مخالفة الآخر، أو لا يقوى عليه فإن لم يقو عليه فهو ضعيف، وإن قوي عليه فذاك الآخر إن لم يقو على الدفع فهو ضعيف، وإن قوي عليه فالأول المغلوب ضعيف.

فثبت أن الأثنينية والإلهية متضادتان.

فقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين ﴾ المقصود منه التنبيه على حصول المنافاة والمضادة بين الإلهية وبين الأثنينية.

والله أعلم.

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال: ﴿ إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ ﴾ والمعنى: أنه لما دلت الدلائل السابقة على أنه لابد للعالم من الإله، وثبت أن القول بوجود الإلهين محال، ثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد الحق الصمد.

ثم قال بعده: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ وهذا رجوع من الغيبة إلى الحضور، والتقدير: أنه لما ثبت أن الإله واحد وثبت أن المتكلم بهذا الكلام إله، فحينئذ ثبت إنه لا إله للعالم إلا المتكلم بهذا الكلام، فحينئذ يحسن منه أن يعدل من الغيبة إلى الحضور، ويقول: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ وفيه دقيقة أخرى وهو أن قوله: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ يفيد الحصر، وهو أن لا يرهب الخلق إلا منه، وأن لا يرغبوا إلا في فضله وإحسانه، وذلك لأن الموجود إما قديم وإما محدث، أما القديم الذي هو الإله فهو واحد، وأما ما سواه فمحدث، وإنما حدث بتخليق ذلك القديم وبإيجاده، وإذا كان كذلك فلا رغبة إلا إليه ولا رهبة إلا منه، فبفضله تندفع الحاجات وبتكوينه وبتخليقه تنقطع الضرورات.

ثم قال بعده: ﴿ وَلَهُ مَا فِي السموات والأرض ﴾ وهذا حق، لأنه لما كان الإله واحداً، والواجب لذاته واحداً، كان كل ما سواه حاصلاً بتخليقه وتكوينه وإيجاده، فثبت بهذا البرهان صحة قوله: ﴿ وَلَهُ مَا فِي السموات والأرض ﴾ واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، لأن أفعال العباد من جملة ما في السموات والأرض، فوجب أن تكون أفعال العباد لله تعالى، وليس المراد من كونها لله تعالى أنها مفعولة لله لأجله ولغرض طاعته، لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة، لا لغرض الطاعة، فوجب أن يكون المراد من قولنا إنها لله أنها واقعة بتكوينه وتخليقه وهو المطلوب.

ثم قال بعده: ﴿ وَلَهُ الدين وَاصِبًا ﴾ الدين هاهنا الطاعة، والواصب الدائم.

يقال: وصب الشيء يصب وصوباً إذا دام، قال تعالى: ﴿ وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ  ﴾ ويقال: واظب على الشيء وواصب عليه إذا داوم، ومفازة واصبة أي بعيدة لا غاية لها.

ويقال للعليل واصب، ليكون ذلك المرض لازماً له.

قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع، إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو بالموت إلا الحق سبحانه، فإن طاعته واجبة أبداً.

واعلم أن قوله: ﴿ واصباً ﴾ حال، والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل.

وأقول: الدين قد يعني به الانقياد.

يقال: يا من دانت له الرقاب أي انقادت.

فقوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ أي انقياد كل ما سواه له لازم أبداً، لأن انقياد غيره له معلل بأن غيره ممكن لذاته، والممكن لذاته يلزمه أن يكون محتاجاً إلى السبب في طرفي الوجود والعدم والماهيات يلزمها الإمكان لزوماً ذاتياً، والإمكان يلزمه الاحتياج إلى المؤثر لزوماً ذاتياً، ينتج أن الماهيات يلزمها الاحتياج إلى المؤثر لزوماً ذاتياً فهذه الماهيات موصوفة بالانقياد لله تعالى أتصافاً دائماً واجباً لازماً ممتنع التغير.

وأقول: في الآية دقيقة أخرى، وهي أن العقلاء اتفقوا على أن الممكن حال حدوثه محتاج إلى السبب المرجح، واختلفوا في الممكن حال بقائه هل هو محتاج إلى السبب؟

قال المحققون: إنه محتاج لأن علة الحاجة هي الإمكان والإمكان من لوازم الماهية فيكون حاصلاً للماهية حال حدوثها وحال بقائها فتكون علة الحاجة حال حدوث الممكن وحال بقائه، فوجب أن تكون الحاجة حاصلة حال حدوثها وحال بقائها.

إذا عرفت هذا فقوله: ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ معناه: أن كل ما سوى الحق فإنه محتاج في انقلابه من العدم إلى الوجود أو من الوجود إلى العدم إلى مرجح ومخصص، وقوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ معناه أن هذا الانقياد وهذا الاحتياج حاصل دائماً أبداً، وهو إشارة إلى ما ذكرناه من أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرجح والمخصص، وهذه دقائق من أسرار العلوم الإلهية مودعة في هذه الألفاظ الفائضة من عالم الوحي والنبوة.

ثم قال تعالى: ﴿ أفغير الله تتقون ﴾ والمعنى: أنكم بعد ما عرفتم أن إله العالم واحد وعرفتم أن كل ما سواه محتاج إليه في وقت حدوثه، ومحتاج إليه أيضاً في وقت دوامه وبقائه، فبعد العلم بهذه الأصول كيف يعقل أن يكون للإنسان رغبة في غير الله تعالى أو رهبة عن غير الله تعالى؟

فلهذا المعنى قال على سبيل التعجب: ﴿ أفغير الله تتقون ﴾ .

ثم قال: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه لما بين بالآية الأولى أن الواجب على العاقل أن لا يتقي غير الله، بين في هذه الآية أنه يجب عليه أن لا يشكر أحداً إلا الله تعالى، لأن الشكر إنما يلزم على النعمة، وكل نعمة حصلت للإنسان فهي من الله تعالى لقوله: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ فثبت بهذا أن العاقل يجب عليه أن لا يخاف وأن لا يتقي أحداً إلا الله وأن لا يشكر أحداً إلا الله تعالى.

المسألة الثانية؛ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإيمان حصل بخلق الله تعالى فقالوا الإيمان نعمة، وكل نعمة فهي من الله تعالى لقوله: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ ينتج أن الإيمان من الله وإنما قلنا: إن الإيمان نعمة، لأن المسلمين مطبقون على قولهم: الحمد لله على نعمة الإيمان، وأيضاً فالنعمة عبارة عن كل ما يكون منتفعاً به، وأعظم الأشياء في النفع هو الإيمان، فثبت أنا لإيمان نعمة.

وإذا ثبت هذا فنقول: وكل نعمة فهي من الله تعالى لقوله تعالى: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ وهذه اللفظة تفيد العموم، وأيضاً مما يدل علىأن كل نعمة فهي من الله، لأن كل ما كان موجوداً فهو إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، والواجب لذاته ليس إلا الله تعالى، والممكن لذاته لا يوجد إلا لمرجح، وذلك المرجح إن كان واجباً لذاته كان حصول ذلك الممكن بإيجاد الله تعالى وإن كان ممكناً لذاته عاد التقسيم الأول فيه، ولا يذهب إلى التسلسل، بل ينتهي إلى إيجاد الواجب لذته، فثبت بهذا البيان أن كل نعمة فهي من الله تعالى.

المسألة الثالثة: النعم إما دينية وإما دنيوية، أما النعم الدينية فهي إما معرفة الحق لذاته وإما معرفة الخير لأجل العمل به، وأما النعم الدنيوية فهي إما نفسانية، وإما بدنية وإما خارجية وكل واحد من هذه الثلاثة جنس تحته أنواع خارجة عن الحصر والتحديد كما قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ والإشارة إلى تفصيل تلك الأنواع قد ذكرناها مراراً فلا نعيدها.

المسالة الرابعة: إنما دخلت الفاء في قوله: ﴿ فمن الله ﴾ لأن الباء في قوله: ﴿ بكم ﴾ متصلة بفعل مضمر، والمعنى: ما يكن بكم أو ما حل بكم من نعمة فمن الله.

ثم قال تعالى: ﴿ ثم إِذا مسكم الضر ﴾ قال ابن عباس: يريد الأسقام والأمراض والحاجة: ﴿ فإليه تجأرون ﴾ أي ترفعون أصواتكم بالاستغاثة، وتتضرعون إليه بالدعاء يقال: جأر يجأر جؤاراً وهو الصوت الشديد كصوت البقرة، وقال الأعشى يصف راهباً: يراوح من صلوات المليك *** طوراً سجوداً وطوراً جؤارا والمعنى: أنه تعالى بين أن جميع النعم من الله تعالى، ثم إذا اتفق لأحد مضرة توجب زوال شيء من تلك النعم فإلى الله يجأر، أي لا يستغيث أحداً إلا الله تعالى لعلمه بأنه لا مفزع للخلق إلا هو، فكأنه تعالى قال لهم فأين أنتم عن هذه الطريقة في حال الرخاء والسلامة، ثم قال بعده: ﴿ ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ﴾ فبين تعالى أن عند كشف الضر وسلامة الأحوال يفترقون ففريق منهم يبقى على مثل ما كان عليه عند الضر في أن لا يفزع إلا إلى الله تعالى، وفريق منهم عند ذلك يتغيرون فيشركون بالله غيره، وهذا جهل وضلال، لأنه لما شهدت فطرته الأصلية وخلقته الغريزية عند نزول البلاء والضراء والآفات والمخافات أن لا مفزع إلا إلى الواحد، ولا مستغاث إلا الواحد فعند زوال البلاء والضراء وجب أن يبقى على ذلك الاعتقاد، فأما أنه عند نزول البلاء يقر بأنه لا مستغاث إلا الله تعالى، وعند زوال البلاء يثبت الأضداد والشركاء، فهذا جهل عظيم وضلال كامل.

ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ ليكفروا بما آتيناهم ﴾ وفي هذه اللام وجهان: الأول: أنها لام كي والمعنى أنهم أشركوا بالله غيره في كشف ذلك الضر عنهم.

وغرضهم من ذلك الإشراك أن ينكروا كون ذلك الإنعام من الله تعالى، ألا نرى أن العليل إذا اشتد وجعه تضرع إلى الله تعالى في إزالة ذلك الوجع، فإذا زال أحال زواله على الدواء الفلاني والعلاج الفلاني، وهذا أكثر أحوال الخلق.

وقال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي رحمه الله: في اليوم الذي كنت أكتب هذه الأوراق وهو اليوم الأول من محرم سنة أثنتين وستمائة حصلت زلزلة شديدة، وهذه عظيمة وقت الصبح ورأيت الناس يصيحون بالدعاء والتضرع، فلما سكتت وطاب الهواء، وحسن أنواع الوقت نسوا في الحال تلك الزلزلة وعادوا إلى ما كانوا عليه من تلك السفاهة والجهالة، وكانت هذه الحالة التي شرحها الله تعالى في هذه الآية تجري مجرى الصفة اللازمة لجوهر نفس الإنسان.

والقول الثاني: أن هذه اللام لام العاقبة كقوله تعالى: ﴿ فاتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً  ﴾ يعني أن عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفر.

واعلم أن المراد بقوله: ﴿ بما آتيناهم ﴾ فيه قولان: الأول: أنه عبارة عن كشف الضر وإزالة المكروه.

والثاني: قال بعضهم: المراد به القرآن وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من النبوة والشرائع.

واعلم أنه تعالى توعدهم بعد ذلك فقال: ﴿ فتمتعوا ﴾ وهذا لفظ أمر، والمراد منه التهديد، كقوله: ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر  ﴾ وقوله: ﴿ قل آمنوا به أو لا تؤمنوا  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فسوف تعلمون ﴾ أي عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ ﴾ وأيّ شيء حل بكم، أو اتصل بكم من نعمة، فهو من الله ﴿ فإلَيْهِ تَجْئَرُونَ ﴾ فما تتضرعون إلا إليه، والجؤار: رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة.

قال الأعشى يصف راهبا: يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الْمَلِي ** كِ طَوْراً سُجُوداً وَطَوْراً جُؤَارَا وقرئ: ﴿ تجرون ﴾ ، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الجيم.

وقرأ قتادة ﴿ كاشف الضر ﴾ على: فاعل بمعنى فعل، وهو أقوى من كشف؛ لأن بناء المغالبة يدل على المبالغة.

فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مّنْكُم بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ ؟

قلت: يجوز أن يكون الخطاب في قوله: ﴿ وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله ﴾ عاماً، ويريد بالفريق: فريق الكفرة وأن يكون الخطاب للمشركين ومنكم للبيان، لا للتبعيض، كأنه قال فإذا فريق كافر، وهم أنتم.

ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر، كقوله ﴿ فَلَمَّا نجاهم إِلَى البر فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ﴾ [لقمان: 32] ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتيناهم ﴾ من نعمة الكشف عنهم، كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة ﴿ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ تخلية ووعيد.

وقرئ: ﴿ فيُمَتَّعوا ﴾ ، بالياء مبنيا للمفعول، عطفا على ﴿ لِيَكْفُرُواْ ﴾ ويجوز أن يكون: ليكفروا فيمتعوا، من الأمر الوارد في معنى الخذلان والتخلية، واللام لام الأمر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ اتَّصَلَ بِكم مِن نِعْمَةٍ فَهو مِنَ اللَّهِ، ﴿ وَما ﴾ شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ بِاعْتِبارِ الإخْبارِ دُونَ الحُصُولِ، فَإنَّ اسْتِقْرارَ النِّعْمَةِ بِهِمْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْإخْبارِ بِأنَّها مِنَ اللَّهِ لا لِحُصُولِها مِنهُ.

﴿ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ ﴾ فَما تَتَضَرَّعُونَ إلّا إلَيْهِ، والجُؤارُ رَفْعُ الصَّوْتِ في الدُّعاءِ والِاسْتِغاثَةِ.

﴿ ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكُمْ ﴾ وهم كُفّارُكم.

﴿ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ، هَذا إذا كانَ الخِطابُ عامًّا، فَإنْ كانَ خاصًّا بِالمُشْرِكِينَ كانَ مِن لِلْبَيانِ كَأنَّهُ قالَ: إذا فَرِيقٌ وهم أنْتُمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلتَّبْعِيضِ عَلى أنْ يُعْتَبَرَ بَعْضُهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ ﴾ .

﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ﴾ مِن نِعْمَةِ الكَشْفِ عَنْهم كَأنَّهم قَصَدُوا بِشِرْكِهِمْ كُفْرانَ النِّعْمَةِ، أوْ إنْكارَ كَوْنِها مِنَ اللَّهِ تَعالى.

﴿ فَتَمَتَّعُوا ﴾ أمْرُ تَهْدِيدٍ.

﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ أغْلَظَ وعِيدَهُ، وقُرِئَ (فَيُمَتَّعُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَطْفًا عَلى ﴿ لِيَكْفُرُوا ﴾ ، وعَلى هَذا جازَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الأمْرِ الوارِدِ لِلتَّهْدِيدِ والفاءُ لِلْجَوابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ليكفروا بما آتيناهم} من نعمة الكشف عنهم كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة ثم أوعدهم فقال {فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} هو عدول إلى الخطاب على التهديد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ﴾ مِن نِعْمَةِ الكَشْفِ عَنْهُمْ، فالكُفْرُ بِمَعْنى كُفْرانِ النِّعْمَةِ واللّامُ لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ، وهي اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ فَإنَّهُ لَمّا لَمْ يَنْتِجُ كُفْرُهم وإشْراكُهم غَيْرَ كُفْرانِ ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ جُعِلَ كَأنَّهُ عِلَّةٌ غائِيَّةٌ لَهُ مَقْصُودَةٌ مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكُفْرُ بِمَعْنى الجُحُودِ أيْ إنْكارِ كَوْنِ تِلْكَ النِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى واللّامُ هي اللّامُ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ ﴿ فَتَمَتَّعُوا ﴾ أمْرُ تَهْدِيدٍ كَما هو أحَدُ مَعانِي الأمْرِ المَجازِيَّةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ كَما يَقُولُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: افْعَلْ ما تُرِيدُ، والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِلْإيذانِ بِتَناهِي السَّخَطِ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ «(فَيُمْتَعُوا)» بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ ساكِنَ المِيمِ مَفْتُوحَ التّاءِ مُضارِعَ مَتَعَ مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَوى ذَلِكَ مَكْحُولٌ الشّامِيُّ عَنْ أبِي رافِعٍ مَوْلى النَّبِيِّ  ، وهو مَعْطُوفُ (يَكْفُرُوا) عَلى أنْ يَكُونَ الأمْرانِ عَرْضًا لَهم مِنَ الإشْراكِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لامُ ( لِيَكْفُرُوا ) لامَ الأمْرِ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ بِتَخْلِيَتِهِمْ وما هم فِيهِ لِخِذْلانِهِمْ، فالفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ الأمْرِ وما بَعْدَها مَنصُوبٌ بِإسْقاطِ النُّونِ، ويَجُوزُ جَزْمُهُ بِالعَطْفِ أيْضًا كَما يُنْصَبُ بِالعَطْفِ إذا كانَتِ اللّامُ جارَّةً ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ أمْرِكم وما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ حَيْثُ لَمْ يُذْكَرِ المَفْعُولُ إشْعارًا بِأنَّهُ لا يُوصَفُ.

وقَرَأأبُو العالِيَةِ أيْضًا «يَعْلَمُونَ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ ورَوى ذَلِكَ مَكْحُولٌ عَنْ أبِي رافِعٍ أيْضًا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَقالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ أي: لا تقولوا ولا تصفوا إلهين اثنين، أي: نفسه والأصنام.

ويقال: نزلت الآية في صنف من المجوس وصفوا إلهين اثنين.

قال الله تعالى: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ أي: فاخشوني ووحدوني وأطيعوني، ولا تعبدوا غيري وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ من الملائكة وَالْأَرْضِ من الخلق: الجن والإنس، كلهم عبيده وإماؤه وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أي: دائماً خالصاً.

ويقال: الألوهية والربوبية له خالصا.

ويقال: دينه واجبا أبداً لا يجوز لأحد أن يميل عنه.

ويقال: معناه، وله الدين والطاعة، رضي العبد بما يؤمر به أو لم يرض، والوصب في اللغة: الشدة والتعب.

أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ أي: تعبدون غيره.

قوله عز وجل: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ يعني: إن الذي بكم من الغنى، وصحة الجسم، من قبل الله تعالى ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ أي: الفقر والبلاء في جسدكم.

فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ يعني: إليه تتضرعون ليكشف الضر عنكم، كما قال في سورة الدخان رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ [الدخان: 12] ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ أي: الكفار بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ أي: الكفار يعبدون غيره.

لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ أي: يجحدوا بما أعطيناهم من النعمة فَتَمَتَّعُوا بقية آجالكم فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أي: تعرفون في الآخرة ماذا نفعل بكم.

ثم قال: وَيَجْعَلُونَ لِما لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً أي: يجعلون لآلهتهم نصيباً من الحرث والأنعام، كقوله: فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا [الأنعام: 136] وقوله: لِما لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً [النحل: 56] قال بعضهم: يعني: الكفار جعلوا لأصنامهم نصيباً ولا يعلمون منهم ضراً ولا نفعا.

وبعضهم قالوا: معناه يجعلون للأصنام الذين لا يعلمون شيئاً نصيباً، أي: حظاً مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الحرث والأنعام.

قال تعالى: تَاللَّهِ أي: والله لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ أي: تكذبون على الله، لأنهم كانوا يقولون إن الله أمرنا بهذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قَبْلَ الظُّهْرِ بَعْدَ الزَّوَال تُحْسَبُ بِمِثْلِهِنَّ في صَلاَةِ السَّحَرِ» ، قَالَ: «وَلَيْسَ شَيْءٌ إِلاَّ يُسَبِّحُ لله تلك السّاعة» ، وقرأ: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ ...

«١» الآية كلُّها.

انتهى «٢» .

و «الدَّاخر» : المتصاغر المتواضع.

وقوله سبحانه: يَخافُونَ رَبَّهُمْ: عامٌّ لجميع الحيوان، ومِنْ فَوْقِهِمْ: يريد:

فوقية القَدْر والعَظَمة والقَهْر.

وقوله سبحانه: وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: السَّماواتِ هنا: كلُّ ما ارتفع مِنَ الخلق من جهة فَوْقُ، فيدخل في ذلك العرشُ والكرسيُّ وغيرهما، والدِّينُ: الطاعة والمُلْك، و «الواصب» : الدائم قاله ابن عباس «٣» .

ثم ذكَّر سبحانه بِنِعَمِهِ، ثم ذَكَّر بأوقاتِ المَرَضِ، والتجاء العِباد إِليه سبحانه، و «الضُّرُّ» ، وإِن كان يعمُّ كل مكروه، فأكثرُ ما يجيء عن أرزاء البدن، وتَجْئَرُونَ معناه:

ترفعون أصواتكم باستغاثة وتضرّع.

ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ: الفريق، هنا: يراد به المشْرِكُون الذين يَرَوْن أن للأصنام أفعالاً من شفاء المرضَى، وجَلْبِ النفعِ، ودفعِ الضرِّ، فهم إِذا شفاهم اللَّهُ، عظَّموا أصنامهم، وأضافوا ذلك الشفاءَ إِليها.

وقوله سبحانه: لِيَكْفُرُوا: يجوز أنْ تكون اللامُ لامَ الصيرورةِ، ويجوز أن تكونَ لام أمْرٍ على معنى التهديد.

وقوله: بِما آتَيْناهُمْ: أي: بما أنعمنا عليهم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ما حَلَّ بِكم مِن نِعْمَةٍ، مِن صِحَّةٍ في جِسْمٍ، أوْ سَعَةٍ في رِزْقٍ، أوْ مَتاعٍ مِن مالٍ ووَلَدٍ ﴿ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " فَمَنُّ اللَّهِ " بِتَشْدِيدِ النُّونِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الأسْقامَ، والأمْراضَ، والحاجَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " تَجْأرُونَ ": تَرْفَعُونَ أصْواتَكم إلَيْهِ بِالِاسْتِغاثَةِ.

يُقالُ: جَأرَ يَجْأرُ جُؤارًا، والأصْواتُ مَبْنِيَّةٌ عَلى " فُعالٍ " و" فَعِيلٍ "، فَأمّا " فُعالٌ " فَنَحْوُ " الصُّراخِ " و " الخُوارِ "، وأمّا " الفَعِيلُ " فَنَحْوُ " العَوِيلِ " و " الزَّئِيرِ "، والفُعالُ أكْثَرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا فَرِيقٌ مِنكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أهْلَ النِّفاقِ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: يَعْنِي الكُفّارَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لِيَكْفُرُوا بِأنّا أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ، فَجَعَلُوا نِعَمَنا سَبَبًا إلى الكُفْرِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ  ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " لِيَكْفُرُوا "، أيْ: لِيَجْحَدُوا نِعْمَةَ اللَّهِ في ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَمَتَّعُوا ﴾ تَهَدُّدٌ، ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ أمْرِكم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ﴿ يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ ﴾ ﴿ وَلَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُرَّ عنكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ وقَعَتْ "ما" في هَذِهِ الآيَةِ لِما يَعْقِلُ، قالَ الزَجاجُ: قَوْلُهُ: ﴿ ما في السَماواتِ ﴾ يَعُمُّ مَلائِكَةَ السَماءِ وما في السَحابِ وما في الجَوِّ مِن حَيَوانٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ ﴾ بَيِّنٌ، ثُمَّ ذَكَرَ مَلائِكَةَ الأرْضِ في قَوْلِهِ: "والمَلائِكَةُ".

وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "والمَلائِكَةُ" هو الَّذِي يَعُمُّ مَلائِكَةَ السَماواتِ والأرْضِ، وما قَبْلَ ذَلِكَ لا يَدْخُلُ فِيهِ مَلَكٌ، إنَّما هو الحَيَوانُ أجْمَعُ.

وقَوْلُهُ: "مِن فَوْقِهِمْ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الفَوْقِيَّةٌ الَّتِي يُوصَفُ بِها اللهُ تَعالى، فَهي فَوْقِيَّةُ القَدَرِ والعَظْمَةِ والقَهْرِ والسُلْطانِ، والآخَرُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ بِقَوْلِهِ: "يَخافُونَ"، أيْ: يَخافُونَ عَذابَ رَبِّهِمْ مِن فَوْقِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ عادَةَ عَذابِ اللهِ لِلْأُمَمِ إنَّما أتى مِن جِهَةِ فَوْقٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ ، أمّا المُؤْمِنُونَ فَبِحَسَبِ الشَرْعِ والطاعَةِ، وأمّا غَيْرُهم مِنَ الحَيَوانِ فَبِالتَسْخِيرِ والقَدْرِ الَّذِي يَسُوقُهم إلى ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ اللهِ تَبارَكَ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ نَهْيٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَنِ الإشْراكِ بِهِ، ومَعْناها: لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا بِما يَنِصُّهُ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ "تَتَّخِذُوا" قَوْلُهُ: "إلَهَيْنِ" وقَوْلُهُ: "اثْنَيْنِ" تَأْكِيدٌ وبَيانٌ بِالعَدَدِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، أنْ يُبَيِّنَ المَعْدُودَ بِذِكْرِ عَدَدِهِ تَأْكِيدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ، لِأنَّ لَفْظَةَ الإلَهِ تَقْتَضِي الِانْفِرادَ، وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ: المَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مُفْرَدًا، أو مَعْبُودًا، أو مُطاعًا، ونَحْوَ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَفْعُولُ الأوَّلُ قَوْلُهُ: "اثْنَيْنِ"، والثانِي قَوْلُهُ: "إلَهَيْنِ"، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لا تَتَّخِذُوا اثْنَيْنِ إلَهَيْنِ، ولا يَحْتاجُ إلى اعْتِذارٍ بِالتَأْكِيدِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا  ﴾ ﴿ ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ  ﴾ ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ -عَلى بَعْضِ الأقْوالِ- تَقْدِيمُ المَفْعُولِ الأوَّلِ لِـ "تَتَّخِذُوا"، وقَوْلُهُ: "فَإيّايَ" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فارْهَبُوا إيّايَ فارْهَبُونِ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ الفِعْلُ الظاهِرُ، لِأنَّهُ قَدْ عَمِلَ في الضَمِيرِ المُتَّصِلِ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ ما في السَماواتِ ﴾ الآيَةُ، الواوُ في قَوْلِهِ: "وَلَهُ" عاطِفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ واوَ ابْتِداءٍ، و"ما" عامَّةُ جَمِيعِ الأشْياءِ مِمّا يَعْقِلُ ومِمّا لا يَعْقِلُ، والسَماواتُ هُنا كُلُّ ما ارْتَفَعَ مِنَ الخَلْقِ في جِهَةِ فَوْقٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ العَرْشُ والكُرْسِيُّ، و"الدِينُ": الطاعَةُ والمُلْكُ كَما قالَ زُهَيْرٌ: في دِينِ عَمْرُو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ.

فِي طاعَتِهِ ومُلْكِهِ.

و"الواصِبُ": الدائِمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَحاكُ، وقالَ الشاعِرُ: لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلَ بَقاؤُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ يَوْمًا بِذَمِّ الدَهْرِ أجْمَعَ واصِبًا وَمِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: غَيَّرَتْهُ الرِيَحُ تَسْفِي بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ وهَزِيمٌ رَعْدُهُ واصِبُ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِنَ الوَصْبِ وهو التَعَبُ: أيْ: ولَهُ الدِينُ عَلى تَعَبِهِ ومَشَقَّتِهِ.

فَـ "واصِبٌ" -عَلى هَذا- جارٍ عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا وصَبٍ، كَما قالَ: أضْحى فُؤادِي بِهِ فاتِنا وهَذا كَثِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الواصِبُ: الواجِبُ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ: الواصِبُ: الدائِمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَغَيْرَ اللهِ ﴾ تَوْبِيخٌ ولَفْظُ اسْتِفْهامٍ، ونَصَبَ "غَيْرُ" بِـ "تَتَّقُونَ"، لِأنَّهُ فِعْلٌ لَمْ يَعْمَلْ في سِوى "غَيْرِ" المَذْكُورَةِ.

والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما بِكُمْ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوَ ابْتِداءٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوَ الحالِ ويَكُونُ الكَلامُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ ﴾ ، كَأنَّهُ يَقُولُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ: أتُتَّقَوْنَ غَيْرَ اللهِ ولا مُنْعِمَ عَلَيْكم سِواهُ؟

والباءُ في قَوْلِهِ: "بِكُمْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وما نَزَلَ أو ألَمَّ، ونَحْوَ هَذا، و"ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَمِنَ اللهِ ﴾ دَخَلَتْ بِسَبَبِ الإبْهامِ الَّذِي في "ما" الَّتِي هي بِمَعْنى "الَّذِي"، فَأشْبَهَ الكَلامُ الشَرْطَ، ومَعْنى الآيَةِ التَذْكِيرُ بِأنَّ الإنْسانَ في جَلِيلِ أمْرِهِ ودَقِيقِهِ إنَّما هو في نِعْمَةِ اللهِ وَأفْضالِهِ، إيجادُهُ داخِلٌ في ذَلِكَ فَما بَعْدَهُ، ثُمَّ ذَكَّرَ تَعالى بِأوقاتِ المَرَضِ لِكَوْنِ الإنْسانِ الجاهِلِ يُحِسُّ فِيها قَدْرَ الحاجَةِ إلى لُطْفِ اللهِ تَعالى، و"الضُرُّ -وَإنْ كانَ يَعُمُّ كُلَّ مَكْرُوهِ- فَأكْثَرُ ما يَجِيءُ عِبارَةً عن أرْزاءِ البَدَنِ.

و"تَجْأرُونَ" مَعْناهُ تَرْفَعُونَ أصْواتَكم بِاسْتِغاثَةٍ وتَضَرُّعٍ، وأصْلُهُ في جُؤارِ الثَوْرِ والبَقَرَةِ وصِياحِهِما، وهو عِنْدُ جُهْدٍ يَلْحَقُها، أو في أثَرِ دَمٍ يَكُونُ مِن بَقَرٍ تُذْبَحُ، فَذَلِكَ الصُراخُ يُشَبِّهُ بِهِ انْتِحابَ الداعِي المُسْتَغِيثِ بِاللهِ إذْ رَفَعَ صَوْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: يُراوِحُ مِن صَلَواتٍ المَلِيـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِأبِيلٍ كُلَّما صَلّى جَأرْ والأصْواتُ تَأْتِي غالِبًا عَلى فِعالٍ أو فَعَيْلٍ.

وقَرَأ الزَهْرِيُّ "تَجَرُونَ" بِفَتْحِ الجِيمِ دُونَ هَمْزٍ، حُذِفَتْ وأُلْقِيَتْ حَرَكُتُها عَلى الجِيمِ، كَما خُفِّفَ تَسَلُونَ مَن تَسْألُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُرَّ عنكُمْ ﴾ ، قَرَأ الجُمْهُورُ: "كَشَفَ"، وقَرَأ قَتادَةٌ: "كاشِفٌ"، ووَجْهُها أنَّها فاعِلٌ مِن واحِدٍ بِمَعْنى "كَشَفَ"، وهي ضَعِيفَةٌ.

و"الفَرِيقُ" هُنا يُرادُ بِهِ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ لِلْأصْنامِ أفْعالًا مِن شِفاءِ المَرَضى وجَلْبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الضُرِّ، فَهم إذا شَفاهُمُ اللهُ عَظَّمُوا أصْنامَهُمْ، وأضافُوا ذَلِكَ الشِفاءَ إلَيْها.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِيَكْفُرُوا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللامُ لامَ الصَيْرُورَةِ، أيْ: فَصارَ أمْرُهم لِيَكْفُرُوا، وهم لَمْ يَقْصِدُوا بِأفْعالِهِمْ تِلْكَ أنْ يَكْفُرُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ أمْرٍ عَلى مَعْنى التَهْدِيدِ والوَعِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ  ﴾ ، والكُفْرُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُفْرَ الجُحْدِ بِاللهِ والشِرْكِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُفْرُ النِعْمَةِ، وهو الأظْهَرُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما ﴾ ، أيْ: بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ" عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، ورَوى أبُو رافِعٍ «عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: "فَيُمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ "» بِياءٍ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةً، و"فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" عَلى مَعْنى ذِكْرِ الغائِبِ، وكَذَلِكَ في الرُومِ، وهي قِراءَةُ أبِي العالِيَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فَتَمَتَّعُوا" كالجَماعَةِ عَلى الأمْرِ "فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، كَقِراءَةِ أبِي رافِعٍ، فَيَكُونُ "يُمَتِّعُوا" في قِراءَةِ أبِي رافِعٍ في مَوْضِعٍ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى "يَكْفُرُوا" إنْ كانَتِ اللامُ لامَ "كَيْ"، ونُصْبًا بِالفاءِ في جَوابِ الأمْرِ إنَّ كانَتِ اللامُ لامَ أمْرٍ، ومَعْنى "التَمَتُّعِ" في هَذِهِ الآيَةِ: بِالحَياةِ الدُنْيا الَّتِي مَصِيرُها إلى الفَناءِ والزَوالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لام التعليل متعلّقة بفعل ﴿ يشركون ﴾ [سورة النحل: 54] الذي هو من جواب قوله تعالى: ﴿ إذا كشف الضر عنكم ﴾ [سورة النحل: 54].

والكفر هنا كفر النّعمة، ولذلك علّق به قوله تعالى: بما آتيناهم } أي من النّعم.

وكفر النّعمة ليس هو الباعث على الإشراك فإن إشراكهم سابق على ذلك وقد استصحبوه عقب كشف الضرّ عنهم، ولكن شبهت مقارنة عودهم إلى الشرك بعد كشف الضرّ عنهم بمقارنة العلّة الباعثة على عمللٍ لذلك العمل.

ووجه الشبه مبادرتهم لكفر النّعمة دون تريّث.

فاستعير لهذه المقارنة لام التعليل، وهي استعارة تبعيّة تمليحيّة تهكميّة ومثلها كثير الوقوع في القرآن.

وقد سمى كثير من النحاة هذه اللام لام العاقبة، ومثالها عندهم قوله تعالى: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ [سورة القصص: 8]، وقد بيّناها في مواضع آخرُها عند قوله تعالى ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ﴾ في هذه السورة [النحل: 25] وضمير ﴿ ليكفروا ﴾ عائد إلى ﴿ فريق ﴾ [سورة النحل: 54] باعتبار دلالته على جمع من الناس.

والإيتاء: الإعطاء.

وهو مستعار للإنعام بالحالة النافعة، لأن شأن الإعطاء أن يكون تمكيناً بالمأخوذ المحبوب.

وعبّر بالموصول ﴿ بما آتيناهم ﴾ لما تؤذن به الصّلة من كونه نعمة تفظيعاً لكفرانهم بها، لأن كفران النّعمة قبيح عند تجميع العقلاء.

وفرع عليه مخاطبتهم بأمرهم بالتمتّع أمرَ إمهال وقلّة اكتراث بهم وهو في معنى التخلية.

والتمتّع: الانتفاع بالمتاع.

والمتاع الشيء الذي ينتفع به انتفاعاً محبوباً ويسرّ به.

ويقال: تمتّع بكذا واستمتع.

وتقدّم المتاع في آخر سورة براءة.

والخطاب للفريق الذين يشركون بربّهم على طريقة الالتفات.

والأظهر أنه مقول لقوللٍ محذوف.

لأنه جاء مفرعاً على كلام خوطب به الناس كلّهم كما تقدم، فيكون المفرع من تمام ما تفرّع عليه.

وذلك ينافي الالتفات الذي يقتضي أن يكون مرجع الضمير إلى مرجع ما قبله.

والمعنى: فنقول تمتّعوا بالنّعم التي أنتم فيها إلى أمدٍ.

وفرع عليه التهديدُ بأنهم سيعلمون عاقبة كفران النّعمة بعد زوال التمتّع.

وحذف مفعول ﴿ تعلمون ﴾ لظهوره من قوله تعالى: ﴿ ليكفروا بما آتيناهم ﴾ أي تعلمون جزاء كفركم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا ﴾ في ﴿ الدِّينُ ﴾ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإخْلاصُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واصِبًا ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: واجِبًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: خالِصًا، حَكاهُ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: مُتْعِبًا، والوَصَبُ: التَّعَبُ والإعْياءُ، قالَ الشّاعِرُ: لا يَشْتَكِي السّاقُ مِن أيْنٍ ولا وصَبٍ ولا يَزالُ أمامَ القَوْمِ يَقْتَفِرُ الرّابِعُ: دائِمًا، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم عَذابٌ واصِبٌ  ﴾ أيْ دائِمٌ، وقالَ الدُّؤَلِيُّ: لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلُ بَقاؤُهُ ∗∗∗ يَوْمًا بِذَمِّ الدَّهْرِ أجْمَعَ واصِبا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ ﴾ في ﴿ الضُّرُّ ﴾ ها هُنا ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ القَحْطُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: الفَقْرُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: السُّقْمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: تَضِجُّونَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: تَسْتَغِيثُونَ.

الثّالِثُ: تَضَرَّعُونَ بِالدُّعاءِ، وهو في اللُّغَةِ الصِّياحُ مَأْخُوذٌ مِن جُؤارِ الثَّوْرِ وهو صِياحُهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة ﴾ قال: لم يدع شيئاً من خلقه إلا عبده له طائعاً أو كارهاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: يسجد من في السموات طوعاً، ومن في الأرض طوعاً وكرهاً.

وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾ قال: مخافة الإجلال.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يدعو بأصبعيه فقال له: يا سعد، أحد أحد» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال: كانوا إذا رأوا إنساناً يدعو بأصبعيه، ضربوا إحداهما وقالوا: ﴿ إنما هو إله واحد ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: إن الله يحب أن يدعى هكذا، وأشارت بأصبع واحدة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: هو الإخلاص، يعني الدعاء بالاصبع.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: الدعاء هكذا- وأشار بأصبع واحدة- مقمعة الشيطان.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: الإخلاص هكذا.

وأشار بأصبعيه والدعاء هكذا يعني ببطون كفيه.

وللاستخارة هكذا، ورفع يديه وولى ظهرهما وجهه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ قال: ﴿ الدين ﴾ الإخلاص ﴿ واصباً ﴾ دائماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ قال: لا إله إلا الله.

واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ قال: دائماً.

وأخرج الفريابي وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ قال: واجباً.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ ما الواصب؟

قال: الدائم.

قال فيه أمية بن أبي الصلت: وله الدين واصباً وله ** الملك وحمد له على كل حال وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في الآية قال: إن هذا الدين دين واصب...

شغل الناس وحال بينهم وبين كثير من شهواتهم، فما يستطيعه من إلا من عرف فضله ورجا عاقبته.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ فإليه تجأرون ﴾ قال: تتضرعون دعاء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فإليه تجأرون ﴾ يقول: تضجون بالدعاء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ثم إذا كشف الضر عنكم...

﴾ الآية، قال: الخلق كلهم يُقِرُّونَ لله أنه ربهم ثم يشركون بعد ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ قال: هو وعيد.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم ﴾ قال: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم يجعلون لما يعلمون أنه يضرهم ولا ينفعهم نصيباً مما رزقناهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً ﴾ قال: هم مشركو العرب جعلوا لأوثانهم وشياطينهم نصيباً مما رزقهم الله، وجزأوا من أموالهم جزءاً فجعلوه لأوثانهم وشياطينهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم ﴾ هو قولهم هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ ﴾ ، أي: ليجحدوا نعمة الله في كشف الضرّ عنهم، واللام هاهنا يحتمل أن تكون لام كي (١) (٢) (٣) ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ﴾ إلى قوله: ﴿ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ  ﴾ ، وقد مر، وذكر أبو إسحاق الوجهين أيضًا في اللام هاهنا (٤) وقوله تعالى: ﴿ فَتَمَتَّعُوا ﴾ لفظ أمر لتهدد؛ كقوله: ﴿ قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا  ﴾ ، ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ : عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب.

(١) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 52، و"تفسير القرطبي" 10/ 115، والخازن 3/ 119، وابن كثير 2/ 630.

(٢) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 392، بنحوه.

(٣) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 52، و"تفسير القرطبي" 10/ 115، والخازن 3/ 119، وابن كثير 2/ 630.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 204 باختصار.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله ﴾ يحتمل أن تكون الواو للاستئناف أو الحال، فيكون الكلام متصلاً بما قبله: أي كيف تتقون غير الله، وما بكم من نعمة فمنه وحده ﴿ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ أي ترفعون أصواتكم بالاستغاثة والتضرع ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتيناهم ﴾ اللام لام الأمر على وجه التهديد لقوله بعد: فتمتعوا فسوف تعلمون، فعلى هذا يبتدئ بها، وقيل: هي لام يحتمل أن يريد به كفر النعم لقوله: بما آتيناهم، أو كفر الجحود والشرك لقوله: بربهم يشركون ﴿ فَتَمَتَّعُواْ ﴾ يريد التمتع في الدنيا، وذلك أمر على وجه التهديد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نوحي ﴾ بالنون: حفص غير الخزاز.

الباقون بالياء مجهولاً ﴿ أو لم تروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف ﴿ تتفيؤ ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب، الآخرون على الغيبة.

الوقوف: ﴿ لا تعلمون ﴾ ه لا لتعلق الباء ﴿ والزبر ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ بمعجزين ﴾ ه لا كذلك ﴿ على تخوّف ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ داخرون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ ما يؤمرون ﴾ ه ﴿ اثنين ﴾ ج للابتداء بانما مع اتحاد القائل ﴿ واحد ﴾ ج للعدول مع الفاء ﴿ فارهبون ﴾ ه ﴿ واصباً ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ تجأرون ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع شدة اتصال المعنى ﴿ يشركون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ آتيناهم ﴾ ط للعدول والفاء للاستئناف ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ رزقناهم ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه {  } لا لأن ما بعده من جملة مفعول ﴿ يجعلون ﴾ و {  } معترض للتنزيه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ كظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعد وصف ﴿ لكظيم ﴾ أو استنئاف.

﴿ ما بشر به ﴾ ط لأن التقدير يتفكر في نفسه المسألة ﴿ في التراب ﴾ ط ﴿ ما يحكمون ﴾ ه ﴿ السوء ﴾ ج لتضاد الجملتين معنى مع العطف لفظاً ﴿ الأعلى ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: الشبهة الخامسة أن قريشاً كانوا يقولون الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله بشراً فأجاب  بقوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً ﴾ والمراد أن هذه عادة مستمرة من أوّل زمان الخلق والتكليف.

وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث إلى الأنبياء إلا من هو بصورة الرجال من الملائكة.

قال القاضي: ولعله أراد الملك الذي يرسل إلى الأنبياء بحضرة أممهم كما روي أن جبرائيل  كان يأتي في صورة دحية وفي صورة سراقة، وإنما قيدنا بحضرة الأمم لأن الملائكة قد يبعثون على صورتهم الأصلية عند إبلاغ الرسالة من الله إلى نبيه كما روي أنه  رآى جبرائيل على صورته التي هو عليها مرتين.

وعليه تأوّلوا قوله: ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى  ﴾ ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله - أعني قريشاً - بأن يرجعوا إليهم في هذه المسألة ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها وذلك قوله: ﴿ فاسئلوا أهل الذكر ﴾ قال بعض الأصولين: فيه دليل على أنه يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر فيما يشتبه عليه.

واحتج نفاة القياس بالآية قالوا: لو كان حجة لما وجب على المكلف السؤال بل كان عليه أن يستنبط ذلك الحكم بواسطة القياس.

وأجيب بأنه قد ثبت العمل بالقياس لإجماع الصحابة، والإجماع أقوى من ظاهر النص.

أما قوله: ﴿ بالبينات ﴾ ففي متعلقه وجوه منها: أن يتعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ داخلاً تحت حكم الاستثناء مع ﴿ رجالاً ﴾ وأنكر الفراء ذلك قال: إن صلة ما قبل "إلا" لا تتأخر على ما بعد "إلا" لأن المستثنى منه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته كما لو قيل: ما أرسلنا بالبينات إلا رجالاً.

ولما لم يصر هذا المجموع مذكوراً بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ رجالاً ﴾ صفة له أي رجالاً متلبسين بالبينات.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ مضمراً نظيره "ما مر إلا أخوك"، ثم تقول "مرَّ بزيد" قاله الفراء.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ بيوحى ﴾ أي يوحى إليهم بالبينات.

ومنها أن يتعلق بالذكر بناء على أنه بمعنى العلم.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ لا تعلمون ﴾ أي إن كنتم لا تعلمون بالبينات وبالزبر فاسألوا.

وقال في الكشاف: الشرط ههنا في معنى التبكيت والإلزام كقول الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني حقي.

قلت: أراد أن عدم علمهم مقرر كما أن عمل الأجير ثابت.

وسلم جار الله أن مثل قوله: ﴿ فاسألوا ﴾ جواب الشرط على هذا الوجه.

وأما على الوجوه المتقدمة فجزم أنه اعتراض بناء على أن جواب الشرط هو ما دل عليه قوله ﴿ وما أرسلنا ﴾ الخ.

وعندي أن هذا الجزم ليس بحتم ويجوز على كل الوجوه أن يكون مثل ﴿ فاسألوا ﴾ جواباً والله أعلم.

وأهل الذكر أهل التوراة.

كقوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر  ﴾ يعني التوراة.

وقال الزجاج: سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق.

وقوله: ﴿ بالبينات والزبر ﴾ لفظ جامع لكل ما تتكامل به الرسالة لأن مدارها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات، وعلى التكاليف التي تعتبر في باب العبادة وهي للزبر.

ثم قال: ﴿ وأنزلنا إليك الذكر ﴾ أي القرآن الذي هو موعظة وتنبيه وتذكير لأهل الغفلة والنسيان، وبيّن الغاية المترتبة على الإنزال وهي تبيين الأحكام والشرائع بالنسبة إلى الرسول وإرادة التأمل والتفكر في المبدإ والمعاد بالإضافة إلى المكلفين.

وفي ظاهر هذا النص دلالة على أن القرآن كله مجمل، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أنه متى وقع التعارض بين القرآن والخبر وجب تقديم الخبر لأن القرآن مجمل والخبر مبين له.

وأجيب بمنع الكلية فمن القرآن ما هو محكم، وقوله: ﴿ لتبين ﴾ محمول على المتشابهات المجملات.

قال بعض من نفى القياس: لو كان القياس حجة لما وجب على الرسول أن يبين للمكلفين ما أنزل الله عليه من الأحكام بل كان له أن يفوض بعضها إلى رأي القائس، وأجيب بأنه لما بيّن أن القياس من جملة الحجج فالقياس أيضاً راجع إلى بيان الرسول.

ثم لما ذكر شبهات المنكرين مع أجوبتها شرع في التهديد والوعيد والإنذار والتنبيه فقال ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ أي المكرات السيئات أراد أهل مكة ومن حول المدينة.

قال الكلبي: عنى بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير الله، والأقرب أن المراد سعيهم في إيذاء الرسول  وإيذاء أصحابه على سبيل الخفية ﴿ أن يخسف الله بهم الأرض ﴾ كما خسف بقارون ﴿ أو يأتيهم العذاب ﴾ أو ملائكة العذاب من السماء ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ كما فعل بقوم لوط ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم فيما هم بمعجزين ﴾ فائتين الله، وذكر المفسرون في هذا التقلب وجوهاً منها: أنه  يأخذهم في أسفارهم ومتاجرهم فإنه قادر على أن يهلكهم في السفر كما أنه قادر على أن يهلكهم في الحضر وهم لا يفوتون الله بسبب ضربهم في البلاد البعيدة.

ومنها أنه يأخذهم بالليل والنهار في أحوال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم، وحقيقته في حال تصرفهم في الأمور التي يتصرف فيها أمثالهم.

ومنها أنه أراد في حال ما يتقلبون في قضاء أوطارهم بوجوه الحيل فيحول الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم.

والتقلب بالمعنى الأوّل مأخوذ من قوله: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد  ﴾ وبالمعنى الثالث من قرأ ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ {التوبة: 48].

﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ على حالة تخوفهم وتوقعهم للبلاء بأن يكون قد أهلك قوماً قبلهم فكان أثر الخوف باقياً فيهم ظاهراً عليهم فهو خلاف قوله: ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ وقيل: التخوف التنقص والمعنى أنه يأخذهم بطريق النقص شيئاً بعد شيء في ديارهم وأموالهم وأنفسهم حتى يأتي الفناء على الكل.

عن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟

فسكتوا: فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص فقال: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟

قال: نعم قال شاعرنا زهير: تخوّف الرحل منها تامكاً قرداً *** كما تخوف عود النبعة السفن قوله تامكا قرداً أي سناماً مرتفعاً متراكماً، والسفن ما ينحت به الشيء ومنه السفينة لأنها تسفن وجه الماء بالمر في البحر.

فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم.

قالوا: وما ديواننا؟

قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فإن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ فذهب المفسرون إلى أن معناه أنه يمهل في أكثر الأمر لأنه رءُوف رحيم فلا يعجل بالعذاب.

وأقول: يحتمل أن يكون قوله "فإن" تعليلاً لقوله ﴿ أفأمن ﴾ كقوله: { ﴿ ما غرك بربك الكريم  ﴾ .

ولما خوف الماكرين بما خوف أتبعه ذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وسكانهما فقال ﴿ أو لم يروا إلى ما خلق الله ﴾ قال جار الله: "ما" مبهمة بيانه ﴿ من شيء ﴾ وقال أهل المعاني: قوله: ﴿ يتفيؤ ظلاله ﴾ إخبار عن شيء وليس بوصف له.

ويتفيأ "يتفعل" من الفيء وأصله الرجوع ومنه فيئة المولى.

وقال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار.

فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشيّ، وما انصرف عنه الشمس والقمر والذي يكون بالغداة ظل.

وقال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل، وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل.

وقوله: ﴿ ظلاله ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال ووجه حسنه كون المرجوع إليه واحداً في اللفظ وإن كان كثيراً في المعنى وهو قوله: ﴿ إلى ما خلق ﴾ نظيره ﴿ لتستووا على ظهوره  ﴾ أضاف الظهور - وهو جمع - إلى ضمير مفرد لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو ما تركبون.

قال الجوهري: تفيأت الظلال أي تقلبت.وقوله ﴿ عن اليمين والشمائل ﴾ قال أهل التفسير ومنهم الفراء: إنه وحد اليمين لأنه أراد واحداً من ذوات الأظلال، وجمع الشمائل لأنه أراد كلها لأن قوله ﴿ ما خلق الله ﴾ لفظ مفرد ومعناه جمع، وقيل: إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله ﴿ وجعل الظلمات والنور  ﴾ ﴿ وختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم  ﴾ وقيل: المراد باليمين النقطة التي هي مشرق الشمس وإنها واحدة، والشمائل عبارة عن الانحراف الواقع في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة.

وإنما عبر عن المشرق باليمين لأن أقوى جانبي الإنسان يمينه ومنه تظهر الحركة القوية، وكذا جانب الشرق أقوى جوانب الفلك ومنه تظهر الحركة اليومية التي هي أسرع الحركات وأقواها.

ويمكن أن يقال: إن الإنسان إذا توجه إلى الشرق الذي هو أولى الجوانب بالاعتبار لشرفه كان الجنوب يمينه والشمال شماله، ولا ريب أن وصول الشمس إلى فلك نصف النهار يختلف بحسب البلاد.

وقد يتفق انتقالها من الجنوب إلى الشمال وبالعكس في بلد واحد إذا كان عرضه ناقصاً عن الميل الكلي.

ومن المعلوم أن الشمس حين وصولها إلى نصف النهار إن كانت في جنوب سمت الرأس وقع ظلها إلى جانب الشمال، وإن كانت في شماله وقع ظلها إلى الجنوب، فيحتمل أن يراد بتفيؤ الأظلال تقلبها في هاتين الجهتين والله أعلم.

أما قوله ﴿ سجداً لله ﴾ فإنه حال من الظلال، ومعنى سجودها انقيادها لأمر الله منتقلة من جانب إلى جانب حسب تحرك النير على نسب مخصوصة ومقادير معلومة ذكرنا بعضها في كتبنا النجومية.

وقد نبى المتأخرون على الأظلال مسائل كثيرة منها: الشكل الموسوم بالظلي مع فروعه، وذكر بعضهم في تفسير هذا السجود أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملصقة بها على هيئة الساجد.

وقوله ﴿ وهم داخرون ﴾ حال أخرى من الظلال.

وإنما جمع بالواو والنون لأنهم أشبهوا العقلاء من حيث طاعتها لله  .

وقال جار الله: اليمين والشمائل استعارة عن يمين الإنسان وشماله بجانبي الشيء أي ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ.

والأجرام في أنفسها داخرة أيضاً صاغرة منقادة لأفعال الله فيها لا تمتنع ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة ﴾ قال الأخفش: أي من الدواب: وأخبر بالواحد كما تقول: ما أتاني من رجل مثله وما أتاني من الرجال مثله.

وقال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض، والوجه في تخصيص الدابة والملائكة بالذكر أنه علم من آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة له، فبين في هذه الآية أن الحيوانات بأسرها أيضاً كذلك.

ثم عطف عليها الملائكة إما لشرفها وإما لأنها ليست مما يدب ولكنها تطير بالجناحين، وبين النوعين مغايرة لقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه  ﴾ وعلى قاعدة الحكماء: وجه المغايرة أنها أرواح مجردة ليست من شأنها الحركة والدب.

قال جار الله: ومن دابة يجوز أن يكون بياناً لما في السموات وما في الأرض جميعاً، على أن في السموات خلقاً لله يدبون فيها كما يدب الأناسيّ في الأرض، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الخلق الذي يقال له الروح، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الملائكة.

وكرر ذكرهم على معنى والملائكة خصوصاً من بين الساجدين لأنهم أطوع الخلق وأعدلهم، ويجوز أن يراد بما في السموات ملائكتهن، وبقوله: ﴿ والملائكة ﴾ ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم انتهى كلامه.

ثم شرع  في صفة الملائكة وذكر عصمتهم قال: ﴿ وهم لا يستكبرون يخافون ﴾ على أنه حال منهم أو بيان لنفي استكبارهم لأن الخوف أثره عدم الاستكبار.

وقوله ﴿ من فوقهم ﴾ إما أن يتعلق بـ[يخافون} والمعنى يخافون ربهم أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم، وإما أن يكون حالاً من الرب أي يخافونه غالباً قاهراً.

وبحث الفوقية قد تقدم في الأنعام في قوله: ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ {الأنعام: 18] زعم بعض الطاعنين في عصمة الملائكة أنه  وصفهم بالخوف وحصول الخوف نتيجة تجويز الإقدام على الذنوب، وهب أنهم فعلوا كل ما أمروا به فمن أين علم أنهم تركوا كل ما نهوا عنه؟

والجواب عن الأوّل أنهم إنما يخافون من العذاب لقوله  : ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ فمن هذا الخوف يتركون الذنب.

وعن ابن عباس أن هذا الخوف خوف الإجلال كقوله: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء  ﴾ ولا ريب أنه كلما كانت معرفة جلال الله أتم كانت الهيبة والحيرة أعظم.

وعن الثاني أن النهي عن الشيء أمر بتركه، وفي الآية دلالة على أن إبليس لم يكن من الملائكة لأنه أبى واستكبر وإنهم لا يستكبرون.

وقد يستدل بها على أن الملك أفضل من البشر بل من كل المخلوقات وإلا لما خصهم بالذكر من بينها، ولخلو بواطنهم وظواهرهم عن الأخلاق الذميمة وانغماس البشر في الدواعي الشهوية والغضبية، ولهذا ورد في حقه ﴿ قتل الإنسان ما أكفره  ﴾ وقال  : "ما منا إلا من قد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا" وقال أيضاً  "الشيخ في قومه كالنبي في أمته" فضل الشيخ على الشاب لتقادم عهده وطول مدته، ولا شك أن الملائكة خلقوا قبل البشر بسنين متطاولة وقرون متمادية، وأنهم سنوا الطاعة والعبودية ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها.

وتمام البحث في هذه المسألة مذكور في أول سورة البقرة.

وفي قوله: ﴿ ما يؤمرون ﴾ دلالة على أن الملائكة مكلفون بالأمر والنهي والوعد والوعيد راجين خائفين.

ولما بين أن كل ما سواه في عالمي الأرواح والأجسام فإنه منقاد خاضع لجلاله وكبريائه أتبعه النهي عن الشرك قائلاً ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ﴾ فسئل أن التثنية والواحد حيث كانا يدلان على العدد الخاص، فما الفائدة في وصف إلهين باثنين ووصف إله بواحد؟

وأجيب بوجوه منها: قول صاحب النظم أن فيه تقديماً وتأخيراً أي لا تتخذوا اثنين إلهين.

ومنها أنه كررت العبارة لأجل المبالغة في التنفير عن اتخاذ الشريك.

ومنها قول لأهل المعاني إن فائدة الوصف والبيان هي أن يعلم أن النهي راجع إلى التعدد لا إلى الجنسية، ولهذا لو قلت: إنما هو إله ولم تؤكده بواحد سبق إلى الوهم إنك تثبت الإلهية لا الوحدانية.

وكيف لا يحتاج المقام إلى التوكيد والأثنينية منافية للإلهية لاستلزام تعدد الواجب كون كل منهما مركباً من جزأين ما به الاشتراك في الوجوب الذاتي، وما به الامتياز ولكن التركيب يوجب الافتقار إلى البسائط والافتقار ينافي الوجوب.

ودليل التمانع أيضاً يعين على المطلوب كما لو أراد أحدهما تحريك جسم معين وأراد الآخر تسكينه، أو قوي أحدهما على مخالفة الآخر أو لا يقوى، أو قدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر.

ثم نقل الكلام عن الغيبة إلى التكلم على طريقة الالتفات قائلاً: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ وقد مر مثله في أوّل "البقرة" ثم لما قرر وحدته وأنه يجب أن يخص بالرهبة منه والرغبة إليه ذكر أن الكل ملكه فقال: ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ فقالت الأشاعرة: ليس المراد من كونها لله أنها مفعولة لأجله ولغرض طاعته لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة لا لغرض الطاعة، فالمراد أن كلها بتخليقه وتكوينه ومن جملة ذلك أفعال العباد، ثم قال ﴿ وله الدين واصباً ﴾ فالدين الطاعة، والواصب الدائم، ومفازة واصبة بعيدة لا غاية لها.

ويقال للمريض وصب لكون ذلك المرض لازماً له.

وانتصابه على الحال والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل.

قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو الموت إلا الحق  ، فإن طاعته واجبة أبداً.

ويحتمل أن يكون الدين بمعنى الملة أي وله الدين ذا كلفة ومشقة ولذلك سمي تكليفاً، أو وله الجزاء سرمداً لا يزول يعني الثواب والعقاب.

وقال بعض المتكلمين المحققين: قوله ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ إشارة إلى احتياج الكل إليه في حال حدوثه.

وقوله: ﴿ وله الدين ﴾ أي الانقياد ﴿ واصباً ﴾ إشارة إلى أن جميع الممكنات مفتقرة إلى فيض وجوده في حال وجوده لأن الصحيح أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرحج.

ثم أنكر أن يكون الممكن مع شدة افتقاره إليه يخشى غيره فقال ﴿ أفغير الله تتقون ﴾ ثم منّ عليهم بقوله: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ "ما" بمعنى "الذي" وبكم صلته و ﴿ من نعمة ﴾ حال من الضمير في الجار، أو بيان لما وقوله: ﴿ فمن الله ﴾ الخبر.

وقيل: "ما" شرطية وفعل الشرط محذوف أي ما يكن.

وقال جار الله: معناه أي شيء حل بكم أو اتصل بكم من نعمة فهو من الله، قال الأشاعرة: أفضل النعم نعمة الإيمان والآية تفيد العموم فهو من نعم الله.

والنعمة إما دينية وهي معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به، وإما دنيوية نفسانية أو بدنية أو خارجة كالسعادات المالية وغيرها، وكل واحدة من هذه جنس تحتها أنواع لا حصر لها والكل من الله، فعلى العاقل أن لا يشكر إلا إياه.

ثم بين تلون حال الإنسان بعد استغراقه في بحار نعم الله قائلاً ﴿ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ﴾ ما تتضرعون إلا إليه.

والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة.

﴿ ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ﴾ قال جار الله: يجوز أن يكون الخطاب في قوله: ﴿ وما بكم ﴾ عاماً، ويريد بالفريق فريق الكفرة وأن الخطاب للمشركين و ﴿ منكم ﴾ للبيان لا للتبعيض كأنه قال: فإذا فريق كافر وهم أنتم، ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر كقوله: ﴿ فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد  ﴾ أقول: وأظهر الوجهين الأول والمعنى أن فريقاً منكم يبقى على ما كان عليه عند الضر في أن لا يفزع إلا إلى لله، وفريقاً يتغير عن حاله فيشرك بالله، ولعل هذه صفة لازمة لجوهر الإنسان ولهذا قال: ﴿ ليكفروا ﴾ كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة، ويجوز أن تكون لام العاقبة يعني عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفران.

والمراد بقوله: ﴿ بما آتيناهم ﴾ كشف الضر وإزالة المكروه، أو القرآن والشرائع، أو جميع النعم الظاهرة والباطنة التي أنعم الله بها على الإنسان.

ثم قال على سبيل التهديد وبطريقة الالتفات نظراً إلى أوّل الكلام ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ عاقبة كفركم ومثله في "الروم" كما سيجيء، وأما في "العنكبوت" فإنه قال: ﴿ ليكفروا بما أتيناهم وليتمتعوا  ﴾ بالعطف على القياس.

ثم حكى نوعاً آخر من قبائح أعمال بني آدم فقال ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون ﴾ الضمير الأوّل للمشركين والثاني قيل لهم وقيل للأصنام التي لا توصف بالعلم والشعور، ورجح الأوّل بأن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز، وبأن جمع السلامة بالعقلاء أليق، وقد يرجح الثاني بأن الأوّل يفتقر إلى الإضمار كما لو قيل: ويجعلون لما لا يعلمون في طاعته نفعاً ولا في الإعراض عنه ضراً.

وقال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم ﴿ نصيباً ﴾ أو يجعلون لما لا يعلمون إلاهيتها، أو السبب في صيرورتها معبودة.

والمراد بجعل النصيب ما مر في "الأنعام" في قوله: ﴿ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا  ﴾ وقيل: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.

عن الحسن: وقيل هم المنجمون الذين يوزعون موجودات هذا العالم على الكواكب السبعة فيقولون لزحل كذا وكذا من المعادن والنبات والحيوان، وللمشتري كذا إلى آخر الكواكب.

ثم أوعدهم الله بقوله: ﴿ تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ﴾ على الله من أن له شريكاً وأن الأصنام أهل للتقرب إليها مع أنه لا شعور لها بشىء أصلاً، أو المراد بالافتراء قولهم هذا حلال وهذا حرام من غير إذن شرعي، أو قولهم أن لغير الله تأثيراً في هذا العالم.

ومتى يكون هذا السؤال؟

قيل: عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب، وقيل: في القبر.

والأقرب أنه في الآخرة وهذا في هؤلاء الأقوام خاصة كقوله: ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون  ﴾ في الأمم عامة.

قوله: ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ نوع آخر من القبائح وكانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله.

قال الإمام فخر الدين الرازي: أظن أن ذلك لأن الملائكة يستترون عن العيون كالنساء، ومنه إطلاق التأنيث على الشمس لاستتارها عن أن تدرك بالأبصار لضوئها الباهر ونورها القاهر.

{  } تنزيه لذاته عن نسبة الولد إليه أو تعجب من قولهم.

ومحل "ما" في قوله ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ إما الرفع على الابتداء، أو النصب أي وجعلوا لهم ما يشتهون يعني البنين.

وأبى الزجاج جواز النصب وقال: لأن العرب لا تقول جعل له كذا وهو يعني نفسه وإنما تقول جعل لنفسه كذا.

فلو كان منصوباً لقيل: و "لأنفسهم ما يشتهون".

ثم ذكر غاية كراهتهم للإناث التي جعلوها لله  فقال: ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه ﴾ أي صار ﴿ مسودّاً ﴾ ويحتمل أن يكون استعمل "ظل" لان وضع الحمل يتفق بالليل غالباً فيظل نهاره مسود الوجه ﴿ وهو كظيم ﴾ مملوء غماً وحزناً وغيظاً على المرأة.

قال أهل المعاني: جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم والكآبة لأن الإنسان إذا قوي فرحه انبسط الروح من قلبه ووصل إلى الأطراف ولا سيما إلى الوجه لما بين القلب والدماغ من التعلق الشديد فاستنار الوجه وأشرق، وإذا قوي غمه انحصر الروح في داخل القلب ولم يبق منه أثر قويّ على الوجه فيتربد الوجه لذلك ويصفر أو يسود ﴿ يتوارى ﴾ يستخفي ﴿ من القوم من سوء ما بشر به ﴾ من أجل سوء المبشر به ولم يظهر أياماً يحدث نفسه ويدبر فيها ماذا يصنع بها وذلك قوله: ﴿ أيمسكه ﴾ أي يحبسه ﴿ على هون ﴾ ذل وهوان.

والظاهر أن هذا صفة المولود أي يمسكها على هوان منه لها.

وقال عطاء عن ابن عباس: إنه صفة الأب أي يمسكها مع الرضا بهوان نفسه ﴿ أم يدسه في التراب ﴾ أي بيده.

والدس إخفاء الشيء في الشيء.

وإنما ذكر الضمير في ﴿ يمسكه ﴾ و ﴿ يدسه ﴾ باعتبار ما بشر به.

كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها إلى أن تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها، ومنها من يذبحها.

وكانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية، وأخرى خوفاً من الفقر والفاقة ولزوم النفقة.

روي أن رجلاً قال: يا رسول الله والذين بعثك بالحق ما أجد حلاوة الإسلام وقد كانت لي في الجاهلية ابنة وأمرت امرأتي أن تزينها وأخرجتها، فلما انتهيت إلى وادٍ بعيد القعر ألقيتها فقال: يا أبتي قتلتني.

فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء.

فقال  : ما في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما في الإسلام يهدمه الاستغفار.

ولا ريب أن الأنثى التي هذا محلها عندهم كانت في غاية الكراهية والتنفير ومع ذلك أثبتوها لله المتعالي عن الصاحبة والولد فلذلك قال: ﴿ ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ ولهذا يقدمون على القتل والإيذاء ﴿ مثل السوء ﴾ وصفة السوء وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث ووأدهن خشية الإملاق والتزام الشح البالغ ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ وهو أضداد صفات المخلوقين من الغنى الكامل والجود الشامل ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لا يغالب فلا يستضر بأن ينسب إليه ما لا يليق به ﴿ الحكيم ﴾ في خلق الذكور والإناث أو في الوعيد على قتل البنات.

قال القاضي: إن هؤلاء المشركين استحقوا الذم بإضافة البنات إلى الله وإنه أسهل من إضافة الفواحش والقبائح كلها إليه وهذا شأن المجبرة.

وأجابت الأشاعرة بأنه ليس كل ما قبح منافي العرف فإنه يقبح من الله.

ألا ترى أن رجلاً لو زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن وتقوية الشهوة فيهم وفيهن، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فإن هذا بالاتفاق حسن من الله  وقبيح من كل الخلق، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبنية على العرف إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية اليقينية، وقد ثبت بالبراهين القطعية امتناع الولد على الله  فعلى جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الإقناعية.

أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية أن خالقها هو الله  فكيف يمكن إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى والله أعلم.

التأويل: أن يخسف الله بهم أرض البشرية ودركات السفل أو يأتيهم العذاب بالمكر والاستدراج من حيث لا يشعرون، أنه من أين أتاهم من قبل الأعمال الدنيوية أو من قبل الأعمال الأخروية أو يأخذهم في تقلبهم من أعمال الدنيا إلى أعمال الآخرة بالرياء، ومن أعمال الآخرة إلى أعمال الدنيا بالهوى ﴿ أو يأخذهم على تخوّف ﴾ تنقص من مقاماتهم ودرجاتهم بلا شعورهم ﴿ فإن ربكم لرءُوف ﴾ بالعباد إذ أعطاهم حسن الاستعداد ﴿ رحيم ﴾ حين لا يأخذهم بعد إفساد الاستعداد في الحال لعلهم يتوبون في المآل فيقبل توبتهم بالفضل والنوال.

ما خلق الله من شيء وهو عالم الأجسام فإن عالم الأرواح خلق من لا شيء يتفيأ ظلاله، فإن الأجسام ظلال الأرواح فتارة تميل بعمل أهل السعادة إلى أصحاب اليمين، وأخرى تميل بعمل أهل الشقاء إلى أصحاب الشمال ﴿ سجداً لله ﴾ منقادين لأمره مسخرين لما خلقوا لأجله.

وإنما وحد اليمين وجمع الشمال لكثرة أصحاب الشمال، وسجود كل موجود يناسب حاله كما أن تسبيح كل منهم يلائم لسانه ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ﴾ أراد بالإله الآخر الهوى لقوله  : "ما عبد إله أبغض على الله من الهوى" ﴿ ويجعلون ﴾ يعني أصحاب النفوس والأهواء ﴿ لما لا يعلمون ﴾ لمن لا علم لهم بأحوالهم ﴿ نصيباً ﴾ بالرياء ﴿ مما رزقناهم ﴾ من الطاعات ﴿ تالله ليسئلن عما كنتم تفترون ﴾ والسؤال عن المعاملات إنما هو بتبديل الصفات وتغير الأحوال من سمة السعادة إلى سمة الشقاوةوبالعكس ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ أظن أن البنات إشارة إلى صفات فيها نوع نقص كالتجسيم والتشبيه والحلول والاتحاد، ونسبته إلى الظلم والجور والتعطيل وعدم الاستقلال بالتأثير وغير ذلك مما لا يليق بغاية جلاله ونهاية كماله فلهذا قال  : ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ يعني أن كل أحد يجب أن يوصف بغاية الكمال ويتغير وجهه إذا نبه على عيب فيه ولا يعلم أن مطلق الكمال لا يليق إلا بالواجب بالذات، ونفس الإمكان نقصان يستلزم جميع النقصانات والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .

لا نعلم الخطاب بهذا أنه [لمن كان] الخطاب بهذا ألأهل مكة؛ فهم [قد] اتخذوا آلهة بقولهم: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً...

﴾ الآية [ص: 5] إلا أن يخاطب به الثنوية والزنادقة، فإنهم يقولون باثنين، ويشبه أن يكون أهل مكة وإن اتخذوا آلهة فإنهم في الحقيقة عباد إلهين؛ لأنهم إنما كانوا يعبدون تلك الأصنام بأمر الشيطان وطاعتهم إياه، فنسب العبادة إليه؛ لما بأمره يعبدون هذه الأصنام والله أعلم؛ ألا ترى أن إبراهيم قال لأبيه: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ وإن كان في الظاهر لا يعبد الشيطان، لكن لما بأمره يعبد الأصنام أضاف العبادة إليه، أو أن يكون المراد من ذكر اثنين: إنما هو على الزيادة على الواحد، كأنه قال: لا تتخذوا ولا تعبدوا أكثر من إله واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ ﴾ .

لا تخافون الأصنام التي تعبدونها؛ فإنكم إن تركتم عبادتها لا تضركم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

أي: وله يخضع ما في السماوات والأرض وأنتم لا تخضعون، أو ما في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه؛ فكيف أشركتم عبيده في ألوهية الله  وربوبيته؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً ﴾ .

قال بعضهم: دائماً؛ لأن غيره من الأديان كلها يبطل ويضمحل، ويبقى دينه في الدارين جميعاً.

وقال بعضهم: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً ﴾ أي: مخلصاً، من الوصب [والنصب] والتعب، وتأويله - والله أعلم -: أي: وله دين لا يوصل إليه إلا بتعب وجهد؛ فاجتهدوا واتعبوا؛ لتخلصوا له الدين؛ هذا معنى قوله: (مخلصا).

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ﴾ .

أي: أمخالفة غير الله تتقون؛ أي: لا تخافوا ولكن اتقوا مخالفة [الله لا تتقوا مخالفة] غيره.

أو يقول: لا تخافوا غير الله ولا تتقوا سواه، ولكن اتقوا الله واتقوا نقمته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ .

أي: تتضرعون؛ يخبر عن سفههم وقلة عقلهم أنهم يعلمون أن له ما في السماوات والأرض، وأن كل ذلك ملكه، وأن ما لهم من النعمة منه، وأن ما يحل بهم من البلاء والشدة هو الكاشف لهم والدافع عنهم، ثم يكفرونه ويصرفون شكرها منه إلى غيره في حال الرخاء والسعة، ويؤمنون به في حال الشدة والبلاء؛ فيقول: أنا المنعم عليكم تلك النعم، وأنا المالك للكشف عنكم لا الأصنام التي عبدتموها، فكيف كفرتم بي في وقت الرخاء والسّعة وآمنتم بي في وقت الضيق والبلاء؟!

كانوا يخلصون له الدين في وقت ويشركون غيره في وقت، فيقول: أديموا لي الدين بقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً ﴾ ولا تتركوا الإيمان بي في وقت وتؤمنوا بي في وقت، وكذلك كان عادتهم: كانوا يكفرون بربهم في حال الرخاء والسعة، ويؤمنون به في حال البلاء والشدة؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ...

 ﴾ الآية.

ويحتمل أن يكون فرض الجهاد على المسلمين والقتال معهم لهذا المعنى؛ لأن من عادتهم الإيمان في وقت البلاء والشدة والخوف، ففرض عليهم القتال معهم؛ ليضطروا إلى الإيمان فيؤمنوا ويديموا الإيمان، ومنذ فرض القتال معهم كثر أهل الإسلام فدخلوا فيه فوجاً فوجاً، وكان قبل ذلك يُدخَل فيه واحداً واحداً.

وفيه دلالة إثبات رسالة محمد  [حيث] قال: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ﴾ فإنما أخبر عما عرفوا وتقرر عندهم أن كل ذلك من عند الله؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يجعلوا ما آتاهم الله وأنعم عليهم سبب كفرهم بالله.

والثاني: يكفرون بنعم الله -  - بعبادتهم الأصنام، وصرفهم الشكر عنه.

ويشبه أن يكون إخباره عن سفههم من وجه آخر؛ وهو أنهم لم يروا في البشر أحداً يطاع ويخضع إلا أحد رجلين: دافع بلاء عنه، أو جارّ نفع إليه، فالأصنام التي عبدوها ليس منها دفع بلاء ولا جرّ منفعة، فلماذا يعبدونها؟

وقال أبو بكر: ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ ﴾ : [أي] بالقرآن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

هذا وعيد من الله لهم، يقول: فسوف تعلمون ما ينزل بكم من كفران نعمة وصرف الشكر عنه أنه مهلكهم ومنزل بهم عذابه.

وفي قوله: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ .

أي: تتضرعون، موعظة للمؤمنين أيضاً؛ لأنهم يجعلون يتضرعون إلى الله إذا أصابهم الضر والبلاء، وإذا انكشف ذلك عنهم تركوا ذلك التضرع ونسوا ربهم؛ فيعظهم لئلا يصنعوا مثل صنيع أولئك، يقول والله أعلم؛ أي: تعلمون أن ما بكم من نعمة فمن الله؛ فكيف تصرفون شكرها إلى غيره في حال؟!.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ ﴾ أي: يقولون ﴿ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ .

[قال بعضهم: يجعلون للأصنام والأوثان التي يعبدونها نصيباً مما رزقناهم] من الأنعام والحرث وغيره الذي جعل الله لهم.

ولا يعلمون لهم نصيباً في ذلك؛ وهو كقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا  ﴾ حرموا على أنفسهم ما جعل الله لهم وجعلوه لآلهتهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً ﴾ وهو الشيطان؛ أي: ما يجعلون للأوثان، فذلك للشيطان في الحقيقة، لأنه هو الذي أمرهم بذلك، وهو الذي دعاهم إلى ذلك، وهو كقوله: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنهم إذا عبدوا الأوثان فكأن قد عبدوا الشيطان؛ لأنه هو أمرهم بذلك، وهو دعاهم إلى ذلك، فعلى ذلك ما يجعلون للأوثان ذلك للشيطان لما ذكرنا، لكن لا يعلمون أن ذلك له نصيب.

ويحتمل قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً ﴾ أي: يعلمون أن ليس لها نصيب في ذلك، ولكن يجعلون ذلك لها على علم منهم أن لا نصيب للأوثان في ذلك، وهو كقوله: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: أتنبئون الله بما يعلم أنه ليس ونحوه، أي: يعلم غير الذي تنبئون، وقد ذكرنا قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ ﴾ على القول، أي: يقولون: وإلا لا يملكون جعل ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ تَفْتَرُونَ ﴾ : تسميتهم الأصنام آلهة، ويحتمل افتراؤهم على الله ما قالوا: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ زعموا [أن ما] فعل آباؤهم [وفعلوا هم] كان بأمر من الله ورضاه؛ حيث تركهم على ذلك، فذلك افتراؤهم.

وقوله: ﴿ تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ .

يحتمل السؤال الجزاء؛ أي: تالله لتجزون عما كنتم تفترون، ويحتمل السؤال سؤال حجة، يسألون على ما ادعوا على الله من الأمر الحجة على ذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

شِرْكهم بالله جعلهم يكفرون نعم الله عليهم، ومنها كشف الضر؛ ولهذا قيل لهم: تمتعوا بما أنتم فيه من نعيم حتى يأتيكم عذاب الله الآجل والعاجل.

<div class="verse-tafsir" id="91.0wLXG"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله