الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٩٠ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 99 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٩٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية في قوله تعالى : ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) قال : هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة ، فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله ، ويكف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حتى قال : هذه منسوخة بقوله : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) [ التوبة : 5 ] وفي هذا نظر ; لأن قوله : ( الذين يقاتلونكم ) إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله ، أي : كما يقاتلونكم فقاتلوهم أنتم ، كما قال : ( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) [ التوبة : 36 ] ; ولهذا قال في هذه الآية : ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ) أي : لتكن همتكم منبعثة على قتالهم ، كما أن همتهم منبعثة على قتالكم ، وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها ، قصاصا .
وقد حكي عن أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، أن أول آية نزلت في القتال بعد الهجرة ، ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) الآية [ الحج : 39 ] وهو الأشهر وبه ورد الحديث .
وقوله : ( ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) أي : قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي كما قاله الحسن البصري من المثلة ، والغلول ، وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم ، والرهبان وأصحاب الصوامع ، وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة ، كما قال ذلك ابن عباس ، وعمر بن عبد العزيز ، ومقاتل بن حيان ، وغيرهم .
ولهذا جاء في صحيح مسلم ، عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " اغزوا في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ولا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليدا ، ولا أصحاب الصوامع " .
رواه الإمام أحمد .
وعن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال : " اخرجوا بسم الله ، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله ، لا تغدروا ولا تغلوا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع " .
رواه الإمام أحمد .
ولأبي داود ، عن أنس مرفوعا ، نحوه .
وفي الصحيحين عن ابن عمر قال : وجدت امرأة في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة ، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان .
وقال الإمام أحمد : حدثنا مصعب بن سلام ، حدثنا الأجلح ، عن قيس بن أبي مسلم ، عن ربعي بن حراش ، قال : سمعت حذيفة يقول : ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمثالا واحدا ، وثلاثة ، وخمسة ، وسبعة ، وتسعة ، وأحد عشر ، فضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منها مثلا وترك سائرها ، قال : " إن قوما كانوا أهل ضعف ومسكنة ، قاتلهم أهل تجبر وعداء ، فأظهر الله أهل الضعف عليهم ، فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه " .
هذا حديث حسن الإسناد .
ومعناه : أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء ، فاعتدوا عليهم واستعملوهم فيما لا يليق بهم ، أسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء .
والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا .
ولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال ، نبه تعالى على أن ما هم مشتملون عليه من الكفر بالله والشرك به والصد عن سبيله أبلغ وأشد وأعظم وأطم من القتل ; ولهذا قال : ( والفتنة أشد من القتل ) قال أبو مالك : أي : ما أنتم مقيمون عليه أكبر من القتل .
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) قال أبو جعفر: اختلف أهلُ التأويل في تأويل هذه الآية.
فقال بعضهم: هذه الآية هي أول آية نـزلت في أمر المسلمين بقتال أهل الشرك.
وقالوا: أمر فيها المسلمون بقتال من قاتلهم من المشركين، والكف عمن كفّ عنهم، ثم نُسخت ب " براءة ".
* ذكر من قال ذلك: 3089 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد، وابن أبي جعفر، عن أبي جعفر، عن الربيع في قوله: " وقاتلُوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم ولا تَعتدوا إن الله لا يحبّ المعتدين " قال: هذه أوّل آية نـزلت في القتال &; 3-562 &; بالمدينة، فلما نـزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من يقاتله، ويكفُّ عمن كفّ عنه، حتى نـزلت " براءة "- ولم يذكر عبد الرحمن: " المدينة ".
3090 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم " إلى آخر الآية، قال: قد نسخ هذا!
وقرأ قول الله: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [سورة التوبة: 36]، وهذه الناسخة، وقرأ: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ حتى بلغ: فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ إلى: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة التوبة: 1-5].
* * * وقال آخرون: بل ذلك أمر من الله تعالى ذكره للمسلمين بقتال الكفار، لم ينسخ.
وإنما الاعتداءُ الذي نهاهم الله عنه، هو نهيه عن قتل النساء والذَّراريّ.
قالوا: والنهي عن قتلهم ثابتٌ حُكمه اليوم.
قالوا: فلا شيء نُسخ من حكم هذه الآية.
* ذكر من قال ذلك: 3091 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن صَدقة الدمشقي، عن يحيى بن يحيى الغساني، قال: كتبتُ إلى عمر بن عبد العزيز أسألهُ عن قوله: " وقاتلوا في سَبيل الله الذين يُقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يُحب المعتدين "، قال: فكتب إليّ: " إنّ ذلك في النساء والذريّة ومن لم يَنصِبْ لك الحرَب منهم ".
3092 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم " لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أمروا بقتال الكفار.
3093- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
&; 3-563 &; 3094 - حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح، قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين " يقول: لا تقتلوا النساء ولا الصِّبيان ولا الشيخ الكبير وَلا منْ ألقى إليكم السَّلَمَ وكفَّ يَده، فإن فَعلتم هذا فقد اعتديتم.
3095- حدثني ابن البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عبد العزيز، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عديِّ بن أرطاة: " إني وَجَدتُ آية في كتاب الله: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين " أي: لا تقاتل من لا يقاتلك، يعني: النساء والصبيان والرُّهبان ".
* * * قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بالصواب، القولُ الذي قاله عمر بن عبد العزيز.
لأن دعوى المدَّعي نَسْخَ آية يحتمل أن تكون غيرَ منسوخة، بغير دلالة على صحة دعواه، تحكُّم.
والتحكم لا يعجِز عنه أحد.
* * * وقد دَللنا على معنى " النسخ "، والمعنى الذي من قبَله يَثبت صحة النسخ، بما قد أغنى عن إعادته في هذا الموضع (100) .
* * * فتأويل الآية - إذا كان الأمر على ما وصفنا - : وقاتلوا أيها المؤمنون في سبيل الله = وسبيلُه: طريقه الذي أوضحه، ودينه الذي شرعه لعباده = يقول لهم تعالى ذكره: قاتلوا في طاعتي وَعلى ما شرعت لكم من ديني، وادعوا إليه من وَلَّى عنه واستكبر بالأيدي والألسن، حتى يُنيبوا إلى طاعتي، أو يعطوكم الجزية صَغارًا إن كانوا أهل كتاب.
وأمرهم تعالى ذكره بقتال مَنْ كان منه قتال من مُقاتِلة أهل الكفر دون من لم يكن منه قتال (101) من نسائهم وذراريهم، فإنهم أموال وخَوَلٌ لهم إذا غُلب المقاتلون منهم فقُهروا، فذلك معنى قوله: " قاتلوا في سبيل الله الذين &; 3-564 &; يقاتلونكم " لأنه أباح الكف عمّن كف، فلم يُقاتل من مشركي أهل الأوثان والكافِّين عن قتال المسلمين من كفار أهل الكتاب على إعطاء الجزية صَغارا.
فمعنى قوله: " ولا تعتدوا ": لا تقتلوا وليدًا ولا امرأةً، ولا من أعطاكم الجزية من أهل الكتابَين والمجوس،" إنّ الله لا يُحب المعتدين " الذين يجاوزون حدوده، فيستحلُّون ما حرَّمه الله عليهم من قتل هؤلاء الذين حَرَّم قتلهم من نساء المشركين وذراريهم (102) .
* * * --------------------------- الهوامش : (100) انظر ما سلف 2 : 471-483 ، وهذا الجزء 3 : 385 .
(101) في المطبوعة في الموضعين : "فيه قتال" ، وهو خطأ .
(102) انظر تفسير"الاعتداء" فيما سلف 2 : 307 ، وهذا الجزء 3 : 376 ثم : 573 .
قوله تعالى وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدينفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : وقاتلوا هذه الآية أول آية نزلت في الأمر بالقتال ، ولا خلاف في أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله : ادفع بالتي هي أحسن وقوله : فاعف عنهم واصفح وقوله : واهجرهم هجرا جميلا وقوله : لست عليهم بمسيطر وما كان مثله مما نزل بمكة ، فلما هاجر إلى المدينة أمر بالقتال فنزل : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم قاله الربيع بن أنس وغيره ، وروي عن أبي بكر الصديق أن أول آية نزلت في القتال : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ، والأول أكثر ، وأن آية الإذن إنما نزلت في القتال عامة لمن قاتل ولمن لم يقاتل من المشركين ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه إلى مكة للعمرة ، فلما نزل الحديبية بقرب مكة - والحديبية اسم بئر ، فسمي ذلك الموضع باسم تلك البئر - فصده المشركون عن البيت ، وأقام بالحديبية شهرا ، فصالحوه على أن يرجع من عامه ذلك كما جاء ، على أن تخلى له مكة في العام المستقبل ثلاثة أيام ، وصالحوه على ألا يكون بينهم قتال عشر سنين ، ورجع إلى المدينة ، فلما كان من قابل تجهز لعمرة القضاء ، وخاف المسلمون غدر الكفار وكرهوا القتال في الحرم وفي الشهر الحرام ، فنزلت هذه الآية ، أي يحل لكم القتال إن قاتلكم الكفار ، فالآية متصلة بما سبق من ذكر الحج وإتيان البيوت من ظهورها ، فكان عليه السلام يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه ، حتى نزل فاقتلوا المشركين فنسخت هذه الآية ، قاله جماعة من العلماء ، وقال ابن زيد والربيع : نسخها وقاتلوا المشركين كافة فأمر بالقتال لجميع الكفار ، وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد : هي محكمة أي قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم ، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم ، على ما يأتي بيانه .
قال أبو جعفر النحاس : وهذا أصح القولين [ ص: 324 ] في السنة والنظر ، فأما السنة فحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فكره ذلك ، ونهى عن قتل النساء والصبيان ، رواه الأئمة ، وأما النظر فإن " فاعل " لا يكون في الغالب إلا من اثنين ، كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة ، والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم ، كالرهبان والزمنى والشيوخ والأجراء فلا يقتلون ، وبهذا أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام ، إلا أن يكون لهؤلاء إذاية ، أخرجه مالك وغيره ، وللعلماء فيهم صور ست :الأولى : النساء إن قاتلن قتلن ، قال سحنون : في حالة المقاتلة وبعدها ، لعموم قوله : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ، واقتلوهم حيث ثقفتموهم .
وللمرأة آثار عظيمة في القتال ، منها الإمداد بالأموال ، ومنها التحريض على القتال ، وقد يخرجن ناشرات شعورهن نادبات مثيرات معيرات بالفرار ، وذلك يبيح قتلهن ، غير أنهن إذا حصلن في الأسر فالاسترقاق أنفع لسرعة إسلامهن ورجوعهن عن أديانهن ، وتعذر فرارهن إلى أوطانهن بخلاف الرجال .الثانية : الصبيان فلا يقتلون للنهي الثابت عن قتل الذرية ; ولأنه لا تكليف عليهم ، فإن قاتل [ الصبي ] قتل .الثالثة : الرهبان لا يقتلون ولا يسترقون ، بل يترك لهم ما يعيشون به من أموالهم ، وهذا إذا انفردوا عن أهل الكفر ، لقول أبي بكر ليزيد : " وستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم [ ص: 325 ] لله ، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له " فإن كانوا مع الكفار في الكنائس قتلوا ، ولو ترهبت المرأة فروى أشهب أنها لا تهاج .
وقال سحنون : لا يغير الترهب حكمها .
قال القاضي أبو بكر بن العربي : " والصحيح عندي رواية أشهب ; لأنها داخلة تحت قوله : " فذرهم وما حبسوا أنفسهم له " .الرابعة : الزمنى .
قال سحنون : يقتلون ، وقال ابن حبيب : لا يقتلون ، والصحيح أن تعتبر أحوالهم ، فإن كانت فيهم إذاية قتلوا ، وإلا تركوا وما هم بسبيله من الزمانة وصاروا مالا على حالهم وحشوة .الخامسة : الشيوخ .
قال مالك في كتاب محمد : لا يقتلون ، والذي عليه جمهور الفقهاء : إن كان شيخا كبيرا هرما لا يطيق القتال ، ولا ينتفع به في رأي ولا مدافعة فإنه لا يقتل ، وبه قال مالك وأبو حنيفة .
وللشافعي قولان : أحدهما : مثل قول الجماعة ، والثاني : يقتل هو والراهب ، والصحيح الأول لقول أبي بكر ليزيد ، ولا مخالف له فثبت أنه إجماع ، وأيضا فإنه ممن لا يقاتل ولا يعين العدو فلا يجوز قتله كالمرأة ، وأما إن كان ممن تخشى مضرته بالحرب أو الرأي أو المال فهذا إذا أسر يكون الإمام فيه مخيرا بين خمسة أشياء : القتل أو المن أو الفداء أو الاسترقاق أو عقد الذمة على أداء الجزية .السادسة : العسفاء ، وهم الأجراء والفلاحون ، فقال مالك في كتاب محمد : لا يقتلون وقال الشافعي : يقتل الفلاحون والأجراء والشيوخ الكبار إلا أن يسلموا أو يؤدوا الجزية .
والأول أصح ، لقوله عليه السلام في حديث رباح بن الربيع الحق بخالد بن الوليد فلا يقتلن ذرية ولا عسيفا ، وقال عمر بن الخطاب : اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذي لا ينصبون لكم الحرب ، وكان عمر بن عبد العزيز لا يقتل حراثا ، ذكره ابن المنذر .الثانية : روى أشهب عن مالك أن المراد بقوله : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم أهل الحديبية أمروا بقتال من قاتلهم ، والصحيح أنه خطاب لجميع المسلمين ، أمر كل أحد أن يقاتل من قاتله إذ لا يمكن سواه .
ألا تراه كيف بينها في سورة " براءة " بقوله : [ ص: 326 ] قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وذلك أن المقصود أولا كان أهل مكة فتعينت البداءة بهم ، فلما فتح الله مكة كان القتال لمن يلي ممن كان يؤذي حتى تعم الدعوة وتبلغ الكلمة جميع الآفاق ولا يبقى أحد من الكفرة ، وذلك باق متماد إلى يوم القيامة ، ممتد إلى غاية هي قوله عليه السلام : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم ، وقيل : غايته نزول عيسى ابن مريم عليه السلام ، وهو موافق للحديث الذي قبله ; لأن نزوله من أشراط الساعة .الثالثة : ولا تعتدوا قيل في تأويله ما قدمناه ، فهي محكمة ، فأما المرتدون فليس إلا القتل أو التوبة ، وكذلك أهل الزيغ والضلال ليس إلا السيف أو التوبة ، ومن أسر الاعتقاد بالباطل ثم ظهر عليه فهو كالزنديق يقتل ولا يستتاب .
وأما الخوارج على أئمة العدل فيجب قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق ، وقال قوم : المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجه الله ، كالحمية وكسب الذكر ، بل قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ، يعني دينا وإظهارا للكلمة ، وقيل : لا تعتدوا أي لا تقاتلوا من لم يقاتل ، فعلى هذا تكون الآية منسوخة بالأمر بالقتال لجميع الكفار ، والله أعلم .
هذه الآيات, تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله, وهذا كان بعد الهجرة إلى المدينة, لما قوي المسلمون للقتال, أمرهم الله به, بعد ما كانوا مأمورين بكف أيديهم، وفي تخصيص القتال { فِي سَبِيلِ اللَّهِ } حث على الإخلاص, ونهي عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين.
{ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } أي: الذين هم مستعدون لقتالكم, وهم المكلفون الرجال, غير الشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال.
والنهي عن الاعتداء, يشمل أنواع الاعتداء كلها, من قتل من لا يقاتل, من النساء, والمجانين والأطفال, والرهبان ونحوهم والتمثيل بالقتلى, وقتل الحيوانات, وقطع الأشجار ونحوها لغير مصلحة تعود للمسلمين.
ومن الاعتداء, مقاتلة من تُقبل منهم الجزية إذا بذلوها, فإن ذلك لا يجوز.
( وقاتلوا في سبيل الله ) أي في طاعة الله ( الذين يقاتلونكم ) كان في ابتداء الإسلام أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالكف عن قتال المشركين ثم لما هاجر إلى المدينة أمره بقتال من قاتله منهم بهذه الآية وقال الربيع بن أنس : هذه أول آية نزلت في القتال ثم أمره بقتال المشركين كافة قاتلوا أو لم يقاتلوا بقوله ( فاقتلوا المشركين ) فصارت هذه الآية منسوخة بها وقيل نسخ بقوله ( فاقتلوا المشركين ) قريب من سبعين آية وقوله ( ولا تعتدوا ) أي لا تبدءوهم بالقتال ، وقيل هذه الآية محكمة غير منسوخة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال المقاتلين ومعنى قوله : ( ولا تعتدوا ) أي لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ، والرهبان ولا من ألقى إليكم السلام هذا قول ابن عباس ومجاهد : أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو بكر بن سهل القهستاني المعروف بأبي تراب أخبرنا محمد بن عيسى الطرسوسي أنا يحيى بن بكير أنا الليث بن سعد عن جرير بن حازم عن شعبة عن علقمة بن يزيد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا قال اغزوا بسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تقتلوا امرأة ولا وليدا ولا شيخا كبيرا وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس نزلت هذه الآية في صلح الحديبية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه للعمرة وكانوا ألفا وأربعمائة فساروا حتى نزلوا الحديبية فصدهم المشركون عن البيت الحرام فصالحهم على أن يرجع عامه ذلك على أن يخلوا له مكة عام قابل ثلاثة أيام فيطوف بالبيت فلما كان العام القابل تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي قريش بما قالوا وأن يصدوهم عن البيت الحرام وكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم فأنزل الله تعالى ( وقاتلوا في سبيل الله ) يعني محرمين ( الذين يقاتلونكم ) يعني قريشا ( ولا تعتدوا ) فتبدءوا بالقتال في الحرم محرمين ( إن الله لا يحب المعتدين ) .
ولما صُدَّ محمد صلى الله عليه وسلم عن البيت عام الحديبية وصالح الكفار على أن يعود العام القابل ويُخلوا له مكة ثلاثة أيام وتجهز لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي قريش ويقاتلوهم وكره المسلمون قتالهم في الحرم والإحرام والشهر الحرام نزل «وقاتلوا في سبيل الله» أي لإعلاء دينه «الذين يقاتلونكم» الكفار «ولا تعتدوا» عليهم بالابتداء بالقتال «إن الله لا يحب المعتدين» المتجاوزين ما حد لهم وهذا منسوخ بآية براءة أو بقوله.
وقاتلوا -أيها المؤمنون- لنصرة دين الله الذين يقاتلونكم، ولا ترتكبوا المناهي من المُثْلة، والغُلول، وقَتْلِ من لا يحل قتله من النساء والصبيان والشيوخ، ومن في حكمهم.
إن الله لا يحب الذين يجاوزون حدوده، فيستحلون ما حرَّم الله ورسوله.
قال ابن كثير : قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أسن عن أبي العالية في قوله - تعالى - ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ ) قال : هذا أول آية نزلت في القتال بالمدينة فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قالته وكيف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة .ويرى بعض العلماء أن هذه الآيات قد وردت في الأذن بالقتال للمحرمين في الأشهر الحرام إذا فوجئوا بالقتال بغياً وعدواناً .
فهي متصلة بما قبلها أتم الاتصال ، لأن الآية السابقة بينت أن الأهلة مواقيت للناس في عباداتهم ومعاملاتهم عامة وفي الحج خاصة وهو في أشهر هلالية مخصوصة كان القتال فيها محرماً في الجاهلية .
فقد أخرج الواحدي عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلة في صلح الحديبية ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صده المشركون عن البيت الحرام - ثم صالحوه فرضى على أن يرجع عامه القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام يطوف ويفعل ما يشاء فلما كان العام القابل تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا ألا تفى لهم قريش ، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام بالقوة ويقاتلوهم وكره أصحابه قتالهم في الحرم والشهر الحرام فأنزل الله - تعالى الآيات .والقتال والمقاتلة : محاولة الرجل قتل من يحاول قتله ، والتقاتل محاولة كل واحد من المتعاديين قتل الآخر .قال أبو حيان : وقوله : ( فِي سَبِيلِ الله ) السبيل هو الطريق .
واستعير لدين الله وشرائعه لأن المتبع لذلك يصل به إلى بغيته الدينية والدنيوية ، فشبه بالطريق الموصل الإِنسان إلى ما يقصده ، وهذا من استعارة الأجرام للمعاني ويتعلق ( فِي سَبِيلِ الله ) بقوله : ( وَقَاتِلُواْ ) وهو ظرف مجازي ، لأنه لما وقع القتال بسبب نصرة الدين صار كأنه وقع فيه ، وو على حذف مضاف والتقدير في نصرة دين الله .والمراد بالقتال في سبيل الله : الجهاد من أجل إعلاء كلمته حتى يكون أهل دينه الحق أعزاء لا يسومهم أعداؤه ضيماً ، وأحراراً في الدعوة إليه وإقامة شرائعه العادلة في ظل سلطان مهيب .أي : قاتلوا أيها المؤمنون لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه أعداءكم الذين أعدوا أنفسهم لقتالكم ومناجزتكم وتحققتم منهم سوء النية ، وفساد الطوية .فالآية الكريمة تهييج للمؤمنين وإغراء لهم على قتال أعدائهم بدون تردد أو تهيب ، وإرشاد لهم إلى أن يجعلوا جهادهم من أجل نصرة الحق ، لا من أجل المطامع أو الشهوات .فقد روى الشيخان أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي موسى - رضي الله عنه - " أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم ، والرجل يقاتل ليذكر ، والرجل يقاتل ليرى مكانه - أي : ليتحدث الناس بشجاعته وليظهر بينهم - أي ذلك في سبيل الله؟
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " .والأحاديث في الدعوة إلى أن يكون الجهاد في سبيل الله من أجل إعلاء كلمته كثيرة متعددة .
وقوله ( وَلاَ تعتدوا ) نهى عن الاعتداء بشتى صورة ويدخل فيه دخولا أولياء الاعتداء في القتال .والاعتداء : مجازة الحد فيما أمر الله به أو نهى عنه .أي : قاتلوا في سبيل الله من يناصبكم القتال من المخالفين ، ولا تتجاوزوا في قتالهم إلى من ليس شأنهم قتالكم ، كنسائهم ، وصبيانهم ورهبانهم ، وشيوخهم الطاعنين في السن إلى حد الهرم ، ويلحق بهؤلاء المريض والمقعد والأعمى والمجنون .
وقد وردت في النهي عن قتل هؤلاء الأحاديث النبوية ووصايا الخلفاء الراشدين لقواد جيوشهم ، فهؤلاء يتجنب قتالهم إلا من قامت الشواهد على أن له أثراً من رأى أو عمل في الحرب ، يؤازر به المحارين لينتصروا على المجاهدين .قال ابن كثير : ولهذا جاء في صحيح مسلم عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " أغزوا في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، أغزوا ولا تغلو ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع " وفي الصحيحين عن ابن عمر قال : وُجِدَتْ امرأة في بعض المغازي مقتولة فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان .وقوله : ( إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين ) كالتعليل لما قبله في النهي عن مجاوزة ما حده الله - تعالى - في قتال المخالفين .ومحبة الله لعباده : صفة من صفاته - تعالى - من أثرها الرعاية والإِنعام .
وإذا نفى الله - تعالى - محبته لطائفة من الناس فهو كناية عن بغضه لهم ، واستحقاقهم لعقوبته .
الحكم العاشر: ما يتعلق بالقتال: وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى أمر بالإستقامة في الآية المتقدمة بالتقوى في طريق معرفة الله تعالى فقال: ﴿ وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا ولكن البر مَنِ اتقى وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها ﴾ وأمر بالتقوى في طريق طاعة الله، وهو عبارة عن ترك المحظورات وفعل الواجبات فالإستقامة علم، والتقوى عمل، وليس التكليف إلا في هذين، ثم لما أمر في هذه الآية بأشد أقسام التقوى وأشقها على النفس، وهو قتل أعداء الله فقال: ﴿ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله ﴾ .
المسألة الثانية: في سبب النزول قولان الأول: قال الربيع وابن زيد: هذه الآية أول آية نزلت في القتال، فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتل، ويكف عن قتال من تركه، وبقي على هذه الحالة إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿ اقتلوا المشركين ﴾ .
والقول الثاني: أنه عليه الصلاة والسلام خرج بأصحابه لإرادة الحج ونزل الحديبية وهو موضع كثير الشجر والماء فصدهم المشركون عن دخول البيت فأقام شهراً لا يقدر على ذلك ثم صالحوه على أن يرجع ذلك العام ويعود إليهم في العام القابل، ويتركون له مكة ثلاثة أيام حتى يطوف وينحر الهدي ويفعل ما شاء، فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وصالحهم عليه، ثم عاد إلى المدينة وتجهز في السنة القابلة، ثم خاف أصحابه من قريش أن لا يفوا بالوعد ويصدوهم عن المسجد الحرام وأن يقاتلوهم، وكانوا كارهين لمقاتلتهم في الشهر الحرام وفي الحرم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، وبين لهم كيفية المقاتلة إن احتاجوا إليها، فقال: ﴿ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله ﴾ .
المسألة الثالثة: ﴿ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله ﴾ أي في طاعته وطلب رضوانه، روى أبو موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن يقاتل في سبيل الله، فقال: «هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولا يقاتل رياء ولا سمعة».
المسألة الرابعة: اختلفوا في المراد بقوله: ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ على وجوه: أحدها: وهو قول ابن عباس، المراد منه: قاتلوا الذين يقاتلونكم إما على وجه الدفع عن الحج، أو على وجه المقاتلة ابتداء، وهذا الوجه موافق لما رويناه عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية.
وثانيها: قاتلوا كل من له قدرة وأهلية على القتال.
وثالثها: قاتلوا كل من له قدرة على القتال وأهلية كذلك سوى من جنح للسلم، قال تعالى: ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا ﴾ واعلم أن القول الأول أقرب إلى الظاهر لأن ظاهر قوله تعالى: ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ يقتضي كونهم فاعلين للقتال، فأما المستعد للقتال والمتأهل له قبل إقدامه عليه، فإنه لا يوصف بكونه مقاتلاً إلا على سبيل المجاز.
المسألة الخامسة: من الناس من قال: هذه الآية منسوخة، وذلك لأن هذه الآية دلت على أن الله تعالى أوجب قتال المقاتلين، ونهى عن قتال غير المقاتلين، بدليل أنه قال: ﴿ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله الذين يقاتلونكم ﴾ ثم بعده: ولا تعتدوا هذا القدر، ولا تقاتلوا من لا يقاتلكم فثبت أن هذه الآية مانعة من قتال غير المقاتلين، ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿ واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ فاقتضي هذا حصول الأول في قتال من لم يقاتل، فدل على أن هذه الآية منسوخة، ولقائل أن يقول: نسلم أن هذه الآية دالة على الأمر بقتال من لم يقاتلنا، لكن هذا الحكم ما صار منسوخاً.
أما قوله: إنها دالة على المنع من قتال من لم يقاتلنا، فهذا غير مسلم، وأما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَعْتَدُواْ ﴾ فهذا يحتمل وجوها أخر سوى ما ذكرتم، منها أن يكون المعنى: ولا تبدؤا في الحرم بقتال، ومنها أن يكون المراد: ولا تعتدوا بقتال من نهيتم عن قتاله من الذين بينكم وبينهم عهد، أو بالحيلة أو بالمفاجأة من غير تقديم دعوة، أو بقتل النساء والصبيان والشيخ الفاني، وعلى جميع هذه التقديرات لا تكون الآية منسوخة.
فإن قيل: هب أنه لا نسخ في الآية، ولكن ما السبب في أن الله تعالى أمر أولا بقتال من يقاتل، ثم في آخر الأمر أذن في قتالهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا.
قلنا: لأن في أول الأمر كان المسلمون قليلين، فكان الصلاح استعمال الرفق واللين والمجاملة، فلما قوي الإسلام وكثر الجمع، وأقام من أقام منهم على الشرك، بعد ظهور المعجزات وتكررها عليهم حالا بعد حال، حصل اليأس من إسلامهم، فلا جرم أمر الله تعالى بقتالهم على الإطلاق.
المسألة السادسة: المعتزلة احتجوا بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين ﴾ قالوا: لو كان الإعتداء بإرادة الله تعالى وبتخليقه لما صح هذا الكلام، وجوابه قد تقدم والله أعلم.
المقاتلة في سبيل الله: هو الجهاد لإعلاء كلمة الله وإعزاز الدين ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ الذين يناجزونكم القتال دون المحاجزين.
وعلى هذا يكون منسوخاً بقوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً ﴾ [التوبة: 36] .
وعن الربيع بن أنس رضي الله عنه: هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة فكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقاتل من قاتل ويكف عمن كف.
أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ والصبيان والرهبان والنساء.
أو الكفرة كلهم لأنهم جميعاً مضادّون للمسلمين قاصدون لمقاتلتهم، فهم في حكم المقاتلة، قاتلوا أو لم يقاتلوا.
وقيل: لما صدّ المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله وسلم عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع من قابل فيخلوا له مكة ثلاثة أيام فرجع لعمرة القضاء، خاف المسلمون أن لايفي لهم قريش ويصدّوهم ويقاتلوهم في الحرم وفي الشهر الحرام وكرهوا ذلك نزلت وأطلق لهم قتال الذين يقاتلونهم منهم في الحرم والشهر الحرام، ورفع عنهم الجناح في ذلك ﴿ وَلاَ تَعْتَدُواْ ﴾ بابتداء القتال أو بقتال من نهيتم عن قتاله من النساء والشيوخ والصبيان والذين بينكم وبينهم عهد أو بالمثلة أو بالمفاجأة من غير دعوة ﴿ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ حيث وجدتموهم في حلّ أو حرم.
والثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة.
ومنه: رجل ثقف، سريع الأَخذ لأقرانه.
قال: فَإمَّا تَثْقَفُونِي فَاقْتُلُونِي ** فَمَنْ أَثْقَفْ فَلَيْسَ إلَى خُلُود ﴿ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ أي من مكة وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن لم يسلم منهم يوم الفتح.
﴿ والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل ﴾ أي المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان يتعذب به أشدّ عليه من القتل.
وقيل لبعض الحكماء: ما أشد من الموت؟
قال: الذي يتمنى فيه الموت، جعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن التي يتمنى عندها الموت.
ومنه قول القائل: لَقَتْلٌ بِحَدِّ السَّيْفِ أَهْوَنُ مَوْقِعا ** عَلَى النَّفْسِ مِنْ قَتْلٍ بِحَدِّ فِرَاقِ وقيل: (الفتنة) عذاب الآخرة ﴿ وَذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ ﴾ [الذاريات: 13] وقيل: الشرك أعظم من القتل في الحرم، وذلك أنهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم ويعيبون به المسلمين، فقيل: والشرك الذي هم عليه أشدّ وأعظم مما يستعظمونه.
ويجوز أن يراد: وفتنتهم إياكم بصدّكم عن المسجد الحرام أشدّ من قتلكم إياهم في الحرم، أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم فلا تبالوا بقتالهم.
وقرئ: (ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم، فإن قتلوكم): جعل وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم.
يقال: قتلتنا بنو فلان.
وقال: فإن تقتلونا نقتلكم ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْاْ ﴾ عن الشرك والقتال، كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ [الأنفال: 38] ﴿ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ أي شرك ﴿ وَيَكُونَ الدين للَّهِ ﴾ خالصاً ليس للشيطان فيه نصيب ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْاْ ﴾ عن الشرك ﴿ فَلاَ عدوان إِلاَّ عَلَى الظالمين ﴾ فلا تعدوا على المنتهين لأنّ مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، فوضع قوله: ﴿ إِلاَّ عَلَى الظالمين ﴾ موضع على المنتهين.
أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين، سمي جزاء الظالمين ظلماً للمشاكلة، كقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ ﴾ أو أريد أنكم إن تعرضتم لهم بعد الانتهاء كنتم ظالمين فيسلط عليكم من يعدو عليكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ جاهِدُوا لِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ وإعْزازِ دِينِهِ.
﴿ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ﴾ قِيلَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ أُمِرُوا بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً المُقاتِلِينَ مِنهم والمُحاجِزِينَ.
وقِيلَ مَعْناهُ الَّذِينَ يُناصِبُونَكُمُ القِتالَ ويُتَوَقَّعُ مِنهم ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ المَشايِخِ والصِّبْيانِ والرُّهْبانِ والنِّساءِ، أوِ الكَفَرَةُ كُلُّهم فَإنَّهم بِصَدَدِ قِتالِ المُسْلِمِينَ وعَلى قَصْدِهِ.
ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما رُوِيَ: أنَّ المُشْرِكِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وصالَحُوهُ عَلى أنْ يَرْجِعَ مِن قابِلٍ فَيُخْلُوا لَهُ مَكَّةَ.
شَرَّفَها اللَّهُ.
ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَرَجَعَ لِعُمْرَةِ القَضاءِ وخافَ المُسْلِمُونَ أنْ لا يُوفُوا لَهم ويُقاتِلُوهم في الحَرَمِ.
أوِ الشَّهْرِ الحَرامِ وكَرِهُوا ذَلِكَ فَنَزَلَتْ: ﴿ وَلا تَعْتَدُوا ﴾ بِابْتِداءِ القِتالِ، أوْ بِقِتالِ المُعاهَدِ، أوِ المُفاجَأةِ بِهِ مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ، أوِ المُثْلَةِ، أوْ قَتْلِ مَن نُهِيتُمْ عَنْ قَتْلِهِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ﴾ لا يُرِيدُ بِهِمُ الخَيْرَ.
<div class="verse-tafsir"
{وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله} المقاتلة في سبيل الله الجهاد لإعلاء كلمة الله وإعزاز الدين {الذين يقاتلونكم} يناجزونكم القتال دون المحاجزين وعلى هذا يكون منسوخاً بقوله تعالى {وَقَاتِلُواْ المشركين} كافة وقيل هي أول آية نزلت في القتال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتل ويكف عمن كف أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل
البقرة ((١٩٠ _ ١٩٤)
المناصبة من الشيوخ والصبيان والرهبان والنساء أو الكفرة كلهم لأنهم قاصدون لمقاتلة المسلمين فهم في حكم المقاتلة {وَلاَ تَعْتَدُواْ} في ابتداء القتال أو بقتال من نهيتم عنه من النساء والشيوخ ونحوهما أو بالمثلة {إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين}
﴿ وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ: جاهِدُوا لِإعْزازِ دِينِ اللَّهِ - تَعالى - وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، فالسَّبِيلُ بِمَعْنًى مُسْتَعارٍ لِدِينِ اللَّهِ - تَعالى - وكَلِمَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَتَوَصَّلُ المُؤْمِنُ بِهِ إلى مَرْضاتِهِ - تَعالى -، والظَّرْفِيَّةُ الَّتِي هي مَدْلُولَةٌ في تَرْشِيحٍ لِلِاسْتِعارَةِ، ﴿ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ﴾ أيْ: يُناجِزُونَكُمُ القِتالَ مِنَ الكَفّارِ، وكانَ هَذا عَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ، قَبْلَ أنْ أُمِرُوا بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً، المُناجِزِينَ والمُحاجِزِينَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ تَعْمِيمًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ المُسْتَفادِ مِن هَذا الأمْرِ، مُقَرِّرًا لِمَنطُوقِهِ، ناسِخًا لِمَفْهُومِهِ؛ أيْ: لا تُقاتِلُوا المُحاجِزِينَ، وكَذا المَنطُوقُ في النَّهْيِ الآتِي، فَإنَّهُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُشْتَمِلٌ عَلى النَّهْيِ عَنْ قِتالِهِمْ أيْضًا، وقِيلَ: مَعْناهُ الَّذِينَ يُناصِبُونَكُمُ القِتالَ، ويُتَوَقَّعُ مِنهم ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ المَشايِخِ والصِّبْيانِ والنِّساءِ والرُّهْبانِ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُخَصَّصَةً لِعُمُومِ ذَلِكَ الأمْرِ، مُخْرِجَةً لِمَن لَمْ يُتَوَقَّعْ مِنهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ ما يَعُمُّ سائِرَ الكُفّارِ، فَإنَّهم بِصَدَدِ قِتالِ المُسْلِمِينَ وقَصْدُهُ فَهم في حُكْمِ المُقاتِلَةِ قاتَلُوا أوْ لَمْ يُقاتِلُوا، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما أخْرَجَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ المُشْرِكِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنِ البَيْتِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وصالَحُوهُ عَلى أنْ يَرْجِعَ عامَهُ القابِلَ، ويُخَلُّوا لَهُ مَكَّةَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَيَطُوفُ بِالبَيْتِ ويَفْعَلُ ما شاءَ، فَلَمّا كانَ العامُ المُقْبِلُ تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابُهُ لِعُمْرَةِ القَضاءِ، وخافُوا أنْ لا تَفِيَ لَهم قُرَيْشٌ بِذَلِكَ، وأنْ يَصُدُّوهم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ويُقاتِلُوهُمْ، وكَرِهَ أصْحابُهُ قِتالَهم في الشَّهْرِ الحَرامِ في الحَرَمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - الآيَةَ،» وجَعَلَ ما يُفْهَمُ مِنَ الأثَرِ - وجْهًا رابِعًا في المُرادِ بِالمَوْصُولِ بِأنْ يُقالَ المُرادُ بِهِ مَن يَتَصَدّى مِنَ المُشْرِكِينَ لِلْقِتالِ في الحَرَمِ وفي الشَّهْرِ الحَرامِ كَما فَعَلَ البَعْضُ - بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَخْصِيصٌ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يَقْتَضِي خُصُوصَ الحُكْمِ، ﴿ ولا تَعْتَدُوا ﴾ أيْ: لا تَقْتُلُوا النِّساءَ والصِّبْيانَ والشَّيْخَ الكَبِيرَ ولا مَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلَمَ وكَفَّ يَدَهُ، فَإنْ فَعَلْتُمْ فَقَدِ اعْتَدَيْتُمْ، رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ( أوْ لا تَعْتَدُوا ) بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ كابْتِداءِ القِتالِ أوْ قِتالِ المُعاهِدِ أوِ المُفاجَأةِ بِهِ مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ أوْ قَتْلِ مَن نُهِيتُمْ عَنْ قَتْلِهِ قالَهُ بَعْضُهُمْ، وأُيِّدَ بِأنَّ الفِعْلَ المَنفِيَّ يُفِيدُ العُمُومَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ 190﴾ أيِ المُتَجاوِزِينَ ما حُدَّ لَهُمْ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ، ومَحَبَّتُهُ تَعالى لِعِبادِهِ في المَشْهُورِ عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ الخَيْرِ والثَّوابِ لَهُمْ، ولا واسِطَةَ بَيْنَ المَحَبَّةِ والبُغْضِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - وذَلِكَ بِخِلافِ مَحَبَّةِ الإنْسانِ وبُغْضِهِ، فَإنَّ بَيْنَهُما واسِطَةً، وهي عَدَمُهُما.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا، وذلك أن رسول الله خرج مع أصحابه إلى مكة للعمرة، فنزل بالحديبية بقرب مكة، والحديبية: اسم بئر فسمي ذلك الموضع باسم تلك البئر، فصده المشركون عن البيت، فأقام بالحديبية شهراً، فصالحه المشركون على أن يرجع من عامه كما جاء، على أن تخلى له مكة في العام المقبل ثلاثة أيام، وصالحوه على أن لا يكون بينهم قتال إلى عشر سنين، فرجع إلى المدينة وخرج في العام الثاني للقضاء، فخاف أصحاب رسول الله أن يقاتلهم المشركون وكرهوا القتال في الشهر الحرام، فنزلت هذه الآية وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أي في طاعة الله الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، يعني في الحرم أو في الشهر الحرام، وَلا تَعْتَدُوا بأن تنقضوا العهد وتبدؤوهم بالقتال في الشهر الحرام أو في الحرم.
إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، يعني من يبدأ بالظلم.
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، أي حيث وجدتموهم في الحل والحرم، والشهر الحرام.
فأمرهم الله تعالى بقتل المشركين الذين ينقضون العهد وقوله: وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ من مكة وَالْفِتْنَةُ، أي الشرك بالله أَشَدُّ، أي أعظم عند الله مِنَ الْقَتْلِ في الشهر الحرام.
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، أي في الحرم، حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، أي يبدؤوكم بالقتال.
فَإِنْ قاتَلُوكُمْ، أي بدءوكم بالقتال فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ، أي هكذا جزاؤهم القتل في الحرم وغيره.
قرأ حمزة والكسائي: وَلا تُقاتِلُوهُمْ بغير ألف حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ وقرأ الباقون في هذه المواضع الثلاثة: بالألف.
فمن قرأ بالألف فهو من المقاتلة ومن قرأ بغير ألف فمعناه لا تقتلوهم حتى يقتلوا منكم.
فَإِنِ انْتَهَوْا عن قتالكم، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي إذا أسلموا.
وهذا كقوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38] .
وَقاتِلُوهُمْ، يعني أهل مكة حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ، يعني الشرك بالله، وَيَكُونَ الدِّينُ كله لِلَّهِ، يعني الإسلام.
فَإِنِ انْتَهَوْا عن قتالكم وتركوا الشرك فَلا عُدْوانَ، يقول لا سبيل ولا حجة عليهم في القتل، إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ الذين بدءوكم بالقتال.
وقال القتبي: أصل العدوان الظلم، يعني لا جزاء للظلم إلا على الظالمين.
فسار رسول الله وأصحابه حتى دخلوا مكة، وطافوا بالبيت، ونحروا الهدي، وأقاموا بمكة ثلاثة أيام ثم انصرفوا فنزلت هذه الآية: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ، يعني الشهر الحرام الذي دخلت فيه الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم عنه العام الأول وهو ذو القعدة وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ أي ما اقتصصت لكم في ذي القعدة كما صدوكم.
ويقال: إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ، يعني قتالكم يكون لِقتالهم قصاصاً، فكما تركوا الحرمة فأنتم تتركون أيضاً ذلك.
ويقال: إن سبب نزول هذه الآية أن المشركين سألوا المسلمين فقالوا: في أي شهر يحرم عليكم القتال؟
وأرادوا أن يقفوا على ذلك، حتى يقاتلوهم في الشهر الذي حرم القتال على المؤمنين، فنزل قوله: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، أي في وقت قاتلكم المشركون حل لكم قتالهم.
ثم قال تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ، أي قاتلكم في الشهر الحرام فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ، أي قاتلوهم فيه وإنما سمي الثاني اعتداء، لأنه مجازاة الاعتداء فسمي بمثل اسمه.
وهذا كقوله عز وجل: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل: 126] ثم صارت هذه الآية حكماً في جميع الجنايات.
إن من جنى على إنسان أو في ماله، فله أن يجازيه بمثل ذلك بظاهر هذه الآية: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ.
ثم قال وَاتَّقُوا اللَّهَ عن الاعتداء قبل أن يعتدوا عليكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ، يعني يعين من اتقى الاعتداء.
<div class="verse-tafsir"
بأمْر يرجُو النَّجاح به، تشبيهاً بالذي يرسل الدَّلْو في البِئْر يرجُو بها الماءَ، قال قومٌ: معنى الآية: تُسَارعون في الأموال إِلى المخاصَمَة، إِذا علمْتم أنَّ الحُجَّة تقوم لكم إِمَّا بأن لا تكون على الجاحِدِ بيِّنة، أو يكون مالَ أمانةٍ كاليتيم ونحوه ممَّا يكون القول فيه قوله، فالباء في «بهاء» باءُ السبب «١» ، وقيل: معنى الآية: تُرْشُوا بهَا على أكْل أكثر منْها، فالباء إِلزاقٌ مجرَّدٌ وهذا القول يترجَّح لأن الحكَّام مَظِنَّةُ الرُّشَا، إِلاَّ من عُصِمَ، وهو الأقل، وأيضاً، فإِن اللفظتين متناسبتَان.
تُدْلُوا: من إِرسال الدلْوِ، والرِّشْوَةُ: من الرِّشَاءِ كأنها يمدُّ بها لتقضي الحاجة.
والفريق: القطعة، والجزء.
وبِالْإِثْمِ أي: بالظلم.
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي: أنكم مبطلون.
وقوله تعالَى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قال ابنْ عَبَّاس، وغيره: نَزلَتْ على سؤالِ قَوْمٍ من المسلمين النبيّ صلّى الله عليه وسلم عنِ الهِلاَلِ، وما فائدةُ مُحَاقِهِ، وكمالِهِ، ومخالفته لحال الشمس «٢» .
ومَواقِيتُ أي: لمحَلِّ الدُّيون، وانقضاءِ العِدَدِ والأَكْرِيَةِ، وما أشبه، هذا من مصالحِ العبادِ، ومواقيت للحَجِّ أيضاً: يعرف بها وقته وأشهره.
وقوله سبحانه: وَلَيْسَ الْبِرُّ ...
الآية: قال البَرَاء بن عَازِبٍ «٣» ، والزهريّ،
وقتادة: سببها أن الأنصار كانوا إِذا حَجُّوا، أو اعتمروا، يلتزمون تشرُّعاً ألاَّ يحول بينهم وبَيْن السماء حائلٌ، فكانوا يتسنَّمون ظهور بيوتِهِم على الجُدُرَاتِ «١» ، وقيل: كانوا يجعلون في ظهور بيوتهم فُتُوحاً يدخلُون منْها، ولا يدخلون من الأبواب «٢» ، وقيل غير هذا ممَّا يشبهه «٣» .
وقوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...
الآيةُ هي أول آية نزلَتْ في الأمر بالقتالِ.
قال ابن زَيْد، والربيعُ: قوله: وَلا تَعْتَدُوا أي: في قتالِ مَنْ لم يقاتلْكم، وهذه الموادَعَةُ منسوخةٌ بقوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً «٤» [التوبة: ٣٦] ، وقال ابن عبّاس وغيره:
وَلا تَعْتَدُوا في قتْلِ النساءِ، والصبيانِ، والرهبانِ، وشبههم فهي مُحْكَمَةٌ «١» .
وقوله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ...
الآية: قال ابْنُ إِسحاق وغيره: نزَلَتْ هذه الآيةُ في شأنِ عَمْرو بن الحَضْرَمِيِّ، وواقدٍ، وهي سَرِيَّةُ عبد اللَّه بن جَحْش «٢» ، وثَقِفْتُمُوهُمْ معناه: أحكمتم غلبتهم، يقال: رَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ، إِذا كان محكِماً لما يتناوَلُهُ من الأمور «٣» .
وأَخْرِجُوهُمْ: خطاب لجميع المؤمنين، والضمير لكفار قريش.
والْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ، أي: الفتنةُ التي حملوكم علَيْها، ورامُوكم بِهَا على الرُّجوع إِلى الكفر- أشدُّ من القتْل، ويحتمل أن يكون المعنى: والفتنةُ، أي: الكفر والضَّلال الذي هم فيه أَشَدُّ في الحَرَمِ، وأعظم جُرْماً من القتل الَّذي عيَّروكم به في شأن ابْنِ الحَضْرَمِيِّ.
وقوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ...
الآية.
قال الجمهورُ «٤» : كان هذا ثُمَّ نُسِخَ، وقال مجاهد: الآية محكمةٌ «٥» ، ولا يجوز قتال أحد، يعني: عند المسجد الحرام، إِلا بعد أن يقاتل.
قلت: وظاهر قوله صلّى الله عليه وسلم: «وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، وَلَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي» «٦» يقوي قول مجاهد، وهذا هو الراجح عند الإمام
الفَخْر «١» ، وأنَّ الآية محكمةٌ، ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم.
انتهى.
٤٨ ب قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢» وقد روى الأئمّة/ عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال يَوْمَ فَتْح مكَّة: «إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ تعالى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تعالى إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهَا لأَحَدٍ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» «٣» .
فقد ثبت النهْيُ عن القتالِ فيها قُرآناً وسُنَّة، فإِن لجأ إِليها كافرٌ، فلا سبيل إِلَيْه، وأما الزانِي والقاتلُ، فلا بُدَّ من إِقامة الحَدِّ عليه إِلا أنْ يبتدىء الكافر بالقتَال فيها، فيقتل بنصِّ القرآن.
انتهى.
وقرأ حمزة والكسائيّ «٤» : «وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حتى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فاقتلوهم» ، أي: فإِن قتلوا منْكم، والانتهاء في هذه الآية هو الدخول في الإسلام.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ﴾ .
سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ، لَمّا صَدَّ عَنِ البَيْتِ، ونَحَرَ هَدْيَهُ بِالحُدَيْبِيَةَ، وصالَحَهُ المُشْرِكُونَ عَلى أنْ يَرْجِعَ مِنَ العامِ المُقْبِلِ؛ رَجَعَ، فَلَمّا تَجَهَّزَ في العامِ المُقْبِلِ؛ خافَ أصْحابُهُ أنْ لا تَفِي لَهم قُرَيْشٌ بِذَلِكَ، وأنْ يَصُدُّوهم ويُقاتِلُوهم، وكَرِهَ أصْحابُهُ القِتالَ في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْتَدُوا ﴾ أيْ: ولا تَظْلِمُوا.
وفي المُرادِ بِهَذا الِاعْتِداءِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قَتَلَ النِّساءَ والوِلْدانَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: لا تُقاتِلُوا مَن لَمْ يُقاتِلْكم قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ إتْيانٌ ما نُهُوا عَنْهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ ابْتِداؤُهم بِالقِتالِ في الحَرَمِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
* فَصْلٌ اخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ هَذِهِ الآَيَةُ مَنسُوخَةٌ أمْ لا؟
عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ.
واخْتَلَفَ أرْبابُ هَذا القَوْلِ في المَنسُوخِ مِنها عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أوَّلُها، وهو قَوْلُهُ: ﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ﴾ قالُوا: وهَذا يَقْتَضِي أنَّ القِتالَ يُباحُ في حَقِّ مَن قاتَلَ مِنَ الكُفّارِ، ولا يُباحُ في حَقِّ مَن لَمْ يُقاتِلْ، وهَذا مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ .
والثّانِي: أنَّ المَنسُوخَ مِنها: (وَلا تَعْتَدُوا) ولِهَؤُلاءِ في هَذا الِاعْتِداءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَتَلَ مَن لَمْ يُقاتِلْ.
والثّانِي: أنَّهُ ابْتِداءُ المُشْرِكِينَ بِالقِتالِ، وهَذا مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَحْكَمَةُ، ومَعْناها عِنْدَ أرْبابِ هَذا القَوْلُ: ﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ أعَدُّوا أنْفُسَهم لِلْقِتالِ، فَأمّا مَن لَيْسَ بِمُعَدٍّ نَفْسَهُ لِلْقِتالِ، كالرُّهْبانِ والشُّيُوخِ الفُناةِ، والزَّمْنى، والمَكافِيفِ، والمَجانِينِ، فَإنَّ هَؤُلاءِ لا يُقاتِلُونَ، وهَذا حُكْمٌ باقٍ غَيْرُ مَنسُوخٍ.
* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في أوَّلِ آَيَةٍ نَزَلَتْ في إباحَةِ القِتالِ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا ﴾ .
قالَهُ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِيُّ.
والثّانِي: أنَّها هَذِهِ الآَيَةُ: ﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ الناسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرُّ مِن اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللهِ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ﴾ الخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، والمَعْنى: لا يَأْكُلُ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ، فَأُضِيفَتِ الأمْوالُ إلى ضَمِيرِ المَنهِيِّ لَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مَنهِيًّا عنهُ، وكَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ ﴾ .
ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ القِمارُ والخِداعُ والغُصُوبُ وجَحْدُ الحَقائِقِ وغَيْرُ ذَلِكَ، ولا يَدْخُلُ فِيهِ الغَبْنُ في البَيْعِ مَعَ مَعْرِفَةِ البائِعِ بِحَقِيقَةِ ما يَبِيعُ لِأنَّ الغَبْنَ كَأنَّهُ وهَبَهُ.
وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالآيَةِ: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ ﴾ أيْ في المَلاهِي والقِيانِ، والشَرابِ، والبَطالَةِ، فَتَجِيءُ عَلى هَذا إضافَةُ المالِ إلى ضَمِيرِ المالِكِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتُدْلُوا بِها ﴾ الآيَةُ، يُقالُ: أدْلى الرَجُلُ بِالحُجَّةِ، أو بِالأمْرِ الَّذِي يَرْجُو النَجاحَ بِهِ، تَشْبِيهًا بِالَّذِي يُرْسِلُ الدَلْوَ في البِئْرِ يَرْجُو بِها الماءَ.
قالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: تُسارِعُونَ في الأمْوالِ إلى المُخاصَمَةِ إذا عَلِمْتُمْ أنَّ الحُجَّةَ تَقُومُ لَكُمْ، إمّا بِألّا تَكُونَ عَلى الجاحِدِ بَيِّنَةٌ، أو يَكُونُ مالَ أمانَةٍ، كاليَتِيمِ ونَحْوِهِ، مِمّا يَكُونُ القَوْلُ فِيهِ قَوْلَهُ، فالباءُ في "بِها" باءُ السَبَبِ.
وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ: تَرْشُوا بِها عَلى أكْلِ أكْثَرِ مِنها، فالباءُ إلْزاقُ مُجَرَّدٍ، وهَذا القَوْلُ يَتَرَجَّحُ لِأنَّ الحُكّامَ مَظِنَّةُ الرِشا، إلّا مَن عُصِمَ وهو الأقَلُّ، وأيْضًا فَإنَّ اللَفْظَتَيْنِ مُتَناسِبَتانِ، "تُدْلُوا" مِن أرْسَلَ الدَلْوَ، والرِشْوَةُ مِنَ الرِشاءِ، كَأنَّها يُمَدُّ بِها لِتُقْضى الحاجَةُ.
و"تَدْلُوا" في مَوْضِعِ جَزْمٍ عَطْفًا عَلى "تَأْكُلُوا"، وفي مُصْحَفٍ أُبَيٍّ: "وَلا تُدْلُوا" بِتَكْرارِ حَرْفِ النَهْيِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيَّدُ جَزْمَ "تُدْلُوا" في قِراءَةِ الجَماعَةِ.
وقِيلَ: "تُدْلُوا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَرْفِ، وهَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، أنَّ مَعْنى الظَرْفِ هو الناصِبُ، والَّذِي يُنْصَبُ في مِثْلِ هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ "أنْ" مُضْمَرَةً.
والفَرِيقُ: القِطْعَةُ والجُزْءُ و"بِالإثْمِ" مَعْناهُ: بِالظُلْمِ والتَعَدِّي، وسُمِّيَ ذَلِكَ إثْمًا لَمّا كانَ الإثْمُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِفاعِلِهِ، ﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ إنَّكم مُبْطِلُونَ آثِمُونَ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في المَعْصِيَةِ والجُرْأةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ ﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ، وَغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ عَلى سُؤالِ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ النَبِيَّ عَنِ الهِلالِ.
وما فائِدَةُ مُحاقِهِ وكَمالِهِ ومُخالَفَتِهِ لِحالِ الشَمْسِ؟
وجَمْعٌ وهو واحِدٌ في الحَقِيقَةِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ هِلالًا في شَهْرٍ غَيْرِ كَوْنِهِ هِلالًا في الآخَرِ، فَإنَّما جَمْعُ أحْوالِهِ مِنَ الهِلالِيَّةِ، والهِلالُ لَيْلَتانِ بِلا خِلافٍ ثُمَّ يَقْمُرُ، وقِيلَ: ثَلاثٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو هِلالٌ حَتّى يَحْجُرَ ويَسْتَدِيرَ لَهُ كالخَيْطِ الرَقِيقِ، وقِيلَ: هو هِلالٌ حَتّى يُبْهِرَ بِضَوْئِهِ السَماءَ وذَلِكَ لَيْلَةَ سَبْعٍ.
وقَوْلُهُ: "مَواقِيتُ" مَعْناهُ: لِمَحَلِّ الدُيُونِ وانْقِضاءِ العَدَدِ والأكْرِيَةِ وما أشْبَهَ هَذا مِن مَصالِحِ العِبادِ، ومَواقِيتُ الحَجِّ أيْضًا يُعْرَفُ بِها وقْتُهُ وأشْهُرُهُ.
وَ"مَواقِيتُ" لا يَنْصَرِفُ، لِأنَّهُ جَمْعٌ لا نَظِيرَ لَهُ في الآحادِ، فَهو جَمْعٌ ونِهايَةُ جَمْعٍ، إذْ لَيْسَ يُجْمَعُ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "والحَجُّ" بِكَسْرِ الحاءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ حَجَّ البَيْتَ ﴾ في آلِ عِمْرانَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: الحَجُّ كالرَدِّ والشَدِّ، والحَجُّ كالذِكْرِ فَهُما مَصْدَرانِ بِمَعْنًى، وقِيلَ: الفَتْحُ مَصْدَرٌ، والكَسْرُ الِاسْمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيْسَ البِرُّ ﴾ الآيَةُ، قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، والزُهْرِيُّ، وقَتادَةُ: سَبَبُها أنَّ الأنْصارَ كانُوا إذا حَجُّوا أوِ اعْتَمَرُوا يَلْتَزِمُونَ تَشَرُّعا ألّا يَحُولَ بَيْنَهم وبَيْنَ السَماءِ حائِلٌ، فَكانُوا يَتَسَنَّمُونَ ظُهُورَ بُيُوتِهِمْ عَلى الجُدْرانِ، وقِيلَ: كانُوا يَجْعَلُونَ في ظُهُورِ بُيُوتِهِمْ فُتُوحًا يَدْخُلُونَ مِنها، ولا يَدْخُلُونَ مِنَ الأبْوابِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا يُشْبِهُهُ فاخْتَصَرْتُهُ، فَجاءَ رَجُلٌ مِنهم فَدَخَلَ مِن بابِ بَيْتِهِ فَعُيِّرَ بِذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقالَ إبْراهِيمُ: كانَ يَفْعَلُ ما ذَكَرَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الحِجازِ.
وقالَ السُدِّيُّ: «ناسٌ مِنَ العَرَبِ، وهُمُ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ.
قالَ: فَدَخَلَ النَبِيُّ بابًا ومَعَهُ رَجُلٌ مِنهُمْ، فَوَقَفَ ذَلِكَ الرَجُلُ، وقالَ: "إنِّي أُحَمِّسُ" فَقالَ لَهُ النَبِيُّ ::"وَأنا أُحَمِّسُ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ.» ورَوى الرَبِيعُ «أنَّ النَبِيَّ دَخَلَ وخَلْفَهُ رَجُلٌ أنْصارِيٌّ فَدَخَلَ وخَرَقَ عادَةَ قَوْمِهِ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : "لِمَ دَخَلْتَ وأنْتَ قَدْ أحْرَمْتَ؟" قالَ: دَخَلْتَ أنْتَ فَدَخَلْتُ بِدُخُولِكَ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : "إنِّي أُحَمِّسُ" أيْ مِن قَوْمٍ لا يَدِينُونَ بِذَلِكَ، فَقالَ الرَجُلُ: "وَأنا دِينِي دِينُكَ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ».
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الآيَةُ ضَرْبُ مَثَلٍ، المَعْنى: لَيْسَ البِرُّ أنْ تَسْألُوا الجُهّالَ، ولَكِنِ اتَّقُوا واسْألُوا العُلَماءَ، فَهَذا كَما يُقالُ: أتَيْتُ هَذا الأمْرَ مِن بابِهِ.
وقالَ غَيْرُ أبِي عُبَيْدَةَ: المَعْنى: لَيْسَ البَرُّ أنْ تَشِذُّوا في الأسْئِلَةِ عَنِ الأهِلَّةِ وغَيْرِها، فَتَأْتُونَ الأُمُورَ عَلى غَيْرِ ما يَجِبُ، وهَذا يُحْتَمَلُ، والأوَّلُ أسَدُّ.
وأمّا ما حَكاهُ المَهْدَوِيُّ، ومَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ مِن أنَّ الآيَةَ مَثَلٌ في جِماعِ النِساءِ فَبِعِيدٌ مُغَيَّرٌ نَمَطَ الكَلامِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ بِخِلافٍ عنهُ: "البِيُوتَ" بِكَسْرِ الباءِ.
وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "وَلَكِنَّ البِرَّ" بِتَشْدِيدِ نُونِ "لَكُنَّ" ونَصْبِ "البِرَّ"، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن آمَنَ بِاللهِ ﴾ ، "واتَّقُوا مَعْناهُ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ عِقابِهِ وِقايَةً، و"لَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، والفَلاحُ: دَرْكُ البُغْيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ ﴾ الآيَةُ، هي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في الأمْرِ بِالقِتالِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ، والرَبِيعُ: مَعْناها: قاتِلُوا مَن قاتَلَكُمْ، وكَفُّوا عَمَّنْ كَفَّ عنكُمْ، ولا تَعْتَدُوا في قِتالِ مَن لَمْ يُقاتِلُوكُمْ، وهَذِهِ المُوادَعَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ بَراءَةٍ وبِقَوْلِهِ: ﴿ وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً ﴾ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى الآيَةِ: قاتِلُوا الَّذِينَ هم بِحالَةِ مَن يُقاتِلُكُمْ، ولا تَعْتَدُوا في قَتْلِ النِساءِ والصِبْيانِ والرُهْبانِ وشَبَهِهِمْ، فَهي مُحْكَمَةٌ عَلى هَذا القَوْلِ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: لا تَعْتَدُوا في القِتالِ لِغَيْرِ وجْهِ اللهِ، كالحَمِيَّةِ وكَسْبِ الذِكْرِ.
<div class="verse-tafsir"
جملة ﴿ وقاتلوا ﴾ معطوفة على جملة ﴿ وليس البر ﴾ [البقرة: 189] الخ، وهو استطراد دعا إليه استعداد النبي صلى الله عليه وسلم لعُمرة القضاء سنة ست وتوقعُ المسلمين غدر المشركين بالعهد، وهو قتال متوقع لقَصْد الدفاع لقوله: ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ ، وهذه الآية أول آية نزلت في القتال وعن أبي بكر الصديق أول آية نزلت في الأمر بالقتال قوله تعالى: ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ﴾ في [سورة الحج: 39] ورجحه ابن العربي بأنها مكية وآية سورة البقرة مدنية.
وقد ثبت في الصحيح } أن رسول الله أرسل عثمان بن عفان إلى أهل مكة فأرجف بأنهم قتلوه فبايع الناس والرسولَ على الموت في قتال العدو ثم انكشف الأمر عن سلامة عثمان.
ونزول هذه الآيات عقب الآيات التي أشارت إلى الإحرام بالعمرة والتي نراها نزلت في شأن الخروج إلى الحديبية ينبئ بأن المشركين كانوا قد أضمروا ضد النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ثم أعرضوا عن ذلك لما رأوا تهيؤ المسلمين لقتالهم، فقوله تعالى: ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ﴾ [البقرة: 191] إرشاد للمسلمين بما فيه صلاح لهم يومئذٍ، ألا ترى أنه لما انقضت الآيات المتكلمة عن القتال عاد الكلام إلى الغرض الذي فارقته وذلك قوله: ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ [البقرة: 196]، الآيات على أنه قد وقع في صلح الحديبية ضرب مدة بين المسلمين والمشركين لا يقاتل فريق منهم الآخر فخاف المسلمون عام عمرة القضاء أن يغدر بهم المشركون إذا حلوا ببلدهم وألاّ يفوا لهم فيصدوهم عن العمرة فأمروا بقتالهم إن هم فعلوا ذلك.
وهذا إذن في قتال الدفاع لدفع هجوم العدو ثم نزلت بعدها آية براءة: ﴿ وقاتلوا المشركين كافة ﴾ [التوبة: 36] ناسخة لمفهوم هذه الآية عند من يرى نسخ المفهوم ولا يرى الزيادة على النص نسخاً، وهي أيضاً ناسخة لها عند من يرى الزيادة على النص نسخاً ولا يرى نسخ المفهوم، وهي وإن نزلت لسبب خاص فهي عامة في كل حال يبادئ المشركون فيه المسلمين بالقتال، لأن السبب لا يخصص.
وعن ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد أن هاته الآية محكمة لم تنسخ، لأن المراد بالذين يقاتلونكم الذين هم متهيئون لقتالكم أي لا تقاتِلوا الشيوخ والنساء والصبيان، أي القيد لإخراج طائفة من المقاتلين لا لإخراج المحاجزين، وقيل: المراد الكفار كلهم، فإنهم بصدد أن يقاتلوا.
ذكره في «الكشاف»، أي ففعل ﴿ يقاتلونكم ﴾ مستعمل في مقارنة الفعل والتهيؤ له كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ إن ترك خيراً ﴾ [البقرة: 180].
والمقاتلة مفاعلة وهي حصول الفعل من جانبين، ولما كان فعلها وهو القتل لا يمكن حصوله من جانبين؛ لأن أحد الجانبين إذا قتل لم يستطع أن يَقْتل كانت المفاعلة في هذه المادة بمعنى مفاعلة أسباب القتل أي المحاربة، فقوله ﴿ وقاتلوا ﴾ بمعنى وحاربوا والقتال الحرب بجميع أحوالها من هجوم ومنع سبل وحصار وإغارة واستيلاء على بلاد أو حصون.
وإذا أسندت المفاعلة إلى أحد فاعلَيْها فالمقصود أنه هو المبتدئ بالفعل، ولهذا قال تعالى: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ فجعل فاعل المفاعلة المسلمين ثم قال: ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ فجعل فاعله ضمير عدوهم، فلزم أن يكون المراد دافعوا الذين يبتدئونكم.
والمراد بالمبادأة دلائل القصد للحرب بحيث يتبين المسلمون أن الأعداء خرجوا لحربهم وليس المراد حتى يضربوا ويهجموا؛ لأن تلك الحالة يفوت على المسلمين تداركها، وهذا الحكم عام في الأشخاص لا محالة، وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأمكنة والأزمنة على رأي المحققين، أو هو مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع، ولهذا قال تعالى بعد ذلك: ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلونكم فيه ﴾ [البقرة: 191] تخصيصاً أو تقييداً ببعض البقاع.
فقوله: ﴿ ولا تعتدوا أي لا تبتدئوا بالقتال وقوله: إن الله لا يحب المعتدين ﴾ تحذير من الاعتداء؛ وذلك مسالمة للعدو واستبقاء لهم وإمهال حتى يجيئوا مؤمنين، وقيل: أراد ولا تعتدوا في القتال إن قاتلتم ففسر الاعتداء بوجوه كثيرة ترجع إلى تجاوز أحكام الحرب والاعتداء الابتداء بالظلم وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ﴾ آنفاً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في قِتالِ المُشْرِكِينَ، أُمِرَ المُسْلِمُونَ فِيها بِقِتالِ مَن قاتَلَهم مِنَ المُشْرِكِينَ، والكَفِّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِسُورَةِ بَراءَةٌ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّها ثابِتَةٌ في الحُكْمِ، أُمِرَ فِيها بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً، والِاعْتِداءِ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ: قَتْلُ النِّساءِ والوِلْدانِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، ومُجاهِدٍ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْتَدُوا ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الِاعْتِداءَ قِتالُ مَن لَمْ يُقاتِلْ.
والثّانِي: أنَّهُ قَتْلُ النِّساءِ والوِلْدانِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ القِتالُ عَلى غَيْرِ الدِّينِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ يَعْنِي حَيْثُ ظَفِرْتُمْ بِهِمْ، ﴿ وَأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ ﴾ يَعْنِي مِن مَكَّةَ.
﴿ والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ﴾ يَعْنِي بِالفِتْنَةِ الكُفْرَ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وإنَّما سُمِّيَ الكُفْرُ فِتْنَةً، لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ كالفِتْنَةِ.
﴿ وَلا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَهى عَنْ قِتالِ أهْلِ الحَرَمِ إلّا أنْ يَبْدَؤُوا بِالقِتالِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ نَبْدَأ بِقِتالِ أهْلِ الحَرَمِ إلّا أنْ يَبْدَؤُوا بِالقِتالِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج آدم بن أبي أياس في تفسيره وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾ قال: لأصحاب محمد أمروا بقتال الكفار.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تعتدوا ﴾ يقول: لا تقتلوا النساء والصبيان، ولا الشيخ الكبير، ولا من ألقى السلم وكف يده، فإن فعلتم فقد اعتديتم.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن عمر قال: «وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس قال: «كنا إذا استنفرنا نزلنا بظهر المدينة حتى يخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول انطلقوا بسم الله وفي سبيل الله تقاتلون أعداء الله، لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً صغيراً، ولا امرأة، ولا تغلوا» .
وأخرج وكيع وابن أبي شيبة عن يحيى بن يحيى الغساني قال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أسأله عن هذه الآية ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ﴾ فكتب إلي أن ذلك في النساء والذرية من لم ينصب لك الحرب منهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أي: في دين الله وطاعته (١) (٢) (٣) يقاتل من قاتله، ويكفُّ عمن كف عنه، حتى نزلت: ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِين ﴾ ، فنُسخت هذه الآية، وأُمِرَ بالقتال مع المشركين كافة.
ومعنى قوله: ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا ﴾ أي: لا تبدؤوهم ولا تعجلوهم بالقتال قبل تقديم الدعوة (٤) وقال ابن عباس (٥) (٦) فيها (٧) قالا (٨) ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا ﴾ أي: لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السَّلَم وكف يده، فإن فعلتم ذلك فقد اعتديتم (٩) وقال في رواية الكلبي: نزلت هذه الآيات في صلح الحديبية (١٠) لما انصرف من الحديبية إلى المدينة حين صَدَّه المشركون عن البيت صالحهم على أن يرجع عامه القابل، ويُخْلُوا له مكة ثلاثة أيام، فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله وأصحابه لعمرة القضاء (١١) قتالهم في الشهر الحرام، في الحرم، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ محرمين ﴿ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾ يعني: قريشا (١٢) ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا ﴾ ولا تظلموا، فتبدؤوا في الحرم بالقتال (١٣) (١) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 189، "الثعلبي" 2/ 398، "البغوي" 1/ 212.
(٢) رواه عنه الطبري 2/ 189، وذكره الثعلبي 2/ 398، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 257.
(٣) رواه عنه الطبري 2/ 189، وذكره النحاس في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 516، والثعلبي 2/ 398.
(٤) "تفسيرالثعلبي" 2/ 399.
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 190، وابن أبي حاتم 1/ 325، وذكره النحاس في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 516، والثعلبي 2/ 399.
(٦) رواه الطبري 2/ 190، وابن أبي حاتم 1/ 325.
(٧) ساقطة من (ش).
(٨) في (م): (قال).
(٩) روى الطبري في "تفسيره" 2/ 190 هذا القول أيضا عن عمر بن عبد العزيز ثم قال: وأولى هذين القولين بالصواب: القول الذي قاله عمر بن عبد العزيز؛ لأن دعوى المدعي نسخ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة، بغير دلالة على صحة دعواه: تحكمٌ، والتحكم لا يعجز عنه أحد.
(١٠) الحديبية: بالتخفيف والتشديد، قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التىِ بايع رسول الله تحتها، وهي على تسعة أميال من مكة، ويقال لها الآن: الشميسي، وصلح الحديبية كان في سنة لست من الهجرة حين منع المشركون رسول الله ومعه أصحابه وكانو 1400 وقيل: 1500، ثم تصالحوا== الصلح المعروف، ولم يقع فيه قتال، وفيه أنزل الله: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ ، ينظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 365 - 373، "طبقات ابن سعد" 2/ 95 - 105، "تاريخ الطبري" 3/ 71، "زاد المعاد" 3/ 386.
(١١) عمرة القضاء أو القضية كانت في ذي القعدة سنة سبع، وسميت بذلك قيل: لكونها قضاء للعمرة التي صدوا عنها، وقيل من المقاضاة، لأن رسول الله قاضى عليها المشركين.
ينظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 424،"زاد المعاد" 3/ 370.
(١٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 406، والحيري في "الكفاية" 1/ 134، والواحدي في "أسباب النزول" ص 57 - 58، والبغوي 1/ 213، وذكره ابن حجر في "العجاب" 1/ 465، ثم قال: الكلبي ضعيف لو انفرد، فكيف لو خالف، وقد خالفه الربيع بن أنس، وهو أولى بالقبول منه، فقال: إن هذه الآية أول آية في الإذن للمسلمين في قتال المشركين، وسياق الآيات يشهد لصحة قوله، فإن قوله تعالى عقيبهما: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، منسوخ بقوله تعالى: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، عند الأكثر، فوضح أنها سابقة، لكن سيأتي في سورة الحج عن أبي بكر الصديق: أول آية نزلت في الإذن في القتال: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ﴾ ، قلت: ويمكن الجمع، ولفظ الربيع قال: هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فكان رسول الله يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه، حتى نزلت براءة.
اهـ.
ولم يرتض ابن كثير 1/ 242 هذا فقال: وفي هذا نظر؛ لأن قوله: الذين يقاتلونكم إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم.
(١٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 399.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ كان القتال غير مباح في أوّل الإسلام، ثم أمر بقتال الكفار الذين يقاتلون المسلمين دون من لم يقاتل، وذلك مقتضى هذه الآية، ثم أمر بقتال جميع الكفار في قوله: ﴿ قَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً ﴾ [التوبة: 36] ﴿ واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم ﴾ فهذه الآية منسوخة، وقيل: إنها محكمة وأنّ المعنى: قالوا الرجال الذين هم بحال من يقاتلونكم، دون النساء والصبيان الذي لا يقاتلونكم، والأوّل أرجح وأشهر ﴿ وَلاَ تعتدوا ﴾ أي بقتال من لم يقاتلكم على القول الأول، وبقتال النساء والصبيان على القول الثاني ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ أي من مكة، لأن قريشاً أخرجوا منها المسلمين ﴿ والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل ﴾ أي فتنة المؤمن عن دينه أشدّ عليه من قتله، وقيل: كفر الكفار أشدّ من قتل المؤمنين لهم في الجهاد ﴿ عِنْدَ المسجد الحرام ﴾ منسوخ بقوله: حيث وجدتموهم، وهذا يقوّي نسخ الذين يقاتلونكم ﴿ فَإِنِ انتهوا ﴾ عن الكفر فأسلموا بدليل قوله: ﴿ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وإنما يغفر للكافر إذا أسلم ﴿ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ أي لا يبقى دين كفر ﴿ الشهر الحرام ﴾ الآية: نزلت لما صدّ الكفار النبي صلى الله عليه وسلم عن دخول مكة للعمرة، عام الحديبية في شهر ذي الحجة، فدخلها في العام الذي بعده في شهر ذي القعدة، أي: الشهر الحرام الذي دخلتم فيه مكة بالشهر الحرام الذي صددتم فيه عن دخولها ﴿ والحرمات قِصَاصٌ ﴾ أي حرمة الشهر والبلد حين دخلتموها قصاص بحرمة الشهر، والبلد حين صددتم عنها ﴿ فاعتدوا عَلَيْهِ ﴾ تسمية للعقوبة باسم الذنب، أي: قاتلوا من قاتلكم، ولا تبالوا بحرمة من صدّكم عن دخول مكة ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾ قال أبو أيوب الأنصاري: املعنى لا تشتغلوا بأموالكم عن الدهاد، وقيل: لا تتركوا النفقة في الجهاد خوف العيلة وقيل: لا تقنطوا من التوبة، وقيل: لا تقتحموا المهالك، والباء في بأيديكم زائدة، وقيل: التقدير؛ لا تلقوا أنفسكم بأيديكم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم ﴾ حمزة وعلي وخلف.
الباقون: من باب المفاعلة.
وقيل: إنه من جملة ما يكتب في المصحف بغير ألف كالرحمن.
الوقوف: ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ من القتل ﴾ ج للعارض بين الجملتين المتفقتين ﴿ فيه ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ فاقتلوهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الدين لله ﴾ ط لتبدل الحكم ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ قصاص ﴾ ط لأن الاعتداء خارج عن أصل الموجب وفرعه ﴿ ما اعتدى عليكم ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ التهلكة ﴾ ج لاختلاف المعنى أي لا تقتحموا في الحرب فوق ما يطاق ﴿ وأحسنوا ﴾ ج لاحتمال تقدير الفاء واللام ﴿ المحسنين ﴾ ه.
التفسير: لما أمر في الآية المتقدمة بالتقوى، أمر في هذه الآية بأشق أقسامها على النفس وهو المقاتلة في سبيل الله.
عن أبي موسى أن النبي سئل عمن يقاتل في سبيل الله فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ولا يقاتل رياء ولا سمعة" ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ الذين يناجزونكم القتال دون المحاجزين أعني الذين هم بصدد القتال بالفعل دون التاركين.
قيل: وعلى هذا يكون منسوخاً بقوله: ﴿ وقاتلوا المشركين كافة ﴾ ومنع بأن الأمر بقتال من يقاتل لا يدل على المنع من قتال من لا يقاتل.
وكذا ما روي عن الربيع بن أنس: هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فكان رسول الله يقاتل من قاتل ويكف عمن كف.
أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ والصبيان والرهبان والنساء أي المستعدين للقتال سوى من جنح للسلم، أو الكفرة كلهم لأنهم جميعاً مضادون للمسلمين قاصدون لمقاتلتهم مستحلون لها فهم في حكم المقاتلة قاتلوا أو لم يقاتلوا.
وقيل في سبب نزول الآية إنه خرج مع أصحابه لإرادة الحج، فلما نزل بالحديبية وهو موضع كثير الشجر والماء صدهم المشركون عن دخول البيت فأقام شهراً لا يقدر على ذلك، فصالحوه على أن يرجع ذلك العام ويعود إليهم في العام القابل ويتركوا له مكة ثلاثة أيام حتى يطوف وينحر الهدى ويفعل ما يشاء، فرضي بذلك وصالحهم عليه وعاد إلى المدينة.
وتجهز في السنة القابلة ثم خاف أصحابه من قريش أن لا يفوا بالوعد ويصدوهم عن المسجد الحرام وأن يقاتلوهم.
وكانوا كارهين لقتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم.
فأنزل الله هذه الآيات وبيّن له كيفية المقاتلة إن احتاجوا إليها فقال: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا ﴾ بابتداء القتال.
وإنما كان ذلك في أول الأمر لقلة المسلمين ولكون الصلاح في استعمال الرفق واللين، فلما قوي الإسلام وكثر الجمع وأقام من أقام منهم على الشرك بعد ظهور المعجزات وتكررها عليهم حصل اليأس من إسلامهم، فأمروا بالقتال على الإطلاق.
أو لا تعتدوا بقتال من نهيتم عن قتاله من غير المستعدين كالنساء والشيوخ والصبيان والذين بينكم وبينهم عهد، أو بالمثلة، أو المفاجأة من غير دعوة إلى الإسلام.
وهذه المعاني الثلاثة بإزاء التفاسير الثلاثة في ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ .
﴿ إن الله لا يحب المعتدين ﴾ المتجاوزين عما شرع الله لهم.
في الصحاح: ثقفته أي صادفته.
وفي الكشاف، الثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة، ومنه رجل ثقف أي سريع الأخذ لأقرانه قال: فـإمـا تثقفـونـي فـاقتلـونـي *** فمـن أثقـف فليـس إلـى خلـود أمر في الآية الأولى بالجهاد بشرط إقدام الكفار على القتال، وفي هذه الآية زاد في التكليف فأمر بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا.
واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام، وسمي حراماً لأنه ممنوع أن يفعل فيه ما منع من فعله وأصل الحرمة المنع ﴿ من حيث أخرجوكم ﴾ أي من الموضع الذي أخرجوكم وهو مكة، وقد فعل رسول الله بمن لم يسلم منهم يوم الفتح.
أو أخرجوهم من منازلهم كما أخرجوكم من منازلكم، وقد أجلى رسول الله المشركين من المدينة بل قال: " لا يجمع دينان في جزيرة العرب" والمراد بالإخراج تكليفهم الخروج قهراً أو تخويفهم وتشديد الأمر عليهم حتى اضطروا إلى الخروج ﴿ والفتنة ﴾ عن ابن عباس أنها الكفر بالله لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم والهرج وفيه الفتنة.
وأيضاً الكفر ذنب يستحق العقاب الدائم بالاتفاق والقتل ليس كذلك والكفر يخرج به صاحبه عن الأمة دون القتل.
روي أن صحابياً قتل رجلاً من الكفار في الشهر الحرام فعابه المؤمنون على ذلك فنزلت.
أن لا تستعظموا الإقدام على القتل في الشهر الحرام، فإن إقدام الكفار على الكفر في الشهر الحرام أعظم من ذلك.
وقيل الفتنة أصلها عرض الذهب على النار للخلاص من الغش، ثم صار اسماً لكل محنة.
والمعنى إن إقدام الكفار على تخويف المؤمنين وعلى تشديد الأمر عليهم حتى صاروا ملجئين إلى ترك الأهل والأوطان هرباً من إضلالهم في الدين وإبقاء على مهجهم وحرمهم، أشد من القتل الذي أوجبته عليكم جزاء عن تلك الفتنة لأنه يقتضي التخلص، من غموم الدنيا وآفاتها.
لقتل بحد السيف أهون موقعاً *** على النفس من قتل بحد فراق وقيل: الفتنة العذاب الدائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم، فكأنه قيل: اقتلوهم حيث ثقفتموهم، واعلموا أن وراء ذلك من عذاب الله ما هو أشد منه قال عز من قائل: ﴿ يوم هم على النار يفتنون ﴾ وقيل: فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام لأنه سعي في المنع عن الطاعة التي ما خلق الجن والإنس إلا لها، أشد من قتلكم إياهم في الحرم.
وقيل: ارتداد المؤمن أشد من أن يقتل محقاً.
فالمعنى وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ولو أتى ذلك على أنفسكم فإنكم إن قتلتم وأنتم على الحق كان ذلك أولى بكم من أن ترتدوا على أدباركم أو تتكاسلوا عن طاعة معبودكم.
يروى أن الأعمش قال لحمزة: أرأيت قراءتك إذا صار الرجل مقتولاً فبعد ذلك كيف يصير قاتلاً لغيره؟
فقال حمزة: إن العرب إذا قتل منهم رجل قالوا قتلنا، وإذا ضرب منهم واحد قالوا ضربنا، وذلك أن وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم.
﴿ فإن انتهوا ﴾ قيل: أي عن القتال لأن المقصود من الإذن في القتال منع المقاتلة عن ابن عباس.
وقيل: أي عن الشرك بدليل قوله: ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ الدال على أنه يغفر لهم ويرحهم والكافر لا ينال غفران الله ورحمته بترك القتال بل بترك الكفر، عن الحسن.
قلت: إن أريد بالقتال استحلالهم قتل المسلمين تلازم القولان، والانتهاء عن الكفر ظاهره التلفظ بكلمة الإسلام وأنه مؤثر في حقن الدم وعصمة المال، وباطنه هو التشبث بأركان الإسلام جميعاً ويؤثر في استحقاق الرحمة والغفران.
وقد يستدل بقوله: ﴿ والفتنة أشد من القتل ﴾ على أن التوبة عن قتل العمد بل من كل ذنب.
مقبولة لأن الشرك أعظم الذنوب، فإذا قبل الله توبة الكافر فقبول توبة القاتل أولى.
وأيضاً الكافر القاتل مقبول التوبة بالاتفاق إذا أسلم، فالقاتل غير الكافر أولى.
ويمكن أن يجاب بأن حق الله مبني على المساهلة فظهر الفرق.
وأيضاً الإيمان يجب ما قبله، فلا يلزم من عدم مؤاخذة الكافر بقتله إذا أسلم أن لا يؤاخذ المسلم بقتله، ولهذا يجب قضاء الصلوات الفائتة على المسلم إذا تاب عن ترك الصلاة، ولا يجب على الكافر إذا أسلم.
قوله : ﴿ وقاتلوهم ﴾ وقيل: إنه ناسخ لقوله: ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ﴾ وهو وهم لأن البداءة بالمقاتلة عند المسجد الحرام نفت حرمته.
غاية ما في الباب أن هذه الآية عامة وما قبلها مخصصة إياها وهذا جائز، فإن القرآن ليس على ترتيب النزول، ولو كان على الترتيب أيضاً فلا يضرنا لجواز نزول الخاص قبل العام عندنا وذلك أن الخاص قاطع في دلالته تقدم أو تأخر، والعام دلالته على ما يدل عليه الخاص غير مقطوع بها فلا بد من التخصيص جمعاً بينهما ﴿ حتى لا تكون فتنة ﴾ قيل: أي شرك وكفر.
وعلى هذا فالآية محمولة على الأغلب.
فإن قتالهم لا يزيل الكفر رأساً، وإنما الغالب الإزالة لأن من قتل منهم فقد زال كفره ومن لم يقتل كان خائفاً من الثبات على كفره.
والحاصل قاتلوهم حتى تكون كلمة الله هي العليا وهو المراد أيضاً من قوله: ﴿ ويكون الدين لله ﴾ أي ليس للشيطان فيه نصيب لوضوح شأنه وسطوع برهانه كما قال : ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ ولا يعبأ بالمخالف لقلة شوكته وسقوطه عن درجة الاعتداد به، أو محمولة على قصد إزالة الكفر فترتب هذا العزم على القتال كلي لا يتخلف عنه.
وقيل: فتنتهم أنهم كانوا يضربون أصحاب النبي ويؤذونهم حتى ذهب بعضهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة، أي قاتلوهم حتى تظهروا عليهم ولا يفتنوكم عن دينكم.
وعن أبي مسلم: معناه قاتلوهم حتى لا يكون منهم القتال الذي إذا بدأوا به كان فتنة على المؤمنين لما يخافون عنده من أنواع المضار.
ولا يخفى أن قوله: ﴿ ويكون الدين لله ﴾ يرجح القول الأول ليكون المعنى: وقاتلوهم حتى يزول الكفر ويظهر الإسلام ﴿ فإن انتهوا ﴾ عن الأمر الذي وجب قتالهم لأجله وهو إما الكفر أو القتال ﴿ فلا عدوان إلاّ على الظالمين ﴾ أي فلا تعدوا على المنتهين فيكون مجموع قوله ﴿ إلاّ على الظالمين ﴾ قائماً مقام على المنتهين.
لأن مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، فنهوا عنه بدليل انحصاره في غير المنتهين.
أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين.
وعلى الوجهين سمي جزاء الظلم ظلماً للمشاكلة كما يجيء في قوله : ﴿ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ أو أريد إنكم إن تعرضتم لهم بعد الانتهاء كنتم ظالمين فيتسلط عليكم من يعدو عليكم.
قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو القعدة سنة ست من الهجرة وصدّوهم عن البيت.
فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال وذاك في ذي القعدة سنة سبع ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام ﴾ أي هذا الشهر بذاك الشهر، وهتكه بهتكه.
فلما لم تمنعكم حرمته عن الكفر والأفعال القبيحة فكيف تمنعنا عن القتال معكم دفعاً لشروركم وإصلاحاً لفسادكم؟
والحرمة ما لا يحل انتهاكه، والقصاص المساواة أي وكل حرمة يجري فيها القصاص من هتك حرمة أيّ حرمة كانت، اقتص منه بأن يهتك له حرمة.
والحرمات الشهر الحرام والبيت الحرام والإحرام، فلما أضاعوا هذه الحرمات في سنة ست فقد وفقتكم حتى قضيتموها على رغمهم في سنة سبع، وإن أقدموا على مقاتلتكم فقد أذنت لكم في قتالهم فافعلوا بهم مثل ما فعلوا ولا تبالوا.
ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله ﴾ حين تنتصرون ممن اعتدى عليكم حتى لا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ بالنصر والتأييد والتقوية والتسديد، فإن الاستصحاب بالعلم أو بالمكان إن جاز شامل للمتقين وغيرهم.
قوله عز من قائل ﴿ وأنفقوا ﴾ وجه اتصاله بما قبله أنه لما أمر بالقتال وأنه يفتقر إلى العدد والعدد قد يكون ذو المال عاجزاً عن القتال، وقد يكون القوي على القتال عديم المال فلهذا أمر الله الأغنياء بالإنفاق في سبيله إعداداً للرجال وتجهيزاً للأبطال ويروى أنه لما نزل ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام ﴾ قال رجل من الحاضرين: والله يا رسول الله ما لنا زاد وليس أحد يطعمنا.
فأمر أن ينفقوا في سبيل الله وأن يتصدقوا وأن لا يكفوا أيديهم عن الصدقة ولو بشق تمرة ولو بمشقص يحمل في سبيل الله فيهلكوا فنزلت هذه الآية على وفق قول الرسول .
والإنفاق صرف المال في وجوه المصالح.
فلا يقال للمضيع: إنه منفق وإنما يقال: مبذر.
وسبيل الله دينه فيشمل الإنفاق فيه الإنفاق في الحج والعمرة والجهاد والتجهيز والإنفاق في صلة الرحم وفي الصدقات أو على العيال أو في الزكاة والكفارات أو في عمارة بقاع الخير وغير ذلك.
الأقرب في هذه الآية.
وقد تقدم ذكر القتال.
أن يراد به الإنفاق في الجهاد، ولكنه عبر عنه بقوله ﴿ في سبيل الله ﴾ ليكون كالتنبيه على السبب في وجوب هذا الإنفاق.
فالمال مال الله فيجب إنفاقه في سبيل الله، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز نفسه ونشط وهان عليه ما دعي إليه.
والباء في ﴿ بأيديكم ﴾ مزيدة مثلها في "أعطى بيده للمنقاد" والمعنى: ولا تقبضوا التهلكة أيديكم أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم.
وقيل: الأيدي الأنفس كقوله: ﴿ فبما كسبت أيديكم ﴾ ﴿ بما قدمت يداك ﴾ أي لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة.
وقيل: بل ههنا حذف أي لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة كما يقال "أهلك فلان نفسه بيده" إذا تسبب لهلاكها.
عن أبي عبيدة والزجاج: إن التهلكة والهلاك والهلك واحد.
لم يوجد مصدر على تفعلة بضم العين سوى هذا، إلا ما حكاه سيبويه من قولهم "التضرة" "والتسرة" ونحوها في الأعيان "التنضبة" لشجر و "التتفلة" لولد الثعلب.
ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة بالكسر كالتجربة والتبصرة على أنها مصدر من هلك مشدد العين، فأبدلت من الكسرة ضمة كما جاء الجوار في الجوار.
وليس الغرض من هذا التكلف على ما ظن تصحيح لفظ القرآن كيلا تنخرم فصاحته فإنه أجل من أن يحتاج في تصحيحه إلى الاستشهاد بكلام الفصحاء من البشر، وكيف لا وهو حجة على غيره وليس لغيره أن يكون حجة عليه.
وإنما الغرض الضبط والتسهيل ما أمكن فتنبه.
وللمفسرين في هذا الإلقاء خلاف فمنهم من قال إنه راجع إلى الإنفاق.
وروى البخاري في صحيحه عن حذيفة قال: نزلت هذه الآية في النفقة.
وذلك أن لا ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم فيستولي العدو عليهم ويهلكهم، أو ينفقوا كل مالهم فيحتاجوا ويجتاحوا فيكون نهياً عن التقتير والإسراف وعنهما جميعاً ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ﴾ أو المعنى: أنفقوا في سبيل الله ولا تقولوا إن أنفقنا نهلك ذلاً وفقراً.
نهوا عن أن يحكموا على أنفسهم بالهلاك للإنفاق، أو أنفقوا ولا تلقوا ذلك الإنفاق في التهلكة والإحباط منا أو أذى أو رياء وسمعة مثل ﴿ ولا تبطلوا أعمالكم ﴾ ومنهم من قال: إنه راجع إلى غير الإنفاق أي لا تخلوا بالجهاد فتتعرضوا للهلاك الذي هو سخط الله وعذاب النار، أو لا تقحموا في الحرب حيث لا ترجون النفع ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل كما روي عن البراء بن عازب أنه قال في هذه الآية: هو الرجل يستقتل بين الصفين.
وإنما يجب أن يتقحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل.
" روى الشافعي أن رسول الله ذكر الجنة فقال له رجل من الأنصار: أرأيت يا رسول الله إن قُتلتُ صابراً محتسباً؟
قال: لك الجنة" .
فانغمس في جماعة العدو فقتلوه.
وأن رجلاً من الأنصار ألقى درعاً كان عليه حين ذكر النبي الجنة.
ثم انغمس في العدو فقتلوه بين يدي الرسول.
وروي أن رجلاً من الأنصار تخلف من أصحاب بئر معونة فرأى الطير عكوفاً على من قتل من أصحابه.
فقال لبعض من معه: سأتقدم إلى العدو فيقتلونني ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي ففعل ذلك.
فذكروا للنبي فقال فيه قولاً حسناً.
وروى أسلم أبو عمران قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا لنا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة!
فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: أيها الناس، إنكم تؤوّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار.
لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سراً دون النبي : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه.
فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها.
فأنزل الله على نبيه يرد علينا ما قلنا، فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم.
وقيل: إن الآية من تمام ما قبلها أي إن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فإن الحرمات قصاص، ولا تحملنكم حرمة الشهر على أن تستسلموا لمن قاتلكم فتهلكوا بترككم القتال.
وعن النعمان بن بشير: كان الرجل يذنب فيقول: لا يغفر لي فأنزل الله هذه الآية.
وذلك أنه يرى أنه لا ينفعه معه عمل فيترك العبودية ويصر على الذنب فنهى عن القنوط من رحمة الله ﴿ وأحسنوا ﴾ في الإنفاق بأن يكون مقروناً بطلاقة الوجه أو على قضية العدالة بين التقتير والإسراف أو في فرائض الله عن الحسن ﴿ إن الله يحب المحسنين ﴾ إذ الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
وهذا مقام القرب، والقرب يقتضي الإرادة الذاتية وهذا رمز والله ولي كل خير.
التأويل: ﴿ وقاتلوا ﴾ من يمنعكم عن السير في سبيل الله أو أراد أن يقطع عليكم طريقة من شياطين الإنس والجن حتى نفوسكم التي هي أعدى عدوكم ﴿ ولا تعتدوا ﴾ لا تتجاوزوا عن حد الشرع فتجاهدوا بالطبع، ولكن كونوا ثابتين على قدم الاستقامة بقدر الاستطاعة من غير إفراط وتفريط، ﴿ واقتلوا ﴾ كفار النفس بسيف الرياضة حيث ظفرتم بهم، ومجاهدتها مخالفة هواها.
﴿ وأخرجوهم ﴾ من صفات النفس ﴿ كما أخرجوكم ﴾ من جمعية القلب وحضوره ﴿ والفتنة ﴾ أي المحنة التي ترد على القلب من طوارق صفات النفس الحاجبة عن الله ﴿ أشد من ﴾ قتل النفس بمخالفة هواها ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ﴾ لا تلتفتوا إلى النفس وصفاتها إذا كنتم آمنين مطمئنين في مقامات القلب والروح حتى يزاحموكم في الحضور وداعية الهوى؛ فإن نازعوكم في الجمعية والحضور ﴿ فاقتلوهم ﴾ بسيف الصدق واقطعوا مادة تلك الدواعي عن نفوسكم بكل ما أمكن لئلا يبقى لكم علاقة تصدكم عن الله ﴿ فإن انتهوا ﴾ بأن قنعت بما لا بد لها فلا تغلوا في مجاهدتها.
﴿ الشهر الحرام ﴾ أي ما يفوتكم من الأوقات والأوراد بتواني النفس ونزاعها وغلبات صفاتها فتداركوه الشهر بالشهر واليوم باليوم ﴿ فمن اعتدى ﴾ فكل صفة غلبت واستولت فعالجوها بضدها البخل بالسخاء، والغضب بالحلم، والحرص بالزهد، والشهوة بالعفة، ﴿ واتقوا الله ﴾ في الإفراط والتفريط ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ بالتفريط في الحقوق والإفراط في الحظوظ أو بموافقة النفوس ومخالفة النصوص، أو بالركوب إلى الفتور بالحسبان والغرور والله المستعان على ما يصفون.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ﴾ .
يحتمل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ ، أي: سألوك عن الأهلة.
ويحتمل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ \[أنهم يسألونك\] من بعد، فإن كان على هذا ففيه دليل رسالته؛ لأنه كان كما أخبر من السؤال له.
ثم معنى السؤال عن الأهلة - والله أعلم - هو أنهم لما رأوا الشمس تطلع دائماً على حالة واحدة، ورأوا القمر مختلف الأحوال من الزيادة والنقصان فحملهم ذلك على السؤال عن حال القمر، فأخبر - عز وجل - أنه جعل الهلال معرفاً للخلق الأوقات والآجال والمدد ومعرفة وقت الحج؛ لأنه لو جعل معرفة ذلك بالأيام لاشتد حساب ذلك عليهم، ولتعذر معرفة السنين والأوقات بالأيام.
فجعل - عز وجل - بلطفه وبرحمته، الأهلة ليعرفوا بذلك الأوقات والآجال، ويعرفوا وقت الحج، ووقت الزكاة؛ طلباً للتخفيف والتيسير عليهم.
ثم قال: ﴿ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ﴾ ، جعل الأهلة كلها وقتاً للحج.
ولهذا قال أصحابنا: إنه يجوز الإحرام في الأوقات كلها، على ما يجوز بقاء الإحرام في الأوقات كلها.
وأما أفعال الحج: فإنها لا تجوز إلا في وقت فعل الحج، وهو قوله: ﴿ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾ ، فإنما هي على أفعال فيه، دليله قوله: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ ﴾ ، ولا تفرض من الحج في غير الإحرام؛ دل أنه عنى به أفعال الحج، وقد جاء: أنه سمى الإحرام على الانفراد حجّاً، وسمى الطواف بالبيت حجّاً، والوقوف حجّاً، وقال: "الحج عرفة" وسمى الذبح حجّاً، حيث قال: "أفضل الحج العج والثج" .
وإنما سمى كلاًّ منها حجّاً؛ لما جعل لها أوقاتاً معلومة يؤدى فيها.
وأما الإحرام فإنه جعل الأشهر كلها وقتاً له بقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا ﴾ .
لا معنى لعطف هذا على الأول إلا على إضمار السؤال، كأنهم سألوه عن الأهلة وعن إتيان البيوت من ظهورها، فأخبر: أن ليس البر في إتيان البيوت من ظهورها.
﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .
ثم اختلف في القصة هذا الكلام: قال بعضهم: إن بعض العرب إذا أحرم أحدهم لم يدخل بيته من بابه، ولكن يدخل من ظهر البيت؛ مخافة تغطية الرأس إذا دخل من بابه.
وقيل: إن بعض العرب إذا خرج أحدهم لحاجة ولم يقض حاجته، فرجع لم يدخل البيت من بابه، ولكن يدخل من وراء ظهره، يكره دخول بيت غير منجح - يتطيرون به - ويتفاءلون قضاءها ثانياً.
فقال الله عز وجل: ﴿ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ ﴾ فما تصنعون ، ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ ، واتبع أمر الله، وانتهى عما نهى عنه، ويأتي ﴿ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ﴾ .
ويحتمل: أن يكون على التمثيل والرمز، ليس على التحقيق؛ كقوله: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ ، وكقوله: ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ ، فهو ليس على حقيقة الطرح وراء الظهر، ولكن كانوا لا يسمعون كلام الله ولا يعبئون به.
وكذلك كلام رسول الله : لا يسمعونه ولا يكترثون إليه، فأخبر أنه كالمنبوذ والمطروح وراء الظهر لما لم يعملوا به؛ فعلى ذلك الأول، أخبر أنه ﴿ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ ﴾ في ترك اتباع محمد والائتمار بأمره، أي: ليس فعلى البر مخالفة محمد [فيما يأمر]، ولكن البر فب الاتباع له والائتمار بأمره.
وقال القرامطة: إن المراد من الأبواب هو علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، والبيوت بيوت رسول الله .
أمروا بإتيان رسول الله من عند علي، رضي الله عنه، على ما جاء أنه قال: "أنا مدينة العلم وعلي بابها".
فمن أراد الدخول في البيت، لا بد من أن يأتي الباب فيدخل من الباب.
لكن الجواب لقولهم على قدر ما تأولوا - أنه ذكر البيوت، وذكر الأبواب أيضاً والبيوت كثيرة، والأبواب كذلك أيضاً، فعليٌّ وغيره من الصحابة من نحو أبي بكر، وعمر، وعثمان، رضوان الله عليهم أجمعين، فيه شرع سواء؛ ألا ترى أنه قال: "أنا مدينة الحكمة"، والمدينة لا يعرف لها باب واحد، بل يكون لها أبواب؛ فدل أن تأويلهم في علي، رضي الله عنه، خاصة، لا يصح.
وبالله العصمة.
وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
أي: اتقوا الله ولا تعصوه، ولا تتركوا أمره، وانتهوا عن مناهيه.
وقوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ ﴾ .
﴿ سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ : دينه وطاعته، أي: في إظهار دينه.
قيل: هي أول آية نزلت في الأمر بالقتال.
وقيل: أول آية نزلت في الأمر بالقتال قوله: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ ﴾ .
ويحتمل: أنه أخبر كأنهم نهوا أولاً ثم أذن لهم فقاتلوا فأنكر عليهم، فأنزل الله أنه أذن لهم إخباراً.
فلا يدري أيتهما أول، ولكن فيه الأمر بالقتال، والنهي عن الاعتداء هاهنا: قيل: هو نهي عن قتل الذراري والنساء والشيخ الفاني، على ما جاء أنه بعث سرية أوصى لهم ألا يقتلوا وليداً ولا شيخاً.
وقيل: نهاهم أن يقتلوهم في الشهر الحرام إلا أن يبدأهم المشركون بالقتال.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ .
أي أنه لا يحب الاعتداء، لم يحب من اعتدى.
وقوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم ﴾ .
قيل: لفظ ﴿ حَيْثُ ﴾ يعبر عن المكان؛ ففيه إذن بقتلهم في جميع الأمكنة، وفي تعميم الأمكنة تعميم الأوقات، فهو على عموم المكان إلا فيما استثنى من المسجد الحرام مطلقاً.
وأما قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ ﴾ ، فالاستثناء فيه مقيد، فلا يخرج عن ذلك العام.
والله أعلم.
ثم منهم من جعل لهم القتال في الحرم وفي أشهر الحج بظاهر هذه الآية.
ومنهم من قال: لا يقتل فيهما جميعاً.
وقال أصحابنا - رحمهم الله : يقتل في الشهر الحرام، ولا يقتل في الحرم إلا أن يبدأهم بالقتال، فحينئذ يقتلهم.
وكذلك يقولون فيمن قتل آخر ثم التجأ إلى الحرم: لم يقتل فيه، ولكن لا يؤاكل ولا يشارب ولا يجالس حتى يضطر فيخرج، فيقتل.
وإذا قتل في الحرم يقتل.
فعلى ذلك لا يقاتل في الحرم إلا أن يبدأهم بالقتال، فعند ذلك يحل القتل.
وإنما لم يحل القتال في الحرم إلا أن يبدءوهم به، وإن كان ظاهر قوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم ﴾ يبيح القتل في الأمكنة كلها، بقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ﴾ ، استثنى الحرم دون غيره من الأماكن.
وأما قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ ظاهر هذه الآية يحرم القتال في أشهر الحج، لكن فيه دليل حل القتال بقوله: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ﴾ ، يعني بالفتنة الشرك، جعل القتل فيه كبيراً، ثم أخبر أن الشرك فيه أكبر وأعظم من القتل.
فالأصل عندنا: أن الابتلاء إذا كان من وجهين يختار الأيسر منهما والأخف؛ فلذلك قلنا: إنه يختار القتل في الحرم على بقاء الفتنة - وهو الشرك - إذ هو أكبر وأعظم.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ .
يحتمل: ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ ﴾ من مكة كما ﴿ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ عام الحديبية.
ويحتمل: أن أمرهم بأن يضيقوا عليهم ويضطروهم إلى الخروج كما فعل أهل مكة بهم.
ويحتمل: الإخراج على ما جاء: "ألا لا يحجن مشرك بعد عامي هذا" ويحتمل: أن يمنعوهم عن الدخول فيه؛ كقوله : ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ ، وكقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ ، المنع عن الشرك إخراجاً.
وقوله: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ﴾ .
أي: الشرك أعظم جرماً عند الله من القتل فيه.
وقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ .
كما ذكرنا أن هذا وقوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ ، كله يخرج على المجازاة لهم.
وفيه لغة أخرى: "ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه".
فإذا قتلونا لا سبيل لنا أن نقتلهم، فما معنى هذا؟
قيل: يحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ ﴾ ، أي: إذا قتلوا واحداً منكم فحينئذ تقتلونهم، أو لا تقتلونهم حتى يبدءوا هم بالقتل، أو أن يقول: لا تقتلوهم حتى يقتلوا بعضكم، فإذا فعلوا ذلك فحينئذ تقتلونهم.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
أي هكذا جزاء من لم يقبل نعم الله، ولم يستقبلها بالشكر.
ويحتمل: كذلك جزاء من بدأ بالقتال في الحرم أن يقتل.
وقوله: ﴿ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ ﴾ عن الشرك، وأسلموا يتغمدهم الله برحمته.
ويحتمل: ﴿ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ ﴾ عن بدء القتال، وأسلموا، فإن الله يرحمهم ويغفر ذنوبهم.
وقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ ﴾ .
أنه أمرنا بالقتال مع الكفرة ليسلموا.
فإن قيل: أيش الحكمة في قتل الكفرة، وهو في الظاهر غير مستحسن في العقل؟
قيل: إنا نقاتلهم ليسلموا، ولا نقتلهم إلا أن يأبوا الإسلام، فإذا أبوا ذلك ثم لم نقتلهم لا يسلمون أبداً؛ لذلك قتلناهم، إذ في القتل ذهاب الفتنة.
ويحتمل: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ ، على وجه الأرض، أي تطهر من الشرك.
وقال قوم: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ ﴾ هاهنا العذاب، أي: قاتلوا حتى لا يقدروا عليه كفار.
وقوله: ﴿ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ ﴾ .
أي: ليكون ﴿ ٱلدِّينُ ﴾ دين الله في الأرض لا الشرك.
و ﴿ ٱلدِّينُ ﴾ : الحكم.
وقوله: ﴿ فَإِنِ ٱنْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
فإن قيل: فإذا صار الدين كله لله، فلا ظالم هنالك، فما معنى هذا الكلام؟
قيل: يحتمل: أن لا عدوان إلا على الظالم الذي أحدث الظلم من بعد.
ويحتمل: أن لا عدوان إلا على من بقي منهم مع الظلم.
فإن قيل: فلم سمي عدواناً، والعدوان هو ما لا يحل؟
قيل: لأنه جزاء العدوان، وإن لم يكن هو في الحقيقة عدواناً، فسمي باسمه كما سمى جزاء السيئة سيئة وإن لم يكن هو سيئة في الحقيقة؛ كقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ ، وكما سمى جزاء الاعتداء اعتداء وإن لم يكن هو في الحقيقة اعتداء؛ فكذلك الأول.
وقوله: ﴿ ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾ .
قيل: خرج النبي في الشهر الحرام يريد مكة فصده المشركون عن دخولها، فجاء من عام قابل في الشهر الحرام فدخلها وأقام ثلاثاً، وقضى عمرته التي فاتته في العام الأول، فسميت عمرة القضاء، فذلك تأويل قوله: ﴿ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾ ، هذه الثانية صارت قصاصاً بالأول.
وقيل: إن [في] الجاهلية كانوا يعظمون الشهر الحرام، ولا يقاتلون فيه، فلما أن ظهر الإسلام عظمه أهل الإسلام أيضاً، ولم يقاتلوا فيه، حتى جعل الكفار يغيرون على أهل الإسلام ويستنصرون عليهم، حتى نسخ ذلك وأمروا بالقتال فيه بقوله: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ ﴾ ، كأنه قال: ما هتكتم من حرمة الشهر قصاص لما هتكوا.
وقوله: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ .
قد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
يحتمل: ﴿ وَٱتَّقُواْ ﴾ مخالفة الله.
أو: ﴿ وَٱتَّقُواْ ﴾ عذاب الله.
وقوله: ﴿ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .
يعني: مع المؤمنين جملة.
ويحتمل: ﴿ وَٱتَّقُواْ ﴾ القتال في الحرم قبل أن يبدءوا هم، فـ ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ في النصر والمعونة لهم.
وقوله: ﴿ وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: [أمر بالإنفاق ترتيباً] على الخروج إلى الجهاد، وإلا فكلٌّ منفق على نفسه بما يعلم حاجته إليه، ولا يلقي نفسه في الهلاك من حيث منع الإنفاق.
وقيل: في قوله : ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ﴾ ، هو أن يذنب ذنباً ثم ييأس عن العفو عنه.
وقيل: ﴿ وَأَنْفِقُواْ ﴾ أي: لا تضنوا بالإنفاق مخافة الفوت في الوقت الثاني؛ فإنه يخلف لكم ما أنفقتم.
وقيل: ﴿ وَأَنْفِقُواْ ﴾ أي: أعينوا أصحابكم، ولا تلقوهم إلى التهلكة بترك المعونة لهم بالإنفاق والتجهيز لهم.
وقيل: ﴿ وَأَنْفِقُواْ ﴾ أي: تصدقوا، فإن فيه حياة أبدانكم وأنفسكم.
وقوله: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ .
قيل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ إلى أصحابكم بالإعانة والتصدق.
وقيل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ الظن بالله في الإنفاق.
وقيل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ الظن بربكم في الخروج إلى الغزو.
ويحتمل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ أي أسلموا.
وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ يعني: المؤمنين.
<div class="verse-tafsir"
وقاتلوا -ابتغاء رفع كلمة الله- الذين يقاتلونكم من الكفار ليصدوكم عن دين الله، ولا تتجاوزوا حدود الله بقتل الصبيان والنساء والشيوخ، أو بالتمثيل بالقتلى ونحو ذلك، إن الله لا يحب المتجاوزين لحدوده فيما شرع وحكم.
من فوائد الآيات مشروعية الاعتكاف، وهو لزوم المسجد للعبادة؛ ولهذا يُنهى عن كل ما يعارض مقصود الاعتكاف، ومنه مباشرة المرأة.
النهي عن أكل أموال الناس بالباطل، وتحريم كل الوسائل والأساليب التي تقود لذلك، ومنها الرشوة.
تحريم الاعتداء والنهي عنه؛ لأن هذا الدين قائم على العدل والإحسان.
<div class="verse-tafsir" id="91.MMR9X"
وردت هذه الآيات في الإذن بالقتال للمحرمين في الأشهر الحرم إذا فوجئوا بالقتال بغيًا وعدوانًا.
فهي متصلة بما قبلها أتم الاتصال لأن الآية السابقة بينت أن الأهلة مواقيت للناس في عباداتهم ومعاملاتهم عامة وفي الحج خاصة، وهو في أشهر هلالية مخصوصة كان القتال فيها محرمًا في الجاهلية.
وأخرج الواحدي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله صُدَّ عن البيت ثم صالحه المشركون فرضى على أن يرجع عامه القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام يطوف ويفعل ما يشاء، فلما كان العام القابل تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي لهم قريش وأن يصدوهم عن المسجد الحرام بالقوة ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الحرم والشهر الحرام، فأنزل الله تعالى ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾ يقول أيها المؤمنون الذين تخافون أن يمنعكم مشركو مكة عن زيارة بيت الله والاعتمار فيه نكثًا منهم للعهد وفتنة لكم في الدين، وتكرهون أن تدافعوا عن أنفسكم بقتالهم في الإحرام والشهر الحرام، إنني أذنت لكم في القتال على أنه دفاع في سبيل الله للتمكن من عبادته في بيته، وتربية لمن يفتنكم عن دينكم وينكث عهدكم، لا لحظوظ النفس وأهوائها، والضراوة بحب التسافك، فقاتلوا في هذه السبيل الشريفة من يقاتلكم ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا ﴾ بالقتال فتبدأوهم -ولا في القتال فتقتلوا من لا يقاتل كالنساء والصبيان والشيوخ والمرضى أو من ألقى إليكم السلم وكف عن حربكم- ولا بغير ذلك من أنواع الاعتداء كالتخريب وقطع الأشجار، وقد قالوا إن الفعل المنفي يفيد العموم.
علل الإذن بأن مدافعة في سبيل الله وسيأتي تفصيله في الآية التالية، وعلل النهي بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ أي أن الاعتداء من السيئات المكروهة عند الله تعالى لذاتها فكيف إذا كان في حال الإحرام، وفي أرض الحرم والشهر الحرام؟
ثم قال: ﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ أي إذا نشب القتال فاقتلوهم أينما أدركتموهم وصادفتموهم، ولا يصدنكم عنهم أنكم في أرض الحرام إلا ما يستثنى في الآية بشرطه ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ أي من المكان الذي أخرجوكم منه وهو مكة فقد كان المشركون أخرجوا النبي وأصحابه المهاجرين منها بما كانوا يفتنونهم في دينهم، ثم صدوهم عن دخولها لأجل العبادة، فرضي النبي والمؤمنون على شرط أن يسمحوا لهم في العام القابل بدخولها لأجل النسك والإقامة فيها ثلاثة أيام كما تقدم، فلم يكن من المشركين إلا أن نقضوا العهد أليس من رحمة الله تعالى بعباده أن يقوي هؤلاء المؤمنين ويأذن لهم بأن يعودوا إلى وطنهم ناسكين مسالمين، وأن يقاوموا من يصدهم عنه من أولئك المشركين الخائنين؟
وهل يصح أن يقال فيهم إنهم أقاموا دينهم بالسيف والقوة دون الإرشاد والدعوة؟
كلا لا يقول هذا إلا غر جاهل، أو عدو متجاهل.
ثم زاد التعليل بيانًا فقال ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ أي أن فتنتهم إياكم في الحرم عن دينكم بالإيذاء والتعذيب، والإخراج من الوطن، والمصادرة في المال، أشد قبحًا من القتل، إذ لا بلاء على الإنسان أشد من إيذائه واضطهاده وتعذيبه على اعتقاده الذي تمكن من عقله ونفسه، ورآه سعادة له في عاقبة أمره.
والفتنة في الأصل مصدر فتن الصائغ الذهب والفضة إذا أذابهما بالنار ليستخرج الزَّغل منهما، ويسمى الحجر الذي يختبرهما به أيضًا فتانة (كجبانة) ثم استعملت الفتنة في كل اختبار شاق، وأشده الفتنة في الدين وعن الدين ومنه قوله تعالى ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ وغير ذلك من الآيات.
وما تقرر في هذه الآيات على هذا الوجه مطابق لقوله تعالى في سورة الحج ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ﴾ الآيات.
وهي أول ما نزل من القرآن في شرع القتال معللًا بسببه مقيدًا بشروطه العادلة.
وفسر بعضهم الفتنة هنا وفي الآية الآتية بالشرك وجرى عليه "الجلال" وهو مردود لأنه يخرج الآيات عن سياقها، وذكره البيضاوي هنا بصيغة التضعيف (قيل).
ومردود قولهم أيضًا إن هذه الآية ناسخة لما قبلها، وذلك أنه كبر على هؤلاء القائلين بالنسخ أن يكون الإذن بالقتال مشروطًا باعتداء المشركين، ولأجل أمن المؤمنين في الدين فأرادوا أن يجعلوه مطلوبًا لذاته.
ونحن نرى أن هذه الآيات نزلت مرة واحدة في نسق واحد وقصة واحدة فلا معنى لكون بعضها ناسخًا للآخر، وأما ما يؤخذ من العمومات فيها بحكم أن القرآن شرع ثابت عام فذلك شيء آخر.
ثم استثنى من الأمر بقتل هؤلاء المحاربين في كل مكان أدركوا فيه المسجد الحرام فقال ﴿ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ﴾ أي أن من دخل منهم المسجد الحرام يكون آمنًا إلا أن يقاتل هو فيه وينتهك حرمته فلا أمان له حينئذٍ.
ولما كان القتل في المسجد الحرام أمرًا عظيمًا يتحرج منه أكد الإذن فيه بشرطه ولم يكتف بما فهم من الغاية فقال ﴿ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ﴾ ولا تستسلموا لهم، فالبادئ هو الظالم، والمدافع غير آثم ﴿ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾ أي إن من سنة اله تعالى أن يجازي الكافرين مثل هذا الجزاء فيعذبهم في مقابلة تعرضهم للعذاب بتعدي حدوده فيكونوا هم الظالمين لأنفسهم.
وقرأ حمزة والكسائي: ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم، فإن قتلوكم فاقتلوهم.
من قتل الثلاثي ويخرج على أن قتل بعض الأمة كقتل جميعها لتكافلها.
والمراد حتى لا يقتلوا أحدًا منكم فإن قتلوا أحدًا فاقتلوهم وهو أسلوب عربي بليغ.
ثم قال: ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا ﴾ عن القتال فكفوا عنهم، أو عن الكفر فإن الله يقبل منهم ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يمحو عن العبد ما سلف إذا هو تاب عما اقترف، ويرحمه فيما بقى إذا هو أحسن وأتقى، ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ .
﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ عطف على ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ ﴾ في الآية الأولى فتلك بينت بداية القتال، وهذه بينت غايته وهي ألا يوجد شيء من الفتنة في الدين، أي حتى لا تكون لهم قوة يفتنوكم بها ويؤذونكم لأجل الدين ويمنعونكم من إظهاره أو الدعوة إليه ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ وفي آية سورة الأنفال ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ أي يكون دين كل شخص خالصًا لله لا أثر لخشية غيره فيه، فلا يفتن لصده عنه ولا يؤذي فيه، ولا يحتاج فيه إلى الدهان والمداراة، أو الاستخفاء أو المحاباة، وقد كانت مكة إلى هذا العهد قرار الشرك، والكعبة مستودع الأصنام، فالمشرك فيها حر في ضلالته، والمؤمن مغلوب على هدايته، قال ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا ﴾ أي في هذه المرة عما كانوا عليه ﴿ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ أي فلا عدوان عليهم لأن العدوان إنما يكون على الظالمين تأديبًا لهم ليرجعوا عن ظلمهم، ففي الكلام إيجاز بالحذف واستغناء عن المحذوف بالتعليل الدال عليه، ويجوز أن يكون المعنى فإن انتهوا عما كانوا عليه من القتال والفتنة فلا عدوان بعد ذلك إلا على من كان منهم ظالمًا بارتكابه ما يوجب القصاص.
أي فلا يُحَاربَون عامة وإنما يؤخذ المجرم بجريمته، ثم زاد تعليل الإذن بالقتال بيانًا ببنائه على قاعدة عادلة معقوله فقال تعالى: <div class="verse-tafsir"