الآية ٢٦٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٦٨ من سورة البقرة

ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةًۭ مِّنْهُ وَفَضْلًۭا ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ ٢٦٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 105 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٦٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٦٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا هناد بن السري ، حدثنا أبو الأحوص ، عن عطاء بن السائب ، عن مرة الهمداني ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن للشيطان للمة بابن آدم ، وللملك لمة ، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق .

فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ، فليحمد الله ، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان " .

ثم قرأ : ( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ) الآية .

وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما جميعا ، عن هناد بن السري .

وأخرجه ابن حبان في صحيحه ، عن أبي يعلى الموصلي ، عن هناد ، به .

وقال الترمذي : حسن غريب ، وهو حديث أبي الأحوص يعني سلام بن سليم لا نعرفه مرفوعا إلا من حديثه .

كذا قال .

وقد رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره ، عن محمد بن أحمد ، عن محمد بن عبد الله بن رسته ، عن هارون الفروي ، عن أبي ضمرة عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن مسعود ، مرفوعا نحوه .

ولكن رواه مسعر ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة ، عن ابن مسعود .

فجعله من قوله ، والله أعلم .

ومعنى قوله تعالى : ( الشيطان يعدكم الفقر ) أي : يخوفكم الفقر ، لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله ، ( ويأمركم بالفحشاء ) أي : مع نهيه إياكم عن الإنفاق خشية الإملاق ، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخلاق ، قال [ الله ] تعالى : ( والله يعدكم مغفرة منه ) أي : في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء ) وفضلا ) أي : في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر ) والله واسع عليم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: " الشيطان يعدكم "، أيها الناس- بالصدقة وأدائكم الزكاة الواجبة عليكم في أموالكم (85) - أن تفتقروا=" ويأمركم بالفحشاء "، يعني: ويأمركم بمعاصي الله عز وجل، وترك طاعته= (86) " والله يعدكم مغفرة منه " (87) يعني أن الله عز وجل يعدكم أيها المؤمنون، أن يستر عليكم فحشاءكم، بصفحه لكم عن عقوبتكم عليها، فيغفر لكم ذنوبكم بالصدقة التي تتصدقون=" وفضلا " يعني: ويعدكم أن يخلف عليكم من صدقتكم، فيتفضل عليكم من عطاياه ويسبغ عليكم في أرزاقكم.

(88) .

كما:- 6168 - حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اثنان من الله، واثنان من الشيطان: " الشيطان يعدكم الفقر "، يقول: لا تنفق مالك، وأمسكه عليك، فإنك تحتاج إليه= ويأمركم بالفحشاء " والله يعدكم مغفرة منه "، على هذه المعاصي=" وفضلا " في الرزق.

6169 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا "، يقول: مغفرة لفحشائكم، وفضلا لفقركم.

6170 - حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، &; 5-572 &; عن مرة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن للشيطان لمة من ابن آدم، وللملك لمة: فأما لمة الشيطان، فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق.

وأما لمة الملك، فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق.

فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله وليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان، ثم قرأ: " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ".

(89) &; 5-573 &; 6171 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير بن سليمان، قال: حدثنا عمرو، عن عطاء بن السائب، عن مرة، عن عبد الله، قال: إن للإنسان من الملك لمة، ومن الشيطان لمة.

فاللمة من الملك إيعاد بالخير، وتصديق بالحق، واللمة من الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق.

وتلا عبد الله: " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا "= قال عمرو: وسمعنا في هذا الحديث أنه كان يقال: إذا أحس أحدكم من لمة الملك شيئا فليحمد الله، وليسأله من فضله، وإذا أحس من لمة الشيطان شيئا، فليستغفر الله وليتعوذ من الشيطان.

(90) .

6172 - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي الأحوص= أو عن مرة= قال: قال عبد الله: ألا إن للملك لمة وللشيطان لمة.

فلمة الملك: إيعاد بالخير وتصديق بالحق، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وذلكم بأن الله يقول: (91) .

" الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم "، فإذا وجدتم من هذه شيئا فاحمدوا الله عليه، وإذا وجدتم من هذه شيئا فتعوذوا بالله من الشيطان.

(92) .

&; 5-574 &; 6173 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود في قوله: " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء "، قال: إن للملك لمة، وللشيطان لمة.

فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجدها فليحمد الله؛ ولمة الشيطان: إيعاد بالشر وتكذيب بالحق، فمن وجدها فليستعذ بالله.

(93) .

6174 - حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني أن ابن مسعود قال: إن للملك لمة، وللشيطان لمة.

فلمة الملك: إيعاده بالخير وتصديق بالحق، ولمة الشيطان: إيعاد بالشر وتكذيب بالحق.

(94) فمن أحس من لمة الملك شيئا فليحمد الله عليه، ومن أحس من لمة الشيطان شيئا فليتعوذ بالله منه.

ثم تلا هذه الآية: " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم ".

(95) .

6175 - حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن فطر، عن المسيب بن رافع، عن عامر بن عبدة، عن عبد الله، بنحوه.

(96) .

&; 5-575 &; 6176 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن عطاء، عن مرة بن شراحيل، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن للشيطان لمة، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فتكذيب بالحق وإيعاد بالشر، وأما لمة الملك: فإيعاد بالخير وتصديق بالحق.

فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله وليحمد الله عليه.

ومن وجد الأخرى فليستعذ من الشيطان.

ثم قرأ: " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ".

(97) .

* * * القول في تأويل قوله : وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: " والله واسع " الفضل الذي يعدكم أن يعطيكموه من فضله وسعة خزائنه= (98) " عليم " بنفقاتكم وصدقاتكم التي تنفقون وتصدقون بها، يحصيها لكم حتى يجازيكم بها عند مقدمكم عليه في آخرتكم.

------------------- الهوامش : (85) قوله : "بالصدقة..." ، أي بسبب الصدقة ، وهي جملة فاصلة ، والسياق"يعدكم...

أن تفتقروا" ، كما هو بين .

(86) انظر ما سلف في تفسير"الفحشاء" 3 : 302 .

(87) انظر تفسير"المغفرة" ، فيما سلف من فهارس اللغة .

(88) انظر تفسير"الفضل" فيما سلف 2 : 344 /ثم 5 : 164 .

(89) الحديث : 6170 -أبو الأحوص : هو سلام بن سليم الكوفي الحافظ .

سبق توثيقه : 20158 .

عطاء بن السائب : مضى في : 158 ، 4433 أنه تغير في آخر عمره ، وأن من سمع منه قديما فحديثه صحيح .

والظاهر من مجموع كلامهم أن اختلاطه كان حين قدم البصرة .

قال أبو حاتم : "في حديث البصريين عنه تخاليط كثيرة ، لأنه قدم عليهم في آخر عمره" .

وعطاء كوفي ، والراوي عنه هنا أبو الأحوص كوفي أيضًا .

فالظاهر أنه سمع منه قبل الاختلاط .

مرة : هو مرة الطيب ، وهو ابن شراحيل الهمداني الكوفي .

مضت ترجمته : 2521 .

عبد الله : هو ابن مسعود .

والحديث رواه الترمذي 4 : 77 -78 ، عن هناد -وهو ابن السري ، شيخ الطبري هنا -بهذا الإسناد .

وقال : "هذا حديث حسن غريب [وفي بعض نسخه : حسن صحيح غريب] .

وهو حديث أبي الأحوص .

لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث أبي الأحوص" .

وذكره ابن كثير 2 : 44 ، من رواية ابن أبي حاتم ، عن أبي زرعة ، عن هناد .

ووقع في إسناده هناك تخليط من الناسخين .

ثم أشار إلى بعض رواياته مرفوعا وموقوفا .

وذكر ابن كثير أنه رواه أيضًا النسائي في كتاب التفسير من سننه ، عن هناد بن السري .

وأنه رواه ابن حبان في صحيحه ، عن أبي يعلي الموصلي ، عن هناد .

وكتاب التفسير في النسائي إنما هو في السنن الكبرى .

وذكره السيوطي 1 : 348 ، وزاد نسبته لابن المنذر ، والبيهقي في الشعب .

وسيأتي بنحوه ، موقونا على ابن مسعود : 6171 ، 6172 ، 6174 ، 6176 ، من رواية عطاء ، عن مرة ، عن مسعود .

ويأتي موقونا أيضًا : 6173 ، من رواية الزهري ، عن عبيد الله ، عن ابن مسعود .

و : 6175 ، من رواية المسيب بن رافع ، عن عامر بن عبدة ، عن ابن مسعود .

وكأن الترمذي -وتبعه ابن كثير -يريدان الإشارة إلى تعليل هذا الإسناد المرفوع ، برواية الحديث موقوفا .

ولكن هذه علة غير قادحة بعد صحة الإسناد .

فإن الرفع زيادة من ثقة ، فهي مقبولة .

وأيضًا : فإن هذا الحديث مما يعلم بالرأي ، ولا يدخله القياس ، فلا يعلم إلا بالوحي من المعصوم صلى الله عليه وسلم .

فالروايات الموقوفة لفظا ، هي مرفوعة حكما .

(90) الحديث : 6171 -الحكم بن بشير بن سلمان : مضت ترجمته في : 1497 .

ووقع اسم جده في المطبوعة هنا"سليمان" ، وهو خطأ .

عمرو : هو ابن قيس الملائي .

مضت ترجمته في : 886 .

والحديث في معنى ما قبله .

وهو هنا موقوف لفظا ، ولكنه مرفوع حكما ، كما ذكرنا .

ولكن قول عمرو بن قيس في آخره : "وسمعنا في هذا الحديث أنه كان يقال..." -يكون بلاغا منقطعا في هذا الإسناد ، وأن كان صحيحا في ذاته بالأسانيد الأخر .

(91) في المطبوعة : "وذلكم بأن الله..." بزيادة واو ، وأثبت ما في المخطوطة .

(92) الحديث : 6172 -أبو الأحوص -شيخ عطاء بن السائب : هو عوف بن مالك ابن نضلة ، وهو تابعي ثقة معروف ، وثقه ابن معين وغيره .

وتردد عطاء بن السائب في أنه عن"أبي الأحوص" هذا ، أو عن"مرة الطيب" -لا يؤثر في صحة الحديث ، فأنه انتقال من ثقة إلى ثقة .

ولعله مما أخطأ فيه عطاء ، لأن ابن علية بصري ، فيكون ممن سمع منه بعد تغيره .

وقد نص على ذلك الدار قطي ، كما في ترجمة عطاء في التهذيب .

ولكن ذكر ابن كثير 2 : 44 أنه رواه"مسعر ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة ، عن ابن مسعود .

فجعله من قوله .

فهذا يثبت حفظ رواية عطاء إياه عن أبي الأحوص أيضًا .

لأن مسعر بن كدام كوفي قديم ، من طبقة شعبة والثوري ، فهو ممن سمع من عطاء قبل تغيره .

ولم يشر ابن كثير إلى شيء من الروايات الموقوفة لهذا الحديث ، إلا إلى رواية مسعر وحده .

والروايات الموقوفة بين يديه في الطبري ستة كما ترى .

(93) الحديث : 6173 -وهذا إسناد صحيح آخر للحديث ، من وجه آخر ، يؤيد رواية عطاء بن السائب .

وهو وإن كان موقوفا لفظا فهو مرفوع حكما ، كما قلنا من قبل .

(94) في المطبوعة : "إيعاد بالخير ...

إيعاد بالشر" بغير إضافتها إلى الضمير .

وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب .

وصواب أيضًا يقرآا جميعا"ايعادةٌ" ، على معنى المرة من"الإيعاد" .

(95) الحديث : 6174 -وهذا إسناد صحيح .

لأن حماد بن سلمة سمع من عطاء قبل تغيره ، كما نص عليه يعقوب بن سفيان وابن الجارود ، في نقل التهذيب عنهما 7 : 207 .

(96) الحديث : 6175 -فطر -بكسر الفاء وسكون الطاء المهملة وآخره راء : هو ابن خليفة الكوفي ، وهو ثقة ، وثقه أحمد ، وابن معين ، وغيرهما .

المسيب بن رافع الكاهلي الكوفي : تابعي ثقة ، مضى في : 128 .

عامر بن عبدة -بفتح العين المهملة والباء الموحدة -البجلي ، أبو إياس الكوفي : تابعي ثقة ، والكني للدولابي 1 : 115 ، والمشتبه للذهبي ، ص : 339 .

وهذا إسناد ثالث للحديث صحيح ، من وجه آخر ، يؤيد روايات عطاء عن مرة ، وأبي الأحوص عن ابن مسعود ، ورواية الزهري عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة عن ابن مسعود .

(97) الحديث : 6176 -وهذا إسناد حسن ، لأن سماع جرير -وهو ابن عبدالحميد الضبي -من عطاء كان بعد تغيره ولكنه يرتفع إلى درجة الصحة بالمتابعات السابقة الصحيحة .

(98) انظر تفسير"واسع عليم"فيما سلف 2 : 537 /ثم 5 : 516 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليمفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : ( الشيطان ) تقدم معنى الشيطان واشتقاقه فلا معنى لإعادته .

و ( يعدكم ) معناه يخوفكم ( الفقر ) أي بالفقر لئلا تنفقوا .

فهذه الآية متصلة بما قبل ، وأن الشيطان له مدخل في التثبيط للإنسان عن الإنفاق في سبيل الله ، وهو مع ذلك يأمر بالفحشاء وهي المعاصي والإنفاق فيها .

وقيل : أي بأن لا تتصدقوا فتعصوا وتتقاطعوا .

وقرئ " الفقر " بضم الفاء وهي لغة .

قال الجوهري : والفقر لغة في الفقر ، مثل الضعف والضعف .[ ص: 299 ] الثانية : قوله تعالى : والله يعدكم مغفرة منه وفضلا الوعد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير ، وإذا قيد بالموعود ما هو فقد يقدر بالخير وبالشر كالبشارة .

فهذه الآية مما يقيد فيها الوعد بالمعنيين جميعا .

قال ابن عباس : في هذه الآية اثنتان من الله تعالى واثنتان من الشيطان .

وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان - ثم قرأ - الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء .

قال : هذا حديث حسن صحيح .

ويجوز في غير القرآن " ويأمركم الفحشاء " بحذف الباء ، وأنشد سيبويه :أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نسبوالمغفرة هي الستر على عباده في الدنيا والآخرة .

والفضل هو الرزق في الدنيا والتوسعة والنعيم في الآخرة ، وبكل قد وعد الله تعالى .الثالثة : ذكر النقاش أن بعض الناس تأنس بهذه الآية في أن الفقر أفضل من الغنى ؛ لأن الشيطان إنما يبعد العبد من الخير ، وهو بتخويفه الفقر يبعد منه .

قال ابن عطية : وليس في الآية حجة قاطعة بل المعارضة بها قوية .

وروي أن في التوراة ( عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك فضلي فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة ) .

وفي القرآن مصداقه وهو قوله : وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين .

ذكره ابن عباس .

والله واسع عليم تقدم معناه .

والمراد هنا أنه سبحانه وتعالى يعطي من سعة ويعلم حيث يضع ذلك ، ويعلم الغيب والشهادة .

وهما اسمان من أسمائه ذكرناهما في جملة الأسماء في ( الكتاب الأسنى ) والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وإياكم أن تتبعوا عدوكم الشيطان الذي يأمركم بالإمساك، ويخوفكم بالفقر والحاجة إذا أنفقتم، وليس هذا نصحا لكم، بل هذا غاية الغش { إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } بل أطيعوا ربكم الذي يأمركم بالنفقة على وجه يسهل عليكم ولا يضركم، ومع هذا فهو { يعدكم مغفرة } لذنوبكم وتطهيرا لعيوبكم { وفضلا } وإحسانا إليكم في الدنيا والآخرة، من الخلف العاجل، وانشراح الصدر ونعيم القلب والروح والقبر، وحصول ثوابها وتوفيتها يوم القيامة، وليس هذا عظيما عليه لأنه { واسع } الفضل عظيم الإحسان { عليم } بما يصدر منكم من النفقات قليلها وكثيرها، سرها وعلنها، فيجازيكم عليها من سعته وفضله وإحسانه، فلينظر العبد نفسه إلى أي الداعيين يميل، فقد تضمنت هاتان الآيتان أمورا عظيمة منها: الحث على الإنفاق، ومنها: بيان الأسباب الموجبة لذلك، ومنها: وجوب الزكاة من النقدين وعروض التجارة كلها، لأنها داخلة في قوله: { من طيبات ما كسبتم } ومنها: وجوب الزكاة في الخارج من الأرض من الحبوب والثمار والمعادن، ومنها: أن الزكاة على من له الزرع والثمر لا على صاحب الأرض، لقوله { أخرجنا لكم } فمن أخرجت له وجبت عليه ومنها: أن الأموال المعدة للاقتناء من العقارات والأواني ونحوها ليس فيها زكاة، وكذلك الديون والغصوب ونحوهما إذا كانت مجهولة، أو عند من لا يقدر ربها على استخراجها منه، ليس فيها زكاة، لأن الله أوجب النفقة من الأموال التي يحصل فيها النماء الخارج من الأرض، وأموال التجارة مواساة من نمائها، وأما الأموال التي غير معدة لذلك ولا مقدورا عليها فليس فيها هذا المعنى، ومنها: أن الرديء ينهى عن إخراجه ولا يجزئ في الزكاة

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الشيطان يعدكم الفقر ) أي يخوفكم بالفقر يقال وعدته خيرا ووعدته شرا قال الله تعالى في الخير " وعدكم الله مغانم كثيرة " ( 20 - الفتح ) وقال في الشر " النار وعدها الله الذين كفروا " ( 72 - الحج ) فإذا لم يذكر الخير والشر قلت في الخير : وعدته وفي الشر أوعدته والفقر سوء الحال وقلة ذات اليد وأصله من كسر الفقار ومعنى الآية : أن الشيطان يخوفكم بالفقر ويقول للرجل أمسك عليك مالك فإنك إذا تصدقت به افتقرت ( ويأمركم بالفحشاء ) أي بالبخل ومنع الزكاة وقال الكلبي : كل الفحشاء في القرآن فهو الزنا إلا هذا ( والله يعدكم مغفرة منه ) أي لذنوبكم ( فضلا ) أي رزقا خلفا ( والله واسع ) غني ( عليم ) أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي ، أخبرنا أبو طاهر الزيادي أخبرنا محمد بن الحسين القطان أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن همام بن منبه قال : حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله تعالى يقول : ابن آدم أنفق أنفق عليك " وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يمين الله ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم ينقص ما في يمينه ( قال ) وعرشه على الماء وبيده الأخرى القسط يرفع ويخفض " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا عبيد الله بن سعيد أخبرنا عبد الله بن نمير أخبرنا هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها " أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعي الله عليك " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الشيطان يعدكم الفقر» يخوفكم به إن تصدقتم فتمسكوا «ويأمركم بالفحشاء» البخل ومنع الزكاة «والله يعدكم» على الإنفاق «مغفرة منه» لذنوبكم «وفضلا» رزقا خلفا منه «والله واسع» فضله «عليم» بالمنفق.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هذا البخل واختيار الرديء للصدقة من الشيطان الذي يخوفكم الفقر، ويغريكم بالبخل، ويأمركم بالمعاصي ومخالفة الله تعالى، والله سبحانه وتعالى يعدكم على إنفاقكم غفرانًا لذنوبكم ورزقا واسعا.

والله واسع الفضل، عليم بالأعمال والنيَّات.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حذر الله - تعالى - المؤمنين من وساوس الشيطان وخطواته فقال : ( الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء ) .قوله : ( يَعِدُكُمُ ) من الوعد ، وهو في أصل وضعه لغة شائع في الخير والشر ، وأما في الاستعمال الشائع فالوعد في الخير والإِيعاد في الشر .

وقد استعمل هنا في الشر نظراً إلى أصل الوضع ، لأن الفقر مما يراه الإِنسان شراً ولذلك يخوف الشيطان به المنفقين فيقول لهم : لا تنفقوا الجيد من أموالكم لأن إنفاقكم هذا يؤدي إلى فقركم ونضوب ما بين أيديكم من أموال .والفقر هو ما يصيب الإِنسان من سوء في الحال ومن ضعف بسبب قلة المال ، وأصل الفقر في اللغة كسر فقار الظهر ، ثم وصف الإِنسان المحتاج الضعيف بأنه فقير تشبيها له بمن كسر فقار ظهره فأصبح عاجزاً عن الحركة لأن الظهر هو مجمع الحركات ، ومنه تسميتهم المصيبة فاقرة ، وقاصمة الظهر .والفحشاء والفحش والفاحشة ما عظم قبه من الأفعال والأقوال ، ويرى كشير من العلماء أن المراد بالفحشاء في الآية البخل الشديد فإن كلمة الفاحش تطلق في لغة العرب على البخيل الشديد البخل ، ومن ذلك قول طرفة بن العبد .أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى ...

عقيلة مال الفاحش المتشددوالمعنى : الشيطان يوعدكم أذا أنفقتم بالفقر وضياع الأموال ويحذركم من الصدقة بما يوسوس في نفوسكم من شرور وآثام ، ويغريكم بارتكاب المعاصي التي من أقبحها البخل الشديد ، والشح المهلك ، فعليكم أن تحذروه وأن تنفقوا من أموالكم في سبيل الله ما يوصلكم إلى رضوانه ورحمته .قال الجمل : وفي هذه الآية لطيفة وهي أن الشيطان يخوف الرجل أولا بالفقر ثم يتوصل بهذا التجويف إلى أن يأمره بالفحشاء وهو البخل ، وذلك لأن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فلا يستطيع الشيطان أن يحسن له البخل إلا بتلك المقدمة وهي التخويف من الفقر فلهذا قال .( الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء ) .وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن للشيطان لمة بابن آدم ، وللملك لمة - أي همة وخطرة تقع في القلب - فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرأ ( الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء ) " .هذا ما يعده الشيطان للإِنسان ، فما الذي يعده الله - تعالى - لعباده؟

لقد بين - سبحانه - ذلك فقال : ( والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) .أي : إذا كان الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ، فالله - تعالى - يعدكم مغفرة منه لذنوبكم على ما تنفقونه من أموالكم في سبيله ففي الحديث الشريف " الصدقة تطفئ الخطيئة " ويعدكم - أيضاً - ( وَفَضْلاً ) أي نماء وزيادة في أموالكم ، فإن الصدقات تزيد البركة في البرزق فيصير القليل منه في يد السخي كثيراً بتوفيق الله وتأييده .وصدر له سبحانه - الجملة بلفظ الجلالة ، للإِشارة إلى أن الوعد الذي وعد به المنفقين وعد حق لا يمكن أن يخالطه شك أو ريب ، لأنه وعد من الله الذي لا يخلف وعده ، وإذا كان الشيطان يهدد الناس بالفقر عند العطاء ، ويأمرهم بالفحشاء ، فالله - تعالى - يبشر عباده بمغفرته ورضوانه ، بسبب إتفاقهم في السراء والضراء ويعدهم على ذلك بالرزق الوفير ، والفضل الكبير في الدنيا والآخرة .وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) تأكيداً لوعده الذي وعد به عباده المتقين المتصدقين بأن يزيدهم من فضله ، أي والله - تعالى - واسع الجود والعطاء والرحمة ، وسيحقق لكم ما وعدكم به من المغفرة وتضعيف ما تنفقونه ، وهو مع ذلك عليم بأحوال عباده صغيرها وكبيرها ، وسيجازي الذين اتبعوا أوامره بجزيل الثواب ، كما سيجازي الذين اتبعوا وسوسة الشيطان بسوء العذاب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما رغب الإنسان في إنفاق أجود ما يملكه حذره بعد ذلك من وسوسة الشيطان فقال: ﴿ الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر ﴾ أي يقال إن أنفقت الأجود صرت فقيراً فلا تبال بقوله فإن الرحمن ﴿ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مّنْهُ وَفَضْلاً ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في الشيطان فقيل إبليس وقيل سائر الشياطين وقيل شياطين الجن والإنس وقيل النفس الأمارة بالسوء.

المسألة الثانية: الوعد يستعمل في الخير والشر، قال الله تعالى: ﴿ النار وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ  ﴾ ويمكن أن يكون هذا محمولاً على التهكم، كما في قوله: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ .

المسألة الثالثة: الفقر والفقر لغتان، وهو الضعيف بسبب قلة المال وأصل الفقر في اللغة كسر الفقار، يقال: رجل فقر وفقير إذا كان مكسور الفقار، قال طرفة: إنني لست بمرهون فقر *** قال صاحب الكشاف: قرئ الفقر بالضم والفقر بفتحتين.

المسألة الرابعة: أما الكلام في حقيقة الوسوسة، فقد ذكرناه في أول الكتاب في تفسير ﴿ أَعُوذُ بالله مِنَ الشيطان الرجيم ﴾ روي عن ابن مسعود رضي الله عنه: إن للشيطان لمة وهي الإيعاد بالشر، وللملك لمة وهي الوعد بالخير، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ومن وجد الأول فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقرأ هذه الآية وروى الحسن، قال بعض المهاجرين: من سره أن يعلم مكان الشيطان منه فليتأمل موضعه من المكان الذي منه يجد الرغبة في فعل المنكر.

أما قوله تعالى: ﴿ وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء ﴾ ففيه وجوه: الأول: أن الفحشاء هي البخل ﴿ وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء ﴾ أي ويغريكم على البخل إغراء الآمر للمأمور والفاحش عند العرب البخيل، قال طرفة: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي *** عقيلة مال الفاحش المتشدد ويعتام منقول من عام فلان إلى اللبن إذا اشتهاه وأراد بالفاحش البخيل، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير لَشَدِيدٌ  ﴾ وقد نبّه الله تعالى في هذه الآية على لطيفة وهي أن الشيطان يخوفه أولاً بالفقر ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء ويغريه بالبخل، وذلك لأن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فالشيطان لا يمكنه تحسين البخل في عينه إلا بتقديم تلك المقدمة، وهي التخويف من الفقر.

الوجه الثاني: في تفسير الفحشاء، وهو أنه يقول: لا تنفق الجيد من مالك في طاعة الله لئلا تصير فقيراً، فإذا أطاع الرجل الشيطان في ذلك زاد الشيطان، فيمنعه من الإنفاق في الكلية حتى لا يعطي لا الجيد ولا الرديء وحتى يمنع الحقوق الواجبة، فلا يؤدي الزكاة ولا يصل الرحم ولا يرد الوديعة، فإذا صار هكذا سقط وقع الذنوب عن قلبه ويصير غير مبال بارتكابها، وهناك يتسع الخرق ويصير مقداماً على كل الذنوب، وذلك هو الفحشاء وتحقيقه أن لكل خلق طرفين ووسطاً فالطرف الكامل هو أن يكون بحيث يبذل كل ما يملكه في سبيل الله الجيد والرديء والطرف الفاحش الناقص لا ينفق شيئاً في سبيل الله لا الجيد ولا الرديء والأمر المتوسط أن يبخل بالجيد وينفق الرديء، فالشيطان إذا أراد نقله من الطرف الفاضل إلى الطرف الفاحش، لا يمكنه إلا بأن يجره إلى الوسط، فإن عصى الإنسان الشيطان في هذا المقام انقطع طمعه عنه، وإن أطاعه فيه طمع في أن يجره من الوسط إلى الطرف الفاحش، فالوسط هو قوله تعالى: ﴿ يَعِدُكُمُ الفقر ﴾ والطرف الفاحش قوله: ﴿ وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء ﴾ ثم لما ذكر سبحانه وتعالى درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر إلهامات الرحمن فقال: ﴿ والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مّنْهُ وَفَضْلاً ﴾ فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة، والفضل إشارة إلى ما يحصل في الدنيا من الخلق، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أن الملك ينادي كل ليلة: «اللّهم أعط كل منفق خلفاً وكل ممسك تلفاً».

وفي هذه الآية لطيفة وهي أن الشيطان يعدك الفقر في غد دنياك، والرحمن يعدك المغفرة في غد عقباك، ووعد الرحمن في غد العقبى أولى بالقبول من وجوه: أحدها: أن وجدان غد الدنيا مشكوك فيه، ووجدان غد العقبى متيقن مقطوع به.

وثانيها: أن بتقدير وجدان غد الدنيا، فقد يبقى المال المبخول به، وقد لا يبقى وعند وجدان غد العقبى لابد من وجدان المغفرة الموعود بها من عند الله تعالى، لأنه الصادق الذي يمتنع وجود الكذب في كلامه.

وثالثها: أن بتقدير بقاء المال المبخول به في غد الدنيا، فقد يتمكن الإنسان من الانتفاع به وقد لا يتمكن إما بسبب خوف أو مرض أو اشتغال بمهم آخر وعند وجدان غد العقبى الانتفاع حاصل بمغفرة الله وفضله وإحسانه.

ورابعها: أن بتقدير حصول الانتفاع بالمال المبخول به في غد الدنيا لا شك أن ذلك الانتفاع ينقطع ولا يبقى، وأما الانتفاع بمغفرة الله وفضله وإحسانه فهو الباقي الذي لا ينقطع ولا يزول.

وخامسها: أن الانتفاع بلذات الدنيا مشوب بالمضار، فلا ترى شيئاً من اللذات إلا ويكون سبباً للمحنة من ألف وجه بخلاف منافع الآخرة فإنها خالصة عن الشوائب، ومن تأمل فيما ذكرناه علم أن الانقياد لوعد الرحمن بالفضل والمغفرة أولى من الانقياد لوعد الشيطان.

إذا عرفت هذا فنقول: المراد بالمغفرة تكفير الذنوب كما قال: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا  ﴾ وفي الآية لفظان يدلان على كمال هذه المغفرة أحدها: التنكير في لفظة المغفرة، والمعنى مغفرة أي مغفرة والثاني: قوله: ﴿ مَّغْفِرَةً مّنْهُ ﴾ فقوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ يدل على كمال حال هذه المغفرة لأن كمال كرمه ونهاية جوده معلوم لجميع العقلاء وكون المغفرة منه معلوم أيضاً لكل أحد فلما خص هذه المغفرة بأنها منه علم أن المقصود تعظيم حال هذه المغفرة، لأن عظم المعطي يدل على عظم العطية، وكمال هذه المغفرة يحتمل أن يكون المراد منه ما قاله في آية أخرى: ﴿ فأولئك يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات  ﴾ ويحتمل أن يكون المراد منه أن يجعله شفيعاً في غفران ذنوب سائر المذنبين، ويحتمل أن يكون كمال تلك المغفرة أمراً لا يصل إليه عقلنا ما دمنا في دار الدنيا فإن تفاصيل أحوال الآخرة أكثرها محجوبة عنا ما دمنا في الدنيا، وأما معنى الفضل فهو الخلف المعجل في الدنيا، وهذا الفضل يحتمل عندي وجوهاً أحدها: أن المراد من هذا الفضل الفضيلة الحاصلة للنفس وهي فضيلة الجود والسخاء، وذلك لأن مراتب السعادة ثلاث: نفسانية، وبدنية، وخارجية، وملك المال من الفضائل الخارجية وحصول خلق الجود والسخاوة من الفضائل النفسانية وأجمعوا على أن أشرف هذه المراتب الثلاث: السعادات النفسانية، وأخسها السعادات الخارجية فمتى لم يحصل إنفاق المال كانت السعادة الخارجية حاصلة والنقيضة النفسانية معها حاصلها ومتى حصل الإنفاق حصل الكمال النفساني والنقصان الخارجي ولا شك أن هذه الحالة أكمل، فثبت أن مجرد الإنفاق يقتضي حصول ما وعد الله به من حصول الفضل والثاني: وهو أنه متى حصل ملكة الإنفاق زالت عن الروح هيئة الاشتغال بلذات الدنيا والتهالك في مطالبها، ولا مانع للروح من تجلي نور جلال الله لها إلا حب الدنيا، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «لولا أن الشياطين يوحون إلى قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات».

وإذا زال عن وجه القلب غبار حب الدنيا استنار بأنوار عالم القدس وصار كالكوكب الدري والتحق بأرواح الملائكة، وهذا هو الفضل لا غير والثالث: وهو أحسن الوجوه: أنه مهما عرف من الإنسان كونه منفقاً لأمواله في وجوه الخيرات مالت القلوب إليه فلا يضايقونه في مطالبه، فحينئذ تنفتح عليه أبواب الدنيا، ولأن أولئك الذين أنفق ماله عليهم يعينونه بالدعاء والهمة فيفتح الله عليه أبواب الخير.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ والله واسع عَلِيمٌ ﴾ أي أنه واسع المغفرة، قادر على إغنائكم، وإخلاف ما تنفقونه وهو عليم لا يخفى عليه ما تنفقون، فهو يخلفه عليكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أي يعدكم في الإنفاق ﴿ الفقر ﴾ ويقول لكم أنّ عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا.

وقريء: ﴿ الفقر ﴾ ، بالضم.

﴿ والفقر ﴾ بفتحتين والوعد يستعمل في الخير والشر.

قال الله تعالى: ﴿ النار وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ ﴾ [الحج: 72] ﴿ وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء ﴾ ويغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور.

والفاحش عند العرب: البخيل ﴿ والله يَعِدُكُم ﴾ في الإنفاق ﴿ مَغْفِرَةٍ ﴾ لذنوبكم وكفارة لها ﴿ وَفَضْلاً ﴾ وأن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم، أو ثواباً عليه في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ﴾ في الإنْفاقِ، والوَعْدُ في الأصْلِ شائِعٌ في الخَيْرِ والشَّرِّ.

وقُرِئَ الفَقْرُ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ وبِضَمَّتَيْنِ وفَتْحَتَيْنِ.

﴿ وَيَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ ﴾ ويُغْرِيكم عَلى البُخْلِ، والعَرَبُ تُسَمِّي البَخِيلَ فاحِشًا.

وَقِيلَ المَعاصِي ﴿ واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ ﴾ أيْ يَعِدُكم في الإنْفاقِ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِكم.

﴿ وَفَضْلا ﴾ خَلَفًا أفْضَلَ مِمّا أنْفَقْتُمْ في الدُّنْيا، أوْ في الآخِرَةِ.

﴿ واللَّهُ واسِعٌ ﴾ أيْ واسِعُ الفَضْلِ لِمَن أنْفَقَ.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِإنْفاقِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الشيطان يَعِدُكُمُ} في الإنفاق {الفقر} ويقول لكم إن عاقبة إنفاقكم أن تفقروا والوعد يستعمل في الخير والشر {وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء} ويغريكم على البخل ومنع الصدقات واغراء الآمر للمأمور والفاحش عند العرب البخيل {والله يَعِدُكُم} في الإنفاق {مَّغْفِرَةً مّنْهُ} لذنوبكم وكفارة لها {وَفَضْلاً} وأن يخلف عليكم أفضل مما انفقتم أو ثوابا عليه في الآخرة {والله واسع} يوسع على من يشاء {عَلِيمٌ} بأفعالكم ونياتكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ﴾ اِسْتِئْنافٌ لِبَيانِ سَبَبِ تَيَمُّمِ الخَبِيثِ في الإنْفاقِ وتَوْهِينِ شَأْنِهِ، والوَعْدُ في أصْلِ وضْعِهِ لُغَةٌ شائِعٌ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وأمّا في الِاسْتِعْمالِ الشّائِعِ فالوَعْدُ في الخَيْرِ والإيعادُ في الشَّرِّ حَتّى يَحْمِلُوا خِلافَهُ عَلى المَجازِ والتَّهَكُّمِ، وقَدِ اُسْتُعْمِلَ هُنا في الشَّرِّ نَظَرًا إلى أصْلِ الوَضْعِ لِأنَّ الفَقْرَ مِمّا يَراهُ الإنْسانُ شَرًّا، ولِهَذا يُخَوِّفُ الشَّيْطانُ بِهِ المُتَصَدِّقِينَ فَيَقُولُ لَهُمْ: لا تُنْفِقُوا الجَيِّدَ مِن أمْوالِكم وأنَّ عاقِبَةَ إنْفاقِكم أنْ تَفْتَقِرُوا، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ وعْدًا مَعَ أنَّهُ اُعْتُبِرَ فِيهِ الإخْبارُ بِما سَيَكُونُ مِن جِهَةِ المُخْبِرِ والشَّيْطانِ لَمْ يُضِفْ مَجِيءَ الفَقْرِ إلى جِهَتِهِ لِلْإيذانِ بِمُبالَغَةِ اللَّعِينِ في الإخْبارِ بِتَحَقُّقِ مَجِيئِهِ كَأنَّهُ نَزَّلَهُ في تَقَرُّرِ الوُقُوعِ مَنزِلَةَ أفْعالِهِ الواقِعَةِ حَسَبَ إرادَتِهِ، أوْ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ وعْدِهِ تَعالى عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ اِسْتِعْمالَ الوَعْدِ هُنا في الخَيْرِ حَسَبَ الِاسْتِعْمالِ الشّائِعِ، والمُرادُ أنَّ ما يُخَوِّفُكم بِهِ هو وعْدُ الخَيْرِ لِأنَّ الفَقْرَ لِلْإنْفاقِ أجَلُّ خَيْرٍ، ولا يَخْفى أنَّهُ بِمَراحِلَ عَنْ مَذاقِ التَّنْزِيلِ، وقُرِئَ الفَقْرُ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ وبِفَتْحَتَيْنِ وضَمَّتَيْنِ وكُلُّها لُغاتٌ في الفَقْرِ وأصْلُهُ كَسْرُ فَقارِ الظَّهْرِ.

﴿ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ ﴾ أيِ الخَصْلَةِ الفَحْشاءِ وهي البُخْلُ وتَرْكُ الصَّدَقاتِ والعَرَبُ تُسَمِّي البَخِيلَ فاحِشًا قالَ كَعْبٌ: أخِي يا أخِي (لا فاحِشًا) عِنْدَ بَيْتِهِ ولا ورِعٌ عِنْدَ اللِّقاءِ هَيُوبُ والمُرادُ بِالأمْرِ بِذَلِكَ الإغْراءُ والحَثُّ عَلَيْهِ فَفي الكَلامِ اِسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَحْشاءِ سائِرُ المَعاصِي وحَمْلُها عَلى الزِّنا نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنهُ؛ وجُوِّزَ أنَّ تَكُونَ بِمَعْنى الكَلِمَةِ السَّيِّئَةِ فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّأْكِيدِ لِلْأُولى وقُدِّمَ وعْدُ الشَّيْطانِ عَلى أمْرِهِ لِأنَّهُ بِالوَعْدِ يَحْصُلُ الِاطْمِئْنانُ إلَيْهِ فَإذا اِطْمَأنَّ إلَيْهِ وخافَ الفَقْرَ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ بِالأمْرِ إذْ فِيهِ اِسْتِعْلاءٌ عَلى المَأْمُورِ.

﴿ واللَّهُ يَعِدُكُمْ ﴾ في الإنْفاقِ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم  ﴿ مَغْفِرَةً ﴾ لِذُنُوبِكُمْ، وعَنْ قَتادَةَ لِفَحْشائِكُمْ، والتَّنْوِينُ فِيها لِلتَّفْخِيمِ وكَذا وصْفُها بِقَوْلِهِ تَعالى: (مِنهُ) فَهو مُؤَكِّدٌ لِفَخامَتِها، وفِيهِ تَصْرِيحٌ بِما عُلِمَ ضِمْنًا مِنَ الوَعْدِ كَما عَلِمْتَ مُبالَغَةً في تَوْهِينِ أمْرِ الشَّيْطانِ ﴿ وفَضْلا ﴾ أيْ رِزْقًا وخَلَفًا وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَتَكُونُ المَغْفِرَةُ إشارَةً إلى مَنافِعِ الآخِرَةِ، وهَذا إشارَةٌ إلى مَنافِعِ الدُّنْيا.

وفي الحَدِيثِ:«ما مِن يَوْمٍ يُصْبِحُ فِيهِ العِبادُ إلّا مَلِكانِ يَنْزِلانِ يَقُولُ أحَدَهُما: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ويَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» وقَدَّمَ مَنافِعَ الآخِرَةِ لِأنَّها أهَمُّ عِنْدَ المُصَدِّقِ بِها، وقِيلَ: المَغْفِرَةُ والفَضْلُ كِلاهُما في الآخِرَةِ وتَقْدِيمُ الأوَّلِ حِينَئِذٍ لِتَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ ولِكَوْنِ رَفْعِ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ، وفي الآيَةِ ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ ﴾ وحَذَفَ صِفَةَ الثّانِي لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْها.

﴿ واللَّهُ واسِعٌ ﴾ بِالرَّحْمَةِ والفَضْلِ ﴿ عَلِيمٌ  ﴾ بِما تُنْفِقُونَهُ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ومِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ يقول الشيطان يأمركم بشيئين، والله تعالى يأمركم بشيئين: أما الشيطان، فإنه يأمركم بالفقر، ويقول: لا تنفقوا ولا تتصدقوا، فإنكم تحتاجون إلى ذلك.

وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ قال الكلبي: يعني يمنع الزكاة.

ويقال: جميع الفواحش مثل الزنى وقول الزور وغير ذلك وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ لذنوبكم يعني المغفرة من الله.

وَفَضْلًا يعني خلفاً في الدنيا وَاللَّهُ واسِعٌ الفضل عَلِيمٌ بما تنفقون.

ويقال: عليم بمواضع الصدقات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال أبو عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ في «مختصره» لتفسير الطبريِّ: وعن قتادة: هذا مثلٌ «١» ، فاعقلوا عن اللَّه أمثالَهُ هذا رجلٌ كَبرت سنُّه، ورَقَّ عظمه، وكَثُر عياله، ثم احترقت جنَّته، أحْوجَ ما يَكُون إِليها، يقول: أيحبُّ أحدكم أنْ يضلَّ عنه عمله يَوْمَ القيامةِ أحْوَجَ ما يكُونُ إِلَيْه.

وعن الحَسَنِ نحوه.

انتهى.

وخصَّ الأعناب والنَّخيل بالذكْر، لشرفهما، وفَضْلهما على سائر الشَّجَر، والواو في قوله: وَأَصابَهُ واو الحالِ وكذلك في قوله: وَلَهُ، وضعفاءُ: جمعُ ضعيفٍ، والأعصار: الريحُ الشديدةُ العاصفةُ التي فيها إِحراق لكلِّ ما مرَّت عليه يكونُ ذلك في شدَّة الحرِّ، ويكون في شدَّة البَرْد، وكلّ ذلك من فيح جهنّم.

ولَعَلَّكُمْ: تَرَجٍّ في حقِّ البَشَر، أي: إِذا تأمَّل من بُيِّنَ له هذا البيان رُجِيَ له التفكُّر، وكان أهْلاً له، وقال ابنُ عَبَّاس: تتفكَّرونَ في زوالِ الدنْيَا، وفنَائِها، وإِقبال الآخرةِ وبقائها «٢»

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُمْ ...

الآية: هذا خطاب لجميع أمّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم/ وهذه صيغةُ أمر بالإِنفاق، واختلف المتأوِّلون، هل المراد بهذا ٦٩ ب الإِنفاق الزَّكَاةُ المفروضةُ، أو التطوُّع، والآية تعمُّ الوجهَيْن، لكنَّ صاحب الزكاة يتلَقَّاها على الوُجُوب، وصاحب التطوُّع يتلَقَّاها على الندْبِ، وجمهورُ المتأوِّلين قالوا: معنى مِنْ طَيِّباتِ: من جَيِّد ومختارِ ما كسبتُمْ، وجعلوا الخبيثَ بمعنَى الرديء، وقال ابن زَيْد:

معناه: من حلالِ ما كسبتمْ «٣» ، قال: وقوله: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ، أي: الحرام «٤» .

ع «٥» : وقولُ ابن زيدٍ ليس بالقويِّ من جهة نَسَق الآيةِ، لا من معناه في نفسه.

وكَسَبْتُمْ: معناه: كانت لكُمْ فيه سعاية، وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ:

النباتات، والمَعَادن، والرِّكَاز، وما ضارع ذلك، وتَيَمَّمُوا: معناه: تعمدوا، وتَقْصِدوا، والتيمُّم: القصْد، وقال الجُرْجَانِيُّ: قال فريقٌ من الناس: إِن الكلام تَمَّ في قوله:

الْخَبِيثَ، ثم ابتدأ خَبَراً آخر، فقال: تُنْفِقُونَ منه وأنتم لا تأخذونه إِلا إِذا أغمضتم، أي:

ساهَلْتُم، قال ع «١» : كأنَّ هذا المعنى عتابٌ للنَّفْسِ وتقريعٌ وعلى هذا، فالضميرُ في مِنْهُ عائدٌ على الْخَبِيثَ.

قال الجُرْجَانِيُّ: وقال فريقٌ آخر: بل الكلامُ متَّصِلُ إِلى قوله: فِيهِ وعلى هذا، فالضمير في «مِنْهُ» عائدٌ على: «مَا كَسَبْتُمْ» كأنه في موضعَ نصبٍ على الحالِ، والمعنى في الآية: فَلاَ تَفْعَلُوا مع اللَّهِ ما لا ترضَوْنه لأنفُسِكم، واعلموا أنَّ اللَّه غنيٌّ عن صدقاتكم، فمَنْ تقرب وطلب مثوبةً، فلْيفعلْ ذلك بما لَهُ قَدْرٌ.

ت: وهذا يقوِّي القولَ بأنها في الزكاة المفروضة، وحَمِيدٌ: معناه محمودٌ.

وقوله تعالى: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ...

الآية: هذه الآيةُ وما بعدها- وإِن لم تكُنْ أمراً بالصدقة، فهي جالبةُ النفوس إلى الصدقة- بيَّن- عزَّ وجلَّ- فيها نزغاتِ الشيطانِ، ووسوستَهُ، وعداوتَهُ، وذكَّر بثوابه هو سبحانه، لا رَبَّ غيره، وذَكَّر بتفضُّله بالحكْمة، وأثنى عليها، ونبَّه أنَّ أهل العقول هم المتذكِّرون الذين يقيمُونَ بالحكْمة قدْرَ الإِنفاق في طاعةِ اللَّه، وغير ذلك، ثم ذكر سبحانه علْمَهُ بكلِّ نفقة ونَذْر، وفي ذلك وعْدٌ ووعيدٌ، ثم بيَّن الحِكَمَ في الإِعلان والإِخفاء وكذلك إِلى آخر المعنى.

والوعد في كلامِ العربِ، إِذا أطلق، فهو في الخير، وإِذا قُيِّد بالموعود، فقد يقيد بالخَيْر، وقد يقيَّد بالشر كالبِشَارة، وهذه الآية مما قُيِّدَ الوعْدُ فيها بمكْرُوه، والفَحْشَاءُ: كلُّ ما فَحُشَ، وفَحُشَ ذكْرُه، روى ابن مسعود، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً «٢» مِن ابن آدَمَ، وَلِلْمَلِكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ، فَإِيعَادٌ بالشَّرِّ، وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وأَمَّا لَمَّةُ المَلَكِ، فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ، وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ، فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأخرى، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ» ثُمَّ قرأَ صلّى الله عليه وسلم: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ...

الآية.

قُلْتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ خرَّجه أبو عيسَى التِّرمذيُّ، وقال

فيه: حَسَنٌ غريبٌ صحيحٌ «١» .

والمغفرةُ: هي السَّتْر على عبادِهِ في الدنيا والآخرة، والفَضْل: هو الرزق في الدنيا، والتوسعةُ فيه، والنَّعِيمُ في الآخرة، وَبِكُلٍّ قدْ وعد اللَّه جلَّ وعلاَ، وروي، أنَّ في التوراة:

«عَبْدِي، أَنْفِقْ مِنْ رِزْقِي، أَبْسُطْ عَلَيْكَ فَضْلِي، فَإِنَّ يَدِي مَبْسُوطَةٌ على كُلِّ يَدٍ مَبْسُوطَةٍ» وفي القُرآن مصداقه، وهو: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ/ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: ٣٩] .

٧٠ أت: روى الطَّبرانيُّ سليمانُ بْنُ أحْمَدَ «٢» ، بسنده عَنْ عبد اللَّه بنِ عمرٍو، قال:

قَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ حتى يُشْبِعَهُ، وسَقَاهُ مِنَ المَاءِ، حتى يَرْوِيَهُ، بَعَّدَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ سَبْعَ خَنَادِقَ مَا بَيْنَ كُلِّ خَنْدَقَيْنِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ» «٣» .

انتهى.

وعن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ- رضي الله عنه- عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وأَيُّما مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سقى مُسْلِماً على ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ» أخرجه أبو داود «٤» ، مِنْ حديثِ أبي خالد، هو الدّالاني «٥» ، عن نبيح «٦» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: وعُدْتُهُ أعِدُهُ وعْدًا وعِدَةً ومَوْعِدًا ومُوعِدَةً ومَوْعُودًا، ويُقالُ: الفَقْرُ، والفُقْرُ.

ومَعْنى الكَلامِ: يَحْمِلُكم عَلى أنْ تُؤَدُّوا في الصَّدَقاتِ الرَّدِيءَ، يُخَوِّفُكُمُ الفَقْرُ بِإعْطاءِ الجَيِّدِ.

ومَعْنى: يَعِدُكُمُ الفَقْرَ، أيْ: بِالفَقْرِ، وحُذِفَتِ الباءُ.

قالَ الشّاعِرُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرَتَ بِهِ فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ وَفِي الفَحْشاءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: البُخْلُ.

والثّانِي: المَعاصِي.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهُ يَعِدُكم مَفْغِرَةً لِفَحْشائِكم، وفَضْلًا في الرِّزْقِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الشَيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ واللهُ يَعِدُكُمُ مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلا واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها وإنْ لَمْ تَكُنْ أمْرًا بِالصَدَقَةِ فَهي جالِبَةٌ لِلنُّفُوسِ إلى الصَدَقَةِ - بَيَّنَ عَزَّ وجَلَّ فِيها نَزَغاتِ الشَيْطانِ ووَسْوَسَتَهُ وعَداوَتَهُ.

وذَكَّرَ بِثَوابِهِ هو لا رَبَّ غَيْرُهُ، وذَكَّرَ بِتَفَضُّلِهِ بِالحِكْمَةِ، وأثْنى عَلَيْها، ونَبَّهَ أنَّ أهْلَ العُقُولِ هُمُ المُتَذَكِّرُونَ الَّذِينَ يُقَيِّمُونَ بِالحِكْمَةِ قَدْرَ الإنْفاقِ في طاعَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وغَيْرَ ذَلِكَ.

ثُمَّ ذَكَرَ عِلْمَهُ بِكُلِّ نَفَقَةٍ ونَذْرٍ، وفي ذَلِكَ وعْدٌ ووَعِيدٌ، ثُمَّ بَيَّنَ الحُكْمَ في الإعْلانِ والإخْفاءِ وكَذَلِكَ إلى آخِرِ المَعْنى.

والوَعْدُ في كَلامِ العَرَبِ - إذا أُطْلِقَ - فَهو في الخَيْرِ، وإذا قُيِّدَ بِالمَوْعُودِ ما هُوَ، فَقَدْ يُقَيَّدُ بِالخَيْرِ، وقَدْ يُقَيَّدُ بِالشَرِّ، كالبِشارَةِ - فَهَذِهِ الآيَةُ مِمّا قُيِّدَ الوَعْدُ فِيها بِمَكْرُوهٍ وهو الفَقْرُ.

والفَحْشاءُ: كُلُّ ما فَحُشَ، وفَحُشَ ذِكْرُهُ ومَعاصِي اللهِ كُلُّها فَحْشاءُ، ورَوى حَيْوَةُ عن رَجُلٍ مِن أهْلِ الرِباطِ أنَّهُ قَرَأ "الفُقْرَ" بِضَمِّ الفاءِ، وهي لُغَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الآيَةِ اثْنَتانِ مِنَ الشَيْطانِ، واثْنَتانِ مِنَ اللهِ تَعالى.

ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً مِنَ ابْنِ آدَمَ، ولِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأمّا لَمَّةُ الشَيْطانِ فَإيعادٌ بِالشَرِّ، وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَتَعَوَّذْ، وأمّا لَمَّةُ المَلَكِ فَوَعْدٌ بِالخَيْرِ، وتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَحْمَدِ اللهَ، ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ الشَيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكُمْ ﴾ الآيَةَ.» والمَغْفِرَةُ: هي السَتْرُ عَلى عِبادِهِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، والفَضْلُ: هو الرِزْقُ في الدُنْيا والتَوْسِعَةُ فِيهِ، والنَعِيمُ في الآخِرَةِ وبِكُلٍّ قَدْ وعَدَ اللهُ تَعالى.

وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ بَعْضَ الناسِ تَأْنَسُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ الفَقْرَ أفْضَلُ مِنَ الغِنى، لِأنَّ الشَيْطانَ إنَّما يُبْعِدُ العَبْدَ مِنَ الخَيْرِ وهو بِتَخْوِيفِهِ الفَقْرَ يَبْعُدُ مِنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ في الآيَةِ حُجَّةٌ قاطِعَةٌ إلّا أنَّ المُعارَضَةَ بِها قَوِيَّةٌ - ورُوِيَ أنَّ في التَوْراةِ: "عَبْدِي، أنْفِقْ مِن رِزْقِي أبْسُطْ عَلَيْكَ فَضْلِي، فَإنَّ يَدِي مَبْسُوطَةٌ عَلى كُلِّ يَدٍ مَبْسُوطَةٍ".

وفي القُرْآنِ مِصْداقُهُ وهُوَ: ﴿ وَما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ وهو خَيْرُ الرازِقِينَ  ﴾ و"واسِعٌ" لِأنَّهُ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن نَفْسِهِ أنَّهُ: ﴿ يُؤْتِي الحِكْمَةَ ﴾ أيْ يُعْطِيها لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الحِكْمَةِ في هَذا المَوْضِعِ - فَقالَ السُدِّيُّ: الحِكْمَةُ: النُبُوَّةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي المَعْرِفَةُ بِالقُرْآنِ فِقْهِهِ ونَسْخِهِ ومُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ وعَرَبِيَّتِهِ، وقالَ قَتادَةُ: الحِكْمَةُ: الفِقْهُ في القُرْآنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الحِكْمَةُ: الإصابَةُ في القَوْلِ والفِعْلِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وأبُوهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الحِكْمَةُ: العَقْلُ في الدِينِ، وقالَ مالِكٌ: الحِكْمَةُ: المَعْرِفَةُ في الدِينِ، والفِقْهُ فِيهِ، والِاتِّباعُ لَهُ، ورَوى عنهُ ابْنُ القاسِمِ أنَّهُ قالَ: الحِكْمَةُ: التَفَكُّرُ في أمْرِ اللهِ، والِاتِّباعُ لَهُ، وقالَ أيْضًا: الحِكْمَةُ: طاعَةُ اللهِ، والفِقْهُ في الدِينِ والعَمَلُ بِهِ، وقالَ الرَبِيعُ: الحِكْمَةُ: الخَشْيَةُ.

ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ خَشْيَةُ اللهِ تَعالى"».

وقالَ إبْراهِيمُ: الحِكْمَةُ: الفَهْمُ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقالَ الحَسَنُ: الحِكْمَةُ: الوَرَعُ.

وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها ما عَدا قَوْلِ السُدِّيِّ قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، لِأنَّ الحِكْمَةَ مَصْدَرٌ مِنَ الإحْكامِ وهو الإتْقانُ في عَمَلٍ أو قَوْلٍ - وكِتابُ اللهِ: حِكْمَةٌ - وسُنَّةُ نَبِيِّهِ: حِكْمَةٌ، وكُلُّ ما ذُكِرَ فَهو جُزْءٌ مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي هي الجِنْسُ - وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ ويَعْقُوبُ: "وَمَن يُؤْتِ" بِكَسْرِ التاءِ عَلى مَعْنى: ومَن يُؤْتِ اللهُ الحِكْمَةَ، فَـ "مَن" مَفْعُولٌ أوَّلٌ مُقَدَّمٌ، و"الحِكْمَةَ" مَفْعُولٌ ثانٍ، وقَرَأ الأخْفَشُ: "وَمَن يُؤْتِهِ الحِكْمَةَ"،، وقَرَأ الرَبِيعُ بْنُ خَثِيمٍ "تُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن تَشاءُ" بِالتاءِ في "تُؤْتِي"، وفي "تَشاءُ" مَنقُوطَةً مِن فَوْقٍ، "وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ" بِالياءِ.

وباقِي الآيَةِ تَذَكُّرُ بَيِّنَةٍ وإقامَةٌ لِهِمَمِ الغَفْلَةِ.

والألْبابُ: العُقُولُ، واحِدُها: لُبٌّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف عن قوله: ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء ﴾ [البقرة: 267] لأنّ الشيطان يصدّ الناس عن إعطاء خيار أموالهم، ويغريهم بالشحّ أو بإعطاء الرديء والخبيث، ويخوّفهم من الفقر إن أعطوا بعض مَالهم.

وقدّم اسم الشيطان مسنداً إليه لأنّ تقديمه مؤذن بذمّ الحكم الذي سيق له الكلام وشؤمِه لتحذير المسلمين من هذا الحكم، كما يقال في مثال علم المعاني «السَّفَّاح في دَار صديقك»، ولأنّ في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي تَقَوِّيَ الحُكم وتحقيقه.

ومعنى ﴿ يعدكم ﴾ يسوّل لكم وقوعه في المستقبل إذا أنفقتم خيار أموالكم، وذلك بما يلقيه في قلوب الذين تخلّقوا بالأخلاق الشيطانية.

وسمّي الإخبار بحصول أمر في المستقبل وعداً مجازاً لأنّ الوعد إخبار بحصول شيء في المستقبل من جهة المخبِر، ولذلك يقال: أنجز فلان وعده أو أخلف وعده، ولا يقولون أنجز خَبَره، ويقولون صدق خَبَرِه وصدَق وعده، فالوعد أخصّ من الخبر، وبذلك يؤذن كلام أئِمة اللغة.

فشُبِّه إلقاء الشيطان في نفوسهم توقّع الفقر بوعد منه بحصوله لا محالة، ووجه الشبه ما في الوعد من معنى التحقق، وحسَّن هذا المجاز هنا مشاكلته لقوله: ﴿ والله يعدكم مغفرة ﴾ فإنّه وعد حقيقي.

ثم إن كان الوعد يطلق على التعهد بالخير والشر كما هو كلام «القاموس» تبعاً لفصيح ثعلب ففي قوله يعدكم الفقر مجاز واحد، وإن كان خاصاً بالخير كما هو قول الزمخشري في الأساس، ففي قوله: ﴿ يعدكم الفقر ﴾ مجازان.

والفقر شدّة الحاجة إلى لوازم الحياة لقلة أو فقد ما يعاوض به، وهو مشتق من فقار الظهر، فأصله مصدر فَقَره إذا كسر ظهره، جعلوا العاجز بمنزلة من لا يستطيع أدنى حركة لأنّ الظَّهر هو مجمع الحركات، ومن هذا تسميتهم المصيبة فاقرة، وقاصمة الظهر، ويقال فَقْر وفُقْر وفَقَر وفُقُر بفتح فسكون، وبفتحتين، وبضم فسكون، وبضمتين، ويقال رجل فقير، ويقال رجل فَقْر وصفاً بالمصدر.

والفحشاء اسم لفعل أو قول شديد السوء واستحقاققِ الذم عرفاً أو شرعاً.

مشتق من الفحش بضم الفاء وسكون الحاء تجاوز الحد.

وخصّه الاستعمال بالتجاوز في القبيح، أي يأمركم بفعل قبيح.

وهذا ارتقاء في التحذير من الخواطر الشيطانية التي تدعو إلى الأفعال الذميمة، وليس المراد بالفحشاء البخل لأنّ لفظ الفحشاء لا يطلق على البخل وإن كان البخيل يسمّى فاحشاً.

وإطلاق الأمر على وسوسة الشيطان وتأثير قوته في النفوس مجاز لأنّ الأمر في الحقيقة من أقسام الكلام.

والتعريف في الفحشاء تعريف الجنس.

﴿ والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً والله واسع عَلِيمٌ ﴾ .

عطف على جملة ﴿ الشيطان يعدكم الفقر ﴾ لإظهار الفرق بين ما تدعو إليه وساوس الشيطان وما تدعو إليه أوامر الله تعالى، والوعد فيه حقيقة لا محالة.

والقول في تقديم اسم الجلالة على الخبر الفعلي في قوله: ﴿ والله يعدكم ﴾ على طريقة القول في تقديم اسم الشيطان في قوله: ﴿ الشيطان يعدكم الفقر ﴾ .

ومعنى «واسع» أنّه واسع الفضل، والوصف بالواسع مشتق من وَسِع المتعدي إذا عمّ بالعطاء ونحوه قال الله تعالى: ﴿ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ﴾ [غافر: 7]، وتقول العرب: «لا يسعني أن أفعل كذا»، أي لا أجدُ فيه سعة، وفي حديث علي في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد وسع الناسَ بِشْرُه وخُلقُه ".

فالمعنى هنا أنّه وَسِعَ الناس والعالمين بعطائِه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي بِهِ الذَّهَبَ والفِضَّةَ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: يَعْنِي التِّجارَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: الحَلالُ.

والرّابِعُ: الجَيِّدُ.

﴿ وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ﴾ مِنَ الزَّرْعِ والثِّمارِ.

وَفي الكَسْبِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: ما حَدَثَ مِنَ المالِ المُسْتَفادِ.

والثّانِي: ما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ المِلْكُ مِن قَدِيمٍ وحادِثٍ.

واخْتَلَفُوا في هَذِهِ النَّفَقَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: هي الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ قالَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ.

والثّانِي: هي في التَّطَوُّعِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ.

﴿ وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ﴾ التَّيَمُّمُ: التَّعَمُّدُ، قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ أمَمْتُهُ إذا قَصَدْتَ أمامَهُ، ويَمَّمْتُهُ إذا تَعَمَّدْتَهُ مِن أيِّ جِهَةٍ كانَ، وقالَ غَيْرُهُ: هُما سَواءٌ، والخَبِيثُ: الرَّدِيءُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وفِيهِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَأْتُونَ بِالحَشَفِ فَيُدْخِلُونَهُ في تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، والبَراءِ بْنِ عازِبٍ.

والثّانِي: أنَّ الخَبِيثَ هو الحَرامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إلّا أنْ تَتَساهَلُوا، وهو قَوْلُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ.

والثّانِي: إلّا أنْ تَحُطُّوا في الثَّمَنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: إلّا بِوَكْسٍ فَكَيْفَ تُعْطُونَهُ في الصَّدَقَةِ قالَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: إلّا أنْ تُرَخِّصُوا لِأنْفُسِكم فِيهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقالَ الطِّرِمّاحُ: لَمْ يُفْتِنا بِالوِتْرِ قَوْمٌ ولِلضَّيْـ مِ رِجالٌ يَرْضَوْنَ بِالإغْماضِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ﴾ وهو ما خَوَّفَ مِنَ الفَقْرِ إنْ أنْفَقَ أوْ تَصَدَّقَ.

﴿ وَيَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالشُّحِّ.

والثّانِي: بِالمَعاصِي.

﴿ واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ....

لَكم.

والثّانِي: عَفْوًا لَكم.

﴿ وَفَضْلا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: سَعَةُ الرِّزْقِ.

والثّانِي: مُضاعَفَةُ العَذابِ.

﴿ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (إنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً مِنِ ابْنِ آدَمَ، ولِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأمّا لَمَّةُ الشَّيْطانِ فَإيعادٌ بِالشَّرِّ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وأمّا لَمَّةُ المَلَكِ فَإيعادٌ بِالخَيْرِ وتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ ولْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَدَ الأُخَرَ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ.

ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ).» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ﴾ في الحِكْمَةِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الفِقْهُ في القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: العِلْمُ بِالدِّينِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: النُّبُوَّةُ.

والرّابِعُ: الخَشْيَةُ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

والخامِسُ: الإصابَةُ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والسّادِسُ: الكِتابَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والسّابِعُ: العَقْلُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

وَيَحْتَمِلُ ثامِنًا: أنْ تَكُونَ الحِكْمَةُ هُنا صَلاحَ الدِّينِ وإصْلاحَ الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوّذ بالله من الشيطان، ثم قرأ ﴿ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ﴾ .

الآية» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اثنتان من الله واثنتان من الشيطان ﴿ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ﴾ يقول: لا تنفق مالك وأمسكه عليك فإنك تحتاج إليه ﴿ والله يعدكم مغفرة منه ﴾ على هذه المعاصي وفضلاً في الرزق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ والله يعدكم مغفرة منه ﴾ لفحشائكم وفضلاً لفقركم.

وأخرج ابن المنذر عن خالد الربعي قال: عجبت لثلاث آيات ذكرهن الله في القرآن ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ [ غافر: 60] ليس بينهما حرف وكانت إنما تكون لنبي فاباحها الله لهذه الأمة، والثانية قف عندها ولا تعجل ﴿ اذكروني أذكركم ﴾ فلو استقر يقينها في قلبك ما جفت شفتاك، والثالثة ﴿ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً ﴾ .

وأخرج أحمد في الزهد عن ابن مسعود قال: إنما مثل ابن آدم مثل الشيء الملقى بين يدي الله وبين الشيطان، فإن كان لله تبارك وتعالى فيه حاجة أجاره من الشيطان، وإن لم يكن لله فيه حاجة خلى بينه وبين الشيطان.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ﴾ الفَقْرُ والفُقْرُ لغتان (١) (٢) إنَّنِي لَسْتُ بِمَوْهُونٍ فَقِرْ (٣) رَفَعَ القَوَادِمَ كالفَقِيرِ الأعْزَلِ (٤) ولم يسمع من الفقر الذي هو ضد الغنى: فِعْل، إنما يُقَال: أَفْقَرَه الله فافتقر (٥) ومعنى الآية: أن الشيطان يُخَوِّفكم بالفقر، ويقول (٦) (٧) (٨) والفحشاء: البخلُ ومنعُ الزكاة في هذه الآية، وروي عن مقاتل (٩) (١٠) قال الأزهري: والعَرَبُ تسمي البخيلَ فاحشًا، وأنشد لطرفة: أرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ ويَصْطفي ...

عَقِيلةَ مَالِ الفَاحِشِ المُتَشَدّدِ (١١) (١٢) ﴿ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ ﴾ أن يجازيكم على صدقتكم ﴿ مَغْفِرَةً ﴾ لذنوبكم، وأن يخلف عليكم (١٣) (١) قال الليث: والفُقر: لغة رديئة.

ينظر "تهذيب اللغة" 3/ 2812 مادة (فقر).

(٢) ينظر في الفقر: "تهذيب اللغة" 3/ 2813، "تفسير الثعلبي" 2/ 1629، "المفردات" 385، "اللسان" 6/ 3444 مادة (فقر).

(٣) صدره: وإذا تلسُنني ألسُنها.

البيت في "ديوانه" ص 60، وفي "تفسير الثعلبي" 2/ 1630، و"اللسان" 6/ 3445 == (مادة: فقر).

يقول الشاعر: إذا أخذتني بلسانها وفخرت علي، انتصرت لنفسي وقابلتها بمثل ذلك.

والموهون: الضعيف.

الفقر: الفقار، وهو كناية عن ضعف النفس واحتمال الذل.

ينظر الديوان.

(٤) مطلع البيت: لما رأى لُبَدُ النُّسورَ تَطَايَرَتْ والبيت في "ديوانه" ص 126.

"تهذيب اللغة" 3/ 2813 "اللسان" 6/ 3445 (مادة: فقر) والأعزل من الخيل: المائل الذَّنَب، والفقير: المكسور الفَقَار، يضرب مثلًا لكل ضعيف لا ينفُذُ في الأمور.

(٥) قال في "اللسان" 6/ 3444 مادة (فقر) وقال سيبويه: وقالوا افتقر كما قالوا: اشتد، ولم يقولوا: فقُر، كما لم يقولوا: شدد، ولا يستعمل بغير زيادة.

(٦) في (ي): (فإن كان).

(٧) في (ي): (فإن كان).

(٨) "تفسير الثعلبي" 2/ 1630.

(٩) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1630، وليس في "تفسير مقاتل".

(١٠) ذكره أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 231، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1630، والبغوي في "تفسيره" 1/ 333.

(١١) البيت في "ديوانه" ص 34، و"لسان العرب" 4/ 2215 (مادة: شدد) 6/ 3356 (مادة: فحش) 5/ 3195 مادة: عيم.

(١٢) "تهذيب اللغة" 3/ 2746، وينظر "المفردات" 375 - 376.

(١٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 1630.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر ﴾ الآية: دفع لما يوسوس به الشيطان من خوف الفقر، ففي ضمن ذلك حض على الإنفاق، ثم بين عداوة الشيطان بأمره بالفحشاء، وهي المعاصي، وقيل: الفحشاء البخل، والفاحش عند العرب البخيل، قال ابن عباس: في الآية اثنتان من الشيطان واثنتان من الله، والفضل هو الرزق والتوسعة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تيمموا ﴾ بتشديد التاء ومد الألف: البزي وابن فليح الباقون على الأصل ﴿ ومن يؤت الحكمة ﴾ بكسر التاء: يعقوب أي من يؤتيه الله.

الباقون بالفتح ﴿ فنعما هي ﴾ ساكنة العين: أبو عمرو والمفضل ويحيى وأبو جعفر ونافع غير ورش ﴿ فنعما هي ﴾ بفتح النون وكسر العين: ابن عامر وعلي وحمزة وخلف والخراز، الباقون ﴿ فنعما هي ﴾ بكسر النون والعين والميم مشددة في القراءات، ﴿ ونكفر ﴾ بالنون والراء ساكنة: أبو جعفر ونافع وحمزة وخلف وعلي ﴿ ويكفر ﴾ بالياء والراء مرفوعة: ابن عامر وحفص والمفضل.

الباقون ﴿ ونكفر ﴾ بالنون ورفع الراء ﴿ يحسبهم ﴾ وبابه بفتح السين: ابن عامر ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة.

﴿ بسيماهم ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وابن شاذان عن خلاد مخيراً.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وكذلك كل كلمة على ميزان "فعلى".

الوقوف: ﴿ من الأرض ﴾ "ز" لعطف المتفقتين ﴿ تغمضوا فيه ﴾ (ط)، ﴿ حميد ﴾ ه، ﴿ الفحشاء ﴾ ج، وإن اتفقت الجملتان ولكن للفصل بين تخويف الشيطان الكذاب ووعد الله الحق الصادق، ﴿ فضلاً ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، وقد يوصل على جعل ما بعده صفة، ﴿ من يشاء ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف.

ومن قرأ ﴿ ومن يؤت الحكمة ﴾ بالكسر فالوصل أجوز.

﴿ كثيراً ﴾ ط، ﴿ الألباب ﴾ ه، ﴿ يعلمه ﴾ ط، ﴿ أنصار ﴾ ه، ﴿ فنعما هي ﴾ ج، ﴿ خير لكم ﴾ ط، لمن قرأ ﴿ ونكفر ﴾ مرفوعاً بالنون أو الياء على الاستئناف.

ومن جزم بالعطف على موضع فهو خير لكم لم يقف ﴿ سيئاتكم ﴾ ط، ﴿ خبير ﴾ ه، ﴿ من يشاء ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ فلأنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي، ﴿ وجه الله ﴾ ط، ﴿ لا يظلمون ﴾ ه، ﴿ في الأرض ﴾ ز لأن ﴿ يحسبهم ﴾ وإن صلحت حالاً بعد حال نظماً، ولكن لا يليق بحال من أحصر.

﴿ التعفف ﴾ ز لأن ﴿ تعرفهم ﴾ تصلح استئنافاً والحال أوجه أي يحسبهم الجاهل أغنياء وأنت تعرفهم بحقيقة ما في بطونهم من الضر وهم لا يسألون الناس على إلحاف.

وقد يجعل ﴿ لا يسألون ﴾ استئنافاً فيجوز الوقف على ﴿ سيماهم ﴾ ﴿ إلحافاً ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، ﴿ عند ربهم ﴾ ج ﴿ يحزنون ﴾ ه.

التفسير: لما رغب في الإنفاق وذكر أن منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يتبعه ذلك، وشرح ما يتعلق بكل من القسمين وضرب لكل واحد مثلاً، ذكر بعد ذلك أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله كيف يجب أن يكون فقال ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما/ أخرجنا ﴾ أي من طيبات ما أخرجنا، فحذف لدلالة الأول عليه.

عن الحسن: أن المراد من هذا الإنفاق الفرض بناء على أن ظاهر الأمر للوجوب، والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة، وقيل: التطوع لما روي عن علي والحسن ومجاهد أن بعض الناس كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم فأنزل الله هذه الآية.

عن ابن عباس: "جاء رجل ذات يوم بعذق حشف فوضعه في الصدقة لأهل الصفة على حبل بين أسطوانيتن في مسجد رسول الله  فقال  : بئسما صنع صاحب هذا" فنزلت.

وقيل: يشمل الفرض والنفل، لأن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على الترك فقط، ويتفرع على قول الوجوب وجوب الزكاة في كل مال يكسبه الإنسان، فيشمل زكاة التجارة وزكاة الذهب والفضة وزكاة النعم وزكاة كل ما ينبت من الأرض، إلا أن العلماء خصصوها بالأقوات لما روي أنه  قال: " الصدقة في أربعة: في التمر والزبيب والحنطة والشعير وليس فيما سواها صدقة" فهذا الخبر ينفي الزكاة في غير الأربعة، لكن ثبت أخذ الزكاة من الذرة وغيرها بأمر  فعلم وجوب الزكاة في الأقوات دون غيرها.

ولا يكفي في وجوب الزكاة كون الشيء مقتاتاً على الإطلاق، بل المعتبر حالة الاختيار لا وقت الضرورة ومثله الشافعي بالقت وحب الحنظل وسائر البذور البرية، وشبهها ببقرة الوحش لا زكاة فيها لأن الناس لا يتعهدونها.

وأيضاً لا تجب الزكاة في القوت ما لم يبلغ خمسة أوسق وبه قال مالك وأحمد لرواية أبي سعيد الخدري أن النبي  قال: "ليس فيما دون خمسَة أوسق صدقة" وقال أبو حنيفة: يجب العشر في القليل والكثير استدلالاً بعموم الآية.

وتفصيل الكلام في الأموال الزكوية وكيفية إخراجها ونصاب كل منها مشهور مذكور في الفروع، فلذلك ولطولها لم نشرع فيها.

وما المراد بالطيب في الآية؟

قيل: الجيد فيكون المراد بالخبيث الرديء لما مر في سبب النزول أنهم كانوا يتصدقون برذالة أموالهم فنهوا عن ذلك، ولأن المحرم لا يجوز أخذه بالإغماض وبغيره، والآية دلت على جواز أخذ الخبيث بالإغماض، وعن ابن مسعود ومجاهد: أن الطيب هو الحلال والخبيث هو الحرام، والمراد من الإغماض هو المسامحة وترك الاستقصاء.

والمعنى ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال من حلاله أو من حرامه، ويحتمل أن يراد ما/ يكون طيباً من جميع الوجوه فيكون طيباً بمعنى الحلال وبمعنى الجودة أيضاً، لأن الاستطابة قد تكون شرعاً وقد تكون عقلاً.

واعلم أن المال الزكوي إن كان كله شريفاً وجب أن يكون المأخوذ منه كذلك، وإن كان الكل خسيساً فلا يكلف صاحبه فوق طاقته ولا يكون خلافاً للآية لأن المأخوذ في هذه الحال لا يكون خبيثاً من ذلك المال وإنما الكلام فيما لو كان في المالجيد ورديء فحينئذٍ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك، ولا تكلف أيضاً جيده لقوله  لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: " اعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم " بل الواجب حينئذٍ هو الوسط.

ثم إن قلنا: المراد من الإنفاق في الآية التطوع أو هو والفرض جميعاً، فالمعنى أن الله  ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه قضاء لحقوق التعظيم والإخلاص، ومعنى ﴿ لا تيمموا الخبيث ﴾ لا تقصدوه.

يقال: تيممته وتأممته كله بمعنى قصدته.

ومحل ﴿ تنفقون ﴾ نصب على الحال، وقدم ﴿ منه ﴾ عليه ليعلم أن المنهي عنه هو تخصيص الخبيث بالإنفاق منه أي إذا كان في المال طيب وخبيث.

ويحتمل أن يتم الكلام عند قوله: ﴿ ولا تيمموا الخبيث ﴾ ثم ابتدأ مستفهماً بطريق الإنكار فقال: ﴿ منه تنفقون ﴾ وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم إلا بالإغماض وهو غض البصر وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض وهو الخفاء.

يقال للبائع: أَغْمِضْ أي لا تستقص كأنك لا تبصر.

وأصله أن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه كيلا يرى ذلك، فكثر حتى جعل كل مساهلة إغماضاً أي لو أهدي لكم مثل هذه الأشياء أخذتموها إلا على استحياء وإغماض، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم؟

ويحتمل أن يراد إلا إذا أغمضتم بصر البائع أي كلفتموه الحط من الثمن.

عن الحسن: لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه.

﴿ واعلموا أن الله غني ﴾ عن صدقاتكم ﴿ حميد ﴾ محمود على ما أنعم من البيان والتكليف بما تحوزون به النعيم الأبدي، أو حامد شاكر على إنفاقكم كقوله: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ ثم إن الله  لما رغب في أجود ما يملكه الإنسان أن ينفق، حذر عن وسوسة الشيطان فقال: ﴿ الشيطان يعدكم الفقر ﴾ أما الشيطان فيشمل إبليس وجنوده وشياطين الإنس والنفس الأمارة بالسوء.

والوعد يستعمل في الخير والشر.

قال  : ﴿ النار وعدها الله الذين كفروا  ﴾ ويمكن أن يكون استعماله في الشر محمولاً على التهكم مثل ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ وأصل الفقر في اللغة كسر الفقار وقرىء الفقر بضمتين، والفقر بفتحتين.

﴿ ويأمركم بالفحشاء ﴾ يغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور.

والفاحش عند العرب البخيل.

والتحقيق أن لكل خلق طرفين ووسطاً، فالطرف الكامل للإنفاق هو أن يبذل كل ماله في سبيل الله، والطرف الأفحش أن لا ينفق شيئاً لا الجيد ولا الرديء، والوسط أن يبخل بالجيد وينفق الرديء.

فالشيطان إذا أراد نقله من الأفضل إلى الأفحش، فمن خفي حيلته أن يجره إلى الوسط وهو وعده بالفقر، ثم إلى الطرف وهو أمره بالفحشاء.

وذلك أن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فلا يمكنه أن يجره ابتداء إليها إلا بتقديم مقدمة هي التخويف بالفقر إذا أنفق الجيد من ماله، فإذا أطاعه زاد فيمنعه من الإنفاق بالكلية.

وربما تدرج إلى أن يمنع الحقوق الواجبة فلا يؤدي الزكاة ولا يصل الرحم ولا يرد الوديعة، فإذا صار هكذا ذهب وقع الذنوب عن قلبه ويتسع الخرق فيقدم على المعاصي كلها.

ثم لما ذكر درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر إلهامات الرحمن فقال: ﴿ والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً ﴾ فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة والفضل إشارة إلى ما يحصل في الدنيا من الخلف عن النبي  " إن الملك ينادي كل ليلة: اللهم أعط منفقاً خلفاً وممسكاً تلفا " فالشيطان يعدكم الفقر في غد الدنيا، والرحمن يعدكم المغفرة في غد العقبى، ووعد الرحمن بالقبول أولى لأن الوصول إلى غد الدنيا مشكوك فيه، وغد العقبى مقطوع به.

وعلى تقدير وجدان غد الدنيا فقد لا يبقى المال بآفةأخرى، وعند وجدان العقبى لا بد من حصول المغفرة فإن الله  لا يخلف الميعاد.

ولو فرض بقاء المال فقد لا يتمكن صاحبه من الانتفاع به لخوف أو مرض أومهم بخلاف الانتفاع بما في الآخرة فإنه لا مانع منه.

وبتقدير التمكن من الانتفاع بالمال فإن ذلك ينقطع ويزول بخلاف الموعود في الآخرة فإنه باق لا يزول.

وأيضاً لذات الدنيا مشوبة بالآلام والمضار ألبتة، فلا لذة إلا وفيها ألم من وجوه كثيرة بخلاف لذات الآخرة فإنه لا نغص فيها ولا نقص.

والمراد بالمغفرة تكفير الذنوب، والتنكير فيه للدلالة على الكمال والتعظيم لا سيما وقد قرن به لفظة "منه" فإن غاية كرمه ونهاية جوده مما يعجز عن إدراكها عقول الخلائق.

ويحتمل أن يكون نوعاً من المغفرة وهو المشار إليه في آية أخرى ﴿ فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات  ﴾ أو أن يجعل شفيعاً في غفران ذنوب إخوانه المؤمنين.

وأما الفضل فيحتمل أن يراد به الفضيلة الحاصلة للنفس وهي ملكة الجود والسخاء، وذلك أن المال فضيلة خارجية وعدمه نقصان خارجي، وملكة الجود فضيلة نفسانية وملكة البخل رذيلة/ نفسانية، فمتى لم يحصل الإنفاق حصل الكمال الخارجي والنقصان الداخلي، وإذا حصل الإنفاق وجد الكمال الداخلي والنقصان الخارجي، فيكون الإنفاق أولى وأفضل.

وأيضاً متى حصلت ملكة الإنفاق زالت عن النفس هيئة الاشتغال بنعيم الدنيا والتهالك في طلبها فاستنارت بالأنوار القدسية وهذا هو الفضل.

وأيضاً مهما عرف من الإنسان أنه منفق كانت الهمم معقودة على أن يفتح الله عليه أبواب الرزق ولمثل ذلك من التأثير ما لا يخفى ﴿ والله واسع ﴾ كامل العطاء كافل للخلف قادر على إنجاز ما وعد ﴿ عليم ﴾ بحال من أنفق ثقة بوعده وبحال من لم ينفق طاعة للشيطان.

ثم نبه على الأمرالذي لأجله يحصل ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان وهو الحكمة والعقل، فإن وعد الشيطان إنما ترجحه الشهوة والنفس.

عن مقاتل: إن تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: مواعظ القرآن ﴿ وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به  ﴾ وثانيها الحكمة بمعنى الفهم ﴿ وآتيناه الحكم صبياً  ﴾ ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة  ﴾ وثالثها الحكمة بمعنى النبوة ﴿ وآتاه الله الملك والحكمة  ﴾ ورابعها القرآن بما فيه من الأسرار ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم.

فتأمل يا مسكين شرف العلم فإن الله  سماه الخير الكثير ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ والتنكير للتعظيم.

وسمى الدنيا بأسرها قليلاً ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ وذلك أن الدنيا متناهية العدد، متناهية المقدار، متناهية المدة والعلوم، لا نهاية لمراتبها وعددها ومدة بقائها والسعادات الحاصلة منها.

واعلم أن كمال الإنسان في شيئين: أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به.

فمرجع الأول إلى العلم والإدراك المطلق، ومرجع الثاني إلى فعل العدل والصواب، ولذلك سأل إبراهيم  ﴿ رب هب لي حكماً  ﴾ وهو الحكمة النظرية، ﴿ وألحقني بالصالحين  ﴾ وهو الحكمة العملية.

ونودي موسى  ﴿ إنى أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ وهو الحكمة النظرية ثم قال: ﴿ فاعبدني  ﴾ وهو العملية.

وحكي عن عيسى  أنه ﴿ قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت  ﴾ وكلها النظرية ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً  ﴾ وجميعها العملية.

وقال في حق محمد  : ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله  ﴾ وهو النظرية ثم قال ﴿ واستغفر لذنبك  ﴾ وهو العملية.

وقال في حق جميع الأنبياء ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا  ﴾ وأنه الحكمة العلمية ثم قال ﴿ فاتقون  ﴾ وهو الحكمة العملية./ فعلم من هذه الآيات وأمثالها أن كمال حال الإنسان في هاتين القوتين.

والحكمة فعلة من الحكم كالنحلة من النحل.

ورجل حكيم إذا كان ذا حجا ولب وإصابة رأي، فعيل بمعنى فاعل ويجيء بمعنى مفعول ﴿ فيه يفرق كل أمر حكيم  ﴾ أي محكم.

وفي الآية دليل على أن جميع العلوم النظرية والأخلاق المرضية إنما هي بإيتاء الله  .

والذين حملوا الإيتاء على التوفيق والإعانة كالمعتزلة ما زادوا إلا أن وسعوا الدائرة إذ لا بد من الانتهاء إليه أية سلكوا ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين إذا حصل لهم الحكم والمعارف لم يقفوا عند المسببات، فلم ينسبوا هذه الأحوال إلى أنفسهم بل يرقون إلى أسبابها حتى يصلوا إلى السبب الأول.

وأما المعتزلة فإنهم لما فسروا الحكمة بقوة الفهم ووضع الدلائل قالوا: هذه الحكمة لا تفيد بنفسها وإنما ينتفع بها المرء إذا تدبر وتذكر فعرف ماله وما عليه، وعند ذلك يقدم أو يحجم.

ثم إنه  نبه على أنه عالم بما في قلب العبد من نية الإخلاص أو الرياء، وأنه يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئاً منها فقال ﴿ وما أنفقتم من نفقة ﴾ لله أو للشيطان ﴿ أو نذرتم من نذر ﴾ في طاعة الله أو معصيته ﴿ فإن الله يعلمه ﴾ وتذكير الضمير إما لأنه عائد إلى "ما" وإما لأنه عائد إلى الأخير كقوله: ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً  ﴾ وهذا قول الأخفش، والنذر ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على نفسه وأصله من الخوف كأنه يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر المهم عنده ومنه الإنذار إبلاغ مع تخويف.

واعلم أن النذر قسمان: نذر اللجاج والغضب ونذر التبرر.

أما الأول فهو أن يمنع نفسه من الفعل أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة بالفعل أو الترك كقوله "إن كلمت فلاناً أو أكلت كذا أو دخلت الدار أو لم أخرج من البلد فللَّه علي صوم شهر أو صلاة أو حج أو إعتاق رقبة" ثم إنه إذا كلمه أو أكل أو دخل أو لم يخرج فللعماء ثلاثة أقوال: أحدها يلزمه الوفاء بما التزم، والثاني: وهو الأصح أن عليه كفارة يمين لما روي أنه  : "كفارة النذر كفارة اليمين" ، والثالث: التخيير بين الوفاء وبين الكفارة.

وأما نذر التبرر فنوعان: نذر المجازاة وهو أن يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع نقمة مثل "إن شفى الله مريضي أو رزقني ولدا فللَّه علي أن أعتق رقبة أو أصوم أو أصلي كذا" فإذا حصل المعلق عليه لزمه الوفاء بما التزم لقوله  : " "من نذر أن يطيع الله فليطعه " .

ونذر التنجيز وهو أن يلتزم ابتداء غير معلق على شيء كقوله "لله علي/ أن أصوم أو أصلي أو أعتق" فالأصح أنه يصح ويلزم الوفاء به لمطلق الخبر.

وما يفرض التزامه بالنذر إما المعاصي وإما الطاعات وإما المباحات.

فالمعاصي كشرب الخمر والزنا ونذر المرأة صوم أيام الحيض ونذر قراءة القرآن في حال الجنابة لا يصح التزامها بالنذر لأنه لا نذر في معصية الله  ، ومن هذا القبيل نذر ذبح الولد أو ذبح نفسه.

وإذا لم ينعقد نذر فعل المعصية فعليه أن يمتنع منه ولا يلزمه كفارة يمين، وما روي من أنه  قال: " لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين " محمول على نذر اللجاج، وأما الطاعات فالواجبات ابتداء بالشرع كالصلوات الخمس وصوم رمضان لا معنى لالتزامها بالنذر معلقاً أو غير معلق، وكذا لو نذر أن لا يشرب الخمر ولا يزني، وإذا خالف ما ذكره فلا يلزمه الكفارة على الأصح، وأما غير الواجبات فالعبادات المقصودة وهي التي وضعت للتقرب بها وعرف من الشارع الاهتمام بتكليف الخلق بإيقاعها عبادة فتلزم بالنذر وذلك كالصوم والصلاة والزكاة والصدقة والحج والاعتكاف والإعتاق وكذا فروض الكفايات التي يحتاج فيها إلى معاناة تعب وبذل مال كالجهاد وتجهيز الموتى، ذكره إمام الحرمين - وفي الصلاة على الجنازة والأمر بالمعروف، وما ليس فيه بذل مال وكثير مشقة الأظهر اللزوم أيضا، وكما يلزم أصل العبادات بالنذر يلزم رعاية الصفة المشروطة فيها إذا كانت من المحبوبات كالصلاة بشرط طول القراءة أو الركوع أو السجود أو الحج بشرط المشي إذا جعلناه أفضل من الركوب وهو الأصح ولو أفرد الصفة بالالتزام.

والأصل واجب كتطويل الركوع والسجود أو القراءة في الفرائض، فالأشبة اللزوم لأنها عبادات مندوب إليها.

وأما الأعمال والأخلاق المستحسنة كعيادة المريض وزيارة القادم وإفشاء السلام على المسلمين فالأظهر لزومها أيضاً بالنذر، وكذا تجديد الوضوء لأن كلها مما يتقرب بها إلى الله  ، وقد رغب الشارع فيها.

وأما المباحات التي لم يرد فيها ترغيب كالأكل والنوم والقيام والقعود فلو نذر فعلها أو تركها لم ينعقد نذره، "روي أن النبي  رأى رجلاً قائماً في الشمس فسأل عنه فقالوا: نذر أن لا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال  : مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" .

ولو قال: "لله عليّ نذر" من غير تسمية لزمه كفارة يمين لقوله  : " "من نذر نذراً وسمى فعليه ما سمى، ومن نذر نذراً ولم يسم فعليه كفارة يمين " ﴿ وما للظالمين ﴾ الذين يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو للرياء، أو لا يوفون بالنذور، أو ينذرون في/ المعاصي ﴿ من أنصار ﴾ ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه.

والأنصار جمع ناصر كأصحاب في صاحب، أو جمعٍ نصير كأشراف في شريف.

وقد يتمسك المعتزلة بهذا في نفي الشفاعة لأهل الكبائر، فإن الشفيع ناصر.

ورد بأن الشفيع في العرف لا يسمى ناصراً وإلا كان قوله ﴿ ولا هم ينصرون  ﴾ بعد قوله: ﴿ ولا يقبل منها شفاعة  ﴾ تكراراً.

وأيضاً إن هذا الدليل النافي عام في حق كل الظالمين وفي كل الأوقات، والدليل المثبت للشفاعة خاص في حق البعض وفي بعض الأوقات والخاص مقدم على العام.

وأيضا اللفظ لا يكون قاطعاً في الاستغراق بل ظاهراً على سبيل الظن القوي فصار الدليل ظنياً والمسألة ليست ظنية فكان التمسك بها ساقطاً.

"سألوا رسول الله  أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية فنزلت: ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ " والتركيب موضوع للصحة والكمال ومنه "فلان صادق المودة" و"هذا خل صادق الحموضة" و"صدق فلان في خبر" إذا أخبر على وجه الصحة والكمال، ومنه "الصداق" لأن عقد الصداق به يتم ويكمل، والزكاة صدقة لأن المال بها يصح ويبقى وبها يستدل على صدق العبد وكماله في إيمانه، ﴿ فنعما هي ﴾ من قرأ بسكون العين فمحمول على أنه أوقع على العين حركة خفيفة على سبيل الاختلاس وإلا لزم التقاء الساكنين على غير حدة، ومثله ما يروى في الحديث أنه  قال لعمرو بن العاص: " "نعم المال الصالح للرجل الصالح " بسكون العين.

ومن قرأ بكسر النون والعين فلتحصيل المشاكلة، ومن قرأ بفتح النون وكسر العين فعلى الأصل.

قال طرفة: نعم الساعون في الأمر المبر *** قال سبيويه: "ما" في تأويل الشيء أي نعم الشيء هي.

وقال أبو علي: الجيد في مثله أن يقال: "ما" في تأويل شيء لأن "ما" ههنا نكرة إذ لو كانت معرفة بقيت بلا صلة.

فإن "هي" مخصوصة بالمدح.

فالتقدير: نعم شيئاً إبداء الصدقات.

فحذف المضاف للدلالة، أو نعم شيئاً تلك الصدقات، أو تلك الخصلة وهي الإبداء.

قال الأكثرون: المراد بها صدقة التطوع لقوله  : ﴿ وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ﴾ والإخفاء في صدقة التطوع أفضل كما أن الإظهار في الزكاة أفضل أما الأول فلأن ذلك أشق على النفس فيكون أكثر ثواباً، ولأنه أبعد عن الرياء والسمعة قال  : "لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان " والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة، والمعطي في ملأ من الناس يطلب الرياء، وقد بالغ قوم في الإخفاء واجتهدوا أن لا يعرفهم الآخذ، فبعضهم كان يلقي الصدقة في يد/ الأعمى، وبعضهم يلقيها في طريق الفقير أو في موضع جلوسه بحيث يراها ولا يرى المعطي، وبعض يشدها في ثوب الفقير وهو نائم، وبعض يوصل إلى الفقير على يد غيره، وقال  : " أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر " وقال أيضاً: " إن العبد ليعمل عملاً في السر فيكتبه الله سراً، فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب في الرياء" وقال  : " "صدقة السر تطفىء غضب الرب " وأيضاً في الإظهار هتك ستر الفقير وإخراجه من حيز التعفف، وربما أنكر الناس على الفقير أخذ تلك الصدقة لظن الاستغناء به فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة، ولأن في الإظهار إذلالاً للآخذ وإهانة له، وإذلال مؤمن غير جائزة ولأن الصدقة كالهدية، وقال  : " "من أهدي إليه هدية وعنده قوم فهم شركاء فيها " وربما لا يدفع الفقير إليهم شيئاً فيقع في حيز اللوم والتعنيف.

نعم لو علم أنه إذا أظهرها اقتدى غيره به لم يبعد والحالة هذه أن يكون الإظهار أفضل.

وروى ابن عمر أنه  قال: " السر أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء " واعلم أن الإنسان إذا أتى بعمل وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة، فههنا الشيطان يردد عليه ذكر رؤية الخلق والقلب ينكره.

فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فيكون إخفاؤه يفضل علانيته سبعين ضعفاً كما روي عن ابن عباس: صدقات السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً.

ثم إن الله  عباداً راضوا أنفسهم حتى من الله عليهم بأنوار هدايته، وذهبت عنهم وساوس النفس لأن الشهوات قد ماتت منهم ووقعت قلوبهم في بحار عظمة الله فلم يحتاجوا إلى المجاهدة.

فإذا أعلنوا بالعمل أرادوا أن يقتدي بهم غيرهم، فهم كاملون في أنفسهم ويسعون في تكميل غيرهم كما قال  : ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق  ﴾ ﴿ واجعلنا للمتقين إماماً  ﴾ فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق بهم يقتدى في الذهاب إلى الله.

وأما أن الإظهار في إعطاء الزكاة أفضل فلأن الله أمر الأئمة بتوجيه السعادة لطلب الزكوات، وفي دفعها إلى السعاة إظهارها، ولأنه ينفي التهمة ولهذا روي أنه  كان أكثر صلاته في البيت إلا المكتوبة.

وعن ابن عباس: صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً.

هذا إذا كان المزكي ممن لا يخفى يساره، فإن لم يعرف باليسار كان الإخفاء له أفضل ولا سيما إذا خاف الظلمة أن يطمعوا في ماله.

وعن بعضهم أن معنى قوله ﴿ خير لكم ﴾ أنه في نفسه خير من الخيرات كما يقال الثريد خير من الأطعمة./ وإنما قيل ﴿ وتؤتوها الفقراء ﴾ لأن المقصود من بعث المتصدق أن يتحرى موضع الصدقة فيصير عالماً بالفقراء مميزاً لهم عن غيرهم، فإذا تقدم منه هذا الاستظهار ثم أخفاها حصلت الفضيلة فلهذا شرط في الإخفاء أن يحصل معه إيتاء الفقراء.

وأما في الإبداء فقلما يخفى حال الفقير فلهذا لم يصرح بالشرط.

﴿ ونكفر عنكم ﴾ من قرأ بالنون مرفوعاً فهو عطف على محل ما بعد الفاء، لأن الأصل في الشرط والجزاء أن يكونا فعلين.

فإذا وقع الجزاء فعلاً مضارعاً مع الفاء كان خبر مبتدأ محذوف.

فقوله: ﴿ فهو ﴾ في تأويل.

فيكون خيراً لكم ﴿ ونكفر ﴾ بالرفع عطف عليه، ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر، وأن يكون جملة من فعل وفاعل مستأنفة.

ومن قرأ مجزوماً فهو عطف على محل الفاء وما بعده لأنه جواب الشرط كأنه قيل: وإن تخفوها تكن أعظم أجراً.

وأما من قرأ ﴿ ويكفر ﴾ بياء الغيبة مرفوعاً فالإعراب كما مر في النون والضمير لله أو للإخفاء.

وقرىء ﴿ وتكفر ﴾ بالتاء مرفوعاً ومجزوماً والضمير للصدقات، وقرأ الحسن بالياء والنصب بإضمار "إن" ومعناه: وإن تخفوها تكن خيراً لكم وأن يكفر عنكم خير لكم.

والتكفير في اللغة الستر والتغطية ومنه "كفر عن يمينه" أي ستر ذنب الحنث.

وقوله: ﴿ من سيئاتكم ﴾ يحتمل أن يكون "من" للتبعيض لأن السيئات كلها لا تكفر وإنما يكفر بعضها، ثم أبهم الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالإغراء على ارتكابها، وأحسن أحوال العبد أن يكون بين الخوف والرجاء.

ويحتمل أن يكون للتعليل أي من أجل سيئاتكم كما لو قلت: ضربتك من سوء خلقك أي من أجل ذلك.

وقيل: إنها زائدة.

﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ كأنه ندب بهذا الكلام إلى الإخفاء الذي هو أبعد من الرياء.

عن الكلبي أنه قال: "اعتمر رسول الله  عمرة القضاء وكانت معه أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قتيلة وجدتها فسألتاها وهما مشركتان فقالت: لا أعطيكما شيئاً حتى أستأمر رسول الله  فإنكما لستما على ديني.

فاستأمرته في ذلك فأنزل الله  : ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ فأمرها رسول الله  بعد نزولها أن تتصدق عليهما فأعطتهما ووصلتهما" قال الكلبي: ولها وجه آخر، وذلك أن ناساً من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفعونهم قبل أن يسلموا.

فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وراودوهم أن يسلموا واستأمروا رسول الله  فنزلت فأعطوهم بعد نزولها.

وعن سعيد بن جبير قال: "قال رسول الله  : لا تصدقوا إلا على أهل دينكم فأنزل الله ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ فقال رسول الله  : تصدقوا على أهل الأديان" وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك.

والعلماء أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم فتكون/ الآية مخصوصة بالتطوع.

وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة وأباه غيره،ومعنى الآية ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام فتصدق عليهم لوجه الله ولا توقف ذلك على إسلامهم، وذلك أنه  كان شديد الحرص على إيمانهم فأعلمهم الله  أنه بعث بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله ومبيناً للدلائل فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك.

فالهدى ههنا بمعنى الاهتداء، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم.

وفيه وجه آخر ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة توقيف الصدقة على إيمانهم، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به، بل الإيمان المطلوب منهم هو الإيمان طوعاً واختياراً ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ إثبات للهداية التي نفاها أولاً.

لكن المنفي أولاً هو الهداية أي الاهتداء على سبيل الاختيار فكذا الثاني.

ومنه يعلم أن الاهتداء الاختياري واقع بتقدير الله  وتخليقه وتكوينه وهذا التفسير هو المناسب لسبب النزول.

وفي الكشاف: أن المعنى لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهى عنه.

ثم ظاهر قوله: ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ إنه خطاب مع النبي  ولكن المراد به هو وأمته، لأن ما قبله عام ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ وما بعده عام ﴿ وما تنفقوا من خير ﴾ من مال ﴿ فلأنفسكم ﴾ ثوابه فليس يضركم كفرهم أو فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم ﴿ وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ﴾ أي لستم في صدقتكم علىأقاربكم المشركون تقصدون إلا وجه الله من صلة رحم أو سد خلة مضطر، قد علم الله هذا من قلوبكم.

وقيل: خبر في معنى نهي أي لا تنفقوا إلا لله، وقيل: معناه لا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم المفيد للمدح حتى تبتغوا وجه الله، وقيل: ليست نفقتكم إلا لطلب ما عند الله فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله؟

وفائدة إقحام الوجه أنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أشرف من قولك فعلته له، لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، ثم كثر حتى عبر به عن الشرف مطلقاً.

وأيضاً قول القائل: "فعلت هذا الفعل له" احتمل الشركة وأن يكون قد فعله لأجله ولغيره، أما إذا قال "فعلت لوجهه" فلا يحتمل الشركة عرفاً ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ جزاؤه في الآخرة أضعافاً مضاعفة، وإنما حسن قوله ﴿ إليكم ﴾ مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية ﴿ وأنتم لا تظلمون ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.

ثم لما بيّن أنه يجوز صرف الصدقة إلى أي فقير كان، أراد أن يبين أن اشد الناس/ استحقاقاً من هو فقال ﴿ للفقراء ﴾ أي ذلك الإنفاق لهؤلاء الفقراء كما لو تقدم ذكر رجل فتقول: عاقل لبيب أي ذلك الذي مر وصفه عاقل لبيب، وقيل: اعمدوا للفقراء أو أجلوا ما تنفقون للفقراء، أو المراد صدقاتكم للفقراء.

قيل: نزلت في فقراء المهاجرين وكانوا نحو أربعمائة رجل وهم أصحاب الصفة، لم يكن لهم سكن ولا عشائر بالمدينة، كانوا ملازمين للمسجد يتعلمون القرآن ويصومون ويخرجون في كل غزوة، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى.

وعن ابن عباس: "وقف رسول الله  يوماً على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال: أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنه من رفقائي" .

ثم إنه  وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفات: الأولى قوله ﴿ الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ أي حصروا أنفسهم ووقفوا على الجهاد في سبيل الله لأن سبيل الله مختص بالجهاد في عرف القرآن، ولأن وجوب الجهاد في ذلك الزمان كان آكد فكانت الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع رسول الله  أشد، فموضع الصدق فيهم يكون أوقع سداً لخلتهم وتقوية لقلوبهم وإعلاء لمعالم الدين.

وعن سعيد بن المسيب واختاره الكسائي، أن هؤلاء قوم أصابتهم جراحات في الغزوات فأحصرهم المرض والزمانة، وعن ابن عباس: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد فعذرهم الله.

الثانية ﴿ لا يستطعيون ضرباً في الأرض ﴾ أي سيراً فيها وذلك إما لاشتغالهم بالعبادة أو بالجهاد فلا يفرغون للكسب والتجارة، وإما لأن خوفهم من الأعداء يمنعهم من السفر، وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه.

الثالثة ﴿ يحسبهم ﴾ يظنهم ﴿ الجاهل ﴾ بحالهم ومن لم يخبر أمرهم ﴿ أغنياء من التعفف ﴾ من أجل تركهم المسألة وإظهارهم التجمل تكلفاً منهم.

والتعفف إظهاء العفة وهي ترك الشيء والكف عنه.

الرابعة ﴿ تعرفهم ﴾ أي أنت يا محمد أو كل راء ﴿ بسيماهم ﴾ والسيما والسيمياء العلامة التي يعرف بها الشيء من السمة العلامة فوزنه "عفلى" قال مجاهد: سيماهم التخشع والتواضع.

الربيع والسدي: أثر الجهد من الجوع والفقر.

الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع.

أبو زيد: رثاثة ثيابهم.

وقيل: المهابة في العيون.

وقيل: آثار الفكر.

روي أنه  كان كثير الفكر.

الخامسة ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ أي إلحاحاً وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطى له.

والتركيب يدل على الستر كأنه لزم المسؤول لزوم الساتر للمستور.

عن النبي  : " إن الله يحب الحيي الحليم المتعفف ويبغض البذيء السائل الملحف " قيل: معنى الآية أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا، وأورد عليه أنه ينافي التعفف الذي وصفوا به قبل.

فالوجه أن يراد نفي السؤال والإلحاف جميعاً كقوله: ولا ترى الضب بها يتجحر *** أي لا ضب ولا انجحار ليكون موافقاً لوصفهم بالتعفف.

وفائدة الكلام التنبيه على سوء طريقة الملحف كما/ إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور والآخر طياش خفيف وأردت أن تمدح أحدهما وتذم الآخر قلت: فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام ليس بخواض ولا مهذار.

لم يكن غرضك من قولك "ليس خواض ولا مهذار" وصفه بذلك لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عنه، بل غرضك التنبيه على سوء طريقة الثاني.

وقيل: معناه لا يتركون السؤال إلا بإلحاح شديد منهم على أنفسهم لشدة حاجتهم كقوله: ولي نفس أقول لها إذا ما *** تنازعني لعلي أو عساني وقيل: إن عدم السؤال بطريق الإلحاف يتضمن نفي السؤال عنهم رأساً لأن كل سائل فلا بد أن يلح في بعض الأوقات كأنه يقول: إذا أرقت ماء وجهي فلا أرجع بغير مقصود.

وقيل: لعل الساكت عن السؤال يطهر من نفسه أمارات الحاجة فيكون في حال سكوته أنطق ما يكون فترق القلوب له، فالمراد أنهم وإن سكتوا عن السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السؤال من رثاثة الحال وآثار الانكسار ما يقوم مقام السؤال فإن ذلك نوع إلحاف، بل يتجملون للخلق بحيث لا يطلع على سرهم غير الخالق.

عن النبي  : " لا يفتح أحد باب مسألةٍ إلا فتح الله عليه باب فقر ومن يستغن يغنه الله ومن استعف يعفه الله" " "لأن يأخذ أحدكم حبلاً يحتطب به فيبيعه بمد من تمر خير له من أن يسأل الناس " ﴿ وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ﴾ فيه أن ثواب هذا الإنفاق الذي هو أعظم المصارف لا يكتنه كنهه فلذلك وكل إلى علم الله  بخلاف الآية المتقدمة فإنه لما رغب في التصدق على أهل الأديان قال في آخره ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ كما لو قال السلطان لعبده الذي حسن عنده موقع خدمته: إني بحسن خدمتك عالم ولحقك عارف.

كان أبلغ مما لو قال: إن أجرك واصل إليك.

ثم أرشد في خاتمة الآيات إلى أكمل وجوه الإنفاقات بقوله: ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار ﴾ الآية.

وذلك أن الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة يكون ذلك منهم دليلاً على الحرص البالغ والاهتمام التام كلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه متعللين بوقت وحال.

والباء بمعنى "في" أي في الليل والنهار و ﴿ سراً وعلانية ﴾ منصوبان على الظرفية أيضاً أي في أوقات السر والعلن، أو على وصف المصدر أي إنفاقاً سراً وعلانية، أو على الحال لكونه بياناً عن كيفية الإنفاق، وقيل: لما نزل/ ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير إلى أصحاب الصفة وبعث عليّ بوسق من تمر ليلاً فنزلت الآية.

وفي تقديم ذكر الليل وتقديم السر على العلانية دليل على أن صدقة علي  كانت أكمل.

وعن ابن عباس: "ما كان علي  يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم نهاراً وبدرهم ليلاً وبدرهم سراً وبدرهم علانية فقال له النبي  : ما حملك على هذا؟

فقال: أن استوجب ما وعد لي ربي.

فقال: ذلك لك" ونزلت الآية.

وقيل: نزلت في أبي بكر حين تصدق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية.

وقيل: في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله.

وكان أبو هريرة إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية والله  أعلم بحقيقة الحال.

التأويل: ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ فيه صلاح المتصدق من وجوه: أحدها لو فسر الطيب بالحلال فليقبل الله منه، ولو فسر بالجودة فليجز به بقدر جودته.

وثانيها ليثاب على التعظيم لأمر الله.

وثالثها ليثاب على الشفقة على خلق الله.

ورابعها ليثاب على الإيثار ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ وخامسها ليستحق البر ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون  ﴾ .

وسادسها ليثاب على زيادة الإيمان وأن المتصدق في صدقته كالزارع في زراعته.

فكما أن الزارع كلما ازداد إيقانه بحصول الثمرة اجتهد في جودة البذر فكذا المتصدق كلما ازداد إيمانه بالبعث والجزاء زاد في جودة صدقته لتحققه ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها  ﴾ وقدم ذكر الكسب على ذكر المخرج من الأرض لقوله  " "إن أطيب ما يأكل الرجل من كسب يده " وفي الآية معنى آخر لطيف ﴿ انفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ من تزكية النفوس وتصفية القلوب ﴿ ومما أخرجنا لكم ﴾ من أرض طينتكم من تحلية سرائركم بمكارم الأخلاق، ولتكن النفقة طيبة من خباثة الشبهات طيباً إنفاقها من خباثة الأغراض الدنيوية والأخروية، طيباً منفقها من خباثة الالتفات والنظر في الإنفاق إلى غير الله، فإذا كانت النفقة طيبة في نفسهافلله قبول طيب من الوسائط فيأخذها بيده ويربيها قبل أن تقع في يد الفقير، وإذا كانت اليد طيبة في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله من عملها، وإذا كان القلب المنفق طيباً عن الالتفات إلى غير الله فلله قبول طيب عن الأغيار بين أصبعين من أصابع الرحمن، وهذا/ تحقيق قوله  " "إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب " ولستم بآخذي هذا الخبيث لا في أصل الفطرة ولا في عهد الخلقة لأنكم خلقتم من أصل طيب وطينة طيبة.

فالروح من أطيب الأطايب لأنه أقرب الأقربين إلى حضرة رب العالمين، والجسد من التراب الطيب ﴿ فتيمموا صعيداً طيباً  ﴾ ثم أحياكم بالإيمان ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ثم يرزقكم من الطيبات ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم  ﴾ فليس منكم شيء خبيث في الظاهر والباطن ﴿ إلا أن تغمضوا فيه ﴾ فتقبلوه تكلفاً وقسراً " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه " فلما لم تكن الخباثة ذاتية للإنسان بل كانت طارئة عليه عارية لديه أنزل الله  كلمة طيبة هي " لا إله إلا الله" ليطيب بالمواظبة عليها أخلاقهم ويستحقوا يوم القيامة أن يقال لهم ﴿ سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين  ﴾ ﴿ واعلموا أن الله غني ﴾ فمن كمال غناه أراد أن يغنيكم بثواب الإنفاق ﴿ حميد ﴾ على ما أنعم بهذا التكليف ليتوسل به إلى الكمال الأبدي.

﴿ الشيطان يعدكم الفقر ﴾ ظاهراً فهو يأمركم بالفحشاء باطناً لأنها اسم جامع لكل سوء فيتضمن البخل والحرص واليأس من الحق والشك في مواعيد الحق بالخلف والتضعيف وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه ونسيان فضله وتعلق القلب بغيره ومتابعة الشهوات وترك العفة والقناعة والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل بلية.

فمن فتح على نفسه باب وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات وأضعافها، ومن فتح على نفسه باب عدة الحق أفاض عليه سجال غفرانه وبحار فضله وإحسانه.

فالمغفرة تكفير الذنوب والآثام، والفضل ما لا تدركه الأوهام ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ فمن ذلك أن يفتح على قلبه باب حكمته عاجلاً كما قال ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ وليست الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار كما ظنه أهل الإنكار والذين لم يفرقوا بين المعقولات وبين الأسرار والحكم الإلهيات.

فالمعقولات ما تكتسب بالبرهان وهي مشتركة بين أهل الأديان، والأسرار الإلهية مواهب الحق لا ترد إلا على قلوب الأنبياء والأولياء ﴿ نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء  ﴾ ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين لم يقفوا عند القشور وارتقوا إلى لب عالم النور.

ثم أخبر عن توفية الأجور للمنفق في المفروض والمنذور ﴿ وما للظالمين ﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه فبدلوا بالإنفاق النفاق وبالإخلاص الرياء ﴿ من أنصار ﴾ ولا ناصر بالحقيقة إلا الله، ومن أذن له الله/ إبداء الصدقات ضد إخفائها، وإخفاؤها تخليتها عن شوب الحظوظ وإليه الإشارة في قوله  : " "سبعة يظلهم الله في ظله " ثم قال: " ورجل تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله" " أي عن حظوظ نفسه لتكون خالصة لوجه الله.

فصاحبها يكون في ظل الله قال  : " إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة " أي إن كانت صدقته لله كان في ظل الله، وإن كانت للجنة كان في ظل الجنة، وإن كانت للهوى كان في ظل الهاوية.

فمعنى قوله: ﴿ إن تبدو الصدقات ﴾ أي تظهروها لطمع ثواب الجنة فإن طمع الصواب شوب حظ ﴿ فنعما هي ﴾ فإنها مرتبة الأبرار ﴿ إن الأبرار لفي نعيم  ﴾ ﴿ وإن تخفوها ﴾ عن كل حظ ونصيب ﴿ وتؤتوها الفقراء ﴾ الذين تعطونها إياهم لوجه الله لا لحظ النفس ﴿ فهو خير لكم ﴾ لأن جزاءها لقاء الله.

ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها الولاية وأن الله فيها ولي الكفاية، يا محمد لك المقام المحمود واللواء المعقود ولك الوسيلة وعلى الأنبياء الفضيلة، وأنت سيد الأولين والآخرين وأنت أكرم الخلائق على رب العالمين ولكن ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ ولكن الهداية من خصائص شأننا ولوائح برهاننا، أنت تدعوهم ونحن نهديهم.

ثم نبه على أن أفضل وجوه الإنفاق هو الفقير الذي أحصرته المحبة في الله عن طلب المعاش لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الكفاف، أخذ عليه سلطان الحقيقة كل طريق فلا له في المشرق مذهب ولا له في المغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب.

كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها *** عليه فما تزداد طولاً ولا عرضاً ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ﴾ لأنهم مستورون تحت قباب الغيرة محجوبون عن معرفة أهل الغيرية "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري يا محمد" ﴿ تعرفهم بسيماهم ﴾ لأنك لست بك فلست غيري، ما رأيت إذ رأيت ولكن الله رأى ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى  ﴾ وإن سيماهم لا يرى بالبصر الإنساني بل يرى من نور رباني، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن أنهم ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ لا بقليل ولا بكثير.

لأن آثار أنوار غنى قلوبهم انعكست على ظواهرهم فتنورت بالتعفف نفوسهم، واضمحلت ظلمة فقرهم وفاقتهم ﴿ وما تنفقوا من خير ﴾ من المال أو الجاه أو خدمة بالنفس أو إكرام أو إرادة حتى السلام على هؤلاء السادة استحقاقاً وإجلالاً لا استخفافاً وإذلالاً ﴿ فإن/ الله به عليم ﴾ ومن سيماهم في الظاهر أنهم إذا وجدوا مالاً لم يبيعوا عزة الفقر به بل ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية ﴿ فلهم أجرهم عند ربهم ﴾ عند مليك مقتدر ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ في الدنيا على ما يفوتهم لأنهم تركوها لله وهو لهم خلف عن كل تلف، ولا في الآخرة ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ .

فيه دليل وجوب الزكاة في أموال التجارة بقوله: ﴿ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ ؛ لأن أموال التجارة هي التي تكتسب، وليس في كتاب الله  بيان وجوب الزكاة في أموال التجارة في غير هذا الموضع، وليس فيه سنة عن رسول الله  ، ولكن ذكر عن بعض الصحابة - رضي الله  عنهم - القول به؛ فيحتمل أن يكون ما قالوا قالوا بهذه الآية.

وأما زكاة الفضة، والذهب، والمواشي فيما لها ذكر في الكتاب والسنة، فالزكاة تجب فيها لعينها، اكتسب فيها أو لم يكتسب.

وأما أموال التجارة فإن الزكاة تجب فيها بالاكتساب.

وفيه دليل أن النفقة المذكورة فيه لازمة واجبة؛ لأنه قال: ﴿ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ ، ذكر الإغماض، والإغماض لا يذكر في المعروف، إنما يذكر في اللازم والواجب الذي لا مخرج له عنه إلا بالأداء، إلا عن عفو وصفح والرضاء بدون الحق - ثبت أنه على اللزوم.

وفيه دليل وجوب الحق في الرطاب والخضروات؛ لأنه ذكر في الآية المخرج، والرطاب هي التي تخرج من الأرض.

وأما الحبوب إنما تخرج من الأصل الذي يخرج من الأرض؛ لذلك كان الرطاب والخضروات أولى بوجوب الحق من غيره بظاهر الآية.

قال الشيخ - رحمه الله  -: والوجوب في الحبوب بما كانت تخرج من الحقوق، والحقوق بظاهر هذه الوجوه في التي تخرج من الأرض.

وأما أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله  - فإنهما قالا: يحتمل قوله: ﴿ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ ، يعني من الأصل الذي يخرج لكم من الأرض، كقوله  : ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً  ﴾ ، ولا ينزل من السماء اللباس كما هو، ولكن أراد الأصل الذي به يكون اللباس، وكذلك قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ  ﴾ ، وهو لم يخلقنا من التراب، وإنما خلق الأصل من التراب، وهو آدم -  - فعلى ذلك الأول.

والله أعلم.

والوجه فيه: أنه منَّ الله  علينا بما أخرج لنا من الأرض من أنواع ما أخرج بحبة تلقى في الأرض فتفسد فيها، فيخرج منها النبات بلطفه، لا صنع لأحد فيها.

وتلك المنة لا تكون على أربابها خاصة دون الفقراء أو بل هي على الفقراء كهي على أربابها؛ لأنه أخرجه رزقاً للكل، ففيه حق الفقراء والأغنياء جميعاً.

ومن ثم جاز وجوب العشر على الفقير؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ  ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا  ﴾ ، قيل: ءأنتم تنبتونه أم نحن المنبتون؟

وأما ما بعد النبات فيشترك العباد فيه بالسقي والحفظ وغيره؛ لذلك كان ما ذكرنا.

والله أعلم.

وفي قوله  : ﴿ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ ، دلالة على ألا يتصدق بالرديء عن الجيد.

فإذا تصدق به يلزمه فضل ما بين الرديء إلى الجيد، على قول محمد - رحمه الله  - بظاهر قوله: ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ .

وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله  عنهما -: يجوز ولا يختار له ذلك؛ وذلك أن الله -  - أطمع الناس قبول ذلك إذ تغامضوا، فهو أحق أن يطمع فيه القبول لكرمة ولطفه؛ ولأنه ليس لصفة ما يكال ويوزن من نوعه قيمة، فإذا لم تكن له قيمة لا يلزمه فضل الصفة.

وقوله  : ﴿ ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قوله: ﴿ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ ﴾ في الدنيا بالتصدق والإنفاق، ﴿ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ﴾ بترك الصدقة.

ويحتمل: ﴿ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ ﴾ ، في الدنيا بطول الأمل وفناء المال، ﴿ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ﴾ بسوء الظن بربه.

﴿ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ ﴾ بالصدقة، و ﴿ وَفَضْلاً ﴾ ذكراً في الدنيا.

ويحتمل قوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ ﴾ في الآخرة، و ﴿ وَفَضْلاً ﴾ في الدنيا، يعني خَلَفاً.

وقيل: ﴿ مَّغْفِرَةً ﴾ لفحشائكم، و ﴿ وَفَضْلاً ﴾ لفقركم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، أي: غني يقدر إخلاف ما أنفقتكم، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بجزاء صدقاتكم.

ويحتمل: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ ما تنفقون من الصدقة والحسنة.

وفي قوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، و ﴿ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ ، ونحوه [دلالة أن الله -  -] إنما رغب الناس على الصدقات والنفقات ابتلاء ومحنة منه، لا حاجة وفقراً.

وقوله  : ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .

قيل: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ في هذا الموضع معرفة القرآن وتفسيره.

وهو قول ابن عباس - رضي الله  عنه - وكذا روي مرفوعا.

وقيل: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ الفهم في القرآن.

وقيل: الفقه.

وقيل: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ النبوة.

وقيل: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ هي الإصابة.

وفيه دليل جواز الاجتهاد، وأنه مصيب في اجتهاده.

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ﴾ : اختلف في تأويل ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ في هذا: قال قوم: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ هي القرآن، وهو على ما وصفه ﴿ نُوراً  ﴾ و ﴿ وَهُدًى  ﴾ ، و ﴿ رُوحاً  ﴾ ، و ﴿ وَشِفَآءٌ  ﴾ والنور: هو الذي يبصر به حقائق الأشياء، وبالهدى يدرك كل شيء ويتقي كل تلف، وبالروح يحيي كل ذي روح، وبالشفاء يبرأ كل سقيم ويزال كل آفة.

والذي هذا وصفه فهو الخير.

وبالله التوفيق.

وقال قوم: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ هي الإصابة لحقيقة كل شيء، وبها يتقي كل شر، وينال كل خير، وذلك هو الخير الكثير، وبالله العصمة.

وقال بعضهم: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ ، هي السنة، كأنه أكرم رسوله  بالذي من سلكه نجا، ومن حاد عنه غوى.

وقيل: في الأصل الحكمة في التحقيق وضع كل شيء موضعه، ودفع كل حق إلى مستحقه [ولهذا قال بعض الفلاسفة في حد الحكمة: إنه العلم والعمل بالعلم في وضع الأشياء مواضعها، والعمل في إيصال كل ذي حق إلى مستحقه].

وقيل: هي من إحكام الأمور وإتقانها.

وذلك مقارب؛ لما يضاد الحكمة السفه، وهو التفاوت في العقل والاضطراب في الأمور.

والله أعلم.

وقال قوم: الحكمة في القرآن: هي فهم الحدود والسرائر، وهو الذي به يدرك الموافقة والمخالفة من طريق الحقائق، لا من طريق الظواهر.

وذلك عمل الحكماء ورعاة الدين.

ولا قوة إلا بالله.

وقال قوم: الحكمة: هي الفقه، والفقه: معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، وهو الذي به يوصل إلى معرفة الغائب بالشاهد، والغامض بالظاهر، والفرع بالأصل.

ولا قوة إلا بالله.

وأي هذه الوجوه كانت الحكمة فذلك الوجه يجمع خير الدارين، لو حفظ حقه، والذي هذا وصفه فهو الخير الكثير.

وبالله المعونة.

وفي الآية دلالة أن الله  لا يؤتي كلاًّ الحكمة، وأن الحكمة وإن كانت فعلاً للحكيم فبعطاء الله  نالها، وأنه لا يجوز أن يعطيها أحداً ثم لا ينالها المعطي.

وهذه الوجوه كلها تخالف رأي المعتزلة.

وقوله  : ﴿ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾ ، من حفظ النفس في الدنيا عن جميع الآفات، وفي الآخرة عن دفع العقوبات.

وقوله  : ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ يعني: وما يتعظ بما ذكر إلا ذو الفهم والعقل.

وفي الآية نقض على المعتزلة؛ لأنه قال: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾ ، ولا كل أحد يؤتي الحكمة، إنما يؤتي بعضاً دون بعض.

فلو كان على الله  أن يعطي الأصلح في الدين لكان قد آتى الكل، وبطل التفضل.

ومن قال: يؤتي غيرها، فكان خلاف ما في الكتاب.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ .

يحتمل: نفقة المحارم.

ويحتمل: النفقات التي تجري بين الخلق.

ويحتمل: المفروض من الصدقات.

ويحتمل غيرها.

ثم روي عن ابن عباس -  - عن رسول الله  في قوله  : ﴿ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ ﴾ قال: "من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً أطاقه فليوف به" فيه تنبيه وتذكير أن الله  يعلم صدقهم ونذرهم؛ ليحتسبوا في النفقة ويخلصوا، وفي النذر يوفوا به.

وقوله  : ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾ .

قيل: يقبله.

وقيل: يأمر بوفائه.

ويحتمل قوله: ﴿ يَعْلَمُهُ ﴾ أي: يعلم ما وفيتم منه؛ فيجزيكم على ذلك.

ويحتمل: ﴿ يَعْلَمُهُ ﴾ : ما أردتم بصدقاتكم ونذوركم؛ فيكون فيه ترغيب للناس في أداء الفرائض.

وقوله  : ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ .

في الآخرة، يعني مجير يجيرهم من العذاب.

وقيل: ما للظالمين من شفيع يشفع لهم، ولا نصير ينصرهم؛ لأنه ما من ظالم إلا وله في الدنيا ظهير.

وقوله: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ .

قال بعضهم: هي الفريضة.

وقال آخرون: هي التطوع.

وهو أَوْجَه.

وقال غيرهم: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ ﴾ ، هي الفريضة، ﴿ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ ﴾ هي التطوع.

قال الشيخ - رحمه الله  -: لا يحتمل الإخفاء في التطوع، والإبداء في الفرض؛ لما أخبر في الإخفاء أنه خير، ولا يكون التطوع خيراً من الفريضة.

ومن حمله على الفريضة يستحب أن يظهروا الزكاة المفروضة ليقتدوا به ويرغبوا الناس عليها.

ومنهم من يستحب الإخفاء أيضاً، ويقولون: في الإبداء شيئان: الصدقة نفسها، والاقتداء، وفي الإخفاء وجوه: أحدها: الصدقة.

والآخر: ترك المراءاة وسلامتها.

والثالث: الكف عن المن والأذى.

ومنهم من حمل قوله: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ ﴾ على الفريضة، و ﴿ وَإِن تُخْفُوهَا ﴾ على التطوع، وذهب إلى أن الفريضة ليس فيها الرياء؛ لأنه لا شيء عليه، فسواء فيها الإبداء والإخفاء، وأما التطوع ففيه الرياء؛ لأنه معروف ليس عليه، والإخفاء له أسلم.

والله أعلم.

وقال ابن عباس - رضي الله  عنه - في قوله: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ...

﴾ الآية، جعل الله -  - صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها.

وفي بعض الأخبار عن النبي  أنه قال: "صدقة السر تطفئ غضب الرب، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصلة الرحم تزيد من العمر" وعن الحسن، قال: الإبقاء على العمل أشد من العمل؛ وذلك أن العبد ليعمل العمل سرّاً فيكتب له عمل السر، فلا يزال به الشيطان حتى ينسخ من عمل السر إلى عمل العلانية، ثم لا يزال به الشيطان حتى يحب أن يحمد، حتى يكتب من عمل العلانية في الرياء.

وقوله  : ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ : فيه دليل أن من السيئات ما يكفرها الصدقة، ومنها لا يكفر.

وقيل: إن "من" هاهنا صلة، ففيه إطماع تكفير السيئات كلها بالصدقة، كقوله  : ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ  ﴾ .

وهو نقض على المعتزلة؛ لأنهم لا يرون تكفير الكبائر بغير التوبة عنها، ولا التعذيب على الضغائر.

فأما إن كانت الآية في الكبائر - فبطل قولهم: لا يكفر بغير التوبة، أو في الصغائر فيبطل قولهم: إنها مغفورة؛ إذ وعدت بالصدقة؛ لأنهم يخدلون صاحب الكبائر في النار، والله  أطمع له تكفير السيئات كلها بالصدقة.

والله الموفق.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ : فيه وعيد وتحذير، أنه يعلم ما تسرون وما تعلنون في الصدقة.

ويحتمل: ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ ، من جزائكم للصدقة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الشيطان يخوفكم من الفقر، ويحثكم على البخل، ويدعوكم إلى ارتكاب الآثام والمعاصي، والله يعدكم مغفرة عظيمة لذنوبكم، ورزقًا واسعًا، والله واسع الفضل، عليم بأحوال عباده.

<div class="verse-tafsir" id="91.j2ryo"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قوله تعالى ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ  ﴾ معناه أنه يخيل إليكم بوسوسته أن الإنفاق يذهب بالمال، ويفضي إلى سوء الحال، فلا بد من إمساكه والحرص عليه استعدادًا لما يولده الزمن من الحاجات وهذا هو معنى قوله تعالى ﴿ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ  ﴾ فإن الأمر هنا عبارة عما تولده الوسوسة من الإغراء، والفحشاء البخل، وهي في الأصل كل ما فحش أي اشتد قبحه، وكان البخل عند العرب من أفحش الفحش قال طرفة: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد ﴿ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ  ﴾ بما أنزله من الوحي وبما أودعه في النفوس الزكية من الإلهام الصحيح، والعقل الرجيح، وفي الفطر السليمة من حب الخير، والرغبة في البر ﴿ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا  ﴾ فإنه جعل الإنفاق كفارة لكثير من الخطايا وسببًا يفضل به المرء قومه ويسودهم أو يسود فيهم بما يجذب إليه من قلوب من يكون سببًا في رزقهم وهذا الفضل من الجاه بالحق.

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ  ﴾ الحكمة هنا العلم الصحيح، يكون صفة محكمة في النفس حاكمة على الإرادة توجهها إلى العمل، ومتى كان العمل صادرًا عن العلم الصحيح كان هو العمل الصالح النافع المؤدي إلى السعادة.

والمراد بإتيانه الحكمة من يشاء إعطاؤه آلتها -العقل- كاملة مع توفيقه لحسن استعمال هذه الآلة في تحصيل العلوم الصحيحة فالعقل هو الميزان القسط الذي توزن به الخواطر والمدركات ويميز بين أنواع التصورات والتصديقات، فمتى رجحت فيه كفة الحقائق طاشت كفة الأوهام، وسهل التمييز بين الوسوسة والإلهام.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله