الآية ١١ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١١ من سورة البقرة

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 117 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الطيب الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ) أما لا تفسدوا في الأرض ، قال : الفساد هو الكفر ، والعمل بالمعصية .

وقال أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ) قال : يعني : لا تعصوا في الأرض ، وكان فسادهم ذلك معصية الله ؛ لأنه من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله فقد أفسد في الأرض ؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة .

وهكذا قال الربيع بن أنس ، وقتادة .

وقال ابن جريج ، عن مجاهد : ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ) قال : إذا ركبوا معصية الله ، فقيل لهم : لا تفعلوا كذا وكذا ، قالوا : إنما نحن على الهدى ، مصلحون .

وقد قال وكيع ، وعيسى بن يونس ، وعثام بن علي ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن عباد بن عبد الله الأسدي ، عن سلمان الفارسي : ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ) قال سلمان : لم يجئ أهل هذه الآية بعد .

وقال ابن جرير : حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم ، حدثنا عبد الرحمن بن شريك ، حدثني أبي ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب وغيره ، عن سلمان ، في هذه الآية ، قال : ما جاء هؤلاء بعد .

قال ابن جرير : يحتمل أن سلمان أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادا من الذين كانوا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ، لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد .

قال ابن جرير : فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم ، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه ، وتضييعهم فرائضه ، وشكهم في دينه الذي لا يقبل من أحد عمل إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته ، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب ، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله ، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا .

فذلك إفساد المنافقين في الأرض ، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها .

وهذا الذي قاله حسن ، فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء ، كما قال تعالى : ( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) [ الأنفال : 73 ] فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين كما قال : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ) [ النساء : 144 ] ثم قال : ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا ) [ النساء : 145 ] فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين ، فكأن الفساد من جهة المنافق حاصل ؛ لأنه هو الذي غر المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له ، ووالى الكافرين على المؤمنين ، ولو أنه استمر على حالته الأولى لكان شره أخف ، ولو أخلص العمل لله وتطابق قوله وعمله لأفلح وأنجح ؛ ولهذا قال تعالى : ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ) أي : نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين ، ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء ، كما قال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ) أي : إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ اختلف أهلُ التأويل في تأويل هذه الآية: فروُي عن سَلْمان الفارسيّ أنه كان يقول: لم يجئ هؤلاء بعدُ.

337- حدثنا أبو كُريب, قال: حدثنا عَثَّامُ بن علي, قال: حدثنا الأعمش, قال: سمعت المِنْهال بن عَمرو يُحدِّث، عن عَبَّاد بن عبد الله, عن سَلْمان, قال: ما جاء هؤلاء بعدُ, الَّذين ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) (75) .

338- حدثني أحمد بن عثمان بن حَكيم, قال: حدثنا عبد الرحمن بن شَرِيك, قال: حدثني أبي, قال: حدثني الأعمش, عن زيد بن وَهب وغيره, عن سَلْمان، أنه قال في هذه الآية: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ )، قال: ما جاء هؤلاء بعدُ (76) .

وقال آخرون بما-: 339- حدثني به موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حمّاد, قال: حدثنا أسْباط , عن السُّدّيّ في خبر ذكره, عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرّة الهَمْداني, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ )، هم المنافقون.

أما " لا تفسدوا في الأرض "، فإن الفساد، هو الكفر والعملُ بالمعصية.

340- وحدِّثت عن عمّار بن الحسن, قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه، عن الرَّبيع: (وإذا قيل لهمْ لا تفسدوا في الأرض) يقول: لا تعْصُوا في الأرض قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ، قال: فكان فسادُهم ذلك معصيةَ الله جل ثناؤه, لأن من عَصى الله في الأرض أو أمر بمعصيته، فقد أفسدَ في الأرض, لأن إصلاحَ الأرض والسماء بالطاعة (77) .

وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال: إن قولَ الله تبارك اسمه: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ )، نـزلت في المنافقين الذين كانوا على عَهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإن كان معنيًّا بها كُلُّ من كان بمثل صفتهم من المنافقين بعدَهم إلى يوم القيامة.

وقد يَحْتمِل قولُ سلمان عند تلاوة هذه الآية: " ما جاء هؤلاء بعدُ"، أن يكون قاله بعد فناء الذين كانوا بهذه الصِّفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خبرًا منه عمَّن هو جَاء منهم بَعدَهم ولَمَّا يجئ بعدُ (78) ، لا أنَّه عنَى أنه لم يمضِ ممّن هذه صفته أحدٌ.

وإنما قلنا أولى التأويلين بالآية ما ذكرنا, لإجماع الحجّة من أهل التأويل على أنّ ذلك صفةُ من كان بين ظَهرَانْي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - من المنافقين, وأنّ هذه الآيات فيهم نَـزَلَتْ.

والتأويل المجمع عليه أولى بتأويل القرآن، من قولٍ لا دلالةَ على صحته من أصل ولا نظير.

والإفساد في الأرض، العمل فيها بما نهى الله جلّ ثناؤه عنه, وتضييعُ ما أمر الله بحفظه، فذلك جملة الإفساد, كما قال جل ثناؤه في كتابه مخبرًا عن قِيلِ ملائكته: قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [سورة البقرة: 30]، يعنون بذلك: أتجعل في الأرض من يَعْصِيكَ ويُخالف أمرك؟

فكذلك صفة أهل النفاق: مُفسدون في الأرض بمعصِيَتهم فيها ربَّهم, وركوبهم فيها ما نَهاهم عن ركوبه, وتضييعِهم فرائضَه، وشكِّهم في دين الله الذي لا يقبَلُ من أحدٍ عملا إلا بالتَّصديق به والإيقان بحقيقته (79) ، وكذبِهم المؤمنين بدَعواهم غير ما هم عليه مقيمُون من الشّك والرَيب، وبمظاهرتهم أهلَ التكذيب بالله وكُتُبه ورسله على أولياء الله، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا.

فذلك إفساد المنافقين في أرض الله, وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها.

فلم يسقط الله جل ثناؤه عنهم عقوبتَه, ولا خفَّف عنهم أليمَ ما أعدَّ من عقابه لأهل معصيته - بحُسبانهم أنهم فيما أتَوْا من معاصي الله مصلحون - بل أوجبَ لهم الدَّرْكَ الأسفل من ناره، والأليمَ من عذابه، والعارَ العاجلَ بسَبِّ الله إياهم وشَتْمِه لهم, فقال تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ .

وذلك من حكم الله جل ثناؤه فيهم، أدلّ الدليل على تكذيبه تعالى قولَ القائلين: إن عقوباتِ الله لا يستحقها إلا المعاند ربَّه فيما لزمه من حُقُوقه وفروضه، بعد علمه وثُبوت الحجّة عليه بمعرفته بلزوم ذلك إيّاه.

القول في تأويل قوله ثناؤه: قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) وتأويل ذلك كالذي قالهُ ابن عباس, الذي-: 341- حدثنا به محمد بن حميد, قال: حدثنا سلمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قوله: ( إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ )، أي قالوا: إنما نريد الإصلاحَ بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب.

وخالفه في ذلك غيره.

342- حدثنا القاسم بن الحسن, قال: حدثنا الحسين بن داود, قال: حدثني حجّاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ ، قال: إذا رَكِبُوا معصيةَ الله فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا, قالوا: إنما نحن على الهدى، مصلحون (80) .

قال أبو جعفر: وأيُّ الأمرين كان منهم في ذلك، أعني في دعواهم أنهم مُصْلحون، فهم لا شك أنهم كانوا يحسبون أنهم فيما أتوا من ذلك مصلحون.

فسواءٌ بين اليهود والمسلمين كانت دعواهم الإصلاحَ، أو في أديانهم, وفيما ركبوا من معصية الله, وكذِبهم المؤمنينَ فيما أظهروا لهم من القول وهم لغير ما أظهرُوا مُستبْطِنون؛ لأنهم كانوا في جميع ذلك من أمرهم عند أنفسهم محسنين, وهم عند الله مُسيئون, ولأمر الله مخالفون.

لأن الله جل ثناؤه قد كان فرض عليهم عداوةَ اليهودِ وحربَهم مع المسلمين, وألزمهم التصديق برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله، كالذي ألزم من ذلك المؤمنين.

فكان لقاؤهم اليهودَ - على وجه الولاية منهم لهم, وشكُّهم في نبوَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما جاء به أنه من عند الله - أعظمَ الفساد, وإن كان ذلك كان عندهم إصلاحًا وهُدًى: في أديانهم أو فيما بين المؤمنين واليهود, فقال جل ثناؤه فيهم: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ دون الذين ينهونهم من المؤمنين عن الإفساد في الأرض، وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ------------------- الهوامش : (75) الخبر 337- عثام -بفتح العين المهملة وتشديد الثاء المثلثة- بن علي العامري : ثقة ، وثقه أبو زرعة وابن سعد وغيرهما .

ترجمه ابن سعد 6 : 273 ، والبخاري في الكبير 4/1/ 93 ، وابن أبي حاتم 3/2/44 .

المنهال بن عمرو الأسدي : ثقة ، رجحنا توثيقه في المسند : 714 ، وقد جزم البخاري في الكبير 4/2/ 12 أن شعبة روى عنه ، ورواية شعبة عنه ثابتة في المسند : 3133 .

عباد بن عبد الله : هو الأسدي الكوفي ، قال البخاري : "فيه نظر" ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وضعفه ابن المديني ، وذكر ابن أبي حاتم 3/1/82 أنه"سمع عليًّا" .

وقد بينت في شرح المسند : 883 أن حديثه حسن .

وسلمان : هو سلمان الخير الفارسي الصحابي ، رضي الله عنه .

وهذا الخبر نقله ابن كثير 1 : 91 ، والسيوطي 1 : 30 ، ونسبه أيضًا لوكيع وابن أبي حاتم ، وذكره الشوكاني 1 : 31 ونسبه لابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم ، ولم أجد نسبته لابن إسحاق عند غيره .

(76) الخبر 338- أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي : ثقة ، وثقه النسائي والبزار وغيرهما ، روى عنه البخاري ومسلم في الصحيحين ، وهو من الشيوخ القلائل الذين روى عنهم البخاري وهم أحياء ، فإنه مات سنة 260 أو 261 ، والبخاري مات سنة 256 .

عبد الرحمن بن شريك بن عبد الله النخعي : ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال أبو حاتم : "واهى الحديث" .

وإسناده عندي حسن ، وقد مضى قبله بإسناد آخر حسن .

فكل منهما يقوي الآخر ، وقد نقله ابن كثير 1 : 91 عن الطبري بهذا الإسناد .

(77) الأثر 340- قوله : "قالوا إنما نحن مصلحون" ، من المخطوطة ، وليس في المطبوعة ، وفي المطبوعة والمخطوطة : "فكان فسادهم على أنفسهم ذلك معصية الله .

.

.

" ، و"على أنفسهم" كأنها زيادة من الناسخ ، وليست فيما نقله ابن كثير عن الطبري .

(78) في المطبوعة : "عمن جاء منهم بعدهم" ، وهو محيل للمعنى ، والصواب من المخطوطة .

(79) في المطبوعة : "بحقيقه" ، والصواب من المخطوطة وابن كثير .

(80) الخبران 341 ، 342- ساقهما ابن كثير 1 : 91 ، والسيوطي 1 : 30 والشوكاني 1 : 30

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ( إذا ) في موضع نصب على الظرف والعامل فيها : ( قالوا ) وهي تؤذن بوقوع الفعل المنتظر .

قال الجوهري : ( إذا ) اسم يدل على زمان مستقبل ، ولم تستعمل إلا مضافة إلى جملة ، تقول : أجيئك إذا احمر البسر ، وإذا قدم فلان .

والذي يدل على أنها اسم وقوعها موقع قولك : آتيك يوم يقدم فلان ، فهي ظرف وفيها معنى المجازاة .

وجزاء الشرط ثلاثة : الفعل والفاء وإذا ، فالفعل قولك : إن تأتني آتك .

والفاء : إن تأتني فأنا أحسن إليك .

وإذا كقوله تعالى : وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون .

ومما جاء من المجازاة بإذا في الشعر قول قيس بن الخطيم :إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فنضاربفعطف " فنضارب " بالجزم على " كان " لأنه مجزوم ، ولو لم يكن مجزوما لقال : فنضارب ، بالنصب .

وقد تزاد على " إذا " " ما " تأكيدا ، فيجزم بها أيضا ، ومنه قول الفرزدق :فقام أبو ليلى إليه ابن ظالم وكان إذا ما يسلل السيف يضربقال سيبويه : والجيد ما قال كعب بن زهير : [ ص: 196 ]وإذا ما تشاء تبعث منها مغرب الشمس ناشطا مذعورايعني أن الجيد ألا يجزم بإذا ، كما لم يجزم في هذا البيت .

وحكي عن المبرد أنها في قولك في المفاجأة : خرجت فإذا زيد ، ظرف مكان ، لأنها تضمنت جثة .

وهذا مردود ; لأن المعنى خرجت فإذا حضور زيد ، فإنما تضمنت المصدر كما يقتضيه سائر ظروف الزمان ، ومنه قولهم : " اليوم خمر وغدا أمر " فمعناه وجود خمر ووقوع أمر .قوله : ( قيل ) من القول وأصله قول ، نقلت كسرة الواو إلى القاف فانقلبت الواو ياء .

ويجوز : ( قيل لهم ) بإدغام اللام في اللام وجاز الجمع بين ساكنين ; لأن الياء حرف مد ولين .

قال الأخفش : ويجوز ( قيل ) بضم القاف والياء .

وقال الكسائي : ويجوز إشمام القاف الضم ليدل على أنه لما لم يسم فاعله ، وهي لغة قيس ، وكذلك جيء وغيض وحيل وسيق وسيء وسيئت .

وكذلك روى هشام عن ابن عباس ، ورويس عن يعقوب .

وأشم منها نافع سيء وسيئت خاصة .

وزاد ابن ذكوان : حيل وسيق ، وكسر الباقون في الجميع .

فأما هذيل وبنو دبير من أسد وبني فقعس فيقولون : " قول " بواو ساكنة .قوله : لا تفسدوا " لا " نهي .

والفساد ضد الصلاح ، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدها .

فسد الشيء يفسد فسادا وفسودا وهو فاسد وفسيد .

والمعنى في الآية : لا تفسدوا في الأرض بالكفر وموالاة أهله ، وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن .

وقيل : كانت الأرض قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم فيها الفساد ، ويفعل فيها بالمعاصي ، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع الفساد وصلحت الأرض .

فإذا عملوا بالمعاصي فقد أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ، كما قال في آية أخرى : ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها .قوله : في الأرض الأرض مؤنثة ، وهي اسم جنس ، وكان حق الواحدة منها أن يقال أرضة ، ولكنهم لم يقولوا .

والجمع أرضات ; لأنهم قد يجمعون المؤنث الذي ليست فيه هاء التأنيث بالتاء كقولهم : عرسات .

ثم قالوا أرضون فجمعوا بالواو والنون ، والمؤنث لا يجمع بالواو والنون إلا أن يكون منقوصا كثبة وظبة ، ولكنهم جعلوا الواو والنون عوضا من حذفهم الألف والتاء وتركوا فتحة الراء على حالها ، وربما سكنت .

وقد تجمع على أروض .

وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون : أرض وآراض ، كما قالوا : أهل وآهال .

والأراضي أيضا على غير قياس ، كأنهم جمعوا آرضا .

وكل ما سفل فهو أرض .

وأرض أريضة ، أي زكية بينة الأراضة .

وقد أرضت بالضم ، أي زكت .

قال أبو عمرو : نزلنا أرضا أريضة ، أي معجبة للعين ، ويقال : [ ص: 197 ] لا أرض لك ، كما يقال : لا أم لك .

والأرض : أسفل قوائم الدابة ، قال حميد يصف فرسا :ولم يقلب أرضها البيطار ولا لحبليه بها حبارأي أثر والأرض : النفضة والرعدة .

روى حماد بن سلمة عن قتادة عن عبد الله بن الحارث قال : زلزلت الأرض بالبصرة ، فقال ابن عباس : والله ما أدري أزلزلت الأرض أم بي أرض ؟

أي أم بي رعدة ، وقال ذو الرمة يصف صائدا :إذا توجس ركزا من سنابكها أو كان صاحب أرض أو به الموموالأرض : الزكام .

وقد آرضه الله إيراضا ، أي أزكمه فهو مأروض .

وفسيل مستأرض ، وودية مستأرضة ( بكسر الراء ) وهو أن يكون له عرق في الأرض ، فأما إذا نبت على جذع النخل فهو الراكب .

والإراض ( بالكسر ) : بساط ضخم من صوف أو وبر .

ورجل أريض ، أي متواضع خليق للخير .

قال الأصمعي يقال : هو آرضهم أن يفعل ذلك ، أي أخلقهم .

وشيء عريض أريض إتباع له ، وبعضهم يفرده ويقول : جدي أريض أي سمين .قوله : ( نحن ) أصل ( نحن ) نحن ، قلبت حركة الحاء على النون وأسكنت الحاء ، قاله هشام بن معاوية النحوي .

وقال الزجاج : نحن لجماعة ، ومن علامة الجماعة الواو ، والضمة من جنس الواو ، فلما اضطروا إلى حركة ( نحن ) لالتقاء الساكنين حركوها بما يكون للجماعة .

قال : لهذا ضموا واو الجمع في قوله عز وجل : أولئك الذين اشتروا الضلالة وقال محمد بن يزيد : ( نحن ) مثل قبل وبعد ; لأنها متعلقة بالإخبار عن اثنين وأكثر ، ف " أنا " للواحد " و ( نحن ) للتثنية والجمع ، وقد يخبر به المتكلم عن نفسه في قوله : نحن قمنا ، قال الله تعالى : نحن قسمنا بينهم معيشتهم والمؤنث في هذا إذا كانت متكلمة بمنزلة المذكر ، تقول المرأة : قمت وذهبت ، وقمنا وذهبنا ، وأنا فعلت ذاك ، ونحن فعلنا .

هذا كلام العرب فاعلم .قوله تعالى : ( مصلحون ) اسم فاعل من أصلح .

والصلاح : ضد الفساد .

وصلح الشيء ( بضم اللام وفتحها ) لغتان ، قال ابن السكيت .

والصلوح ( بضم الصاد ) مصدر صلح ( بضم اللام ) ، قال الشاعر :فكيف بإطراقي إذا ما شتمتني وما بعد شتم الوالدين صلوحوصلاح من أسماء مكة .

والصلح ( بكسر الصاد ) : نهر .[ ص: 198 ] وإنما قالوا ذلك على ظنهم ; لأن إفسادهم عندهم إصلاح ، أي أن ممالأتنا للكفار إنما نريد بها الإصلاح بينهم وبين المؤمنين .

قال ابن عباس وغيره .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: إذا نهي هؤلاء المنافقون عن الإفساد في الأرض, وهو العمل بالكفر والمعاصي, ومنه إظهار سرائر المؤمنين لعدوهم وموالاتهم للكافرين { قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } فجمعوا بين العمل بالفساد في الأرض, وإظهارهم أنه ليس بإفساد بل هو إصلاح, قلبا للحقائق, وجمعا بين فعل الباطل واعتقاده حقا، وهذا أعظم جناية ممن يعمل بالمعصية, مع اعتقاد أنها معصية فهذا أقرب للسلامة, وأرجى لرجوعه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{وإذا قيل}: قرأ الكسائي: (( قيل )) و(( غيض )) و(( جيء )) و(( حيل )) و(( سيق )) و(( سيئت )) بروم أوائلهن الضم - ووافق ابن عامر في (( سيق )) و(( حيل )) و(( سيئ )) و(( سيئت )) - ووافق أهل المدينة في: (سيء) و(سيئت) لأن أصلها قول بضم القاف وكسر الواو، مثل: قتل وكذلك في أخواته فأشير إلى الضمة لتكون دالة على الواو المنقلبة وقرأ الباقون بكسر أوائلهن، استثقلوا الحركة على الواو فنقلوا كسرتها إلى فاء الفعل وانقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها.

{وإذا قيل لهم}: يعني للمنافقين، وقيل: لليهود.

أي قال لهم المؤمنون {لا تفسدوا في الأرض} بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.

وقيل: معناه لا تكفروا، والكفر أشد فساداً في الدين.

{قالوا إنما نحن مصلحون} يقولون هذا القول كذباً كقولهم (آمنا) وهم كاذبون.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا قيل لهم» أي لهؤلاء «لا تفسدوا في الأرض» بالكفر والتعويق عن الإيمان.

«قالوا إنما نحن مصلحون» وليس ما نحن فيه بفساد.

قال الله تعالى رداً عليهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا نُصحوا ليكفُّوا عن الإفساد في الأرض بالكفر والمعاصي، وإفشاء أسرار المؤمنين، وموالاة الكافرين، قالوا كذبًا وجدالا إنما نحن أهل الإصلاح.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وصفهم الله - تعالى - بعد ذلك بجملة من الرذائل والقبائح مضافة إلى قبائحهم السابقة فقال :( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض قالوا .

.

.

) .الفساد : خروج الشيء عن حالة الاعتدال والاستقامة ، وعن كونه منتفعاً به ، وضده الصلاح ، يقال : فسد الشيء فساداً ، وأفسده إفساداً .والمراد به هنا كفرهم ، ومعاصيهم ، ومن كفر بالله وانتهك محارمه فقد أفسد في الأرض ، لأن الأرض لا تصلح إلا بالتوحيد والطاعة .ومن أبرز معاصي هؤلاء المنافقين ، ما كانوا يدعون إليه في السر من تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وإلقاء الشبه في طريق دعوته ، والتحالف مع المشركين ضد المسلمين كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا .وسلك القرآن هذا الأسلوب فقال : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ) بالبناء للمفعول دون أن يسند الفعل إلى فاعله ، لأن مصدر القول المعبر عن النهي عن الإِفساد ليس مصدراً واحداً ، فقد يصل آذانهم هذا النهي مرة من صريح القول .

وأخرى مما كانوا يقابلون به من ناحية الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من تجهم وإعراض .وعلق بالفعل الذي هو الإِفساد قوله : ( فِي الأرض ) إيذاناً بأن الإِفساد مهما ضاقت حدوده ، فإنه لابد يوماً أن يتعدى الحدود إلى ما وراء ذلك فقد يعم ويشمل إذا لم يشتد في الاحتياط له ، لذلك جعل ظرف إفسادهم الأرض كلها مع أنهم موجودون في بقعة محصورة هي المدينة المنورة .ولقد حكى القرآن جوابهم على نصيحة الناصحين وما فيه من تبجح وادعاء فقال :( قالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) .فقد بالغوا في الرد فحصروا أنفسهم أولاً في الإصلاح مبالغة المفجوع الذي أذهلته المفاجأة بكشف أستار حقيقة ، فتراهم لم يقتصروا على أن يقولوا : ( إِنّا مُصْلِحُونَ ) بل قالوا " إنما " ثم أكدوا الجملة بكونها اسمية ليدلوا بذلك على أن شأنهم في الإصلاح ثابت لازم .قال الراغب : صوروا إفسادهم بصورة الإِصلاح لما في قلوبهم من المر ، كما في قوله - تعالى - : ( أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ) وقوله : ( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ ) وقوله : ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالأخسرين أَعْمَالاً .

الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحياة الدنيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) ولقد كذبهم الله - تعالى - تكذيباً مؤكداً في دعواهم أنهم مصلحون فقال :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين، والكلام فيه من وجوه: أحدها: أن يقال: من القائل: ﴿ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض ﴾ ؟.

وثانيها: ما الفساد في الأرض؟.

وثالثها: من القائل: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ ؟.

ورابعها: ما الصلاح؟.

أما المسألة الأولى: فمنهم من قال: ذلك القائل هو الله تعالى، ومنهم من قال: هو الرسول عليه السلام، ومنهم من قال بعض المؤمنين، وكل ذلك محتمل، ولا يجوز أن يكون القائل بذلك من لا يختص بالدين والنصيحة، وإن كان الأقرب هو أن القائل لهم ذلك من شافههم بذلك، فإما أن يكون الرسول عليه السلام بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك فنصحهم فأجابوا بما يحقق إيمانهم وأنهم في الصلاح بمنزلة سائر المؤمنين، وإما أن يقال: إن بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبله منهم وكان ينقلب واعظاً لهم قائلاً لهم: ﴿ لاَ تُفْسِدُواْ ﴾ فإن قيل: أفما كانوا يخبرون الرسول عليه السلام بذلك؟

قلنا: نعم، إلا أن المنافقين كانوا إذا عوتبوا عادوا إلى إظهار الإسلام والندم وكذبوا الناقلين عنهم وحلفوا بالله عليه كما أخبر تعالى عنهم في قوله: ﴿ يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر  ﴾ وقال: ﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ  ﴾ .

المسألة الثانية: الفساد خروج الشيء عن كونه منتفعاً به، ونقيضه الصلاح فأما كونه فساداً في الأرض فإنه يفيد أمراً زائداً، وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي: أن المراد بالفساد في الأرض إظهار معصية الله تعالى، وتقريره ما ذكره القفال رحمه الله وهو أن إظهار معصية الله تعالى إنما كان إفساداً في الأرض، لأن الشرائع سنن موضوعة بين العباد، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه، فحقنت الدماء وسكنت الفتن، وكان فيه صلاح الأرض وصلاح أهلها، أما إذا تركوا التمسك بالشرائع وأقدم كل أحد على ما يهواه لزم الهرج والمرج والاضطراب، ولذلك قال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض  ﴾ نبههم على أنهم إذا أعرضوا عن الطاعة لم يحصلوا إلا على الإفساد في الأرض به.

وثانيها: أن يقال ذلك الفساد هو مداراة المنافقين للكافرين ومخالطتهم معهم، لأنهم لما مالوا إلى الكفر مع أنهم في الظاهر مؤمنون أوهم ذلك ضعف الرسول صلى الله عليه وسلم وضعف أنصاره، فكان ذلك يجرئ الكفرة على إظهار عداوة الرسول ونصب الحرب له وطمعهم في الغلبة، وفيه فساد عظيم في الأرض.

وثالثها: قال الأصم: كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه، وجحد الإسلام، وإلقاء الشبه.

المسألة الثالثة: الذين قالوا: ﴿ إنما نحن مصلحون ﴾ هم المنافقون، والأقرب في مرادهم أن يكون نقيضاً لما نهوا عنه، فلما كان الذي نهوا عنه هو الإفساد في الأرض كان قولهم: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ كالمقابل له، وعند ذلك يظهر احتمالان: أحدهما: أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب، وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين، لا جرم قالوا: إنما نحن مصلحون، لأنهم في اعتقادهم ما سعوا إلا لتطهير وجه الأرض عن الفساد.

وثانيهما: أنا إذا فسرنا ﴿ لاَ تُفْسِدُواْ ﴾ بمداراة المنافقين للكفار فقولهم: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ يعني به أن هذه المداراة سعي في الإصلاح بين المسلمين والكفار، ولذلك حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً  ﴾ فقولهم: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ أي نحن نصلح أمور أنفسنا.

واعلم أن العلماء استدلوا بهذه الآية على أن من أظهر الإيمان وجب إجراء حكم المؤمنين عليه، وتجويز خلافه لا يطعن فيه، وتوبة الزنديق مقبولة والله أعلم.

وأما قوله: ﴿ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون ﴾ فخارج على وجوه ثلاثة: أحدها: أنهم مفسدون لأن الكفر فساد في الأرض، إذ فيه كفران نعمة الله، وإقدام كل أحد على ما يهواه، لأنه إذا كان لا يعتقد وجود الإله ولا يرجو ثواباً ولا عقاباً تهارج الناس، ومن هذا ثبت أن النفاق فساد؛ ولهذا قال: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض ﴾ على ما تقدم تقريره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وإذا قيل لهم ﴾ معطوف على يكذبون.

ويجوز أن يعطف على (يقول آمنا) لأنك لو قلت: ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا، كان صحيحاً، والأوّل أوجه.

والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعاً به، ونقيضه؛ الصلاح، وهو الحصول على الحال المستقيمة النافعة.

والفساد في الأرض: هيج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية.

قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا تولى سعى فِي الارض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل ﴾ [البقرة: 205] ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء ﴾ [البقرة: 30] .

ومنه قيل لحرب كانت بين طيء: حرب الفساد.

وكان فساد المنافقين في الأرض.

أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم عليهم، وذلك مما يؤدّي إلى هيج الفتن بينهم، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤدياً إلى الفساد قيل لهم: ﴿ لا تفسدوا ﴾ ، كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته.

و ﴿ إِنَّمَا ﴾ لقصر الحكم على شيء، كقولك: إنما ينطق زيد، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد كاتب.

ومعنى ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد.

و ﴿ ألآ ﴾ مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقاً كقوله: ﴿ أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر ﴾ [القيامة: 40] ؟

ولكونها في هذا المنصب من التحقيق، لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدّرة بنحو ما يتلقى به القسم.

وأختها التي هي (أما) من مقدّمات اليمين وطلائعها: أَمَا والَّذِي لا يَعْلَمُ الغَيْبَ غيْرُهُ ** أَمَا والَّذِي أَبْكَى وأَضحَكَ ردّ الله ما ادعوه من الانتظام في جملة المصلحين أبلغ ردّ وأدله على سخط عظيم، والمبالغة فيه من جهة الاستئناف وما في كلتا الكلمتين ألا.

وإن من التأكيدين وتعريف الخبر وتوسيط الفصل.

وقوله: ﴿ لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما تقبيح ما كانوا عليه لبعده من الصواب وجرّه إلى الفساد والفتنة.

والثاني: تبصيرهم الطريق الأسد من أتباع ذوي الأحلام، ودخولهم في عدادهم؛ فكان من جوابهم أن سفهوهم لفرط سفههم، وجهلوهم لتمادي جهلهم.

وفي ذلك تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة.

فإن قلت: كيف صح أن يسند (قيل) إلى ﴿ لا تفسدوا ﴾ ، ﴿ وآمنوا ﴾ وإسناد الفعل إلى الفعل مما لا يصح؟

قلت: الذي لا يصح هو إسناد الفعل إلى معنى الفعل، وهذا إسناد له إلى لفظه، كأنه قيل: وإذا قيل لهم هذا القول وهذا الكلام.

فهو نحو قولك: (ألف) ضرب من ثلاثة أحرف.

ومنه: (زعموا مطية الكذب).

و (ما) في (كما) يجوز أن تكون كافة مثلها في (ربما)، ومصدرية مثلها في ﴿ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ [التوبة: 25] .

واللام في ﴿ الناس ﴾ للعهد، أي كما آمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه.

أو هم ناس معهودون كعبد الله بن سلام وأشياعه لأنهم من جلدتهم ومن أبناء جنسهم، أي: كما آمن أصحابكم وإخوانكم، أو للجنس أي: كما آمن الكاملون في الإنسانية.

أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة، ومن عداهم كالبهائم في فقد التمييز بين الحق والباطل.

والاستفهام في ﴿ أَنُؤْمِنُ ﴾ في معنى الإنكار.

واللام في ﴿ السفهاء ﴾ مشار بها إلى الناس، كما تقول لصاحبك: إن زيداً قد سعى بك، فيقول: أو قد فعل السفيه.

ويجوز أن تكون للجنس، وينطوي تحته الجاري ذكرهم على زعمهم واعتقادهم؛ لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه.

فإن قلت: لم سفهوهم واستركوا عقولهم، وهم العقلاء المراجيح؟

قلت: لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر وإنصاف أنفسهم، اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق وأن ما عداه باطل، ومن ركب متن الباطل كان سفيهاً؛ ولأنهم كانوا في رياسة وسطة في قومهم ويسار، وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيراً لشأنهم.

أو أرادوا عبد الله بن سلام وأشياعه ومفارقتهم دينهم وما غاظهم من إسلامهم وفت في أعضادهم.

قالوا ذلك على سبيل التجلد توقياً من الشماتة بهم مع علمهم أنهم من السفه بمعزل، والسفه سخافة العقل وخفة الحلم.

فإن قلت: فلم فصلت هذه الآية ب ﴿ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ ، والتي قبلها ب ﴿ لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ ؟

قلت: لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحقّ وهم على الباطل، يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة.

وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدّي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دينويّ مبني على العادات، معلوم عند الناس، خصوصاً عند العرب في جاهليتهم وما كان قائماً بينهم من التغاور والتناحر والتحارب والتحازب، فهو كالمحسوس المشاهد؛ ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له.

مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أوّل قصة المنافقين فليس بتكرير، لأن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان ما كانوا يعملون عليه مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم ولقائهم بوجوه المصادقين وإيهامهم أنهم معهم، فإذا فارقوهم إلى شطار دينهم صدقوهم ما في قلوبهم.

وروي: أن عبد الله بن أبيّ وأصحابه خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله انظروا كيف أردّ هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصدّيق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله.

ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بني عديّ الفاروق القويّ في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله.

ثم أخذ بيد عليّ فقال: مرحباً بابن عم رسول الله وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله.

ثم افترقوا فقال لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟

فأثنوا عليه خيراً، فنزلت.

ويقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه، وهو جاري ملاقيّ ومراوقي.

وقرأ أبو حنيفة: وإذا لاقوا.

وخلوت بفلان وإليه، إذا انفردت معه.

ويجوز أن يكون من (خلا) بمعنى: مضى، وخلاك ذمّ: أي عداك ومضى عنك.

ومنه: القرون الخالية، ومن (خلوت به) إذا سخرت منه.

وهو من قولك: خلا فلان بعرض فلان يعبث به.

ومعناه: وإذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدّثوهم بها.

كما تقول: أحمد إليك فلاناً، وأذمّه إليك.

وشياطينهم: الذين ماثلوا الشياطين في تمرّدهم.

وقد جعل سيبويه نون الشيطان في موضع من كتابه أصلية، وفي آخر زائدة.

والدليل على أصالتها قولهم: تشيطن، واشتقاقه من (شطن) إذا بعد؛ لبعده من الصلاح والخير.

ومن (شاط) إذا بطل إذا جعلت نونه زائدة.

ومن أسمائه الباطل.

﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ إنا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم.

فإن قلت: لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالإسمية محققة بأن؟

قلت: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين وأوكدهما، لأنهم في ادّعاء حدوث الإيمان منهم ونشئه من قبلهم، لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان غير مشقوق فيه غبارهم، وذلك إما لأنّ أنفسهم لا تساعدهم عليه، إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرّك، وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية وصدق رغبة واعتقاد.

وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة.

وكيف يقولونه ويطمعون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار الذين مثلهم في التوراة والإنجيل.

ألا ترى إلى حكاية الله قول المؤمنين: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا ﴾ [آل عمران: 16] .

وأما مخاطبة إخوانهم، فهم فيما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اليهودية والقرار على اعتقاد الكفر، والبعد من أن يزلوا عنه على صدق رغبة ووفور نشاط وارتياح للتكلم به، وما قالوه من ذلك فهو رائج عنهم متقبل منهم، فكان مظنة للتحقيق ومثنة للتوكيد.

فإن قلت: أنى تعلق قوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ بقوله: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ قلت: هو توكيد له، لأن قوله: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ معناه الثبات على اليهودية.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ ردّ للإسلام ودفع له منهم، لأن المستهزئ بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتداً به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته أو بدل منه، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر.

أو استئناف، كأنهم اعترضوا عليهم حين قالوا لهم: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ ، فقالوا: فما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام فقالوا: إنما نحن مستهزئون.

والاستهزاء: السخرية والاستخفاف، وأصل الباب الخفة من الهزء وهو القتل السريع وهزأ يهزأ: مات على المكان.

عن بعض العرب: مشيت فلغبت فظننت لأهزأنّ على مكاني.

وناقته تهزأ به: أي تسرع وتخف.

فإن قلت: لا يجوز الاستهزاء على الله تعالى، لأنه متعال عن القبيح، والسخرية من باب العيب والجهل.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ [البقرة: 67] ، فما معنى استهزائه بهم؟

قلت: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم، لأنّ المستهزئ غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة والزراية ممن يهزأ به، وإدخال الهوان والحقارة عليه، والاشتقاق كما ذكرنا شاهد لذلك.

وقد كثر التهكم في كلام الله تعالى بالكفرة.

والمراد به تحقير شأنهم وازدراء أمرهم، والدلالة على أن مذاهبهم حقيقة بأن يسخر منها الساخرون ويضحك الضاحكون.

ويجوز أن يراد به ما مر في ﴿ يخادعون ﴾ من أنه يجري عليهم أحكام المسلمين في الظاهر، وهو مبطن بادخار ما يراد بهم، وقيل: سمي جزاء الاستهزاء باسمه كقوله: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ [الشورى: 40] ، ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ ﴾ [البقرة: 194] .

فإن قلت: كيف ابتدئ قوله: ﴿ الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ ولم يعطف على الكلام قبله.

قلت: هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة.

وفيه أن الله عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ، الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء ولا يؤبه له في مقابلته، لما ينزل بهم من النكال ويحل بهم من الهوان والذل.

وفيه أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله.

فإن قلت: فهلا قيل الله مستهزئ بهم ليكون طبقاً لقوله ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ قلت: لأن ﴿ يَسْتَهْزِئُ ﴾ يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم وبلاياه النازلة بهم ﴿ أَوْ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ﴾ [التوبة: 126] وما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار، ونزول في شأنهم واستشعار حذر من أن ينزل فيهم ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قُلْ استهزءوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة: 64] .

﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم ﴾ من مدّ الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره.

وكذلك مدّ الداوة وأمدها: زادها ما يصلحها.

ومددت السرج والأرض: إذا استصلحتهما بالزيت والسماد.

ومده الشيطان في الغي وأمده: إذا واصله بالوساوس حتى يتلاحق غيه ويزداد إنهماكاً فيه.

فإن قلت: لم زعمت أنه من المدد دون المد في العمر والإملاء والإمهال؟

قلت: كفاك دليلاً على أنه من المدد دون المد قراءة ابن كثير وابن محيصن: ﴿ ويمدّهم ﴾ ، وقراءة نافع: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ ﴾ [الأعراف: 202] على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مدّ له مع اللام كأملى له.

فإن قلت: فكيف جاز أن يوليهم الله مدداً في الطغيان وهو فعل الشياطين؟

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغى ﴾ [الأعراف: 202] قلت: إما أن يحمل على أنهم لما منعهم الله ألطافه التي يمنحها المؤمنين، وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه، بقيت قلوبهم بتزايد الرين والظلمة فيها، تزايد الإنشراح والنور في قلوب المؤمنين فسمى ذلك التزايد مدداً.

وأسند إلى الله سبحانه لأنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم.

وإما على منع القسر والإلجاء وإما على أن يسند فعل الشيطان إلى الله لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده.

فإن قلت: فما حملهم على تفسير المدّ في الطغيان بالإمهال وموضوع اللغة كما ذكرت لا يطاوع عليه؟

قلت: استجرّهم إلى ذلك خوف الإقدام على أن يسندوا إلى الله ما أسندوا إلى الشياطين لكن المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته، وإلا كان منه بمنزلة الأروى من النعام.

ومن حق مفسر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز، أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها وما وقع به التحدّي سليماً من القادح، فإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل.

ويعضد ما قلناه قول الحسن في تفسيره: في ضلالتهم يتمادون، وأن هؤلاء من أهل الطبع.

والطغيان: الغلو في الكفر، ومجاوزة الحدّ في العتوّ.

وقرأ زيد بن علي رضي الله عنه: ﴿ فِي طغيانهم ﴾ بالكسر وهما لغتان، كلقيان ولقيان، وغنيان وغنيان.

فإن قلت: أي نكتة في إضافته إليهم؟

قلت: فيها أن الطغيان والتمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم واجترحته أيديهم، وأن الله بريء منه ردّاً لاعتقاد الكفرة القائلين: لو شاء الله ما أشركنا، ونفياً لو هم من عسى يتوهم عند إسناد المدّ إلى ذاته لو لم يضف الطغيان إليهم ليميط الشبه ويقلعها ويدفع في صدر من يلحد في صفاته.

ومصداق ذلك أنه حين أسند المدّ إلى الشياطين، أطلق الغيّ ولم يقيده بالإضافة في قوله: ﴿ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغى ﴾ [الأعراف: 202] .

والعمه: مثل العمى، إلا أن العمى عامّ في البصر والرأي، والعمه في الرأي خاصة، وهو التحير والتردّد، لا يدري أين يتوجه.

ومنه قوله: بالجاهلين العمه، أي الذين لا رأي لهم ولا دراية بالطرق.

وسلك أرضاً عمهاء: لا منار بها.

ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى: اختيارها عليه واستبدالها به، على سبيل الاستعارة، لأنّ الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر.

ومنه: أَخَذْتُ بالجُمَّةِ رَأْساً أَزْعَرَا ** وبالثَّنَايَا الْوَاضِحَاتِ الدَّرْدَرَا وبالطَّوِيلِ العُمْرِ عُمْراً حَيْدَرَا ** كما اشْتَرَى المُسْلِمُ إذ تَنَصَّرَا وعن وهب: قال الله عز وجل فيما يعيب به بني إسرائيل: «تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة» .

فإن قلت: كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى؟

قلت: جعلوا لتمكنهم منه وإعراضه لهم كأنه في أيديهم، فإذا تركوه إلى الضلالة فقد عطلوه واستبدلوها به، ولأن الدين القيم هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، فكل من ضل فهو مستبدل خلاف الفطرة.

(والضلالة) الجور عن القصد وفقد الاهتداء.

يقال: ضلّ منزله، وضل دريص نفقه فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين.

والربح: الفضل على رأس المال، ولذلك سمي: الشف، من قولك: أشف بعض ولده على بعض، إذا فضله.

ولهذا على هذا شف.

والتجارة: صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشتري للربح.

وناقة تاجرة: كأنها من حسنها وسمنها تبيع نفسها.

وقرأ ابن أبي عبلة ﴿ تجاراتهم ﴾ .

فإن قلت: كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها؟

قلت: هو من الإسناد المجازي، وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له، كما تلبست التجارة بالمشترين.

فإن قلت: هل يصح: ربح عبدك وخسرت جاريتك، على الإسناد المجازي؟

قلت: نعم إذا دلت الحال.

وكذلك الشرط في صحة: رأيت أسداً، وأنت تريد المقدام؛ إن لم تقم حال دالة لم يصح.

فإن قلت: هب أنّ شراء الضلالة بالهدى وقع مجازاً في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح والتجارة؟

كأن ثمّ مبايعة على الحقيقة.

قلت: هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز، ثم تقفى بأشكال لها وأخوات، إذا تلاحقن لم تر كلاماً أحسن منه ديباجة وأكثر ماء ورونقاً، وهو المجاز المرشح.

وذلك نحو قول العرب في البليد: كأن أذني قلبه خطلاً، وإن جعلوه كالحمار، ثم رشحوا ذلك روما لتحقيق البلادة، فادعوا لقلبه أذنين، وادعوا لهما الخطل، ليمثلوا البلادة تمثيلاً يلحقها ببلادة الحمار مشاهدة معاينة، ونحوه: ولَما رَأَيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دَأَيَةٍ ** وعَشَّشَ في وَكْرَيْهِ جَاشَ لهُ صَدْرِي لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر.

ونحوه قول بعض فتاكهم في أمّه: فما أُمُّ الرّدين وإنْ أَدَلَّتْ ** بِعالِمَةٍ بأَخْلاقِ الْكِرَامِ إذَا الشّيْطانُ قَصعَ في قَفَاها ** تَنفّقْناهُ بالحُبلِ التُّوَامِ أي إذا دخل الشيطان في قفاها استخرجناه من نافقائه بالحبل المثنى المحكم.

يريد: إذا حردت وأساءت الخلق اجتهدنا في إزالة غضبها وإماطة ما يسوء من خلقها.

استعار التقصيع أوّلاً، ثم ضم إليه التنفق، ثم الحبل التوام.

فكذلك لما ذكر سبحانه الشراء أتبعه ما يشاكله ويواخيه وما يكمل ويتم بانضمامه إليه، تمثيلاً لخسارهم وتصويراً لحقيقته.

فإن قلت: فما معنى قوله ﴿ فَمَا رَبِحَت تجارتهم وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ .

قلت: معناه أنّ الذي يطلبه التجار في متصرفاتهم شيئان: سلامة رأس المال، والربح.

وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس مالهم كان هو الهدى، فلم يبق لهم مع الضلالة.

وحين لم يبق في أيديهم إلا الضلالة، لم يوصفوا بإصابة الربح.

وإن ظفروا بما ظفروا به من الأغراض الدنيوية؛ لأن الضال خاسر دامر، ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله: قد ربح، وما كانوا مهتدين لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ويخسر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ يَكْذِبُونَ ﴾ أوْ (يَقُولُ) .

وما رُوِيَ عَنْ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَأْتُوا بَعْدَ فَلَعَلَّهُ أرادَ بِهِ أنَّ أهْلَها لَيْسَ الَّذِينَ كانُوا فَقَطْ، بَلْ وسَيَكُونُ مِن بَعْدُ مَن حالُهُ حالُهم لِأنَّ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها بِالضَّمِيرِ الَّذِي فِيها.

والفَسادُ: خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنِ الِاعْتِدالِ.

والصَّلاحُ ضِدُّهُ وكِلاهُما يَعُمّانِ كُلَّ ضارٍّ ونافِعٍ.

وَكانَ مِن فَسادِهِمْ في الأرْضِ هَيْجُ الحُرُوبِ والفِتَنِ بِمُخادَعَةِ المُسْلِمِينَ، ومُمالَأةِ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ بِإفْشاءِ الأسْرارِ إلَيْهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى فَسادِ ما في الأرْضِ مِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والحَرْثِ.

وَمِنهُ إظْهارُ المَعاصِي والإهانَةُ بِالدِّينِ فَإنَّ الإخْلالَ بِالشَّرائِعِ والإعْراضَ عَنْها مِمّا يُوجِبُ الهَرَجَ والمَرَجَ ويُخِلُّ بِنِظامِ العالَمِ.

والقائِلُ هو اللَّهُ تَعالى، أوِ الرَّسُولُ  ، أوْ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ وهِشامٌ (قُيْلَ) بِإشْمامِ الضَّمِّ الأوَّلِ.

﴿ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ جَوابٌ لِ (إذا) رَدٌّ لِلنّاصِحِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لا يَصِحُّ مُخاطَبَتُنا بِذَلِكَ، فَإنَّ شَأْنَنا لَيْسَ إلّا الإصْلاحَ، وإنَّ حالَنا مُتَمَحِّضَةٌ عَنْ شَوائِبِ الفَسادِ، لِأنَّ (إنَّما) تُفِيدُ قَصْرَ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ عَلى ما بَعْدَهُ.

مِثْلَ: إنَّما زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وإنَّما يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ: لِأنَّهم تَصَوَّرُوا الفَسادَ بِصُورَةِ الصَّلاحِ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ المَرَضِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} معطوف على يكذبون ويجوز أن يعطف على يقول آمنا لأنك لو قلت ومن الناس من إذا قيل لهم {لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض} لكان صحيحاً والفساد خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعاً به وضده الصلاح وهو الحصول على الحال المستقيمة النافعة والفساد في الأرض هيج الحروب والفتن لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية وكان فساد المنافقين في الأرض أنهم كانوا يمايلون الكفار وممالئونهم على المسلمين بافشاء أسرارهم إليهم واغرائهم وذلك مما يؤدي إلى هيج الفتن بينهم

البقرة (١١ _ ١٤)

{قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} بين المؤمنين والكافرين بالمدارة يعني أن صفة المصلحين خلصت لنا وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد لأن إنما لقصر الحكم على شيء أو لقصر الشئ على حكم كقولك إنما ينطلق زيد وإنما زيد كاتب وما كافة لأنها تكفها عن العمل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَكْذِبُونَ)، لِأنَّهُ أقْرَبُ، ولِيُفِيدَ تَسَبُّبَهُ لِلْعَذابِ أيْضًا، ولِيُؤْذِنَ أنَّ صِفَةَ الفَسادِ يُحْتَرَزُ مِنها كَما يُحْتَرَزُ عَنِ الكَذِبِ، ووَجْهُ إفادَتِهِ لِتَسَبُّبِ الفَسادِ لِلْعَذابِ أنَّهُ داخِلٌ في حَيِّزِ صِلَةِ المَوْصُولِ الواقِعِ سَبَبًا، إذِ المَعْنى في قَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ إنْكارٌ لِادِّعائِهِمْ أنَّ ما نُسِبَ لَهم مِنهُ صَلاحٌ، وهو عِنادٌ وإصْرارٌ عَلى الفَسادِ، والإصْرارُ عَلى ذَلِكَ فَسادٌ وإثْمٌ، وهَذا الَّذِي مالَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى ضَمِيرٍ في الجُمْلَةِ يَعُودُ إلى (ما)، فَإنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، وإلّا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِالَّذِي كانُوا إذا قِيلَ لَهم إلَخْ، وهو غَيْرُ مُنْتَظِمٍ، وكَأنَّ مَن يَجْعَلُ (ما) مَصْدَرِيَّةً يَجْعَلُ الوَصْلَ (بِكانَ) حَيْثُ لَمْ يُعْهَدْ وصْلُها بِالجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، نَعَمْ يَرِدُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ كَذِبٌ، فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى اسْتِحْقاقِ العَذابِ بِالكَذِبِ، وعَطْفُ التَّفْسِيرِ مِمّا يَأْباهُ الذَّوْقُ، والِاسْتِعْمالُ، ومِن هُنا قِيلَ: بِأنَّ هَذا العَطْفَ وجِيهٌ عَلى قِراءَةِ: (يُكَذِّبُونَ) بِالتَّشْدِيدِ، عَلى أحَدِ احْتِمالاتِهِ، لِيَكُونَ سَبَبًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ ذَمِّهِمْ بِالكَذِبِ، والتَّكْذِيبِ، وقَوْلُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ في الِاعْتِراضِ: أنَّ هَذا النَّحْوَ مِنَ التَّعْلِيلِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ بِأوْصافٍ ظاهِرَةِ العِلِّيَّةِ مُسَلَّمَةِ الثُّبُوتِ لِلْمَوْصُوفِ غَنِيَّةٍ عَنِ البَيانِ، لِشُهْرَةِ الِاتِّصافِ بِها عِنْدَ السّامِعِ، أوْ لِسَبْقِ الذِّكْرِ صَرِيحًا، أوِ اسْتِلْزامًا، ولا رَيْبَ في أنَّ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ غَيْرُ مَعْلُومَةِ الِانْتِسابِ بِوَجْهٍ حَتّى تَسْتَحِقَّ الِانْتِظامَ في سِلْكِ التَّعْلِيلِ، لا يَخْفى ما فِيهِ عَلى مَن أمْعَنَ النَّظَرَ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَقُولُ)، لِسَلامَتِهِ مِمّا في ذَلِكَ العَطْفِ مِنَ الدَّغْدَغَةِ، ولِتَكُونَ الآياتُ حِينَئِذٍ عَلى نَمَطِ تَعْدِيدِ قَبائِحِهِمْ، وإفادَتُها اتِّصافَهم بِكُلٍّ مِن تِلْكَ الأوْصافِ اسْتِقْلالًا وقَصْدًا، ودِلالَتُها عَلى لُحُوقِ العَذابِ بِسَبَبِ كَذِبِهِمُ الَّذِي هو أدْنى أحْوالِهِمْ، فَما ظَنُّكَ بِسائِرِها، ولِكَوْنِ هَذا الماضِي لِمَكانِ إذا مُسْتَقْبَلًا حَسُنَ العَطْفُ، وفِيهِ أنَّ مَآلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ الكَذِبُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، فَلا تَغايُرَ سابِقُها، ولَوْ سُلِّمَ التَّغايُرُ بِالِاعْتِبارِ وضَمِّ القُيُودِ فَهي جُزْءُ الصِّلَةِ أوِ الصِّفَةُ وكِلاهُما يَقْتَضِي عَدَمَ الِاسْتِقْلالِ، وأيْضًا كَوْنُ ذَلِكَ الكَذِبِ أدْنى أحْوالِهِمْ لا يُقْبَلُ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ، عَلى أنَّ تَخَلُّلَ البَيانِ والِاسْتِئْنافِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ أجْنَبِيًّا بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ أوِ الصِّفَةِ لا يَخْلُو عَنِ اسْتِهْجانٍ، فالَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ وأُعَوِّلُ دُونَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ عَلَيْهِ ما اخْتارَهُ المُدَقِّقُ في الكَشْفِ، وقَرِيبٌ مِنهُ كَلامُ أبِي حَيّانَ في البَحْرِ، أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ ﴾ لِبَيانِ حالِهِمْ في ادِّعاءِ الإيمانِ، وكَذِبِهِمْ فِيهِ أوَّلًا، ثُمَّ بَيانِ حالِهِمْ في انْهِماكِهِمْ في باطِلِهِمْ، ورُؤْيَةِ القَبِيحِ حَسَنًا، والفَسادِ صَلاحًا ثانِيًا، ويُجْعَلُ المُعْتَمَدُ بِالعِطْفِ مَجْمُوعَ الأحْوالِ، وإنْ لَزِمَ فِيهِ عَطْفُ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ، فَهو أرْجَحُ بِحَسَبِ السِّياقِ، ونَمَطِ تَعْدِيدِ القَبائِحِ، وما قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لَيْسَ مِمّا يُعْتَدُّ بِهِ، وإنْ تُوُهِّمَ كَوْنُهُ أوْفى بِتَأْدِيَةِ هَذِهِ المَعانِي، وذَلِكَ لِعَدَمِ دِلالَتِهِ عَلى انْدِراجِ هَذِهِ الصِّفَةِ وما بَعْدَها في قِصَّةِ المُنافِقِينَ، وبَيانِ أحْوالِهِمْ، إذْ لا يَحْسُنُ حِينَئِذٍ عَوْدُ الضَّمائِرِ الَّتِي فِيها إلَيْهِمْ، كَما يَشْهَدُ بِهِ سَلامَةُ الفِطْرَةِ لِمَن لَهُ أدْنى دُرْبَةٍ بِأسالِيبِ الكَلامِ، كَلامٌ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ الإنْصافِ، كَما يَشْهَدُ بِهِ سَلامَةُ الفِطْرَةِ مِن داءِ التَّعَصُّبِ، والِاعْتِسافِ، فَإنَّ عَوْدَ الضَّمائِرِ رابِطٌ لِلصِّفاتِ بِهِمْ، وسَوْقُ الكَلامِ مُنادٍ عَلَيْهِ، وقَدْ يَأْتِي في القِصَّةِ الواحِدَةِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بِغَيْرِ عَطْفٍ، فَإذا لَمْ يُنافِهِ الِاسْتِئْنافُ رَأْسًا كَيْفَ يُنافِيهِ العَطْفُ عَلى أوَّلِهِ المُسْتَأْنَفِ، والعَطْفُ إنَّما يَقْتَضِي مُغايَرَةَ الأحْوالِ لا مُغايَرَةَ القِصَصِ وأصْحابِها، وما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أنَّ أهْلَ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ، لَيْسَ المُرادُ بِهِ أنَّها مَخْصُوصَةٌ بِقَوْمٍ آخَرِينَ، كَما يُشْعِرُ بِهِ الظّاهِرُ، بَلْ إنَّها لا تَخْتَصُّ بِمَن كانَ مِنَ المُنافِقِينَ، وإنْ نَزَلَتْ فِيهِمْ، إذْ خُصُوصُ السَّبَبِ لا يُنافِي عُمُومَ النَّظْمِ، ثُمَّ القائِلُ لِلْمُنافِقِينَ في عَصْرِ النُّزُولِ هَذا القَوْلَ إمّا النَّبِيُّ  تَبْلِيغًا عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ المُخْبِرِ لَهُ بِنِفاقِهِمْ، أوْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلَغَهُ عَنْهم ذَلِكَ، ولَمْ يَقْطَعْ بِهِ، فَنَصَحَهُمْ، فَأجابُوهُ بِما أجابُوهُ، أوْ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ الظّانِّينَ بِهِمُ المُتَفَرِّسِينَ بِنُورِ الإيمانِ فِيهِمْ، أوْ بَعْضُ مَن كانُوا يُلْقُونَ إلَيْهِ الفَسادَ، فَلا يَقْبَلُهُ مِنهم لِأمْرٍ ما، فَيَنْقَلِبُ واعِظًا لَهُمْ، قائِلًا: لا تُفْسِدُوا، والفَسادُ التَّغَيُّرُ عَنْ حالَةِ الِاعْتِدالِ والِاسْتِقامَةِ، ونَقِيضُهُ الصَّلاحُ، والمَعْنى: لا تَفْعَلُوا ما يُؤَدِّي إلى الفَسادِ، وهو هُنا الكُفْرُ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ المَعاصِي كَما قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أوِ النِّفاقُ الَّذِي صافَوْا بِهِ الكُفّارَ، فَأطْلَعُوهم عَلى أسْرارِ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي ولَوْ بِالوَسائِطِ إلى خَرابِ الأرْضِ، وقِلَّةِ الخَيْرِ، ونَزْعِ البَرَكَةِ، وتَعَطُّلِ المَنافِعِ، وإذا كانَ القائِلُ بَعْضَ مَن كانُوا يُلْقُونَ إلَيْهِ الفَسادَ، فَلا يَقْبَلُهُ مِمَّنْ شارَكَهم في الكُفْرِ، يُحْمَلُ الفَسادُ عَلى هَيْجِ الحُرُوبِ والفِتَنِ المُوجِبِ لِانْتِفاءِ الِاسْتِقامَةِ، ومَشْغُولِيَّةِ النّاسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَيُهْلِكُ الحَرْثَ والنَّسْلَ، ولَعَلَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ لِخَوَرٍ، أوْ تَأمُّلٍ في العاقِبَةِ، وإراحَةِ النَّفْسِ عَمّا ضَرَرُهُ أكْبَرُ مِن نَفْعِهِ، مِمّا تَمِيلُ إلَيْهِ الحُذّاقُ، عَلى أنَّ في أذْهانِ كَثِيرٍ مِنَ الكُفّارِ إذْ ذاكَ تَوَقُّعَ ما يُغْنِي عَنِ القِتالِ، مِن وُقُوعِ مَكْرُوهٍ بِالمُؤْمِنِينَ، ﴿ ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ ولا يَخْفى ما في هَذا الوَجْهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، والمُرادُ مِنَ الأرْضِ جِنْسُها، أوِ المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ، والحَمْلُ عَلى جَمِيعِ الأرْضِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ تَعْرِيفُ المُفْرَدِ يُفِيدُ اسْتِيعابَ الأفْرادِ لا الأجْزاءِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَعْتَبِرَ كُلَّ بُقْعَةٍ أرْضًا، لَكِنْ يَبْقى أنَّهُ لا مَعْنى لِلْحَمْلِ عَلى الِاسْتِغْراقِ بِاعْتِبارِ تَحَقُّقِ الحُكْمِ في فَرْدٍ واحِدٍ، ولَيْسَ ذِكْرُ الأرْضِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، بَلْ في ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الفَسادَ واقِعٌ في دارٍ مَمْلُوكَةٍ لِمُنْعِمٍ أسْكَنَكم بِها، وخَوَّلَكم بِنِعَمِها.

وأقْبَحُ خَلْقِ اللَّهِ مَن باتَ عاصِيًا لِمَن باتَ في نَعْمائِهِ يَتَقَلَّبُ (وإنَّما) لِلْحَصْرِ كَما جَرى عَلَيْهِ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ، وأهْلُ الأُصُولِ، واخْتارَ في البَحْرِ أنَّ الحَصْرَ يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ، ولَمْ تَدُلَّ عَلَيْهِ وضْعًا، وجَعْلُ القَوْلِ بِكَوْنِها مُرَكَّبَةً مِن (ما) النّافِيَةِ، دَخَلَ عَلَيْها (إنَّ) الَّتِي لِلْإثْباتِ، فَأفادَتِ الحَصْرَ قَوْلًا رَكِيكًا، صادِرٌ عَنْ غَيْرِ عارِفٍ بِالنَّحْوِ، ومَعْنى ﴿ إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ مَقْصُورُونَ عَلى الإصْلاحِ المَحْضِ الَّذِي لَمْ يُشْبِهْ شَيْئًا مِن وُجُوهِ الفَسادِ، وقَدْ بَلَغَ في الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُرْتابَ فِيهِ، والقَصْرُ إمّا قَصْرُ إفْرادٍ أوْ قَلْبٍ، وهَذا إمّا ناشِئٌ عَنْ جَهْلٍ مُرَكَّبٍ، فاعْتَقَدُوا الفَسادَ صَلاحًا، فَأصَرُّوا، واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا.

يُقْضى عَلى المَرْءِ في أيّامِ مِحْنَتِهِ ∗∗∗ حَتّى يَرى حَسَنًا ما لَيْسَ بِالحَسَنِ وإمّا جارٍ عَلى عادَتِهِمْ في الكَذِبِ وقَوْلِهِمْ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ، وقَرَأ هِشامٌ، والكِسائِيُّ (قِيلَ) بِإشْمامِ الضَّمِّ لِيَكُونَ دالًّا عَلى الواوِ المُنْقَلِبَةِ، (وقُوْلٌ): بِإخْلاصِ الضَّمِّ، وسُكُونِ الواوِ لُغَةٌ لِهُذَيْلٍ، ولَمْ يُقْرَأْ بِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ، قرأ الكسائي برفع القاف وكذلك كل ما ذكر في القرآن مثل: قيل وحيل وسيق، وقرأ حمزة وعاصم وغيرهما بكسر القاف.

وأصله في اللغة قول مع الواو، فحذفت الواو للتخفيف، فجعل الكسائي الرفع مكان الواو وغيره، وقرأ بالكسر للتخفيف.

والآية نزلت في شأن المنافقين وَإِذا قِيلَ لَهُمْ يعني المنافقين لاَ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي: لا تعملوا فيها بالمعاصي وهو الفساد لأن الأرض كانت قبل أن يبعث النبي-  - فيها الفساد، وكان يُعمل فيها بالمعاصي، فلما بعث الله النبي-  - ارتفع الفساد وصلحت الأرض فإذا عملوا بالمعاصي فقد أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، كما قال في آية أخرى وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها [الأعراف: 56 و 85] .

قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أي نعمل بالطاعة، ولا نعمل بالمعاصي.

وقد قيل: معنى لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، أي لا تداهنوا بين الناس ولا تعملوا بالمداهنة، قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ يعني لا نعادي الكفار ولا المؤمنين، حتى لو كانت الغلبة للمؤمنين أو للكفار، لا يصيبنا من دائرتهم شيء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ» «١» [المطففين: ١٤] » انتهى.

والغِشَاوَةُ: الغطاء المغشي الساتر، وقوله تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ: معناه:

لِمخالفتِكَ يا محمَّد، وكفرهم بالله، وعَظِيمٌ: معناه بالإضافة إلى عذاب دونه.

قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ...

إِلَى وَما يَشْعُرُونَ: هذه الآية نزلت في المنافقين، وسَمَّى اللَّهُ تعالى يوم القيامة اليَوْمَ الآخِرَ لأنه لا ليل بعده، ولا يقالُ يوم إِلا لما تقدَّمه ليل، واختلف المتأوِّلون في قوله: يُخادِعُونَ اللَّهَ، فقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى يُخَادِعُون رسول اللَّه «٢» ، فأضافَ الأمرَ إلى اللَّه تجوُّزاً لتعلُّق رسوله به، ومخادعتُهم هي تحيُّلهم في أن يُفْشِيَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم والمؤمنون إليهم أسرارهم.

ع «٣» : تقول: خادَعْتُ الرجُلَ بمعنى: أعملْتُ التحيُّل عليه، فَخَدَعْتُهُ، بمعنى:

تمَّت عليه الحيلة، ونفذ فيه المرادُ، وقال جماعةٌ: بل يخادعون اللَّهَ والمؤمنين بإِظهارهم من الإِيمان خلافَ ما أبطنوا من الكفر، وإِنما خدعوا أنفسهم لحصولهم في العذاب، وَما يَشْعُرُونَ بذلك، معناه: وما يعلمون علْمَ تفطُّن وتَهَدٍّ، وهي لفظة مأخوذة من

الشِّعَار كأن الشيء المتفطَّن له شعار للنَّفْس، وقولهم: لَيْتَ شِعْرِي: معناه: ليت فطنتي تُدْرِكُ.

واختلف، ما الذي نَفَى/ اللَّه عنهم أنْ يشعروا له؟

فقالت طائفة: وما يَشْعُرُونَ أنَّ ضرَرَ تلْكَ المخادَعَةِ راجعٌ عليهم لخلودهم في النَّار، وقال آخرون: وما يَشْعُرُونَ أنَّ اللَّه يكشف لك سرّهم ومخادعتهم في قولهم: آمَنَّا.

قوله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، أي: في عقائدهم فسادٌ «١» ، وهم المنافقون، وذلك إما أن يكون شكًّا، وإما جحدًا بسبب حسدهم مع علمهم بصحَّة ما يجحدون، وقال قوم: المَرَضُ غمّهم بظهوره صلّى الله عليه وسلم، فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً، قيل: هو دعاءٌ عليهم، وقيل:

هو خبر أنَّ اللَّه قد فعل بهم ذلك، وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحْيِ، ويظهر من البراهين.

ت: لما تكلَّم ع: على تفسير قوله تعالى: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [الفتح: ٦] .

قال «٢» : كُلُّ ما كان بلفظ دعاء من جهة اللَّه عزَّ وجلَّ، فَإنَّما هو بمعنى إيجاب الشيء لأَنَّ اللَّه تعالى لا يدعو على مخلوقاته، وهي في قبضته، ومن هذا: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ [الهمزة: ١] ، وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] ، وهي كلها أحكام تامَّة تضمنها خبره تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، أي: مؤلم، وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي:

بالكفر وموالاةِ الكفرةِ ولقول المنافقين: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ثلاثُ تأويلاتٍ:

أحدها: جحد أنهم يفسدون، وهذا استمرار منهم على النِّفاق.

والثاني: أنّ يقروا بموالاة الكُفَّار ويدَّعون أنها صلاحٌ من حيث هم قرابةٌ توصل.

والثالث: أنهم يصلحون بين الكفار والمؤمنين.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِها قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا خُلِقُوا حِينَ نُزُولِها، قالَهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ.

وكانَ الكِسائِيُّ يَقْرَأُ بِضَمِّ القافِ مِن "قِيلَ" والحاءِ مَن "حِيلَ" والغَيْنِ مَن "غِيضَ" والجِيمِ مَن "جِيءَ" والسِّينِ مِن "سِيءَ" و"سِيئَتْ" وكانَ ابْنُ عامِرٍ يَضُمُّ مِن ذَلِكَ ثَلاثَةً "حِيلَ" و"سِيقَ" و"سِيءَ" و"سِيئَتْ" .

وكانَ نافِعٌ يَضُمُّ "سِيءَ" و"سِيئَتْ" ويَكْسِرُ البَواقِي، والآَخَرُونَ يَكْسِرُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ.

وَقالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ مِن قُرَيْشٍ ومِن جاوَرَهم مِن بَنِي كَنانَةَ يَكْسِرُونَ القافَ في "قِيلَ" و"جِيءَ" و"غِيضَ"، وكَثِيرٌ مِن عَقِيلٍ ومَن جاوَرَهم وعامَّةُ أسَدٍ، يَشُمُّونَ إلى الضَّمِّ مِن "قِيلَ" و"جِيءَ" .

وَفِي المُرادِ بِالفَسادِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الكُفْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: العَمَلُ بِالمَعاصِي، قالَهُ: أبُو العالِيَةِ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الكُفْرُ والمَعاصِي، قالَهُ السَّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ تَرْكُ امْتِثالِ الأوامِرَ، واجْتِنابِ النَّواهِي، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أنَّهُ النِّفاقُ الَّذِي صادَفُوا بِهِ الكُفّارَ، وأطْلَعُوهم عَلى أسْرارِ المُؤْمِنِينَ، ذَكَرَهُ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ إنْكارُ، ما عَرَفُوا بِهِ، وتَقْدِيرُهُ: ما فَعَلْنا شَيْئًا يُوجِبُ الفَسادَ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: إنّا نَقْصِدُ الإصْلاحَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ، والقَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم أرادُوا مُصافاةَ الكُفّارِ صَلاحٌ، لا فَسادٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّهم أرادُوا أنَّ فِعْلَنا هَذا هو الصَّلاحُ، وتَصْدِيقُ مُحَمَّدٍ هو الفَسادُ، قالَهُ السَّدِّيُّ.

والخامِسُ: أنَّهم ظَنُّوا أنَّ مُصافاةَ الكُفّارِ صَلاحٌ في الدُّنْيا لا في الدِّينِ؛ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ الدَّوْلَةَ إنْ كانَتْ لِلنَّبِيِّ  فَقَدْ أمَّنُوهُ بِمُبايَعَتِهِ وإنْ كانَتْ لِلْكَفّارِ فَقَدْ أمِنُوهم بِمُصافاتِهِمْ، ذَكَرَهُ شَيْخُنا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ ﴿ ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ المَرَضُ عِبارَةٌ مُسْتَعارَةٌ لِلْفَسادِ الَّذِي في عَقائِدِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَكُونَ شَكًّا، وإمّا جَحْدًا بِسَبَبِ حَسَدِهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ ما يَجْحَدُونَ، وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ المُتَأوِّلُونَ.

وقالَ قَوْمٌ: المَرَضُ غَمَّهم بِظُهُورِ أمْرِ رَسُولِ اللهِ  .

وقَرَأ الأصْمَعِيُّ عن أبِي عُمَرَ: "مَرْضٌ" بِسُكُونِ الراءِ، وهي لُغَةٌ في المَصْدَرِ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: ولَيْسَ بِتَخْفِيفٍ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا ﴾ فَقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو خَبَرُ أنَّ اللهَ قَدْ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ، وهَذِهِ الزِيادَةُ هي بِما يَنْزِلُ مِنَ الوَحْيِ، ويَظْهَرُ مِنَ البَراهِينِ، فَهي عَلى هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ عَمًى، وكُلَّما كَذَبُوا زادَ المَرَضُ، وقَرَأ حَمْزَةُ "فَزِادَهُمْ" بِكَسْرٍ الزايِ وكَذَلِكَ ابْنُ عامِرٍ، وكانَ نافِعٌ يُشِمُّ الزايَ إلى الكَسْرِ، وفَتَحَ الباقُونَ.

و"ألِيمٌ" مَعْناهُ مُؤْلِمٌ، كَما قالَ الشاعِرُ، وهو عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبٍ: أمِن رَيْحانَةَ الداعِي السَمِيعُ......................................

بِمَعْنى مُسْمِعٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ "يُكَذِّبُونَ" بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الذالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الذالِ، فالقِراءَةُ بِالتَثْقِيلِ يُؤَيِّدُها قَوْلُهُ تَعالى قَبْلُ: ﴿ وَما هم بِمُؤْمِنِينَ  ﴾ فَهَذا إخْبارٌ بِأنَّهم يُكَذِّبُونَ، والقِراءَةُ بِالتَخْفِيفِ يُؤَيِّدُها أنَّ سِياقَ الآياتِ إنَّما هي إخْبارٌ بِكَذِبِهِمْ، والتَوَعُّدُ بِالعَذابِ الألِيمِ مُتَوَجِّهٌ عَلى التَكْذِيبِ، وعَلى الكَذِبِ في مِثْلِ هَذِهِ النازِلَةِ إذْ هو مُنْطَوٍ عَلى الكُفْرِ، وقِراءَةُ التَثْقِيلِ أرْجَحُ.

وَ"إذا" ظَرْفُ زَمانٍ.

وحُكِيَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّها في قَوْلِكَ في المُفاجَأةِ: "خَرَجَتْ فَإذا زِيدَ" ظَرْفُ مَكانٍ لِأنَّها تَضَمَّنَتْ جُثَّةً، وهَذا مَرْدُودٌ، لِأنَّ المَعْنى: خَرَجَتْ فَإذا حُضُورُ زَيْدٍ، فَإنَّما تَضَمَّنَتِ المَصْدَرَ كَما يَقْتَضِيهِ سائِرُ ظُرُوفِ الزَمانِ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: "اليَوْمَ خَمْرٌ، وغَدًا أمْرٌ" فَمَعْناهُ وُجُودُ خَمْرٍ، ووُقُوعُ أمْرٍ، والعامِلُ في "إذا" في هَذِهِ الآيَةِ: قالُوا.

وأصْلُ "قِيلَ" قَوْلٌ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى القافِ فَقُلِبَتْ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، وقَرَأ الكِسائِيُّ: "قِيلَ وغِيضَ وسِيءَ وسِيئَتْ وحِيلَ وسِيقَ وجِيءَ" بِضَمِّ أوائِلِ ذَلِكَ كُلِّهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ كَسَرَ "غِيضَ وقِيلَ وجِيءَ"، الغَيْنُ والقافُ والجِيمُ، حَيْثُ وقَعَ مِنَ القُرْآنِ، وضَمَّ نافِعٌ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ حَرْفَيْنِ "سِيءَ وسِيئَتْ" وكَسْرِ ما بَقِيَ.

وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، يَكْسِرُونَ أوائِلَ هَذِهِ الحُرُوفِ كُلِّها.

والضَمِيرُ في "لَهُمْ" عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ المُشارِ إلَيْهِمْ قَبْلُ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: الإشارَةُ هُنا هي إلى مُنافِقِي اليَهُودِ.

وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: لَمْ يَجِئْ هَؤُلاءِ بَعْدُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: لَمْ يَنْقَرِضُوا، بَلْ هم يَجِيئُونَ في كُلِّ زَمانٍ.

و ﴿ لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ مَعْناهُ: بِالكُفْرِ ومُوالاةُ الكَفَرَةِ، و"نَحْنُ" اسْمٌ مِن ضَمائِرِ الرَفْعِ مَبْنِيٌّ عَلى الضَمِّ إذْ كانَ اسْمًا قَوِيًّا يَقَعُ لِلْواحِدِ المُعَظَّمِ، والِاثْنَيْنِ، والجَماعَةِ، فَأُعْطِيَ أسْنى الحَرَكاتِ، وأيْضًا فَلَمّا كانَ في الأغْلَبِ ضَمِيرُ جَماعَةٍ، وضَمِيرُ الجَماعَةِ في الأسْماءِ الظاهِرَةِ الواوُ أُعْطِي الضَمَّةَ إذْ هي أُخْتُ الواوِ؟

ولِقَوْلِ المُنافِقِينَ: ﴿ إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: جَحَدَ أنَّهم يُفْسِدُونَ، وهَذا اسْتِمْرارٌ مِنهم عَلى النِفاقِ.

والثانِي: أنْ يُقِرُّوا بِمُوالاةِ الكُفّارِ، ويَدَّعُونَ أنَّها صَلاحٌ مِن حَيْثُ أنَّهم قَرابَةٌ تُوصَلُ، والثالِثُ: أنَّهم مُصْلِحُونَ بَيْنَ الكُفّارِ والمُؤْمِنِينَ، فَلِذَلِكَ يُداخِلُونَ الكُفّارَ.

و"ألا" اسْتِفْتاحُ كَلامٍ، و"إنَّ" بِكَسْرِ الألْفِ اسْتِئْنافٌ، و"هُمُ" الثانِي رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، و"المُفْسِدُونَ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ "إنَّ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا، ويُسَمِّيهِ الكُوفِيُّونَ العِمادَ، ويَكُونُ "المُفْسِدُونَ" خَبَرُ "إنَّ"، فَعَلى هَذا لا مَوْضِعَ لـِ "هُمُ" مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ في "إنَّهُمْ"، فَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ.

ودَخَلَتِ الألِفُ واللامُ في قَوْلِهِ: "المُفْسِدُونَ" لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللَفْظَةِ في قَوْلِهِ: "لا تُفْسِدُوا" فَكَأنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ العَهْدِ، ولَوْ جاءَ الخَبَرُ عنهم ولَمْ يَتَقَدَّمْ مِنَ اللَفْظَةِ ذِكْرٌ لَكانَ "ألا إنَّهم مُفْسِدُونَ" قالَهُ الجُرْجانِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الألِفُ واللامُ تَتَضَمَّنُ المُبالَغَةَ كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ هو الرَجُلُ"، أيْ: حَقُّ الرَجُلِ، فَقَدْ تَسْتَغْنِي عن مُقَدِّمَةٍ تَقْتَضِي عَهْدًا و"لَكِنْ" بِجُمْلَتِهِ حَرْفُ اسْتِدْراكٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هُنا: لا يَشْعُرُونَ أنَّهم مُفْسِدُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: لا يَشْعُرُونَ أنَّ اللهَ يَفْضَحُهُمْ، وهَذا مَعَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم "إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ" جَحْدًا مَحْضًا لِلْإفْسادِ، والِاحْتِمالُ الأوَّلُ هو بِأنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: "إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ" اعْتِقادًا مِنهم أنَّهُ صَلاحٌ في صِلَةِ القَرابَةِ، أو إصْلاحٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يظهر لي أن جملة ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ عطف على جملة ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ [البقرة: 10]؛ لأن قوله: ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ﴾ إخبار عن بعض عجيب أحوالهم، ومن تلك الأحوال أنهم قالوا ﴿ إنما نحن مصلحون ﴾ في حين أنهم مفسدون فيكون معطوفاً على أقرب الجمل الملظة لأحوالهم وإن كان ذلك آيلاً في المعنى إلى كونه معطوفاً على الصلة في قوله: ﴿ من يقول آمنا بالله ﴾ [البقرة: 8].

و (إذا) هنا لمجرد الظرفية وليست متضمنة معنى الشرط كما أنها هنا للماضي وليست للمستقبل وذلك كثير فيها كقوله تعالى: ﴿ حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر ﴾ [آل عمران: 152] الآية.

ومن نكت القرآن المغفول عنها تقييد هذا الفعل بالظرف فإن الذي يتبادر إلى الذهن أن محل المذمة هو أنهم يقولون ﴿ إنما نحن مصلحون ﴾ مع كونهم مفسدين، ولكن عند التأمل يظهر أن هذا القول يكون قائلوه أجدر بالمذمة حين يقولونه في جواب من يقول لهم ﴿ لا تفسدوا في الأرض ﴾ فإن هذا الجواب الصادر من المفسدين لا ينشأ إلا عن مرض القلب وأفن الرأي، لأن شأن الفساد أن لا يخفى ولئن خفي فالتصميم عليه واعتقاد أنه صلاح بعد الإيقاظ إليه والموعظة إفراط في الغباوة أو المكابرة وجهل فوق جهل.

وعندي أن هذا هو المقتضى لتقديم الظرف على جملة ﴿ قالوا...

﴾ ، لأنه أهم إذ هو محل التعجيب من حالهم، ونكت الإعجاز لا تتناهى.

والقائل لهم ﴿ لا تفسدوا في الأرض ﴾ بعض من وقف على حالهم من المؤمنين الذين لهم اطلاع على شؤونهم لقرابة أو صحبة، فيخلصون لهم النصيحة والموعظة رجاء إيمانهم ويسترون عليهم خشية عليهم من العقوبة وعلماً بأن النبيء صلى الله عليه وسلم يغضي عن زلاتهم كما أشار إليه ابن عطية.

وفي جوابهم بقولهم: ﴿ إنما نحن مصلحون ﴾ ما يفيد أن الذين قالوا لهم ﴿ لا تفسدوا في الأرض ﴾ كانوا جازمين بأنهم مفسدون لأن ذلك مقتضى حرف إنما كما سيأتي ويدل لذلك عندي بناء فعل قيل للمجهول بحسب ما يأتي في قوله تعالى: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ﴾ [البقرة: 8] ولا يصح أن يكون القائل لهم الله والرسول إذ لو نزل الوحي وبلغ إلى معينين منهم لعلم كفرهم ولو نزل مجملاً كما تنزل مواعظ القرآن لم يستقم جوابهم بقولهم: ﴿ إنما نحن مصلحون ﴾ .

وقد عَنَّ لي في بيان إيقاعهم الفساد أنه مراتب: أولها: إفسادهم أنفسهم بالإصرار على تلك الأدواء القلبية التي أشرنا إليها فيما مضى وما يترتب عليها من المذام ويتولد من المفاسد.

الثانية: إفسادهم الناس ببث تلك الصفات والدعوة إليها، وإفسادُهم أبناءهم وعيالهم في اقتدائهم بهم في مساويهم كما قال نوح عليه السلام: ﴿ إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ﴾ [نوح: 27].

الثالث: إفسادهم بالأفعال التي ينشأ عنها فساد المجتمع، كإلقاء النميمة والعداوة وتسعير الفِتَن وتأليب الأحزاب على المسلمين وإحداث العقبات في طريق المصلحين.

والإفساد فعل ما به الفساد، والهمزة فيه للجَعْل أي جعل الأشياء فاسدة في الأرض.

والفساد أصله استحالة منفعة الشيء النافع إلى مضرة به أو بغيره، وقد يطلق على وجود الشيء مشتملاً على مضرة، وإن لم يكن فيه نفع من قبل يقال فسد الشيء بعدَ أن كان صالحاً ويقال فَاسِد إذا وُجد فاسداً من أول وَهلة، وكذلك يقال أفسد إذا عمَد إلى شيء صالح فأزالَ صلاحه، ويقال أفسَد إذا أَوْجد فساداً من أول الأمر.

والأظهر أن الفساد موضوع للقدر المشترك من المعنيين وليس من الوضع المشترك، فليس إطلاقه عليهما كما هنا من قبيل استعمال المشترك في معنييه.

فالإفساد في الأرض منه تصيير الأشياء الصالحة مضرة كالغش في الأطعمة، ومنه إزالة الأشياء النافعة كالحَرق والقتل للبرآء، ومنه إفساد الأنظمة كالفِتن والجور، ومنه إفساد المساعي كتكثير الجهل وتعليم الدعارة وتحسين الكفر ومناوأة الصالحين المصلحين، ولعل المنافقين قد أخذوا من ضروب الإفساد بالجميع، فلذلك حُذف متعلق ﴿ تفسدوا ﴾ تأكيداً للعموم المستفاد من وقوع في حَيز النفي.

وذُكِر المحل الذي أفسدوا ما يَحْتوي عليه وهو الأرضُ لتفظيع فسادهم بأنه مبثوث في هذه الأرض لأن وقوعه في رقعة منها تشويه لمجموعها.

والمراد بالأرض هذه الكرة الأرضية بما تحتوي عليه من الأشياء القابلة للإفساد من الناس والحيوان والنبات وسائر الأنظمة والنواميس التي وضعها الله تعالى لها، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وإذا تولى سعي في الأرض ليفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ﴾ [البقرة: 200].

وقوله تعالى: ﴿ قالوا إنما نحن مصلحون ﴾ جواب بالنقض فإن الإصلاح ضد الإفساد، أي جعل الشيء صالحاً، والصلاح ضد الفساد يقال صلح بعد أن كان فاسداً ويقال صلح بمعنى وجد من أول وهلة صالحاً فهو موضوع للقدر المشترك كما قلنا.

وجاءوا بإنما المفيدة للقصر باتفاق أئمة العربية والتفسير ولا اعتداد بمخالفه شذوذاً في ذلك.

وأفاد ﴿ إنما ﴾ هنا قصر الموصوف على الصفة رداً على قول من قال لهم ﴿ لا تفسدوا ﴾ ، لأن القائل أثبت لهم وصف الفساد إما باعتقاد أنهم ليسوا من الصلاح في شيء أو باعتقاد أنهم قد خلطوا عملاً صالحاً وفاسداً، فردوا عليهم بقصر القلب، وليس هو قصراً حقيقياً لأن قصر الموصوف على الصفة لا يكون حقيقياً ولأن حرف إنما يختص بقصر القلب كما في «دلائل الإعجاز»، واختير في كلامهم حرف (إنما) لأنه يخاطب به مخاطب مُصِر على الخطأ كما في «دلائل الإعجاز» وجعلت جملة القصر اسمية لتفيد أنهم جعلوا اتصافهم بالإصلاح أمراً ثابتاً دائماً، إذ من خصوصيات الجملة الاسمية إفادة الدَّوام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الكُفْرُ.

والثّانِي: فِعْلُ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ، وتَضْيِيعُ ما أمَرَ بِحِفْظِهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مُمالَأةُ الكُفّارِ.

وَكُلُّ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَسادٌ في الأرْضِ، لِأنَّ الفَسادَ العُدُولُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلى ضِدِّها.

واخْتُلِفَ فِيمَن أُرِيدَ بِهَذا القَوْلِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما يَجِيئُونَ بَعْدُ، وهو قَوْلُ سُلَيْمانَ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ.

﴿ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم ظَنُّوا أنَّ في مُمالَأةِ الكُفّارِ صَلاحًا لَهُمْ، ولَيْسَ كَما ظَنُّوا، لِأنَّ الكُفّارَ لَوْ يَظْفَرُونَ بِهِمْ، لَمْ يُبْقُوا عَلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ والثّانِي: أنَّهم أنْكَرُوا بِذَلِكَ، أنْ يَكُونُوا فَعَلُوا ما نُهُوا عَنْهُ مِن مُمالَأةِ الكُفّارِ، وقالُوا: إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ في اجْتِنابِ ما نُهِينا عَنْهُ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّ مُمالَأتَنا الكُفّارَ، إنَّما نُرِيدُ بِها الإصْلاحَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهم أرادُوا أنَّ مُمالَأةَ الكُفّارِ صَلاحٌ وهُدًى، ولَيْسَتْ بِفَسادٍ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصِحُّ نِفاقُهم مَعَ مُجاهَدَتِهِمْ بِهَذا القَوْلِ; فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَرَّضُوا بِهَذا القَوْلِ، وكَنَّوْا عَنْهُ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوا سِرًّا لِمَن خَلَوْا بِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يَجْهَرُوا بِهِ، فَبَقُوا عَلى نِفاقِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض ﴾ قال: الفساد هو الكفر والعمل بالمعصية.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ﴾ قال: إذا ركبوا معصية فقيل لهم لا تفعلوا كذا، قالوا إنما نحن على الهدى.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنما نحن مصلحون ﴾ أي إنما نريد الإِصلاح بين الفريقين من المؤمنين، وأهل الكتاب.

وأخرج وكيع وابن جرير وابن أبي حاتم عن عباد بن عبدالله الأسدي قال: قرأ سلمان هذه الآية ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ﴾ قال: لم يجئ أهل هذه الآية بعد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ الآية.

موضع (إذا) من الإعراب نصب لأنه اسم للوقت كأنك قلت: (وحين قيل لهم) أو (ويوم قيل لهم) إلا أنها تشبه حرف الجزاء (١) وكان الكسائي يُشِمّ ﴿ قِيلَ ﴾ (٢) (٣) (٤) (٥) وأما من (٦) (٧) (٨) قال المفسرون: ومعنى الآية: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: لا تفسدوا في الأرض بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد  (٩) (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ .

(١٢) وجماعة المضمرين تدل عليهم (الميم أو (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وقال بعضهم.

ضم آخرها تشبيهاً بالغاية، نحو: قبلُ وبعدُ (١٩) (٢٠) ﴿ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ  ﴾ .

وقال قوم: كان أصلها (نَحُنْ) (٢١) (٢٢) ومعنى الآية: يظهرون أنهم مصلحون، كما أنهم يقولون: آمنا، وهم كاذبون.

ويحتمل أنهم قالوا: إنما نحن مصلحون، أي: الذي نحن عليه هو صلاح عند أنفسنا (٢٣) والتأويل: إنما نحن مصلحون أنفسنا أو الناس، على ما ذكرنا في قوله: ﴿ لَا تُفْسِدُوا ﴾ لأن الإصلاح واقع، ولا بد له من مفعول، وقولهم: فلان مصلح، يراد أنه مصلح لأعماله وأموره.

(١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 137، "البيان" 1/ 55، 56، "الدر المصون" 1/ 132.

(٢) وروي عن هشام مثل الكسائي، وعن نافع وابن عامر الإشمام في بعض أخوات (قيل) دونها.

انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 143، "الحجة" 1/ 340، "الكشف" لمكي 1/ 229.

(٣) في (أ)، (ج): وأخواته.

وأثبت ما في (ب).

والمراد بأخواتها: سيء وسيق وحيل وجيء وغيض والسادس قيل فهي ستة أفعال معتلة العين.

انظر: "الكشف" لمكي 1/ 229 والإشمام سبق تعريفه.

(٤) فعل: مبني للمجهول.

(٥) في (أ)، (ج) رسمت أن قيد وفي (ب) إن قيل والصحيح ما أثبت كما في "الحجة" قال: (...

ألا ترى من قال: قيل وبيع، قال: اختير وانقيد فأشم ما بعد الخاء والنون لما كان بمنزلة: قيل وبيع ...) 1/ 346، وانظر: "الكشف" 1/ 230.

(٦) وهم ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة هؤلاء كسروا أوائل (قيل) وأخواتها ونافع وابن عامر وافقاهم في بعضها ومنها (قيل)، انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 143، 144، "الحجة" 1/ 340 - 341، "الكشف" 1/ 229.

(٧) في (ب): (كان).

(٨) انظر: "الحجة" 1/ 349 - 350 "الكشف" 1/ 230.

(٩) انظر.

"تفسير الطبري" 1/ 125، "تفسير أبي الليث" 1/ 96، "تفسير الثعلبي" 1/ 50 ب، "تفسير ابن كثير" 1/ 53، و"تفسير البغوي" 1/ 66، "تفسير الخازن" 1/ 58.

(١٠) في (ب): (محذوف).

(١١) في (ب): (بالواو).

(١٢) في (ج): (قالوا إنما نحن مصلحون).

(١٣) في "معاني القرآن" للزجاج (الميم والواو) 1/ 54.

(١٤) في (ب): (ونحن).

(١٥) في (أ)، (ب)، (ج): (قالوا ومن) والتصحيح من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 55.

(١٦) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 54.

وانظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 241.

(١٧) في (ب): (أناس).

(١٨) "الأضداد" لابن الأنباري ص 184، "تهذيب اللغة" (أنا) 1/ 213.

(١٩) ذكره النحاس ونسبه لمحمد بن يزيد، "إعراب القرآن" للنحاس1/ 138 - 139، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 24.

(٢٠) (بينهما) ساقط من (ب) وفي ج (بينهم).

(٢١) في (أ): (نَحْنُ) وفي ب، ج غير مشكولة والصحيح (نَحُنْ) كما في "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 138 - 139، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 25، وفي (نحن) نقلت الضمة إلى (النون) وسكنت (الحاء).

(٢٢) أخوات (قط): (قبل) و (بعد) و (حسب) لأنها غاية مثلهن: انظر "تهذيب اللغة" (قط) 3/ 2991، "الكتاب" 3/ 276.

(٢٣) ذكر القولين الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 52، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 126 - 127، "زاد المسير" 1/ 32، "تفسير البغوي" 1/ 67.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ تُفْسِدُواْ ﴾ أي بالكفر والنميمة وإيقاع الشر وغير ذلك ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ يحتمل أن يكون جحود الكفر لقولهم آمنا، أو اعتقاد أمنهم على إصلاح.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: و "من الناس" ممالة.

قرأ قتيبة ونصير في القرآن ما كان مكسوراً.

"من يقول" مدغمة النون والتنوين في الياء حيث وقعت: حمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري.

"بمؤمنين" غير مهموز: أبو عمرو وغير شجاع ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها من الأسماء.

"وما يخادعون": أبو عمرو وابن كثير ونافع.

"فزادهم الله" وبابه مما كان ماضياً بالإمالة: حمزة ونصير وابن ذكوان من طريق مجاهد والنقاش بن الأخرم ههنا بالإمالة فقط.

"يكذبون" خفيفاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

قيل ﴿ وغيض ﴾ ﴿ وجيء ﴾ بالإشمام: علي وهشام ورويس.

"السفهاء ألا" بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

"السفهاء ولا" بقلب الثانية واواً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وأبو جعفر ونافع.

"السفهاء وألا" بقلب الأولى واواً.

روى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة: وكذلك ما أشبهها مما اختلف الهمزتان فيها إلا أن تكون الأولى منهما مفتوحة مثل ﴿ شهداء إذ ﴾ ﴿ وجاء إخوة ﴾ وأشباه ذلك.

"مستهزءون" بترك الهمزة في الحالين: يزيد وافق حمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها، وعن حمزة في الوقف وجهان: الحذف والتليين شبه الياء والواو.

"طغيانهم" حيث كان بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو.

"بالهدى" وما أشبهها من الأسماء والأفعال من ذوات الياء بالإمالة: حمزة وعلي وخلف.

وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وكذلك كل كلمة تجوز الإمالة فيها وذلك طبعهم وعادتهم.

الوقوف: "بمؤمنين" (م) لما مر في المقدمة الثامنة: "آمنوا" (ج) لعطف الجملتين المتفقتين مع ابتداء النفي.

"يشعرون" (ط) للآية وانقطاع النظم والمعنى، فإن تعلق الجار بما بعده.

"مرض" (لا) لأن الفاء للجزاء وكان تأكيداً لما في قلوبهم.

"مرضاً" (ج) لعطف الجملتين المختلفتين.

"يكذبون" (ه) في "الأرض" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذا" وعامله.

"مصلحون" (ه) "لا يشعرون" (ه) "كما آمن السفهاء" (ط) للابتداء بكلمة التنبيه، ومن وصل فليعجل رد السفه عليهم "لا يعلمون" (5) "آمنا" (ج) لتبدل وجه الكلام معنى مع أن الوصل أولى لبيان حالتيهم المتناقضتين وهو المقصود "شياطينهم" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذاً" "معكم" (لا) تحرزاً عن قول ما لا يقوله مسلم، وإن جاز الابتداء بإنما.

"مستهزءون" (ه) "يعمهون" (ه) "بالهدى" (ص) لانقطاع النفس ولا يلزم العود لأن ما بعده بدون ما قبله مفهوم "مهتدين" التفسير: وفيه مباحث: المبحث الأول: في قوله  ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ الآية.

وفيه مسائل: الأولى: عن مجاهد قال: أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين، وآيتان بعدها نزلتا في الكافرين، وثلاث عشرة بعدها نزلت في المنافقين.

فأقول: أحوال القلب أربع: الاعتقاد المطابق عن الدليل وهو العلم، والاعتقاد المطابق لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد المحق، والاعتقاد غير المطابق وهو الجهل، وخلو القلب عن كل ذلك.

وأحوال اللسان ثلاث: الإقرار والإنكار والسكوت.

كل منها بالاختيار أو بالاضطرار، فيحصل من التراكيب أربعة وعشرون قسماً فلنتكلم في الأحوال القلبية ونجعل البواقي تبعاً لها في الذكر.

(النوع الأول): العرفان القلبي إن انضم إليه الإقرار باللسان اختياراً فصاحبه مؤمن حقاً بالاتفاق، أو اضطراراً فهو منافق، لأنه لولا الخوف لما أقرّ، فهو بقلبه منكر مكذب وجوب الإقرار.

وإن انضم إليه الإنكار اضطراراً فهو مسلم لقوله  ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ أو اختياراً فهو كافر معاند.

وإن انضم إليه السكوت اضطراراً فمسلم حقاً لأنه خاف، أو كما عرف مات فجأة فيكون معذوراً أو اختياراً فمسلم أيضاً عند الغزالي وعند كثير من الأئمة لقوله  "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" .

(النوع الثاني) الاعتقاد التقليدي إن وجد معه الإقرار اختياراً فهو المسألة المشهورة من أن المقلد مؤمن أم لا، والأكثرون على إيمانه.

أو اضطراراً فمنافق بالطريق الأولى كما مر في النوع الأول.

وإن وجد معه الإنكار اختياراً فلا شك في كفره، أو اضطراراً فمسلم عند من يحكم بإيمان المقلد.

وإن وجد معه السكوت اضطراراً فمسلم بناء على إسلام المقلد، أو ا اختياراً فكافر معاند.

(النوع الثالث): الإنكار القلبي مع الإقرار اللساني إن كان اضطراراً نفاق، وكذا اختياراً لأنه أظهر خلاف ما أضمر.

ومع الإنكار اللساني كفر كيف كان، وكذا مع السكوت.

(النوع الرابع): القلب الخالي عن جميع الاعتقادات مع الإقرار اللساني إن كان اختياراً، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر لكنه فعل ما لا يجوز له حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا.

وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر، أما إذا كان اضطرارياً فلا يكفر صاحبه لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحاً.

والقلب الخالي مع الإنكار اللساني كيف كان نفاق، والقلب الخالي مع اللسان الخالي إن كان في مهلة النظر فذلك هو الواجب، وإن كان خارجاً عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا نفاق.

فظهر من التقسيم أن المنافق هو الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ظاهره أو كان باطنه خالياً عما يشعر به ظاهره، ومنه "النافقاء إحدى حجرة اليربوع يكتمها ويظهر غيرها" فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق أي خرج.

الثانية: زعم قوم أن الكفر الأصلي أقبح من النفاق، لأن الكافر جاهل بالقلب كاذب باللسان، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان.

وقال الآخرون: المنافق أيضاً كاذب باللسان لأنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه.

قال عز من قائل: ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون  ﴾ وأيضاً إنه قصد التلبيس والكافر الأصلي لا يقصد ذلك.

وأيضاً الكافر الأصلي على طبع الرجال، والمنافق على طبيعة الخنائي.

وأيضاً الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه، والمنافق رضي بالكذب.

وأيضاً المنافق ضم إلى الكفر الاستهزاء والخداع دون الكافر الأصلي، ولغلظ كفر المنافقين قال الله  : ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار  ﴾ ووصف حال الكفار في آيتين وحال المنافقين في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم وفضحهم وسفههم واستجهلهم واستهزأ بهم وتهكم بفعلهم وسجل بطغيانهم وعمههم ودعاهم صماً بكماً عمياً وضرب لهم الأمثال الشنيعة.

الثالثة: قصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة "الذين كفروا" كما تعطف الجملة على الجملة.

وأصل ناس أناس بدليل إنسان وإنس وأناسي.

حذفت الهمزة تخفيفاً، مع لام التعريف كاللازم.

وقوله "إن المنايا يطلعن على الإناس الآمنينا" قليل.

ونويس من المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان.

سموا بذلك لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمي الجن لاجتنانهم.

ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول كما يقال وزن ق أفعل وهو اسم جمع كرخال للأنثى من أولاد الضأن.

وأما الذي مفرده رخل بكسر الراء فرخال بكسر الراء.

"ومن" في "من يقول" موصوفة إن جعلت اللام في الناس للجنس كقوله ﴿ من المؤمنين رجال  ﴾ ليكون معنى الكلام أن في جنس الإنس طائفة كيت وكيت، فيعود فائدة الكلام إلى الوصف.

وإن لم يكن مفيداً من حيث الحمل لأن الطائفة الموصوفة تكون لا محالة من الناس، ولا يجوز أن تكون "من" موصولة حينئذ، لأن الصلة تكون جملة معلومة الانتساب إلى الموصول فتبطل فائدة الوصف، فيبقى الكلام غير مفيد رأساً.

وإن جعلت اللام للعهد فمن تكون موصولة نحو ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي  ﴾ وتكون اللام إشارة إلى الذين كفروا لما ذكرهم، ولا يجوز أن تكون "من" موصوفة إذ ذاك، لأن فائدة الكلام تعود إلى الوصف أيضاً، ولكن لا يجاوبه نظم الكلام إذ يصير المعنى أن من المختوم على قلوبهم طائفة يقولون كيت وكيت وما هم بمؤمنين.

ومن البين أن مدلول قوله "وما هم بمؤمنين" معلوم من حال المطبوع على قلوبهم فيقع ذكره ضائعاً، والضمير العائد إلى "من" يكون موحداً تارة باعتبار اللفظ نحو ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة  ﴾ ومجموعاً أخرى باعتبار المعنى مثل ﴿ ومنهم من يستمعون إليك  ﴾ وقد اجتمع الاعتباران في الآية في "يقول" و "آمنا".

وإنما اختص بالذكر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر لأنهما قطرا الإيمان، ومن أحاط بهما فقد حاز الإيمان بحذافيره.

وفي تكرير الباء إيذان بأنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام.

فإن قلت: إن كان هؤلاء المنافقون من المشركين فظاهر عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وإن كانوا من اليهود فكيف يصح ذلك؟

قلت: إيمان اليهود بالله ليس بإيمان لقولهم "عزير ابن الله" وكذلك إيمانهم باليوم الآخر لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته.

فقولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق بل على عقيدتهم فهو كفر لا إيمان.

فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة واستهزاء وتخييلاً للمسلمين أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي كان خبثاً إلى خبث وكفراً إلى كفر.

والمراد باليوم الآخر إما طرف الأبد الذي لا ينقطع لأنه متأخر عن الأوقات المنقضية، أو الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة التي لا حد للوقت بعده.

فإن قلت: كيف طابق قوله "وما هم بمؤمنين" قولهم "آمنا" والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني بالعكس؟

قلت: لما أتوا بالجملة الفعلية ليكون معناها أحدثنا الدخول في الإيمان لتروج دعواهم الكاذبة، جيء بالجملة الأسمية ليفيد نفي ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل ألبت والقطع وأنهم ليس لهم استئهال أن يكونوا طائفة من طوائف المؤمنين، فكان هذا أوكد وأبلغ من أن يقال: إنهم لم يؤمنوا.

ونظير الآية قوله  ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها  ﴾ .

ثم إن قوله "وما هم بمؤمنين" يحتمل أن يكون مقيداً وترك لدلالة التقييد في "آمنا".

ويحتمل الإطلاق أي أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر ولا من الإيمان بغيرهما.

البحث الثاني: في قوله ﴿ يخادعون الله ﴾ إلى ﴿ يكذبون ﴾ .

أعلم أن الله ذكر من قبائح أفعال المنافقين أربعة أشياء: أحدها المخادعة وأصلها الإخفاء، ومنه سميت الخزانة المخدع.

والأخدعان عرفان في العنق خفيان.

وخدع الضب خدعاً إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلاً.

والخديعة مذمومة لأنها إظهار ما يوهم السداد والسلامة وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير أو التخلص منه، فهي بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسية.

فإن قيل: مخادعة الله والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا يخفى عليه خافية لا يخدع، والحكيم الحليم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنين وإن جاز أن يخدعوا كما قال ذو الرمة: تلك الفتاة التي علقتها عرضاً *** إن الحليم ذا الإسلام يختلب لم يجز أن يخدعوا.

قلنا: كانت صورة صنعهم مع الله - حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون - صورة صنع الخادعين، وصورة صنع الله معهم - حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده أهل الدرك الأسفل من النار - صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم - حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم.

ويحتمل أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن الله ممن يصح خداعه، لأنه من كان ادعاؤه الإيمان بالله تعالى نفاقاً لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته، فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله مخدوعاً ومصاباً بالمكروه من وجه خفي، أو تجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم.

ويحتمل أن يذكر الله ويراد الرسول لأنه خليفته والناطق بأوامره ونواهيه مع عباده ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ .

ويحتمل أن يكون من قولهم "أعجبني زيد وكرمه" فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا بالله، وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص.

ولما كان المؤمنون من الله بمكان سلك بهم هذا المسلك ومثله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه  ﴾ { ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله  ﴾ وقولهم "علمت زيداً فاضلاً" الغرض ذكر الإحاطة بفضل زيد، لأن زيداً كان معلوماً له قديماً كأنه قيل: علمت فضل زيد ولكن ذكره توطئة وتمهيداً.

ووجه الاختصار بخادعت على واحد أن يقال: عني به فعلت إلا أنه أخرج في زنة "فاعلت" لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه.

"ويخادعون" بيان ليقول، ويجوز أن يكون مستأنفاً كأن قيل: ولم يدعون الإيمان كاذبين؟

فقيل: يخادعون.

وكان غرضهم من الخداع الدفع عن أنفسهم أحكام الكفار من القتل والنهب وتعظيم المسلمين إياهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم واطلاعهم على أسرار المسلمين لاختلاطهم بهم.

والسؤال الذي يذكر ههنا من أنه  لم أبقى المنافق على حاله من النفاق ولم يظهر أمره حتى لا يصل من أغراض الخداع إلى ما وصل؟

وأرد على استبقاء الكفار وسائر أعداء الدين، بل على استبقاء إبليس وذريته وتنحل العقدة في الجميع بما سلف لنا من الحقائق ولا سيما في تفسير قوله  ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ وقراءة من قرأ ﴿ وما يخادعون إلا أنفسهم  ﴾ أي وما يعاملون تلك المعاملة المضاهية لمعاملة المخادعين إلا أنفسهم، لأن مكرهاً يحيق بهم ودائرتها تدور عليهم لأن الله  يدفع ضرر الخداع عن المؤمنين ويصرفه إليهم كقوله ﴿ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم  ﴾ ويحتمل أن يراد حقيقة المخادعة لأنهم يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل، وأنفسهم أيضاً تمنيهم وتحدثهم بالأكاذيب.

وأن يراد "وما يخدعون" فجيء به على لفظ يفاعلون للمبالغة.

والنفس ذات الشيء وحقيقته ولا يختص بالأجسام لقوله  ﴿ تعلم ما في نفسي  ﴾ والشعور علم الشيء علم حس ومشاعر الإنسان حواسه.

والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له.

والمرض حالة توجب وقوع الخلل في الأفعال الصادرة عن موضوعها، واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة بأن يراد الألم كما تقول: في جوفه مرض.

ومجازاً بأن يستعار لبعض أعراض القلب كسوء الاعتقاد والغل والحسد والميل إلى المعاصي، فإن صدورهم كانت تغلي على الرسول  والمؤمنين غلاً وحنقاً { ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ  ﴾ وناهيك بما كان من ابن أبي، وقول سعد بن عبادة لرسول له  اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة - وذلك شيء منظوم بالجواهر شبه التاج - أي يجعلوه ملكاً، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك.

أو يراد ما يداخل قلوبهم من الضعف والخور لأنهم كانوا يطمعون أن ريح الإسلام تهب حيناً ثم تركد، فكانت تقوى قلوبهم بذلك الطمع.

فلما شاهدوا شوكة المسلمين وإعلاء كلمة الحق وما قذف الله في قلوبهم من الرعب ضعفت جبناً وخوراً.

ومعنى زيادة الله إياهم مرضاً أنه كلما أنزل على رسوله الوحي فكفروا به ازدادوا كفراً إلى كفرهم، فأسند الفعل إلى المسبب له كما أسند إلى السورة في قوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ وهذا كما قال الحكيم: البدن الغير النقي كلما فدوته زدته شراً.

وكلما زاد رسوله نصرة وتبسطاً ازدادوا حسداً وبغضاً.

ويحتمل أن يراد بزيادة المرض الطبع، ويحتمل أن يقال: الغل والحسد قد يفضي إلى تغير مزاج القلب ويؤدي إلى تلف صاحبه كقوله: اصبر على مضض الحسو *** د فإن صبرك قاتله النـــــــار تأكــــل نفســـــها *** إن لم تجد ما تأكلـه فإفضاء صاحبه إلى الهلاك هو المعني بالزيادة.

والأليم الوجيع.

ووصف العذاب به على طريقة قولهم "جد جده" والألم بالحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد.

والمراد بكذبهم قولهم ﴿ آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ .

وفي ترتب الوعيد على الكذب دليل على قبح الكذب وسماجته.

وما يروى عن إبراهيم  أنه كذب ثلاث كذبات أحدها قوله ﴿ إني سقيم  ﴾ وثانيها قوله لسارة حين أراد أن يغصبها ظالم "إنها أختي" وثالثها قوله ﴿ بل فعله كبيرهم هذا  ﴾ فالمراد التعريض "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به.

والكذب الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به، وقد يعتبر فيه علم المخبر بكون المخبر عنه مخالفاً للخبر، والصدق نقيضه.

وقراءة من قرأ "يكذبون" بالتشديد إما من كذبه الذي هو نقيض صدقه، وإما من كذب الذي هو مبالغة في كذب كما بولغ في صدق فقيل "صدق" نحو: بان الشيء وبين الشيء ومنه قوله: قد بين الصبح لذي عينين *** أو بمعنى الكثرة نحو "موتت البهائم"، أو من قولهم "كذب الوحشي إذا جرى شوطاً ثم وقف لينظر ما وراءه" لأن المنافق متوقف متردد في أمره مذبذب بين ذلك.

وقال  : "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة" وما في قوله "بما كانوا" مصدرية أي بكذبهم، وكان مقحمة لتفيد الثبوت والدوام أي بسبب أن هذا شأنهم وهجيراهم.

البحث الثالث: في قوله  ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدو في الأرض ﴾ إلى قوله }ولكن لا يشعرون}.

هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين.

فقوله "وإذا قيل" إما معطوف على "كانوا يكذبون" أي ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وبما كانوا إذا قيل لهم كذا قالوا كذا، وإما على "يقول" أي ومن الناس من إذا قيل له.

ويحتمل أن يقال الواو للاستئناف، وإسناد "قيل" إلى "لا تفسدوا" و "آمنوا" ليس من إسناد الفعل إلى الفعل فإنه لا يصح، ولكنه إسناد إلى لفظ الفعل.

أي وإذا قيل لهم هذا القول نحو: زعموا مطية الكذب.

والقائل لهم إما النبي  إذا بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك نصحهم فأجابوا بما يحقق إيمانهم وأنهم في الصلاح، وإما بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبل منهم ويعظمهم، وإما بعض المؤمنين، ولا يجوز أن يكون القائل ممن لا يختص بالدين.

والفساد خروج الشيء عن أن يكون منتفعاً به، ونقيضه الصلاح وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة.

عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي أن المراد بالإفساد المنهي عنه إظهار معصية الله  ، فإن الشرائع سنن موضوعة بين العباد، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه، فحقنت الدماء وضبطت الأموال وحفظت الفروج وكان ذلك صلاح الأرض وأهلها.

وأما إذا أهملت الشريعة وأقدم كل واحد على ما يهواه، اشتعلت نوائر الفتن من كل جانب، وحدثت المفاسد.

وقيل: هو مداراة المنافقين الكافرين ومخالطتهم إياهم لأنهم إذا مالوا إلى الكفار مع أنهم في الظاهر مؤمنون، أوْهَمَ ذلك ضعف أمر النبي  وأصحابه فيصير سبباً لطمع الكفار في المؤمنين، فتهيج الفتن والحروب.

وقيل: كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه ويلقون الشبه ويفشون أسرار المؤمنين، ولما نهوا عن الإفساد في الأرض كان قولهم "إنما نحن مصلحون" كالمقابل له.

فههنا احتمالات: أحدها: أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين، فزعموا أنهم مصلحون.

وثانيها: إذا فسر الإفساد بموالاتهم الكافرين أن يكون مرادهم أن الغرض من تلك الموالاة هو الإصلاح بين المسلمين كقولهم فيما حكى الله  ﴿ إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً  ﴾ وثالثها: أن يكون المراد إنكار إذاعة أسرار المسلمين ونسبة أنفسهم إلى الاستقامة والسداد، وجيء بأداة القصر دلالة على أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت، أي حالنا مقصورة على الإصلاح لا تتعداه إلى غيره.

"وألا" مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، فيفيد التنبيه على تحقيق ما بعدها كقوله  ﴿ أليس ذلك بقادر  ﴾ ولإفادتها التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم.

وأختها التي هي "أما" من مقدمات اليمين وطلائعها.

قال: أما والذي أبكى وأضحك والذي *** أمات وأحيا والذي أمره الأمر رد الله ما ادعوه من الانضمام في زمرة المصلحين أبلغ رد من جهة الاستئناف، فإن ادعاءهم ذلك مع توغلهم في الفساد مما يشوق السامع أن يعرف ما حكمهم، فرد الله عليهم.

وكان وروده بدون الواو هو المطابق، ومن جهة ما في "ألا" وفي "أن" من التأكيد، ومن قبيل تعريف الخبر وتوسيط الفصل وقوله "لا يشعرون".

البحث الرابع: في قوله ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا ﴾ الآية.

هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين، وذلك أن المؤمنين أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما: تقبيح ما كانوا عليه مما يجرّ إلى الفساد والفتنة، والثاني: دعوتهم إلى الطريقة المثلى من اتباع ذوي الأحلام.

وبعبارة أخرى أمرهم أولاً بالتخلية عما لا ينبغي، وثانياً بالتحلية بما ينبغي لأن كمال حال الإنسان في هاتين.

وكان من جوابهم فيما بينهم أو للقائل أن سفهوهم لتمادي سفههم، وفي هذا تسلية للعالم إذا لم يعرف حقه الجاهل.

وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل وما في "كما" يجوز أن تكون كافة تصحح دخول الجار على الفعل وتفيد تشبيه مضمون الجملة بالجملة كقولك: يكتب زيد كما يكتب عمرو، أو زيد صديقي كما عمرو أخي.

ويجوز أن تكون مصدرية مثلها في ﴿ بما رحبت  ﴾ واللام في الناس للعهد أي كما آمن الرسول  ومن معه وهم ناس معهودون أي ليكن إيمانكم ثابتاً كما أن إيمان هؤلاء ثابت، أو ليحصل إيمانكم كحصول إيمان هؤلاء، أو آمنوا كما آمن عبد الله بن سلام وأتباعه لأنهم من جلدتهم أي كما آمن أصحابكم.

ويحتمل أن تكون للجنس أي كما آمن الكاملون في الإنسانية من الإقرار اللساني الناشئ عن الاعتقاد القلبي، أو جعل المؤمنون كأنهم الناس ومن عداهم كالنسناس في عدم التمييز بين الحق والباطل.

والاستفهام في "أنؤمن" في معنى الإنكار، واللام في "السفهاء" مشار بها إلى الناس كقولك لصاحبك: إن زيداً قد سعى بك.

فتقول: أوقد فعل السفيه؟

أو للجنس وينطوي تحته الجاري ذكرهم على زعمهم لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه وهو ضد الحلم، وأصله الخفة والحركة يقال: تسفهت الريح الشجر إذا مالت به، قال ذو الرمة: جرين كما اهتزت رماح تسفهت *** أعاليها مر الرياح النواسم وإنما سفهو المؤمنين مع رجحان عقول أهل الإيمان، لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر الصحيح اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق، ولأنهم كانوا في رياسة وثروة وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موالٍ كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيراً لشأنهم كما قال قوم نوح { ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا  ﴾ أو أرادوا عبد الله بن سلام وأشياعه لما غاظهم من إسلامهم وفتَّ في أعضائهم.

عن أنس "أنه سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله  وهو في أرض مخترف، فاتى النبي  فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي.

فما أوّل أشراط الساعة؟

وما أول طعام أهل الجنة؟

وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟

قال  :أخبرني بهن جبريل آنفاً.

أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت.

وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الوالد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت.

قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني.

فجاءت اليهود فقال: أي رجل عبد الله فيكم؟

قالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا.

قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام.

قالوا: أعاذه الله من ذلك.

فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

فقالوا: شرنا وابن شرنا فانتقصوه.

قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله" .

ثم إن الله  ألقى عليهم هذا اللقب مقروناً بالمؤكدات التي بيناها في قوله "ألا إنهم هم المفسدون" وذلك أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفه فهو السفيه، وكذا من باع آخرته بدنياه.

قال  : "الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" وأيضاً من السفه معاداة المحمديين ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم  ﴾ .

كالطود يحقر نطحة الأوعال *** إنما فصلت هذه الآية "بلا يعلمون" والتي قبلها "بلا يشعرون" لأن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري، وأما النفاق وما يؤول إليه من الفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات، وخصوصاً عند العرب في جاهليتهم.

وما كان قائماً بينهم من التحارب والتجاذب فهو كالمحسوس المشاهد، ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له.

البحث الخامس: في قوله ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا ﴾ الآيات.

هذا هو النوع الرابع من قبائح أفعالهم، والفرق بين هذه الآية وبين قوله "ومن الناس من يقول آمنا" أن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان معاملتهم مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم.

عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله  فقال عبد الله بن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم.

فذهب فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصديق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله  في الغار، الباذل نفسه وماله، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بني عدي بن كعب الفاروق القوي في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد علي  فقال: مرحباً بابن عم رسول الله وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله.

ثم افترقوا فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيراً.

فرجع المسلمون إلى النبي  وأخبروه بذلك فنزلت.

ويقال: لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه.

وخلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه، ويجوز أن يكون من خلال بمعنى مضى، وخلاك ذم أي عداك ومضى عنك، ومنه القرون الخالية، أو من خلوت به إذا سخرت منه وهو من قولك "خلا فلان بعرض فلان" عبث به، ومعناه إذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها كما تقول: أحمد إليك فلاناً أو أذمه إليك أي أنهي إليك حمدي لفلان أو ذمي.

وعن ابن عباس: إني أحمد إليك عسل الإحليل أي أعلمكم أنه أمر محمود.

وشياطينهم رؤساؤهم وأكابرهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم.

وهم إما أكابر المنافقين فالقائلون.

إنا معكم أي مصاحبوكم وموافقوكم على أمر دينكم أصاغرهم، وإما أكابر الكافرين فالقائلون يحتمل أن يكون جميع المنافقين.

وإنما فسرنا الشياطين بالرؤساء لأنهم هم القادرون على الإفساد في الأرض، وإنما خاطبوا المؤمنين بأضعف الجملتين وهي الفعلية، وشياطينهم بأقواهما أعني الاسمية المحققة بان لأنهم في ادعاء حدوث الإيمان الناشئ عن صميم القلب منهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان كاملون، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه وهكذا كل قول لم يصدر عن صدق رغبة وباعث داخلي، وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على وجه التوكيد وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار القائلين "ربنا إننا آمنا" وإما مخاطبة إخوانهم فعن وفور نشاط ورغبة وفي حيز القبول والرواج فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتوكيد، وإنما فقد العاطف بين قوله "إنا معكم" وبين قوله "إنما نحن مستهزءون" الأوّل معناه الثبات على الكفر، والثاني ردّ للإسلام.

لأن المستهزئ بالشيء منكر له دافع، ودفع نقيض الشيء إثبات وتأكيد للشيء.

أو لأن الثاني بدل منه لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر، أو لأنه استئناف كأنه قيل: ما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام؟

فقالوا: إنما نحن مستهزءون.

والاستهزاء السخرية والاستخفاف، وأصله الخفة من الهزء وهو القتل السريع.

ثم إن الله  أجابهم بأشياء: أحدها قول الله "يستهزئ بهم" وهو استئناف في غاية الجزالة والفخامة، كأنه سئل ما مصير أمرهم وعقبى حالهم؟

فقيل: الله يستهزئ بهم.

وفي الالتفات من الحكاية إلى المظهر، أن الله عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ الذي استهزاؤهم بالنسبة إلى ذلك كالعدم.

وفي تخصيص الله بالذكر مع قرينة أن المؤمنين هم الذين استهزئ بهم دلالة على أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله.

فإن قيل: الاستهزاء جهالة ﴿ قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين  ﴾ فما معنى استهزاء الله بهم؟

قلنا: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم وهو المقصد الأقصى للمستهزئ، أو سمي جزاء الاستهزاء استهزاء مثل ﴿ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم  ﴾ أو عاملهم الله معاملة المستهزئ في الدنيا لأنه كان يطلع الرسول على أسرارهم مع كونهم مبالغين في إخفائها، وفي الآخرة على ما روي عن ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنة والكافرون النار، فتح الله من الجنة باباً على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحاً أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة - وأهل الجنة ينظرون إليهم - فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب فذلك قوله  { ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون  ﴾ فهذا هو الاستهزاء، وإنما لم يقل الله مستهزئ ليكون طبقاً لقوله "إنما نحن مستهزءُون" لأن المراد تجدد الاستهزاء بهم وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم ونزول الآيات في شأنهم { ﴿ أو لايرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين  ﴾ ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون  ﴾ وثانيها قوله و"ويمدهم في طغيانهم" هو من مد الجيش أمده إذا زاده وألحق به ما يقوّيه، وكذلك مد الدواة والسراج زادهما ما يصلحهما.

وإنما قلنا: إنه من المدد لا من المد في العمر والإمهال لقراءة نافع في موضع آخر ﴿ وإخوانهم يمدونهم في الغي  ﴾ على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له مع اللام كأملى له قاله في الكشاف، وهو مخالف لنقل الجوهري مده في غيه أي أمهله.

والطغيان الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتوّ، ومعنى مدد الله  إياهم في الطغيان يعرف من تفسير ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ وقد يوجه بأنه لما منعهم ألطافه التي منحها المؤمنين بقيت قلوبهم يتزايد الرين والظلمة فيها تزايد الانشراح والنور في صدور المؤمنين، فسمي ذلك التزايد مدداً.

أو بأنه لم يقسرهم، أو بأنه أسند فعل الشيطان إلى الله  لأنه بتمكينه وإقداره، ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف، لأنه انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب.

ومن هذا القبيل ما قيل: إن النكتة في إضافة الطغيان إليهم هي أن يعلم أن التمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم، وأن الله بريء منه، فإن الانتهاء إلى الله  لما كان ضرورياً فكيف يتبرأ من ذلك؟

"ويعمهون" في موضع الحال.

والعمه كالعمى، إلا أن العمى في البصر وفي الرأي، والعمه في الرأي خاصة وهو التحير والتردد لا يدري أين يتوجه.

وثالثها: قوله ﴿ أولئك الذي اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ أي اختاروها عليه واستبدلوها به، وهذه استعارة لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر قال أبو النجم: أخذت بالجمـة رأســـاً أزعرا *** وبالثنايا الواضحات الدردرا وبالطويل العمر عمراً جيدراً *** كما اشترى المــلم إذ تنصرا وعن وهب قال الله  فيما يعيب به بني إسرائيل: تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة.

جعلوا لتمكنهم من الهدى بحسب الفطرة الإنسانية الشخصية كأنه في أيديهم، فتركوه واستبدلوا به الضلالة وهي الجور عن القصد وفقد الاهتداء.

وفي المثل "ضل دريص نفقة" أي جحره، والدرص ولد الفأرة ونحوها، يضرب لمن يعيا بأمره.

فاستعيرت الضلالة للذهاب عن الصواب في الدين.

والربح الفضل على رأس المال، والتجارة مصدر وإنما أسند الخسران إليها وهو لصاحبها إسناداً مجازياً لملابسة التجارة بالمشترين.

وقد يقال: ربح عبدك وخسرت جاريتك مجازاً إذا دلت الحال.

ولما ذكر الله  شراء الضلالة بالهدى مجازاً أتبعه ما يشاكله ويواخيه من الربح والتجارة لتكون الاستعارة مرشحة كقوله: ولما رأيت النسر عز ابن دأية *** وعشش في وكريه جاش له صدري لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر.

"وما كانوا مهتدين" لطرق التجارة لأن مطلوب التاجر في متصرفاته شيئان: سلامة رأس المال والربح.

وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس مالهم كان هو الهدى فلم يبق لهم مع الضلالة، والضلالة أمر عدمي فلا عوض ولا معوّض، فلا ربح ولا رأس المال.

وهكذا حال من يدعي الإرادة ولا يخرج من العادة ويريد الجمع بين مقاصد الدنيا ومصالح الدين، كالمنافق أراد الجمع بين عشرة الكفار وصحبة المسلمين، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من ههنا أدبر النهار من ههنا نعوذ بالله من الغواية، ونسأله أن يعصمنا من الضلالة بعد الهداية.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

بالمخادعة للمؤمنين، وإظهار الموافقة لهم بالقول، وإضمار الخلاف لهم بالقلب، والاستهزاء بهم عند الخلوة، والقول فيهم بما لا يليق بهم، وعبادة غير الله.

وأَيُّ فساد أَكبر من هذا؟!.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ .

بإظهار الموافقة بالقول.

وقوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ ﴾ .

أخبر  أنهم هم المفسدون؛ لما أَضمروا من الخلاف لهم، والمخادعة، والاستهزاءِ بهم.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ .

الأول: أَي: لا يشعرون أَن حاصل ذلك لا يرجع إليهم.

والثاني: لا يشعرون أن ما كانوا يفعلون الفسادُ.

فإن كان هذا فهو ينقض قول من يقول: بأَن الحجة لا تلزم إلا بالمعرفة، وهو قول الناس؛ لأَنه عز وجل أَخبر بفساد صنيعهم، وإن لم يشعروا به.

وهو كقوله أَيضاً: ﴿ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ  ﴾ : أَخبر بحبط الأَعمال وإن كانوا لا يعلمون.

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ ﴾ .

تحتمل الآية: أَن تكون في المنافقين، وتحتمل: في أَهل الكتاب.

فإن كانت في المنافقين فكأَن قوله: آمنوا يا أَهل النفاق في السر والعلانية، كما آمن أَصحاب محمد  في السر والعلانية جميعاً، وهو كقوله: ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ  ﴾ .

وإن كان في أَهل الكتاب ففيه الأَمر بالإيمان الذي هو إيمان، وهو التصديق.

والإيمان عندنا هو التصديق بالقلب؛ دليله قول جميع أَهل التأْويل والأَدب أَنهم فسروا ﴿ آمَنُواْ ﴾ : صدقوا في جميع القرآن.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ﴾ الآية.

السفه: هو ضد الحكمة، وهو العمل بالجهل على العلم أَنه يبطل، والجهلُ هو ضد العلم.

والسفهُ هو الشتم؛ يقول الرجل لآخر: يا سفيه.

وقوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ ﴾ .

يقول بعض المتكلمين: إن هذا شتم من الله لهم، جواباً على المؤمنين، ويستجيزون ذلك على الجواب، وإن لم يجز على الابتداءِ، كالمكر، والكيد، والاستهزاءِ، والخداع ونحوه، فعلى ذلك هذا.

وأما عندنا فهو غير جائِز؛ لأَن من يشتم آخر يذم عليه، وهو عمل السفهاء، فأَخبر عز وجل: أَنهم هم الذين يعملون بالجهل على علمهم أَن دينهم الذي يدينون به باطل، وأَن الدين الذى يدين به المؤمنون حق.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: أحدهما: لا يعلمون أنهم هم السفهاء.

والثاني: لا يعلمون ما يحل بهم من العذاب لذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

يعني: أصحاب محمد  .

وقوله: ﴿ قَالُوۤا آمَنَّا ﴾ .

أظهروا لهم الموافقة في العلانية، ويضمرون لهم الخلاف في السر.

وقوله: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ ﴾ .

قيل فيه بأَوجه: قيل: إن شياطينهم؛ يعني الكهنة؛ سموا بذلك لبعدهم عن الحق.

يقال: شَطَن، أَي: بَعُدَ.

وقيل: إن كلَّ عاتٍ ومتمرد يسمى شيطاناً لعتوه وتمرده؛ كقوله: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ  ﴾ سموا بذلك لعتوهم وتمردهم؛ إذ من قولهم: إن الشياطين أَصْلهم من الجن.

وقيل: سموا شياطين؛ لأَنه كان مع كل كاهن شيطان يعمل بأَمره، فسموا بأَسمائِهم؛ وذلك جائِز في اللغة جارٍ، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ .

قيل: فيه وجهان: الأَول: أَي: معكم في القصد والمعونة.

والثاني: إنا معكم، أي: على دينكم لا على دين أولئك، والله أَعلم.

قوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ .

بإظهار الموافقة لهم في العلانية، وإظهار الخلاف لهم في السر.

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: يجزيهم جزاء الاستهزاءِ.

وكذلك قوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ  ﴾ أَي: يجزيهم جزاء المخادعة، وكذلك قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ  ﴾ أي: يجزيهم جزاء المكر، يحمل على الجزاء؛ لما لا يجوز إضافة المكر والخداع والاستهزاءِ مبتدأ إلى الله؛ لأَنه مذموم من الخلق إلا على المجازاة، فكيف من الله عز وجل؟!

وقال بعضهم: يجوز إضافة الاستهزاء إلى الله، وإن كان لا يجوز من الخلق أَن يستهزئ بعضهم من بعض، كالتكبر، يجوز لله ولا يجوز للخلق؛ لأَن الخلق أَشكال بعضهم لبعض وأَمثال، والله - عز وجل - لا شكل له ولا مثل.

وكذلك الاستهزاء يجوز له، ولا يجوز لغيره؛ لأَن الاستهزاء هو الاستحفاف، فلا يجوز أَن يستخف ممن هو مثله في الخلقة، وما خلق له من الأَحداث والغِيَر، والله  يتعالى عن ذلك.

والأَول أَقرب، والله أعلم.

أَو أَضاف استهزاء المؤمنين بهم إلى نفسه كما ذكرنا في المخادعة.

ثم اختلف في كيفية الاستهزاءِ: فقال الكلبي: هو أن يُفتح لهم باب من الجنة فيدنون منه، ثم يغلق دونهم.

فإن ثبت ذا فهو كما قال.

وقيل: إنه يرفع لأَهل الجنة نور يمضون به، فيقصد أولئك المضي معهم بذلك النور، ثم يطفأ ذلك النور؛ فيتحيرون وهو قولهم: ﴿ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً  ﴾ .

وقيل: أن يعطي لهم في الدنيا ما ينتفعون به من أنواع النعم ظاهراً على ما أَظهروا لهم الموافقة في العلانية، ويحرم لهم ذلك في الآخرة بإضمارهم الخلاف لهم في السر.

قوله: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .

الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون؛ كقوله: ﴿ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ غير أن هذه في المنافقين و الأُولى في الكفرة.

وهي تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يقولون: إن الله لا يقدر أَن يستنقذهم في حال الاختيار، وإنما يقدر الاستنقاذ منهم في حال الاضطرار، فأَخبر عز وجل: أَنه يستنقذهم على فعل الطغيان.

وقوله: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ ﴾ أي: يخلق فعل الطغيان فيهم.

ويحتمل: أن يخذلهم ويتركهم لما اختاروا من الطغيان إلى آخر عمرهم.

ويحتمل: أنه لم يهدهم ولم يوفقهم.

وفي هذا إضافة المد إلى الله.

وإضافة المد على الطغيان لا يضاف إليه إلا المدح، والمدح يكون بالأَوجه الثلاثة التي بينا، وفي هذا أَنه إذا كان هو الذي يُمدهم في الطغيان قدر على ضده من فعل الإيمان؛ فدل أَن الله خالق فعل العباد؛ إذ من قولهم: إن القدرة التامة هي التي إذا قدر على شيء قدر على ضده.

والعَمَهُ: الحيرة في اللغة.

قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ .

أى: اختاروا الضلالة على المدعو إليه - وهو الهدى - من غير أَن كان عندهم الهدى، فتركوه بالضلالة.

وهو كقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ  ﴾ من غير أن كانوا فيه، فكذلك الأَوَل، تركوا الهدى بالضلالة ابتداء.

وقيل: الضلالة: الهلاك؛ أي: اختاروا ما به يهلكون على ما به نجاتهم، وإن كانوا لا يقصدون شراء الهلاك بما به النجاة؛ كقولهم: ﴿ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ  ﴾ لا يقدر أحد أن يصبر على النار، ولكن فما أصبرهم على عمل يستوجبون به النار.

وكذلك قوله: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ أي: بئسما اختاروا ما به هلاك أَنفسهم على ما به نجاتهم.

وفي هذه الآية دلالة جواز البيع بغير لفظة البيع؛ لأَنهم ما كانوا يتلفظون باسم البيع، ولكن كانوا يتركون الهدى بالضلالة.

وكل من ترك الآخر شيئاً له ببذل يأخذه منه فهو بيع وإن لم يتكلموا بكلام البيع.

وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 111].

وهو على بذل الأَموال والأَنفس له بالموعود الذي وعد لهم، وهو الجنة.

وقوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ .

أي: ما ربحوا في تجارتهم؛ لأَن التجارة لا تربح ولكن بالتجارة يربح، وقد يسمى الشيء باسم سببه.

وهو كقوله: ﴿ جَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ ، والنهار لا يبصر، ولكن بالنهار يبصر.

وذلك سائغ في اللغة، جائز تسمية الشيء باسم سببه.

ثم في قوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ نفي الربح دون نفي الأَصل في الظاهر، غير أَن النفي على وجهين: نفي شيء يوجب إثبات ضده، وهو نفي الصفة؛ كقولك: فلان عالم: نفيت الجهل عنه، وفلان جاهل: نفيت العلم عنه.

ونفي شيء لا يوجب إثبات ضده، وهو نفي الأَعراض؛ لأَنك إذا نفيت لوناً لم يوجب ضد ذلك اللون.

وقوله: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ ﴾ نفي الأَصل؛ كأَنه قال: بل خسرت تجارتهم، أَوجبت إثبات ضده.

دليله قوله: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ ، و ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا نُهوا عن الإفساد في الأرض بالكفر والذنوب وغيرها، أنكروا وزعموا أنهم هم أصحاب الصلاح والإصلاح.

<div class="verse-tafsir" id="91.XM24l"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

تنطق هذه الآيات بأن ما عليه هذا الصنف من الغرور بما عنده من التقاليد قد سول له الباطل وزين له سوء عمله فرآه حسنًا، وشوه في نظره كل حق لم يأته على لسان رؤسائه ومقلَّديه بنصه التفصيلي فهو يراه قبيحًا، وقد صورت الآيات هذا الغرور بما حكته عن بعض أفراده وهو: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ  ﴾ بما تصدون عن سبيل الله من آمن وتبغونها عوجاء، وتنفرون الناس من محمد  والأخذ بما جاء به من الإصلاح، الذي يجتث أصول الفساد، ويصطلم جراثيم الأدواء، ويحيي ما أماتته البدع من إرشاد الدين، ويقيم ما قوضته التقاليد من سنن المرسلين، ﴿ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ  ﴾ بالتمسك بما استنبطه الرؤساء، وما كان عليه الأحبار والعرفاء من تعاليم الأنبياء، فإنهم أعرف بسنتهم، وأدرى بطريقتهم، فكيف ندع ما تلقيناه منهم، ونذر ما يؤثره آباؤنا وشيوخنا عنهم، ونأخذ بشيء جديد، وطارف ليس له تليد؟

هكذا شأن كل مفسد: يدعي أنه مصلح في نفس إفساده، فإن كان على بينة من إفساده عارفًا أنه مضل - وإنما يكون كذلك إذا كان إفساده لغيره لعداوة ومنه له- فإنما يدعي ذلك لتبرئة نفسه من وصمة الإفساد بالتمويه والمواربة.

وإن كان مسوقًا إلى الإفساد بسوء التقليد الأعمى الذي لا ميزان فيه لمعرفة الإصلاح من الإفساد إلا الثقة بالرؤساء المقلَّدين، فهو يدعيه عن اعتقاد ولا يريد أن يفهم غير ما تلقاه عنهم.

وإن كان أثر تقليدهم، والسير على طريقتهم، مفسدًا للأمة في الواقع ونفس الأمر، لأن الوجود والحقيقة الواقعة لا قيمة لهما ولا اعتبار في نظر المقلِّدين، بل هم لا يعرفون مناشئ الفساد ومصادر الخلل، ولا مزالق الزلل، لأنهم عطلوا نظرهم الذي يميز ذلك، وأرادوا أن يوقعوا غيرهم بهذه المهالك، بصدهم عن سبيل الإسلام، الداعي إلى الوحدة والالتئام، فكان ذلك منهم دعاء إلى الفرقة والانفصام، والثبات على عبادة الملائكة أو البشر أو الأصنام، وأي إفساد في الأرض أعظم من التنفير عن اتباع الحق، وعن الاعتصام بدين فيه سعادة الدارين، والأرض إنما تفسد وتصلح بأهلها؟

ولذلك قال تعالى ﴿ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ  ﴾ فابتدأ الكلام المؤكد لإثبات إفسادهم بكلمة"ألا"التي يراد بها التنبيه والإيقاظ وتوجيه النظر، وتدل على اهتمام المتكلم بما يحكيه بعدها ﴿ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ  ﴾ بأن هذا إفساد غرز في طبائعهم، بما تمكن فيها من الشبهة بتقليد رؤسائهم الذين أشربوا عظمتهم، وهذا دليل على أنهم لم يكونوا معاندين ولا مرائين، وأنهم على اعتقاد ضعيف يشهد له العمل كما تقدم في تفسير آية ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ  ﴾ .

وإذا كانت الآيات في وصف طائفة من الناس توجد في كا امة كما قدمنا فيحاسب بها نفسه كل مسلم يعتقد أن القرآن إمامه، وأن فيه هدى له، فإنها حجة على كثير ممن يدَّعون الإسلام بالقول ويعملون بخلاف ما جاء به، ويتبعون غير سبيله.

ثم صورت الآيات ذلك الجهل والغرور في الفريقين بصورة أخرى أشد تشويهًا مما قبلها، لأن تلك صورتهم في عملهم، وهذه صورتهم في جوهر إيمانهم.

وهي ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ  ﴾ الذين تعتقدون كمالهم، وترون تعظيمهم وإجلالهم، كإبراهيم وموسى وعيسى وأتباعهم، الذين كان الإيمان راسخًا في جنانهم، ومؤثرًا في وجدانهم، ومصرفًا لأبدانهم، أو كعبد الله بن سلام وأمثاله من علمائكم، ﴿ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ  ﴾ ويعنون بالسفهاء أتباع النبي  الواقفين عند ما كان عليه، المعرضين عن غير ما أنزل إليه، لما تضمنه الأمر من الشهادة لهم بأنهم في إيمانهم كأتباع أولئك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم سلف اليهود الذين كان الكلام معهم، وكانوا يفتخرون بما يتناقلونه من سيرتهم.

فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ  ﴾ أي وحدهم دون من عَرَّضوا بهم، لأن لهم سلفًا صالحًا تركوا الاقتداء بهم، زعمًا أن المتأخر لا يمكن أن يكون على هدى المتقدم، لأنه يصعب أو يتعذر عليه اللحاق به، واحتذاء عمله، لعلوه في الدرجة، وبهده في المنزلة، وأن حظهم من سلفهم انتظار شفاعتهم، وإن لم يسيروا على سنتهم، فأي الفريقين أجدر بلقب السفيه؟

أهم أولئك اليهود الذين لهم أسوة صالحة ولكنهم لا يهتدون بها وهذه حالهم من سوء العقيدة وقبح العمل؟

أم من لا سلف له إلا عبدة الأوثان، وقلبه مع ذلك مطمئن بالإيمان، وأعماله تشهد له بالإحسان، كالصحابة الذين هداهم الله بنور الإسلام، فكانوا كأتباع أولئك الأنبياء الكرام، بل ربما سبقوهم بالفضائل، وزادوا عليهم في الفواضل؟

لا شك أن أولئك المفسدين بعد ما تقدم لهم من سلف صالح، ودين قيم، هم السفهاء، دون هؤلاء العقلاء.

﴿ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ  ﴾ أن السفه محصور فيهم، ومقصور عليهم، وإنما عندهم شعور ما بأنهم ركبوا هواهم، ولم يتبعوا هدى سلفهم ولا هداهم، ينتحلون له العلل الضعيفة، ويتمحلون له الأعذار السخيفة، فهو لم يصل إلى حد العلم الذي تتكيف به النفس.

ويكفي في إثبات سفههم، أنهم يعرفون حسن حال سلفهم، ويعترفون به ولكن لا يقتدون بهم، ولا يقتفون أثرهم وإنما يعتمدون في نجاتهم وسعادتهم على تلك الأماني والتعلات، كقولهم (لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات) وقولهم (نحن أبناء الله وأحباؤه) وشعبه وأصفياؤه، وإنما هو نفي العلم الكامل الذي يزيل الشبه ويذهب بالعلل، ويبعث على الاقتداء بالعمل.

وهذا أيضًا حجة على كثير من اللابسين لباس الإسلام، وهم من هذا الصنف، يعتقدون كمال سلفهم، ولا يقتدون بهم، وإنما يطمعون في سعادة الدنيا والآخرة بانتسابهم إلى أولئك السلف العظام، ولكونهم من أمة النبي  ، وهي خير الأمم، بشهادة الله في القدم، ولكنهم لا يعلمون انها فضلت سواها بكونها أمة وسطًا تقوم على جادة الاعتدال، في العقائد والأخلاق والأعمال، وتسعى في إصلاح البشر، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

كما سيأتي في تفسير ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا  ﴾ وتفسير ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  ﴾ وليس عند هؤلاء السفهاء شيء من هذه الصفات، إلا الأماني والتعلات.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل