الآية ٩٨ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٩٨ من سورة النحل

فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٩٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٨ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٨ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا أمر من الله تعالى لعباده على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - : إذا أرادوا قراءة القرآن أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم .

وهو أمر ندب ليس بواجب ، حكى الإجماع على ذلك الإمام أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة .

وقد قدمنا الأحاديث الواردة في الاستعاذة مبسوطة في أول التفسير ، ولله الحمد والمنة .

والمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة لئلا يلبس على القارئ قراءته ويخلط عليه ، ويمنعه من التدبر والتفكر ، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة وحكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني : أنها تكون بعد التلاوة ، واحتجا بهذه الآية .

ونقل النووي في شرح المهذب مثل ذلك عن أبي هريرة أيضا ، ومحمد بن سيرين ، وإبراهيم النخعي ، والصحيح الأول ؛ لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإذا كنت يا محمد قارئًا القرآن، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم.

وكان بعض أهل العربية يزعم أنه من المؤخر الذي معناه التقديم.

وكان معنى الكلام عنده: وإذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم، فاقرأ القرآن ، ولا وجه لما قال من ذلك، لأن ذلك لو كان كذلك لكان متى استعاذ مستعيذ من الشيطان الرجيم لزمه أن يقرأ القرآن، ولكن معناه ما وصفناه ، وليس قوله (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) بالأمر اللازم، وإنما هو إعلام وندب .

وذلك أنه لا خلاف بين الجميع ، أن من قرأ القرآن ولم يستعذ بالله من الشيطان الرجيم .

قبل قرأته أو بعدها أنه لم يضيع فرضا واجبا.

وكان ابن زيد يقول في ذلك نحو الذي قلنا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) قال: فهذا دليل من الله تعالى دلّ عباده عليه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم [ ص: 159 ] فيه مسالة واحدة : وهي أن هذه الآية متصلة بقوله : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء فإذا أخذت في قراءته فاستعذ بالله من أن يعرض لك الشيطان فيصدك عن تدبره والعمل بما فيه ; وليس يريد استعذ بعد القراءة ; بل هو كقولك : إذا أكلت فقل بسم الله ; أي إذا أردت أن تأكل .

وقد روى جبير بن مطعم عن أبيه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين افتتح الصلاة قال اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه .

وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة .

قال ألكيا الطبري : ونقل عن بعض السلف التعوذ بعد القراءة مطلقا ، احتجاجا بقوله - تعالى - : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ولا شك أن ظاهر ذلك يقتضي أن تكون الاستعاذة بعد القراءة ; كقوله - تعالى - : فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا .

إلا أن غيره محتمل ، مثل قوله - تعالى - : وإذا قلتم فاعدلوا وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب وليس المراد به أن يسألها من وراء حجاب بعد سؤال متقدم .

ومثله قول القائل : إذا قلت فاصدق ، وإذا أحرمت فاغتسل ; يعني قبل الإحرام .

والمعنى في جميع ذلك : إذا أردت ذلك ; فكذلك الاستعاذة .

وقد تقدم هذا المعنى وتقدم القول في الاستعاذة مستوفى

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: فإذا أردت القراءة لكتاب الله الذي هو أشرف الكتب وأجلها وفيه صلاح القلوب والعلوم الكثيرة فإن الشيطان أحرص ما يكون على العبد عند شروعه في الأمور الفاضلة، فيسعى في صرفه عن مقاصدها ومعانيها.

فالطريق إلى السلامة من شره الالتجاء إلى الله، والاستعاذة به من شره، فيقول القارئ: { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } متدبرا لمعناها، معتمدا بقلبه على الله في صرفه عنه، مجتهدا في دفع وساوسه وأفكاره الرديئة مجتهدا، على السبب الأقوى في دفعه، وهو التحلي بحلية الإيمان والتوكل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله سبحانه وتعالى : ( فإذا قرأت القرآن ) أي : أردت قراءة القرآن ( فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) كقوله تعالى : " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا " ( المائدة - 6 ) .

والاستعاذة سنة عند قراءة القرآن .

وأكثر العلماء على أن الاستعاذة قبل القراءة .

وقال أبو هريرة : بعدها .

ولفظه : أن يقول : " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح ، أخبرنا أبو القاسم البغوي ، حدثنا علي بن الجعد ، أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة ، سمعت عاصما عن ابن جبير بن مطعم ، عن أبيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ، قال : فكبر ، فقال : الله أكبر كبيرا ، ثلاث مرات ، [ والحمد لله كثيرا ، ثلاث مرات ، وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاث مرات ] اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم ، من همزه ونفخه ، ونفثه .

قال عمرو : ونفخه : الكبر ، ونفثه : الشعر ، وهمزه : الموتة ، والموتة الجنون ، والاستعاذة بالله هي الاعتصام به .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإذا قرأت القرآن» أي أردت قراءته «فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم» أي قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإذا أردت -أيها المؤمن- أن تقرأ شيئًا من القرآن فاستعذ بالله مِن شرِّ الشيطان المطرود من رحمة الله قائلا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والمراد بقوله - تعالى - : ( فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن .

.

) أى فإذا أردت قراءته .

فالكلام على حذف الإِرادة ، وذلك لأن المعنى الذى طلبت من أجله الاستعاذة وهو دفع وسوسة الشيطان يقتضى أن يبدأ القارئ بها - أى بالاستعاذة - قبل القراءة لا بعدها وشبيه بهذه الآية فى حذف الإِرادة لدلالة المقام عليها قوله - تعالى - : ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق .

.

) أى : إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا .وقوله - تعالى - : ( وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ) أى : أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا .والمعنى : فإذا أردت - أيها المسلم - قراءة القرآن ( فاستعذ بالله ) أى : فاستجر بالله ، والتجئ إلى حماه ( مِنَ الشيطان الرجيم ) .قال ابن كثير : " والشيطان فى لغة العرب ، كل متمرد من الجن والإِنس والدواب وكل شئ ، وهو مشتق من شطن بمعنى بعد ، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر ، وبعيد بفسقه عن كل خير .

.

.

" .والرجيم بزنة فعيل بمعنى مفعول .

أى : أنه مرجوم ومطرود من رحمة الله - تعالى - .قال بعض العلماء : وإنما خصت القراءة بطلب الاستعاذة ، مع أنه قد أمر بها على وجه العموم فى جميع الشئون ، لأن القرآن مصدر هداية ، والشيطان مصدر ضلال ، فهو يقف للإنسان بالمرصاد فى هذا الشأن على وجه خاص ، فيثير أمامه ألوانا من الشكوك فيما يفيد من قراءته ، وفيما يقصد بها ، فيفوت عليه الانتفاع بهدى الله وآياته .

فعلمنا الله - تعالى - أن نتقى ذلك كله بهذه الاستعاذة التى هى فى الواقع عنوان صادق ، وتعبير حق ، عن امتلاء قلب المؤمن بمعنى اللجوء إلى الله .

وقوة عزيمته فى طرد الشيطان ووساوسه ، واستقبال هدايته بقلب طاهر ، وعقل واع وإيمان ثابت .وكيفية الاستعاذة أن يقول القارئ عند إرادة قراءته للقرآن ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، فقد تضافرت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة .قال الآلوسى .

" وروى الثعلبى والواحدى أن ابن مسعود قرأ عن النبى صلى الله عليه وسلم فقال : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم : " يابن أم عبد ، قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، هكذا أقرأنى جبريل .

.

" " .وقال صاحب تفسير آيات الأحكام : والأمر بها - أى بالاستعاذة - للندب عند الجمهور .وعن الثورى أنها واجبة .

وظاهر الآية يؤيده ، إذ الأمر للوجوب .

والجمهور يقولون : إنه صرفها عن الوجوب ما ورد من أنه صلى الله عليه وسلم لم يعلمها للأعرابى - أى الذى سأله عن كيفية الصلاة - وأيضا فقد روى أنه كان صلى الله عليه وسلم يتركها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه لما قال قبل هذه الآية: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ أرشد إلى العمل الذي به تخلص أعماله عن الوساوس فقال: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الشيطان ساع في إلقاء الوسوسة في القلب حتى في حق الأنبياء بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِي أُمْنِيَّتِهِ  ﴾ والاستعاذة بالله مانعة للشيطان من إلقاء الوسوسة بدليل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طائف مّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ  ﴾ فلهذا السبب أمر الله تعالى رسوله بالاستعاذة عند القراءة حتى تبقى تلك القراءة مصونة عن الوسوسة.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان ﴾ خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن المراد به الكل، لأن الرسول لما كان محتاجاً إلى الاستعاذة عند القراءة فغير الرسول أولى بها.

المسألة الثالثة: الفاء في قوله: ﴿ فاستعذ بالله ﴾ للتعقيب فظاهر هذه الآية يدل على أن الاستعاذة بعد قراءة القرآن وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين قال الواحدي: وهو قول أبي هريرة ومالك وداود قالوا: والفائدة فيه أنه إذا قرأ القرآن استحق به ثواباً عظيماً، فإن لم يأت بالاستعاذة وقعت الوسوسة في قلبه، وتلك الوسوسة تحبط ثواب القراءة أما إذا استعاذ بعد القراءة اندفعت الوساوس وبقي الثواب مصوناً عن الإحباط.

أما الأكثرون من علماء الصحابة والتابعين فقد اتفقوا على أن الاستعاذة مقدمة على القراءة، وقالوا: معنى الآية إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ، وليس معناه استعذ بعد القراءة، ومثله إذا أكلت فقل: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ ﴾ وإذا سافرت فتأهب، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إلى الصلاة فاغسلوا  ﴾ أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا، وأيضاً لما ثبت أن الشيطان ألقى الوسوسة في أثناء قراءة الرسول بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِي أُمْنِيَّتِهِ  ﴾ ومن الظاهر أنه تعالى إنما أمر الرسول بالاستعاذة عند القراءة لدفع تلك الوساوس، فهذا المقصود إنما يحصل عند تقديم الإستعاذة.

المسألة الرابعة: مذهب عطاء: أنه تجب الاستعاذة عند قراءة القرآن سواء كانت القراءة في الصلاة أو غيرها، وسائر الفقهاء اتفقوا على أنه ليس كذلك، لأنه لا خلاف بينهم أنه إن لم يتعوذ قبل القراءة في الصلاة، فصلاته ماضية، وكذلك حال القراءة في غير الصلاة لكن حال القراءة في الصلاة آكد.

المسألة الخامسة: المراد بالشيطان في هذه الآية قيل إبليس، والأقرب أنه للجنس، لأن لجميع المردة من الشياطين حظاً في الوسوسة.

واعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بالاستعاذة من الشيطان وكان ذلك يوهم أن للشيطان قدرة على التصرف في أبدان الناس، فأزال الله تعالى هذا الوهم، وبين أنه لا قدرة له ألبتة إلا على الوسوسة فقال: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين ءامَنُواْ وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ويظهر من هذا أن الاستعاذة إنما تفيد إذا حضر في قلب الإنسان كونه ضعيفاً وأنه لا يمكنه التحفظ عن وسوسة الشيطان إلا بعصمة الله تعالى، ولهذا المعنى قال المحققون: لا حول عن معصية الله تعالى إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله تعالى، والتفويض الحاصل على هذا الوجه هو المراد من قوله: ﴿ وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ .

ثم قال: ﴿ إِنَّمَا سلطانه على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ قال ابن عباس: يطيعونه يقال: توليته أي أطعته وتوليت عنه أي أعرضت عنه: ﴿ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ الضمير في قوله: (به) إلى ماذا يعود؟

فيه قولان: الأول: أنه راجع إلى ربهم.

والثاني: أنه راجع إلى الشيطان والمعنى بسببه، وهذا كما تقول للرجل إذا تكلم بكلمة مؤدية إلى الكفر كفرت بهذه الكلمة أي من أجلها، فكذلك قوله: ﴿ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ أي من أجله ومن أجل حمله إياهم على الشرك بالله صاروا مشركين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما ذكر العمل الصالح ووعد عليه، وصل به قوله ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله ﴾ إيذاناً بأن الاستعاذة من جمله الأعمال الصالحة التي يجزل الله عليها الثواب.

والمعنى: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ كقوله ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴾ [المائدة: 6] وكقولك: إذا أكلت فسمّ الله.

فإن قلت: لم عبر عن إرادة الفعل بلفظ الفعل؟

قلت: لأن الفعل يوجد عند القصد والإرادة بغير فاصل وعلى حسبه، فكان منه بسبب قويّ وملابسة ظاهرة.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي: «يا ابن أمّ عبد، قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه جبريل عليه السلام عن القلم عن اللوح المحفوظ» ﴿ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ ﴾ أي تسلط وولاية على أولياء الله، يعني: أنهم لا يقبلون منه ولا يطيعونه فيما يريد منهم من اتباع خطواته ﴿ إِنَّمَا سلطانه ﴾ على من يتولاه ويطيعه ﴿ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ الضمير يرجع إلى ربهم.

ويجوز أن يرجع إلى الشيطان، على معنى: بسببه وغروره ووسوسته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ ﴾ إذا أرَدْتَ قِراءَتَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ﴾ .

﴿ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ﴾ فاسْألِ اللَّهَ أنْ يُعِيذَكَ مِن وساوِسِهِ لِئَلّا يُوَسْوِسَكَ في القِراءَةِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لِلِاسْتِحْبابِ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُصَلِّيَ يَسْتَعِيذُ في كُلِّ رَكْعَةٍ لِأنَّ الحُكْمَ المُتَرَتِّبَ عَلى شَرْطٍ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ قِياسًا، وتَعْقِيبُهُ لِذِكْرِ العَمَلِ الصّالِحِ والوَعْدِ عَلَيْهِ إيذانٌ بِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ عِنْدَ القِراءَةِ مِن هَذا القَبِيلِ.

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «قَرَأْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقَلْتُ: أعُوذُ بِالسَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فَقالَ: قُلْ أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ هَكَذا أقْرَأنِيهِ جِبْرِيلُ عَنِ القَلَمِ عَنِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ» ﴿ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ ﴾ تَسَلُّطٌ ووِلايَةٌ ﴿ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِهِ والمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ فَإنَّهم لا يُطِيعُونَ أوامِرَهُ ولا يَقْبَلُونَ وساوِسَهُ إلّا فِيما يَحْتَقِرُونَ عَلى نَدُورٍ وغَفْلَةٍ ولِذَلِكَ أُمِرُوا بِالِاسْتِعاذَةِ فَذَكَرَ السَّلْطَنَةَ بَعْدَ الأمْرِ بِاسْتِعاذَةٍ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِنهُ أنَّ لَهُ سُلْطانًا.

﴿ إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ يُحِبُّونَهُ ويُطِيعُونَهُ.

﴿ والَّذِينَ هم بِهِ ﴾ بِاللَّهِ أوْ بِسَبَبِ الشَّيْطانِ.

﴿ مُشْرِكُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فإذا قرأت القرآن} فإذا أردت قراءة القرآن {فاستعذ بالله} فعبر عن إرادة الفعل بلفظ الفعل لأنها سبب له والفاء للتعقيب إذ القراءة المصدرة بالاستعاذة من العمل الصالح المذكور {مِنَ الشيطان} يعني إبليس {الرجيم} المطرود أو الملعون قال ابن مسعود رضي الله عنه قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فقال لي قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عليه السلام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

هَذا وإذْ قَدِ انْتَهى الأمْرُ إلى مَدارِ الجَزاءِ وهو صَلاحُ العَمَلِ وحُسْنِهِ رُتِّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ الإرْشادُ إلى ما بِهِ يَحْسُنُ العَمَلُ الصّالِحُ، ويَخْلُصُ عَنْ شَوْبِ الفَسادِ فَقِيلَ: ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ أيْ إذا أرَدْتَ قِراءَةَ القُرْآنِ فاسْألْهُ عَزَّ جارُهُ أنْ يُعِيذَكَ ﴿ مِنَ ﴾ وساوِسِ ﴿ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ﴾ كَيْلا يُوَسْوِسَكَ في القِراءَةِ فالقِراءَةُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْ إرادَتِها إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، وكَيْفِيَّةُ الِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ مِنَ القُرّاءِ وغَيْرِهِمْ أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ لِتَظافُرِ الرِّواياتِ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَسْتَعِيذُ كَذَلِكَ.

ورَوى الثَّعْلَبِيُّ والواحِدِيُّ «أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فَقالَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ قُلْ أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ هَكَذا أقْرَأنِيهِ جِبْرِيلُ عَنِ القَلَمِ عَنِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ»» نَعَمْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في ذِكْرِ الإفْكِ قالَتْ ««جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكَشَفَ عَنْ وجْهِهِ وقالَ: أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ إنَّ الَّذِينَ جاؤُوا بِالإفْكِ»» الآيَةَ، وأخْرَجا عَنْ سَعِيدٍ إنَّهُ قالَ ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ فاسْتَفْتَحَ الصَّلاةَ قالَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وتَبارَكَ اسْمُكَ وتَعالى جَدُّكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ ثُمَّ يَقُولُ أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ»» إلَخْ.

وبِذَلِكَ أخَذَ مَنِ اسْتَعاذَ كَذَلِكَ، وفي الهِدايَةِ الأوْلى أنْ يَقُولَ: أسْتَعِيذُ بِاللَّهِ لِيُوافِقَ القُرْآنَ ويَقْرَبُ أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ اه، والمُخْتارُ ما سَمِعْتَ أوَّلًا لِأنَّ لَفْظَ اسْتَعِذْ طَلَبُ العُوذَةِ وقَوْلُهُ: «أعُوذُ» امْتِثالٌ مُطابِقٌ لِمُقْتَضاهُ.

والقُرْبُ مِنَ اللَّفْظِ مُهْدَرٌ، ويَكْفِي لِأوْلَوِيَّةِ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ مَجِيئُهُ في المَأْثُورِ: وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: لا يَنْبَغِي أنْ يَزِيدَ المُتَعَوِّذُ السَّمِيعَ العَلِيمَ لِأنَّهُ ثَناءٌ وما بَعْدَ التَّعَوُّذِ مَحَلُّ القِراءَةِ لا مَحَلُّ الثَّناءِ وفِيهِ أنَّ هَذا بَعْدَ تَسْلِيمِ الخَبِرَيْنِ السّابِقَيْنِ غَيْرُ سَدِيدٍ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في ذَلِكَ إتْيانٌ بِالثَّناءِ بَعْدَ التَّعَوُّذِ بَلْ إتْيانٌ بِهِ في أثْنائِهِ كَما لا يَخْفى، والأمْرُ بِها لِلنَّدْبِ عِنْدَهُمْ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ ورُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ أنَّها واجِبَةٌ لِكُلِّ قِراءَةٍ في الصَّلاةِ أوْ غَيْرِها لِهَذِهِ الآيَةِ فَحَمَلا الأمْرَ فِيها عَلى الوُجُوبِ نَظَرًا إلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ، وعَدَمُ صَلاحِيَةِ كَوْنِها لِدَفْعِ الوَسْوَسَةِ في القِراءَةِ صارِفًا عَنْهُ بَلْ يَصِحُّ شَرْعُ الوُجُوبِ مَعَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ خِلافُ الإجْماعِ، ويَبْعُدُ مِنهُما أنْ يَبْتَدِعا قَوْلًا خارِقًا لَهُ مِن بَعْدِ عِلْمِهِما بِأنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ فاللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصّارِفِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقَدْ يُقالُ: هو تَعْلِيمُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الأعْرابِيَّ الصَّلاةَ ولَمْ يَذْكُرْها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقَدْ يُجابُ بِأنَّ تَعْلِيمَهُ إيّاها بِتَعْلِيمِهِ ما هو مِن خَصائِصِها وهي لَيْسَتْ مِن واجِباتِها بَلْ مِن واجِباتِ القِراءَةِ أوْ إنَّ كَوْنَها تُقالُ عِنْدَ القِراءَةِ كانَ ظاهِرًا مَعْهُودًا فاسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِها، وفِيهِ أنَّهُ لا يَتَأتّى عَلى ما سَتَسْمَعُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِ أبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ.

وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ حَمْلَ الأمْرِ عَلى النَّدْبِ لِما رُوِيَ مِن تَرْكِ النَّبِيِّ  لَها، وإذا ثَبَتَ هَذا كَفى صارِفًا ومَذْهَبُ ابْنِ سَيْرَيْنِ والنَّخْعِيِّ وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ أنَّها مَشْرُوعَةٌ في القِراءَةِ في كُلِّ رَكْعَةٍ لِأنَّ الأمْرَ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطٍ فَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا ﴾ وأيْضًا حَيْثُ كانَتْ مَشْرُوعَةً في الرَّكْعَةِ الأُولى فَهي مَشْرُوعَةٌ في غَيْرِها مِنَ الرَّكَعاتِ قِياسًا لِلِاشْتِراكِ في العِلَّةِ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ- وهو القَوْلُ الآخَرُ لِلشّافِعِيِّ- أنَّها مَشْرُوعَةٌ في الأُولى فَقَطْ لِأنَّ قِراءَةَ الصَّلاةِ كُلِّها كَقِراءَةٍ واحِدَةٍ، وقِيلَ: إنَّها عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ لِلصَّلاةِ ولِذا لا تُكَرَّرُ، والمَذْكُورُ في الهِدايَةِ وغَيْرِها أنَّها عِنْدَ الإمامِ ومُحَمَّدٍ لِلْقِراءَةِ دُونَ الثَّناءِ حَتّى يَأْتِيَ بِها المَسْبُوقُ دُونَ المُقْتَدى، وقالَ أبُو يُوسُفَ: إنَّها لِلثَّناءِ وفي الخُلاصَةِ أنَّهُ الأصَحُّ، وتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الخِلافِ في ثَلاثَةِ مَسائِلَ ذُكِرَتْ فِيها فَما ذَكَرَهُ صاحِبُ القِيلِ لَمْ نَعْثُرْ عَلَيْهِ في كُتُبِ الأصْحابِ، ومالِكٌ لا يَرى التَّعَوُّذَ في الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ ويَراهُ في غَيْرِها كَقِيامِ رَمَضانَ، والمَرْوِيُّ عَنْهُ في غَيْرِ الصَّلاةِ فِيما سَمِعْتَ مِن بَعْضِ مُقَلِّدِيهِ وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ سَيْرَيْنَ وداوُدَ وحَمْزَةَ مِنَ القُرّاءِ أنَّ الِاسْتِعاذَةَ عَقِبَ القِراءَةِ أخْذٌ بِظاهِرِ الآيَةِ.

ولِلْجُمْهُورِ ما رَواهُ أئِمَّةُ القِراءَةِ مُسْنَدًا عَنْ نافِعٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقُولُ قَبْلَ القِراءَةِ: «أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ»» قالَ في الكَشْفِ: دَلَّ الحَدِيثُ عَلى أنَّ التَّقْدِيمَ هو السُّنَّةُ فَبَقِيَ سَبَبِيَّةُ القِراءَةِ لَها، والفاءُ في ( فاسْتَعِذْ ) دَلَّتْ عَلى السَّبَبِيَّةِ فَلْتُقَدَّرِ الإرادَةُ لِيَصِحَّ، وأيْضًا الفَراغُ عَنِ العَمَلِ لا يُناسِبُ الِاسْتِعاذَةَ مِنَ العَدُوِّ وإنَّما يُناسِبُها الشُّرُوعُ فِيهِ والتَّوَسُّطُ فَلْتُقَدَّرْ لِيَكُونا- أيِ القِراءَةُ والِاسْتِعاذَةُ- مُسَبَّبَتَيْنِ عَنْ سَبَبٍ واحِدٍ لا يَكُونُ بَيْنَهُما مُجَرَّدُ الصُّحْبَةِ الِاتِّفاقِيَّةِ الَّتِي تُنافِيها الفاءُ، وإلَيْهِ أشارَ صاحِبُ المِفْتاحِ بِقَوْلِهِ بِقَرِينَةِ الفاءِ والسُّنَّةِ المُسْتَفِيضَةِ انْتَهى.

ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ ما قِيلَ مِن أنَّ الفاءَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى ما ذُكِرَ وأنَّ إجْماعَهم عَلى صِحَّةِ هَذا المَجازِ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَرِينَةَ المانِعَةَ عَنْ إرادَةِ الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ وكَذا القَوْلُ بِالفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا ﴾ إلَخْ بِأنَّ ثَمَّةَ دَلِيلًا قائِمًا عَلى المَجازِ فَتُرِكَ الظّاهِرُ لَهُ بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالشَّيْطانِ إبْلِيسُ وأعْوانُهُ، وقِيلَ: هو عامٌّ في كُلِّ مُتَمَرِّدٍ عاتٍ مِن جِنٍّ وإنْسٍ، وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَخْصِيصُ قِراءَةِ القُرْآنِ مِن بَيْنِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ إرادَتِها لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي سائِرِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ أهَمُّ فَإنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ أمَرَ بِها عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ فَما الظَّنُّ بِمَن عَداهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما عَدا القِراءَةَ مِنَ الأعْمالِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ يعني: إذا أردت أن تقرأ القرآن في الصلاة وغير الصلاة، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي تعوذ بالله.

وهذا كقولك: إذا أكلت فقل بسم الله، يعني: إذا أردت أن تأكل، وهذا مثل قوله إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: 6] يعني: إذا أردتم القيام للصلاة.

وقوله: مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ يعني: اللعين الخبيث.

ويقال: الرَّجِيمِ يعني: المرجوم.

ويقال: فيه تقديم، ومعناه: فاستعذ بالله، إذا قرأت القرآن.

ثم قال: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ يقال: ليس له غلبة ولا حجة.

ويقال: ليس له نفاذ الأمر عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا أي: صدقوا بتوحيد الله تعالى وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي: يثقون به ولا يثقون بغيره.

قوله عز وجل: إِنَّما سُلْطانُهُ أي غلبته وحجته عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ أي: يطيعونه من دون الله تعالى.

فمن أطاعه فقد تولاه وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ أي: بالله.

وقال القتبي: وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ لم يرد أنهم بإبليس كافرون، ولو كانوا هكذا لكانوا مؤمنين، وإنَّما أراد به الذين هم من أجله مشركون بالله تعالى، كما يقال: صار فلان بك عالماً أي: من أجلك.

قوله: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً أي: ناسخة مَكانَ آيَةٍ منسوخة، أي: نسخنا آية بآية.

قال ابن عباس: «إن رسول الله  كان إذا نزلت عليه آية فيها شدة، أخذ الناس بها، وعملوا ما شاء الله أن يعملوا، فيشق ذلك عليهم، فينسخ الله تعالى هذه الشدة، ويأتيهم بما هو ألين منها وأهون عليهم منها» ، قالوا: أي كفار قريش: ما يعلمه إلا عابس غلام حويطب بن عبد العزى، ويسار بن فكيهة مولى ابن الحضرمي وكانا قد أسلما، وكان رسول الله  يأتيهما فيحدثهما ويعلمهما، وكانا يقرآن كتابهما بالعبرانية.

فنزل وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ يعني: بما يصلح للخلق قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ أي: مختلق من تلقاء نفسك بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أن الله أمرك بما شاء، نظراً لصلاح العباد.

وقال مقاتل: في الآية تقديم، ومعناه: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ فتقول على الله تعالى الكذب.

قلت: كذا ثم نقضته، فجئت بغيره، ثم قال في التقديم: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الحسن وعلي بن أبي طالب: هي القناعة «١» .

قال ع «٢» : والذي أقولُ به أنَّ طِيبَ الحياةِ اللازمَ للصالحين إِنما هو بنَشَاطِ نفوسهم ونُبْلها وقُوَّةَ رَجَائِهم، والرَّجَاءُ للنَّفْس أمرٌ مُلِذٌّ، فبهذا تطيب حياتهم، وأنهم احتقروا الدنيا، فزالت همومها عَنْهم، فإِن انَضَافَ إِلى هذا مَالٌ حلالٌ، وصِحَّةٌ أو قناعةٌ، فذلك كمالٌ، وإِلا فالطِّيبُ فيما ذكرناه رَاتِبٌ.

وقوله سبحانه: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ الآية: وعْدٌ بنعيمِ الجنَّة.

قال أبو حَيَّان: وروي عن نافع: «ولَيَجْزِيَنَّهُمْ» بالياء التفاتاً من ضمير المتكَلِّم إِلى ضمير الغَيْبة، وينبغي أنْ يكون على تقدير قسَمٍ ثانٍ لا معطوفاً على «فَلَنُحْيِيَنَّهُ» ، فيكون مِنْ عطف جملةٍ قَسَمِيَّة على جملةٍ قَسَمِيَّة، وكلتاهما محذوفةٌ، وليس من عطف جواب، لتغاير الإسناد.

انتهى «٣» .

وقوله سبحانه: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ...

الآية: التقدير فإذا أخذُتَ في قراءة القُرآن، والاستعاذةُ ندْب، وعن عطاء أنَّ التعُّوذ واجبٌ «٤» ، ولفظ الاستعاذة هو على رتبة هذه الآية، والرجيم: المرْجُوم باللَّعْنة، وهو إبليس ثم أخبر تعالى أنَّ إبليسَ ليس له مَلَكةٌ ولا رياسة، هذا ظاهرُ السُّلْطان عندي في هذه الآية، وذلك أن السلطان إنْ جعلناه الحجَّةَ، فَلَيْسَ لإبليس حجة في الدنيا على أحد لا على مؤمنٍ ولا على كافر، إلا أنْ يتأول متأوِّل: ليس له سلطانٌ يوم القيامة، فيستقيمُ أنْ يكون بمعنى الحُجَّة لأن إبليس له حُجَّة على الكافرين أنَّه دعاهم بغير دَلِيل، فاستجابوا له من قِبَلِ أنفسهم، ويَتَوَلَّوْنَهُ: معناه يجعلونه وليًّا، والضمير في «به» يحتملُ أن يعود على اسم اللَّه عزَّ وجلَّ، والظاهر أنه يعودُ على اسْمِ العدوِّ الشيطانِ، بمعنى مِنْ أجله، وبسببه، فكأنه قال: والَّذِينَ هم بسببه مشركون

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: فَإذا أرَدْتَ القِراءَةَ فاسْتَعِذْ، ومِثْلُهُ ﴿ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً  ﴾ .

وَمِثْلُهُ في الكَلامِ: إذا أكَلْتَ، فَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ، هَذا قَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ واللُّغَوِيِّينَ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ، وأنَّ الِاسْتِعاذَةَ بَعْدَ القِراءَةِ.

رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وداوُدَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ، فالمَعْنى: فَإذا اسْتَعَذْتَ بِاللَّهِ فاقْرَأْ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ السِّجِسْتانِيُّ، والأوَّلُ أصَحُّ.

* فَصْلٌ والِاسْتِعاذَةُ عِنْدَ القِراءَةِ سُنَّةٌ في الصَّلاةِ وغَيْرِها.

وَفِي صِفَتِها عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ: إحْداهُما: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ، رَواها أبُو بَكْرٍ المَرْوَزِيُّ.

والثّانِيَةُ: أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ، رَواها حَنْبَلُ.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " أعُوذُ " في أوَّلِ الكِتابِ [ص:٧]، وشَرَحْنا اشْتِقاقَ الشَّيْطانِ في (البَقَرَةِ:١٤)، والرَّجِيمِ في (آل عِمْرانَ: ٣٦) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ في المُرادِ بِالسُّلْطانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّسَلُّطُ.

ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ بِحالٍ، لِأنَّ اللَّهَ صَرَفَ سُلْطانَهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مَنِ الغاوِينَ  ﴾ .

والثّانِي: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، لِاسْتِعاذَتِهِمْ مِنهُ.

والثّالِثُ: لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى أنْ يَحْمِلَهم عَلى ذَنْبٍ لا يُغْفَرُ.

والثّانِي: أنَّهُ الحُجَّةُ.

فالمَعْنى: لَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ عَلى ما يَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ المَعاصِي، قالَهُ مُجاهِدٌ.

فَأمّا قَوْلُهُ " يَتَوَلَّوْنَهُ " مَعْناهُ: يُطِيعُونَهُ.

وَفِي هاءِ الكِنايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الشَّيْطانِ، فالمَعْنى: الَّذِينَ هم مِن أجْلِهِ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا كَما يُقالُ: صارَ فُلانٌ بِكَ عالِمًا، أيْ: مِن أجْلِكَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: والَّذِينَ هم بِإشْراكِهِمْ إبْلِيسَ في العِبادَةِ، مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةً ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يُنْزِلُ الآيَةَ، فَيُعْمَلُ بِها مُدَّةً، ثُمَّ يَنْسَخُها، فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: واللَّهِ ما مُحَمَّدٌ إلّا يَسْخَرُ مِن أصْحابِهِ، يَأْمُرُهُمُ اليَوْمَ بِأمْرٍ، ويَأْتِيهِمْ غَدًا بِما هو أهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِنهُ،فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والمَعْنى: إذا نَسَخْنا آيَةً بِآيَةٍ، إمّا نَسْخُ الحُكْمِ والتِّلاوَةِ، أوْ نَسْخُ الحُكْمِ مَعَ بَقاءِ التِّلاوَةِ ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ ﴾ مِن ناسِخٍ ومَنسُوخٍ، وتَشْدِيدٍ وتَخْفِيفٍ، فَهو عَلِيمٌ بِالمَصْلَحَةِ في ذَلِكَ ﴿ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ أيْ: كاذِبٌ ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ.

والثّانِي: لا يَعْلَمُونَ فائِدَةَ النَّسْخِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿ رُوحُ القُدُسِ ﴾ يَعْنِي: جِبْرِيلَ وقَدْ شَرَحْنا هَذا الِاسْمَ في (البَقَرَةِ:٨٧) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ أيْ: مِن كَلامِهِ " بِالحَقِّ " أيْ: بِالأمْرِ الصَّحِيحِ ﴿ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِما فِيهِ مِنَ البَيِّناتِ فَيَزْدادُوا يَقِينًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ ﴾ ﴿ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ﴿ إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةً واللهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانُ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ﴾ الفاءُ في "فَإذا" واصِلَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُها في مِثْلِ هَذا، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإذا أخَذَتْ في قِراءَةِ القُرْآنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى  ﴾ ، وكَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: إذْ أكَلَتْ فَقُلْ بِسْمِ اللهِ.

والِاسْتِعاذَةُ نَدْبٌ عِنْدَ الجَمِيعِ، وحَكى النَقّاشُ عن عَطاءٍ أنَّ التَعَوُّذَ واجِبٌ، ولَفْظُ الِاسْتِعاذَةِ هو عَلى رُتْبَةِ الآيَةِ، وقَدْ ذَكَرْتُ الخِلافُ الَّذِي قِيلَ فِيهِ في صَدْرِ هَذا الكِتابِ.

و"الرَجِيمِ": المَرْجُومُ بِاللَعْنَةِ، وهو إبْلِيسُ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ إبْلِيسَ لَيْسَ لَهُ مَلَكَةٌ ولا رِياسَةٌ، هَذا ظاهِرُ "السُلْطانِ" عِنْدِي في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ السُلْطانَ إنْ جَعَلْناهُ الحُجَّةَ فَلَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ في الدُنْيا عَلى أحَدٍ، لا مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَتَأوَّلَ مُتَأوِّلٌ: "لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ يَوْمَ القِيامَةِ"، فَيَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الحَجَّةِ، لَأنَّ إبْلِيسَ لَهُ حُجَّةٌ عَلى الكافِرِينَ أنَّهُ دَعاهم بِغَيْرِ دَلِيلٍ فاسْتَجابُوا لَهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا سُلْطانَ ولا رِياسَةَ لِإبْلِيسَ عَلَيْهِمْ هُمُ المُؤْمِنُونَ أجْمَعُونَ؛ لَأنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلْ سُلْطانَهُ إلّا عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ، والسُلْطانُ مَنفِيٌّ هاهُنا في الإشْراكِ؛ إذْ لَهُ عَلَيْهِمْ مَلَكَةٌ ما في المَعاصِي، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ  ﴾ ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ إبْلِيسُ: ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ  ﴾ .

و"يَتَوَلَّوْنَهُ" مَعْناهُ: يَجْعَلُونَهُ ولِيًّا، والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والظاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى اسْمِ إبْلِيسَ، بِمَعْنى: مِن أجْلِهِ وبِسَبَبِهِ، كَما تَقُولُ لِمُعَلِّمُكَ: أنا عالِمٌ بِسَبَبِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: والَّذِينَ هم بِسَبَبِهِ مُشْرِكُونَ بِاللهِ، وهَذا الإخْبارُ بِأنْ لا سُلْطانَ لِلشَّيْطانِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِعَقِبِ الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ تَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِعاذَةَ تَصْرِفُ كَيْدَهُ كَأنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّوَكُّلِ عَلى اللهِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةً ﴾ ، كانَ كَفّارُ مَكَّةَ إذا نَسَخَ اللهُ لَفْظَ آيَةٍ بِلَفْظِ أُخْرى ومَعْناها وإنَّ بَقِيَ لَفْظُها -لَأنَّ هَذا كُلُّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ التَبْدِيلُ- يَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ لَمْ يَتَبَدَّلْ، وإنَّما هو مِنَ افْتِراءِ مُحَمَّدٍ، فَهو يَرْجِعُ مَن خَطَأٍ يَبْدُو لَهُ إلى صَوابٍ يَراهُ بَعْدُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أعْلَمَ بِما يَصْلُحُ لِلْعِبادِ بُرْهَةً مِنَ الدَهْرِ، ثُمَّ ما يَصْلُحُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ، وأنَّهم لا يَعْلَمُونَ هَذا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُنَزِّلُ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الزايِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِسُكُونِ النُونِ وتَخْفِيفِ الزايِ، وعَبَّرَ بِالأكْثَرِ مُراعاةً لِما كانَ عِنْدَ قَلِيلٍ مِنهم مَن مَوْقِفٍ وقِلَّةِ مُبالَغَةٍ في التَكْذِيبِ وظَنٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا اللَفْظُ قَرَّرَ عَلى قَلِيلٍ مِنهم أنَّهم يَعْلَمُونَ ويَكْفُرُونَ تَمَرُّدًا وعِنادًا.

وأمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُخْبِرَ أنَّ القُرْآنَ وناسِخَهُ ومَنسُوخَهُ إنَّما نَزَّلَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهو رُوحُ القُدُسِ، لا خِلافَ في ذَلِكَ، "والقُدُسِ": المَوْضِعُ المُطَهَّرُ، فَكَأنَّ جِبْرِيلَ أُضِيفَ إلى الأمْرِ المُطَهَّرِ بِإطْلاقٍ، وسَمِّي رُوحًا إمّا لَأنَّهُ ذُو رُوحٍ مِن جُمْلَةِ رُوحِ اللهِ الَّذِي بَثَّهُ في خُلُقِهِ، وخُصَّ هو بِهَذا الِاسْمِ، وإمّا لَأنَّهُ يَجْرِي مِنَ الهِداياتِ والرِسالاتِ ومِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا مَجْرى الرُوحِ مِنَ الأجْسادِ لِشَرَفِهِ ومَكانَتِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: القُدْسُ بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" أيْ: مَعَ الحَقِّ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وأحْكامِهِ ومَصالِحِهِ وأخْبارِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" بِمَعْنى حَقًّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِالحَقِّ في أنْ يَنْزِلَ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ اعْتِراضاتٌ عِنْدَ أصْحابِ الكَلامِ عَلى أُصُولِ الدِينِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ في مَكَّةَ غُلامٌ أعْجَمِيٌّ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ بِلْعامُ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ  يُكَلِّمُهُ ويُعَلِّمُهُ الإسْلامَ ويَرُومُهُ عَلَيْهِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: هَذا يَعْلَمُ مُحَمَّدًا مِن جِهَةِ الأعاجِمِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ وسُفْيانُ: كانَ اسْمُ الغُلامِ يَعِيشُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ الحَضْرَمِيُّ: كانَ بِمَكَّةَ غُلامانِ، أحَدُهُما اسْمُهُ جَبْرٌ، والثانِي يَسارٌ، وكانا يَقْرَآنِ بِالرُومِيَّةِ، وكانَ رَسُولُ اللهِ  يَجْلِسُ إلَيْهِما، فَقالَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ، ونَزَلَتِ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: والإشارَةُ إلى جَبْرٍ، وقالَ الضِحاكُ: الإشارَةُ إلى سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وهَذا ضَعِيفٌ، لَأنَّ سَلْمانَ إنَّما أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِمَكَّةَ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِسانُ الَّذِي"، وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "اللِسانُ الَّذِي" بِالتَعْرِيفِ وبِغَيْرِ تَنْوِينٍ في راءِ "بَشَرُ".

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: "يُلْحِدُونَ" بِضَمِّ الياءِ، مَن "ألْحَدَ" إذا مالَ، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وأبِي جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَلْحَدُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ، مَن "لَحَدَ"، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ، وطَلْحَةَ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، ومُجاهِدٍ، وهُما بِمَعْنى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي ∗∗∗ لَيْسَ أمِيرِي بِالشَحِيحِ المُلْحِدِ يُرِيدُ: المائِلَ عَنِ الجُودِ وحالِ الرِياسَةِ.

وقَوْلُهُ: "أعْجَمِيٌّ" إضافَةٌ إلى "أعْجَمٍ"؛ لَأنَّهُ كانَ يَقُولُ: "عَجَمِيٌّ"، والأعْجَمُ: هو الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ بِعَرَبِيَّةٍ، وأمّا العَجَمِيُّ فَقَدْ يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ ونِسْبَتُهُ قائِمَةٌ.

وقَوْلُهُ: "وَهَذا" إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، والتَقْدِيرُ: وهَذا سَرْدُ لِسانٍ، أو نُطْقُ لِسانٍ، فَهو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، وهَذا عَلى أنْ نَجْعَلَ اللِسانَ هُنا الجارِحَةَ، واللِسانُ -فِي كَلامِ العَرَبِ -: اللُغَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ في هَذِهِ، واللِسانُ: الخَبَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ غَيْرُ كاذِبَةٍ.

ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: لِسانُ السُوءِ تُهْدِيها إلَيْنا ∗∗∗ ∗∗∗ وحِنْتَ وما حَسِبْتُكَ أنْ تَحِينا وَحَكى الطَبَرِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِمْ: "بَشَرٌ" إنَّما هي إلى كاتِبٍ كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ  ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ في أواخِرَ الآياتِ: " سَمِيعٌ عَلِيمٌ"، فَيَكْتُبُ هو "عَزِيزٌ حَكِيمٌ" أو نَحْوَ هَذا، ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِسَماعِ الوَحْيِ فَيُبَدِّلُ هو بِـ "غَفُورٌ رَحِيمٌ" أو نَحْوَهُ، فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في بَعْضِ الآياتِ: هو كَما كَتَبْتَ، فَفُتِنَ وقالَ: أنا أعُلِّمُ مُحَمَّدًا وارْتَدَّ ولَحِقَ بِمَكَّةَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا نَصْرانِيٌّ أسْلَمَ وكَتَبَ ثُمَّ ارْتَدَّ وماتَ فَلَفَظَتْهُ الأرْضُ، وإلّا فَهَذا القَوْلُ يُضَعَّفُ؛ لَأنَّ الكاتِبَ المَشْهُورَ الَّذِي ارْتَدَّ لِهَذا السَبَبِ ولِغَيْرِهِ مِن نَحْوِهِ هو عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ العامِرِيُّ، ولِسانُهُ لَيْسَ بِأعْجَمِيٍّ، فَتَأمَّلَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع فاء التّفريع هنا خفيّ ودقيق، ولذلك تصدّى بعض حذّاق المفسّرين إلى البحث عنه.

فقال في «الكشاف»: «لما ذكر العمل الصالح ووعد عليه وصل به قوله تعالى: ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ﴾ إيذاناً بأن الاستعاذة من جملة الأعمال التي يجزل عليها الثواب» اه.

وهو إبداء مناسبة ضعيفة لا تقتضي تمكّن ارتباط أجزاء النظم.

وقال فخر الدين: «لما قال: ﴿ ولنجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ [سورة النحل: 97] أرشد إلى العلم الذي تَخلُص به الأعمال من الوسواس اه.

وهو أمكن من كلام الكشاف.

وزاد أبو السعود: «لما كان مدار الجزاء هو حسن العمل رتّب عليه الإرشاد إلى ما به يحسن العَمل الصالح بأن يخلُص من شوب الفساد».

وفي كلاميهما من الوهن أنه لا وجه لتخصيص الاستعاذة بإرادة قراءة القرآن.

وقول ابن عطية: «الفاء في ﴿ فإذا ﴾ واصلة بين الكلامين والعرب تستعملها في مثل هذا»، فتكون الفاء على هذا لمجرّد وصل كلام بكلام واستشهد له بالاستعمال والعهدة عليه.

وقال شرف الدين الطيبي: «قوله تعالى: ﴿ فإذا قرأت القرآن ﴾ متّصل بالفاء بما سبق من قوله تعالى: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ﴾ [سورة النحل: 89].

وذلك لأنه تعالى لما منّ على النبي بإنزال كتاب جامع لصفات الكمال وأنه تبيان لكل شيء، ونبّه على أنه تبيان لكل شيء بالكلمة الجامعة وهي قوله تعالى: ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ [سورة النحل: 90] الآية.

وعطف عليه ﴿ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ﴾ [سورة النحل: 91]، وأكّده ذلك التأكيد، قال بعد ذلك ﴿ فإذا قرأت القرآن ﴾ ، أي إذا شرعت في قراءة هذا الكتاب الشريف الجامع الذي نُبهتَ على بعض ما اشتمل عليه، ونازعك فيه الشيطان بهمزه ونفثه فاستعذ بالله منه والمقصود إرشاد الأمّة» ا ه.

وهذا أحسن الوجوه وقد انقدح في فكري قبل مطالعة كلامه ثم وجدته في كلامه فحمدت الله وترحّمته عليه.

وعليه فما بين جملة ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً ﴾ [النحل: 89] الخ، وجملة ﴿ فإذا قرأت القرآن ﴾ جملة معترضة.

والمقصود بالتفريع الشروع في التنويه بالقرآن.

وإظهار اسم ﴿ القرآن ﴾ دون أن يضمر للكتاب لأجل بعد المعاد.

والأظهر أن ﴿ قرأت ﴾ مستعمل في إرادة الفعل، مثل قوله تعالى: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴾ [سورة المائدة: 6]، وقوله: ﴿ وأوفوا الكيل إذا كلتم ﴾ [سورة الإسراء: 35] وقوله: ﴿ والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا ﴾ [سورة المجادلة: 3]، أي يريدون العَود إلى أزواجهم بقرينة قوله بعده ﴿ من قبل أن يتماسا ﴾ في سورة المجادلة (3)، وقوله تعالى: ﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذريّة ضعافا ﴾ في سورة النساء (9)، أي أوشكوا أن يتركوا بعد موتهم، وقوله ﴿ وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ﴾ [سورة الأحزاب: 53]، أي إذا أردتم أن تسألوهن، وفي الحديث إذا بايعت فقل: لا خلابة.

وحَملهُ قليل من العلماء على الظاهر من وقوع الفعل فجعلوا إيقاع الاستعاذة بعد القراءة.

ونُسب إلى مالك في المجموعة.

والصحيح عن مالك خلافه، ونسب إلى النخعي وابن سيرين وداود الظاهري وروي عن أبي هُريرة.

والباء في بالله} لتعدية فعل الاستعاذة.

يقال: عاذ بحصن، وعاذ بالحرم.

والسين في ﴿ فاستعذ بالله ﴾ للطلب، أي فاطلب العوذ بالله من الشيطان، والعوذ: اللجأ إلى ما يعصم ويقي من أمر مضرّ.

ومعنى طلب العوذ بالله محاولة العوذ به.

ولا يتصوّر ذلك في جانب الله إلا بالدعاء أن يعيذه.

ومن أحسن الامتثال محاكاة صيغة الأمر فيما هو من قبيل الأقوال بحيث لا يغيّر إلا التغيير الذي لا مناص منه فتكون محاكاة لفظ «استعذ» بما يدلّ على طلب العوذ بأن يقال: أستعيذ، أو أعوذ، فاختير لفظ أعوذ لأنه من صيغ الإنشاء، ففيه إنشاء الطلب بخلاف لفظ أستعيذ فإنه أخفى في إنشاء الطلب، على أنه اقتداء بما في الآية الأخرى ﴿ وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ﴾ [سورة المؤمنون: 97] وأبقي ما عدا ذلك من ألفاظ آية الاستعاذة على حاله.

وهذا أبدع الامتثال، فقد ورد في عمل النبي بهذا الأمر أنه كان يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يحاكي لفظ هذه الآية ولم يقل في الاستعاذة ﴿ أعوذ بك من همزات الشياطين ﴾ لأن ذلك في غير قراءة القرآن، فلذلك لم يحاكه النبي صلى الله عليه وسلم في استعاذته للقراءة.

قال ابن عَطية: لم يصح عن النبي زيادة على هذا اللفظ.

وما يروى من الزيادات لم يصحّ منه شيء.

وجاء حديث الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: " كان رسول الله إذا قام من الليل يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه الخ ".

فتلك استعاذة تعوّذ وليست الاستعاذةَ لأجل قراءة القرآن.

واسم الشيطان تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إلى شياطينهم ﴾ في سورة البقرة (14).

والرجيم } تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وحفظناها من كل شيطان رجيم ﴾ في سورة الحجر (17).

والخطاب للنبيء والمراد عمومه لأمّته بقرينة قوله تعالى: ﴿ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ﴾ .

وإنما شرعت الاستعاذة عند ابتداء القراءة إيذاناً بنفاسة القرآن ونزاهته، إذ هو نازل من العالم القدسي الملَكي، فجعل افتتاح قراءته بالتجرّد عن النقائص النفسانية التي هي من عمل الشيطان ولا استطاعة للعبد أن يدفع تلك النقائص عن نفسه إلا بأن يسأل الله تعالى أن يبعد الشيطان عنه بأن يعُوذ بالله، لأن جانب الله قدسيّ لا تسلك الشياطين إلى من يأوي إليه، فأرشد الله رسوله إلى سؤال ذلك، وضمن له أن يعيذه منه، وأن يعيذ أمّته عوذاً مناسباً، كما شرعت التسمية في الأمور ذوات البال وكما شرعت الطهارة للصلاة.

وإنما لم تشرع لذلك كلمة (باسم الله) لأن المقام مقام تخلّ عن النقائص، لا مقام استجلاب التيّمن والبركة، لأن القرآن نفسه يُمن وبركة وكمال تامّ، فالتيّمن حاصل وإنما يخشى الشيطان أن يغشى بركاتهِ فيُدخل فيها ما ينقصها، فإن قراءة القرآن عبارة مشتملة على النطق بألفاظه والتّفهّم لمعانيه وكلاهما معرّض لوسوسة الشيطان وسوسة تتعلّق بألفاظه مثل الإنساء، لأن الإنساء يضيع على القارئ ما يحتوي عليه المقدار المنسي من إرشاد، ووسوسةٌ تتعلّق بمعانيه مثل أن يخطئ فهماً أو يقلب عليه مراداً، وذلك أشد من وسوسة الإنساء.

وهذا المعنى يلائم محمل الأمر بالاستعاذة عند الشروع في القراءة.

فأما الذين حملوا تعلّق الأمر بالاستعاذة أنَها بعد الفراغ من القراءة، فقالوا لأن القارئ كان في عبادة فربما دخله عُجب أو رياء وهما من الشيطان فأمر بالتعوّذ منه للسلامة من تسويله ذلك.

ومحمل الأمر في هذه الآية عند الجمهور على النّدب لانتفاء أمارات الإيجاب، فإنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّنه.

فمن العلماء من ندبه مطلقاً في الصلاة وغيرها عند كل قراءة.

وجعل بعضُهم جميعَ قراءة الصلاة قراءة واحدة تكفي استعاذة واحدة في أوّلها، وهو قول جمهور هؤلاء.

ومنهم من جعل قراءة كل ركعة قراءة مستقلة.

ومن العلماء من جعله مندوباً للقراءة في غير الصلاة، وهو قول مالك، وكرهها في قراءة صلاة الفريضة وأباحها بلا ندب في قراءة صلاة النافلة.

ولعلّه رأى أن في الصلاة كفاية في الحفظ من الشيطان.

وقيل: الأمر للوجوب، فقيل في قراءة الصلاة خاصة ونسب إلى عطاء.

وقد أطلق القرآن على قرآن الصلاة في قوله تعالى: ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهودا ﴾ [سورة الإسراء: 78] وقال: الثوري بالوجوب في قراءة الصلاة وغيرها.

وعن ابن سيرين تجب الاستعاذة عند القراءة مرّة في العمر، وقال قوم: الوجوب خاص بالنبي والنّدب لبقية أمّته.

ومدارك هذه الأقوال ترجع إلى تأويل الفعل في قوله تعالى: قرأت } ، وتأويل الأمر في قوله تعالى: ﴿ فاستعذ ﴾ ، وتأويل القرآن مع ما حفّ بذلك من السّنة فعلاً وتركاً.

وعلى الأقوال كلها فالاستعاذة مشروعة لللشروع في القراءة أو لإرادته، وليست مشروعة عند كلّ تلفّظ بألفاظ القرآن كالنّطق بآية أو آيات من القرآن في التعليم أو الموعظة أو شبههما، خلافاً لما يفعله بعض المتحذّقين إذا ساق آية من القرآن في غير مقام القراءة أن يقول كقوله تعالى بعدَ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويسوق آية.

وجملة ﴿ إنه ليس له سلطان ﴾ الآية تعليل للأمر بالاستعاذة من الشيطان عند إرادة قراءة القرآن وبيان لصفة الاستعاذة.

فأما كونها تعليلاً فلزيادة الحثّ على الامتثال للأمر بأن الاستعاذة تمنع تسلّط الشيطان على المستعيذ لأن الله منعه من التسلّط على الذين آمنوا المتوكّلين، والاستعاذة منه شعبة من شعب التوكّل على الله لأن اللّجأ إليه توكّل عليه.

وفي الإعلام بالعلّة تنشيط للمأمور بالفعل على الامتثال إذ يصير عالماً بالحكمة وأما كونها بياناً فلما تضمّنته من ذكر التوكّل على الله ليبيّن أن الاستعاذة إعراب عن التوَكّل على الله تعالى لدفع سلطان الشيْطان ليعقد المستعيذُ نيّتَه على ذلك.

وليست الاستعاذة مجرّد قول بدون استحضار نيّة العَوذ بالله.

فجملة ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ صفة ثانية للموصول.

وقدّم المجرور على الفعل للقصر، أي لا يتوكّلون إلا على ربّهم.

وجعل فعلها مضارعاً لإفاة تجدّد التوكّل واستمراره.

فنَفي سلطان الشيطان مشروط بالأمرين: الإيمان، والتوكّل.

ومن هذا تفسير لقوله تعالى في الآية الأخرى ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ [سورة الحجر: 42].

والسّلطان: مصدر بوزن الغُفران، وهو التسلّط والتصرّف المكين.

فالمعنى أن الإيمان مبدأ أصيل لتوهين سلطان الشيطان في نفس المؤمن فإذا انضمّ إليه التوكّل على الله اندفع سلطان الشيطان عن المؤمن المتوكّل.

وجملة إنما سلطانه على الذين يتولونه} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن مضمون الجملة قبلها يثير سؤال سائل يقول: فسلطانه على من؟.

والقصر المستفاد من ﴿ إنما ﴾ قصر إضافي بقرينة المقابلة، أي دون الذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكّلون، فحصل به تأكيد جملة ﴿ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ﴾ لزيادة الاهتمام بتقرير مضمونها، فلا يفهم من القصر أنه لا سلطان له على غير هذين الفريقين وهم المؤمنون الذين أهملوا التوكّل والذين انخدعوا لبعض وسوسة الشيطان.

ومعنى ﴿ يتولونه ﴾ يتّخذونه ولياً لهم، وهم الملازمون للمِلل المؤسّسة على ما يخالف الهدي الإلهي عن رغْبة فيها وابتهاج بها.

ولا شكّ أن الذين يتولّونه فريق غير المشركين لأن العطف يقتضي بظاهره المغايرة، وهم أصناف كثيرة من أهل الكتاب.

وإعادة اسم الموصول في قوله: ﴿ والذين هم به مشركون ﴾ لأن ولايتهم للشيطان أقوى.

وعبّر بالمضارع للدّلالة على تجدّد التولّي، أي الذين يجدّدون تولّيه، للتّنبيه على أنهم كلما تولّوه بالميل إلى طاعته تمكّن منهم سلطانه، وأنه إذا انقطع التولّي بالإقلاع أو بالتوبة انسلخ سلطانه عليهم.

وإنما عطف ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ دون إعادة اسم الموصول للإشارة إلى أن الوصفين كصلة واحدة لموصول واحد لأن المقصود اجتماع الصّلتين.

والباء في ﴿ به مشركون ﴾ للسببية، والضمير المجرور عائد إلى الشيطان، أي صاروا مشركين بسببه.

وليست هي كالباء في قوله تعالى: ﴿ وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ﴾ [سورة الأعراف: 33].

وجعلت الصّلة جملة اسمية لدلالتها على الدّوام والثّبات، لأن الإشراك صفة مستمرّة لأن قرارها القلب، بخلاف المعاصي لأن مظاهرها الجوارح، للإشارة إلى أن سلطان الشيطان على المشركين أشدّ وأدوم لأن سببه ثابت ودائم.

وتقديم المجرور في به مشركون } لإفادة الحصر، أي ما أشركوا إلا بسببه، ردّاً عليهم إذ يقولون ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ﴾ [سورة الأنعام: 148] وقولهم: ﴿ لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ﴾ [سورة النحل: 35] وقولهم: ﴿ وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ﴾ [سورة الأعراف: 28].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَإذا أرَدْتَ قِراءَةَ القُرْآنِ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ تَعالى، قالَهُ الزَّجّاجُ.

الثّانِي: فَإذا كُنْتَ قارِئًا فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مِنَ المُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْناهُ مُقَدَّمٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَإذا اسْتَعَذْتَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فاقْرَأِ القُرْآنَ.

والِاسْتِعاذَةُ هي اسْتِدْفاعُ الأذى بِالأعْلى مِن وجْهِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ، والمَعْنى: فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ عِنْدَ قِراءَتِكَ لِتَسْلَمَ في التِّلاوَةِ مِنَ الزَّلَلِ، وفي التَّأْوِيلِ مِنَ الخَطَأِ.

وَقَدْ ذَكَرْنا في صَدْرِ الكِتابِ مَعْنى الرَّجِيمِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى أنْ يَحْمِلَهم عَلى ذَنْبٍ لا يُغْفَرُ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّانِي: لَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ عَلى ما يَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ المَعاصِي، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ لِاسْتِعاذَتِهِمْ بِاللَّهِ مِنهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ  ﴾ .

الرّابِعُ: أنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ بِحالٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَفَ سُلْطانَهُ عَنْهم حِينَ قالَ عَدُوُّ اللَّهِ إبْلِيسُ: ﴿ وَلأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ  ﴾ فَقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ  ﴾ وفي مَعْنى السُّلْطانِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحُجَّةُ، ومِنهُ سُمِّيَ الوالِي سُلْطانًا لِأنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ تَعالى في الأرْضِ.

الثّانِي: أنَّها القُدْرَةُ، مَأْخُوذٌ مِنَ السُّلْطَةِ، وكَذَلِكَ سُمِّيَ السُّلْطانُ سُلْطانًا لِقُدْرَتِهِ.

﴿ إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ يَعْنِي يَتَّبِعُونَهُ.

﴿ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: والَّذِينَ هم بِاللَّهِ مُشْرِكُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: والَّذِينَ أشْرَكُوا الشَّيْطانَ في أعْمالِهِمْ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الثّالِثُ: والَّذِينَ هم لِأجْلِ الشَّيْطانِ وطاعَتِهِ مُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ﴾ قال: هذا دليل من الله دل عليه عباده.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر، عن عطاء قال: الاستعاذة واجبة لكل قراءة في الصلاة أو غيرها، من أجل قوله: ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في سننه، عن جبير بن مطعم: «أن النبي لما دخل في الصلاة كبر ثم قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنه، أنه كان يتعوذ يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

وأخرج أبو داود والبيهقي، عن أبي سعيد قال: «كان رسول الله إذا قام من الليل فاستفتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله إلا غيرك، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» .

وأخرج أبو داود والبيهقي، عن عائشة رضي الله عنها في ذكر الإفك قالت: «جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكشف عن وجهه وقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ﴿ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم...

﴾ [ النور: 11] الآيات» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ الآية.

قال الزجاج وجميع أصحاب المعاني: معناه: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ (١) (٢) ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ  ﴾ ، وبينا حكم (إذا) في وقوع (ما) بعدها مستقبلًا في أوائل سورة البقرة وإجماع الفقهاء أن الاستعاذة تكون قبل القراءة (٣) وبه وردت الأخبار [[منها: ما رواه أبو سعيد الخدري -  - قال: كان رسول الله -  - إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر ثم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، == ولا إله غيرك"، ثم يقول: "الله أكبر كبيرا"، ثم يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه" ثم يقرأ.

وقد أخرجه أبو داود (775) كتاب: الصلاة، باب: من رأى الاستفتاح بسبحانك، والترمذي (242) كتاب: أبواب الصلاة، باب: ما يقول عند افتتاح الصلاة، [قال عمر -  -: همزه الموتة؛ وهي الجنون، نفخه: الكبر، نفثه: الشعر.

"تفسير البغوي" 5/ 42].]]، وذهب أبو هريرة -  - إلى أن الاستعاذة بعد القراءة، وهو مذهب مالك (٤) (٥) (٦) (٧) (١) بعض الكلمات هنا ساقطة من (أ)، (د).

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 218، بتصرف يسير، وورد بنحوه في "تفسير الطبري" 14/ 173، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 105، و"تفسير الجصاص" 2/ 191، == والسمرقندي 2/ 250، والثعلبي 2/ 163أ، و"تفسير الماوردي" 3/ 212، والطوسي 6/ 424، وانظر: "تفسير الكيالهراسي" 4/ 175، والبغوي 2/ 42، والزمخشري 2/ 343، وابن عطية 8/ 507، وابن الجوزي 4/ 489، والفخر الرازي 20/ 114، و"تفسير القرطبي" 10/ 175.

(٣) في دعوى الإجماع نظر، وقد خالفه بعض السلف وكبار الفقهاء -وإن كان استدلالهم ضعيفًا أو مشكوكًا في نسبته إليهم-، قال الثعلبي: اختلف الفقهاء في وقت الاستعاذة؛ فقال أكثرهم: قبل القراءة، وهذا قول الجمهور، وهو الصحيح المشهور، وقال أبو هريرة -  -: يتعوذ بعد القراءة، وإليه ذهب داود، وقال مالك يتعوذ بعد القراءة، واحتجوا بظاهر الآية، وقال الكيالهراسي: ونُقل عن بعض السلف التعوذ بعد القراءة مطلقًا، احتجاجًا بالآية، وقال النووي: وأما محله فقال الجمهور هو قبل القراءة، وقال أبو هريرة وابن سيرين والنخعي: يتَعوذ بعد القراءة، وكان أبو هريرة يتعوذ بعد فراغ الفاتحة لظاهر الآية، وقال الجمهور معناه: إذا أردت القراءة فاستعذ، وهو اللائق السابق إلى الفهم، وقال القرطبي: رُوي عن أبي هريرة أن الاستعاذة بعد القراءة، وقاله داود، وقال ابن كثير: حُكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني أنها تكون بعد التلاوة، واحتجا بهذه الآية، وأبهم ابنُ العربي القائلين ووصفهم وصفًا قاسيًا لا يليق بهم، قال: انتهى العِيُّ بقوم إلى أن قالوا: إن القارئ إذا فرغ من قراءة القرآن حينئذ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فهذه الأقوال تجعل دعوى الإجماع غير صحيحة، بل الصحيح أنه قول الأكثر والجمهور؛ كما نص الثعلبي والنووي.

انظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 163أ، و"الكيالهراسي" 4/ 175، و"ابن العربي" 3/ 1175، والفخر الرازي 20/ 114، و"تفسير القرطبي" 1/ 88، و"المجموع" 3/ 325، و"تفسير ابن كثير" 1/ 14 - 17، 2/ 645.

(٤) وقد استغرب ابن العربي نسبة هذا القول إلى مالك، وقال هذه دعوى عريضة لا تُشْبِهُ أصولَ مالك ولا فهمه، والله أعلم بسرِّ هذه الرواية.

انظر: "تفسير ابن العربي" 3/ 1176.

(٥) داود بن علي بن خلف الأصبهاني، أبو سليمان، فقيه حافظ، أحد الأئمة المجتهدين في الإسلام، وإليه ينسب المذهب الظاهري، وكان فاضلاً صدوقًا ورعًا، سمع من إسحاق بن راهويه ومسدد بن مسرْهَد، وعنه: ابنه محمد ويوسف ابن يعقوب، من مصنفاته: "الإفصاح"، "الأصول"، ولد بالكوفة سنة (202 هـ) وسكن بغداد، ومات سنة (270 هـ).

انظر: "الفهرست" ص 299، و"الأنساب" للسمعاني 4/ 99، و"وفيات الأعيان" 2/ 255، و"تذكرة الحفاظ" 2/ 573.

(٦) لا شك أن ظاهر الآية يقتضي ذلك، ولكنه مدفوع ومفسرٌ بفعل النبي -  - يقول الجصاص: يقتضي ظاهره أن تكون الاستعاذة بعد القراءة، ولكنه قد ثبت عن النبي -  - وعن السلف الاستعاذة قبل القراءة، وقد جرت العادة بإطلاق مثله.

انظر: "تفسير الجصاص" 2/ 191، و"المحلى" 3/ 350، و"تفسير الكيالهراسي" 4/ 175، ومن توجيهات القائلين بهذا القول، أن الاستعاذة بعد القراءة هي لوقاية العمل من الحبوط، إذ ربما أورث حسن القراءة العجب في نفس القارئ، والعجب من الشيطان، فكان من المناسب أن يؤمر بالاستعاذة منه.

انظر: "تفسير ابن كثير" 4/ 14 - 47.

(٧) عبارته هذه قاسية، ولا يليق وصف الصحابة وأئِمة الأمة بالجهل.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياوة طَيِّبَةً ﴾ يعني في الدنيا، قال ابن عباس: هي الرزق الحلال، وقيل: هي القناعة، وقيل: هي حياة الآخرة ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن فاستعذ بالله ﴾ ظاهراللفظ أن يستعاذ بعد القراءة، لأن الفاء تقتضي الترتيب، وقد شذ قوم فأخذوا بذلك، وجمهور الأمة على أن الاستعاذة قبل القراءة، وتأويل الآية: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سلطان على الذين آمَنُواْ ﴾ أي ليس له عليهم سبيل ولا يقدر على إضلالهم ﴿ إِنَّمَا سلطانه على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ أي يتخذونه ولياً ﴿ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ الضمير لإبليس، والباء سببية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولنجزين ﴾ بالنون: ابن كثير وعاصم ويزيد وعباس والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون بالياء.

﴿ قرأت القرآن ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .

الوقوف: ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ ه ﴿ من دونك ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لكاذبون ﴾ ه ج للعطف مع أنه رأس آية ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ يفسدون ﴾ ه ﴿ على هؤلاء ﴾ ط لواو الاستئناف ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ والبغي ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ تذكرون ﴾ ه ط ﴿ كفيلاً ﴾ ه ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ أنكاثاً ﴾ ط بناء على أن التقدير أتتخذون ﴿ من أمة ﴾ ط ﴿ به ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ باق ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ طيبة ﴾ ج للعدول عن الوحدان إلى الجمع مع أنهما ضميراً من ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ مشركون ﴾ ه.

التفسير: لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وأن أكثرهم كافرون أتبعه أصناف وعيد يوم القيامة والتقدير ﴿ و ﴾ اذكر ﴿ يوم نبعث من كل أمة شهيداً ﴾ أو يوم وقعوا فيما وقعوا فيه.

وشهيد كل أمة نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق والكفر والتكذيب ﴿ ثم لا يؤذن للذين كفروا ﴾ أي في الاعتذار إذ لا حجة لهم ولا عذر، أو في كثرة الكلام، أو في الرجوع إلى دار الدنيا، أو إلى التكليف ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله  ، أو المراد أن يسكت أهل الجمع كلهم حتى يشهد الشهود.

﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ لأن العتاب إنما بطلب لأجل العود إلى الرضا، فإذا كان على عزم السخط فلا فائدة في العتاب فلهذا قيل: إذا ذهب العتاب فليس ود *** ويبقى الود ما بقي العتاب وقال في الكشاف: أي لا يقال لهم أرضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل.

ومعنى "ثم" أن المنع من الكلام أصعب من شهادة الأنبياء عليهم.

﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ وهم المشركون ﴿ العذاب ﴾ بعينهم وثقل عليهم ﴿ فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ﴾ ليتوبوا فإن التوبة هناك غير موجودة أو غير مقبولة وفيه أنت عذابهم خالص عن النفع دائم كما يقوله المتكلمون.

﴿ وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ﴾ وهي الأصنام أو الشياطين الذين دعوا الكفار إلى الكفر وكانوا قرناءهم في الغي.

قاله الحسن.

﴿ قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا ﴾ أي نعبدهم من دونك.

قال أبو مسلم الأصبهاني: مقصود المشركين إحالة هذا الذنب على تلك الأصنام ظناً منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله أو ينقص منه، وزيفه القاضي بأن الكفار يعلمون في الآخرة علماً ضرورياً أن العذاب ينزل بهم ولا نصرة ولا شفاعة فما الفائدة في هذا القول؟

والإنصاف أن الغريق يتعلق بكل شيء والمبهوت قد يقول ما لا فائدة فيه، على أن العلم الضروري الذي ادعاه القاضي ممنوع.

وقيل: إن المشركين يقولون هذا الكلام تعجباً من حضور تلك الأصنام مع أنه لا ذنب لها واعترافاً بأنهم كانوا خاطئين في عبادتها.

﴿ فألقوا إليهم القول ﴾ أي قال الأصنام أو الشياطين للكفار ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ فإن قيل: إن المشركين أشاروا إلى الأصنام أن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوهم من دونك وقد كانوا صادقين في ذلك فكيف كذبتهم الأصنام؟

فالجواب أن المراد من قولهم: ﴿ هؤلاء شركاؤنا ﴾ هؤلاء شركاء الله في المعبودية فكذبتهم الأصنام في إثبات هذه الشركة وفي قولهم إنها تستحق العبادة.

قال جار الله: إن أراد بالشركاء الشياطين جاز أن يكونوا كاذبين في قوله: ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ كما يقول الشيطان { ﴿ إني كفرت بما أشركتموني من قبل  ﴾ .

﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ عن الكلبي: استسلم العابد والمعبود وأقروا لله الربوبية والبراءة من الشركاء والأنداد.

وقال آخرون: الضمير اللذين ظلموا.

وإلقاء السلم والاستسلام لأمر الله بعد الإباء في الدنيا ﴿ وضل ﴾ أي غاب ﴿ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ من أن لله شريكاً أو أن آلهتهم تشفع لهم حين كذبوهم وتبرأوا منهم.

﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ قيل: معناه الصد عن المسجد الحرام والأصح العموم ﴿ زدناهم عذاباً ﴾ لأجل الإضلال.

﴿ فوق العذاب ﴾ الذي استحقوه للضلال.

وأيضاً عذاب الاستنان "من سن سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها".

ومن المفسرين من فصل تلك الزيادة؛ فعن ابن عباس: هي خمسة أنهار من نار تسيل من تحت العرش يعذبون بها، ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار.

وقيل: حيات أمثال البخت وعقارب أشباه البغال أنيابها كالنخل الطوال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفاً.

وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار.

ثم علل زيادة عذابهم بكونهم مفسدين أمور الناس بالصد والإضلال فيعلم منه أن من دعا إلى الدين القويم باليد واللسان فإنه يزيده الله  أجراً على أجر.

ثم أعاد حكاية بعث الشهداء لما نيط بها من زيادة فائدتين: إحداهما كون الشهداء من أنفسهم لأن كل نبي فهو من جنس أمته، والأخرى أن الشيهد يكون وقتئذ في الأمة لا مفارقاً إياهم.

وفسر الأصم الشهيد في هذه الآية بأنه  ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى تشهد عليه وهن: الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان.

ولهذا ذكر لفظة "في" ووصف الشيهد بكونه من أنفسهم.

ثم شرف نبينا  بقوله: ﴿ وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ﴾ أي على أمتك..

ولا ريب أن في تخصيصه بعد التعميم دلالة على فضله نظيره قوله في سورة النساء: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي.

الأمة عبارة عن القرن والجماعة فيعلم من الآية أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم ويكونون شهداء على غيرهم وهم أهل الحل والعقد فيكون إجماعهم حجة.

ولقائل أن يقول: الأمة في الآية هي الجماعة الذين بعث النبي إليهم وإلى من سيوجد منهم إلى آخر زمان دينه، فيكون نبي تلك الأمة وحده شهيداً عليهم.

ولا دلالة للآية إلا على هذا القدر فمن أين حل لك أن إجماع أهل الحل والعقد في كل عصر حجة؟

ثم بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا فيه فلا حجة لهم ولا معذرة فقال: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ أي بياناً له والتاء للمبالغة ونظيره من المصادر "التلقاء" ولم يأت غيرهما وقد مر في "الأعراف".

قال الفقهاء.

إنما كان القرآن بيان جميع الأحكام لأن الأحكام المستنبطة من السنة والإجماع والقياس والاجتهاد كلها تستند إلى الكتاب حيث أمر فيه باتباع رسول الله  وطاعته، وورد فيه: ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين  ﴾ وجاء ﴿ فاعتبروا  ﴾ .

وقال آخرون: إن علم أصول الدين كلها في القرآن.

وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد به نص القرآن فإذن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، والقياس ضائع ولعل التبيان إنما هو للعلماء خاصة، والهدى لجميع الخلق في أوّل أحوالهم، والرحمة في وسطها وهو مدة العمر بعد الإسلام، والبشرى في أوان الأجل كما قال  : ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله  ﴾ إلى قوله: ﴿ وأبشروا  ﴾ والله أعلم بمراده.

وِلما ذكر أن في القرآن تبيان كل شيء ذكر عقيبه آية جامعة لأصول التكاليف كلها تصديقاً لذلك فقال: ﴿ أن الله يأمر ﴾ الآية، عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون الجمحي قال: ما أسلمت أوّلاً إلا حياء من رسول الله  ولم يتقرر الإسلام في قلبي.

فحضرته ذات يوم فبينا هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء ثم خفضه عن يمينه ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال: بينا أنا أحدثك إذا جبرائيل  نزل عن يميني فقال: يا محمد ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ الآية.

قال عثمان: فمن وقته استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً  .

وعن ابن مسعود: هي أجمع آية في القرآن.

وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان في الجاهلية يعمل ويستحسن إلا أمر الله  به في هذه الآية، وليس من خلق سيء إلا وقد نهى الله  عنه فيها.

قال المفسرون: العدل هو أداء الفرائض.

وعن ابن عباس: هو قول لا إله إلا الله ﴿ والإحسان ﴾ هو الإتيان بالمندوبات والمستحسنات شرعاً وعرفاً وأقربها صلة الرحم بالمال فلذلك أفردها بالذكر بقوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ والفحشاء هي الأمور المتزايدة في القبح فلذلك أفردها بالذكر وهي الكبائر.

وقد يخص بالزنا أو بالبخل والمنكر ما تنكره العقول ولا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي هو الاستطالة.

قال جار الله: حين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين علي  وعلى نبينا الصلاة والسلام أقيمت هذه الآية مقامها.

واعلم أن العدل عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وأنه واجب الرعاية في جميع الأشياء ولنذكر له أمثلة: أما في الاعتقادات فالقول بنفي الإله تعطيل محض، وإثبات أكثر من إله واحد تشريك وتعجيز، والعدل هو قول: "لا إله إلا الله".

كما نقل عن ابن عباس، هذا ما اتفق عليه أرباب المذاهب.

ثم إن الأشعري يقول: القول بنفي الصفات عنه  تعطيل، والقول بإثبات المكان والأعضاء تشبيه، والعدل إثبات صفات الكمال من الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام ونفي غيرها.

وبوجه آخر.

نفي الصفات تعطيل، وإثبات الصفات الحادثة تشبيه، العدل إثبات صفات أزلية قديمة غير متغيرة.

وأيضاً القول بأن العبد لا قدرة له أصلاً جبر محض، والقول بأنه مستقل في التصرف قدر محض وتفويض، والعدل أمر بين الأمرين وهو أن العبد يفعل الأفعال ولكن بواسطة قدرة وداعية يخلقها الله  فيه.

وأيضاً القول بأن الله لا يؤاخذ عبده بشيء من الذنوب مساهلة عظيمة، والقول بأنه يخلد في النار عبده العارف به بالمعصية الواحدة تشديد عظيم، والعدل أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان.

والمعتزلي يقول: العدل في هذه الأصول بنوع آخر وقد مر مراراً.

وأما رعاية العدل فيما يتعلق بأفعال الجوارح فإن قوماً من نفاة التكليف يقولون: لا يجب على العبد الاشتغال بشيء من الطاعات ولا الاحتراز عن شيء من المعاصي.

وقال: قوم من الهند وطائفة من المانوية: يجب على الإنسان أن يجتنب عن أكل الطيبات ويبالغ في تعذيب نفسه، وأن يحترز عن كل ما يميل الطبع إليه حتى التزوّج، والأولى بالمرء أن يختصي فهذان الطريقان مذمومان والوسط هو ما جاء به محمد  لأن التشديد غالب في دين موسى فليس في شرعه على القاتل إلا القصاص ويحرم مخالطة الحائض، والتساهل في دين عيسى غالب فلا قصاص على القاتل ولا يحرم وطء الحائض، والعدل ما حكم به شرعنا من جواز العفو وأخذ الدية وحرمة وطاء الحائض دون مخالطتها، ولذلك قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ ، وقال: ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً  ﴾ ولما بالغ رسول الله  في العبادات قيل له: ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى  ﴾ ولما أخذ قوم في المساهلة نزل: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\] والمراد رعاية الوسط في كل الأمور وقد ورد في شرعنا الختان فقال بعض العقلاء: الحكمة فيه أن رأس ذلك العضو جسم شديد الحس فإذا قطعت تلك الجلدة بقي رأسه عارياً فيصلب بكثرة ملاقاة الثياب وغيرها فيضعف حسه ويقل شعوره فتقل لذة الوقاع فتقل الرغبة فيه.

فالاختصاء وقطع الآلات كما ذهب إليه المانوية مذموم، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة مذموم، والوسط العدل هو الختان.

هذا ما قيل.

وعندي أن الحكمة في الختان بعد التعبد هو التنظيف وسهولة غسل الحشفة وإلا فلعل اللذة بعد الختان أكثر لملاقاة الحاس والمحسوس بلا حائل.

ومن الكلمات المشهورة قولهم: "بالعدل قامت السموات والأرضون".

ومعناه أن مقادير العناصر لو لم تكن معادلة مكافية بحسب الكمية والكيفية لا ستولى الغالب على المغلوب وتنقلب الطبائع كلها إلى طبيعة الجرم الغالب، ولو كان بعد الشمس من الأرض أقل مما هو الآن لاحتراق كل ما في هذا العالم، وإن كان أكثر استولى البرد والجمود، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وإبطائها فإن كلاً منها مقدر على ما يليق بنظام العالم وقوامه وقيامه.

فهذه إشارة مختصرة إلى تحقيق العدل.

وأما الإحسان فهو المبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية ومن هنا قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" فكأن المبالغ المخلص في أداء الطاعات يوصل الفعل الحسن إلى نفسه وبالحقيقة يدخل في الإحسان أنواع التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وأشرف أنواع الإشفاق صلة الرحم بالمال فلا جرم أفرد بالذكر كما مر.

ثم إنه تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعاً: الشهوية البهيمية والغضبية السبعية والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية.

وهذه الأخيرة لا تحتاج إلى التهذيب لأنها من نتائج الأرواح القدسية، وأما الثلاث الأول فتحتاج إلى التأديب والتهذيب بمقتضى الشريعة وقانون العقل والطريقة.

والنهي عن الفحشاء عبارة عن المنع من تحصيل اللذات الشهوية الخارجة عن إذن الشريعة، والنهي عن المنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة الغضبية من إيذاء الناس وإيصال الشر إليهم من غير ما استحقاق، والنهي عن البغي إشارة إلى المنع من إفراط القوة الوهمية كالاستعلاء على الناس والترفع وحب الرياسة والتقدم ممن ليس أهلاً لذلك، واخس هذه المراتب عند العقلاء القوة الشهوانية، وأوسطها الغضبية، وأعلاها الوهمية فلهذا بدأ  بالفحشاء ثم بالمنكر ثم بالبغي، ولأن أصول الأخلاق والتكاليف كلها مذكورة في الآية لا جرم ختمها بقوله: ﴿ يعظكم لعلكم تذكرون ﴾ لأنها كافية في باب العظة والتذكر والارتقاء من حضيض عالم البشرية إلى ذروة عالم الأرواح المقدسة.

قال الكعبي: في الآية دلالة على أنه  لا يخلق الجور والفحشاء وإلا فكيف ينهاهم عما يخلقها فيهم؟

وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

واعلم أنه لا يلزم من إرادة الله تذكر العبد - والتذكر من فعل الله بالاتفاق لا من فعل العبد - أن يطلب الله منه التذكر فإن طلب ما ليس في وسعه محال.

فمعنى ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ إرادة أن تكونوا على حالة التذكر لا إرادة أن تحصلوا التذكر.

ثم خص من جملة المأمورات الوفاء بالعهد فقال: ﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ خصصه جار الله بالبيعة لرسول الله  لقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ .

وقال الأصم: المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق الشرائع.

وقيل: هو اليمين والأصح العموم وهو كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره بدليل قوله: ﴿ إذا عاهدتم ﴾ وقوله من قال: العهد هو اليمين يلزم منه أن يكون قوله  : ﴿ ولا تنقضوا الأَيمان بعد توكيدها ﴾ أي بعد توثيقها باسم الله تكراراً.

وأكد ووكد لغتان فصيحتان.

قال الزجاج: الأصل الواو والهمزة بدل.

وفي الآية دلالة على الفرق بين الأيمان المؤكدة وبين لغو اليمين كقولهم "لا والله" و "بلى والله".

وأيضاً الآية من العمومات التي دخلها التخصيص لما روي أنه  قال: "من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر" .

وقد مر بحث الأيمان في "البقرة" وفي "المائدة" في قوله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم  ﴾ الآية.

﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ أي شاهداً ورقيباً لأن الكفيل مراع لحال المكفول به.

﴿ إن الله يعلم ما تفعلون ﴾ فيجازيكم بحسب ذلك خيراً وشراً.

وفيه ترغيب وترهيب.

ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض بقوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة ﴾ أي من بعد قوّة الغزل بإمرارها وفتلها.

قال الزجاج: انتصب ﴿ أنكاثاً ﴾ على المصدر لأن معنى نقضت نكثت.

وزيف بأن ﴿ أنكاثاً ﴾ ليس مصدراً وإنما هو جمع نكث بكسر النون وهو ما ينكث فتله.

وقال الواحدي: هو مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعاً وفرقه أجزاء أي جعله أقطاعاً وأجزاء فكذا ههنا أي جعلت غزلها أنكاثاً.

قلت: ويحتمل أن يكون حالاً مؤكدة.

قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها والتقدير: وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلاً وأحكمته ثم جعلته أنكاثاً.

فعلى هذا المشبه به امرأة غير معينة، ولا حاجة في التشبيه إلى أن يكون للمشبه به وجود في الخارج.

وقيل: المراد امرأة معينة من قريش ريطة بنت سعد بن تيم وكانت خرقاء، اتخذت مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وهي الحديدة في رأس المغزل وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن.

قال جار الله: ﴿ تتخذون ﴾ حال و ﴿ دخلاً ﴾ مفعول ثان لتتخذ أي لا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلاً بينكم أي مفسدة ودغلاً.

وقال الواحدي: أي غشاً وخيانة.

وقال الجوهري: أي مكراً وخديعة.

وقال غيره: الدخل ما أدخل في الشيء على فساد.

وقوله: ﴿ أن تكون ﴾ أي لأن تكون ﴿ أمة ﴾ يعني جماعة قريش هي أربى أزيد وأوفر عدداً ومالاً ﴿ من أمة ﴾ هي جماعة المؤمنين.

قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون الذين هم أعز وأمنع.

﴿ إنما يبلوكم الله به ﴾ أي بما يأمركم وينهاكم.

وقد تقدم ذكر الأمر والنهي.

وقال جار الله: الضمير لقوله: ﴿ أن تكون ﴾ لأنه في معنى المصدر أي يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء مع قلة المؤمنين وفقرهم أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم.

ثم حذرهم من مخالفة ملة الإسلام وأنذرهم بقوله: ﴿ وليبينن لكم يوم القيامة ﴾ بإظهار الدرجات والكرامات للأولياء وتعيين الدركات والبليات للأشقياء.

﴿ ما كنتم فيه تختلفون ﴾ حيث تدعون أنكم على الحق والمؤمنون على الباطل فتنقضون عهودهم.

ثم بين أنه  قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء وسائر أبواب الإيمان ولكنه بحكم الإلهية ﴿ يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ والمعتزلة حملوا المشيئة على مشيئة الإلجاء بدليل قوله: ﴿ ولتسئلن عما كنتم تعملون ﴾ ولو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عبثاً.

أجابت الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل.

روى الواحدي أن عزيراً قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء.

فقال: يا عزير أعرض عن هذا فأعاده ثانياً فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوّة.

قال المفسرون: لما نهاهم عن نقض مطلق الأيمان أراد أن ينهاهم عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليهاوهو نقض بيعة رسول الله  ، والدليل على هذا التخصيص قوله: ﴿ فتزلَّ قدم بعد ثبوتها ﴾ لأن هذا الوعيد لا يليق بنقض عهد قبيله وإنما يليق بنقض عهد النبي  .

قال جار الله: وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه فكيف بأقدام كثيرة.

وهذا مثل يضرب لمن وقع في بلاء بعد عافية، ولا ريب أن من نقض عهد الإسلام وزلت قدمه عن محجة الدين القويم فقد سقط من الدرجات العالية إلى الدركات الهاوية بيانه قوله: ﴿ وتذوقوا السوء ﴾ في الدنيا ﴿ بما صددتم ﴾ بصدودكم أو بصدكم غيركم ﴿ عن سبيل الله ﴾ لأن المرتد قد يقتدي به غيره.

﴿ ولكم عذاب عظيم ﴾ في الآخرة.

ويحتمل أن يراد أن ذلك السوء الذي تذوقونه هو عذاب عظيم.

قال جار الله: كان قوم أسلموا بمكة ثم زين لهم الشيطان نقض البيعة لكونهم مستضعفين هناك فأوعدهم الله على ذلك، ثم نهاهم عن الميل إلى ما كان يعدهم قريش من عرض الدنيا إن رجعوا عن الإسلام فقال: ﴿ ولا تشتروا ﴾ الآية.

ثم ذكر دليلاً قاطعاً على أن ما عند الله خير فقال: ﴿ ما عندكم ينفد وما عند الله ﴾ من خزائن رحمته ﴿ باق ﴾ وفيه دليل على أن نعيم الجنة باقٍ لأهلها لا ينقطع.

وقال جهم بن صفوان: إنه منقطع والآية حجة عليه ﴿ ولنجزين الذين صبروا ﴾ على ما التزموه من شرائع الإسلام ﴿ أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ أي بالواجبات والمندوبات لا بالمباحات فإنه لا ثواب على فعلها ولا عقاب، أو نجزيهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم كقوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ .

ثم عمم الوعد على أي عمل صالح كان فقال: ﴿ من عمل صالحاً ﴾ ولا كلام في عمومه إلا أنه زاد قوله: ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ تأكيداً وإزالة لوهم التخصيص، والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم.

ثم جعل الإيمان شرطاً في كون العمل الصالح منتجاً للثواب حيث قال: ﴿ وهو مؤمن ﴾ فاستدل به على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح فإن شرط الشيء مغاير لذلك الشيء.

واختلف في الحياة الطيبة فقيل: هي في الجنة.

عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة، لأن الإنسان في الدنيا لا يخلو من مشقة وأذية ومكروه لقوله  : ﴿ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه  ﴾ بيّن أن هذا الكدح - وهو التعب في العمل - باقٍ إلى أن يصل إلى ربه، وأما بعد ذلك فحياة بلا موت وغنى بلا فقر وصحة بلا مرض وملك بلا زوال وسعادة بلا انتقال.

وقال السدي: إن هذه الحياة في القبر.

والأكثرون على أنها في الدنيا لقوله بعد ذلك ﴿ ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كان يعملون ﴾ وعلى هذا فما سبب طيب الحياة قيل: هو الرزق الحلال.

وقيل: عبادة الله مع أكل الحلال.

وقيل: القناعة أو رزق يوم كان النبي  يدعو: "اللَّهم اجعل رزق آل محمد كفافاً" .

قال المحققون: وهذا هو المختار لأن المؤمن الذي صلح عمله إن كان موسراً فذاك، وإن كان معسراً فمعه من القنوع والعفة والرضا بالقضاء ما يطيب عيشه.

لأنه الكافر والفاجر فإن الحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه أبداً ويعظم أسفه على ما يفوته لأنه عانق الدنيا معانقة العاشق لمعشوقه، بخلاف المؤمن المنشرح قلبه بنور المعرفة والجمال فإنه قلما ينزع لحب الدنيا مالها وجاهها ويستوي عنده وجودها وفقدها وخيرها وشرها ونفعها وضرها.

وبركة الصلاح والقنوع مما لا ينكرها عاقل اللَّهم اجعلنا من أهلها.

ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن العلم الصالح إنما يفيد الأثر المخصوص بشرط الإيمان وظاهر قوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ﴾ يدل على أن العمل الخير مطلقاً يفيد أثراً مطلقاً فلا منافاة بينهما.

ثم ذكر الاستعاذة التي هي من جملة الأعمال الصالحة وبها تخلص الأعمال عن الوساوس فقال: ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ أي أردت قراءته إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

وقد مر بحث الاستعاذة مستوفى في أول هذا الكتاب.

﴿ إنه ليس له سلطان ﴾ تسلط وولاية ﴿ على الذين آمنوا على ربهم يتوكلون ﴾ وهذا معنى الاستعاذة.

فإن معناها بالحقيقة راجع إلى التبري عما سوى الله والتوجه بالكلية إليه والاعتماد في جميع الأمور عليه.

﴿ إنما سلطانه على الذين يتولونه ﴾ عن ابن عباس: أي يطيعونه.

يقال: توليته أي أطعته.

وتوليت عنه أي أعرضت عنه.

أما الضمير الواحد في قوله: ﴿ والذين هم به مشركون ﴾ فقيل: راجع إلى الرب.

وقيل: إلى الشيطان أي بسببه.

التأويل: ﴿ ويوم نبعث ﴾ فيه إشارة إلى أن لأرواح الأنبياء إشرافاً على أممهم في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وفيه أن الدينا مزرعة الآخرة فلا يقبل في القيامة اعتذار ﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ أي وضعوا الكفر وأعمال الطبيعة موضع الإيمان وأعمال الشريعة ﴿ فلا يخفف ﴾ عن أرواحهم أثقال الأخلاق المذمية ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ لتبديل مذمومها بمحمودها ﴿ وإذا رأى الذين أشركوا ﴾ وهم عبدة الدنيا والهوى ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ في أنا دعوناكم إلى عبادتنا فإنا كنا مشغولين بتسبيح الله  وطاعته ﴿ وصدوا عن سبيل الله ﴾ منعوا الأرواح والقلوب عن طلب الله ﴿ زدناهم ﴾ عذاب الحرمان عن الكمال فوق خسران النسيان بإفساد الاستعداد الفطري.

﴿ وجئنا بك شهيداً ﴾ لأن روحه شاهد على جميع الأرواح والقلوب والنفوس لقوله: "أول ما خلق الله روحي" ﴿ تبياناً لكل شيء ﴾ يحتاج إليه السالك في أثناء سلوكه ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ وهو وضع الآلات وأسباب تحصيل الكمال في مواضعها بحيث يؤدي إلى مقام الوصال والكمال ﴿ والإحسان ﴾ وهو أن تحسن إلى الخلق بما أعطاك الله كقوله: ﴿ وأحسن كما أحسن الله إليك  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ إشارة إلى أن من جملة العدالة رعاية حال الأقرب فالأقرب.

فيبدأ بتكميل نفسه ثم بما هو أقرب إليه قرباً معنوياً لا صورياً ﴿ وينهى عن الفحشاء ﴾ وهو صرف ما آتاه الله في غير مصرفها ﴿ والمنكر ﴾ وهو ضد المعروف وهو أن لا يحسن إلى غيره ﴿ والبغي ﴾ وهو أن لا يراعي الترتيب المذكور في باب الإرشاد والتكميل.

﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ يوم الميثاق.

﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ بجزاء وفائكم ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ فيه إشارة إلى حال المريد المرتد ﴿ أن تكون أمة ﴾ هي أهل الدنيا في الدنيا أعلى حالاً من أمتهم أهل الآخرة.

﴿ ولا تتخذا أيمانكم ﴾ عهودكم مع المشايخ شبكة تصطادون بها الدنيا.

وقبول الخلق فتزل أقدامكم عن صراط الطلب ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ هما القلب والنفس.

والعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة والطريقة، ومن القلب التوجه إلى الله بالكلية، والحياة الطيبة للنفس أن تصير مطمئنة مستعدة لقبول فيض ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ وللقلب أن يصير فانياً عن أنانيته باقياً بشهود الحق وجماله، وحينئذ يطيب عن دنس الاثنينية ولوث الحدوث.

﴿ فاستعذ بالله ﴾ الخطاب للنبي  وآله ظاهراً وبالحقيقة هو لأمته، لأن شيطانه أسلم على يده فلم يحتج إلا الاستعاذة من شياطنه بل هو وخواص أمته كقوله: ﴿ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا  ﴾ وفيه أن الشيطان ليس له تسلط على أولياء الله إلا بالوسوسة، وفيها صلاح المؤمن فإن إبريز إخلاص قلبه لا يتخلص عن غش صفات نفسه إلا بنار الوسوسة، لأن المؤمن يطلع على بقايا صفات نفسه.

بما تكون الوسوسة من جنسه فيزيد في الرياضة وملازمة الذكر حتى تنمحي تلك البقايا والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ ﴾ الآية [المؤمنون: 97].

فيجب أن يتعوذ من همزاته على ما أمر رسولَه، أو عند نزغ الشيطان على ما ذكر، لكنه إذا تعوذ منه - تعوذ من همزاته ونزغاته.

فإن قيل: كيف خصّ قراءة القرآن بالتعوذ منه دون غيره من الأذكار، والعبادات، والأعمال الصالحة؟

قيل: قد يتعوذ منه دون غَيره - أيضاً - في غيره من العبادات والأذكار؛ بقولهم: "بسم الله"؛ إذ لا يفتتح شيء إلا به؛ فذلك تعوذهم منه، لكن التعوذ في هذا تعوذٌ بكناية، والتعوذ في قراءة القرآن بالتصريح؛ وذلك أنه حجة وبرهان؛ فطعن الأعداء فيما هو حجة في نفسه أكثر من الأفعال التي فعلوها؛ ألا ترى أنه كان يلقنهم - أعني الشيطان [و] أولياءه - أنه سحر، وأنه: أساطير الأوّلين، وأنه إنما يعلمه بشر، ونحوه.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ  ﴾ : كانوا يطلبون الطعن في القرآن؛ لأنه حجّة وبرهان، ولم يشتغلوا في طعن فعل من الأفعال أو ذكر من الأذكار؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون التعوذ منه - فيما هو حجة - بالتصريح، وفي غيره بكناية، والله أعلم.

ثم في هذه الآية، وفي غيرها من قوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ  ﴾ - لم يفهم أهلها منها على ظاهر المخرج؛ ولكن فهموا على مخرج الحكمة؛ لأن ظاهر المخرج أن يفهم التعوذ بعد فراغه من القراءة، وكذلك يفهم من الأمر بالقيام إلى الصلاة الوضوء بعد القيام إليه، ثم [لم] يفهموا - في هذا ونحوه - هذا؛ ولكن فهموا: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، وكذلك فهموا من قوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ ﴾ أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة ﴿ فٱغْسِلُواْ ﴾ ، ولم يفهموا كل قيام؛ إنما فهموا قياماً دون قيام، أي: إذا [أردتم] القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون، وفهموا من قوله: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، وفهموا من قوله: ﴿ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ  ﴾ ، وكذلك فهموا من قوله: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ  ﴾ - الفراغ منها؛ دلّ أن الخطاب لا يوجب المراد والفهم على ظاهر المخرج؛ ولكن على مخرج الحكمة والمعنى.

وأصل التعوذ هو الاعتصام بالله من وساوس عدوه وكيده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

قال بعضهم: ليس له سبيل على الذين آمنوا.

وقال بعضهم: السلطان: الحجّة، أي: ليس له حجة على الذين آمنوا.

وقال بعضهم: أي ليس له ملك على الذين آمنوا - ملك القهر والغلبة - إنما ملكه على الذين يتولونه، لكن ليس له ملك القهر على الذين يتولّونه أيضاً؛ إنما يتبعونه ويطيعونه بإشارات منه طوعاً؛ فدلّ أن تأويل الملك لا يصح في السلطان، ويكون تأويله السبيل أو الحجّة.

ثم يحتمل قوله: ﴿ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ - بالقرآن؛ لأنه ذكر على أثر ذكر القرآن، ويحتمل: الذين آمنوا بربهم، وهما واحد في الحاصل؛ ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ ﴾ : حجته أو سبيله على الذين يتخذونه وليّاً، فيطيعونه في كل أمره وجميع إشاراته وما يلقي إليهم، وأصله: ليس له سلطان على الذين آمنوا بربهم.

﴿ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ .

في جميع أحوالهم وساعاتهم؛ أي: لا سلطان له ولا سبيل على من آمن به وتوكل عليه.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ .

[يحتمل قوله: ﴿ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ ].

إبليس يتبعونه ويعدلون بربهم، ويحتمل ﴿ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ : بربهم، والتوكل: هو الاعتماد به، وتفويض الأمر إليه في كل حال: السراء والضراء في وقت الضيق والسّعة؛ فذلك التوكل به.

وقوله - عز وجلّ -: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ...

﴾ .

الآية تحتمل وجهين: أحدهما: ما قاله أهل التأويل على التناسخ أن يبدّل آية مكان آية، وهو على تبديل حكم آية بحكم آية أخرى، لا على رفع عينها.

والثاني: قوله: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ﴾ ، أي: بدّلنا حجّة بعد حجة، وآية بعد آية لرسالته.

﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ كلما أتاهم حجة على أثر حجة، وآية بعد آية يقولون: إنما أنت مفتر.

ينسبون إليه الافتراء: أنه افترى، وكذلك كان عادتهم المعاندة والمكابرة؛ كقوله: ﴿ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَٰتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ  ﴾ ، ونحوه من الآيات.

كلما أتى بهم حجة وآية بعد آية كانوا يستقبلونه بالتكذيب لها، ونسبة رسول الله إلى الافتراء من نفسه؛ ويزداد لهم بذلك كفراً، وهو ما قال: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ  وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ : أخبر أنه كان يزداد لأهل الإيمان بما ينزل عليهم من سورة إيماناً، ويزداد لأهل الشرك رجساً وكفراً إلى كفرهم مثل هذا.

ولو كان يحتمل أن يكون حرف (إذا) مكان (لو) - لكان أقرب، ويكون تأويله: ولو أنزلنا حجة بعد حجة وآية على أثر آية جديدة - فما آمنوا؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ...

﴾ الآية [الرعد: 31]، أي: لو أن هذا القرآن - قرآن سيرت به الجبال أو كلم به الموتى - فما آمنوا به؛ لعنادهم؛ فعلى ذلك: الأول قد يحتمل قوله: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ﴾ بالسؤال مكان آية ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ .

وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ .

يحتمل قوله: [ ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ به صلاحهم وغير صلاحهم، أو أن يكون]: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ من تثبيت قلوب الذين آمنوا؛ كقوله: ﴿ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ ، أو أن يكون ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ﴾ : جبريل على رسوله؛ جواباً لقولهم: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ ، وكقوله: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: ليس بمفتر؛ ولكن نزله جبريل من ربّه.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: بالحق الذي عليهم، أو بالحق الذي لبعضهم على بعض.

والحق في الأقوال: هو الصدق، وفي الأفعال: صواب ورشد، وفي الأحكام: عدل وإصابة، والحق: هو الشيء الذي يحمد عليه فاعله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى ﴾ .

هذا تفسير قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً  ﴾ ؛ لأنه أخبر أنه: ليثبت الذين آمنوا؛ فذكر من زيادة الإيمان - هو التثبيت - الّذي ذكر هاهنا - قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً  ﴾ ، وذكر قوله: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ - مقابل قوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ ؛ ليعلم أن الزيادة التي ذكر في سورة التوبة - هي ما ذكر هاهنا من التثبيت والطمأنينة ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ .

أي: هدى من الجهالات والشبهات التي كانت تعرض لهم، أو من الضّلالة، وبشرى للمسلمين.

وقال: في آية أخرى: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ليعلم أن الإيمان والإسلام واحد.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ .

هم لم يقولوا إنما يعلمه بشر؛ ولكن كانوا ينصُّون واحداً فلاناً، لكن الخبر من الله على ذكر البشر؛ ألا ترى أنه أخبر أن ﴿ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

دلّ أن البشر - الذي أخبر عنهم أنهم يقولون: إنه يعلمه - كان منصوصاً عليه مشاراً إليه؛ حيث قال: لسان هذا أعجمي، ولسان النبي عربي؛ فكيف فهم هذا عن هذا، وهذا من هذا، ولسان هذا غير لسان هذا؟!

وما قاله أهل التأويل: أنه كان يجلس إلى غلام يقال له كذا، وهو يهودي يقرأ التوراة؛ فيستمع إلى قراءته، وكان يعلمه الإسلام حتى أسلم، فعند ذلك قالت له قريش: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ، ولو كان ما ذكروا أنه كان يعلمه الإسلام فأسلم؛ فلقائلٍ أن يقول: كيف فهم ذلك الرجل منه لسان رسول الله  ولسانه غير لسانه؟!

على ما أخبر؛ لكن يحتمل أن يكون ذلك في القرآن؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ ، ثم يقولون: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ؛ فيقول - والله أعلم -: إنه كيف علمه هذا القرآن، وهو لا يفهم من لسانه إلا يسيراً منه؛ فأنتم لسانكم عربي لا تقدرون أن تأتوا بمثله، ولا بسورة من مثلها، ولا بآية؛ فكيف قدر على مثله من لا يفهم لسانه، ولا كان ذلك بلسانه؟!

يخرج ذلك على الاحتجاج عليهم.

وبعد، فإن في قولهم ظاهر التناقض؛ لأنهم قالوا: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ﴾ ، ثم قالوا: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ ، فالذي علمه غيره ليس بمفتر؛ إنما يكون الافتراء من ذات نفسه فهو ظاهر التناقض.

وقوله: ﴿ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

يحتمل: مبين ما لهم وما عليهم، أو مبين للحقوق التي لله عليهم وما لبعضهم على بعض، أو مبين: أي بين أنه من عند الله نزل؛ ليس بمفترى.

وهذه الآية ترد على الباطنيّة قولهم؛ لأنّهم يقولون: إن رسول الله هو الذي ألف هذا القرآن بلسانه، ولم ينزله الله عليه بهذا اللسان؛ فلو كان على ما ذكروا ما كان لأولئك ادعاء ما ادعوا على رسول الله من الافتراء.

قوله: ﴿ يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ ﴾ .

قال بعضهم: يميلون إليه، وهو قول أبي عوسجة والقتبي؛ قالوا: الإلحاد: الميل، وكذلك سمّي اللّحد لحداً؛ لميله إلى ناحية القبرِ.

وقال الكسائي: هو من الركون إليه، أي: يركنون.

قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ ﴾ .

قال الحسن: إنه - والله - من كذب بآيات الله فهو ليس بمهتد عند الله.

[و] قال أبو بكر: لا يهديهم الله بتكذيبهم الآيات.

فهو كله خيال على كل من يشكل ويخفي أن من كذب بآيات الله فهو غير مهتد من يظن هذا، وقول أبي بكر - أيضاً - من يتوهم أن من كذب بآيات الله أنه يهديه - هذا فاسد، خيال كله، وأصله عندنا قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ \[؛ لعنادهم ومكابرتهم؛ لأنهم كانوا يعاندون بآيات الله ويكابرونها، ويكذبون مع علمهم أنها آيات، وأنها حق أو قال ذلك في قوم علم أنهم لا يؤمنون\] ويموتون عليه؛ فمن علم منه أنه لا يؤمن لا يهديه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

لا الذين يؤمنون بها ويصدقونها.

﴿ وَأُوْلـٰئِكَ ﴾ .

الذين كذبوها.

﴿ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإذا أردت قراءة القرآن - أيها المؤمن - فاسأل الله أن يعيذك من وساوس الشيطان المطرود عن رحمة الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.vY9yx"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر