الآية ٥٦ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٥٦ من سورة النحل

وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًۭا مِّمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ ۗ تَٱللَّهِ لَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ ٥٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٦ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٦ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن قبائح المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان والأنداد ، وجعلوا لها نصيبا مما رزقهم الله فقالوا : ( هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله [ بغير علم ] وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ) [ الأنعام : 136 ] أي : جعلوا لآلهتهم نصيبا مع الله وفضلوهم أيضا على جانبه ، فأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه ، وائتفكوه ، وليقابلنهم عليه وليجازينهم أوفر الجزاء في نار جهنم ، فقال : ( تالله لتسألن عما كنتم تفترون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ويجعل هؤلاء المشركون من عَبَدة الأوثان، لما لا يعلمون منه ضرا ولا نفعا نصيبا.

يقول: حظا وجزاء مما رزقناهم من الأموال، إشراكا منهم له الذي يعلمون أنه خلقهم، وهو الذي ينفعهم ويضرّهم دون غيره.

كالذي حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله ( وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ) قال: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرّهم ولا ينفعهم نصيبا مما رزقناهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ) وهم مشركو العرب، جعلوا لأوثانهم نصيبا مما رزقناهم، وجزءا من أموالهم يجعلونه لأوثانهم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ) قال: جعلوا لآلهتهم التي ليس لها نصيب ولا شيء، جعلوا لها نصيبا مما قال الله من الحرث والأنعام، يسمون عليها أسماءها ويذبحون لها.

وقوله ( تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُون ) يقول تعالى ذكره: والله أيها المشركون الجاعلون الآلهة والأنداد نصيبا فيما رزقناكم شركا بالله وكفرا، ليسألنكم الله يوم القيامة عما كنتم في الدنيا تفترون، يعني: تختلقون من الباطل والإفك على الله بدعواكم له شريكا، وتصييركم لأوثانكم فيما رزقكم نصيبا، ثم ليعاقبنكم عقوبة تكون جزاء لكفرانكم نعمه وافترائكم عليه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون قوله تعالى : ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم ذكر نوعا آخر من جهالتهم ، وأنهم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضر وينفع - وهي الأصنام - شيئا من أموالهم يتقربون به إليه ; قاله مجاهد وقتادة وغيرهما .

ف يعلمون على هذا للمشركين .

وقيل هي للأوثان ، وجرى بالواو والنون مجرى من يعقل ، فهو رد على ما ومفعول يعلم محذوف ، [ ص: 104 ] والتقدير : ويجعل هؤلاء الكفار للأصنام التي لا تعلم شيئا نصيبا .

وقد مضى في " الأنعام " تفسير هذا المعنى في قوله " فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا "تالله لتسألن رجع من الخبر إلى الخطاب فقال : تالله لتسئلن وهذا سؤال توبيخ .عما كنتم تفترون أي تختلقونه من الكذب على الله أنه أمركم بهذا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن جهل المشركين وظلمهم وافترائهم على الله الكذب، وأنهم يجعلون لأصنامهم التي لا تعلم ولا تنفع ولا تضر -نصيبا مما رزقهم الله وأنعم به عليهم، فاستعانوا برزقه على الشرك به، وتقربوا به إلى أصنام منحوتة، كما قال تعالى: { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ } ويقال: {ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} فيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ويجعلون لما لا يعلمون ) له حقا ، أي الأصنام ، ( نصيبا مما رزقناهم ) من الأموال ، وهو ما جعلوا للأوثان من حروثهم وأنعامهم ، فقالوا : هذا لله بزعمهم ، وهذا لشركائنا .

ثم رجع من الخبر إلى الخطاب فقال : ( تالله لتسألن ) يوم القيامة ، ( عما كنتم تفترون ) في الدنيا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويجعلون» أي المشركون «لما لا يعلمون» أنها تضر ولا تنفع وهي الأصنام «نصيباً مما رزقناهم» من الحرث والأنعام بقولهم هذا لله لشركائنا «تالله لتسألن» سؤال توبيخ وفيه التفات عن الغيبة «عما كنتم تفترون» على الله من أنه أمركم بذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومِن قبيح أعمالهم أنهم يجعلون للأصنام التي اتخذوها آلهة، وهي لا تعلم شيئًا ولا تنفع ولا تضر، جزءًا من أموالهم التي رزقهم الله بها تقربًا إليها.

تالله لتسألُنَّ يوم القيامة عما كنتم تختلقونه من الكذب على الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ .

.

.

) .

معطوف على ما سبقه بحسب المعنى ، لتسجيل رذائلهم ، وتعداد جناياتهم .وضمير الجمع فى قوله ( لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ ) يصح أن يعود إلى الكفار ، كالذى قبله فى ( ويجعلون ) .فيكون المعنى : إن هؤلاء المشركين يفعلون ما يفعلون من إشراكهم بالله - تعالى - ومن التضرع إليه عند الضر ونسيانه عند الرخاء .

.

ولا يكتفون بذلك ، بل ويجعلون للأصنام التى لا يعلمون منها ضرا ولا نفعا ، نصيبا مما رزقناهم من الحرث والأنعام وغيرهما .ويصح أن يعود ضمير الجمع فى قوله ( لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ ) للأصنام ، فيكون المعنى : ويجعلون للأصنام التى لا تعلم شيئا لأنها جماد لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر .

.

يجعلون لها نصيبا مما رزقناهم .قال الآلوسى : " قوله : ( لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ ) أى لآلهتهم التى لا يعلمون أحوالها وأنها لا تضر ولا تنفع ، على أن " ما " موصولة ، والعائد محذوف؛ وضمير الجمع للكفار ، أو لآلهتهم التى لا علم لها بشئ لأنها جماد .

على أن " ما " موصوله - أيضا - عبارة عن الآلهة ، وضمير ( يعلمون ) عائد عليها ومفعول ( يعلمون ) متروك لقصد العموم ، وصيغة جمع العقلاء لوصفهم الآلهة بصفاتهم .

.

" .وقال - سبحانه - ( نصيبا ) بالتنكير ، للايماء بأنه نصيب كبير وضعوه فى غير موضعه ووصفه بأنه مما رزقهم - سبحانه - لتهويل جهلهم وظلمهم ، حيث تركوا التقرب إلى الرازق الحقيقى - جل وعلا - ، وتقربوا بجانب كبير مما رزقهم به - سبحانه - إلى جمادات لا تغنى عنهم شيئا .وما أجملته هذه الآية الكريمة عن جهالتهم ، فصلته آيات أخرى منها قوله - تعالى - فى سورة الأنعام : ( وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً فَقَالُواْ هذا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إلى الله وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ) وقوله - سبحانه - ( تالله لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ) تهديد ووعيد لهم على سوء أفعالهم .

أى : أقسم بذاتى لتسألن - أيها المشركون - سؤال توبيخ وتأنيب فى الآخرة ، عما كنتم تفترونه من أكاذيب فى الدنيا ، ولأعاقبنكم العقاب الذى تستحقونه بسبب افترائكم وكفركم .

وصدرت الجملة الكريمة بالقسم ، لتأكيد الوعيد ، ولبيان أن العقاب أمر محقق بالنسبة لهم وجاءت الجملة الكريمة بأسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، لأن توبيخ الحاضر أشد من توبيخ الغائب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل القاهرة فساد أقوال أهل الشرك والتشبيه، شرح في هذه الآية تفاصيل أقوالهم وبين فسادها وسخافتها.

فالنوع الأول: من كلماتهم الفاسدة أنهم يجعلون لما لا يعلمون نصيباً وفيه مسالتان: المسألة الأولى: الضمير في قوله: ﴿ لما لا يعلمون ﴾ إلى ماذا يعود؟

فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى المشركين المذكورين في قوله: ﴿ إذا فريق منكم بربهم يشركون  ﴾ والمعنى أن المشركين لا يعلمون.

والثاني: أنه عائد إلى الأصنام أي لا يعلم الأصنام ما يفعل عبادها قال بعضهم: الأول أولى لوجوه: أحدها: أن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز.

وثانيها: أن الضمير في قوله: ﴿ ويجعلون ﴾ عائد إلى المشركين فكذلك في قوله: ﴿ لما لا يعلمون ﴾ يجب أن يكون عائد إليهم.

وثالثها: أن قوله: ﴿ لما لا يعلمون ﴾ جمع بالواو والنون.

وهو بالعقلاء أليق منه بالأصنام التي هي جمادات، ومنهم من قال بل القول الثاني أولى لوجوه: الأول: أنا إذا قلنا إنه عائد إلى المشركين افتقرنا إلى إضمار، فإن التقدير: ويجعلون لما لا يعلمون إلهاً، أو لما لا يعلمون كونه نافعاً ضاراً، وإذا قلنا إنه عائد إلى الأصنام، لم نفتقر إلى الإضمار لأن التقدير: ويجعلون لما لا علم لها ولا فهم.

والثاني: أنه لو كان العلم مضافاً غلى المشركين لفسد المعنى، لأن من المحال أن يجعلوا نصيباً من رزقهم لما لا يعلمونه، فهذا ما قيل في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر.

واعلم أنا إذا قلنا بالقول الأول افتقرنا فيه إلى الإضمار، وذلك يحتمل وجوهاً: أحدها: ويجعلون لما لا يعلمون له حقاً، ولا يعلمون في طاعته نفعاً ولا في الإعراض عنه ضرراً، قال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه ينفعهم ويضرهم نصيباً.

وثانيها: ويجعلون لما لا يعلمون إلهيتها.

وثالثها: ويجعلون لما لا يعلمون السبب في صيرورتها معبودة.

ورابعها: المراد استحقار الأصنام حتى كأنها لقلتها لا تعلم.

المسألة الرابعة: في تفسير ذلك النصيب احتمالات: الأول: المراد منه أنهم جعلوا لله نصيباً من الحرث والأنعام يتقربون إلى الله تعالى به، ونصيباً إلى الأصنام يتقربون به إليها، وقد شرحنا ذلك في آخر سورة الأنعام.

والثاني: أن المراد من هذا النصيب، البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، وهو قول الحسن.

والثالث: ربما اعتقدوا في بعض الأشياء أنه إنما حصل بإعانة بعض تلك الأصنام، كما أن المنجمين يوزعون موجودات هذا العالم علىلكواكب السبعة، فيقولون لزحل كذا من المعادن والنبات والحيوانات، وللمشتري أشياء أخرى فكذا هاهنا.

واعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين هذا المذهب قال: ﴿ تالله لتسألن ﴾ وهذا في هؤلاء الأقوم خاصة بمنزلة قوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ  ﴾ وعلى التقديرين فأقسم الله تعالى بنفسه أنه يسألهم، وهذا تهديد منه شديد، لأن المراد أنه يسألهم سؤال توبيخ وتهديد، وفي وقت هذا السؤال احتمالان: الأول: أنه يقع ذلك السؤال عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب، وقيل عند عذاب القبر.

والثاني: أنه يقع ذلك في الآخرة، وهذا أولى لأنه تعالى قد أخبر بما يجري هناك من ضروب التوبيخ عند المسألة فهو إلى الوعيد أقرب.

النوع الثاني: من كلماتهم الفاسدة أنهم يجعلون لله البنات، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً  ﴾ كانت خزاعة وكنانة تقول: الملائكة بنات الله.

أقول أظن أن العرب إنما أطلقوا لفظ البنات لأن الملائكة لما كانوا مستترين عن العيون أشبهوا النساء في الاستتار فأطلقوا عليهم لفظ البنات.

وأيضاً قرص الشمس يجري مجرى المستتر عن العيون بسبب ضوئه الباهر ونوره القاهر فأطلقوا عليه لفظ التأنيث فهذا ما يغلب على الظن في سبب إقدامهم على هذا القول الفاسد والمذهب الباطل، ولما حكى الله تعالى عنهم هذا القول قال: ﴿ سبحانه ﴾ وفيه وجوه: الأول: أن يكون المراد تنزيه ذاته عن نسبة الولد إليه.

والثاني: تعجيب الخلق من هذا الجهل القبيح، وهو وصف الملائكة بالأنوثة ثم نسبتها بالولدية إلى الله تعالى.

والثالث: قيل في التفسير معناه معاذ الله وذلك مقارب للوجه الأول.

ثم قال تعالى: ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ أجاز الفراء في ما وجهين: الأول: أن يكون في محل النصب على معنى ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون.

والثاني: أن يكون رفعاً على الابتداء كأنه تم الكلام عند قوله: ﴿ سبحانه ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ يعني البنين وهوكقوله: ﴿ أم له البنات ولكم البنون  ﴾ ثم اختار الوجه الثاني وقال: لو كان نصيباً لقال ولأنفسهم ما يشتهون، لأنك تقول جعلت لنفسك كذا وكذا، ولا تقول جعلت لك، وأبى الزجاج إجازة الوجه الأول، وقال ما في موضع رفع لا غير، والتقدير: ولهم الشيء الذي يشتهونه، ولا يجوز النصب لأن العرب تقول جعل لنفسه ما تشتهي، ولا تقول جعل له ما يشتهي وهو يعني نفسه.

ثم إنه تعالى ذكر أن الواحد من هؤلاء المشركين لا يرضى بالولد البنت لنفسه فما لا يرتضيه لنفسه كيف ينسبه لله تعالى فقال: ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: التبشير في عرف اللغة مختص بالخبر الذي يفيد السرور إلا أنه بحسب أصل اللغة عبارة عن الخبر الذي يؤثر في تغير بشرة الوجه، ومعلوم أن السرور كما يوجب تغير البشرة فكذلك الحزن يوجبه.

فوجب أن يكون لفظة التبشير حقيقة في القسمين، ويتأكد هذا بقوله: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ ومنهم من قال: المراد بالتبشير هاهنا الإخبار، والقول الأول أدخل في التحقيق.

أما قوله: ﴿ ظل وجهه مسوداً ﴾ فالمعنى أنه يصير متغيراً تغير مغتم، ويقال لمن لقي مكروهاً قد اسود وجهه غماً وحزناً، وأقول إنما جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم، وذلك لأن الإنسان إذا قوي فرحه انشرح صدره وانبسط روح قلبه من داخل القلب، ووصل إلى الأطراف، ولا سيما إلى الوجه لما بينهما من التعلق الشديد، وإذا وصل الروح إلى ظاهر الوجه أشرق الوجه وتلألأ واستنار، وأما إذا قوي غم الإنسان احتقن الروح في باطن القلب ولم يبق منه أثر قوي في ظاهر الوجه، فلا جرم يربد الوجه ويصفر ويسود ويظهر فيه أثر الأرضية والكثافة، فثبت أن من لوازم الفرح استنارة الوجه وإشراقه، ومن لوازم الغم كمودة الوجه وغبرته وسواده، فلهذا السبب جعل بياض الوجه إشراقه كناية عن الفرح وغبرته وكمودته وسواده كناية عن الغم والحزن والكراهية، ولهذا المعنى قال: ﴿ ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ﴾ أي ممتلئ غماً وحزناً.

ثم قال تعالى: ﴿ يتوارى من القوم من سوء ﴾ أي يختفي ويتغيب من سوء ما بشر به، قال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية إذا ظهر آثار الطلق بامرأته توارى واختفى عنا لقوم إلى أن يعلم ما يولد له فإن كان ذكراً ابتهج به، وإن كان أنثى حزن ولم يظهر للناس أياماً يدبر فيها أنه ماذا يصنع بها؟

وهو قوله: ﴿ أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ﴾ والمعنى: أيحسبه؟

والإمساك هاهنا بمعنى بمعنى الحبس كقوله: ﴿ أمسك عليك زوجك  ﴾ وإنما قال: ﴿ أيمسكه ﴾ ذكره بضمير الذكران لأن هذا الضمير عائد على ما في قوله: ﴿ ما بشر به ﴾ والهون الهوان قال النضر بن شميل يقال إنه أهون عليه هوناً وهواناً، وأهنته هوناً وهواناً، وذكرنا هذا في سورة الأنعام عند قوله؛ ﴿ عذاب الهون  ﴾ وفي أن هذا الهون صفة من؟

قولان: الأول: أنه صفة المولودة، ومعناه أنه يمسكها عن هون منه لها.

والثاني: قال عطاء عن ابن عباس: أنه صفة للأب، ومعناه أنه يمسكها مع الرضا بهوان نفسه وعلى رغم أنفه.

ثم قال: ﴿ أم يدسه في التراب ﴾ والدس إخفاء الشيء في الشيء.

يروى أن العرب كانوا يحفرون حفيرة ويجعلونها فيها حتى تموت.

وروي عن قيس بن عاصم أنه قال: يا رسول الله إني واريت ثماني بنات في الجاهلية فقال عليه السلام: «أعتق عن كل واحدة منهن رقبة» فقال: يا نبي الله إني ذو إبل، فقال: «أهد عن كل واحدة منهن هدياً».

وروي أن رجلاً قال يا رسول الله: ما أجد حلاوة الإسلام منذ أسلمت، فقد كانت لي في الجاهلية ابنة فأمرت امرأتي أن تزينها فأخرجتها إلي فانتهيت بها إلى واد بعيد القعر فألقيتها فيه، فقالت: يا أبت قتلتني، فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء، فقال عليه السلام: «ما كان في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما كان في الإسلام يهدمه الاستغفار».

واعلم أنهم كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها فيها إلى أن تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها ومنهم من يذبحها، وهم كانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية، وتارة خوفاً من الفقر والفاقة ولزوم النفقة، ثم إنه قال: ﴿ ألا ساء ما يحكمون ﴾ وذلك لأنهم بلغوا في الاستنكاف من البنت إلى أعظم الغايات، فأولها: أنه يسود وجهه.

وثانيها: أنه يختفي عن القوم من شدة نفرته عن البنت.

وثالثها: أن الولد محبوب بحسب الطبيعة، ثم إنه بسبب شدة نفرته عنها يقدم على قتلها، وذلك يدل على أن النفرة عن البنت والاستنكاف عنها قد بلغ مبلغاً لا يزداد عليه.

إذا ثبت هذا فالشيء الذي بلغ الاستنكاف منه إلى هذا الحد العظيم كيف يليق بالعاقل أن ينسبه لإله العالم المقدس العالي عن مشابهة جميع المخلوقات؟

ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلْأُنثَىٰ  تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰٓ  ﴾ .

المسألة الثانية: قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان الجبر، لأنهم يضيفون إلى الله تعالى من الظلم والفواحش ما إذا أضيف إلى أحدهم أجهد نفسه في البراءة منه والتباعد عنه، فحكمهم في ذلك مشابه لحكم هؤلاء المشركين، ثم قال: بل أعظم، لأن إضافة البنات إليه إضافة قبح واحد، وذلك أسهل من إضافة كل القبائح والفواحش إلى الله تعالى.

فيقال للقاضي، إنه لما ثبت بالدليل استحالة الصاحبة والولد على الله تعالى أردفة الله بذكر هذا الوجه الإقناعي، وإلا فليس كل ما قبح منا في العرف قبح من الله تعالى ألا ترى أن رجلاً زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن ثم بالغ في تقوية الشهوة فيهم وفيهن، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فإن هذا بالإتفاق حسن من الله تعالى وقبيح من كل الخلق، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبينة على العرف، إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية اليقينية، وقد ثبت بالبراهين القطعية امتناع الولد على الله، فلا جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الإقناعية.

أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية القاطعة أن خالقها هو الله تعالى، فكيف يمكن إلحاق أحد البابين بالآخر لولا شدة التعصب؟

والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى ﴾ والمثل السوء عبارة عن الصفة السوء وهي احتياجهم إلى الولد، وكراهتهم الإناث خوف الفقر والعار: ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ أي الصفة العالية المقدسة، وهي كونه تعالى منزهاً عن الولد.

فإن قيل: كيف جاء: ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ مع قوله: ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ .

قلنا: المثل الذي يذكره الله حق وصدق والذي يذكره غيره فهو الباطل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي لآلهتهم.

ومعنى لا يعلمونها: أنه يسمونها آلهة، ويعتقدون فيها أنها تضر وتنفع وتشفع عند الله، وليس كذلك.

وحقيقتها أنها جماد لا يضر ولا ينفع، فهم إذاً جاهلون بها، وقيل: الضمير في ﴿ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ للآلهة.

أي: لأشياء غير موصوفة بالعلم، ولا تشعر أجعلوا لها نصيباً في أنعامهم وزروعهم أم لا؟

وكانوا يجعلون لهم ذلك تقرباً إليهم ﴿ لَتُسْئَلُنَّ ﴾ وعيد ﴿ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ من الإفك في زعمكم أنها آلهة، وأنها أهل للتقرب إليها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي لا عِلْمَ لَها لِأنَّها جَمادٌ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ ﴿ لِما ﴾ ، أوِ الَّتِي لا يَعْلَمُونَها فَيَعْتَقِدُونَ فِيها جَهالاتٍ مِثْلَ أنَّها تَنْفَعُهم وتَشْفَعُ لَهم عَلى أنَّ العائِدَ إلى ما مَحْذُوفٌ، أوْ لِجَهْلِهِمْ عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ والمَجْعُولَ لَهُ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ.

﴿ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ ﴾ مِنَ الزُّرُوعِ والأنْعامِ.

﴿ تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ مِن أنَّها آلِهَةٌ حَقِيقَةً بِالتَّقَرُّبِ إلَيْها وهو وعِيدٌ لَهم عَلَيْهِ.

﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ ﴾ كانَتْ خُزاعَةُ وكِنانَةُ يَقُولُونَ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.

﴿ سُبْحانَهُ ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ مِن قَوْلِهِمْ، أوْ تَعَجُّبٌ مِنهُ.

﴿ وَلَهم ما يَشْتَهُونَ ﴾ يَعْنِي البَنِينَ، ويَجُوزُ فِيما يَشْتَهُونَ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ والنَّصْبُ بِالعَطْفِ عَلى البَناتِ عَلى أنَّ الجَعْلَ بِمَعْنى الِاخْتِيارِ، وهو وإنْ أفْضى إلى أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الفاعِلِ والمَفْعُولِ لِشَيْءٍ واحِدٍ لَكِنَّهُ لا يَبْعُدُ تَجْوِيزُهُ في المَعْطُوفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رزقناهم} أي لآلهتم ومعنى لا يعلمون أنهم يسمونها آلهة ويعتقدون فيها أنها تضر وتنفع وتشفع عند الله وليس كذلك لأنها جماد لا تضر ولا تنفع أو الضمير في لا يعلمون للآلهة أي لأشياء غير موصوفة بالعلم ولا تشعر أجعلوا لها نصيباً في أنعامهم وزروعهم أم لا وكانوا يجعلون لهم ذلك تقرباً إليهم {تالله لتسألن} وعيد {عما كنتم تفترون} أنها آلهة وأنها أهل للتقرب إليها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَجْعَلُونَ ﴾ قِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ يُشْرِكُونَ ﴾ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: لَعَلَّهُ عَطَفَ عَلى ما سَبَقَ بِحَسَبِ المَعْنى تَعْدادًا لِجِناياتِهِمْ أيْ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ، مِمّا قَصَّ عَلَيْكَ ويَجْعَلُونَ ﴿ لِما لا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي لا يَعْلَمُونَ أحْوالَها وأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْكُفّارِ أوْ لِآلِهَتِهِمُ الَّتِي لا عِلْمَ لَها بِشَيْءٍ أنَّها جَمادٌ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ أيْضًا عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ، وضَمِيرُ (يَعْلَمُونَ) عائِدٌ عَلَيْهِ، ومَفْعُولُ (يَعْلَمُونَ) مُتْرَكٌ لِقَصْدِ العُمُومِ، وجُوِّزَ أنْ يَنْزِلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ لَيْسَ مِن شَأْنِهِمُ العِلْمُ، وصِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ لِوَصْفِهِمُ الآلِهَةَ بِصِفاتِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْمُشْرِكِينَ واللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ لا صِلَةَ الجَعْلِ كَما في الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وصِلَتُهُ لِلْعِلْمِ بِها أيْ يَجْعَلُونَ لِآلِهَتِهِمْ لِأجْلِ جَهْلِهِمْ ﴿ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ ﴾ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ وغَيْرِهِما مِمّا ذَرَأ تَقَرُّبًا إلَيْها ﴿ تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ ﴾ سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: عِنْدَ عَذابِ القَبْرِ، وقِيلَ: عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ ﴿ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ مِن قَبْلُ بِأنَّها آلِهَةٌ حَقِيقَةٌ بِأنْ يُتَقَرَّبَ إلَيْها، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ وصَرْفِ الكَلامِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ الغَضَبِ مِن شِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَقالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ أي: لا تقولوا ولا تصفوا إلهين اثنين، أي: نفسه والأصنام.

ويقال: نزلت الآية في صنف من المجوس وصفوا إلهين اثنين.

قال الله تعالى: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ أي: فاخشوني ووحدوني وأطيعوني، ولا تعبدوا غيري وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ من الملائكة وَالْأَرْضِ من الخلق: الجن والإنس، كلهم عبيده وإماؤه وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أي: دائماً خالصاً.

ويقال: الألوهية والربوبية له خالصا.

ويقال: دينه واجبا أبداً لا يجوز لأحد أن يميل عنه.

ويقال: معناه، وله الدين والطاعة، رضي العبد بما يؤمر به أو لم يرض، والوصب في اللغة: الشدة والتعب.

أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ أي: تعبدون غيره.

قوله عز وجل: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ يعني: إن الذي بكم من الغنى، وصحة الجسم، من قبل الله تعالى ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ أي: الفقر والبلاء في جسدكم.

فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ يعني: إليه تتضرعون ليكشف الضر عنكم، كما قال في سورة الدخان رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ [الدخان: 12] ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ أي: الكفار بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ أي: الكفار يعبدون غيره.

لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ أي: يجحدوا بما أعطيناهم من النعمة فَتَمَتَّعُوا بقية آجالكم فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أي: تعرفون في الآخرة ماذا نفعل بكم.

ثم قال: وَيَجْعَلُونَ لِما لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً أي: يجعلون لآلهتهم نصيباً من الحرث والأنعام، كقوله: فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا [الأنعام: 136] وقوله: لِما لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً [النحل: 56] قال بعضهم: يعني: الكفار جعلوا لأصنامهم نصيباً ولا يعلمون منهم ضراً ولا نفعا.

وبعضهم قالوا: معناه يجعلون للأصنام الذين لا يعلمون شيئاً نصيباً، أي: حظاً مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الحرث والأنعام.

قال تعالى: تَاللَّهِ أي: والله لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ أي: تكذبون على الله، لأنهم كانوا يقولون إن الله أمرنا بهذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قَبْلَ الظُّهْرِ بَعْدَ الزَّوَال تُحْسَبُ بِمِثْلِهِنَّ في صَلاَةِ السَّحَرِ» ، قَالَ: «وَلَيْسَ شَيْءٌ إِلاَّ يُسَبِّحُ لله تلك السّاعة» ، وقرأ: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ ...

«١» الآية كلُّها.

انتهى «٢» .

و «الدَّاخر» : المتصاغر المتواضع.

وقوله سبحانه: يَخافُونَ رَبَّهُمْ: عامٌّ لجميع الحيوان، ومِنْ فَوْقِهِمْ: يريد:

فوقية القَدْر والعَظَمة والقَهْر.

وقوله سبحانه: وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: السَّماواتِ هنا: كلُّ ما ارتفع مِنَ الخلق من جهة فَوْقُ، فيدخل في ذلك العرشُ والكرسيُّ وغيرهما، والدِّينُ: الطاعة والمُلْك، و «الواصب» : الدائم قاله ابن عباس «٣» .

ثم ذكَّر سبحانه بِنِعَمِهِ، ثم ذَكَّر بأوقاتِ المَرَضِ، والتجاء العِباد إِليه سبحانه، و «الضُّرُّ» ، وإِن كان يعمُّ كل مكروه، فأكثرُ ما يجيء عن أرزاء البدن، وتَجْئَرُونَ معناه:

ترفعون أصواتكم باستغاثة وتضرّع.

ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ: الفريق، هنا: يراد به المشْرِكُون الذين يَرَوْن أن للأصنام أفعالاً من شفاء المرضَى، وجَلْبِ النفعِ، ودفعِ الضرِّ، فهم إِذا شفاهم اللَّهُ، عظَّموا أصنامهم، وأضافوا ذلك الشفاءَ إِليها.

وقوله سبحانه: لِيَكْفُرُوا: يجوز أنْ تكون اللامُ لامَ الصيرورةِ، ويجوز أن تكونَ لام أمْرٍ على معنى التهديد.

وقوله: بِما آتَيْناهُمْ: أي: بما أنعمنا عليهم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي: الأوْثانَ.

وَفِي الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الجاعِلُونَ، وهُمُ المُشْرِكُونَ، والمَعْنى: لِما لا يَعْلَمُونَ لَها ضَرًّا ولا نَفْعًا؛ فَمَفْعُولُ العِلْمِ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: ما قُلْنا، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّها الأصْنامُ الَّتِي لا تَعْلَمُ شَيْئًا، ولَيْسَ لَها حِسٌّ ولا مَعْرِفَةٌ، وإنَّما قالَ: يَعْلَمُونَ، لِأنَّهم لَمّا نَحَلُوها الفَهْمَ، أجْراها مَجْرى مَن يَعْقِلُ عَلى زَعْمِهِمْ، قالَهُ جَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعانِي.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَؤُلاءِ مُشْرِكُوالعَرَبِ جَعَلُوا لِأوْثانِهِمْ جُزْءًا مِن أمْوالِهِمْ، كالبَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا شَرَحْناهُ في (الأنْعامِ:١٣٩) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ ﴾ رَجَعَ عَنِ الإخْبارِ عَنْهم إلى الخِطابِ لَهم، وهَذا سُؤالُ تَوْبِيخٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي: خُزاعَةَ وكِنانَةَ، زَعَمُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ أيْ: تَنَـزَّهَ عَمّا زَعَمُوا.

﴿ وَلَهم ما يَشْتَهُونَ ﴾ يَعْنِي: البَنِينَ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ: المَعْنى: ويَتَمَنَّوْنَ لِأنْفُسِهِمُ الذُّكُورَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ﴾ أيْ: أُخْبِرَ أنَّهُ قَدْ وُلِدَ لَهُ بِنْتٌ ﴿ ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مُتَغَيِّرًا تَغَيُّرَ مُغْتَمٍّ، يُقالُ لِكُلِّ مَن لَقِيَ مَكْرُوهًا: قَدِ اسْوَدَّ وجْهُهُ غَمًّا وحُزْنًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ أيْ: يَكْظِمُ شِدَّةَ وجْدِهِ، فَلا يُظْهِرُهُ، وقَدْ شَرَحْناهُ في سُورَةِ (يُوسُفَ:٨٤) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتَوارى مِنَ القَوْمِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا صَنِيعُ مُشْرِكِي العَرَبِ، كانَ أحَدُهم إذا ضَرَبَ امْرَأتَهُ المَخاضُ، تَوارى إلى أنْ يَعْلَمَ ما يُولَدُ لَهُ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا، سُرَّ بِهِ، وإنْ كانَتْ أُنْثى، لَمْ يَظْهَرْ أيّامًا يُدَبِّرُ كَيْفَ يَصْنَعُ في أمْرِها، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ ﴾ فالهاءُ تَرْجِعُ إلى ما في قَوْلِهِ: ﴿ ما بُشِّرَ بِهِ ﴾ ، والهُونُ في كَلامِ العَرَبِ: الهَوانُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والجَحْدَرِيُّ: " عَلى هَوانِ "، والدَّسُّ: إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ، وكانُوا يَدْفِنُونَ البِنْتَ وهي حَيَّةٌ ﴿ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ إذْ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتِ اللّاتِي مَحَلُّهُنَّ مِنهم هَذا، ونَسَبُوهُ إلى الوَلَدِ، وجَعَلُوا لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم تاللهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ ﴾ ﴿ وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ ﴾ ﴿ يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِنَ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ الضَمِيرُ في "يَجْعَلُونَ" لِلْكُفّارِ، ويُرِيدُ بِـ "ما لا يَعْلَمُونَ " الأصْنامَ، أيْ: لا يَعْلَمُونَ فِيهِمْ حُجَّةً ولا بُرْهانًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "يَعْلَمُونَ" الأصْنامَ، أيْ: يَجْعَلُونَ لِجَماداتٍ وهي لا تَعْلَمُ شَيْئًا- نَصِيبًا، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، ثُمَّ عَبَّرَ عنهم بِعِبارَةِ مَن يَعْقِلُ بِحَسَبِ مَذْهَبِ الكُفّارِ الَّذِينَ يُسْنِدُونَ إلَيْها ما يُسْنَدُ إلى مَن يَعْقِلُ، وبِحَسَبِ أنَّهُ إسْنادٌ مَنفِيٌّ، وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ.

و"النَصِيبُ" المُشارُ إلَيْهِ هو ما كانَتِ العَرَبُ سَنَّتَهُ مِنَ الذَبْحِ لِأصْنامِها، والإهْداءِ إلَيْها، والقَسَمِ لَها مِنَ الغَلّاتِ.

ثُمَّ أمْرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يُقْسِمَ لَهم أنَّهم سَيُسْألُونَ عَلى افْتِرائِهِمْ في أنَّ تِلْكَ السُنَنَ هي الحَقُّ الَّذِي أمَرَ اللهٌ بِهِ كَما قالَ بَعْضُهُمْ، و"الفِرْيَةُ" اخْتِلاقُ الكَذِبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ ﴾ الآيَةُ.

هَذا تَعْدِيدٌ لِقُبْحِ قَوْلِ الكُفّارِ: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ"، ورَدَّ عَلَيْهِمْ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما نِسْبَةُ النَسْلِ إلى اللهِ تَعالى عن ذَلِكَ، والآخِرُ أنَّهم نَسَبُوا مِنَ النَسْلِ الأخَسِّ المَكْرُوهِ عِنْدَهُمْ، و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ ما يَشْتَهُونَ ﴾ مُرْتَفِعَةٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ، وأجازَ الفَرّاءُ أنَّ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى "البَناتِ"، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ هَذِهِ الآيَةَ مِن بابِ: ضَرَبَنِي، وكانَ يَلْزَمُ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ: "وَلِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ"، والمُرادُ بِـ ﴿ ما يَشْتَهُونَ ﴾ الذَكُرانُ مِنَ الأولادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا بُشِّرَ أحَدُهُمْ ﴾ الآيَةُ.

لَمّا صَرَّحَ بِالشَيْءِ المُبَشَّرِ بِهِ حَسُنَ ذِكْرُ البِشارَةِ فِيهِ، وإلّا فالبِشارَةُ مُطْلَقَةٌ لا تَكُونُ إلّا في خَيْرٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا ﴾ عِبارَةٌ عَنِ العُبُوسِ والقُطُوبِ الَّذِي يَلْحَقُ المَغْمُومَ، وقَدْ يَعْلُو وجْهَ المَغْمُومِ سَوادٌ وَزَبَدٌ، وتَذْهَبُ شَراقَتُهُ، فَلِذَلِكَ يَذْكُرُ لَهُ السَوادَ.

و"كَظِيمٌ" بِمَعْنى كاظِمٍ كَعَلِيمٍ وعالِمٍ، والمَعْنى أنَّهُ يُخْفِي وجْهَهُ وهَمَّهُ بِالأُنْثى.

وقَوْلُهُ: ﴿ يَتَوارى مِنَ القَوْمِ ﴾ الآيَةُ، هَذا التَوارِي الَّذِي ذَكَرَ اللهَ تَعالى إنَّما هو بَعْدَ البِشارَةِ بِالأُنْثى، وما يُحْكى أنَّ الرَجُلَ مِنهم كانَ إذا أصابَ امْرَأتَهُ الطَلْقُ؛ تَوارى حَتّى يُخْبَرَ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ.

فَلَيْسَ المُرادُ في الآيَةِ.

ويُشْبِهُ أنَّ ذَلِكَ كانَ لِكَيْ: إذَنْ أخْبَرَ بِسارٍّ خَرَجَ، وإنْ أخْبَرَ بِسُوءٍ بَقِيَ عَلى تَوارِيهِ ولَمْ يَحْتَجْ إلى إحْداثِهِ.

ومَعْنى "يَتَوارى": يَتَغَيَّبُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مُدْبِرًا، أيُمْسِكُهُ أمْ يَدُسُّها؟

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أيُمْسِكُهُ" عَلى لَفْظِ "ما"، "أمْ يَدُسُّها" عَلى مَعْنى الأُنْثى.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "أيُمْسِكُها"، "أمْ يَدُسُّها" عَلى مَعْنى الأُنْثى في المَوْضِعَيْنِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلى هَوْنٍ" بِضَمِّ الهاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِفَتْحِها، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عَلى هَوانٍ" وهي قِراءَةُ عاصِمِ الجَحْدَرِيِّ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "عَلى سُوءٍ"، ومَعْنى الآيَةِ: يُدَبِّرُ: أيُمْسِكُ هَذِهِ الأُنْثى عَلى هَوانٍ يَتَحَمَّلُهُ، وهَمٍّ يَتَخَلَّدُ لَهُ، أمْ يَئِدُها فَيَدْفِنُها حَيَّةً، فَهو الدَسُّ في التُرابِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ اللهُ تَعالى الإخْبارَ عن سُوءِ فِعْلِهِمْ وحُكْمِهِمْ بِهَذا في بَناتِهِمْ ورِزْقُ الجَمِيعِ عَلى اللهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف حالة من أحوال كفرهم لها مساس بما أنعم الله عليهم من النّعمة، فهي معطوفة على جملة ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ [سورة النحل: 53].

ويجوز أن تكون حالاً من الضمير المجرور في قوله تعالى: وما بكم من نعمة } على طريق الالتفات.

ويجوز أن تكون معطوفة على ﴿ يشركون ﴾ من قوله تعالى: ﴿ إذا فريق منكم بربهم يشركون ﴾ [سورة النحل: 54].

وما حكي هنا هو من تفاريع دينهم الناشئة عن إشراكهم والتي هي من تفاريع كفران نعمة ربّهم، إذ جعلوا في أموالهم حقاً للأصنام التي لم ترزقهم شيئاً.

وقد مرّ ذلك في سورة الأنعام عند قوله تعالى: ﴿ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ﴾ [سورة النحل: 136].

إلا أنه اقتصر هنا على ذكر ما جعلوه لشركائهم دون ما جعلوه لله لأن المقام هنا لتفصيل كفرانهم النّعمة، بخلاف ما في سورة الأنعام فهو مقام تعداد أحوال جاهليتهم وإن كان كل ذلك منكَراً عليهم، إلا أن بعض الكفر أشدّ من بعض.

والجعل: التصيير والوضع.

تقول: جعلت لك في مالي كذا.

وجيء هنا بصيغة المضارع للدّلالة على تجدّد ذلك منهم واستمراره، بخلاف قوله تعالى: ﴿ وأقسموا بالله ﴾ [سورة النحل: 38] بأنه حكاية قضية مضت من عنادهم وجدالهم في أمر البعث.

ومفعول يعلمون} محذوف لظهوره، وهو ضمير (ما)، أي لا يعلمونه.

ومثل حذف هذا الضمير كثير في الكلام.

وما صدق صلة ﴿ ما لا يعلمون ﴾ هو الأصنام، وإنما عبّر عنها بهذه الصّلة زيادة في تفظيع سخافة آرائهم، إذ يفرضون في أموالهم عطاءً يعطونه لأشياء لا يعلمون حقائقها بَلْه مبلغغِ ما ينالهم منها، وتخيّلات يتخيّلونها ليست من الوجود ولا من الإدراك ولا من الصلاحية للانتفاع في شيء، كما قال تعالى: ﴿ إن هي إلا أسماء سميّتموها أنتم وءاباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ﴾ .

وضمير ﴿ تعلمون ﴾ [سورة الحجر: 55] عائد إلى معاد ضمير يجعلون } .

ووصف النصيب بأنه ﴿ مما رزقناهم ﴾ لتشنيع ظلمهم إذ تركوا المنعم فلم يتقرّبوا إليه بما يرضيه في أموالهم مما أمرهم بالإنفاق فيه كإعطاء المحتاج، وأنفقوا ذلك في التقرّب إلى أشياء موهومة لم ترزقهم شيئاً.

ثم وجه الخطاب إليهم على طريقة الالتفات لقصد التهديد.

ولا مانع من الالتفات هنا لعدم وجود فاء التفريع كما في قوله تعالى: ﴿ فتمتعوا ﴾ [سورة النحل: 55].

وتصدير جملة التهديد والوعيد بالقسم لتحقيقه، إذ السؤال الموعود به يكون يوم البعث وهم ينكرونه فناسب أن يؤكّد.

والقسم بالتاء يختصّ بما يكون المقسم عليه أمراً عجيباً ومستغرباً، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض ﴾ في سورة يوسف (73).

وسيأتي في قوله تعالى: ﴿ وتالله لأكيدن أصنامكم ﴾ في سورة الأنبياء (57).

فالإتيان في القسم هنا بحرف التاء مؤذن بأنهم يسألون سؤالاً عجيباً بمقدار غرابة الجُرم المسؤول عنه.

والسؤال كناية عما يترتّب عليه من العقاب، لأن عقاب العادل يكون في العرف عقب سؤال المجرم عمّا اقترفه إذ لعلّ له ما يدفع به عن نفسه، فأجرى الله أمر الحساب يوم البعث على ذلك السَنن الشريف.

والتعبير عنه بكنتم تفترون} كناية عن استحقاقهم العقاب لأن الكذب على الله جريمة.

والإتيان بفعل الكون وبالمضارع للدّلالة على أن الافتراء كان من شأنهم، وكان متجدداً ومستمراً منهم، فهو أبلغ من أن يقال: عمّا تفترون، وعمّا افتريتم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ ﴾ في قَوْلِهِ ﴿ مُسْوَدًّا ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُسْوَدُّ اللَّوْنِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

الثّانِي: مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ بِسَوادٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِكُلِّ مَن لَقِيَ مَكْرُوهًا قَدِ اسْوَدَّ وجْهُهُ غَمًّا وحُزْنًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَمِنهُ: سَوَّدْتَ وجْهَ فُلانٍ، إذا سُؤْتَهُ.

﴿ وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الكَظِيمَ الحَزِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَكْظِمُ غَيْظَهُ فَلا يَظْهَرُ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المَغْمُومُ الَّذِي يُطْبِقُ فاهُ فَلا يَتَكَلَّمُ مِنَ الفَمِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الكِظامَةِ وهو سَدُّ فَمِ القِرْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو الهَوانُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.

الثّانِي: هو القَلِيلُ بِلُغَةِ تَمِيمٍ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّالِثُ: هو البَلاءُ والمَشَقَّةُ، قالَهُ الكِسائِيُّ.

قالَتِ الخَنْساءُ: نُهِينُ النُّفُوسَ وهَوْنُ النُّفُو سِ يَوْمَ الكَرِيهَةِ أبْقى لَها ﴿ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها المَوْءُودَةُ الَّتِي تُدَسُّ في التُّرابِ قَتْلًا لَها.

الثّانِي: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى إخْفائِهِ عَنِ النّاسِ حَتّى لا يَعْرِفُوهُ كالمَدْسُوسِ في التُّرابِ لِخَفائِهِ عَنِ الأبْصارِ.

وَهو مُحْتَمَلٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: صِفَةُ السَّوْءِ مِنَ الجَهْلِ والكُفْرِ.

الثّانِي: وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالسَّوْءِ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ.

﴿ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الصِّفَةُ العُلْيا بِأنَّهُ خالِقٌ ورَزّاقٌ وقادِرٌ ومُجازٍ.

الثّانِي: الإخْلاصُ والتَّوْحِيدُ، قالَهُ قَتادَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة ﴾ قال: لم يدع شيئاً من خلقه إلا عبده له طائعاً أو كارهاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: يسجد من في السموات طوعاً، ومن في الأرض طوعاً وكرهاً.

وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾ قال: مخافة الإجلال.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يدعو بأصبعيه فقال له: يا سعد، أحد أحد» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال: كانوا إذا رأوا إنساناً يدعو بأصبعيه، ضربوا إحداهما وقالوا: ﴿ إنما هو إله واحد ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: إن الله يحب أن يدعى هكذا، وأشارت بأصبع واحدة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: هو الإخلاص، يعني الدعاء بالاصبع.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: الدعاء هكذا- وأشار بأصبع واحدة- مقمعة الشيطان.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: الإخلاص هكذا.

وأشار بأصبعيه والدعاء هكذا يعني ببطون كفيه.

وللاستخارة هكذا، ورفع يديه وولى ظهرهما وجهه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ قال: ﴿ الدين ﴾ الإخلاص ﴿ واصباً ﴾ دائماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ قال: لا إله إلا الله.

واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ قال: دائماً.

وأخرج الفريابي وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ قال: واجباً.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ ما الواصب؟

قال: الدائم.

قال فيه أمية بن أبي الصلت: وله الدين واصباً وله ** الملك وحمد له على كل حال وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في الآية قال: إن هذا الدين دين واصب...

شغل الناس وحال بينهم وبين كثير من شهواتهم، فما يستطيعه من إلا من عرف فضله ورجا عاقبته.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ فإليه تجأرون ﴾ قال: تتضرعون دعاء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فإليه تجأرون ﴾ يقول: تضجون بالدعاء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ثم إذا كشف الضر عنكم...

﴾ الآية، قال: الخلق كلهم يُقِرُّونَ لله أنه ربهم ثم يشركون بعد ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ قال: هو وعيد.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم ﴾ قال: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم يجعلون لما يعلمون أنه يضرهم ولا ينفعهم نصيباً مما رزقناهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً ﴾ قال: هم مشركو العرب جعلوا لأوثانهم وشياطينهم نصيباً مما رزقهم الله، وجزأوا من أموالهم جزءاً فجعلوه لأوثانهم وشياطينهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم ﴾ هو قولهم هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ ﴾ يعني الأوثان؛ لا يعلمون ضرًّا ولا نفعًا، ومفعول العلم هاهنا محذوف، والتقدير: لما لا يعلمون له حقًّا ولا فيه ضرًّا ونفعًا، قال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه ينفعهم ويضرهم (١) (٢) (٣) ﴿ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا  ﴾ جعلوا نصيبًا من الحرث والأنعام يتقربون به إلى الله تعالى، ونصيبًا يتقربون به إلى الأصنام والحجارة على ما يجب أن يتقربوا إلى الله، وعلى هذا: العِلمُ مسند إلى المشركين، وهو قول عامة المفسرين (٤) وقال صاحب النظم: قوله: ﴿ يَعْلَمُونَ ﴾ هاهنا لازم ليس بمتعَدّ؛ لأنه الأصنام ومضاف إليها، والتأويل لِمَا ليس لها (٥) (٦) ﴿ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ مخرج من يفهم، ومثله قوله: ﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ﴾ (٧) ﴿ وَيَجْعَلُونَ ﴾ ، أي.

المشركون، ﴿ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ ﴾ أي للشركاء الذين لا يعلمون شيئًا ولا معرفة لهم ولا حس، ﴿ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ ، هذا كلامه، ولعل هذا القول أقرب؛ لأنه لا يحتاج فيه إلى تقدير محذوف، قال صاحب النظم: ولو كان هذا العلم مضافاً إلى المشركين لاستحال المعنى؛ لأنه لا يحتمل أن يجعلوا نصيبًا من رزقهم لما لا يعلمونه (٨) ﴿ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ ﴾ أي سؤال توبيخ حتى يعترفوا به على أنفسهم؛ لأن سؤال التوبيخ هو الذي لا جواب لصاحبه إلا ما يظهر فيه فضيحتة (٩) وقوله تعالى: ﴿ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ أي تتقولونه على الله من أنه أمركم بذلك.

(١) ليس في تفسيره، وأخرجه الطبري 14/ 122 بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 458، والفخر الرازي 20/ 53، و"تفسير القرطبي"10/ 115، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 226.

(٢) أخرجه الطبري 14/ 122 بنحوه عن قتادة، وبمعناه عن ابن زيد، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 458، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 226، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.

(٣) في (أ)، (د): (ساء)، ولا معنى له، والصحيح المثبت كما في (ش)، (ع).

(٤) انظر: "تفسير الطبري" 14/ 122 - 123، والسمرقندي 2/ 238، وهود الهواري 2/ 374، والثعلبي 2/ 158 أ، والطوسي 6/ 392، والزمخشري 2/ 332، وابن عطية 8/ 444، وابن الجوزي 4/ 458، والفخر الرازي 20/ 53، وذكر مسوغات ترجيح من رجحه، و"تفسير القرطبي" 10/ 115، والخازن 3/ 119، وأبي حيان 5/ 503.

(٥) أي لما ليس لها علم ولا فهم.

(٦) إضافة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام، ولعلها التبست على النساخ بما بعدها.

(٧) قال الواحدي: والأكثرون على أن المراد بالآية الأصنام، وبيان صفات ما هي عليه من النقص.

(٨) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 53، ذكر القولين كمسوغات لترجيح القول الثاني دون نسبته لصاحب النظم أو الواحدي.

(٩) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 392، بنحوه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رزقناهم ﴾ الضمير في يجعلون لكفار العرب فإنهم كانوا يجعلون للأصنام نصيباً من ذبائحهم وغيرها، والمراد بقوله لما لا يعلمون الأصنام، والضمير في لا يعلمون للكفار أي لا يعلمون ربوبيتهم ببرهان ولا بحجة، وقيل: الضمير في لا يعلمون للأصنام أي الأشياء غير عالمة وهذا بعيد ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات ﴾ إشارة إلى قول الكفار: إن الملائكة بنات الله، ثم نزه تعالى نفسه عن ذلك بقوله: ﴿ سبحانه وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ ﴾ المعنى أنهم يجعلون لأنفسهم ما يشتهون يعني بذلك الذكور من الأولاد، وأما الإعراب فيجوز أن يكون ما يشتهون مبتدأ وخبره المجرور قبله، وأن يكون مفعولاً بفعل مضمر تقديره: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وأن يكون معطوفاً على البنات على أن هذا يمنعه البصريون، لأنه من باب ضربتني وكان يلزم عندهم أن يقال لأنفسهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نوحي ﴾ بالنون: حفص غير الخزاز.

الباقون بالياء مجهولاً ﴿ أو لم تروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف ﴿ تتفيؤ ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب، الآخرون على الغيبة.

الوقوف: ﴿ لا تعلمون ﴾ ه لا لتعلق الباء ﴿ والزبر ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ بمعجزين ﴾ ه لا كذلك ﴿ على تخوّف ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ داخرون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ ما يؤمرون ﴾ ه ﴿ اثنين ﴾ ج للابتداء بانما مع اتحاد القائل ﴿ واحد ﴾ ج للعدول مع الفاء ﴿ فارهبون ﴾ ه ﴿ واصباً ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ تجأرون ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع شدة اتصال المعنى ﴿ يشركون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ آتيناهم ﴾ ط للعدول والفاء للاستئناف ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ رزقناهم ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه {  } لا لأن ما بعده من جملة مفعول ﴿ يجعلون ﴾ و {  } معترض للتنزيه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ كظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعد وصف ﴿ لكظيم ﴾ أو استنئاف.

﴿ ما بشر به ﴾ ط لأن التقدير يتفكر في نفسه المسألة ﴿ في التراب ﴾ ط ﴿ ما يحكمون ﴾ ه ﴿ السوء ﴾ ج لتضاد الجملتين معنى مع العطف لفظاً ﴿ الأعلى ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: الشبهة الخامسة أن قريشاً كانوا يقولون الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله بشراً فأجاب  بقوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً ﴾ والمراد أن هذه عادة مستمرة من أوّل زمان الخلق والتكليف.

وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث إلى الأنبياء إلا من هو بصورة الرجال من الملائكة.

قال القاضي: ولعله أراد الملك الذي يرسل إلى الأنبياء بحضرة أممهم كما روي أن جبرائيل  كان يأتي في صورة دحية وفي صورة سراقة، وإنما قيدنا بحضرة الأمم لأن الملائكة قد يبعثون على صورتهم الأصلية عند إبلاغ الرسالة من الله إلى نبيه كما روي أنه  رآى جبرائيل على صورته التي هو عليها مرتين.

وعليه تأوّلوا قوله: ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى  ﴾ ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله - أعني قريشاً - بأن يرجعوا إليهم في هذه المسألة ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها وذلك قوله: ﴿ فاسئلوا أهل الذكر ﴾ قال بعض الأصولين: فيه دليل على أنه يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر فيما يشتبه عليه.

واحتج نفاة القياس بالآية قالوا: لو كان حجة لما وجب على المكلف السؤال بل كان عليه أن يستنبط ذلك الحكم بواسطة القياس.

وأجيب بأنه قد ثبت العمل بالقياس لإجماع الصحابة، والإجماع أقوى من ظاهر النص.

أما قوله: ﴿ بالبينات ﴾ ففي متعلقه وجوه منها: أن يتعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ داخلاً تحت حكم الاستثناء مع ﴿ رجالاً ﴾ وأنكر الفراء ذلك قال: إن صلة ما قبل "إلا" لا تتأخر على ما بعد "إلا" لأن المستثنى منه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته كما لو قيل: ما أرسلنا بالبينات إلا رجالاً.

ولما لم يصر هذا المجموع مذكوراً بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ رجالاً ﴾ صفة له أي رجالاً متلبسين بالبينات.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ مضمراً نظيره "ما مر إلا أخوك"، ثم تقول "مرَّ بزيد" قاله الفراء.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ بيوحى ﴾ أي يوحى إليهم بالبينات.

ومنها أن يتعلق بالذكر بناء على أنه بمعنى العلم.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ لا تعلمون ﴾ أي إن كنتم لا تعلمون بالبينات وبالزبر فاسألوا.

وقال في الكشاف: الشرط ههنا في معنى التبكيت والإلزام كقول الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني حقي.

قلت: أراد أن عدم علمهم مقرر كما أن عمل الأجير ثابت.

وسلم جار الله أن مثل قوله: ﴿ فاسألوا ﴾ جواب الشرط على هذا الوجه.

وأما على الوجوه المتقدمة فجزم أنه اعتراض بناء على أن جواب الشرط هو ما دل عليه قوله ﴿ وما أرسلنا ﴾ الخ.

وعندي أن هذا الجزم ليس بحتم ويجوز على كل الوجوه أن يكون مثل ﴿ فاسألوا ﴾ جواباً والله أعلم.

وأهل الذكر أهل التوراة.

كقوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر  ﴾ يعني التوراة.

وقال الزجاج: سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق.

وقوله: ﴿ بالبينات والزبر ﴾ لفظ جامع لكل ما تتكامل به الرسالة لأن مدارها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات، وعلى التكاليف التي تعتبر في باب العبادة وهي للزبر.

ثم قال: ﴿ وأنزلنا إليك الذكر ﴾ أي القرآن الذي هو موعظة وتنبيه وتذكير لأهل الغفلة والنسيان، وبيّن الغاية المترتبة على الإنزال وهي تبيين الأحكام والشرائع بالنسبة إلى الرسول وإرادة التأمل والتفكر في المبدإ والمعاد بالإضافة إلى المكلفين.

وفي ظاهر هذا النص دلالة على أن القرآن كله مجمل، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أنه متى وقع التعارض بين القرآن والخبر وجب تقديم الخبر لأن القرآن مجمل والخبر مبين له.

وأجيب بمنع الكلية فمن القرآن ما هو محكم، وقوله: ﴿ لتبين ﴾ محمول على المتشابهات المجملات.

قال بعض من نفى القياس: لو كان القياس حجة لما وجب على الرسول أن يبين للمكلفين ما أنزل الله عليه من الأحكام بل كان له أن يفوض بعضها إلى رأي القائس، وأجيب بأنه لما بيّن أن القياس من جملة الحجج فالقياس أيضاً راجع إلى بيان الرسول.

ثم لما ذكر شبهات المنكرين مع أجوبتها شرع في التهديد والوعيد والإنذار والتنبيه فقال ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ أي المكرات السيئات أراد أهل مكة ومن حول المدينة.

قال الكلبي: عنى بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير الله، والأقرب أن المراد سعيهم في إيذاء الرسول  وإيذاء أصحابه على سبيل الخفية ﴿ أن يخسف الله بهم الأرض ﴾ كما خسف بقارون ﴿ أو يأتيهم العذاب ﴾ أو ملائكة العذاب من السماء ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ كما فعل بقوم لوط ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم فيما هم بمعجزين ﴾ فائتين الله، وذكر المفسرون في هذا التقلب وجوهاً منها: أنه  يأخذهم في أسفارهم ومتاجرهم فإنه قادر على أن يهلكهم في السفر كما أنه قادر على أن يهلكهم في الحضر وهم لا يفوتون الله بسبب ضربهم في البلاد البعيدة.

ومنها أنه يأخذهم بالليل والنهار في أحوال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم، وحقيقته في حال تصرفهم في الأمور التي يتصرف فيها أمثالهم.

ومنها أنه أراد في حال ما يتقلبون في قضاء أوطارهم بوجوه الحيل فيحول الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم.

والتقلب بالمعنى الأوّل مأخوذ من قوله: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد  ﴾ وبالمعنى الثالث من قرأ ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ {التوبة: 48].

﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ على حالة تخوفهم وتوقعهم للبلاء بأن يكون قد أهلك قوماً قبلهم فكان أثر الخوف باقياً فيهم ظاهراً عليهم فهو خلاف قوله: ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ وقيل: التخوف التنقص والمعنى أنه يأخذهم بطريق النقص شيئاً بعد شيء في ديارهم وأموالهم وأنفسهم حتى يأتي الفناء على الكل.

عن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟

فسكتوا: فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص فقال: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟

قال: نعم قال شاعرنا زهير: تخوّف الرحل منها تامكاً قرداً *** كما تخوف عود النبعة السفن قوله تامكا قرداً أي سناماً مرتفعاً متراكماً، والسفن ما ينحت به الشيء ومنه السفينة لأنها تسفن وجه الماء بالمر في البحر.

فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم.

قالوا: وما ديواننا؟

قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فإن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ فذهب المفسرون إلى أن معناه أنه يمهل في أكثر الأمر لأنه رءُوف رحيم فلا يعجل بالعذاب.

وأقول: يحتمل أن يكون قوله "فإن" تعليلاً لقوله ﴿ أفأمن ﴾ كقوله: { ﴿ ما غرك بربك الكريم  ﴾ .

ولما خوف الماكرين بما خوف أتبعه ذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وسكانهما فقال ﴿ أو لم يروا إلى ما خلق الله ﴾ قال جار الله: "ما" مبهمة بيانه ﴿ من شيء ﴾ وقال أهل المعاني: قوله: ﴿ يتفيؤ ظلاله ﴾ إخبار عن شيء وليس بوصف له.

ويتفيأ "يتفعل" من الفيء وأصله الرجوع ومنه فيئة المولى.

وقال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار.

فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشيّ، وما انصرف عنه الشمس والقمر والذي يكون بالغداة ظل.

وقال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل، وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل.

وقوله: ﴿ ظلاله ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال ووجه حسنه كون المرجوع إليه واحداً في اللفظ وإن كان كثيراً في المعنى وهو قوله: ﴿ إلى ما خلق ﴾ نظيره ﴿ لتستووا على ظهوره  ﴾ أضاف الظهور - وهو جمع - إلى ضمير مفرد لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو ما تركبون.

قال الجوهري: تفيأت الظلال أي تقلبت.وقوله ﴿ عن اليمين والشمائل ﴾ قال أهل التفسير ومنهم الفراء: إنه وحد اليمين لأنه أراد واحداً من ذوات الأظلال، وجمع الشمائل لأنه أراد كلها لأن قوله ﴿ ما خلق الله ﴾ لفظ مفرد ومعناه جمع، وقيل: إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله ﴿ وجعل الظلمات والنور  ﴾ ﴿ وختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم  ﴾ وقيل: المراد باليمين النقطة التي هي مشرق الشمس وإنها واحدة، والشمائل عبارة عن الانحراف الواقع في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة.

وإنما عبر عن المشرق باليمين لأن أقوى جانبي الإنسان يمينه ومنه تظهر الحركة القوية، وكذا جانب الشرق أقوى جوانب الفلك ومنه تظهر الحركة اليومية التي هي أسرع الحركات وأقواها.

ويمكن أن يقال: إن الإنسان إذا توجه إلى الشرق الذي هو أولى الجوانب بالاعتبار لشرفه كان الجنوب يمينه والشمال شماله، ولا ريب أن وصول الشمس إلى فلك نصف النهار يختلف بحسب البلاد.

وقد يتفق انتقالها من الجنوب إلى الشمال وبالعكس في بلد واحد إذا كان عرضه ناقصاً عن الميل الكلي.

ومن المعلوم أن الشمس حين وصولها إلى نصف النهار إن كانت في جنوب سمت الرأس وقع ظلها إلى جانب الشمال، وإن كانت في شماله وقع ظلها إلى الجنوب، فيحتمل أن يراد بتفيؤ الأظلال تقلبها في هاتين الجهتين والله أعلم.

أما قوله ﴿ سجداً لله ﴾ فإنه حال من الظلال، ومعنى سجودها انقيادها لأمر الله منتقلة من جانب إلى جانب حسب تحرك النير على نسب مخصوصة ومقادير معلومة ذكرنا بعضها في كتبنا النجومية.

وقد نبى المتأخرون على الأظلال مسائل كثيرة منها: الشكل الموسوم بالظلي مع فروعه، وذكر بعضهم في تفسير هذا السجود أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملصقة بها على هيئة الساجد.

وقوله ﴿ وهم داخرون ﴾ حال أخرى من الظلال.

وإنما جمع بالواو والنون لأنهم أشبهوا العقلاء من حيث طاعتها لله  .

وقال جار الله: اليمين والشمائل استعارة عن يمين الإنسان وشماله بجانبي الشيء أي ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ.

والأجرام في أنفسها داخرة أيضاً صاغرة منقادة لأفعال الله فيها لا تمتنع ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة ﴾ قال الأخفش: أي من الدواب: وأخبر بالواحد كما تقول: ما أتاني من رجل مثله وما أتاني من الرجال مثله.

وقال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض، والوجه في تخصيص الدابة والملائكة بالذكر أنه علم من آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة له، فبين في هذه الآية أن الحيوانات بأسرها أيضاً كذلك.

ثم عطف عليها الملائكة إما لشرفها وإما لأنها ليست مما يدب ولكنها تطير بالجناحين، وبين النوعين مغايرة لقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه  ﴾ وعلى قاعدة الحكماء: وجه المغايرة أنها أرواح مجردة ليست من شأنها الحركة والدب.

قال جار الله: ومن دابة يجوز أن يكون بياناً لما في السموات وما في الأرض جميعاً، على أن في السموات خلقاً لله يدبون فيها كما يدب الأناسيّ في الأرض، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الخلق الذي يقال له الروح، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الملائكة.

وكرر ذكرهم على معنى والملائكة خصوصاً من بين الساجدين لأنهم أطوع الخلق وأعدلهم، ويجوز أن يراد بما في السموات ملائكتهن، وبقوله: ﴿ والملائكة ﴾ ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم انتهى كلامه.

ثم شرع  في صفة الملائكة وذكر عصمتهم قال: ﴿ وهم لا يستكبرون يخافون ﴾ على أنه حال منهم أو بيان لنفي استكبارهم لأن الخوف أثره عدم الاستكبار.

وقوله ﴿ من فوقهم ﴾ إما أن يتعلق بـ[يخافون} والمعنى يخافون ربهم أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم، وإما أن يكون حالاً من الرب أي يخافونه غالباً قاهراً.

وبحث الفوقية قد تقدم في الأنعام في قوله: ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ {الأنعام: 18] زعم بعض الطاعنين في عصمة الملائكة أنه  وصفهم بالخوف وحصول الخوف نتيجة تجويز الإقدام على الذنوب، وهب أنهم فعلوا كل ما أمروا به فمن أين علم أنهم تركوا كل ما نهوا عنه؟

والجواب عن الأوّل أنهم إنما يخافون من العذاب لقوله  : ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ فمن هذا الخوف يتركون الذنب.

وعن ابن عباس أن هذا الخوف خوف الإجلال كقوله: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء  ﴾ ولا ريب أنه كلما كانت معرفة جلال الله أتم كانت الهيبة والحيرة أعظم.

وعن الثاني أن النهي عن الشيء أمر بتركه، وفي الآية دلالة على أن إبليس لم يكن من الملائكة لأنه أبى واستكبر وإنهم لا يستكبرون.

وقد يستدل بها على أن الملك أفضل من البشر بل من كل المخلوقات وإلا لما خصهم بالذكر من بينها، ولخلو بواطنهم وظواهرهم عن الأخلاق الذميمة وانغماس البشر في الدواعي الشهوية والغضبية، ولهذا ورد في حقه ﴿ قتل الإنسان ما أكفره  ﴾ وقال  : "ما منا إلا من قد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا" وقال أيضاً  "الشيخ في قومه كالنبي في أمته" فضل الشيخ على الشاب لتقادم عهده وطول مدته، ولا شك أن الملائكة خلقوا قبل البشر بسنين متطاولة وقرون متمادية، وأنهم سنوا الطاعة والعبودية ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها.

وتمام البحث في هذه المسألة مذكور في أول سورة البقرة.

وفي قوله: ﴿ ما يؤمرون ﴾ دلالة على أن الملائكة مكلفون بالأمر والنهي والوعد والوعيد راجين خائفين.

ولما بين أن كل ما سواه في عالمي الأرواح والأجسام فإنه منقاد خاضع لجلاله وكبريائه أتبعه النهي عن الشرك قائلاً ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ﴾ فسئل أن التثنية والواحد حيث كانا يدلان على العدد الخاص، فما الفائدة في وصف إلهين باثنين ووصف إله بواحد؟

وأجيب بوجوه منها: قول صاحب النظم أن فيه تقديماً وتأخيراً أي لا تتخذوا اثنين إلهين.

ومنها أنه كررت العبارة لأجل المبالغة في التنفير عن اتخاذ الشريك.

ومنها قول لأهل المعاني إن فائدة الوصف والبيان هي أن يعلم أن النهي راجع إلى التعدد لا إلى الجنسية، ولهذا لو قلت: إنما هو إله ولم تؤكده بواحد سبق إلى الوهم إنك تثبت الإلهية لا الوحدانية.

وكيف لا يحتاج المقام إلى التوكيد والأثنينية منافية للإلهية لاستلزام تعدد الواجب كون كل منهما مركباً من جزأين ما به الاشتراك في الوجوب الذاتي، وما به الامتياز ولكن التركيب يوجب الافتقار إلى البسائط والافتقار ينافي الوجوب.

ودليل التمانع أيضاً يعين على المطلوب كما لو أراد أحدهما تحريك جسم معين وأراد الآخر تسكينه، أو قوي أحدهما على مخالفة الآخر أو لا يقوى، أو قدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر.

ثم نقل الكلام عن الغيبة إلى التكلم على طريقة الالتفات قائلاً: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ وقد مر مثله في أوّل "البقرة" ثم لما قرر وحدته وأنه يجب أن يخص بالرهبة منه والرغبة إليه ذكر أن الكل ملكه فقال: ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ فقالت الأشاعرة: ليس المراد من كونها لله أنها مفعولة لأجله ولغرض طاعته لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة لا لغرض الطاعة، فالمراد أن كلها بتخليقه وتكوينه ومن جملة ذلك أفعال العباد، ثم قال ﴿ وله الدين واصباً ﴾ فالدين الطاعة، والواصب الدائم، ومفازة واصبة بعيدة لا غاية لها.

ويقال للمريض وصب لكون ذلك المرض لازماً له.

وانتصابه على الحال والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل.

قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو الموت إلا الحق  ، فإن طاعته واجبة أبداً.

ويحتمل أن يكون الدين بمعنى الملة أي وله الدين ذا كلفة ومشقة ولذلك سمي تكليفاً، أو وله الجزاء سرمداً لا يزول يعني الثواب والعقاب.

وقال بعض المتكلمين المحققين: قوله ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ إشارة إلى احتياج الكل إليه في حال حدوثه.

وقوله: ﴿ وله الدين ﴾ أي الانقياد ﴿ واصباً ﴾ إشارة إلى أن جميع الممكنات مفتقرة إلى فيض وجوده في حال وجوده لأن الصحيح أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرحج.

ثم أنكر أن يكون الممكن مع شدة افتقاره إليه يخشى غيره فقال ﴿ أفغير الله تتقون ﴾ ثم منّ عليهم بقوله: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ "ما" بمعنى "الذي" وبكم صلته و ﴿ من نعمة ﴾ حال من الضمير في الجار، أو بيان لما وقوله: ﴿ فمن الله ﴾ الخبر.

وقيل: "ما" شرطية وفعل الشرط محذوف أي ما يكن.

وقال جار الله: معناه أي شيء حل بكم أو اتصل بكم من نعمة فهو من الله، قال الأشاعرة: أفضل النعم نعمة الإيمان والآية تفيد العموم فهو من نعم الله.

والنعمة إما دينية وهي معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به، وإما دنيوية نفسانية أو بدنية أو خارجة كالسعادات المالية وغيرها، وكل واحدة من هذه جنس تحتها أنواع لا حصر لها والكل من الله، فعلى العاقل أن لا يشكر إلا إياه.

ثم بين تلون حال الإنسان بعد استغراقه في بحار نعم الله قائلاً ﴿ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ﴾ ما تتضرعون إلا إليه.

والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة.

﴿ ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ﴾ قال جار الله: يجوز أن يكون الخطاب في قوله: ﴿ وما بكم ﴾ عاماً، ويريد بالفريق فريق الكفرة وأن الخطاب للمشركين و ﴿ منكم ﴾ للبيان لا للتبعيض كأنه قال: فإذا فريق كافر وهم أنتم، ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر كقوله: ﴿ فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد  ﴾ أقول: وأظهر الوجهين الأول والمعنى أن فريقاً منكم يبقى على ما كان عليه عند الضر في أن لا يفزع إلا إلى لله، وفريقاً يتغير عن حاله فيشرك بالله، ولعل هذه صفة لازمة لجوهر الإنسان ولهذا قال: ﴿ ليكفروا ﴾ كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة، ويجوز أن تكون لام العاقبة يعني عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفران.

والمراد بقوله: ﴿ بما آتيناهم ﴾ كشف الضر وإزالة المكروه، أو القرآن والشرائع، أو جميع النعم الظاهرة والباطنة التي أنعم الله بها على الإنسان.

ثم قال على سبيل التهديد وبطريقة الالتفات نظراً إلى أوّل الكلام ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ عاقبة كفركم ومثله في "الروم" كما سيجيء، وأما في "العنكبوت" فإنه قال: ﴿ ليكفروا بما أتيناهم وليتمتعوا  ﴾ بالعطف على القياس.

ثم حكى نوعاً آخر من قبائح أعمال بني آدم فقال ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون ﴾ الضمير الأوّل للمشركين والثاني قيل لهم وقيل للأصنام التي لا توصف بالعلم والشعور، ورجح الأوّل بأن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز، وبأن جمع السلامة بالعقلاء أليق، وقد يرجح الثاني بأن الأوّل يفتقر إلى الإضمار كما لو قيل: ويجعلون لما لا يعلمون في طاعته نفعاً ولا في الإعراض عنه ضراً.

وقال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم ﴿ نصيباً ﴾ أو يجعلون لما لا يعلمون إلاهيتها، أو السبب في صيرورتها معبودة.

والمراد بجعل النصيب ما مر في "الأنعام" في قوله: ﴿ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا  ﴾ وقيل: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.

عن الحسن: وقيل هم المنجمون الذين يوزعون موجودات هذا العالم على الكواكب السبعة فيقولون لزحل كذا وكذا من المعادن والنبات والحيوان، وللمشتري كذا إلى آخر الكواكب.

ثم أوعدهم الله بقوله: ﴿ تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ﴾ على الله من أن له شريكاً وأن الأصنام أهل للتقرب إليها مع أنه لا شعور لها بشىء أصلاً، أو المراد بالافتراء قولهم هذا حلال وهذا حرام من غير إذن شرعي، أو قولهم أن لغير الله تأثيراً في هذا العالم.

ومتى يكون هذا السؤال؟

قيل: عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب، وقيل: في القبر.

والأقرب أنه في الآخرة وهذا في هؤلاء الأقوام خاصة كقوله: ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون  ﴾ في الأمم عامة.

قوله: ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ نوع آخر من القبائح وكانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله.

قال الإمام فخر الدين الرازي: أظن أن ذلك لأن الملائكة يستترون عن العيون كالنساء، ومنه إطلاق التأنيث على الشمس لاستتارها عن أن تدرك بالأبصار لضوئها الباهر ونورها القاهر.

{  } تنزيه لذاته عن نسبة الولد إليه أو تعجب من قولهم.

ومحل "ما" في قوله ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ إما الرفع على الابتداء، أو النصب أي وجعلوا لهم ما يشتهون يعني البنين.

وأبى الزجاج جواز النصب وقال: لأن العرب لا تقول جعل له كذا وهو يعني نفسه وإنما تقول جعل لنفسه كذا.

فلو كان منصوباً لقيل: و "لأنفسهم ما يشتهون".

ثم ذكر غاية كراهتهم للإناث التي جعلوها لله  فقال: ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه ﴾ أي صار ﴿ مسودّاً ﴾ ويحتمل أن يكون استعمل "ظل" لان وضع الحمل يتفق بالليل غالباً فيظل نهاره مسود الوجه ﴿ وهو كظيم ﴾ مملوء غماً وحزناً وغيظاً على المرأة.

قال أهل المعاني: جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم والكآبة لأن الإنسان إذا قوي فرحه انبسط الروح من قلبه ووصل إلى الأطراف ولا سيما إلى الوجه لما بين القلب والدماغ من التعلق الشديد فاستنار الوجه وأشرق، وإذا قوي غمه انحصر الروح في داخل القلب ولم يبق منه أثر قويّ على الوجه فيتربد الوجه لذلك ويصفر أو يسود ﴿ يتوارى ﴾ يستخفي ﴿ من القوم من سوء ما بشر به ﴾ من أجل سوء المبشر به ولم يظهر أياماً يحدث نفسه ويدبر فيها ماذا يصنع بها وذلك قوله: ﴿ أيمسكه ﴾ أي يحبسه ﴿ على هون ﴾ ذل وهوان.

والظاهر أن هذا صفة المولود أي يمسكها على هوان منه لها.

وقال عطاء عن ابن عباس: إنه صفة الأب أي يمسكها مع الرضا بهوان نفسه ﴿ أم يدسه في التراب ﴾ أي بيده.

والدس إخفاء الشيء في الشيء.

وإنما ذكر الضمير في ﴿ يمسكه ﴾ و ﴿ يدسه ﴾ باعتبار ما بشر به.

كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها إلى أن تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها، ومنها من يذبحها.

وكانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية، وأخرى خوفاً من الفقر والفاقة ولزوم النفقة.

روي أن رجلاً قال: يا رسول الله والذين بعثك بالحق ما أجد حلاوة الإسلام وقد كانت لي في الجاهلية ابنة وأمرت امرأتي أن تزينها وأخرجتها، فلما انتهيت إلى وادٍ بعيد القعر ألقيتها فقال: يا أبتي قتلتني.

فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء.

فقال  : ما في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما في الإسلام يهدمه الاستغفار.

ولا ريب أن الأنثى التي هذا محلها عندهم كانت في غاية الكراهية والتنفير ومع ذلك أثبتوها لله المتعالي عن الصاحبة والولد فلذلك قال: ﴿ ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ ولهذا يقدمون على القتل والإيذاء ﴿ مثل السوء ﴾ وصفة السوء وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث ووأدهن خشية الإملاق والتزام الشح البالغ ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ وهو أضداد صفات المخلوقين من الغنى الكامل والجود الشامل ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لا يغالب فلا يستضر بأن ينسب إليه ما لا يليق به ﴿ الحكيم ﴾ في خلق الذكور والإناث أو في الوعيد على قتل البنات.

قال القاضي: إن هؤلاء المشركين استحقوا الذم بإضافة البنات إلى الله وإنه أسهل من إضافة الفواحش والقبائح كلها إليه وهذا شأن المجبرة.

وأجابت الأشاعرة بأنه ليس كل ما قبح منافي العرف فإنه يقبح من الله.

ألا ترى أن رجلاً لو زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن وتقوية الشهوة فيهم وفيهن، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فإن هذا بالاتفاق حسن من الله  وقبيح من كل الخلق، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبنية على العرف إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية اليقينية، وقد ثبت بالبراهين القطعية امتناع الولد على الله  فعلى جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الإقناعية.

أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية أن خالقها هو الله  فكيف يمكن إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى والله أعلم.

التأويل: أن يخسف الله بهم أرض البشرية ودركات السفل أو يأتيهم العذاب بالمكر والاستدراج من حيث لا يشعرون، أنه من أين أتاهم من قبل الأعمال الدنيوية أو من قبل الأعمال الأخروية أو يأخذهم في تقلبهم من أعمال الدنيا إلى أعمال الآخرة بالرياء، ومن أعمال الآخرة إلى أعمال الدنيا بالهوى ﴿ أو يأخذهم على تخوّف ﴾ تنقص من مقاماتهم ودرجاتهم بلا شعورهم ﴿ فإن ربكم لرءُوف ﴾ بالعباد إذ أعطاهم حسن الاستعداد ﴿ رحيم ﴾ حين لا يأخذهم بعد إفساد الاستعداد في الحال لعلهم يتوبون في المآل فيقبل توبتهم بالفضل والنوال.

ما خلق الله من شيء وهو عالم الأجسام فإن عالم الأرواح خلق من لا شيء يتفيأ ظلاله، فإن الأجسام ظلال الأرواح فتارة تميل بعمل أهل السعادة إلى أصحاب اليمين، وأخرى تميل بعمل أهل الشقاء إلى أصحاب الشمال ﴿ سجداً لله ﴾ منقادين لأمره مسخرين لما خلقوا لأجله.

وإنما وحد اليمين وجمع الشمال لكثرة أصحاب الشمال، وسجود كل موجود يناسب حاله كما أن تسبيح كل منهم يلائم لسانه ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ﴾ أراد بالإله الآخر الهوى لقوله  : "ما عبد إله أبغض على الله من الهوى" ﴿ ويجعلون ﴾ يعني أصحاب النفوس والأهواء ﴿ لما لا يعلمون ﴾ لمن لا علم لهم بأحوالهم ﴿ نصيباً ﴾ بالرياء ﴿ مما رزقناهم ﴾ من الطاعات ﴿ تالله ليسئلن عما كنتم تفترون ﴾ والسؤال عن المعاملات إنما هو بتبديل الصفات وتغير الأحوال من سمة السعادة إلى سمة الشقاوةوبالعكس ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ أظن أن البنات إشارة إلى صفات فيها نوع نقص كالتجسيم والتشبيه والحلول والاتحاد، ونسبته إلى الظلم والجور والتعطيل وعدم الاستقلال بالتأثير وغير ذلك مما لا يليق بغاية جلاله ونهاية كماله فلهذا قال  : ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ يعني أن كل أحد يجب أن يوصف بغاية الكمال ويتغير وجهه إذا نبه على عيب فيه ولا يعلم أن مطلق الكمال لا يليق إلا بالواجب بالذات، ونفس الإمكان نقصان يستلزم جميع النقصانات والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .

لا نعلم الخطاب بهذا أنه [لمن كان] الخطاب بهذا ألأهل مكة؛ فهم [قد] اتخذوا آلهة بقولهم: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً...

﴾ الآية [ص: 5] إلا أن يخاطب به الثنوية والزنادقة، فإنهم يقولون باثنين، ويشبه أن يكون أهل مكة وإن اتخذوا آلهة فإنهم في الحقيقة عباد إلهين؛ لأنهم إنما كانوا يعبدون تلك الأصنام بأمر الشيطان وطاعتهم إياه، فنسب العبادة إليه؛ لما بأمره يعبدون هذه الأصنام والله أعلم؛ ألا ترى أن إبراهيم قال لأبيه: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ وإن كان في الظاهر لا يعبد الشيطان، لكن لما بأمره يعبد الأصنام أضاف العبادة إليه، أو أن يكون المراد من ذكر اثنين: إنما هو على الزيادة على الواحد، كأنه قال: لا تتخذوا ولا تعبدوا أكثر من إله واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ ﴾ .

لا تخافون الأصنام التي تعبدونها؛ فإنكم إن تركتم عبادتها لا تضركم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

أي: وله يخضع ما في السماوات والأرض وأنتم لا تخضعون، أو ما في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه؛ فكيف أشركتم عبيده في ألوهية الله  وربوبيته؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً ﴾ .

قال بعضهم: دائماً؛ لأن غيره من الأديان كلها يبطل ويضمحل، ويبقى دينه في الدارين جميعاً.

وقال بعضهم: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً ﴾ أي: مخلصاً، من الوصب [والنصب] والتعب، وتأويله - والله أعلم -: أي: وله دين لا يوصل إليه إلا بتعب وجهد؛ فاجتهدوا واتعبوا؛ لتخلصوا له الدين؛ هذا معنى قوله: (مخلصا).

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ﴾ .

أي: أمخالفة غير الله تتقون؛ أي: لا تخافوا ولكن اتقوا مخالفة [الله لا تتقوا مخالفة] غيره.

أو يقول: لا تخافوا غير الله ولا تتقوا سواه، ولكن اتقوا الله واتقوا نقمته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ .

أي: تتضرعون؛ يخبر عن سفههم وقلة عقلهم أنهم يعلمون أن له ما في السماوات والأرض، وأن كل ذلك ملكه، وأن ما لهم من النعمة منه، وأن ما يحل بهم من البلاء والشدة هو الكاشف لهم والدافع عنهم، ثم يكفرونه ويصرفون شكرها منه إلى غيره في حال الرخاء والسعة، ويؤمنون به في حال الشدة والبلاء؛ فيقول: أنا المنعم عليكم تلك النعم، وأنا المالك للكشف عنكم لا الأصنام التي عبدتموها، فكيف كفرتم بي في وقت الرخاء والسّعة وآمنتم بي في وقت الضيق والبلاء؟!

كانوا يخلصون له الدين في وقت ويشركون غيره في وقت، فيقول: أديموا لي الدين بقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً ﴾ ولا تتركوا الإيمان بي في وقت وتؤمنوا بي في وقت، وكذلك كان عادتهم: كانوا يكفرون بربهم في حال الرخاء والسعة، ويؤمنون به في حال البلاء والشدة؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ...

 ﴾ الآية.

ويحتمل أن يكون فرض الجهاد على المسلمين والقتال معهم لهذا المعنى؛ لأن من عادتهم الإيمان في وقت البلاء والشدة والخوف، ففرض عليهم القتال معهم؛ ليضطروا إلى الإيمان فيؤمنوا ويديموا الإيمان، ومنذ فرض القتال معهم كثر أهل الإسلام فدخلوا فيه فوجاً فوجاً، وكان قبل ذلك يُدخَل فيه واحداً واحداً.

وفيه دلالة إثبات رسالة محمد  [حيث] قال: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ﴾ فإنما أخبر عما عرفوا وتقرر عندهم أن كل ذلك من عند الله؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يجعلوا ما آتاهم الله وأنعم عليهم سبب كفرهم بالله.

والثاني: يكفرون بنعم الله -  - بعبادتهم الأصنام، وصرفهم الشكر عنه.

ويشبه أن يكون إخباره عن سفههم من وجه آخر؛ وهو أنهم لم يروا في البشر أحداً يطاع ويخضع إلا أحد رجلين: دافع بلاء عنه، أو جارّ نفع إليه، فالأصنام التي عبدوها ليس منها دفع بلاء ولا جرّ منفعة، فلماذا يعبدونها؟

وقال أبو بكر: ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ ﴾ : [أي] بالقرآن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

هذا وعيد من الله لهم، يقول: فسوف تعلمون ما ينزل بكم من كفران نعمة وصرف الشكر عنه أنه مهلكهم ومنزل بهم عذابه.

وفي قوله: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ .

أي: تتضرعون، موعظة للمؤمنين أيضاً؛ لأنهم يجعلون يتضرعون إلى الله إذا أصابهم الضر والبلاء، وإذا انكشف ذلك عنهم تركوا ذلك التضرع ونسوا ربهم؛ فيعظهم لئلا يصنعوا مثل صنيع أولئك، يقول والله أعلم؛ أي: تعلمون أن ما بكم من نعمة فمن الله؛ فكيف تصرفون شكرها إلى غيره في حال؟!.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ ﴾ أي: يقولون ﴿ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ .

[قال بعضهم: يجعلون للأصنام والأوثان التي يعبدونها نصيباً مما رزقناهم] من الأنعام والحرث وغيره الذي جعل الله لهم.

ولا يعلمون لهم نصيباً في ذلك؛ وهو كقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا  ﴾ حرموا على أنفسهم ما جعل الله لهم وجعلوه لآلهتهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً ﴾ وهو الشيطان؛ أي: ما يجعلون للأوثان، فذلك للشيطان في الحقيقة، لأنه هو الذي أمرهم بذلك، وهو الذي دعاهم إلى ذلك، وهو كقوله: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنهم إذا عبدوا الأوثان فكأن قد عبدوا الشيطان؛ لأنه هو أمرهم بذلك، وهو دعاهم إلى ذلك، فعلى ذلك ما يجعلون للأوثان ذلك للشيطان لما ذكرنا، لكن لا يعلمون أن ذلك له نصيب.

ويحتمل قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً ﴾ أي: يعلمون أن ليس لها نصيب في ذلك، ولكن يجعلون ذلك لها على علم منهم أن لا نصيب للأوثان في ذلك، وهو كقوله: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: أتنبئون الله بما يعلم أنه ليس ونحوه، أي: يعلم غير الذي تنبئون، وقد ذكرنا قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ ﴾ على القول، أي: يقولون: وإلا لا يملكون جعل ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ تَفْتَرُونَ ﴾ : تسميتهم الأصنام آلهة، ويحتمل افتراؤهم على الله ما قالوا: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ زعموا [أن ما] فعل آباؤهم [وفعلوا هم] كان بأمر من الله ورضاه؛ حيث تركهم على ذلك، فذلك افتراؤهم.

وقوله: ﴿ تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ .

يحتمل السؤال الجزاء؛ أي: تالله لتجزون عما كنتم تفترون، ويحتمل السؤال سؤال حجة، يسألون على ما ادعوا على الله من الأمر الحجة على ذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويجعل المشركون لأصنامهم التي لا تعلم شيئًا -لأنها جمادات، ولا تنفع ولا تضر- قسمًا من أموالهم التي رزقناهم، يتقربون به إليها، والله لتسألنَّ -أيها المشركون- يوم القيامة عما كنتم تزعمون من أن هذه الأصنام آلهة، وأن لها قسمًا من أموالكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.pzPaJ"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 14 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.7 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل