الآية ٤ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٤ من سورة مريم

قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْبًۭا وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّۭا ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 113 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قال رب إني وهن العظم مني ) أي : ضعفت وخارت القوى ، ( واشتعل الرأس شيبا ) أي اضطرم المشيب في السواد ، كما قال ابن دريد في مقصورته : إما ترى رأسي حاكي لونه طرة صبح تحت أذيال الدجى واشتعل المبيض في مسوده مثل اشتعال النار في جمر الغضا والمراد من هذا : الإخبار عن الضعف والكبر ، ودلائله الظاهرة والباطنة .

وقوله : ( ولم أكن بدعائك رب شقيا ) أي : ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء ، ولم تردني قط فيما سألتك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: رغب زكريا في الولد، فقام فصلى، ثم دعا ربه سرّا ، فقال: ( رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي )....

إلى وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا وقوله: ( قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ) يقول تعالى ذكره، فكان نداؤه الخفي الذي نادى به ربه أن قال: ( رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ) يعني بقوله (وَهَنَ) ضعف ورقّ من الكبر.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ) أي ضعف العظم مني.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ) قال: نحل العظم.

قال عبد الرزاق، قال: الثوري: وبلغني أن زكريا كان ابن سبعين سنة.

وقد اختلف أهل العربية في وجه النصب في الشَّيْب، فقال بعض نحويي البصرة: نصب على المصدر من معنى الكلام، كأنه حين قال: اشتعل، قال: شاب، فقال: شَيْبا على المصدر.

قال: وليس هو في معنى: تفقأت شحما وامتلأت ماء، لأن ذلك ليس بمصدر.

وقال غيره : نصب الشيب على التفسير، لأنه يقال: اشتعل شيب رأسي، واشتعل رأسي شيبا، كما يقال: تفقأت شحما، وتفقأ شحمي.

وقوله: ( وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ) يقول: ولم أشق يا رب بدعائك، لأنك لم تخيب دعائي قبل إذ كنت أدعوك في حاجتي إليك، بل كنت تجيب وتقضي حاجتي قبلك.

كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج عن ابن جريج، قوله: ( وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ) يقول: قد كنت تعرّفني الإجابة فيما مضى.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال رب إني وهن العظم مني فيه مسألتان : الأولى : قوله تعالى : قال رب إني وهن قرئ وهن بالحركات الثلاث أي ضعف .

يقال : وهن يهن وهنا إذا ضعف فهو واهن .

وقال أبو زيد يقال : وهن يهن ووهن يوهن .

وإنما ذكر العظم لأنه عمود البدن ، وبه قوامه ، وهو أصل بنائه ، فإذا وهن تداعى وتساقط سائر قوته ؛ ولأنه أشد ما فيه وأصلبه ؛ فإذا وهن كان ما وراءه أوهن منه .

ووحده لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية ، وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام ، وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن ، ولو جمع لكان قصد إلى معنى آخر ، وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها .الثانية : قوله تعالى : واشتعل الرأس شيبا أدغم السين في الشين أبو عمرو .

وهذا من أحسن الاستعارة في كلام العرب .

والاشتعال انتشار شعاع النار ؛ شبه به انتشار الشيب في الرأس ؛ يقول : شخت وضعفت ؛ وأضاف الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس .

ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا - عليه السلام - .

و شيبا في نصبه وجهان : [ ص: 7 ] أحدهما : أنه مصدر ؛ لأن معنى اشتعل شاب ؛ وهذا قول الأخفش .

وقال الزجاج : وهو منصوب على التمييز .

النحاس : قول الأخفش أولى ؛ لأنه مشتق من فعل فالمصدر أولى به .

والشيب مخالطة الشعر الأبيض الأسود .قال العلماء : يستحب للمرء أن يذكر في دعائه نعم الله تعالى عليه وما يليق بالخضوع ؛ لأن قوله تعالى : وهن العظم مني إظهار للخضوع .

وقوله : ولم أكن بدعائك رب شقيا إظهار لعادات تفضله في إجابته أدعيته ؛ أي لم أكن بدعائي إياك شقيا ؛ أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك ؛ أي إنك عودتني الإجابة فيما مضى .

يقال : شقي بكذا أي تعب فيه ولم يحصل مقصوده .

وعن بعضهم أن محتاجا سأله ، وقال : أنا الذي أحسنت إليه في وقت كذا ؛ فقال : مرحبا بمن توسل بنا إلينا ؛ وقضى حاجته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ْ} أي: وهى وضعف، وإذا ضعف العظم، الذي هو عماد البدن، ضعف غيره، { وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ْ} لأن الشيب دليل الضعف والكبر، ورسول الموت ورائده، ونذيره، فتوسل إلى الله تعالى بضعفه وعجزه، وهذا من أحب الوسائل إلى الله، لأنه يدل على التبري من الحول والقوة، وتعلق القلب بحول الله وقوته.

{ وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ْ} أي: لم تكن يا رب تردني خائبا ولا محروما من الإجابة، بل لم تزل بي حفيا ولدعائي مجيبا، ولم تزل ألطافك تتوالى علي، وإحسانك واصلا إلي، وهذا توسل إلى الله بإنعامه عليه، وإجابة دعواته السابقة، فسأل الذي أحسن سابقا، أن يتمم إحسانه لاحقا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال رب إني وهن ) ضعف ورق ( العظم مني ) من الكبر .

قال قتادة : اشتكى سقوط الأضراس ( واشتعل الرأس ) أي : ابيض شعر الرأس ( شيبا ) شمطا ( ولم أكن بدعائك رب شقيا ) يقول : عودتني الإجابة فيما مضى ولم تخيبني .

وقيل : معناه لما دعوتني إلى الإيمان آمنت ولم أشق بترك الإيمان .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال رب إني وهن» ضعف «العظم» جميعه «مني واشتعل الرأس» مني «شيبا» تمييز محوَّل عن الفاعل أي: انتشر الشيب في شعره كما ينتشر شعاع النار في الحطب وإني أريد أن أدعوك «ولم أكن بدعائك» أي: بدعائي إياك «ربّ شقيا» أي: خائبا فيما مضى فلا تخيبني فيما يأتي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال: رب إني كَبِرْتُ، وضعف عظمي، وانتشر الشيب في رأسي، ولم أكن من قبل محرومًا من إجابة الدعاء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما نادى به زكريا ربه فقال : ( قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي .

.

.

) والوهن : الضعف .

يقال : وهن الجسم يهن - من باب وعد - إذا ضعف .وخص العظم بالذكر ، لأنه دعامة البدن ، وعماد الجسم ، وبه قوامه ، فإذ ضعف كان غيره من أجزاء الجسم أضعف .

وإفراد لفظ العظم لإرادة الجنس .( واشتعل الرأس شَيْباً ) والمراد باشتعال الرأس شيبا : انتشار بياض الشيب فيه .

والألف واللام فى لفظ ( الرأس ) قاما مقام المضاف إليه .والمراد : واشتعل رأسى شيباً ، وهذا يدل على تقدم السن ، كما يشهد له قوله - تعالى - ( وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً ) وقوله - عز وجل - : ( وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر .

.

) قال صاحب الكشاف : " شبه الشيب بشواظ النار فى بياضه وإنارته وانتشاره فى الشعر .

.

.

باشتعال النار ، ثم أخرجه مخرج الاستعارة ، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومبته وهو الرأس ، وأخرج الشيب مميزا ولم يضف إلى الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا ، فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة .

.

.

" .وقوله : ( وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً ) أى : ولم أكن فيما مضى من عمرى مخيب الدعاء وإنما تعودت منك يا إليهى إجابة دعائى ، وما دام الأمر كذلك فأجب دعائى فى الزمان الآتى من عمرى ، كما أجبته فى الزمان الماضى منه .فأنت ترى أن زكريا - عليه السلام - قد أظهر فى دعائه أسمى ألوان الأدب مع خالقه ، حيث توسل إليه - سبحانه - بضعف بدنه ، وبتقدم سنه ، وبما عوده إياه من إجابة دعائه فى الماضى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القراءة فيها مسائل: المسألة الأولى: قرئ ﴿ وَهَنَ ﴾ بالحركات الثلاث.

المسألة الثانية: إدغام السين في الشين (من الرأس شيباً) عن أبي عمرو.

المسألة الثالثة: ﴿ وَإِنّي خِفْتُ الموالى ﴾ بفتح الياء وعن الزهري بإسكان الياء من الموالي وقرأ عثمان وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وسعيد بن جبير وزيد بن ثابت وابن عباس خفت بفتح الخاء والفاء مشددة وكسر التاء وهذا يدل على معنيين: أحدهما: أن يكون ورائي بمعنى بعدي والمعنى أنهم قلوا وعجزوا عن إقامة الدين بعده فسأل ربه تقويتهم بولي يرزقه.

والثاني: أن يكون بمعنى قدامي والمعنى أنهم خفوا قدامه ودرجوا ولم يبق من به تقو واعتضاد.

المسألة الرابعة: القراءة المعروفة: ﴿ مِن وَرَائِى ﴾ بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة وعن حميد بن مقسم كذلك لكن بفتح الياء وقرأ ابن كثير ﴿ وراي ﴾ كعصاي.

المسألة الخامسة: من يرثني ويرث وجوه: أحدها: القراءة المعروفة بالرفع فيهما صفة.

وثانيها: وهي قراءة أبي عمرو والكسائي والزهري والأعمش وطلحة بالجزم فيهما جواباً للدعاء.

وثالثها: عن علي ابن أبي طالب وابن عباس وجعفر بن محمد والحسن وقتادة: ﴿ يَرِثُنِى ﴾ جزم وارث بوزن فاعل.

ورابعها: عن ابن عباس: ﴿ يَرِثُنِى ﴾ وارث من آل يعقوب.

وخامسها: عن الجحدري ﴿ وَيَرِثُ ﴾ تصغير وارث على وزن أفيعل (اللغة) الوهن ضعف القوة قال في الكشاف شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه كل مأخذ كاشتعال النار ثم أخرجه مخرج الاستعارة ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس وأخرج الشيب مميزاً ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا فمن ثم فصحت هذه الجملة، وأما الدعاء فطلب الفعل ومقابله الإجابة كما أن مقابل الأمر الطاعة، وأما أصل التركيب في (ولي) فيدل على معنى القرب والدنو يقال وليته أليه ولياً أي دنوت وأوليته أدنيته منه وتباعد ما بعده وولي ومنه قول ساعدة (ابن جؤبة): وعدت عواد دون وليك تشغب *** وكل مما يليك وجلست مما يليه ومنه الولي وهو المطر الذي يلي الوسمي، والولية البرذعة لأنها تلي ظهر الدابة وولي اليتيم والقتيل وولي البلد لأن من تولى أمراً فقد قرب منه، وقوله تعالى: ﴿ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ  وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ  ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ  وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَٱسْتَبِقُوا ٱلْخَيْرَٰتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ  وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُۥ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  ﴾ من قولهم ولاه بركنه أي جعله مما يليه، أما ولي عني إذا أدبر فهو من باب تثقيل الحشو للسلب وقولهم فلان أولى من فلان أي أحق أفعل التفضيل من الوالي أو الولي كالأدنى والأقرب من الداني والقريب وفيه معنى القرب أيضاً لأن من كان أحق بالشيء كان أقرب إليه والمولى اسم لموضع الولي كالمرمى والمبني اسم لموضع والمرمي والبناء، وأما العاقر فهي التي لا تلد والعقر في اللغة الجرح ومنه أخذ العاقر لأنه نقص أصل الخلقة وعقرت الفرس بالسيف إذا ضربت قوائمه، وأما الآل فهم خاصة الرجل الذين يؤول أمرهم إليه ثم قد يؤول أمرهم إليه للقرابة تارة وللصحبة أخرى كآل فرعون وللموافقة في الدين كآل النبي صلى الله عليه وسلم واعلم أن زكرياء عليه السلام قدم على السؤال أموراً ثلاثة: أحدها: كونه ضعيفاً.

والثاني: أن الله تعالى ما رد دعاءه ألبتة.

والثالث: كون المطلوب بالدعاء سبباً للمنفعة في الدين ثم بعد تقرير هذه الأمور الثلاثة صرح بالسؤال.

أما المقام الأول: وهو كونه ضعيفاً فأثر الضعف، إما أن يظهر في الباطن أو في الظاهر، والضعف الذي يظهر في الباطن يكون أقوى مما يظهر في الظاهر فلهذا السبب ابتدأ ببيان الضعف الذي في الباطن وهو قوله: ﴿ وَهَنَ العظم مِنّى ﴾ وتقريره هو أن العظام أصلب الأعضاء التي في البدن وجعلت كذلك لمنفعتين: إحداهما: لأن تكون أساساً وعمداً يعتمد عليها سائر الأعضاء الأخر إذ كانت الأعضاء كلها موضوعة على العظام والحامل يجب أن يكون أقوى من المحمول.

والثانية: أنه احتيج إليها في بعض المواضع لأن تكون جنة يقوى بها ما سواها من الأعضاء بمنزلة قحف الرأس وعظام الصدر، وما كان كذلك فيجب أن يكون صلباً ليكون صبوراً على ملاقاة الآفات بعيداً من القبول لها إذا ثبت هذا فنقول: إذا كان العظم أصلب الأعضاء فمتى وصل الأمر إلى ضعفها كان ضعف ما عداها مع رخاوتها أولى، ولأن العظم إذا كان حاملاً لسائر الأعضاء كان تطرق الضعف إلى الحامل موجباً لتطرقه إلى المحمول فلهذا السبب خص العظم بالوهن من بين سائر الأعضاء وأما أثر الضعف في الظاهر فذلك استيلاء الشيب على الرأس فثبت أن هذا الكلام يدل على استيلاء الضعف على الباطن والظاهر وذلك مما يزيد الدعاء توكيداً لما فيه من الارتكان على حول الله وقوته والتبري عن الأسباب الظاهرة.

المقام الثاني: أنه ما كان مردود الدعاء ألبتة ووجه التوسل به من وجهين: أحدهما: ما روي أن محتاجاً سأل واحداً من الأكابر وقال: أنا الذي أحسنت إلى وقت كذا، فقال: مرحباً بمن توسل بنا إلينا ثم قضى حاجته.

وذلك أنه إذا قبله أولا فلو أنه رده ثانياً لكان الرد محبطاً للأنعام الأول والمنعم لا يسعى في إحباط أنعامه.

والثاني: وهو أن مخالفة العادة شاقة على النفس فإذا تعود الإنسان إجابة الدعاء فلو صار مردوداً بعد ذلك لكان في غاية المشقة ولأن الجفاء ممن يتوقع منه الإنعام يكون أشق فقال زكرياء عليه السلام إنك ما رددتني في أول الأمر مع أني ما تعودت لطفك وكنت قوي البدن قوي القلب فلو رددتني الآن بعد ما عودتني القبول مع نهاية ضعفي لكان ذلك بالغاً إلى الغاية القصوى في ألم القلب، واعلم أن العرب تقول سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها وشقي بها إذا خاب ولم ينلها ومعنى بدعائك أي بدعائي إياك فإن الفعل قد يضاف إلى الفاعل تارة وإلى المفعول أخرى.

المقام الثالث: بيان كون المطلوب منتفعاً به في الدين وهو قوله: ﴿ وَإِنّي خِفْتُ الموالى مِن وَرَائِى ﴾ وفيه أبحاث: الأول: قال ابن عباس والحسن: إني خفت الموالي أي الورثة من بعدي وعن مجاهد العصبة وعن أبي صالح الكلالة وعن الأصم بنو العم وهم الذين يلونه في النسب وعن أبي مسلم المولي يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو هاهنا من يقوم بميراثه مقام الولد، والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين فقد كانت العادة جارية أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب فإنه كان متعيناً في الحياة.

الثاني: اختلفوا في خوفه من الموالي فقال بعضهم: خافهم على إفساد الدين، وقال بعضهم بل خاف أن ينتهي أمره إليهم بعد موته في مال وغيره مع أنه عرف من حالهم قصورهم في العلم والقدرة عن القيام بذلك المنصب، وفيه قول ثالث وهو أنه يحتمل أن يكون الله تعالى قد اعلمه أنه لم يبق من أنبياء بني إسرائيل نبي له أب إلا واحد فخاف أن يكون ذلك من بني عمه إذ لم يكن له ولد فسأل الله تعالى أن يهب له ولداً يكون هو ذلك النبي، وذلك يقتضي أن يكون خائفاً من أمر يهتم بمثله الأنبياء وإن لم يدل على تفصيل ذلك.

ولا يمتنع أن زكرياء كان إليه مع النبوة السياسة من جهة الملك وما يتصل بالإمامة فخاف منهم بعده على أحدهما أو عليهما.

أما قوله: ﴿ وَإِنّي خِفْتُ ﴾ فهو وإن خرج على لفظ الماضي لكنه يفيد أنه في المستقبل أيضاً، كذلك يقول الرجل قد خفت أن يكون كذا وخشيت أن يكون كذا أي أنا خائف لا يريد أنه قد زال الخوف عنه وهكذا قوله: ﴿ وَكَانَتِ امرأتى عَاقِرًا ﴾ أي أنها عاقر في الحال وذلك لأن العاقر لا تحول ولوداً في العادة ففي الإخبار عنه بلفظ الماضي إعلام بتقادم العهد في ذلك وغرض زكرياء من هذا الكلام بيان استبعاد حصول الولد فكان إيراده بلفظ الماضي أقوى وإلى هذا يرجع الأمر في قوله: وإني خفت الموالي من ورائي لأنه إنما قصد به الإخبار وعن تقادم الخوف ثم استغنى بدلالة الحال وما يوجب مسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في الحال وأيضاً فقد يوضع الماضي مكان المستقبل وبالعكس قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أأنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ  ﴾ والله أعلم وأما قوله: ﴿ من ورائي ﴾ ففيه قولان: الأول: قال أبو عبيدة أي قدامي وبين يدي وقال آخرون أي بعد موتي وكلاهما محتمل فإن قيل كيف خافهم من بعده وكيف علم أنهم يبقون بعده فضلاً من أن يخاف شرهم؟

قلنا: إن ذلك قد يعرف بالأمارات والظن وذلك كاف في حصول الخوف فربما عرف ببعض الإمارات استمرارهم على عادتهم في الفساد والشر واختلف في تفسير قوله: ﴿ فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ فالأكثرون على أنه طلب الولد وقال آخرون بل طلب من يقوم مقامه ولداً كان أو غيره والأقرب هو الأول لثلاثة أوجه.

الأول: قوله تعالى في سورة آل عمران حكاية عنه: ﴿ قَالَ رَبّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً  ﴾ .

والثاني: قوله في هذه السورة: ﴿ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ ﴾ .

والثالث: قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً  ﴾ وهذا يدل على أنه سأل الولد لأنه قد أخبر في سورة مريم أن له موالي وأنه غير منفرد عن الورثة وهذا وإن أمكن حمله على وارث يصلح أن يقوم مقامه لكن حمله على الولد أظهر واحتج أصحاب القول الثالث بأنه لما بشر بالولد استعظم على سبيل التعجب فقال أنى يكون لي غلام ولو كان دعاؤه لأجل الولد لما استعظم ذلك.

الجواب: أنه عليه السلام سأل عما يوهب له أيوهب له وهو وامرأته على هيئتهما أو يوهب بأن يحولا شابين يكون لمثلهما ولد؟

وهذا يحكي عن الحسن وقال غيره إن قول زكرياء عليه السلام في الدعاء: ﴿ وَكَانَتِ امرأتى عَاقِرًا ﴾ إنما هو على معنى مسألته ولداً من غيرها أو منها بأن يصلحها الله للولد فكأنه عليه السلام قال إني أيست أن يكون لي منها ولد فهب لي من لدنك ولياً كيف شئت إما بأن تصلحها فيكون الولد منها أو بأن تهب لي من غيرها فلما بشر بالغلام سأل أيرزق منها أو من غيرها فأخبر بأنه يرزق منها واختلفوا في المراد بالميراث على وجوه: أحدها: أن المراد بالميراث في الموضعين هو وراثة المال وهذا قول ابن عباس والحسن والضحاك.

وثانيها: أن المراد به في الموضعين وراثة النبوة وهو قول أبي صالح.

وثالثها: يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوة وهو قول السدي ومجاهد والشعبي وروي أيضاً عن ابن عباس والحسن والضحاك.

ورابعها: يرثني العلم ويرث من آل يعقوب النبوة وهو مروي عن مجاهد واعلم أن هذه الروايات ترجع إلى أحد أمور خمسة وهي المال ومنصب الحبورة والعلم والنبوة والسيرة الحسنة ولفظ الإرث مستعمل في كلها أما في المال فلقوله تعالى: ﴿ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وديارهم وَأَمولَهُمْ  ﴾ وأما في العلم فلقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى الهدى وَأَوْرَثْنَا بَنِى إسراءيل الكتاب  ﴾ وقال عليه السلام: «العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم» وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ عِلْمًا وَقَالَا ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ  وَوَرِثَ سُلَيْمَٰنُ دَاوُۥدَ وَقَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ  ﴾ وهذا يحتمل وراثة الملك ووراثة النبوة وقد يقال أورثني هذا غماً وحزناً، وقد ثبت أن اللفظ محتمل لتلك الوجوه.

واحتج من حمل اللفظ على وراثة المال بالخبر والمعقول أما الخبر فقوله عليه السلام: «رحم الله زكريا ما كان له من يرثه» وظاهره يدل على أن المراد إرث المال وأما المعقول فمن وجهين: الأول: أن العلم والسيرة والنبوة لا تورث بل لا تحصل إلا بالاكتساب فوجب حمله على المال.

الثاني: أنه قال: ﴿ واجعله رَبّ رَضِيّاً ﴾ ولو كان المراد من الإرث إرث النبوة لكان قد سأل جعل النبي صلى الله عليه وسلم رضياً وهو غير جائز لأن النبي لا يكون إلا رضياً معصوماً، وأما قوله عليه السلام: «إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» فهذا لا يمنع أن يكون خاصاً به واحتج من حمله على العلم أو المنصب والنبوة بما علم من حال الأنبياء أن اهتمامهم لا يشتد بأمر المال كما يشتد بأمر الدين، وقيل لعله أوتي من الدنيا ما كان عظيم النفع في الدين فلهذا كان مهتماً به أما قوله النبوة كيف تورث قلنا المال إنما يقال ورثه الابن بمعنى قام فيه مقام أبيه وحصل له من فائدة التصرف فيه ما حصل لأبيه وإلا فملك المال من قبل الله لا من قبل المورث فكذلك إذا كان المعلوم في الإبن أن يصير نبياً بعده فيقوم بأمر الدين بعده جاز أن يقال ورثه أما قوله عليه السلام: «إنا معشر الأنبياء» فهذا وإن جاز حمله على الواحد كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر  ﴾ لكنه مجاز وحقيقته الجمع والعدول عن الحقيقة من غير موجب لا يجوز لا سيما وقد روي قوله: إنا معاشر الأنبياء لا نورث والأولى أن يحمل ذلك على كل ما فيه نفع وصلاح في الدين وذلك يتناول النبوة والعلم والسيرة الحسنة والمنصب النافع في الدين والمال الصالح، فإن كل هذه الأمور مما يجوز توفر الدواعي على بقائها ليكون ذلك النفع دائماً مستمراً.

السابع: اتفق أكثر المفسرين على أن يعقوب هاهنا هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام لأن زوجة زكرياء هي أخت مريم وكانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهوذا بن يعقوب وأما زكرياء عليه السلام فهو من ولد هرون أخى موسى عليه السلام وهرون وموسى عليهما السلام من ولد لاوى بن يعقوب بن إسحاق وكانت النبوة في سبط يعقوب لأنه هو إسرائيل صلى الله عليه وسلم وقال بعض المفسرين ليس المراد من يعقوب هاهنا ولد إسحاق بن إبراهيم عليه السلام بل يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان وكان آل يعقوب أخوال يحيى بن زكرياء وهذا قول الكلبي ومقاتل.

وقال الكلبي كان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وملوكهم وكان زكريا رأس الأحبار يومئذ فأراد أن يرثه ولده حبورته ويرث من بني ماثان ملكهم، واعلم أنهم ذكروا في تفسير الرضى وجوهاً: أحدها: أن المراد واجعله رضياً من الأنبياء وذلك لأن كلهم مرضيون فالرضي منهم مفضل على جملتهم فائق لهم في كثير من أمورهم فاستجاب الله تعالى له ذلك فوهب له سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين لم يعص ولم يهم بمعصية، وهذا غاية ما يكون به المرء رضياً.

وثانيها: المراد بالرضي أن يكون رضياً في أمته لا يتلقى بالتكذيب ولا يواجه بالرد.

وثالثها: المراد بالرضي أن لا يكون متهماً في شيء ولا يوجد فيه مطعن ولا ينسب إليه شيء من المعاصي.

ورابعها: أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قالا في الدعاء: ﴿ رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ  ﴾ وكانا في ذلك الوقت مسلمين، وكأن المراد هناك ثبتنا على هذا أو المراد اجعلنا فاضلين من أنبيائك المسلمين فكذا هاهنا واحتج أصحابنا في مسألة خلق الأفعال بهذه الآية لأنه إنما يكون رضياً بفعله، فلما سأل الله تعالى جعله رضياً دل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى.

فإن قيل: المراد منه أن يلطف له بضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضياً فينسب ذلك إلى الله تعالى.

والجواب من وجهين: الأول: أن جعله رضياً لو حملناه على جعل الألطاف وعندها يصير المرء باختياره رضياً لكان ذلك مجازاً وهو خلاف الأصل.

والثاني: أن جعل تلك الألطاف واجبة على الله تعالى لا يجوز الإخلال به وما كان واجباً لا يجوز طلبه بالدعاء والتضرع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ ﴿ وهن ﴾ بالحركات الثلاث، وإنما ذكر العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما فيه وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن.

ووحَّده لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية، وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن، ولو جمع لكان قصداً إلى معنى آخر، وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها واشتعل الرأس شيبا.

إدغام السين في الشين عن أبي عمرو.

شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ، باشتعال النار؛ ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس.

وأخرج الشيب مميزاً ولم يضف الرأس: اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا، فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة.

توسل إلى الله بما سلف له معه من الاستجابة.

وعن بعضهم أن محتاجاً سأله وقال: أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا.

فقال: مرحباً بمن توسل بنا إلينا، وقضى حاجته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

(قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي) تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ والوَهَنُ الضَّعْفُ، وتَخْصِيصُ العَظْمِ لِأنَّهُ دِعامَةُ البَدَنِ وأصْلُ بِنائِهِ ولِأنَّهُ أصْلَبُ ما فِيهِ، فَإذا وهَنَ كانَ ما وراءَهُ أوْهَنَ وتَوْحِيدُهُ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، وقُرِئَ «وَهُنَ» و «وَهِنَ» بِالضَّمِّ والكَسْرِ ونَظِيرُهُ كَمَلَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ.

(واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) شَبَّهَ الشَّيْبَ في بَياضِهِ وإنارَتِهِ بِشُواظِ النّارِ وانْتِشارِهِ وفُشُوِّهِ في الشَّعَرِ بِاشْتِعالِها، ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ وأسْنَدَ الِاشْتِعالَ إلى الرَّأْسِ الَّذِي هو مَكانُ الشَّيْبِ مُبالَغَةً، وجَعَلَهُ مُمَيِّزًا إيضاحًا لِلْمَقْصُودِ، واكْتَفى بِاللّامِ عَلى الإضافَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عِلْمَ المُخاطَبِ بِتَعَيُّنِ المُرادِ يُغْنِي عَنِ التَّقَيُّدِ.

(وَلَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) بَلْ كُلَّما دَعَوْتُكَ اسْتَجَبْتَ لِي وهو تَوَسُّلٌ بِما سَلَفَ مَعَهُ مِنَ الِاسْتِجابَةِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَدْعُوَّ لَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتادًا فَإجابَتُهُ مُعْتادَةٌ، وأنَّهُ تَعالى عَوَّدَهُ بِالإجابَةِ وأطْمَعَهُ فِيها، ومِن حَقِّ الكَرِيمِ أنْ لا يُخَيِّبَ مَن أطْمَعَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ رَبّ} هذا تفسير الدعاء وأصله يا ربي فحذف حرف النداء والمضاف اليه اختصار {إِنّى وَهَنَ العظم مِنّى} ضعف وخص العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته ولأنه أشد ما فيه وأصلبه فإذا وهن كان ما وراءه أوهن ووحده لأن الواحد منه الجسد قد أصابه الوهن {واشتعل الرأس شيبا} تمييز أي فشا فى

رأسي الشيب واشتعلت النار إذا تفرقت في التهابها وصارت شعلا شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وانتشاره في الشعر وأخذه منه كل ما أخذ باشتعال النار ولا ترى كلاماً أفصح من هذا ألا ترى أن أصل الكلام يا رب قد شخت إذ الشيخوخة تشتمل على ضعف البدن وشيب الرأس المتعرض لها وأقوى منه ضعف بدني وشاب رأسي ففيه مزيد والتقرير للتفصيل وأقوى منه وهنت عظام بدني ففه عدول عن التصريح إلى الكناية فهي أبلغ منه وأقوى منه أنا وهنت عظام بدني وأقوى منه إني وهنت بدني وأقوى منه إني وهنت العظام من بدني ففيه سلوك طريقي الإجمال والتفصيل وأقوى منه إني وهنت العظام مني ففيه ترك توسيط البدن وأقوى منه إني وهن العظم مني لشمول الوهن العظام فرداً فرداً باعتبار ترك جمع العظم إلى الإفراد لصحه حصول وهن المجموع بالبعض دون كل فرد فرد ولهذا تركت الحقيقة في شاب رأسي إلى أبلغ وهي الاستعارة فحصل اشتعل شيب رأسي وأبلغ منه اشتعل رأسي شيباً لإسناد الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس لإفادة شمول الاشتعال الرأس إذ وزان اشتعل

مريم (٨ - ٤)

شيب رأسي واشتعل رأسي شيباً وزان اشتعل النار في بيتي واشتعل بيتي ناراً والفرق نير ولأن فيه الإجمال والتفصيل كما عرف في طريق التمييز وأبلغ منه واشتعل الرأس مني شيباً لما مر وأبلغ منه واشتعل الرأس شيباً ففيه اكتفاء بعلم المخاطب إنه رأس زكريا بقرينة العطف على وهن العظم {ولم أكن بدعائك} مصدر ومضاف إلى المفعول أي بدعائي إياك {رَبّ شَقِيّاً} أي كنت مستجاب الدعوة قبل اليوم سعيداً به غير شقي فيه يقال سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها ومشقي إذا خاب ولم ينلها وعن بعضهم أن محتاجاً سأله وقال أنا الذي أحسنت إلي وقت كذا فقال مرحباً بمن توسل بنا إلينا وقت حاجته وقضى حاجته

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ رَبِّ ﴾ والجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ ﴿ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي ﴾ أيْ: ضَعُفَ، وإسْنادُ ذَلِكَ إلى العَظْمِ لِما أنَّهُ عِمادُ البَدَنِ ودِعامُ الجَسَدِ فَإذا أصابَهُ الضَّعْفُ والرَّخاوَةُ تَداعى ما وراءَهُ وتَساقَطَتْ قُوَّتُهُ، فَفي الكَلامِ كِنايَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهٍ مُضْمَرٍ في النَّفْسِ أوْ لِأنَّهُ أشَدُّ أجْزائِهِ صَلابَةً وقِوامًا وأقَلُّها تَأثُّرًا مِنَ العِلَلِ فَإذا وهَنَ كانَ ما وراءَهُ أوْهَنَ، فَفي الكَلامِ كِنايَةٌ بِلا تَشْبِيهٍ، وأفْرَدَ- عَلى ما قالَهُ العَلّامَةُ الزَّمَخْشَرِيُّ وارْتَضاهُ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ- لِأنَّ المُفْرَدَ هو الدّالُّ عَلى مَعْنى الجِنْسِيَّةِ، والقَصْدُ إلى أنَّ هَذا الجِنْسَ الَّذِي هو العَمُودُ والقِوامُ، وأشَدُّ ما تَرَكَّبَ مِنهُ الجَسَدُ قَدْ أصابَهُ الوَهَنُ ولَوْ جُمِعَ لَكانَ القَصْدُ إلى مَعْنًى آخَرَ وهو أنَّهُ لَمْ يَهِنْ مِنهُ بَعْضُ عِظامِهِ ولَكِنْ كُلُّها حَتّى كَأنَّهُ وقَعَ مِن سامِعٍ شَكَّ في الشُّمُولِ والإحاطَةِ لِأنَّ القَيْدَ في الكَلامِ ناظِرٌ إلى نَفْيِ ما يُقابِلُهُ، وهَذا غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ، وقالَ السَّكّاكِيُّ: إنَّهُ تَرَكَ جَمْعَ (العَظْمُ) إلى الإفْرادِ لِطَلَبِ شُمُولِ الوَهْنِ العِظامَ فَرْدًا فَرْدًا ولَوْ جَمْعٌ لَمْ يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ لِصِحَّةِ وهَنَتِ العِظامُ عِنْدَ حُصُولِ الوَهَنِ لِبَعْضٍ مِنها دُونَ كُلِّ فَرْدٍ وهو مَسْلَكٌ آخَرُ مَرْجُوحٌ عِنْدَ الكَثِيرِ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اشْتَكى سُقُوطَ الأضْراسِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا يَحْتاجُ إلى خَبَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنَّ انْفِهامَهُ مِنَ الآيَةِ مِمّا لا يَكادُ يُسَلَّمُ، و(مِنِّي) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ العَظْمِ، ولَمْ يَقُلْ- عَظْمِي- مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ ولِأنَّهُ أصْرَحُ في الدَّلالَةِ عَلى الجِنْسِيَّةِ المَقْصُودَةِ هُنا، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِها.

وقَرَأ الأعْمَشُ ( وهِنَ ) بِكَسْرِ الهاءِ، وقُرِئَ بِضَمِّها أيْضًا ﴿ واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ﴾ شَبَّهَ الشَّيْبَ في البَياضِ والإنارَةِ بِشُواظِ النّارِ وانْتِشارَهُ في الشِّعْرِ وفُشُوَّهُ فِيهِ وأخْذَهُ مِنهُ كُلَّ مَأْخَذٍ بِاشْتِعالِها، ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَتانِ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ في (اشْتَعَلَ) ومَكْنِيَّةٌ في الشَّيْبِ، وانْفِكاكُها عَنِ التَّخْيِيلِيَّةِ مِمّا عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ المَعانِي عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ عَلى بُعْدِ القَوْلِ بِوُجُودِ التَّخْيِيلِيَّةِ هُنا أيْضًا.

وتَكَلَّفَ بَعْضُهم لِزَعْمِهِ عَدَمَ جَوازِ الِانْفِكاكِ وعَدَمَ ظُهُورِ وُجُودِ التَّخْيِيلِيَّةِ إخْراجَ ما في الآيَةِ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ ولَيْسَ بِذاكَ، وأسْنَدَ الِاشْتِعالَ إلى مَحَلِّ الشَّعْرِ ومَنبَتِهِ وأخْرَجَ مَخْرَجَ التَّمْيِيزِ لِلْمُبالَغَةِ وإفادَةِ الشُّمُولِ، فَإنَّ إسْنادَ مَعْنًى إلى ظَرْفٍ ما اتَّصَفَ بِهِ زَمانِيًّا أوْ مَكانِيًّا يُفِيدُ عُمُومَ مَعْناهُ لِكُلِّ ما فِيهِ في عُرْفِ التَّخاطُبِ فَقَوْلُكَ: اشْتَعَلَ بَيْتُهُ نارًا يُفِيدُ احْتِراقَ جَمِيعِ ما فِيهِ دُونَ اشْتَعَلَ نارُ بَيْتِهِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ (شَيْبًا) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّ مَعْنى (اشْتَعَلَ الرَّأْسُ) شابَ، وقِيلَ هو حالٌ أيْ شائِبًا وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَرْتَضِيهِما كامِلٌ كَما لا يَخْفى، واكْتَفى بِاللّامِ عَنِ الإضافَةِ لِأنَّ تَعْرِيفَ العَهْدِ المَقْصُودِ هُنا يُفِيدُ ما تُفِيدُهُ، ولِمّا كانَ تَعْرِيفُ (العَظْمُ) السّابِقِ لِلْجِنْسِ كَما عَلِمْتَ لَمْ يَكْتَفِ بِهِ وزادَ قَوْلَهُ (مِنِّي) وبِالجُمْلَةِ ما أفْصَحَ هَذِهِ الجُمْلَةَ وأبْلَغَها، ومِنها أخَذَ ابْنُ دُرَيْدٍ قَوْلَهُ: واشْتَعَلَ المَبِيضُ في مُسَوَّدِهِ مِثْلَ اشْتِعالِ النّارِ في جَزْلِ الغَضاءِ وعَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ أدْغَمَ السِّينَ في الشِّينِ ﴿ ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴾ أيْ: لَمْ أكُنْ بِدُعائِي إيّاكَ خائِبًا في وقْتٍ مِن أوْقاتِ هَذا العُمْرِ الطَّوِيلِ بَلْ كُلَّما دَعَوْتُكَ اسْتَجَبْتَ لِي، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ حالٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ إذِ المَعْنى واشْتَعَلَ رَأْسِي وهو غَرِيبٌ، وهَذا تَوَسُّلٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما سَلَفَ مِنهُ تَعالى مِنَ الِاسْتِجابَةِ عِنْدَ كُلِّ دَعْوَةٍ إثْرِ تَمْهِيدِ ما يَسْتَدْعِي الرَّحْمَةَ مِن كِبَرِ السِّنِّ وضَعْفِ الحالِ فَإنَّهُ تَعالى بَعْدَ ما عَوَّدَ عَبْدَهُ الإجابَةَ دَهْرًا طَوِيلًا لا يَكادُ يُخَيِّبُهُ أبَدًا لا سِيَّما عِنْدَ اضْطِرارِهِ وشَدَّةِ افْتِقارِهِ، وفي هَذا التَّوَسُّلِ مِنَ الإشارَةِ إلى عِظَمِ كَرَمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما فِيهِ.

وقَدْ حُكِيَ أنَّ حاتِمًا الطّائِيَّ، وقِيلَ مَعْنُ بْنُ زائِدَةَ أتاهُ مُحْتاجٌ فَسَألَهُ وقالَ: أنا الَّذِي أحْسَنْتَ إلَيْهِ وقْتَ كَذا فَقالَ: مَرْحَبًا بِمَن تَوَسَّلَ بِنا إلَيْنا وقَضى حاجَتَهُ، وقِيلَ المَعْنى ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ إيّايَ إلى الطّاعَةِ شَقِيًّا بَلْ كُنْتُ مِمَّنْ أطاعَكَ وعَبَدَكَ مُخْتَصًّا فالكافُ عَلى هَذا فاعِلٌ والأوَّلُ أظْهَرُ وأوْلى ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والتَّعَرُّضُ في المَوْضِعَيْنِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنْ إفاضَةِ ما فِيهِ صَلاحُ المَرْبُوبِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لا سِيَّما تَوْسِيطُهُ بَيْنَ كانَ وخَبَرَها لِتَحْرِيكِ سِلْسِلَةِ الإجابَةِ بِالمُبالَغَةِ في التَّضَرُّعِ.

وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ العَبْدَ إذا قالَ في دُعائِهِ: يا رَبِّ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: لَبَّيْكَ عَبْدِي.

ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ يَوْمًا في دُعائِهِ: يا رَبِّ فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ: لَبَّيْكَ يا مُوسى، فَقالَ مُوسى: أهَذا لِي خاصَّةً فَقالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: لا ولَكِنْ لِكُلِّ مَن يَدْعُونِي بِالرُّبُوبِيَّةِ.، وقِيلَ: إذا أرادَ العَبْدُ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ دُعاؤُهُ فَلْيَدْعُ اللَّهَ تَعالى بِما يُناسِبُهُ مِن أسْمائِهِ وصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مكية وهي تسعون وثمان آيات قوله سبحانه وتعالى: كهيعص قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص: بنصب الهاء والياء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر والكسائي: بكسر الهاء والياء، وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء ونصب الياء، وقرأ حمزة وابن عامر بنصب الهاء وكسر الياء، وقرأ نافع بين الكسر والفتح، وهو اختيار أبي عبيدة، ومعنى هذا كله واحد.

قال ابن عباس  في تفسير قوله: كهيعص، قال: «الكاف: فالله كاف لخلقه، والهاء: فالله الهادي لخلقه، وأما الياء: فيد الله مبسوطة على خلقه بالرزق لهم والعطف عليهم، وأما العين: فالله تعالى عالم بخلقه وأمورهم، وأما الصاد: فالله تعالى صادق بوعده» (١)  أنه قال: «هو اسم الله الأعظم» ، وروي عنه أنه قال: «هو قسم أقسم الله تعالى بكهيعص» ، ويقال: هي حروف تدل على ابتداء السور نحو الر والمر وغيرهما.

ثم قال: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، معناه على طريق ابن عباس: «باسم الله الكافي الهادي العالم الصادق» ، ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا بالرحمة.

ومن قال إنه قسم، فمعناه: ورب كهيعص إنه ذكر عبده زكريا بالرحمة.

ومن قال: هو ابتداء السورة، فمعناه: اقرأ كهيعص.

ثم قال: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، ومعناه: ذكر ربك عبده زكريا بالرحمة، لأن ذكره بالرحمة لا يكون إلا بالله تعالى ففي الآية تقديم وتأخير يقول: ذكر ربك عبده زكريا بالرحمة، وهو زكريا بن ماثان إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا، يقول: دعا ربه نداء خفيا، يقول: أخفاه وأسره من قومه، ويقال: دعا ربه دعاء سراً، لأنه علم أن دعاء السر أنفع وأسرع إجابة، ويقال: دعا ربه نداءً خفياً يعني: خالصاً.

قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي، أي ضعف عظمي، وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً يعني: أخذ في الرأس شيباً وبياضاً.

شَيْباً صار نصباً بالتمييز، والمعنى: اشتعل الرأس من الشيب، يقال للشيب إذا كثر جداً: قد اشتعل رأس فلان بالشيب.

ثم قال: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، يعني: لم تكن تخيب دعائي عندك إذا دعوتك.

ثمّ قال: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي، يعني: خشيت، ويقال: يعني: الورثة، ويقال: بنو العم، ويقال: العصبة من ورائي، يعني: من بعد موتي، خاف أن يَرِثَهُ غير الولد.

وروي عن قتادة، عن النبيّ  أنه قال: «يَرْحَمُ الله تَعَالَى زَكَرِيَّا وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ وَرَثَةٍ» (٢) وروي عن سعيد بن العاص أنه قال: أملى علي عثمان  وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ بنصب الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء، ويقال: يعني: ذهبت الموالي.

وقال أبو عبيدة: لولا خلاف الناس لاتبعنا عثمان فيها.

ثم قال: وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً، يعني: عقيماً لم تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يعني: ولداً.

يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ.

وقال عكرمة: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، وهكذا قال الضحاك.

وقال بعضهم: يَرِثُنِي يعني: علمي وسنتي، لأن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون مالاً.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «إنَّا مَعَاشِرَ الأنْبِيَاءِ لا نُوَرِّثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» .

وروى أبو الدرداء عن رسول الله  أنه قال: «إنَّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دَرَاهِمَ وَلا دَنَانِيرَ، وَإنَّمَا وَرَّثُوا هذا العِلْمَ» ويقال: لأنه رأى من الفتن وغلبة أهل الكفر، فيخاف على إفساد مواليه إن لم يكن أحد يقوم مقامه ويخولهم بالموعظة.

قرأ أبو عمرو والكسائي: يَرِثُنِي وَيَرِثُ بجزم كلا الثاءين على معنى جواب الأمر، أي أنك إذا وهبت لي ولياً يرثني، وقرأ الباقون: يَرِثُنِي وَيَرِثُ بالضم.

وقال أبو عبيدة: وهذا أحب إلي.

قال: معناه هب لي الذي هذه حاله وصفته، لأن الأولياء قد يكون منهم الوراثة وغيرهم، فيقول: هب لي الذي يكون ورائي وارث النبوة.

ثم قال: وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا، يعني: صالحاً زكياً.

(١) عزاه السيوطي: 5/ 477 إلى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي.

(٢) عزاه السيوطي: 5/ 479 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يفضل على إبرَاهِيم وموسى عليهما السلام إلا أن يفضل في خاص كالسودد «١» ، والحصر.

والعتي، والعُسِيُّ: المبالغة في الكبر، أو يُبْس العود، أو شيْب الرأس، أو عقيدة ما، وزكرياء: هو من ذرية هارون- عليهما السلام- ومعنى قوله: سَوِيًّا فيما قال الجمهور، صحيحاً من غير عِلَّة، ولا خرس.

وقال ابن عباس: ذلك عائدٌ على الليالي، أراد: كاملات مستويات «٢» .

وقوله: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ قال قتادة «٣» ، وغيره: كان ذلك بإشارة.

وقال مجاهد «٤» : بل بكتابة في التراب.

قال ع «٥» : وكِلاَ الوجهين وَحْي.

وقوله: أَنْ سَبِّحُوا قال قتادة: معناه صلوا السُّبْحة، والسُّبحةْ: الصلاة «٦» ، وقالت فرقة: بل أَمرهم بذكر الله، وقول: سبحان الله.

يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦)

وقوله- عز وجل-: [يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ] المعنى: قال اللهُ له: يا يحيى] «٧» خذ الكتابَ، وهو التوراةُ، وقوله: بِقُوَّةٍ أَيْ: العلم به، والحفظ له، والعمل به، والالتزام للوازمه.

وقوله: صَبِيًّا يريد: شاباً لم يبلُغْ حدّ الكهولة، ففي لفظ صبي على هذا، تجوّزٌ، واستصحابُ حال.

وروى مَعْمَرُ أَنَّ الصِّبْيَانَ دعوا يحيى إلى اللَّعب، وهو طِفْل، فقال: إني لم أُخلقْ للعب، فتلك الحِكْمة الَّتي آتاه الله عز وجل وهو صَبِيٌّ «١» ، وقال ابن عباس: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فهو ممن أوتي الحِكْمة صَبِيّاً «٢» .

«والحنان» : الرحمةُ، والشفقةُ، والمحبّة قاله جمهورُ المفسرين، وهو تَفْسِير اللغة ومن الشواهد في «الحَنَان» قولُ النابغة:

[الطويل]

أَبَا مُنْذِرٍ، أَفْنَيْتَ فاستبق بَعْضَنَا ...

حَنَانَيْكَ بْعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ «٣»

وقال عطاء بن أبي رباح: حَناناً مِنْ لَدُنَّا بمعنى تعظيماً مِنْ لدنا «٤» .

قال ع «٥» : وهو أَيضاً ما عظم من الأمر لأجل الله عز وجل ومنه قول زيد بن عمرو بن نُفَيْل في خبر بِلاَلٍ: واللهِ، لَئِنْ قَتَلْتُمْ هَذَا العَبْدَ لاَتَّخَذْنَ قَبْرَهُ حَنَاناً «٦» .

قال أَبو عبيدة: وأَكْثَر ما يُسْتَعمل مثنى.

انتهى، والزكاةُ التنميةُ، والتَّطْهير في وُجُوه الخير.

قال مجاهدٌ: كان طعامُ يَحْيَى العُشب، وكان للدمع في خَدّه مجار ثابتة، وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً «٧» ، روي أن يحيى عليه السلام لم يواقع معصية قَطُّ صغيرة ولا كبيرة، والبَر كثير البرّ، والجبار: المُتكبّر، كأَنه يجبر الناس على أخلاقه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ مَرْيَمَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ مِن غَيْرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ سَجْدَتِها فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ.

وقالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ: هي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آَيَتَيْنِ مِنها، قَوْلُهُ: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ والَّتِي تَلِيها [ مَرْيَمَ: ٥٩، ٦٠ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كهيعص ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( كَهَيَعص ذِكْرُ ) بِفَتْحِ الهاءِ والياءِ، وتَبْيِينِ الدّالِ الَّتِي في هِجاءِ ( صادٍ ) .

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( كَهَيَعص ) بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ الياءِ، ويُدْغِمُ الدّالَ في الذّالِ.

وكانَ نافِعٌ يَلْفِظُ بِالهاءِ والياءِ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ، ولا يُدْغِمُ الدّالَ الَّتِي في هِجاءِ ( صادٍ ) في الذّالِ مِن ( ذِكْرِ ) .

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الهاءِ والياءِ، إلّا أنَّ الكِسائِيُّ لا يُبَيِّنُ الدّالَ، وعاصِمٌ يُبَيِّنُها.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ بِفَتْحِ الهاءِ وكَسْرِ الياءِ ويُدْغِمانِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( كَهُيَعص ) بِرَفْعِ الهاءِ وفَتْحِ الياءِ.

وقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ ( البَقَرَةِ ) ما يَشْتَمِلُ عَلى بَيانِ هَذا الجِنْسِ.

وقَدْ خَصَّ المُفَسِّرُونَ هَذِهِ الحُرُوفَ المَذْكُورَةَ هاهُنا بِأرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في الكافِ مِن أيِّ اسْمٍ هُوَ، عَلى أرْبَعَةِ.

أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مِنِ اسْمِ اللَّهِ الكَبِيرِ.

والثّانِي: مِنَ الكَرِيمِ.

والثّالِثُ: مِنَ الكافِي، رَوى هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ مِنَ المَلِكِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

فَأمّا الهاءُ فَكُلُّهم قالُوا: هي مِنِ اسْمِهِ الهادِي، إلّا القُرَظِيَّ فَإنَّهُ قالَ: مِنِ اسْمِهِ اللَّهُ.

وأمّا الياءُ فَفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها مِن حَكِيمٍ.

والثّانِي: مِن رَحِيمٍ.

والثّالِثُ: مِن أمِينٍ، رَوى هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَأمّا العَيْنُ فَفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها مِن عَلِيمٍ.

والثّانِي: مِن عالِمٍ.

والثّالِثُ: مِن عَزِيزٍ، رَواها أيْضًا سَعِيدُ [ بْنُ جُبَيْرٍ ] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّها مِن عَدْلٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وأمّا الصّادُ فَفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها مِن صادِقٍ.

والثّانِي: مِن صَدُوقٍ، رَواهُما سَعِيدُ [ بْنُ جُبَيْرٍ ] أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: مِنَ الصَّمَدِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنْ ﴿ كهيعص ﴾ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى.

ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: [ يا ] كهيعص اغْفِرْ لِي.

قالَ الزَّجّاجُ: والقَسَمُ بِهَذا والدُّعاءُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْمٌ واحِدٌ؛ لِأنَّ الدّاعِيَ إذا عَلِمَ أنَّ الدُّعاءَ بِهَذِهِ الحُرُوفِ يَدُلُّ عَلى صِفاتِ اللَّهِ فَدَعا بِها، فَكَأنَّهُ قالَ: يا كافِي، يا هادِي، يا عالِمُ، يا صادِقُ، وإذا أقْسَمَ بِها فَكَأنَّهُ قالَ: والكافِي الهادِي العالِمُ الصّادِقُ، وأُسْكِنَتْ هَذِهِ الحُرُوفُ؛ لِأنَّها حُرُوفُ تَهَجٍّ، النِّيَّةُ فِيها الوَقْفُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآَنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالُوا: هايا، ولَمْ يَقُولُوا في الكافِ: كا، وفي العَيْنِ: عا، وفي الصّادِ: صا، لِتَتَّفِقَ المَبانِي كَما اتَّفَقَتِ العِلَلُ ؟

فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، فَقالَ: حُرُوفُ المُعْجَمِ التِّسْعَةُ والعِشْرُونَ تَجْرِي مَجْرى الرِّسالَةِ والخُطْبَةِ، فَيَسْتَقْبِحُونَ فِيها اتِّفاقَ الألْفاظِ واسْتِواءَ الأوْزانِ، كَما يَسْتَقْبِحُونَ ذَلِكَ في خُطَبِهِمْ ورَسائِلِهِمْ، فَيُغَيِّرُونَ بَعْضَ الكَلِمِ لِيَخْتَلِفَ الوَزْنُ وتَتَغَيَّرَ المَبانِي، فَيَكُونُ ذَلِكَ أعْذَبَ عَلى الألْسُنِ وأحْلى في الأسْماعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الذِّكْرُ مَرْفُوعٌ بِالمُضْمَرِ، المَعْنى: هَذا الَّذِي نَتْلُو عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ.

قالَ الفَرّاءُ: وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، المَعْنى: ذِكْرُ رَبِّكَ عَبْدَهُ بِالرَّحْمَةِ، و ﴿ زَكَرِيّا ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ نادى رَبَّهُ ﴾ النِّداءُ هاهُنا بِمَعْنى الدُّعاءِ.

وَفِي عِلَّةِ إخْفائِهِ لِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لِيَبْعُدَ عَنِ الرِّياءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: لِئَلّا يَقُولَ النّاسُ: انْظُرُوا إلى هَذا الشَّيْخِ يَسْألُ الوَلَدَ عَلى الكِبَرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: لِئَلّا يُعادِيَهُ بَنُو عَمِّهِ ويَظُنُّوا أنَّهُ كَرِهَ أنْ يَلُوا مَكانَهُ بَعْدَهُ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وهَذِهِ القِصَّةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْتَحَبَّ إسْرارُ الدُّعاءِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: " «إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ» " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي ﴾ وقَرَأ مُعاذُ القارِئُ والضَّحّاكُ: ( وهُنَ ) بِضَمِّ الهاءِ؛ أيْ: ضَعُفَ.

قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: وهَنَ العَظْمُ، ووَهِنَ، بِفَتْحِ الهاءِ وكَسْرِها، والمُسْتَقْبَلُ عَلى الحالَيْنِ كِلَيْهِما: يَهِنُ.

وأرادَ أنَّ قُوَّةَ عِظامِهِ قَدْ ذَهَبَتْ لِكِبَرِهِ، وإنَّما خَصَّ العَظْمَ؛ لِأنَّهُ الأصْلُ في التَّرْكِيبِ.

وقالَ قَتادَةُ: شَكا ذَهابَ أضْراسِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ﴾ يَعْنِي: انْتَشَرَ الشَّيْبُ فِيهِ كَما يَنْتَشِرُ شُعاعُ النّارِ في الحَطَبِ، وهَذا مِن أحْسَنِ الِاسْتِعاراتِ.

﴿ وَلَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ ﴾ ؛ أيْ: بِدُعائِي إيّاكَ، ﴿ رَبِّ شَقِيًّا ﴾ ؛ أيْ: لَمْ أكُنْ أتْعَبُ بِالدُّعاءِ ثُمَّ أخِيبُ؛ لِأنَّكَ قَدْ عَوَّدْتَنِي الإجابَةَ، يُقالُ: شَقِيَ فُلانٌ بِكَذا: إذا تَعِبَ بِسَبَبِهِ ولَمْ يَنَلْ مُرادَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ يَلُونَهُ في النَّسَبِ، وهم بَنُو العَمِّ والعُصْبَةِ، ﴿ مِن ورائِي ﴾ ؛ أيْ: مِن بَعْدِ مَوْتِي.

وَفِي ما خافَهم عَلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خافَ أنْ يَرِثُوهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَإنِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ مُعْتَرِضٌ فَقالَ: كَيْفَ يَجُوزُ لِنَبِيٍّ أنْ يُنَفِّسَ عَلى قَراباتِهِ بِالحُقُوقِ المَفْرُوضَةِ لَهم بَعْدَ مَوْتِهِ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ نَبِيًّا، والنَّبِيُّ لا يُورَثُ، خافَ أنْ يَرِثُوا مالَهُ فَيَأْخُذُوا ما لا يَجُوزُ لَهم.

والثّانِي: أنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ طَبْعُ البَشَرِ، فَأحَبَّ أنْ يَتَوَلّى مالَهُ ولَدُهُ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قُلْتُ: وبَيانُ هَذا أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَتَوَلّى مالَهُ وإنْ َلَمْ يَكُنْ مِيراثًا، فَأحَبَّ أنْ يَتَوَلّاهُ ولَدُهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خافَ تَضْيِيعَهم لِلدِّينِ ونَبْذَهم إيّاهُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وَقَرَأ عُثْمانُ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقاصٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ أبِي شُرَيْحٍ عَنِ الكِسائِيِّ: ( خَفَّتْ) بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الفاءِ عَلى مَعْنى ( قَلَّتْ )؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ إنَّما خافَ عَلى عِلْمِهِ ونُبُوَّتِهِ ألّا يُورَثا فَيَمُوتُ العِلْمُ.

وأسْكَنَ ابْنُ شِهابٍ الزُّهْرِيُّ ياءَ ( المَوالِيَ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ورائِي ﴾ أسْكَنَ الجُمْهُورُ هَذِهِ الياءَ، وفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُنْبُلٍ.

ورَوى عَنْهُ شِبْلٌ: ( ورايَ )، مِثْلُ: ( عَصايَ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ﴾ ؛ أيْ: مِن عِنْدِكَ، ﴿ وَلِيًّا ﴾ ؛ أيْ: ولَدًا صالِحًا يَتَوَلّانِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ( يَرِثُنِي ويَرِثُ ) بِرَفْعِهِما.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: ( يَرِثْنِي ويَرِثْ ) بِالجَزْمِ فِيهِما.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ فَهُوَ عَلى الصِّفَةِ لِلْوَلِيِّ، فالمَعْنى: هَبْ لِي ولِيًّا وارِثًا، ومَن جَزَمَ فَعَلى الشَّرْطِ والجَزاءِ، كَقَوْلِكَ: إنْ وهَبْتَهُ لِي ورِثَنِي.

وَفِي المُرادِ بِهَذا المِيراثِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَرِثُنِي مالِي، ويَرِثُ مِن آَلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو صالِحٍ.

والثّانِي: يَرْثِي العِلْمَ، ويَرِثُ مِن آَلِ يَعْقُوبَ المُلْكَ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلى وِراثَةِ العِلْمِ دُونَ المُلْكِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: يَرِثُنِي نُبُوَّتِي وعِلْمِي، ويَرِثُ مِن آَلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ أيْضًا، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: يَرِثُنِي النُّبُوَّةَ، ويَرِثُ مِن آَلِ يَعْقُوبَ الأخْلاقَ، قالَهُ عَطاءٌ.

قالَ مُجاهِدٌ: كانَ زَكَرِيّا مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ، وزَعَمَ الكَلْبِيُّ أنَّ آَلَ يَعْقُوبَ كانُوا أخْوالَهُ، وأنَّهُ لَيْسَ بِيَعْقُوبَ أبِي يُوسُفَ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هو يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ، وكانَ يَعْقُوبُ هَذا وعِمْرانَ - أبُو مَرْيَمَ - أخَوَيْنِ.

والصَّحِيحُ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ مِيراثَ المالِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ  أنَّهُ قالَ: " «نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ» " .

والثّانِي: [ أنَّهُ ] لا يَجُوزُ أنْ يَتَأسَّفَ نَبِيُّ اللَّهِ عَلى مَصِيرِ مالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، إذا وصَلَ إلى وارِثِهِ المُسْتَحِقِّ لَهُ شَرْعًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذا مالٍ.

وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللهِ  أنَّ زَكَرِيّا كانَ نَجّارًا.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: أيْ: مَرْضِيًّا، فَصُرِفَ عَنْ مَفْعُولٍ إلى فَعِيلٍ، كَما قالُوا: مَقْتُولٌ وقَتِيلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ مَرْيَمَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، إلّا السَجْدَةَ مِنها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَدَنِيَّةٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كهيعص ﴾ ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا ﴾ ﴿ إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴾ ﴿ وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ﴾ ﴿ يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ عَلى قَوْلَيْنِ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي سِرُّ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في القُرْآنِ، لا يَنْبَغِي أنْ يَعْرِضَ لَهُ، يُؤْمَنُ بِظاهِرِهِ ويُتْرَكُ باطِنَهُ.

وقالَ الجُمْهُورُ: بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُتَكَلَّمَ فِيها وتُطْلَبَ مَعانِيَها؛ فَإنَّ العَرَبَ قَدْ تَأْتِي بِالحَرْفِ الواحِدِ دالًّا عَلى كَلِمَةٍ، ولَيْسَ في كِتابِ اللهِ ما لا يُفْهَمُ، ثُمُ اخْتَلَفَ هَذا الجُمْهُورُ عَلى أقْوالٍ قَدِ اسْتَوْفَيْنا ذِكْرَها في سُورَةِ البَقَرَةِ، ونَذْكُرُ الآنَ ما يَخْتَصُّ بِهَذِهِ السُورَةِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: هَذِهِ حُرُوفٌ دالَّةٌ عَلى أسْماءٍ مِن أسْماءِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، الكافُ مِن "كَبِيرٍ"، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الكافُ مِن "كافٍ"، وقالَ أيْضًا: هي مِن "كَرِيمٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَمُقْتَضى أقْوالِهِ أنَّها دالَّةٌ عَلى كُلِّ اسْمٍ فِيهِ كافٌ مِن أسْمائِهِ تَعالى.

قالُوا: والهاءُ مِن "هادٍ"، والياءُ مِن "عَلِيٍّ"، وقِيلَ: مِن "حَكِيمٍ"، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هي مِن "يَأْمَنُ لا يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ".

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: والعَيْنُ مِن "عَزِيزٍ"، وقِيلَ: مِن "عَلِيمٍ"، وقِيلَ: مِن "عَدْلٍ"، والصادُ مِن "صادِقٌ".

وقالَ قَتادَةُ: بَلْ "كَهَيَعَصَ" بِجُمْلَتِهِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، وقالَتْ فَرْقَةٌ: بَلْ هي اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: "يا كَهَيَعَصَ اغْفِرْ لِي".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنْ يُنادِيَ اللهَ تَعالى بِجَمِيعِ الأسْماءِ الَّتِي تَضَمَّنَها "كَهَيَعَصَ"، كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَقُولَ: يا كَرِيمُ يا هادِي يا عَلِيُّ يا عَزِيزُ يا صادِقُ اغْفِرْ لِي، فَجَمَعَ هَذا كُلَّهُ بِاخْتِصارٍ في قَوْلِهِ: "يا كَهَيَعَصَ".

وقالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ وغَيْرُهُ: "كَهَيَعَصَ" عِبارَةٌ عن حُرُوفِ المُعْجَمِ، ونَسَبَهُ الزَجّاجُ إلى أكْثَرِ أهْلِ اللُغَةِ، أيْ: هَذِهِ الحُرُوفُ مِنها ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا يَتَرَكَّبُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: ارْتَفَعَ "ذِكْرُ" بِأنَّهُ خَبَرٌ عن "كَهَيَعَصَ"، وهي حُرُوفُ تَهَجٍّ يُوقَفُ عَلَيْها بِالسُكُونِ.

وقَرَأ الجَمِيعُ: "كافْ" بِإثْباتِ الألِفِ والفاءِ، وقَرَأ نافِعٌ "الهاءُ والياءُ" وبَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ، ولا يُدْغِمُ الدالُّ في الذالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ أيْضًا بِفَتْحِ الهاءِ والياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ بِضَمِّ الهاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَدْ رُوِيَ عنهُ ضَمُّ الياءِ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "كافْ" بِضَمِّ الفاءِ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: مَعْنى الضَمِّ في الهاءِ والياءِ إشْباعُ التَفْخِيمِ، ولَيْسَ بِالضَمِّ الخالِصِ الَّذِي يُوجِبُ القَلْبَ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ عاصِمْ بِكَسْرِها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِإظْهارِ النُونِ مِن "عَيِينْ"، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ عن عاصِمْ، وهو القِياسُ؛ إذْ هي حُرُوفٌ مُنْفَصِلَةٌ، وقَرَأ الجَمِيعُ: "عَيِينْ" بِإخْفاءِ النُونِ، جَعَلُوها في حُكْمِ الِاتِّصالِ، وقَرَأ الأكْثَرُ بِإظْهارِ الدالِّ مِن "صادْ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِهِ في الذالِ مِن قَوْلِهِ: "ذِكْرُ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ بِإظْهارِ هَذِهِ الحُرُوفِ كُلِّها وتَخْلِيصِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ.

وارْتَفَعَ قَوْلُهُ: "ذِكْرُ" -فِيما قالَتْ فِرْقَةٌ- بِقَوْلِهِ: "كَهَيَعَصَ"، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ ذَلِكَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: ارْتَفَعَ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَإٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا ذِكْرُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: ارْتَفَعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: "فِيما أُوحِيَ إلَيْكَ ذِكْرُ".

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ يَعْمُرَ: "ذَكَّرَ رَحْمَةَ رَبِّكَ"، بِفَتْحِ الذالِ والكافِ "المُشَدَّدَةِ" والراءِ، عَلى مَعْنى: هَذا المَتْلُوُّ ذَكَّرَ رَحْمَةَ رَبِّكَ عَبْدَهُ، ومَن قالَ:"فِي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ" فَقَدْ تَعَسَّفَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زَكَرِيّاءَ" بِالمَدِّ، وقَرَأ الأعْمَشُ، ويَحْيى، وطَلْحَةُ: "زَكَرِيّا" بِالقَصْرِ، وهُما لُغَتانِ، وفِيهِ لُغاتٌ غَيْرُهُما.

وقَوْلُهُ تَعالى: "نادى" مَعْناهُ: بِالدُعاءِ والرَغْبَةِ.

واخْتُلِفَ في مَعْنى "إخْفائِهِ" هَذا النِداءَ، فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ذَلِكَ لِأنَّ الأعْمالَ الخَفِيَّةَ أفْضَلُ وأبْعَدُ مِنَ الرِياءِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «خَيْرُ الذِكْرِ الخَفِيُّ»، وقالَ غَيْرُهُ: يُسْتَحَبُّ الإخْفاءُ بَيْنَ العَبْدِ ومَوْلاهُ في الدُعاءِ الَّذِي هو في مَعْنى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ، لِأنَّهُ يَدُلُّ مِنَ الإنْسانِ عَلى أنَّهُ خَيْرٌ، فَإخْفاؤُهُ أبْعَدُ مِنَ الرِياءِ، وأمّا دُعاءُ زَكَرِيّا وطَلَبُهُ فَكانَ في أمْرِ دُنْيا وهو طَلَبُ الوَلَدِ فَإنَّما إخْفاؤُهُ لِئَلّا يَلُومَهُ الناسُ في ذَلِكَ، ولِيَكُونَ عَلى أوَّلِ أمْرِهِ، إنْ أُجِيبَ نالَ بُغْيَتَهُ، وإنْ لَمْ يُجَبْ لَمْ يَعْرِفْ أحَدٌ بِذَلِكَ.

ويُقالُ: وُصِفَ بِالخَفاءِ لِأنَّهُ كانَ في جَوْفِ اللَيْلِ.

و "وَهَنَ" مَعْناهُ: ضَعُفَ، والوَهْنُ في الشَخْصِ أوِ الأمْرِ: الضَعْفُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَهِنَ" بِكَسْرِ الهاءِ.

"واشْتَعَلَ" مُسْتَعارَةٌ لِلشَّيْبِ مِنَ اشْتِعالِ النارِ، عَلى التَشْبِيهِ بِهِ، و"شَيْبًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ في قَوْلِ مَن رَأى "اشْتَعَلَ" في مَعْنى شابٍّ، وعَلى التَمْيِيزِ في قَوْلِ مَن لا يَرى ذَلِكَ، بَلْ رَآهُ فِعْلًا آخَرَ، فالأمْرُ عِنْدَهُ كَقَوْلِهِمْ: وامْتَلَأتْ غَيْظًا.

قَوْلُهُ: ﴿ وَلَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴾ شُكْرٌ لِلَّهِ تَعالى عَلى سالِفِ أيادِيهِ عِنْدَهُ، مَعْناهُ: قَدْ أحْسَنْتَ إلَيَّ فِيما سَلَفَ، وسَعِدْتُ بِدُعائِي إيّاكَ، فالإنْعامُ يَقْتَضِي أنْ يَشْفَعَ آخِرُهُ أوَّلَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ الناسُ في المَعْنى الَّذِي مِن أجْلِهِ خافَ المَوالِيَ، فَقالَ ابْنُ عامِرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو صالِحٍ: خافَ أنْ يَرِثُوا مالَهُ وأنْ تَرِثَهُ الكَلالَةُ، فَأشْفَقَ مِن ذَلِكَ، ورَوى قَتادَةُ، والحَسَنُ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «يَرْحَمُ اللهُ أخِي زَكَرِيّا، ما كانَ عَلَيْهِ مِمَّنْ يَرِثُ مالَهُ»، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ مَوالِيهِ مُهْمِلِينَ لِلدِّينِ، فَخافَ بِمَوْتِهِ أنْ يَضِيعَ الدِينُ، فَطَلَبَ ولِيًّا يَقُومُ بِالدِينِ بَعْدَهُ، حَكى هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ، وفِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَسْألَ زَكَرِيّا مَن يَرِثُ مالَهُ إذِ الأنْبِياءُ لا تُورَثُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُؤَيِّدُ قَوْلَ النَبِيِّ  : «إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ»، ويُوهِنُهُ ذِكْرُ العاقِرِ، والأكْثَرُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ أرادَ وِراثَةَ المالِ، ويَحْتَمَلُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» ألّا يُرِيدَ بِهِ العُمُومَ، بَلْ عَلى أنَّهُ غالِبُ أمْرِهِمْ، فَتَأمَّلْهُ.

والأظْهَرُ الألْيَقُ بِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُرِيدَ وِراثَةَ العِلْمِ والدِينِ، فَتَكُونَ الوِراثَةُ مُسْتَعارَةً، ألا تَرى أنَّهُ إنَّما طَلَبَ ولِيًّا، ولَمْ يُخَصِّصْ ولَدًا فَبَلَّغَهُ اللهُ أمَلَهُ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ؟

وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: "يَرِثُنِي" يُرِيدُ المالَ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ ﴾ يُرِيدُ العِلْمَ والنُبُوَّةَ، وقالَ السُدِّيُّ: رَغِبَ زَكَرِيّا في الوَلَدِ.

و "خِفْتُ" مِنَ الخَوْفِ، هي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وعَلَيْها هو هَذا التَفْسِيرُ، وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ العاصِي، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وغَيْرُهُمْ: "خَفَّتِ" بِفَتْحِ الخاءِ وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّها وكَسْرِ التاءِ، وعَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى "المَوالِيَ"، والمَعْنى -عَلى هَذا-: انْقَطَعَ أولِيائِي وماتُوا، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَإنَّما طَلَبَ ولِيًّا يَقُولُ بِالدِينِ.

و"المَوالِيَ": بَنُو العَمِّ والقُرابَةُ الَّذِينَ يَلُونَ بِالنَسَبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن ورائِي ﴾ أيْ: مِن بَعْدِي في الزَمَنِ، فَهم الوَراءُ عَلى ما بَيَّنّاهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذِهِ الآيَةِ: أيْ مِن بَيْنِ يَدِي ومِن أمامِي، وهَذا قِلَّةُ تَحْرِيرٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "مِن ورائِيَ" بِالمَدِّ والهَمْزِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ أيْضًا ابْنُ كَثِيرٍ: "مِن ورايَ" بِالياءِ المَفْتُوحَةِ مِثْلُ "عَصايَ"، والباقُونَ هَمَزُوا ومَدُّوا وسَكَّنُوا الياءَ.

و "العاقِرُ" مِنَ النِساءِ الَّتِي لا تَلِدُ مِن غَيْرِ كِبَرٍ، وكَذَلِكَ العاقِرُ مِنَ الرِجالِ، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ: لَبِئْسَ الفَتى إنْ كَنْتُ أعْوَرَ عاقِرًا جَبانًا فَما عُذْرِي لَدى كُلِّ مَحْضَرِ و "زَكَرِيّا" عَلَيْهِ السَلامُ لِما رَأى مِن حالِهِ إنَّما طَلَبَ ولِيًّا، ولَمْ يُصَرِّحْ "بِالوَلَدِ" لِبُعْدِ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِسَبَبِ المَرْأةِ، ثُمْ وصَفَ الوَلِيَّ بِالصِفَةِ الَّتِي هي قَصْدُهُ، وهو أنْ يَكُونَ وارِثًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ طَلَبَ الوَلَدَ، ثُمْ شَرَطَ أنْ تَكُونَ الإجابَةُ في أنْ يَعِيشَ حَتّى يَرِثَهُ، تَحَفُّظًا مِن أنْ تَقَعَ الإجابَةُ في الوَلَدِ لَكِنْ يَخْتَرِمْ فَلا يَتَحَصَّلُ مِنهُ الغَرَضُ المَقْصُودُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَرِثُنِي ويَرِثُ" بِرَفْعِ الفِعْلَيْنِ عَلى مَعْنى الصِفَةِ لِلْوَلِيِّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "يَرِثْنِي ويَرِثْ" بِجَزْمِ الفِعْلَيْنِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ لَيْسَ هو جَوابَ "هَبْ"، إنَّما تَقْدِيرُهُ: إنْ تَهَبْهُ يَرِثْنِي، والأوَّلُ أصْوَبُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ طَلَبَ وارِثًا مَوْصُوفًا، ويُضْعِفُ الجَزْمَ أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَوْهُوبٍ يَرِثُ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "يَرِثُنِي وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا مَعْناهُ التَجْرِيدُ، التَقْدِيرُ: يَرِثُنِي مِنهُ أو بِهِ وارِثٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "يَرِثُنِي ويَرِثُ" عَلى التَصْغِيرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن آلِ يَعْقُوبَ ﴾ يُرِيدُ مِنهُمُ الحِكْمَةَ والعِلْمَ والنُبُوَّةَ، والمِيراثُ في هَذا كُلِّهِ اسْتِعارَةٌ.

و "رَضِيٌّ" مَعْناهُ: مَرْضِيٌّ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ قَالَ ربّ إنِّي وهَنَ العَظمُ مِني ﴾ مبنية لجملة ﴿ نادى ربه ﴾ [مريم: 3].

وهي وما بعدها تمهيد للمقصود من الدعاء وهو قوله: ﴿ فَهَب لِي مِن لَّدُنكَ ولِيّاً ﴾ .

وإنّما كان ذلك تمهيداً لما يتضمنه من اضطراره لسؤال الولد.

والله يجيب المضطر إذا دعاه، فليس سؤاله الولدَ سؤال توسع لمجرد تمتع أو فخر.

ووصَف من حاله ما تشتد معه الحاجة إلى الولد حالاً ومئالاً، فكان وهن العظم وعموم الشيب حالاً مقتضياً للاستعانة بالولد مع ما يقتضيه من اقتراب إبان الموت عادة، فذلك مقصود لنفسه ووسيلة لغيره وهو الميراث بعد الموت.

والخبران من قوله: ﴿ وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ﴾ مستعملان مجازاً في لازم الإخبار، وهو الاسترحام لحاله.

لأن المخبَر بفتح الباء عالم بما تضمنه الخبران.

والوهن: الضعف.

وإسناده إلى العظم دون غيره مما شمله الوهن في جسده لأنه أوجز في الدلالة على عموم الوهن جميع بدنه لأنّ العظم هو قوام البدن وهو أصلب شيء فيه فلا يبلغه الوهن إلاّ وقد بلغ ما فوقه.

والتعريف في (العظَمُ) تعريف الجنس دال على عموم العظام منه.

وشبّه عموم الشّيب شعرَ رأسه أو غلَبَته عليه باشتعال النار في الفحم بجامع انتشار شيء لامع في جسم أسود، تشبيهاً مركباً تمثيلياً قابلاً لاعتبار التفريق في التشبيه، وهو أبدع أنواع المركب.

فشبه الشعر الأسود بفحم والشعر الأبيض بنار على طريق التمثيلية المكنية ورمز إلى الأمرين بفعل ﴿ اشتَعَل ﴾ .

وأسند الاشتعال إلى الرأس، وهو مكان الشعر الذي عمّه الشيب، لأنّ الرأس لا يعمه الشيب إلاّ بعد أن يعمّ اللّحية غالباً، فعموم الشيب في الرأس أمارة التوغل في كبر السن.

وإسناد الاشتعال إلى الرأس مجاز عقلي، لأنّ الاشتعال من صفات النار المشبه بها الشيب فكان الظاهر إسناده إلى الشيب، فلما جيء باسم الشيب تمييزاً لنسبة الاشتعال حصل بذلك خصوصية المجاز وغرابته، وخصوصية التفصيل بعد الإجمال، مع إفادة تنكير ﴿ شَيباً ﴾ من التعظيم فحصل إيجاز بديع.

وأصل النظم المعتاد: واشتعل الشيب في شعر الرأس.

ولِما في هذه الجملة من الخصوصيات من مبنى المعاني والبيان كان لها أعظم وقع عند أهل البلاغة نبه عليه صاحب «الكشاف» ووضحه صاحب «المفتاح» فانظُرهما.

وقد اقتبس معناها أبو بكر بن دريد في قوله: واشتعل المُبيضّ في مُسودهمثلَ اشتعال النّار في جزل الغضا *** ولكنّه خليق بأن يكون مضرب قولهم في المثل: «ماء ولا كصدّى».

والشيب: بياض الشعر.

ويعرض للشعر البياض بسبب نقصان المادة التي تعطي اللون الأصلي للشعر، ونقصانها بسبب كبر السن غالباً، فلذلك كان الشيب علامة على الكبر، وقد يبيضّ الشعر مِنْ مرض.

وجملة ﴿ لم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ معترضة بين الجمل التمهيدية، والباء في قوله: ﴿ بدعائك ﴾ للمصاحبة.

والشقيّ: الذي أصابته الشقوة، وهي ضد السعادة، أي هي الحرمان من المأمول وضلال السّعي.

وأطلق نفي الشقاوة والمراد حصول ضدها وهو السعادة على طريق الكناية إذ لا واسطة بينهما عرفاً.

ومثل هذا التركيب جرى في كلامهم مجرى المثل في حصول السعادة من شيء.

ونظيره قوله تعالى في هذه السورة في قصة إبراهيم: ﴿ عسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً ﴾ [مريم: 48] أي عسى أن أكون سعيداً.

أي مستجاب الدعوة.

وفي حديث أبي هُريرة عن النبيء صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربّه في شأن الذين يذكرون الله ومن جالسهم «هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم» أي يسعد معهم.

وقال بعض الشعراء، لم نعرف اسمه وهو إسلامي: وكنت جليسَ قعقاع بن شَوْرولا يشقَى بقعقاع جليس *** أي يسعد به جليسُه.

والمعنى: لم أكن فيما دعوتك من قبل مردود الدعوة منك، أي أنه قد عهد من الله الاستجابة كلما دعاه.

وهذا تمهيد للإجابة من طريق غير طريق التمهيد الذي في الجمل المصاحبة له بل هو بطريق الحث على استمرار جميل صنع الله معه، وتوسلٌ إليه بما سلف له معه من الاستجابة.

روي أن محتاجاً سأل حاتماً الطائي أو مَعْنَ بن زائدةَ قائلاً: «أنا الذي أحسنت إليّ يوم كذا» فقال: «مرحباً بمن تَوسل بنا إلينا».

وجملة ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ عطف على جملة ﴿ واشتعل الرأس شيباً، ﴾ أي قاربت الوفاة وخفت الموالي من بعدي.

وما روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وأبي صالح عن النبيء صلى الله عليه وسلم مرسلاً أنه قال: " يرحم الله زكرياء ما كان عليه من وراثة ماله " فلعلّه خشي سوء معرفتهم بما يخلّفه من الآثار الدينية والعلمية.

وتلك أعلاق يعزّ على المؤمن تلاشيها، ولذلك قال: ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ فإن نُفوس الأنبياء لا تطمح إلا لمعالي الأمور ومصالح الدين وما سوى ذلك فهو تبع.

فقوله ﴿ يَرِثُني ﴾ يعني به وراثة ماله.

ويؤيّده ما أخرجه عبد الرزاق عن قتادة عن الحسن أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: " يرحم الله زكرياء ما كان عليه من وراثة ماله " والظواهر تؤذن بأن الأنبياء كانوا يُورَثون، قال تعالى: ﴿ وورث سليمان داوود ﴾ [النمل: 16].

وأما قول النبيء صلى الله عليه وسلم " نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركْنَا صدقةٌ " فإنما يريد به رسول الله نفسَه، كما حمله عليه عُمر في حديثه مع العبّاس وعليّ في «صحيح البخاري» إذ قال عمر: «يريد رسول الله بذلك نفسه»، فيكون ذلك من خصوصيات محمد صلى الله عليه وسلم فإن كان ذلك حكماً سابقاً كان مراد زكرياء إرث آثار النبوءة خاصة من الكتب المقدّسة وتقاييده عليها.

والموالي: العصبة وأقرب القرابة، جمع مولى بمعنى الولي.

ومعنى: ﴿ من ورائي ﴾ من بعدي، فإن الوراء يطلق ويراد به ما بعد الشيء، كما قال النّابغة: وليس وراء الله للمرء مطلب *** أي بعد الله.

فمعنى ﴿ من ورائي ﴾ من بعد حياتي.

و ﴿ من ورائي ﴾ في موضع الصفة ل ﴿ الموالي ﴾ أو الحال.

وامرأة زكرياء اسمها أليصابات من نسل هارون أخي موسى فهي من سبط لاوي.

والعاقر: الأنثى التي لا تلد، فهو وصف خاص بالمرأة، ولذلك جرد من علامة التأنيث إذ لا لبس.

ومصدره: العُقر بفتح العين وضمها مع سكون القاف.

وأتى بفعل (كان) للدلالة على أن العقر متمكن منها وثابت لها فلذلك حرم من الولد منها.

ومعنى ﴿ مِنْ لَدنكَ ﴾ أنه من عند الله عندية خاصة، لأنّ المتكلّم يعلم أنّ كلّ شيء من عند الله بتقديره وخلقه الأسْباب ومسبباتها تبعاً لخلقها، فلما قال ﴿ من لدنك ﴾ دلّ على أنه سأل ولياً غير جارٍ أمره على المعتاد من إيجاد الأولاد لانعدام الأسباب المعتادة، فتكون هبته كرامة له.

ويتعلّق ﴿ لِي ﴾ و ﴿ مِن لَّدُنكَ ﴾ بفعل ﴿ هَبْ ﴾ .

وإنما قدم ﴿ لِي ﴾ على ﴿ مِن لدُنكَ ﴾ لأنه الأهم في غرض الداعي، وهو غرض خاص يقدم على الغرض العام.

و ﴿ يَرِثُني ﴾ قرأه الجمهور بالرفع على الصفة ل ﴿ وَلِيَّا ﴾ .

وقرأه أبو عمرو، والكسائي بالجزم على أنه جواب الدعاء في قوله ﴿ هَبْ لِي ﴾ لإرادة التسبب لأن أصل الأجوبة الثمانية أنها على تقدير فاء السببية.

و ﴿ ءَال يَعْقُوبَ ﴾ يجوز أن يراد بهم خاصة بني إسرائيل كما يقتضيه لفظ ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ﴾ [النساء: 54]، وإنما يذكر آل الرجل في مثل هذا السياق إذا كانوا على سننه، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ﴾ [آل عمران: 68] وقولِه: ﴿ ذرية من حملنا مع نوح ﴾ [الإسراء: 3]، مع أن الناس كلهم ذرية من حملوا معه.

ويجوز أن يراد يعقوب آخر غير إسرائيل.

وهو يعقوب بن ماثان، قاله: معقل والكلبي، وهو عمّ مريم أخو عمران أبيها، وقيل: هو أخو زكرياء، أي ليس له أولاد فيكون ابنُ زكرياء وارثاً ليعقوب لأنه ابن أخيه، فيعقوب على هذه هو من جملة الموالي الذين خافهم زكرياء من ورائه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ مَرْيَمَ ﴿ كهيعص ﴾ ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا ﴾ ﴿ إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴾ ﴿ وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ﴾ ﴿ يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كهيعص ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ اسْتِفْتاحُ السُّورَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ السُّورَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: أنَّهُ مِن حُرُوفِ الجُمَّلِ تَفْسِيرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ لِأنَّ الكافَ عِشْرُونَ والهاءَ خَمْسَةٌ والياءَ عَشَرَةٌ والعَيْنَ سَبْعُونَ والصّادَ تِسْعُونَ.

كَذَلِكَ عَدَدُ حُرُوفِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ.

السّادِسُ: أنَّها حُرُوفُ أسْماءِ اللَّهِ.

فَأمّا الكافُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيها مِن أيِّ اسْمٍ هي عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن كَبِيرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها مِن كافٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّها مِن كِرِيمٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

وَأمّا الهاءُ فَإنَّها مِن هادٍ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ.

وَأمّا الياءُ فَفِيها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن يَمُنُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مِن حَكِيمٍ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّها مِن ياسِينَ حَكاهُ سالِمٌ.

الرّابِعُ: أنَّها مِن يا لِلنِّداءِ وفِيهِ عَلى هَذا وجْهانِ: أحَدُهُما: يا مَن يُجِيبُ مَن دَعاهُ ولا يَخِيبُ مَن رَجاهُ لِما تَعَقَبَهُ مِن دُعاءِ زَكَرِيّا.

الثّانِي: يا مَن يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

وَأمّا العَيْنُ فَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن عَزِيزٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّها مِن عالِمٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: مِن عَدْلٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَأمّا الصّادُ فَإنَّها مِن صادِقٍ في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ فَهَذا بَيانٌ لِلْقَوْلِ السّادِسِ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: أنَّها حُرُوفٌ مِن كَلامٍ أُغْمِضَتْ مَعانِيهِ ونُبِّهَ عَلى مُرادِهِ فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: كَفى وهَدى مَن لا يُعْصَ فَتَكُونُ الكافُ مِن كَفى والهاءُ مِن هَدى والباقِي حُرُوفُ يَعْصِي لِأنَّ تَرْكَ المَعاصِي يَبْعَثُ عَلى امْتِثالِ الأوامِرِ واجْتِنابِ النَّواهِي، فَصارَ تَرْكُها كافِيًا مِنَ العِقابِ وهادِيًا إلى الثَّوابِ وهَذا أوْجَزُ وأعْجَزُ مِن كُلِّ كَلامٍ مُوجَزٍ لِأنَّهُ قَدْ جَمَعَ في حُرُوفِ كَلِمَةٍ مَعانِيَ كَلامٍ مَبْسُوطٍ وتَعْلِيلَ أحْكامٍ وشُرُوطٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ حالَ مَن كَفاهُ وهَداهُ فَقالَ: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا ﴾ فَذِكْرُ رَحْمَتِهِ حِينَ أجابَهُ إلى ما سَألَهُ فاحْتَمَلَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَحِمَهُ بِإجابَتِهِ لَهُ.

الثّانِي: أنَّهُ إجابَةٌ لِرَحْمَتِهِ لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نِداءً خَفِيًّا ﴾ \[فِيهِ قَوْلانِ\] .

أحَدُهُما: قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، سِرًّا لا رِياءَ فِيهِ.

قالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ القَلْبَ النَّقِيَّ ويَسْمَعُ الصَّوْتَ الخَفِيَّ فَأخْفى زَكَرِيّا نِداءَهُ لِئَلّا يُنْسَبَ إلى الرِّياءِ فِيهِ.

الثّانِي: قالَهُ مُقاتِلٌ، إنَّما أخْفى لِئَلّا يَهْزَأ النّاسُ بِهِ، فَيَقُولُونَ انْظُرُوا إلى هَذا الشَّيْخِ يَسْألُ الوَلَدَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ إخْفاءَ الدُّعاءِ أخْلَصُ لِلدُّعاءِ وأرْجى لِلْإجابَةِ لِلسُّنَّةِ الوارِدَةِ فِيهِ: إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ لَيْسَ بِأصَمَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي ﴾ أيْ ضَعُفَ وفي ذِكْرِهِ وهَنَ العَظْمُ دُونَ اللَّحْمِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا وهَنَ العَظْمُ الَّذِي هو أقْوى كانَ وهْنُ اللَّحْمِ والجِلْدِ أوْلى.

الثّانِي: أنَّهُ اشْتَكى ضَعْفَ البَطْشِ، والبَطْشُ إنَّما يَكُونُ بِالعَظْمِ دُونَ اللَّحْمِ.

﴿ واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ﴾ هَذا مِن أحْسَنِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّهُ قَدْ يُنْشَرُ فِيهِ الشَّيْبُ كَما يُنْشَرُ في الحَطَبِ شُعاعُ النّارِ.

﴿ وَلَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴾ أيْ خائِبًا، أيْ كُنْتَ لا تُخَيِّبُنِي إذا دَعَوْتُكَ ولا تَحْرِمُنِي إذا سَألْتُكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: العُصْبَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ.

الثّانِي: الكَلالَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: الأوْلِياءُ أنْ يَرِثُوا عِلْمِي دُونَ مَن كانَ مَن نَسْلِي قالَ لَبِيدٌ: ومَوْلًى قَدْ دَفَعْتُ الضَّيْمَ عَنْهُ وقَدْ أمْسى بِمَنزِلَةِ المُضِيمِ الرّابِعُ: بَنُو العَمِّ لِأنَّهم كانُوا شِرارَ بَنِي إسْرائِيلَ.

وَسُمُّوا مَوالِي لِأنَّهم يَلُونَهُ في النَّسَبِ لِعَدَمِ الصُّلْبِ.

وَفِيما خافَهم عَلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خافَهم عَلى الفَسادِ في الأرْضِ.

الثّانِي: أنَّهُ خافَهم عَلى نَفْسِهِ في حَياتِهِ وعَلى أشْيائِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.

وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ خافَهم عَلى تَبْدِيلِ الدِّينِ وتَغْيِيرِهِ.

رَوى كَثِيرُ بْنُ كَلْثَمَةَ أنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ يَقْرَأُ: ﴿ وَإنِّي خِفْتُ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى قَلَّتْ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مِن ورائِي ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن قُدّامِي وهو قَوْلُ الأخْفَشِ.

الثّانِي: بَعْدَ مَوْتِي، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ﴾ ﴿ يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَرِثُنِي مالِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الثّانِي: يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ العِلْمَ والنُّبُوَّةَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: يَرِثُنِي النُّبُوَّةَ ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ الأخْلاقَ، قالَهُ عَطاءٌ.

الرّابِعُ: يَرِثُنِي العِلْمَ ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ المُلْكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَأجابَهُ اللَّهُ إلى وِراثَةِ العِلْمِ ولَمْ يُجِبْهُ إلى وارِثَةِ المُلْكِ.

قالَ الكَلْبِيُّ: وكانَ آلُ يَعْقُوبَ أخْوالَهُ وهو يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ، وكانَ فِيهِمُ المُلْكُ، وكانَ زَكَرِيّا مِن ولَدِ هارُونَ بْنِ عِمْرانَ أخِي مُوسى.

قالَ مُقاتِلٌ: ويَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ هو أخُو عِمْرانَ أبِي مَرْيَمَ؛ لِأنَّ يَعْقُوبَ وعِمْرانَ ابْنا ماثانَ، فَرَوى قَتادَةُ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيّا ما كانَ عَلَيْهِ مِن ورَثَتِهِ)» .

﴿ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَرْضِيًّا في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ.

الثّانِي: راضِيًا بِقَضائِكَ وقَدَرِكَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يُرِيدَ نَبِيًّا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: كبير، هاد، أمين، عزيز، صادق.

وفي لفظ: كاف بدل كبير.

وأخرج عبد الرزاق وآدم بن أبي إياس وعثمان بن سعيد الدارمي في التوحيد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس ﴿ كهيعص ﴾ قال: كاف من كريم، وهاء من هاد، وياء من حكيم، وعين من عليم، وصاد من صادق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة ﴿ كهيعص ﴾ هو الهجاء المقطع الكاف من الملك، والهاء من الله، والياء والعين من العزيز، والصاد من المصوّر.

وأخرج ابن مردويه عن الكلبي، أنه سئل عن ﴿ كهيعص ﴾ فحدث عن أبي صالح عن أم هانئ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كاف، هاد، عالم، صادق» .

وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي وابن ماجة وابن جرير، عن فاطمة بنت علي قالت: كان ابن عباس يقول في ﴿ كهيعص ﴾ و ﴿ حم ﴾ و ﴿ يس ﴾ وأشباه هذا، هو اسم الله الأعظم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: يقول: أنا الكبير الهادي عليّ أمين صادق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: الكاف من الملك، والهاء من الله، والعين من العزيز، والصاد من الصمد.

وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: الكاف مفتاح اسمه كافي، والهاء مفتاح اسمه هادي، والعين مفتاح اسمه عالم، والصاد مفتاح اسمه صادق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: يا من يجير ولا يجار عليه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: اسم من أسماء القرآن.

والله أعلم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر، أنه كان يقرأ ﴿ ذكر رحمة ربك عبده زكريا ﴾ بنقل، يقول: لما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء.

فقال: ﴿ ذكر رحمة ربك ﴾ .

وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان زكريا نجاراً» .

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر، عن ابن عباس قال: إن زكريا بن دان أبا يحيى كان من أبناء الأنبياء الذين كانوا يكتبون الوحي ببيت المقدس.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ إذ نادى ربه نداء خفياً ﴾ قال: لا يريد رياء.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إذ نادى ربه نداء خفياً ﴾ أي بقلبه سراً.

قال قتادة: إن الله يحب الصوت الخفي، والقلب النقي.

وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن مسعود قال: كان آخر أنبياء بني إسرائيل زكريا بن إدريس من ذرية يعقوب دعا ربه سراً، قال: ﴿ رب إني وهن العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ خفت الموالي من ورائي ﴾ وهم العصبة ﴿ يرثني ويرث ﴾ نبوة ﴿ آل يعقوب ﴾ ﴿ فنادته الملائكة ﴾ وهو جبريل ﴿ إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ فلما سمع النداء، جاءه الشيطان فقال: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس من الله، إنما هو من الشيطان يسخر بك، فشك وقال: ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ يقول: من أين يكون؟

﴿ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ﴾ !

قال الله: ﴿ قد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وهن العظم مني ﴾ يقول: ضعف.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وهن العظم مني ﴾ قال: نحول العظم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ قال: قد كنت تُعَودني الإجابة فيما مضى.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عيينة في قوله: ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ يقول: سعدت بدعائك وإن لم تعطني.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن العاص قال: أملى عليّ عثمان بن عفان من فيه ﴿ وإني خفت الموالي ﴾ بنقلها يعني بنصب الخاء والفاء وكسر التاء يقول قلت: ﴿ الموالي ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ قال: الورثة، وهم عصبة الرجل.

وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ قال: العصبة من آل يعقوب، وكان من ورائه غلام، وكان زكريا من ذرية يعقوب، وفي لفظ: أيوب.

وأخرج الفريابي، عن ابن عباس قال: كان زكريا لا يولد له، فسأل ربه؟

فقال: ﴿ رب هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: نبوته وعلمه.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله أخي زكريا، ما كان عليه من ورثة، ويرحم الله لوطاً، إن كان ليأوي إلى ركن شديد» .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ فيقول: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن صالح في قوله: ﴿ ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: النبوة يكون نبياً كما كان أبوه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: السنة والعلم.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد، عن يحيى بن يعمر أنه قرأها: ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ مشددة بنصب الخاء، وكسر التاء، وقرأها: ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ يرثني ﴾ مثقل مرفوع.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب قال: قال داود عليه السلام: «يا رب هب لي ابناً» فولد له ابن خرج عليه، فبعث إليه داود جيشاً فقال: «إن أخذتموه سليماً فابعثوا إلي رجلاً أعرف السرور في وجهه، وإن قتلتموه فابعثوا إلي رجلاً أعرف الشرّ في وجهه» فقتلوه فبعثوا إليه رجلاً أسود، فلما رآه علم أنه قتل، فقال: رب سألت أن تهب لي ابناً، فخرج علي؟!

فقال: إنك لم تستثن.

قال محمد بن كعب: لم يقل كما قال زكريا: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: لما دعا زكريا ربه أن يهب له غلاماً هبط جبريل عليه السلام- فبشره بيحيى.

فقال زكريا عندها: ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ وأخبر بكبر سنه، وعلة زوجته، فأخذ جبريل عوداً يابساً، فجعله بين كفي زكريا، فقال: ادرجه بين كفيك، ففعل، فإذا في رأسه عود بين ورقتين يقطر منهما الماء.

فقال جبريل: إن الذي أخرج هذا الورق من هذا العود، قادر أن يخرج من صلبك، ومن امرأتك العاقر غلاماً.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: لم يسم أحد يحيى قبله.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: لم يسم أحد يحيى قبله.

وأخرج أحمد في الزهد، عن عكرمة مثله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: لم تلد العواقر مثله ولداً.

وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: مثلاً.

وأخرج أحمد في الزهد، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: شبيهاً.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء مثله.

وأخرج البخاري في تاريخه، عن يحيى بن خلاد الزرقي، أنه لما ولد أتي به النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه وقال: لأسمينه اسماً لم يسم بعد يحيى بن زكريا فسماه يحيى.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس قال: لا أدري كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذا الحرف ﴿ عتياً ﴾ أو عييا.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والحاكم، عن ميمون بن مهران: أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس؟

فقال: أخبرني عن قول الله: ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ ما العتي؟

قال: البؤس من الكبر قال الشاعر: إنما يعذر الوليد ولا يعذر ** من كان في الزمان عتيا وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: نحول العظم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ يقول: هرماً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: العتي الذي قد عتا من الولد فيما يرى في نفسه لا ولادة فيه.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن الثوري قال: بلغني أن زكريا كان ابن سبعين سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن المبارك ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: ستين سنة.

وأخرج الرامهرمزي في الإسناد، عن وهب بن منبه ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: هذه المقالة وهو ابن ستين أو خمس وستين.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ عتيا برفع العين.

وأخرج عبد بن حميد، عن يحيى بن وثاب أنه قرأها ﴿ عتيا ﴾ وصليا، بكسر العين والصاد.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عقيل أنه قرأ ﴿ وقد بلغت من الكبر عسيا ﴾ بالسين ورفع العين.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم، عن نوف في قوله: ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ قال: أعطني آية أنك قد استجبت لي.

فقال: ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً ﴾ قال ختم على لسانه وهو صحيح سوي ليس به من مرض، فلم يتكلم ثلاثة أيام.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً ﴾ قال: اعتقل لسانه من غير مرض.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثلاث ليال سويا ﴾ قال: من غير خرس.

وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة والضحاك مثله.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله: ﴿ ثلاث ليال سويا ﴾ قال: صحيحاً لا يمنعك الكلام مرض.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في الآية قال: حبس لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحداً، وهو في ذلك يسبح ويقرأ التوراة، فإذا أراد كلام الناس لم يستطع أن يكلمهم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ قال: المحراب مصلاه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال: كتب لهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن الحكم ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال: كتب لهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال فأشار زكريا.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا ﴾ قال: أشار إليهم إشارة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سعيد بن جبير ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال: أومأ إليهم.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا ﴾ قال: صلوا.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله: ﴿ بكرة وعشيا ﴾ قال: أمرهم بالصلاة بكرة وعشيا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ﴾ قال: البكرة، صلاة الفجر، وعشيا، صلاة العصر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعال ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ﴾ وهن: ضعف يَهِن وَهْنا، ووَهَنا، فهو واهنِ، وأوهنه يُوهِنُه (١) ﴿ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ ﴾ أي: انتشر فيه الشيب كما ينتشر شعاع النار في الحطب، وهذا من أحسن الإشارة إذ شبه بياض الشيب وانتشاره في الرأس بشعاع النار وانتشارها (٢) قال ابن السكيت: (جاء جيش كالجراد المُشْعِل، وهو الذي يخرج في كل وجه، وكَتِيْبَةٌ مُشْعَلَةُ: إذا انتشرت) (٣) (٤) عَايَنْت مُشْعِلَةَ الرِّعَالِ كَأنَّها طَيْرٌ ...

تُغَاوِلُ في شَمَامِ وُكُوْرا ويقال أيضًا: أَشْعَلْت جَمْعَهم، أي: فرقتهم، ومنه يقال: أَشْعَلْتُ النار في الحطب، أي: فرقتها فيه فَاشْتَعَلَت.

قال الزجاج: (يقال للشيب إذا كثر جدا: قد اشتعل رأس فلان) (٥) (٦) أي: انتشر وكثر، والإشتعال للشيب إلا أنه نقل الفعل إلى الرأس فخرج الشيب مفسرًا ولذلك نصب كما يقال: ألم رأسه، ووجع بطنه (٧) وقال بعضهم: انتصب قوله: "شيبا" على المصدر كأنه قال: شاب رأسي شيبًا (٨) قال ابن الأنباري: (المعنى واشتعل شيب الرأس، فنقل الفعل عن الشيب إلى الرأس وانتصب الشيب بتحول الفعل عنه وخروجه من الوصف، يعني من أن يوصف بأنه فاعل، كما يقال: مررت برجل حسن وجها، نقلوا الحسن إلى الرجل، فلما انعدل الحسن عن الوجه انتصب بخروجه عن الوصف.

قال: ويجوز أن يكون الشيب نائبًا عن المصدر، والتأويل واشتعل الرأس اشتعالا، فسد الشيب مسد الاشتعال، كما تقول: جاء فلان ركضا، والتأويل ركض ركضا أو جاء مجيئًا) (٩) ومعنى الشيب: مخالطة الشعر الأبيض الأسود، وهو موافق لمعنى الشايب الذي يخلط الشيء بغيره (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ ﴾ أي: بدعائي إياك، والمصدر هاهنا مضاف إلى المفعول ﴿ رَبِّ شَقِيًّا ﴾ قال ابن عباس: (لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك) (١١) [وقال مجاهد: (كنت تعرفني الإجابة إذا دعوتك)] (١٢) (١٣) (١٤) (١) انظر: "تهذيب اللغة" (وهن) 4/ 3966، "مقاييس اللغة" (وهن) 6/ 149، "القاموس المحيط" (وهن) 1239، "لسان العرب" (وهن) 8/ 4935.

(٢) انظر: "النكت والعيون" 3/ 355، "المحرر الوجيز" 9/ 426، "الكشاف" 2/ 405، "الإيضاح في علوم البلاغة" 302، "البرهان في علوم القرآن" 3/ 435.

(٣) "تهذيب اللغة" (شعل) 2/ 1891.

(٤) البيت لجرير في قصيدة يهجو بها الأخطل، المُشْعَلَة: المتفرقه والرِّعَال: قطع الخيل.

وتُغاوِلُ: تبادر سرعة.

وشَمَام: جبل.

انظر: "ديوان جرير" ص 224، "تهذيب اللغة" (غال) 3/ 2624، "لسان العرب" (غول) 6/ 3319.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 319.

(٦) البيت للبيد من قصيدة يتحدث فيها عن مآثره ومواقفه، ويأسى لفقد أخيه أربد.

انظر: "ديوان لبيد بن ربيعة" ص 140.

(٧) "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 110، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 301.

(٨) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 624، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 301.

(٩) ذكره نحوه بلا نسبة "إملاء ما من به الرحمن" ص 406، "المحرر الوجيز" 9/ 426، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 77، "الدر المصون" 7/ 565.

(١٠) انظر: "تهذيب اللغة" (شاب) 2/ 1799، "مقاييس اللغة" (شيب) 3/ 232، "القاموس المحيط" (شيب) 99، "المعجم الوسيط" (شيب) 1/ 502.

(١١) ذكرته بعض كتب التفاسير بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 46، "النكت والعيون" 3/ 355، "معالم التنزيل" 5/ 218، "تنوير المقباس" 254.

(١٢) ذكره الطبري في "تفسيره" 16/ 46 بدون نسبة، وكذلك الماوردي في "تفسيره" 3/ 355.

(١٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).

(١٤) قوله: (بكذا)، ساقط من (س).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الموالى ﴾ يعني: الأقارب قيل: خاف أن يرثوه دون نسله، وقيل: خاف أن يضيعوا الدين من بعده ﴿ مِن وَرَآءِى ﴾ أي من بعدي ﴿ عَاقِراً ﴾ أي عقيماً ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ يعني وارثاً يرثني، قيل: يعني وراثة المال، وقيل: وراثة العلم والنبوة وهو أرجح لقوله صلى الله عليه وسلم: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» وكذلك ﴿ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ﴾ العلم والنبوة، وقيل: الملك، ويعقوب هنا هو يعقوب بن إسحاق على الأصح ﴿ رَضِيّاً ﴾ أي مرضياً فهو فعيل: بمعنى مفعول ﴿ سَمِيّاً ﴾ يعني من سُمي باسمه، وقيل: مثيلاً ونظيراً، والأول أحسن هنا ﴿ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ تعجب واستبعاد أن يكون له ولد مع شيخوخته وعقم امرأته، فسأل ذلك أولاً لعلمه بقدرة الله عليه، وتعجب منه لأنه نادر في العادة، وقيل: سأله وهو في سنّ من يرجوه، وأجيب بعد ذلك بسنين وهو قد شاخ ﴿ عِتِيّاً ﴾ قيل: يبساً في الأعضاء والمفاصل، وقيل: مبالغة في الكبر ﴿ كذلك ﴾ الكاف في موضع رفع، أي الأمر كذلك، تصديقاً له فيما ذكر من كبره وعقم امرأته، وعلى هذا يوقف على قوله.

كذلك.

ثم يبتدأ: قال ربك، وقيل: إن الكاف في موضع نصب بقال، وذلك إشارة إلى مبهم يفسره: هو عليّ هين ﴿ اجعل لي آيَةً ﴾ أي علامة على حمل امرأته ﴿ سَوِيّاً ﴾ أي سليماً غير أخرس، وانتصابه على الحال من الضمير في تكلم، والمعنى أنه لا يكلم الناس مع أنه سليم من الخرس، وقيل: إن سوياً يرجع إلى الليالي أي مستويات ﴿ فأوحى إِلَيْهِمْ ﴾ أي أشار، وقيل: كتب في التراب إذ كان لا يقدر على الكلام ﴿ أَن سَبِّحُواْ ﴾ قيل: معناه صلوا، والسبحة في اللغة الصلاة، وقيل: قولوا سبحان الله ﴿ يايحيى ﴾ التقدير قال الله ليحيى بعد ولادته: ﴿ خُذِ الكتاب ﴾ يعني التوراة ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ أي في العلم به والعمل به ﴿ وآتيناه الحكم صَبِيّاً ﴾ قيل: الحكم، معرفة الأحكام، وقيل: الحكمة، وقيل: النبوة ﴿ وَحَنَاناً ﴾ قيل: معناه رحمة وقال ابن عباس: لا أدري ما الحنان ﴿ وزكاوة ﴾ أي طهارة، وقيل، ثناء كما يزكى الشاهد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كيهعص ﴾ بإمالة الهاء فقط: أبو عمرو ﴿ كهيعص ﴾ بإمالة الياء فقط: حمزة وخلف وقتيبة وابن ذكوان، وقرأ عليّ غير قتيبة ويحيى ويحيى وحماد بإمالتهما.

وقرأ أبو جعفر ونافع والخزاعي عن البزي وابن فليح بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب.

الباقون بتفخيمها ﴿ صاد ذكر ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وخلف وابن عامر وسهل ﴿ من ورائي ﴾ بفتح الياء مهموزاً: ابن كثر غير زمعة والخزاعي عن ا لبزي وقرأ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي ﴿ من وراي ﴾ مثل ﴿ عصاي ﴾ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما: أبو عمرو وعليّ.

الباقون برفعهما ﴿ يبشرك ﴾ ثلاثياً وكذلك في آخر السورة: حمزة ﴿ عتباً ﴾ و ﴿ جثياً ﴾ و ﴿ صلياً ﴾ و ﴿ بكياً ﴾ بكسر الأوائل: حمزة وعلي وافق حفص إلا في ﴿ بكياً ﴾ الخزاز عن هبيرة ﴿ عتباً ﴾ الأولى بالكسر والثاني بالضم.

﴿ وقد خلقناك ﴾ حمزة وعلي.

الآخرون ﴿ خلقتك ﴾ على التوحيد ﴿ إلى آية ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن أهل مكة.

الوقوف: ﴿ كهيعص ﴾ ه كوفى ﴿ زكريا ﴾ ه ح لجواز تعلق "إذ" بـ ﴿ ذكر رحمة ربك ﴾ ولاحتمال انتصابه بأذكر محذوفاً.

﴿ خفياً ﴾ ه ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ ولياء ﴾ لا ﴿ آل يعقوب ﴾ ق والوجوه الوصل لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يحيى ﴾ لا لأن ما بعده صفة غلام والاستئناف ليس بقوي.

﴿ سمياً ﴾ ه ﴿ عتياً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ه بناء على أن التقدير الأمر كذلك ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ بقوة ﴾ ط ﴿ صبياً ﴾ ه لا للعطف أي آتيناه الحكم وحناناً منا عليه ﴿ وزكاة ﴾ ط ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ حياً ﴾ ه.

التفسير: حروف المعجم في الوقف ثنائية وثلاثية، وقد جرت عادة العرب بإمالة الثنائيات وبتفخيم الثلاثيات، وفي الزاي اعتيد الأمران لأنه قد يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق فيصير ثنائياً، ولا ريب أن التفخيم أصل والإمالة فرع عليه.

فمن قرأ بإمالة الهاء والياء معاً فعلى العادة، ومن قرأ بتفخيمهما جميعاً فعلى الأصل ومن قرأ بإمالة إحداهما فلرعاية الجانبين.

وقد روى صاحب الكشاف عن الحسن أنه قرأ بضمهما فقيل: لأنه تصور أن عين الكلمة فيهما واو فنبه بالضم على أصلها.

والبحث عن هذه الفواتح قد سلف في أول البقرة، ومما يختص بهذا الموضع ما روي عن ابن عباس أن قوله ﴿ كهيعص ﴾ ثناء من الله  على نفسه، فالكاف كاف لأمور عباده، والهاء هاد والعين عالم أو عزيز، والصاد صادق.

وعنه أيضاً أنه حمل الكاف على الكريم أو الكبير، والياء على الكريم مرة وعلى الحكيم أخرى.

وعن الربيع بن أنس أن الياء من مجير، وهذا التفسير لا يخلو من تحكم إلا أن يسند إلى الوحي أو الإلهام، وارتفع ﴿ ذكر رحمة ﴾ على الخبر أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ﴿ ربك ﴾ وانتصب ﴿ عبده ﴾ على أنه مفعول لذكر و ﴿ زكريا ﴾ عطف بيان، وقرىء برفعهما على إضافة المصدر إلى المفعول، وعن الكلبي أنه قرأ ﴿ ذكر ﴾ بلفظ الماضي مشدداً تارة و ﴿ رحمة ﴾ و ﴿ عبده ﴾ منصوبان على المفعولية، والفاعل ضمير المتلو.

ومخففاً أخرى و ﴿ عبده ﴾ مرفوع على الفاعلية.

وقرىء ﴿ ذكر ﴾ على الأمر وهي قراءة ابن معمر.

وقيل: يحتمل على هذا أن تكون الرحمة عبارة عن زكريا لأن كل نبي رحمة لأمته، ويجوز أن يكون رحمة لنبينا صل الله عليه وسلم ولأمته لأن طريقه في الإخلاص والابتهال يصلح لأن يقتدى به وكان ذكره رحمة لنا ولنبينا.

وفي خفاء ندائه.

وجوه منها: أن الإخفاء أبعد عن الرياء وأدخل في الخشية ولهذا فسره الحسن بأنه نداء لا رياء فيه.

ومنها أنه أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في غير وقته.

ومنها أنه أسره من مواليه الذين خافهم.

ومنها أنه خفت صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ "صوته خفات وسمعه تارات" ولعله أتى بأقصى ما يقدر عليه من الصوت ومع ذلك كان خفياً لنهاية كبره.

ثم شرع في حكاية ندائه قائلاً: ﴿ قال رب إني وهن العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ قال علماء المعاني: في الآية لطائف وذلك أصل الكلام: يا ربي قد شخت فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم ترك الإجمال إلى التفصيل لتوخي زيادة التقرير فصار ضعف بدني وشاب رأسي، ثم في القرينة الأولى عدل من التصريح إلى الكناية التي هي أبلغ منه فصار وهنت عظامي فإن وهن عظام البدن لازم لضعفه، ثم بنيت الكناية على المبتدأ لتقوي الحكم فحصل أنا وهنت عظام بدني، ثم سلك طريق الإجمال والتفصيل لمزيد البيان فصار: إني وهنت العظام من بدني، لأنك إذاقلت إني وهنت العظام أفاد أن عظاماً واهنة عندك، فإذا قلت: "من بدني" فقد فصلت، ثم ترك توسيط البدن لطلب مزيد اختصاص العظام، ثم لطلب شمول العظام فرداً فرداً قصدت مرتبة ثانية وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع فحصل ﴿ إني وهن العظم مني ﴾ فحصل أني وهنت العظام مني.

وإذا حصل الوهن في هذا الجنس الذي هو أصلب الأعضاء وبه قوام البدن وقد يكون جنة لسائر الأعضاء الرئيسة كالقحف للدماغ والقص للقلب ففي الأعضاء الأخر أولى.

وأما القرينة الأخرى فتركت الحقيقة فبها الاستعارة التي هي أبلغ فحصل اشتعل شيب رأسي.

وبيان الاستعارة فيه أنه شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وشبه انتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكتابة بأن حذف المشبه به وأداة التشبيه فصار اشتعل شيب الرأسي، ويمكن تقرير الاستعارة بوجه آخر وهو أن يكون استعمل ﴿ اشتعل ﴾ بدل "انتشر" فتكون الاستعارة تبعية تصريحية وقرينتها ذكر الشيب، ثم تركت هذه المرتبة إلى أبلغ منها وهي "اشتعل رأسي شيباً".

وكونها أبلغ من وجهات منها: إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادته شمول الاشتعال الرأس كما لو قلت: "اشتعل بيتي ناراً" مكان "اشتعل النار في بيتي".

ومنها الإجمال والتفصيل الواقعان في طريق التمييز، ومنها تنكير ﴿ شيباً ﴾ للتعظيم كما هو حق التمييز.

ثم عدل إلى مرتبة أخرى هي "اشتعل الرأس مني شيباً" لتوخي مزيد التقرير بالإبهام ثم البيان على نحو ﴿ وهن العظم مني ﴾ ثم ترك لفظ "مني" ذكره في القرينة الأولى ففي ذلك إحالة تأدية المعنى على العقل دون اللفظ.

وكم بين الحوالتين مع أن بناء الكلام على الاختصار حيث قال "رب" بحذف حرف النداء وياء المتكلم يناسب الاختصار في آخره.

وإنما أطنب في هذا المقام لأن هذه الآية كالعلم فيما بين علماء المعاني.

ثم إنه توسل إلى الله عز وجل بما سلف له معه من الاستجابة قائلاً ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ كما حكى أن محتاجاً قال لكريم: أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا فقال: مرحباً بمن توسل إلينا وقضى حاجته.

تقول العرب: سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها، وشقي بها إذا خاب ولم ينلها.

ومعنى ﴿ بدعائك ﴾ أي بدعائي إياك.

واعلم أن زكريا  قدم على السؤال أموراً ثلاثة: الأول كونه ضعيفاً، والثاني أنه  لم يرد دعاءه والثالث كون المطلوب بالدعاء سبباً للمنفعة في الدين وذلك قوله ﴿ وإني خفت الموالي ﴾ قال ابن عباس والحسن: أي الورثة.

وعن مجاهد العصبة.

وعن أبي صالح: الكلالة.

وعن الأصم: بني العم وهم الذين يلونه في النسب.

وعن أبي مسلم: المولى يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو ههنا من تقدم في ميراثة كالولد.

والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين، وكان من عاداتهم أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب كان متعيناً للحبورة.

وقوله: ﴿ من ورائي ﴾ أي بعد موتي لا يتعلق بــ ﴿ خفت ﴾ لأن الخوف بعد الموت محال ولكن بمحذوف أي الموالي الذين يخلفون من بعدي، أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت ولايتهم وسوى خلافتهم بعدي، فإن زكريا انضم له مع النبوّة الملك فخاف بعده على أحدهما أو عليهما.

وسبب الخوف القرائن والأمارات التي ظهرت له من صفائح أحوالهم وأخلاقهم.

وإنما قال: ﴿ خفت ﴾ بلفظ الماضي لأنه قصد به الإخبار عن تقادم الخوف، ثم استغنى بدلالة الحال كمسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في الحال.

وقرىء ﴿ خفت الموالي ﴾ بتشديد الفاء.

وعلى هذا فمعنى ورائي خلفي وبعدي أي قلوا وعجزوا عن أمر الدين والإقامة بوظائفه، والظرف متعلق بالموالي، أو معناه قدامي والظرف متعلق بـ ﴿ خفت ﴾ أي درجوا ولم يبق من يعتضد به.

ثم صرح بالمسألة قائلاً: ﴿ فهب لي ﴾ وأكده بقوله: ﴿ من لدنك ﴾ أي ولياً صادراً من عندك مضافاً إلى اختراعك بلا سبب لأني وامرأتي لا تصلح للولادة.

من قرأ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما فهو جواب الدعاء، ومن قرأ برفعهما فالأكثرون ومنهم جار الله قالوا: إنه صفة.

وقال صاحب المفتاح: الأولى حمله على الاستئناف كأنه قيل: لم تطلب الولد؟

فقال مجيباً: يرثني أي لأنه يرثني لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا.

واعترض بأن حمله على الاستئناف يوجب الإخبار عما لم يقع، وكذب النبي  .

أمنع من كونه غير مستجاب الدعوة.

وأجيب بأن عدم ترتب الغرض من طلب الولد لا يوجب الكذب.

وأقول: الاعتراض باق لأن المعنى يؤل إلى قولنا "هب لي ولياً موصوفاً بالوراثة" أو بأن الغرض منه الوراثة، أوهب لي ولياً أخبر عنه بأنه يرثني.

وعلى التقادير يلزم عدم الاستجابة أو الكذب.

والحق في الجواب هو ما سلف لنا في قصة زكريا من سورة آل عمران، أن النبي لا يطلب في الدعاء إلا الأصلح حتى لو كان الأصلح غير ما طلبه فصرفه الله  عنه كان المصروف إليه هو بالحقيقة مطلوبه.

ويمكن أن يقال: لعل الوراثة قد تحققت من يحيى وإن قتل قبل زكريا، وذلك بأن يكون قد تلقى منه كتاب أو شرع هو المقصود من وجود يحيى وبقى ذلك الكتاب أو الشرع معمولاً به بعد زكريا أيضاً إلى حين.

وقد روى صاحب الكشاف ههنا قراآت شاذة لا فائدة كثيرة في تعدادها إلى قوله عن علي وجماعة وأرث من آل يعقوب أي يرثني به وارث ويسمى التجريد في علم البيان.

فقيل: هو أن تجرد الكلام عن ذكر الأول حتى تقول "جاءني فلان فجاءني رجل" لا تريد به إلا الأول، ولذلك تذكر اسمه في الجملة الثانية، وتجرد الكلام عنه.

وأقول: يشبه أن يكون معنى التجريد هو أنك تجرده عن جميع الأوصاف المنافية للرجولية.

وكذا في الآية كأنه جرده عن منافيات الوارثية بأسرها.

واختلف المفسرون في أنه طلب ولداً يرثه أو طلب من يقوم مقامه ولداً كان أو غيره؟

والأول أظهر لقوله في آل عمران ﴿ رب هب لي من لدنك ذرية طيبة  ﴾ ولقوله في سورة الأنبياء ﴿ ربي لا تذرني فرداً  ﴾ حجة المخالف أنه لما بشر بالولد استعظم وقال ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ ولو كان دعاؤه لأجل الولد ما استعظم ذلك.

والجواب ما مر في آل عمران.

واختلفوا أيضاً في الوراثة فعن ابن عباس والحسن والضحاك: هي وراثة المال.

وعنهم أيضاً أن المراد يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوّة أو بالعكس.

وفي رواية أبي صالح أن المراد في الموضعين النبوّة.

فلفظ الإرث مستعمل في المال ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم  ﴾ وفي العلم ﴿ وأورثنا بني إسرائيل الكتاب  ﴾ "العلماء ورثة الأنبياء" وحجة الأولين ما روي أنه  قال: "رحم الله زكريا وما عليه من يرثه" فإن ظاهره يدل على أنه أراد بالوراثة المال.

وكذا قوله  "إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" ، وأيضاً العلم والنبوة كيف يحصل بالميراث ولو كان المراد إرث النبوّة إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ لأن النبي لا يكون إلا مرضياً.

وأجيب بأنه إذا كان المعلوم من حال الابن أنه يصير نبياً بعده فيقوم بأمر الدين جاز أن يقال ورثه.

والمراد يكون رضياً أن لا يوجد منه معصية ولا همّ بها كما جاء في حق يحيى، وقج مر الحديث هناك.

ولا يلزم من هذا أن يكون يحيى مفضلاً على غيره من الأنبياء كلهم فلعل لبعضهم فضائل أخر تختص به.

احتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال، وأجابت المعتزلة بأنه يفعل به ضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضياً عنده، وزيف بأن ارتكاب المجاز على خلاف الأصل، وبأن فعل الألطاف واجب على الله فطلب ذلك بالدعاء والتضرع عبث.

واعلم أن أكثر المفسرين على أن يعقوب المذكور في الآية هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم لأن زوجة زكريا كانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهودا بن بعقوب، وأما زكريا فقد كان من ولد هرون أخي موسى وهرون وموسى ولد لاوى بن يعقوب بن إسحق، وكانت النبوّة في سبط وهو إسرائيل  .

وزعم بعض المفسرين أن المراد هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان وهذا قول الكلبي ومقاتل.

وعن مقاتل: أن بني ماثان كانوا رؤوس بني إسرائيل وملوكها.

قوله: ﴿ يا زكريا ﴾ الكثرون على أنه نداء من الله  لقرينة التخاطب من قوله: ﴿ رب إني وهو العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ رب أنى يكون لي غلام ﴾ ومنهم من قال: هو نداء الملك لقوله في آل عمران ﴿ فنادته الملائكة  ﴾ وجوز بعضهم الأمرين.

واختلفوا في عدم السمي فقيل: أراد أن لم يسم أحد بيحيى قبله.

وقيل: أراد أنه لا نظير له كقوله ﴿ هل تعلم له سمياً  ﴾ وذلك أنه سيداً وحصوراً ولم يعص ولم يهم بمعصية فكأنه جواب لقوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ وأيضاً سمي بيحيى قبل دخوله في الوجود ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر فلا نظير له في هذه الخواص.

قال بعض العلماء: القول الأول أظهر لما في الثاني من العدول عن الظاهر ولا يصار إليه لضرورة كما في قوله: ﴿ فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً  ﴾ لأنا نعلم أن مجرد كونه تعالى لا سميّ له لا يقتضي عبادته فنقول: السميّ هناك يراد به المثل والنظير.

ويمكن أن يقال: إن التفرد بالاسم فيه ضرب من التعظيم فلا ضرورة في الآية أيضاً.

قال جار الله: إنما قيل للمثل سميّ لأن كل متشاكلين يسمى كل منهما باسم المثل والشبيه والشكل والنظير، فكل واحد منهما سمي.

قلت: ويقرب هذا من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم.

ولم سمي بيحيى؟

تكلفوا له وجوهاً.

فعن ابن عباس لأنه  أحيا عقر أمه.

وعن قتادة لأنه  أحيا قلبه بالإيمان والطاعة ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه  ﴾ ﴿ إذا دعاكم لما يحييكم  ﴾ .

ولهذا كان من أول من آمن بعيسى.

وقيل: لأنه استشهد والشهداء أحياء.

وقيل: لأن الدين أحيى به لأن زكريا سأله لأجل الدين.

قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ قال جار الله: أي من أجل الكبر والطعن في السن العالية فــ"من" للتعليل، ويجوز أن تكون للابتداء أي بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى ﴿ عتياً ﴾ وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام.

يقال: عنا العود عتياً إذا غيره طول الزمان إلى حالة اليبس.

سؤال: إنه قال في آل عمران ﴿ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر  ﴾ فلم عكس الترتيب في هذه السورة؟

وأجيب بأن الواو لا تفيد الترتيب.

قلت: إن ذاك ورد على الأصل وهو تقديم نقص نفسه وههنا راعى الفاصلة.

﴿ قال ﴾ الأمر ﴿ كذلك ﴾ تصديقاً له.

ثم ابتدأ قائلاً ﴿ قال ربك ﴾ فمحل ﴿ كذلك ﴾ رفع، ويحتمل أن يكون نصباً ﴿ قال ﴾ وذلك إشارة إلى مبهم يفسره قوله: ﴿ هو ﴾ أي خلق الغلام ﴿ عليّ هين ﴾ ويحتمل أن يكون إشارة إلى قول زكريا ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ أي كيف تعطيني الغلام أبأن تجعلني وزوجتي شابين أو بأن تتركنا على الشيخوخة؟

فأجيب بقوله: ﴿ كذلك ﴾ أي نهب الولد لك مع بقائك وبقاء زوجتك على حالتكما.

ولفظ الهين مجاز عن كمال القدرة وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع عن المراد ﴿ ولم تك شيئاً ﴾ لأن المعدوم ليس بشيء أو شيئاً بعتد به كالنطفة، أو كالجواهر التي لم تتألف بعد، فيه نفس استبعاد زكريا، لأن خلق الذات ثم تغييرها في أطوار الصفات ليس أهون من تبديل الصفات وهو أحداث القوة المولدة في زكريا وصاحبته بعد أن لم تكن ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ قد مر تفسير الآية في أول عمران.

قوله: ﴿ سوياً ﴾ قيل: إنه صفة لليالي أي تامة كاملة.

والأكثرون على أنه صفة زكريا أي وأنت سليم الحواس مستوى الخلق ما بك خرس ولا عيّ ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ قيل: كان له موضع ينفرد فيه للصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه.

وقيل: كان موضعاً يصلي فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه.

﴿ فأوحى إليهم ﴾ عن مجاهد: أشار بدليل قوله في أول آل عمران ﴿ إلا رمزاً ﴾ وعن ابن عباس: كتب لهم على الأرض.

و ﴿ أن ﴾ هي المفسرة و ﴿ سبحوا ﴾ أي صلوا أو على الظاهر وهو قول سبحان الله.

عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشيّ صلاة العصر، فلعلهم كانوا يصلون معه هاتين الصلاتين في محرابه، وكان يخرج إليهم ويأذن لهم بلسانه، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته ففهمهم المقصود بالإشارة أو الكتابة.

وههنا إضمار والمراد فبلغ يحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فقلنا له: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب ﴾ أي التوراة لأنها المعهود حينئذ، ويحتمل أن يكون كتاباً مختصاً به وإن كنا لا نعرفه الآن كقول عيسى ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب  ﴾ والمراد بالأخذ إما الأخذ من حيث الحس، وإما الأخذ من حيث المعنى وهو القيام بمواجبه كما ينبغي وذلك بتحصيل ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به والإحجام عن المنهى عنه.

ثم أكده بقوله: ﴿ بقوة ﴾ أي بجد وعزيمة.

﴿ وآتيناه الحكم ﴾ أي الحكمة.

عن ابن عباس: هو فهم التوراة والفقه في الدين ولذلك لما دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي قال: ما للعب خلقت.

وعن معمر: العقل.

وقيل: النبوة.

وكل هذه الأوصاف على الأقول من الخوارق كما حق عيسى فلا استبعاد إلا من حيث العادة.

والحنان أصله توقان النفس، ثم استعمل في الرحمة وهو المراد ههنا.

وما قيل إنه يحتمل أن يراد حناناً منا على زكريا أو على أمة يحيى لا يساعده وجود الواو.

وقيل: أراد آتيناه الحكم والحنان على عبادنا كقوله في نبينا ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم  ﴾ وأراد بقوله: ﴿ وزكاة ﴾ أنه مع الإشفاق عليهم كان لا يخل بإقامة ما يجب عليهم لأن الرأفة واللين ربما تورث ترك الواجب ولهذا قال: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله  ﴾ ولا يخفى أنه يساعد هذا القول وجود لفظة ﴿ من لدنا ﴾ وعن عطاء: أن معنى حناناً تعظيماً من لدنا.

وعن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج: أن معنى زكاة عملاً صالحاً زكياً.

وقيل: زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكى الشهود.

وقيل: بركة كقول عيسى ﴿ جعلني مباركاً ﴾ وقيل: صدقة أي ينعطف على الناس ويتصدق عليهم.

ثم أخبر محمد  عن جملة أحواله بقوله: ﴿ وكان تقياً ﴾ بحيث لم يعص الله ولا هم بمعصية قط ﴿ وبرّاً بوالديه ﴾ لأن تعظيم الوالدين تلو تعظيم الله ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ وذلك أن الزاهد في الدنيا قلما يخلو عن طلب ترفع والرغبة في احترام، فذكر أنه مع غاية زهده كان موصوفاً بالتواضع للخلق وتحقيق العبودية للحق.

قال سفيان: الجبار الذي يقتل عند الغضب دليله قوله: ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض  ﴾ ثم إنه  سلم عليه في ثلاثة مواطن هي أوحش المواطن وأحوجها إلى طلب السلامة فيها، ويحتمل أن يكون هذا السلام من الملائكة عليه إلا أنه لما كان بإذن الله كان كلام الله، وقيل: إنما قال: ﴿ حياً ﴾ مع أن المبعوث هو المعاد إلى حال الحياة تنبيهاً على كونه من الشهداء وهم أحياء إلا أنه يشكل بما يجيء في قصة عيسى ﴿ ويوم أبعث حياً  ﴾ وذلك أنه ورد في الأخبار أن عيسى سيموت بعد النزول.

والظاهر أنه أراد ويوم يجعل حياً فوضع الأخص موضع الأعم تأكيداً.

قيل: السلام عليه يوم ولد لا بد أن يكون تفضلاً من الله  لأنه لم يتقدم منه عمل يجزى عليه، وأما الآخران فيجوز أن يكونا لأجل الثواب.

قلت: أكثر أموره خارق للعادة، فيحتمل أن يوجد منه في بطن أمه عمل يستحق الثواب كما يحكى أن أمه قالت لمريم وهما حاملان: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك.

التأويل: إن زكريا الروح ﴿ نادى ربه نداء خفياً ﴾ من سر السر ﴿ قال رب إني وهن ﴾ مني عظم الروحانية واشتعل شيب صفات البشرية، وإني خفت صفات النفس أن تغلب ﴿ وكانت امرأتي ﴾ يعني الجثة التي هي روح الروح ﴿ عاقراً ﴾ لا تلد إلا بموهبة من الله ﴿ فهب لي من لدنك ﴾ سأل ﴿ ولياً ﴾ فأعطاه الله نبياً وهو في الحقيقة القلب الذي هو معدن العلم اللدني فإنه ولد الروح والنفس أعدى عدوه ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ أي يتصف بصفة الروح وجميع الصفات الروحانية ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ بأن توطنه من تجلي صفات ربوبيتك ما يرضى به نظيره ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى  ﴾ ﴿ اسمه يحيى ﴾ إن الله أحياه بنوره ﴿ ولم نجعل له من قبل سمياً ﴾ لا من الحيوانات ولا من الملائكة لأنه هو الذي يقبل فيض الألوهية بلا واسطة، وهو سر حمل الأمانة كما قال: "ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ أي بسبب طول زمان تعلق القلب بالقالب ﴿ عتياً ﴾ يبساً وجفافاً من غلبات صفات النفس ﴿ آيتك أن لا تكلم الناس ﴾ لا تخاطب إلا الله ولا تلتفت إلى ما سواه ﴿ ثلاث ليال ﴾ هي ثلاث مراتب الجماديات والحيوانيات والروحانيات ﴿ سوياً ﴾ متمكناً في هذا الحال من غير تلون ﴿ فخرج ﴾ زكريا الروح من محراب هواه وطبعه على قوم صفات نفسه وقلبه وأنانيته، فأشار إليهم أن كونوا متوجهين إلى الله معرضين عما سواه آناء الليل وأطراف النهار بل بكرة الأزل وعشيّ الأبد ﴿ يا يحيى ﴾ القلب ﴿ خذ ﴾ كتاب الفيض الإلهي المكتوب لك في الأزل ﴿ بقوة ﴾ ربانية لا بقوة جسدانية لأنه خلق ضعيفاً ﴿ وآتيناه الحكم ﴾ في صباه إذ خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره ﴿ زكاة ﴾ وتطهراً من الالتفات إلى غيرنا ﴿ وبراً بوالديه ﴾ الروح والقالب.

أما البروح فلأن القلب محل قبول الفيض الإلهي لأن الفيض نصيب الروح أوّلاً ولكن لا يمسكه لغاية لطافته كما أن الهواء الصافي لا يقبل الضوء وينفذ فيه، وأما القلب ففيه صفاء وكثافة فبالصفاء يقبل الفيض وبالكثافة يمسكه، وهذا أحد أسرار حمل الأمانة.

وأما بر والدة القلب فهو استعمالها على وفق الشريعة والطريقة ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ كالنفس الأمارة بالسوء ﴿ وسلام عليه يوم يولد ﴾ في أصل خلقه ﴿ ويوم يموت ﴾ من استعمال المعاصي بالتوبة ﴿ ويوم يبعث حياً ﴾ بالتربية والترقي إلى مقام السلامة الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ كۤهيعۤصۤ ﴾ .

قيل: اسم من أسماء القرآن.

وقيل: اسم من أسماء الله  ، وعلى ذلك روي عن علي -  - أنه قال: يا كهيعص، اغفر لي.

قال أبو بكر الأصم: لا يصح هذا من علي؛ لأن هذا لم يذكر في أسمائه المعروفة التي يدعى بها.

وقال بعضهم: حروف من أسماء الله افتتح بها السورة فهو ما ذكرنا، وهو الأوّل، وقال بعضهم: الكاف مفتاح اسمه كافٍ، والهاء مفتاح اسمه هادٍ، والعين مفتاح اسمه عالم، والصاد مفتاح اسمه صادق.

وقال ابن عباس: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من حكيم، والعين من عليم، والصاد من صادق.

وقال الربيع بن أنس: الياء من قوله: ﴿ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾ \[المؤمنون: 88\].

وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله على نفسه؛ فقال: كافٍ هادٍ عالمٍ صادقٍ، يقول: كافٍ لخلقه، هادٍ لعباده، عالم ببريّته وبأمره، صادق في قوله.

وقال بعضهم: لم ينزل الله كتاباً إلا وله فيه سرّ لا يعلمه إلا الله، وسرّ القرآن فواتحه.

وقال بعضهم: تفسيره ما ذكر على أثره، وهو قول الحسن، وأمثال هذا قد أكثروا فيه، وقد ذكرنا الوجه في الحروف المقطعة فيما تقدم في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: على الأمر، أي: اذكر لهم رحمة ربك عبده زكريا بالإجابة له عند سؤاله الولد في الوقت الذي أيس عن الولد في ذلك الوقت؛ فيكون فيه دلالة رسالته، حيث ذكر لهم رحمة ربه على زكريا، وأخبرهم على ما في كتبهم.

والثاني: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ﴾ : هذا ذكر رحمة ربك لعبده زكريا في دعائه، وعلى هذا التأويل يكون الذكر هو القرآن، وقد سمى الله القرآن: ذكراً في غير آي من القرآن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: نداءً خفيّاً في قلبه على الإخلاص من غير أن ينطق به.

وقال بعضهم: نداءً خفيّاً عن قومه ومن حضره.

ثم يحتمل وجهين: أحدهما: أخفاه وأسرّه منهم إخلاصاً لله وإصفاء له.

والثاني: أخفاه وأسره منهم حياء أن يعيبوه أن سأل ربه الولد في وقت كبره وإياسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي ﴾ أي: ضعف ورق ﴿ وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً ﴾ : اعتذر إليه، وقدم زكريا ما حل به من الكبر وبلوغه الوقت الذي لا يطمع في ذلك الوقت الولد، أي: بلغت المبلغ الذي ضعف بدني، ورق عظمي، ثم سأل ربه الولد ليس على أنه كان لا يعرف قدرة الله أنه قادر على هبة الولد، وإنشائه في كل وقت في وقت الكبر والضعف، وبالسبب وبغير السبب؛ لكنه لأنه لا يعرف أنه [لا] يسع ويصلح سؤال الولد وهبته في الوقت الذي كان بلغ هو، وهو الوقت الذي لا يطمع فيه الولد في الأغلب، وهو ما ذكر في سورة آل عمران: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ  ﴾ فعند ذلك عرف زكريا أنه يسعه دعاء هبته الولد وسؤاله في وقت الإياس، حيث رأى [عند] مريم فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء غير متغيرة عن حالها، فسأل عند ذلك ربه الولد، وهو قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً...

﴾ الآية [آل عمران: 38]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: أي: كنت تعودني الإجابة في دعائي إياك فيما مضى.

وقال بعضهم: أي: لم يكن دعائي مما يخيب عندك، وهما واحد، ذكر مننه وفضله [الذي] كان منه إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى ﴾ .

قال الحسن: خاف مواليه أن يرثوا ماله، فأما علمه ونبوته فمما لا يورث.

قال أبو بكر الأصم: هذا لا يصح، لا يحتمل أن يخاف زكريا وراثة ماله مواليه؛ فيسأل ربه لذلك الولد ليرثه ماله، ولكن خاف أن يُضَيِّعَ مواليه دينه وسننه من بعده؛ فسأل ربه أن يهب له الولد ليقوم مقامه في حفظ دينه وسننه.

وقال: لا يحتمل وراثة المال؛ لما روي في الخبر: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"، فلا يخلو هذا من أحد وجهين: إمّا أن كان هذا في المال له خاصّة دون سائر الأنبياء، وإما إذَنْ لم يكن زكريا نبيّاً فدلّ هذا أنه لا يحتمل وراثة المال فدلّ أنه على العلم: أن يضيع الموالي علمي من ورائي.

ويحتمل قوله: ﴿ وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى ﴾ ، وسؤاله الولد وجهاً آخر، وهو أنه سأل ربه الولد الرضى الطيب؛ ليذكر هو به بعد وفاته بالأعمال والصنيع الذي كان منه في حياته، ويُدْعَى له، لئلا ينقطع ذكره، ودعاء الخلق له، وهذا هو المعروف في الخلق أنهم يذكرون ويدعون لهم بالخيرات التي كانت في حال حياتهم، إذا كان له ولد صالح فعلى ذلك سؤال زكريا الولد، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً ﴾ أي: لا تلد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي ﴾ أي: يلي أمري.

وقوله: ﴿ وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ما ذكرنا: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، وقيل: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ وارثاً يرثني مكاني، ونبوتي، ويرث من آل يعقوب الملك؛ لأنهم كانوا ملوكاً، وكانوا أخواله، وهو كان حَبْراً، والله أعلم بذلك.

ولكن قوله: ﴿ يَرِثُنِي ﴾ ما كان له من العلم والحكمة والدّين وغيره، ويرث من آل يعقوب ما كان لهم من العلوم وغيرها، فإن ثبت أن آل يعقوب كانوا أخواله، ففيه دلالة أن ذوي الأرحام يرثون بعضهم من بعض، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال: يا رب، إني ضعفت عظامي، وكثر شيب رأسي, ولم أكن خائبًا في دعائي لك، بل كما دعوتك أجبتني.

<div class="verse-tafsir" id="91.op9NE"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله