الآية ٢٨١ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٨١ من سورة البقرة

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٢٨١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 144 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٨١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٨١ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى يعظ عباده ويذكرهم زوال الدنيا وفناء ما فيها من الأموال وغيرها ، وإتيان الآخرة والرجوع إليه تعالى ومحاسبته تعالى خلقه على ما عملوا ، ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر ، ويحذرهم عقوبته ، فقال : ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) وقد روي أن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن العظيم ، فقال ابن لهيعة : حدثني عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، قال : آخر ما نزل من القرآن كله ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليال ، ثم مات يوم الاثنين ، لليلتين خلتا من ربيع الأول .

رواه ابن أبي حاتم .

وقد رواه ابن مردويه من حديث المسعودي ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : آخر آية نزلت : ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) وقد رواه النسائي ، من حديث يزيد النحوي ، عن عكرمة ، عن عبد الله بن عباس ، قال : آخر شيء نزل من القرآن : ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) .

وكذا رواه الضحاك ، والعوفي ، عن ابن عباس ، وروى الثوري ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال : آخر آية أنزلت : ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) فكان بين نزولها [ وبين ] موت النبي صلى الله عليه وسلم واحد وثلاثون يوما .

وقال ابن جريج : قال ابن عباس : آخر آية نزلت : ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) الآية .

قال ابن جريج : يقولون : إن النبي صلى الله عليه وسلم عاش بعدها تسع ليال ، وبدئ يوم السبت ومات يوم الاثنين ، رواه ابن جرير .

ورواه عطية عن أبي سعيد ، قال : آخر آية أنزلت : ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281) قال أبو جعفر: وقيل: هذه الآية أيضا آخر آية نـزلت من القرآن.

ذكر من قال ذلك: 6311 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة قال، حدثنا الحسين بن واقد &; 6-40 &; عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: آخر آية نـزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ".

(54) 6312 - حدثني محمد بن سعد، قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله..." الآية، فهي آخر آية من الكتاب أنـزلت.

6313 - حدثني محمد بن عمارة قال، حدثنا سهل بن عامر، قال: حدثنا مالك بن مغول، عن عطية قال: آخر آية نـزلت: " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى &; 6-41 &; الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ".

(55) 6314 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن السدي، قال: آخر آية نـزلت: " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ".

6315 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، (56) عن الضحاك، عن ابن عباس = وحجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس = آخر آية نـزلت من القرآن: " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " = قال ابن جريج: يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم مكث بعدها تسع ليال، وبدئ يوم السبت، (57) ومات يوم الاثنين.

6316 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، حدثني سعيد بن المسيب: أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين.

(58) * * * قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: واحذروا أيها الناس = " يوما ترجعون &; 6-42 &; فيه إلى الله " فتلقونه فيه، أن تردوا عليه بسيئات تهلككم، أو بمخزيات تخزيكم، أو بفاضحات تفضحكم، فتهتك أستاركم، (59) أو بموبقات توبقكم، فتوجب لكم من عقاب الله ما لا قبل لكم به، وإنه يوم مجازاة بالأعمال، (60) لا يوم استعتاب، ولا يوم استقالة وتوبة وإنابة، ولكنه يوم جزاء وثواب ومحاسبة، توفى فيه كل نفس أجرها على ما قدمت واكتسبت من سيئ وصالح، لا تغادر فيه صغيرة ولا كبيرة من خير وشر إلا أحضرت، (61) فوفيت جزاءها بالعدل من ربها، وهم لا يظلمون.

(62) وكيف يظلم من جوزي بالإساءة مثلها، وبالحسنة عشر أمثالها؟!

(63) كلا بل عدل عليك أيها المسيء، وتكرم عليك فأفضل وأسبغ أيها المحسن، فاتقى امرؤ ربه، وأخذ منه حذره، (64) وراقبه أن يهجم عليه يومه، وهو من الأوزار ظهره ثقيل، ومن صالحات الأعمال خفيف، فإنه عز وجل حذر فأعذر، ووعظ فأبلغ.

* * * --------------------------- الهوامش : (54) الحديث : 6311 -أبو تميلة- بضم التاء المثناة : هو يحيى بن واضح .

مضت ترجمته في : 392 .

الحسين بن واقد : مضت ترجمته في : 4810 .

ووقع هناك في طبعتنا هذه"الحسن" .

وهو خطأ مطبعي ، مع أننا بيناه على الصواب في الترجمة ، فيصحح ذلك .

يزيد النحوي : هو يزيد بن أبي سعيد النحوي المروزي ، مولى قريش .

وهو ثقة ، وثقه أبو زرعة ، وابن معين ، وغيرهما .

قتله أبو مسلم سنة 131 لأمره إياه بالمعروف .

والنحوي" : نسبة إلى"بني نحو" ، بطن من الأزد .

وهذا إسناد صحيح .

والحديث ذكره الحافظ في الفتح 8 : 153 ، ونسبه للطبري فقط .

وذكره ابن كثير 2 : 69 ، عن رواية النسائي ، فهو يريد بها السنن الكبرى .

وكذلك صنع السيوطي في الإتقان 1 : 33 .

وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد 6 : 324 ، وقال : "رواه الطبراني بإسنادين ، رجال أحدهما ثقات" .

وفي الدر المنثور 1 : 369-370 زيادة نسبته لأبي عبيد ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن الأنباري في المصاحف ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل .

وظاهر هذه الرواية عن ابن عباس ، يعارض ظاهر الرواية السابقة عنه : 6310 ، أن آخر آية زلت هي آية الربا .

فقال الحافظ في الفتح : "وطريق الجمع بين هذين القولين ، [يريد الروايتين] : أن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا ، إذ هي معطوفة عليهن" .

ويشير إلى ذلك صنيع البخاري ، بدقته وثقوب نظره ، فإنه روى الحديث الماضي تحت عنوان : "باب (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله)" .

فجعل بهذه الإشارة الموضوع واحدا ، والروايتين متحدتين غير متعارضتين .

رحمه الله .

(55) الخبر : 6313- سهل بن عامر : مضت ترجمته في : 1971 ، وأنه ضعيف جدا .

ووقع اسمه في المخطوطة والمطبوعة هنا"إسماعيل بن سهل بن عامر"!

وهو تخليط من الناسخين ، فلا يوجد راو بهذا الاسم .

ثم هذا الإسناد نفسه هو الماضي : 1971 .

ومضى أيضًا رواية محمد بن عمارة ، عن سهل ، عن مالك بن مغول : 5431 .

(56) في المطبوعة : "عبيد بن سلمان" ، وهو خطأ ، والصواب من المخطوطة ، ومن كتب التراجم .

(57) في المخطوطة والمطبوعة : "وبدا يوم السبت" ، وهو خطأ فاحش ، وأشد منه فظاظة شرح من شرحه فقال : "يريد أنه احتجب عن الناس لمرضه ، ثم خرج لهم يوم السبت"!

وأولى بالمرء أن يدع ما لا يحسن!

إنما هو قولهم : "بدئ الرجل" (بالبناء للمجهول) أي مرض .

يقال : متى بدئ فلان؟

أي : متى مرض : وفي حديث عائشة : أنها قالت في اليوم الذي بدئ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : "وا رأساه" .

وانظر لهذا الخبر ما خرجه السيوطي في الإتقان 1 : 33 ، وابن كثير 2 : 69 ، 70 .

(58) الحديث : 6316 - هذا إسناد صحيح إلى ابن المسيب ، ولكنه حديث ضعيف لإرساله ، إذ لم يذكر ابن المسيب من حدثه به .

والحديث نقله ابن كثير 2 : 70-71 ، عن هذا الموضع بإسناده .

وذكره السيوطي 1 : 370"عن ابن جرير ، بسند صحيح عن سعيد بن المسيب" .

(59) في المطبوعة : "بفضيحات تفضحكم" ، ولا أدري لم غير ما كان في المخطوطة!!

(60) في المطبوعة : "مجازاة الأعمال" ، ولا أدري لم حذف"الباء"!!

(61) في المطبوعة : "لا يغادر .

.

.

" بالياء ، وفي المخطوطة غير منقوطة ، والصواب ما أثبت .

(62) في المطبوعة : "فتوفى جزاءها" ، وفي المخطوطة : "فتوفيت" غير منقوطة كلها ، وصوت قراءتها ما أثبت (63) في المطبوعة : "كيف" بحذف الواو ، والصواب ما في المخطوطة .

(64) في المطبوعة : "فأخذ" بالفاء ، والصواب ما في المخطوطة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمونقيل : إن هذه الآية نزلت قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بتسع ليال ثم لم ينزل بعدها شيء ، قاله ابن جريج .

وقال ابن جبير ومقاتل : بسبع ليال .

وروي بثلاث ليال .

وروي أنها نزلت قبل موته بثلاث ساعات ، وأنه عليه السلام قال : اجعلوها بين آية الربا وآية الدين .

وحكى مكي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : جاءني جبريل فقال اجعلها على رأس مائتين وثمانين آية .قلت : وحكي عن أبي بن كعب وابن عباس وقتادة أن آخر ما نزل : لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر الآية .

والقول الأول أعرف وأكثر وأصح وأشهر .

ورواه أبو صالح عن ابن عباس قال : آخر ما نزل من القرآن واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم ( يا محمد ضعها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة ) .

ذكره أبو بكر الأنباري في " كتاب الرد " له ، وهو قول ابن عمر رضي الله عنه أنها آخر ما نزل ، وأنه عليه السلام عاش بعدها أحدا وعشرين يوما ، على ما يأتي بيانه في آخر سورة إذا جاء نصر الله والفتح إن شاء تعالى .

والآية وعظ لجميع الناس وأمر يخص كل إنسان .

و ( يوما ) منصوب على المفعول لا على الظرف .

ترجعون فيه إلى الله من نعته .

وقرأ أبو عمرو بفتح التاء وكسر الجيم ، مثل إن إلينا إيابهم واعتبارا بقراءة أبي " يوما تصيرون فيه إلى الله " .

والباقون بضم التاء وفتح الجيم ، مثل ثم ردوا إلى الله [ ص: 342 ] .

ولئن رددت إلى ربي واعتبارا بقراءة عبد الله " يوما تردون فيه إلى الله " وقرأ الحسن " يرجعون " بالياء ، على معنى يرجع جميع الناس .

قال ابن جني : كأن الله تعالى رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة ، إذ هي مما ينفطر لها القلوب فقال لهم : واتقوا يوما ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة رفقا بهم .

وجمهور العلماء على أن هذا اليوم المحذر منه هو يوم القيامة والحساب والتوفية .

وقال قوم : هو يوم الموت .

قال ابن عطية : والأول أصح بحكم الألفاظ في الآية .

وفي قوله ( إلى الله ) مضاف محذوف ، تقديره إلى حكم الله وفصل قضائه .

( وهم ) رد على معنى ( كل ) لا على اللفظ ، إلا على قراءة الحسن " يرجعون " فقوله " وهم " رد على ضمير الجماعة في " يرجعون " .

وفي هذه الآية نص على أن الثواب والعقاب متعلق بكسب الأعمال ، وهو رد على الجبرية ، وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذه الآية من آخر ما نزل من القرآن، وجعلت خاتمة لهذه الأحكام والأوامر والنواهي، لأن فيها الوعد على الخير، والوعيد على فعل الشر، وأن من علم أنه راجع إلى الله فمجازيه على الصغير والكبير والجلي والخفي، وأن الله لا يظلمه مثقال ذرة، أوجب له الرغبة والرهبة، وبدون حلول العلم في ذلك في القلب لا سبيل إلى ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) قرأ أهل البصرة بفتح التاء أي تصيرون إلى الله وقرأ الآخرون بضم التاء وفتح الجيم أي : تردون إلى الله تعالى : ( ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : هذه آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له جبريل عليه السلام ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة وعاش بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا وعشرين يوما ، وقال ابن جريج : تسع ليال وقال سعيد بن جبير : سبع ليال ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول حين زاغت الشمس سنة إحدى عشرة من الهجرة ، قال الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الربا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واتقوا يوما تُرجعون» بالبناء للمفعول تردون وللفاعل تصيرون «فيه إلى الله» هو يوم القيامة «ثم توفَّى» فيه «كل نفس» جزاء «ما كسبت» عملت من خير وشر «وهم لا يُظلمون» بنقص حسنة أو زيادة سيْئة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واحذروا -أيها الناس- يومًا ترجعون فيه إلى الله، وهو يوم القيامة، حيث تعرضون على الله ليحاسبكم، فيجازي كل واحد منكم بما عمل من خير أو شر دون أن يناله ظلم.

وفي الآية إشارة إلى أن اجتناب ما حرم الله من المكاسب الربوية، تكميل للإيمان وحقوقه من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وعمل الصالحات.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - في ختام حديثه على الربا آية كريمة ذكر الناس فيها بزوال الدنيا وفناء ما فيها من أموال ، وبالاستعداد للآخرة وما فيها من حساب فقال - تعالى - : ( واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون ) .أي : واحذروا أيها المؤمنون يوما عظيما في أهواله وشدائده ، وهو يوم القيامة الذي تعودون فيه إلى خالقكم فيحاسبكم على أعمالكم ، ثم يجازي - سبحانه كل نفس بما كسبت من خير أو شر بمقتضى عدله وفضله ، ولا يظلم ربك أحدا .فالآية الكريمة تعقيب حكيم يتناسب كل التناسب مع جو المعاملات والأخذ والعطاء ، حتى يبتعد الناس عن كل معاملة لم يأذن بها الله - تعالى - .قال الآلوسي : أخرج غير واحد عن ابن عباس أن هذه الآية هي آخر ما " نزل على رسول صلى الله عليه وسلم من القرآن : واختلف في مدة بقائه بعدها .

فقيل : تسع ليال .

وقيل : سبعة أيام .

وقيل : واحد وعشرين يوماً .

وروى أنه قال : اجعلوها بين آيات الربا وآية الدين " .هذا ، والمتدبر في هذه الآيات التي وردت في موضع الربا ، يراها قد نفرت منه تنفيراً شديداً ، وتوعدت متعاطية بأشد العقوبات ، وشبهت الذين يأكلونه بتشبيهت تفزع منها النفوس ، وتشمئز منها القلوب ، وحضت المؤمنين على أن يلتزموا في معاملاتهم ما شرعه الله لهم ، وأن يتسامحوا مع المعسرين ويتصدقوا عليهم بما يستطيعون التصدق به .وقد تكلم الفقهاء وبعض المفسرين عن الربا وأقسامه وحكمه تحريمه كلاما مستفيضا ، قال بعضهم : الربا قسمان : ربا النسيئة ، وربا الفضل .فربا النسيئة : هو الذي كان معروفا بين العرب في الجاهلية ، وهو أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوه في موعد معين ، فإذا حل الأجل طولب المدين برأس المال كاملا ، فإن تعذر الأداء زادوا في الحق وفي الأجل .وكان ابن عباس في أول الأمر لا يحرم إلا ربا النسيئة وكان يجوز ربا الفضل اعتماداً على ما روى من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنما الربا في النسيئة " ولكن لما تواتر عنده الخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد " رجع عن قوله .

لأن قوله صلى الله عليه وسلم : " إنما الربا في النسيئة " محمول على اختلاف الجنس فإن النسيئة حينئذ تحرم ويباح التفاضل كبيع الحنطة بالشعير .

تحرم فيه النسيئة ويباح التفاضل .ولذلك وقع الاتفاق على تحريم الربا في القسمين : أما ربا النسيئة فقد ثبت تحريمه بالقرآن كما في قوله - تعالى - : ( وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا ) .وأما ربا الفضل فقد ثبت تحريمه بالحديث الصحيح الذي رواه عبادة ابن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير والتمر بالتمر .

والملح بالملح .

مثلا بمثل ، سواء بسواء ، يداً بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كانت يداً بيد " .وقد اشتهرت رواية هذا الحديث حتى صارت مسلمة عند الجميع .

وجمهور العلماء على " أن الحرمة ليست مقصورة على هذه الأشياء الستة ، بل تتعداها إلى غيرها مما يتحد معها في العلة وقد فسر بعضهم هذه العلة باتحاد الجنس والقدر .

.

" .ومن الحكم التي ذكرت في أسباب تحريم الربا : أنه يقتضي أخذ مال الغير بدون عوض ، ويؤدي إلى امتناع أصحاب الأموال عن تحمل المشاق في الكسب والتجارة والصناعة ، وإلى استغلال حاجة المحتاج أسوأ استغلال وكل ذلك يفضي إلى إشاعة روح التباغض والتخاصم والتحاسد بين أفراد المجتمع - كما سبق أن أشرنا - .ومن الأحاديث الشريفة التي وردت في التحذير من تعاطي الربا ما رواه الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اجتنبوا السبع الموبقات - أي المهلكات - قالوا : يا رسول الله وما هن؟

قال : الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " .وأخرج مسلم في صحيحه عن جابر بن عبيد الله قال : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه " .وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين أن يسارعوا في التصدق على المحتاجين ، وأن يجتنبوا الربا والمرابين ، وبين لهم أن أموالهم تزكو وتنمو بالإِنفاق في وجوه الخير ، وتمحق وتذهب بتعاطي الربا ، بعد أن وضح كل ذلك ساق لهم آية جامعة ، متى اتبعوا توجيهاتها استطاعوا أن يحفظوا أموالهم بأفضل طريق ، وأشرف وسيلة ، وأن يصونوها عن الهلاك والضياع عندما يعطي أحدهم أخاه شيئا من المال على سبيل الدين أو القرض الحسن المنزه عن الربا .

استمع إلى القرآن وهو يتكلم عن أحكام الدين وعن أحكام بعض المعاملات التجارية الحاضرة فيقول :( ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: إعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن من انتهى عن الربا فله ما سلف فقد كان يجوز أن يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة القوم، فقال تعالى في هذه الآية ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا ﴾ وبين به أن ذلك إذا كان عليهم ولم يقبض، فالزيادة تحرم، وليس لهم أن يأخذوا إلا رؤوس أموالهم، وإنما شدد تعالى في ذلك، لأن من انتظر مدة طويلة في حلول الأجل، ثم حضر الوقت وظن نفسه على أن تلك الزيادة قد حصلت له، فيحتاج في منعه عنه إلى تشديد عظيم، فقال: ﴿ اتقوا الله ﴾ واتقاؤه ما نهى عنه ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا ﴾ يعني إن كنتم قد قبضتم شيئاً فيعفو عنه، وإن لم تقبضوه، أو لم تقبضوا بعضه، فذلك الذي لم تقبضوه كلا كان، أو بعضاً، فإنه محرم قبضه.

وإعلم أن هذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار إذا أسلموا، وذلك لأن ما مضى في وقت الكفر فإنه يبقى ولا ينقص، ولا يفسخ، وما لا يوجد منه شيء في حال الكفر فحكمه محمول على الإسلام، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا يجوز في الإسلام فهو عفو لا يتعقب، وإن كان النكاح وقع على محرم فقبضته المرأة فقد مضى، وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون المهر المسمى، هذا مذهب الشافعي رضي الله عنه.

فإن قيل: كيف قال: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ اتقوا ﴾ ثم قال في آخره ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

الجواب: من وجوه: الأول: أن هذا مثل ما يقال: إن كنت أخاً فأكرمني، معناه: إن من كان أخا أكرم أخاه والثاني: قيل: معناه إن كنتم مؤمنين قبله الثالث: إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان الرابع: يا أيها الذين آمنوا بلسانهم ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم.

المسألة الثانية: في سبب نزول الآية روايات: الرواية الأولى: أنها خطاب لأهل مكة كانوا يرابون فلما أسلموا عند فتح مكة أمرهم الله تعالى أن يأخذوا رؤوس أموالهم دون الزيادة.

والرواية الثانية: قال مقاتل: إن الآية نزلت في أربعة أخوة من ثقيف: مسعود، وعبد يا ليل، وحبيب، وربيعة، بنو عمرو بن عمير الثقفي كانوا يداينون بني المغيرة، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف أسلم الأخوة، ثم طالبوا برباهم بني المغيرة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

والرواية الثالثة: نزلت في العباس، وعثمان بن عفان رضي الله عنهما وكانا أسلفا في التمر، فلما حضر الجداد قبضا بعضاً، وزاد في الباقي فنزلت الآية، وهذا قول عطاء وعكرمة.

الرواية الرابعة: نزلت في العباس وخالد بن الوليد، وكانا يسلفان في الربا، وهو قول السدي.

المسألة الثالثة: قال القاضي: قوله: ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ كالدلالة على أن الإيمان لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة وإنما يصير مؤمناً بالإطلاق إذا اجتنب كل الكبائر.

والجواب: لما دلّت الدلائل الكثيرة المذكورة في تفسير قوله: ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب  ﴾ على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان كانت هذه الآية محمولة على كمال الإيمان وشرائعه، فكان التقدير: إن كنتم عاملين بمقتضى شرائع الإيمان، وهذا وإن كان تركاً للظاهر لكنا ذهبنا إليه لتلك الدلائل.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة ﴿ فَآذَنُواْ ﴾ مفتوحة الألف ممدودة مكسورة الذال على مثال ﴿ فَآمِنُواْ ﴾ والباقون ﴿ فأذَنُواْ ﴾ بسكون الهمزة مفتوحة الذال مقصورة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن علي رضي الله عنه أنهما قرآ كذلك ﴿ فَآذَنُواْ ﴾ ممدودة، أي فاعلموا من قوله تعالى: ﴿ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ على سَوَاء  ﴾ ومفعول الإيذان محذوف في هذه الآية، والتقدير: فاعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من الله ورسوله، وإذا أمروا بإعلام غيرهم فهم أيضاً قد علموا ذلك لكن ليس في علمهم دلالة على إعلام غيرهم، فهذه القراءة في البلاغة آكد، وقال أحمد بن يحيى: قراءة العامة من الاذن، أي كونوا على علم وإذن، وقرأ الحسن ﴿ فأيقنوا ﴾ وهو دليل لقراءة العامة.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن الخطاب بقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله ﴾ خطاب مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا، أو هو خطاب مع الكفار المستحلين للربا، الذين قالوا إنما البيع مثل الربا، قال القاضي: والاحتمال الأول أولى، لأن قوله: ﴿ فَأْذَنُواْ ﴾ خطاب مع قوم تقدم ذكرهم، وهم المخاطبون بقوله: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا ﴾ وذلك يدل على أن الخطاب مع المؤمنين.

فإن قيل: كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين؟

قلنا: هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل، كما جاء في الخبر من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله» وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ  ﴾ أصلاً في قطع الطريق من المسلمين، فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب الله وفي سنّة رسوله.

إذا عرفت هذا فنقول: في الجواب عن السؤال المذكور وجهان الأول: المراد المبالغة في التهديد دون نفس الحرب والثاني: المراد نفس الحرب وفيه تفصيل، فنقول: الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص وقدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى فيه حكم الله من التعزير والحبس إلى أن تظهر منه التوبة، وإن وقع ممن يكون له عسكر وشوكة، حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية وكما حارب أبو بكر رضي الله عنه ما نعي الزكاة، وكذا القوم لو اجتمعوا على ترك الأذان، وترك دفن الموتى، فإنه يفعل بهم ما ذكرناه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من عامل بالربا يستتاب فإن تاب وإلا ضُرِبت عنقه.

والقول الثاني: في هذه الآية أن قوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ ﴾ خطاب للكفار، وأن معنى الآية ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ معترفين بتحريم الربا ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ ﴾ أي فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه ﴿ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ ومن ذهب إلى هذا القول قال: إن فيه دليلاً على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام كان كافراً، كما لو كفر بجميع شرائعه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن تُبتُمْ ﴾ والمعنى على القول الأول تبتم من معاملة الربا، وعلى القول الثاني من استحلال الربا ﴿ فَلَكُمْ رُءُوسُ أموالكم لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ أي لا تظلمون الغريم بطلب الزيادة على رأس المال، ولا تظلمون أي بنقصان رأس المال.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال النحويون ﴿ كَانَ ﴾ كلمة تستعمل على وجوه: أحدها: أن تكون بمنزلة حدث ووقع، وذلك في قوله: قد كان الأمر، أي وجد، وحينئذ لا يحتاج إلى خبر والثاني: أن يخلع منه معنى الحدث، فتبقى الكلمة مجردة للزمان، وحينئذ يحتاج إلى الخبر، وذلك كقوله: كان زيد ذاهباً.

واعلم أني حين كنت مقيماً بخوارزم، وكان هناك جمع من أكابر الأدباء، أوردت عليهم إشكالاً في هذا الباب فقلت: إنكم تقولون إن ﴿ كَانَ ﴾ إذا كانت ناقصة إنها تكون فعلاً وهذا محال، لأن الفعل ما دلّ على اقتران حدث بزمان، فقولك ﴿ كَانَ ﴾ يدل على حصول معنى الكون في الزمان الماضي، وإذا أفاد هذا المعنى كانت تامة لا ناقصة، فهذا الدليل يقتضي أنها إن كانت فعلاً كانت تامة لا ناقصة، وإن لم تكن تامة لم تكن فعلاً ألبتة بل كانت حرفاً، وأنتم تنكرون ذلك، فبقوا في هذا الإشكال زماناً طويلاً، وصنفوا في الجواب عنه كتباً، وما أفلحوا فيه ثم انكشف لي فيه سر أذكره هاهنا وهو أن كان لا معنى له إلا حدث ووقع ووجد، إلا أن قولك وجد وحدث على قسمين أحدها: أن يكون المعنى: وجد وحدث الشيء كقولك: وجد الجوهر وحدث العرض والثاني: أن يكون المعنى: وجد وحدث موصوفية الشيء بالشيء، فإذا قلت: كان زيد عالماً فمعناه حدث في الزمان الماضي موصوفية زيد بالعلم، والقسم الأول هو المسمى بكان التامة والقسم الثاني هو المسمى بالناقصة، وفي الحقيقة فالمفهوم من ﴿ كَانَ ﴾ في الموضعين هو الحدوث والوقوع، إلا أن في القسم الأول المراد حدوث الشيء في نفسه، فلا جرم كان الاسم الواحد كافياً، والمراد في القسم الثاني حدوث موصوفية أحد الأمرين بالآخر، فلا جرم لم يكن الاسم الواحد كافياً، بل لابد فيه من ذكر الاسمين حتى يمكنه أن يشير إلى موصوفية أحدهما بالآخر، وهذا من لطائف الأبحاث، فأما إن قلنا إنه فعل كان دالاً على وقوع المصدر في الزمان الماضي، فحينئذ تكون تامة لا ناقصة، وإن قلنا: إنه ليس بفعل بل حرف فكيف يدخل فيه الماضي والمستقبل والأمر، وجميع خواص الأفعال، وإذا حمل الأمر على ما قلناه تبين أنه فعل وزال الإشكال بالكلية.

المفهوم الثالث: لكان يكون بمعنى صار، وأنشدوا: بتيهاء قفر والمطي كأنها *** قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها وعندي أن هذا اللفظ هاهنا محمول على ما ذكرناه، فإن معنى صار أنه حدث موصوفية الذات بهذه الصفة بعد أنها ما كانت موصوفة بذلك، فيكون هنا بمعنى حدث ووقع، إلا أنه حدوث مخصوص، وهو أنه حدث موصوفية الذات بهذه الصفة بعد أن كان الحاصل موصوفية الذات بصفة أخرى.

المفهوم الرابع: أن تكون زائدة وأنشدوا: سراة بني أبي بكر تسامى *** على كان المسومة الجياد إذا عرفت هذه القاعدة فلنرجع إلى التفسير فنقول: في ﴿ كَانَ ﴾ في هذه الآية وجهان الأول: أنها بمعنى وقع وحدث، والمعنى: وإن وجد ذو عسرة، ونظيره قوله: ﴿ إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً ﴾ بالرفع على معنى: وإن وقعت تجارة حاضرة، ومقصود الآية إنما يصح على هذا اللفظ وذلك لأنه لو قيل: وإن كان ذا عسرة لكان المعنى: وإن كان المشتري ذا عسرة فنظرة، فتكون النظرة مقصورة عليه، وليس الأمر كذلك، لأن المشتري وغيره إذا كان ذا عسرة فله النظرة إلى الميسرة الثاني: أنها ناقصة على حذف الخبر، تقديره وإن كان ذو عسرة غريماً لكم، وقرأ عثمان ﴿ ذَا عُسْرَةٍ ﴾ والتقدير: إن كان الغريم ذا عسرة، وقريء (وَمَن كَانَ ذَا عُسْرَةٍ).

المسألة الثانية: العسرة اسم من الأعسار، وهو تعذر الموجود من المال؛ يقال: أعسر الرجل، إذا صار إلى حالة العسرة، وهي الحالة التي يتعسر فيها وجود المال.

ثم قال تعالى: ﴿ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية حذف، والتقدير: فالحكم أو فالأمر نظرة، أو فالذي تعاملونه نظرة.

المسألة الثانية: نظرة أي تأخير، والنظرة الاسم من الإنظار، وهو الإمهال، تقول: بعته الشيء بنظرة وبانظار، قال تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ  قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ  ﴾ .

المسألة الثالثة: قرئ ﴿ فَنَظِرَةٌ ﴾ بسكون الظاء، وقرأ عطاء (فناظره) أي فصاحب الحق أي منتظره، أو صاحب نظرته، على طريق النسب، كقولهم: مكان عاشب وباقل، أي ذو عشب وذو بقل، وعنه فناظره على الأمر أي فسامحه بالنظرة إلى الميسرة.

المسألة الرابعة: الميسرة مفعلة من اليسر واليسار، الذي هو ضد الإعسار، وهو تيسر الموجود من المال، ومنه يقال: أيسر الرجل فهو موسر، أي صار إلى اليسر، فالميسرة واليسر والميسور الغنى.

المسألة الخامسة: قرأ نافع ﴿ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ بضم السين والباقون بفتحها، وهما لغتان مشهورتان كالمقبرة، والمشرفة، والمشربة، والمسربة، والفتح أشهر اللغتين، لأنه جاء في كلامهم كثيراً.

المسألة السادسة: اختلفوا في أن حكم الأنظار مختص بالربا أو عام في الكل، فقال ابن عباس وشريح والضحاك والسدي وإبراهيم: الآية في الربا، وذكر عن شريح أنه أمر بحبس أحد الخصمين فقيل: إنه معسر، فقال شريح: إنما ذلك في الربا، والله تعالى قال في كتابه ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا  ﴾ وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ قالت الاخوة الأربعة الذين كانوا يعاملون بالربا: بل نتوب إلى الله فإنه لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله، فرضوا برأس المال وطلبوا بني المغيرة بذلك، فشكا بنو المغيرة العسرة، وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات، فأبوا أن يؤخروهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ .

القول الثاني: وهو قول مجاهد وجماعة من المفسرين: إنها عامة في كل دين، واحتجوا بما ذكرنا من أنه تعالى قال: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ ولم يقل: وإن كان ذا عسرة، ليكون الحكم عاماً في كل المفسرين، قال القاضي: والقول الأول أرجح، لأنه تعالى قال في الآية المتقدمة ﴿ وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ﴾ من غير بخس ولا نقص، ثم قال في هذه الآية: وإن كان من عليه المال معسراً وجب إنظاره إلى وقت القدرة، لأن النظرة يراد بها التأخر، فلابد من حق تقدم ذكره حتى يلزم التأخر، بل لما ثبت وجوب الإنظار في هذه بحكم النص، ثبت وجوبه في سائر الصور ضرورة الاشتراك في المعنى، وهو أن العاجز عن أداء المال لا يجوز تكليفه به، وهذا قول أكثر الفقهاء كأبي حنيفة ومالك والشافعي رضي الله عنهم.

المسألة السابعة: اعلم أنه لابد من تفسير الإعسار، فنقول: الإعسار هو أن لا يجد في ملكه ما يؤديه بعينه، ولا يكون له ما لو باعه لأمكنه أداء الدين من ثمنه، فلهذا قلنا: من وحد داراً وثياباً لا يعد في ذوي العسرة، إذا ما أمكنه بيعها وأداء ثمنها، ولا يجوز أن يحبس إلا قوت يوم لنفسه وعياله، وما لابد لهم من كسوة لصلاتهم ودفع البرد والحر عنهم، واختلفوا إذا كان قوياً هل يلزمه أن يؤاجر نفسه من صاحب الدين أو غيره، فقال بعضهم: يلزمه ذلك، كما يلزمه إذا احتاج لنفسه ولعياله، وقال بعضهم: لا يلزمه ذلك، واختلفوا أيضاً إذا كان معسراً، وقد بذل غيره ما يؤديه، هل يلزمه القبول والأداء أو لا يلزمه ذلك، فأما من له بضاعة كسدت عليه، فواجب عليه أن يبيعها بالنقصان إن لم يكن إلا ذلك، ويؤديه في الدين.

المسألة الثامنة: إذا علم الإنسان أن غريمه معسر حرم عليه حبسه، وأن يطالبه بما له عليه، فوجب الإنظار إلى وقت اليسار، فأما إن كانت له ريبة في إعساره فيجوز له أن يحبسه إلى وقت ظهور الإعسار، واعلم أنه إذا ادعى الإعسار وكذبه للغريم، فهذا الدين الذي لزمه إما أن يكون عن عوض حصل له كالبيع والقرض، أو لا يكون كذلك، وفي القسم الأول لابد من إقامة شاهدين عدلين على أن ذلك العوض قد هلك، وفي القسم الثاني وهو أن يثبت الدين عليه لا بعوض، مثل إتلاف أو صداق أو ضمان، كان القول قوله وعلى الغرماء البينة لأن الأصل هو الفقر.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم ﴿ تَصَدَّقُواْ ﴾ بتخفيف الصاد والباقون بتشديدها، والأصل فيه: أن تتصدقوا بتاءين، فمن خفف حذف إحدى التاءين تخفيفاً، ومن شدد أدغم إحدى التاءين في الأخرى.

المسألة الثانية: في التصدق قولان الأول: معناه: وأن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدين إذ لا يصح التصدق به على غيره، وإنما جاز هذا الحذف للعلم به، لأنه قد جرى ذكر المعسر وذكر رأس المال فعلم أن التصدق راجع إليهما، وهو كقوله: ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى  ﴾ والثاني: أن المراد بالتصدق الإنظار لقوله عليه السلام لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة وهذا القول ضعيف، لأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية الأولى، فلابد من حمل هذه الآية على فائدة جديدة، ولأن قوله: ﴿ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ لا يليق بالواجب بل بالمندوب.

المسألة الثالثة: المراد بالخير حصول الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة.

ثم قال: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ وفيه وجوه: الأول: معناه إن كنتم تعلمون أن هذا التصدق خير لكم إن عملتموه، فجعل العمل من لوازم العلم، وفيه تهديد شديد على العصاة والثاني: إن كنتم تعلمون فضل التصدق على الإنظار والقبض والثالث: إن كنتم تعلمون أن ما يأمركم به ربكم أصلح لكم.

ثم قال تعالى: ﴿ واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ اعلم أن هذه الآية في العظماء الذين كانوا يعاملون بالربا وكانوا أصحاب ثروة وجلال وأنصار وأعوان وكان قد يجري منهم التغلب على الناس بسبب ثروتهم، فاحتاجوا إلى مزيد زجر ووعيد وتهديد، حتى يمتنعوا عن الربا، وعن أخذ أموال الناس بالباطل، فلا جرم توعدهم الله بهذه الآية، وخوفهم على أعظم الوجوه، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: هذه الآية آخر أية نزلت على الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك لأنه عليه السلام لما حج نزلت ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ  ﴾ وهي آية الكلالة، ثم نزل وهو واقف بعرفة ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى  ﴾ ثم نزل ﴿ واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ﴾ فقال جبريل عليه السلام: «يا محمد ضعها على رأس ثمانين آية ومائتي آية من البقرة»، وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحدا وثمانين يوماً، وقيل: أحداً وعشرين وقيل: سبعة أيام، وقيل: ثلاث ساعات.

المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو ﴿ تُرْجَعُونَ ﴾ بفتح التاء والباقون بضم التاء، واعلم أن الرجوع لازم، والرجع متعد، وعليه تخرج القراءتان.

المسألة الثالثة: انتصب ﴿ يَوْماً ﴾ على المفعول به، لا على الظرف، لأنه ليس المعنى: واتقوا في هذا اليوم، لكن المعنى تأهبوا للقائه بما تقدمون من العمل الصالح، ومثله قوله: ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً  ﴾ أي كيف تتقون هذا اليوم الذي هذا وصفه مع الكفر بالله.

المسألة الرابعة: قال القاضي: اليوم عبارة عن زمان مخصوص، وذلك لا يتقي، وإنما يتقي ما يحدث فيه من الشدة والأهوال واتقاء تلك الأهوال لا يمكن إلا في دار الدنيا بمجانبة المعاصي وفعل الواجبات، فصار قوله: ﴿ واتقوا يَوْمًا ﴾ يتضمن الأمر بجميع أقسام التكاليف.

المسألة الخامسة: الرجوع إلى الله تعالى ليس، المراد منه ما يتعلق بالمكان والجهة فإن ذلك محال على الله تعالى، وليس المراد منه الرجوع إلى علمه وحفظه، فإنه معهم أينما كانوا لكن كل ما في القرآن من قوله: ﴿ تُرْجَعُونَ إِلَى الله ﴾ له معنيان الأول: أن الإنسان له أحوال ثلاثة على الترتيب.

فالحالة الأولى: كونهم في بطون أمهاتهم، ثم لا يملكون نفعهم ولا ضرهم، بل المتصرف فيهم ليس إلا الله سبحانه وتعالى.

والحالة الثانية: كونهم بعد البروز عن بطون أمهاتهم، وهناك يكون المتكفل بإصلاح أحوالهم في أول الأمر الأبوين، ثم بعد ذلك يتصرف بعضهم في البعض في حكم الظاهر.

والحالة الثالثة: بعد الموت وهناك لا يكون المتصرف فيهم ظاهراً في الحقيقة إلا الله سبحانه، فكأنه بعد الخروج عن الدنيا عاد إلى الحالة التي كان عليها قبل الدخول في الدنيا، فهذا هو معنى الرجوع إلى الله والثاني: أن يكون المراد يرجعون إلى ما أعد الله لهم من ثواب أو عقاب، وكلا التأويلين حسن مطابق للفظ.

ثم قال: ﴿ ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد أن كل مكلف فهو عند الرجوع إلى الله لابد وأن يصل إليه جزاء عمله بالتمام، كما قال: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ  وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السموات أَوْ فِي الأرض يَأْتِ بِهَا الله  ﴾ وقال: ﴿ وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حاسبين  ﴾ وفي تأويل قوله: ﴿ مَّا كَسَبَتْ ﴾ وجهان الأول: أن فيه حذفاً والتقدير جزاء ما كسبت والثاني: أن المكتسب هو ذلك الجزاء، لأن ما يحصله الرجل بتجارته من المال فإنه يوصف في اللغة بأنه مكتسبه، فقوله: ﴿ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ أي توفى كل نفس مكتسبها، وهذا التأويل أولى، لأنه مهما أمكن تفسير الكلام بحيث لا يحتاج فيه إلى الإضمار كان أولى.

المسألة الثانية: الوعيدية يتمسكون بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق، وأصحابنا يتمسكون بها في القطع بعدم الخلود، لأنه لما آمن فلابد وأن يصل ثواب الإيمان إليه، ولا يمكن ذلك إلا بأن يخرج من النار ويدخل الجنة.

ثم قال: ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ وفيه سؤال وهو أن قوله: ﴿ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ لا معنى له إلا أنهم لا يظلمون، فكان ذلك تكريراً.

وجوابه: أنه تعالى لما قال: ﴿ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ كان ذلك دليلاً على إيصال العذاب إلى الفساق والكفار، فكان لقائل أن يقول: كيف يليق بكرم أكرم الأكرمين أن يعذب عبيده فأجاب عنه بقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ والمعنى أن العبد هو الذي أوقع نفسه في تلك الورطة لأن الله تعالى مكنه وأزاح عذره، وسهل عليه طريق الاستدلال، وأمهله فمن قصر فهو الذي أساء إلى نفسه، وهذا الجواب إنما يستقيم على أصول المعتزلة، وأما على أصول أصحابنا فهو أنه سبحانه مالك الخلق، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء وأراد لم يكن ظلماً، فكان قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ بعد ذكر الوعيد إشارة إلى ما ذكرناه.

الحكم الثالث: من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع من هذه السورة آية المداينة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الرباا ﴾ كتب بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع ﴿ لاَ يَقُومُونَ ﴾ إذا بعثوا من قبورهم ﴿ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان ﴾ أي المصروع.

وتخبط الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع.

والخبط الضرب على غير استواء كخبط العشواء، فورد على ما كانوا يعتقدون.

والمس: الجنون.

ورجل ممسوس، وهذا أيضاً من زعماتهم، وأن الجنيَّ يمسه فيختلط عقله، وكذلك جن الرجل: معناه ضربته الجنّ ورأيتهم لهم في الجن قصص وأخبار وعجائب، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات.

فإن قلت: بم يتعلق قوله: ﴿ مِنَ المس ﴾ ؟

قلت: ب (لا يقومون)، أي لا يقومون من المسّ الذي بهم إلا كما يقوم المصروع.

ويجوز أن يتعلق بيقوم، أي كما يقوم المصروع من جنونه.

والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف.

وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون، إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين، لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم، فلا يقدرون على الإيفاض ﴿ ذَلِكَ ﴾ العقاب بسبب قولهم ﴿ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباا ﴾ .

فإن قلت: هلا قيل إنما الربا مثل البيع لأنّ الكلام في الربا لا في البيع فوجب أن يقال: إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه، وكانت شبهتهم أنهم قالوا: لو اشترى الرجل ما لا يساوي إلا درهما بدرهمين جاز، فكذلك إذا باع درهماً بدرهمين؟

قلت: جيء به على طريق المبالغة، وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع.

وقوله: ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرباا ﴾ إنكار لتسويتهم بينهما، ودلالة عل أنّ القياس يهدمه النص، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه ﴿ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ ﴾ فمن بلغه وعظ من الله وزجر بالنهي عن الربا ﴿ فانتهى ﴾ فتبع النهي وامتنع ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾ فلا يؤخذ بما مضى منه، لأنه أخذ قبل نزول التحريم ﴿ وَأَمْرُهُ إِلَى الله ﴾ يحكم في شأنه يوم القيامة، وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به ﴿ وَمَنْ عَادَ ﴾ إلى الربا ﴿ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ وهذا دليل بيِّن على تخليد الفساق.

وذكر فعل الموعظة لأنّ تأنيثها غير حقيقي، ولأنها في معنى الوعظ.

وقرأ أبيٌّ والحسن: ﴿ فمن جاءته ﴾ .

﴿ يَمْحَقُ الله الرباا ﴾ يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: الربا وإن كثر إلى قلّ.

﴿ وَيُرْبِى الصدقات ﴾ ما يتصدّق به بأن يضاعف عليه الثواب ويزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه.

وفي الحديث: «ما نقَّصَتْ زكاةٌ من مال قط» ﴿ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ تغليظ في أمر الربا وإيذان بأنه من فعل الكفار لا من فعل المسلمين.

أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا، فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها.

روي: أنها نزلت في ثقيف، وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا.

وقرأ الحسن رضي الله عنه: ﴿ ما بقى ﴾ ، بقلب الياء ألفاً على لغة طيئ: وعنه ﴿ ما بقيْ ﴾ بياء ساكنة.

ومنه قول جرير: هُوَ الْخَلِيفَةُ فَارْضَوْا مَا رَضِي لَكُمُو ** مَاضِي الْعَزِيمَةِ مَا فِي حُكْمِهِ جَنَفُ ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ إن صح إيمانكم، يعني أنّ دليل صحة الإيمان وثباته امتثال ما أمرتم به من ذلك ﴿ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ ﴾ فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به.

وقرئ: ﴿ فآذنوا ﴾ ، فأعلموا بها غيركم، وهو من الإذن وهو الاستماع، لأنه من طرق العلم.

وقرأ الحسن: ﴿ فأيقنوا ﴾ ، وهو دليل لقراءة العامّة.

فإن قلت: هلا قيل بحرب الله ورسوله؟

قلت: كان هذا أبلغ، لأن المعنى: فأذنوا بنوع من الحرب عظيم عند الله ورسوله.

وروي أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا يديْ لنا بحرب الله ورسوله.

﴿ وَإِن تُبتُمْ ﴾ من الارتباء ﴿ فَلَكُمْ رُءوسُ أموالكم لاَ تَظْلِمُونَ ﴾ المديونين بطلب الزيادة عليها ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ بالنقصان منها.

فإن قلت: هذا حكمهم إن تابوا، فما حكمهم لو لم يتوبوا قلت: قالوا: يكون مالهم فيئاً للمسلمين، وروى المفضل عن عاصم: (لا تظلمون ولا تظلمون) ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة أو ذو إعسار: وقرا عثمان رضي الله عنه.

﴿ ذا عسرة ﴾ على وإن كان الغريم ذا عسرة.

وقرئ: (ومن كان ذا عسرة) ﴿ فَنَظِرَةٌ ﴾ أي فالحكم أو فالأمر نظرة وهي الإنظار.

وقرئ: ﴿ فنظْرة ﴾ بسكون الظاء.

وقرأ عطاء: ﴿ فناظره ﴾ .

بمعنى فصاحب الحق ناظره: أي منتظره، أو صاحب نظرته على طريقة النسب كقولهم: مكان عاشب وباقل، أي ذو عشب وذو بقل.

وعنه: فناظرْه، على الأمر بمعنى فسامحه بالنظرة وياسره بها ﴿ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ إلى يسار وقرئ بضم السين، كمقبرة ومقبرة ومشرقة ومشرقة.

وقرئ بهما مضافين بحذف التاء عند الإضافة كقوله: وَأخْلَفُوكَ عِدَا الأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا وقوله تعالى: ﴿ وإقام الصلاة ﴾ [النور: 37] .

﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ندب إلى أن يتصدقوا برؤس أموالهم على من أعسر من غرمائهم أو ببعضها، كقوله تعالى: ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ [البقرة: 237] .

وقيل: أريد بالتصدق الإنظار لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة» ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه خير لكم فتعملوا به، جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه.

وقرئ ﴿ تصدّقوا ﴾ بتخفيف الصاد على حذف التاء ﴿ تُرْجَعُونَ ﴾ قرئ على البناء للفاعل والمفعول: وقرئ: ﴿ يرجعون ﴾ بالياء على طريقة الالتفات.

وقرأ عبد الله: ﴿ تردّون ﴾ : وقرأ أبيّ: ﴿ تصيرون ﴾ .

وعن ابن عباس: أنها آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام، وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة.

وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحداً وعشرين يوماً.

وقيل: أحداً وثمانين.

وقيل: سبعة أيام.

وقيل: ثلاث ساعات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ يَوْمَ المَوْتِ فَتَأهَّبُوا لِمَصِيرِكم إلَيْهِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ.

﴿ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ﴾ جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ﴿ وَهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ بِنَقْصِ ثَوابٍ وتَضْعِيفِ عِقابٍ.

وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (أنَّها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَ بِها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ ضَعْها في رَأْسِ المِائَتَيْنِ والثَّمانِينَ مِنَ البَقَرَةِ وعاشَ رَسُولُ اللَّهِ  بَعْدَها أحَدًا وعِشْرِينَ يَوْمًا وقِيلَ أحَدًا وثَمانِينَ يَوْمًا.

وقِيلَ سَبْعَةَ أيّامٍ وقِيلَ ثَلاثَةَ ساعاتٍ) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله} ترجعون أبو عمرو فرجع لازم ومتعدٍ قيل هي آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام وقال ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقر وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحداً وعشرين يوماً أو أحداً وثمانين أو سبعة أيام أو ثلاث ساعات {ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا

كَسَبَتْ} أي جزاء ما كسبت {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بنقصان الحسنات وزيادة السيآت

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واتَّقُوا يَوْمًا ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ أوْ يَوْمُ المَوْتِ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ كَما أنَّ تَعْلِيقَ الِاتِّقاءِ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ عَمّا فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ الَّتِي تَجْعَلُ الوِلْدانَ شَيْبًا ﴿ تُرْجَعُونَ فِيهِ ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الرَّجْعِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مِنَ الرُّجُوعِ والأوَّلُ أدْخَلُ كَما قِيلَ: في التَّهْوِيلِ، وقُرِئَ (يُرْجَعُونَ) عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، وقَرَأ أُبَيٌّ (تُصَيَّرُونَ) وعَبْدُ اللَّهِ (تُرَدُّونَ ﴿ إلى اللَّهِ ﴾ أيْ حُكْمِهِ وفَصْلِهِ ﴿ ثُمَّ تُوَفّى ﴾ أيْ تُعْطى كَمَلًا ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ كَسَبَتْ خَيْرًا أوْ شَرًّا ﴿ ما كَسَبَتْ ﴾ أيْ جَزاءُ ذَلِكَ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، والكَسْبُ العَمَلُ كَيْفَ كانَ كَما نَطَقَتْ بِهِ اللُّغَةُ ودَلَّتْ عَلَيْهِ الآثارُ، وكَسْبُ الأشْعَرِيِّ لا يَشْعُرُ بِهِ سِوى الأشاعِرَةُ.

﴿ وهم لا يُظْلَمُونَ  ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ وجُمِعَ بِاعْتِبارِ المَعْنى، وأعادَ الضَّمِيرَ أوَّلًا مُفْرَدًا اِعْتِبارًا بِاللَّفْظِ، وقَدَّمَ اِعْتِبارَ اللَّفْظِ لِأنَّهُ الأصْلُ ولِأنَّ اِعْتِبارَ المَعْنى وقَعَ رَأْسَ فاصِلَةٍ فَكانَ تَأْخِيرُهُ أحْسَنَ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنِ الجَمْعَ أنْسَبُ بِما يَكُونُ في يَوْمِهِ كَما أنَّ الإفْرادَ أوْلى فِيما إذا كانَ قَبْلَهُ.

أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ آيَةَ ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا ﴾ الخ آخَرُ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ، واخْتُلِفَ في مُدَّةِ بَقائِهِ بَعْدَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقِيلَ: تِسْعُ لَيالٍ، وقِيلَ: سَبْعَةُ أيّامٍ، وقِيلَ: ثَلاثُ ساعاتٍ، وقِيلَ: أحَدٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا، وقِيلَ: أحَدٌ وثَمانُونَ يَوْمًا ثُمَّ ماتَ بِنَفْسِي هو حَيًّا ومَيِّتًا  .

رُوِيَ أنَّهُ قالَ: «اِجْعَلُوها بَيْنَ آيَةِ الرِّبا وآيَةِ الدَّيْنِ»، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهُ  قالَ: «جاءَنِي جِبْرائِيلُ فَقالَ: اِجْعَلُوها عَلى رَأْسِ مِائَتَيْنِ وثَمانِينَ آيَةً مِنَ البَقَرَةِ» ولا يُعارِضُ الرِّوايَةَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في أنَّ هَذِهِ آخَرُ آيَةٍ نَزَلَتْ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ”آخِرُ آيَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى عَلى رَسُولِهِ  آيَةُ الرِّبا“، ومِثْلُهُ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ اِبْنِ المُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ كَما قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ الكِرْباسِيُّ أنَّ المُرادَ مِن هَذا أنَّ آخِرَ ما نَزَلَ مِنَ الآياتِ في البُيُوعِ آيَةُ الرِّبا، أوْ أنَّ المُرادَ إنَّ ذَلِكَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ كَما يُصَرِّحُ بِهِ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، ولَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِإنْظارِ المُعْسِرِ وتَأْجِيلِهِ عَقَّبَهُ بِبَيانِ أحْكامِ الحُقُوقِ المُؤاجَلِةِ وعُقُودِ المُدايَنَةِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا يعني يأكلون الربا استحلالاً لاَ يَقُومُونَ يوم القيامة من قبورهم إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ أي يتخبطه الشيطان مِنَ الْمَسِّ أي من الجنون.

ويقال: أنهم يبعثون يوم القيامة، وقد انتفخت بطونهم كالحباب، وكلما قاموا سقطوا، والناس يمشون عليهم، فيكون ذلك علامة آكل الربا ويقال يكون بمنزلة المجنون ذلِكَ بِأَنَّهُمْ يعني الذي نزل بهم لأنهم قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا معناه استحلوا الرِّبا، وكان الرجل إذا حل أجل ماله طالبه فيقول له المطلوب: زدني في الأجل، وأزيدك في مالك فيفعلان ذلك.

فإذا قيل لهما: إن هذا رباً قالا: الزيادة في أول البيع، وعند حلول الأجل سواء.

ويقال: إنهم استحلوا الربا وقالوا: الربا والبيع في الحل سواء، فالله تعالى أبطل قولهم فقال تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ ولم يقل جاءته، لأن التأنيث ليس بحقيقي، ويجوز أن يذكر ويؤنث، لأنه انصرف إلى المعنى، يعني فمن جاءه نهي مِنْ رَبِّهِ في القرآن في بيان تحريم الربا فَانْتَهى عن أكل الربا فَلَهُ مَا سَلَفَ يعني ليس عليه إثم فيما مضى قبل النهي، لأن الحجة لم تقم عليهم، ولم يعلموا بحرمته، وأما اليوم فمن تاب عن الربا، فلا بدَّ له من أن يرد الفضل، ولا يكون له ما سلف، لأن حرمة الربا ظاهرة بين المسلمين، لأن كتاب الله تعالى فيهم.

ثم قال عز وجل: وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ في المستأنف إن شاء عصمه، وإن شاء لم يعصمه وَمَنْ عادَ إلى استحلال الرِّبا فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ قال ابن مسعود آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهداه ملعونون على لسان محمد  .

وقال عليه الصلاة والسلام: «سَيَأْتِي عَلَى الَّناسِ زَمَانٌ لا يبقى أحد إلا أَكَلَ الرِّبا، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلِ الرِّبا أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ» .

وروي عن النبي  أنه قال: «الرِّبا بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَاباً، أدْنَاها كَإِتْيَانِ الرَّجُلِ أُمَّهُ» ، يعني كالزاني بأمه.

ثم قال تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا أي يبطله، ويذهب ببركته وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ يقول: يقبلها ويضاعفها.

ويقال: إن مال آكل الربا لا يخلو من أحد أوجه ثلاثة، إما أن يذهب عنه أم عن ولده، أو ينفقه فيما لا يصلح وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ يعني جاحد بتحريم الرِّبا أَثِيمٍ يعني عاص بأكله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني الطاعات فيما بينهم وبين ربهم وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني الصلوات الخمس وَآتَوُا الزَّكاةَ يعني أعطوا الزَّكاة المفروضة لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وقد ذكرناه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أي أطيعوا الله ولا تعصوه فيما نهاكم من أمر الرِّبا وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مصدقين بتحريمه.

وقال أهل اللغة: إن الحقيقة على ثلاثة أوجه: إن بمعنى ما، كقوله: إِنِ الْكافِرُونَ إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [يس: 29] .

وإن بمعنى لقد، كقوله إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا [الإسراء: 108] .

وتَاللَّهِ إِنْ كُنَّا، قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات: 56] ، إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ [يونس: 29] ، وإن بمعنى إذ كقوله: وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 139] ، وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا [البقرة: 278] نزلت هذه الآية في نفر من بني ثقيف، وفي بني المغيرة من قريش، وكانت ثقيف يربون لبني المغيرة في الجاهلية، وكانوا أربعة أخوة منهم مسعود وعبد ياليل وأخواهما يربون لبني المغيرة، فلما ظهر النبيّ  على أهل مكة، وضع الرِّبا كله، وكان أهل الطائف قد صالحوا على أن لهم رباهم على الناس يأخذونه، وما كان عليهم من رباً للناس، فهو موضوع عنهم لا يؤخذ منهم، وقد كان رسول الله  كتب لهم كتاباً، وكتب في أسفله إنَّ لكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم، فلما حلّ الأجل طلب ثقيف رباهم، فاختصموا إلى أمير مكة، وهو عتاب بن أسيد، فكتب بذلك إلى رسول الله  ، فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولا تستحلوا الرِّبا وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني مصدقين بتحريم الرِّبا.

ثم خوفهم فقال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا أي لم تقروا بتحريم الربا ولم تتركوه فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.

قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر فآذِنوا بمد الألف وكسر الذال، وقرأ أبو عمرو وورش عن نافع، فأْذَنُوا بترك الهمزة ونصب الذال، وقرأ الباقون بجزم الألف ونصب الذال، فمن قرأ فَأْذَنُوا بالجزم معناه: فاعلموا بِحَرْبٍ مِّنَ الله، يعني بإهلاك من الله.

ويقال معناه: فاعلموا بأنكم كفار بالله وَرَسُولِهِ ومن قرأ فآذنوا بالمد يقول: اعلموا بعضكم بعضاً بحرب، أي بإهلاك من الله تعالى ورسوله.

فقالوا: ما لنا بحرب من الله ورسوله طاقة فما توبتنا؟؟

فقال تعالى: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ التي أسلفتم.

وقال النبيّ  : «كُلُّ رِباً كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رباً وُضِعَ رِبَا العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وكُلُّ دَمٍ كانَ في الجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ دَمٍ وُضِعَ دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الحارث بن عبد المطلب» .

ثم قال: لاَ تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ يعني الطالب لا يظلم بطلب الزيادة، ويرضى برأس المال، ولا يظلم المطلوب، فينتقص عن رأس المال، وذلك أنهم طلبوا رؤوس أموالهم من بني المغيرة، فشكوا العسرة يعني بني المغيرة وقالوا: ليس لنا شيء، وطلبوا الأجل إلى وقت إدراك ثمارهم، فنزل قوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ يعني إن كان المطلوب ذو شدة فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ يقول: أجله أن يتيسر عليه بإدراك ثماره وَأَنْ تَصَدَّقُوا يقول: لو تصدقتم ولا تأخذونه فهو خَيْرٌ لَكُمْ ويقال: لئن تصدقتم بالتأخير فهو خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أن الصدقة خير لكم.

قرأ نافع إلى ميسرة بضم السين.

وقرأ الباقون والنصب، وهما لغتان ومعناهما واحد.

وقرأ عطاء فناظرة بالألف.

وقرأ العامة بغير ألف، ومعناها واحد.

وقرأ عاصم وأن تصدقوا بتخفيف الصاد.

وقرأ الباقون بالتشديد، لأن التاء أدغم في الصاد، وأصله تتصدقوا.

ثم قال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ يقول اجتنبوا عذاب يوم ترجعون فِيهِ إِلَى اللَّهِ يعني في يوم القيامة ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ من خير أو شر وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ يقول: وهم لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً.

وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال آخر آية نزلت من القرآن وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ قرأ أبو عمرو تُرْجَعُونَ بنصب التاء وكسر الجيم وقرأ الباقون بالضم ونصب الجيم قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

٧٣ أوروى أبو داود في «سننه» ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ/ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وأَيُّما مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً عَلَى جُوعٍ، أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سقى مُسْلِماً عَلَى ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ» «١» .

انتهى.

وقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ يقتضي الزجْرَ للكفَّارِ المستحلِّين للربا، ووصْف «الكَفَّار» ب «أثيم» إِما مبالغةٌ من حيثُ اختلف اللفظانِ، وإِما ليذهب الاشتراكُ الذي في «كَفَّار» إِذ قد يقع على الزَّارِعِ الذي يستر الحَبَّ في الأرض، قاله ابنُ فُورَكَ «٢» .

ولما انقضى ذكْر الكافرين، عقَّب سبحانه بذكْرِ ضدِّهم ليبين ما بين الحالَتَيْنِ، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ...

الآية، وقد تقدَّم تفسير مثل هذه الألفاظ.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا ...

الآية: سبَبُ هذه الآيةِ أنه لما افتتح النبيّ صلّى الله عليه وسلم مكَّة، قال في خُطْبَتِهِ اليَوْمَ الثانِيَ من الفَتْح: «ألا كُلُّ رِباً فِي الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وأوّل ربا أضعه ربا «٣»

العبّاس» «١» فبدأ صلّى الله عليه وسلم بعَمِّه، وأخَصِّ الناسِ به، وهذه من سنن العَدْلِ للإِمام أنْ يفيض العَدْل على نَفْسه وخاصَّته، فيستفيض في النَّاس، ثم رجع رسُولُ الله صلّى الله عليه وسلم إِلى المدينةِ، واستعمل على مكَّة عَتَّابَ بْنَ أسيد «٢» ، فلمّا استنزل صلّى الله عليه وسلم أهْلَ الطائِفِ بَعْد ذلك إِلى الإِسْلامِ، اشترطوا شُرُوطاً، وكان في شروطهم: أنَّ كُلَّ رباً لهم على النَّاسِ فإِنهم يأخذونه، وكُلُّ رباً علَيْهم، فهو موضُوعٌ، فيروى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم قَرَّر لهم هذه، ثم ردَّها اللَّه بهذه الآية كما ردّ

صُلْحَه لكُفَّار قُرَيْش في ردِّ النِّسَاءِ إِليهم عامَ الحُدَيْبِية، وذكَرَ النَّقَّاش روايةً أنَّ رسُولَ الله صلّى الله عليه وسلم أَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ فِي أَسْفَلِ الكِتَابِ لِثَقِيفٍ: «لَكُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيهِمْ» ، فلما جاءَتْ آجال رِبَاهُمْ، بعثوا إِلى مكَّة لِلاقتضاءِ، وكانت على بني المغيرة المخزوميّين، فقال بنو المُغِيرَةِ: لا نُعْطِي شَيئاً فإِن الربَا قد وُضِعَ، ورفعوا أمرهم إِلى عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ بمكَّة، فَكَتَب به إلى رسُولِ الله صلّى الله عليه وسلم فنزلت الآية، وكتب بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى عتَّابٍ، فعلمتْ بها ثقيفٌ، فكَفَّت: هذا سببُ الآية على اختصارٍ ممَّا روى ابْنُ إِسحاق، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ وغيرهم «١» .

فمعنى الآية: اجعلوا بينكم وبيْنَ عذابِ اللَّهِ وقايةً بترككمْ ما بَقِيَ لكُمْ من رباً، وصَفْحِكُمْ عنه، ثم توعَّدَهُمْ تعالَى، إِن لم يذروا الربَا بحَرْبٍ منه، ومِنْ رسوله، وأمَّته، والحَرّب داعية القَتْلِ.

وقوله تعالى: فَأْذَنُوا قال سِيبَوَيْهِ: آذَنْتُ: أعْلَمْتُ.

ت: وهكذا فسره البخاريُّ، فقال: قال أبو عبد اللَّهِ: فَأذَنُوا، فاعلموا «٢» ، وقال ع «٣» : هي عنْدِي من الأَذَنِ، وقال ابن عَبَّاس وغيره: معناه فاستيقنوا بحَرْبٍ «٤» .

ثم ردَّهم سبحانه مع التوبة إِلى رءوس أموالهم، وقال لهم: لا تَظْلِمُونَ في أخذِ الزائِدِ، ولا تُظْلَمُونَ في أنْ يتمسَّك بشيء من رءوس أموالكُمْ، ويحتمل لا تَظْلِمُونَ في مَطْلٍ، لأن مَطْل الغنيّ ظلم كما قال- عليه الصلاة والسلام «٥» - فالمعنى أنه يكون

القضاءُ، مع وضْعِ الربا وهكذا سنة الصُّلْح، وهذا أشبه شيء بالصُّلْح ألا ترى أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم لَمَّا أشارَ على كَعْبِ بْنِ مالِكٍ في دَيْنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ بِوَضْعِ الشَّطْرِ، فقال كعب: نعم، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم لِلآخَرِ: «قُمْ، فاقضه» «١» ، فَتلقَّى العلماءُ أمره بالقَضَاء سنّة في المصالحات.

٧٣ ب وقوله سبحانه: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ/، فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ حكم اللَّه تعالى لأرباب الربَا برُءُوس أموالهم عنْدَ الواجدين للمال، ثم حكم في ذِي العُسْرَةِ بالنَّظَرَةِ إِلى حال اليُسْرِ، والعُسْرُ: ضيقُ الحالِ من جهة عدمِ المالِ، والنَّظِرَةُ التأخيرُ.

ت: وفي «الصحيحين» عَنِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلم، قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِراً، فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، قَالَ: فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ» «١» ، وفي «صحيح مسلمٍ» : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ» ، وفي روايةٍ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أنْجَاهُ اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ القِيَامَةِ» ، وفي رواية: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ الله في ظلّه» «٢» .

انتهى.

والمَيْسَرَةُ: مصدرٌ بمعنى اليُسْرِ، وارتفع: «ذُو عُسْرَةٍ» ب «كان» التامة الَّتي هي بمعنى:

«وُجِدَ، وَحَدَثَ» ، وارتفعَ قَوْلِه: «فَنَظِرَةٌ» علَى خبر ابتداءٍ مقدَّر، تقديره فالواجبُ نَظِرَةٌ.

واختلف أهْلُ العلْمِ هلْ هذا الحُكْم بالنَّظِرَةِ إِلى الميسرةِ واقفٌ على أهل الربا خاصَّة، وهو قول ابن عبَّاس، وشُرَيْح «١» ، أو هو منسحبٌ على كلِّ دين حلال، وهو قول جمهور

العلماء «١» ؟

ع «٢» : وما قاله ابن عبَّاس إِنما يترتَّب، إِذا لم يكُنْ فقر مُدْقِعٌ، وأما مع الفقر والعُدْمِ الصريحِ، فالحُكْمُ هي النَّظِرة ضرورةً.

ت: ولا يخالف ابن عبَّاس في ذلك.

وقوله تعالى: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ: نَدَبَ اللَّه بهذه الألفاظ إِلى الصدَقَة على المُعْسِر، وجعل ذلك خيراً من إنظاره، قاله جمهور العلماء.

وروى سعيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عن عمر بن الخَطَّاب أنه قَالَ: كان آخر ما نَزَلَ من القُرآن آية الربا، وقُبِضَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولَمْ يفسِّرْها لَنَا، فدَعُوا الرِّبَا والرِّيبَةَ «٣» .

وقال ابن عباس: آخر ما نزل آية الربا «٤» .

قال ع «٥» : ومعنى هذا عنْدي، أنها من آخر ما نَزَلَ لأن جمهور النَّاس ابنُ عبَّاس، والسُّدِّيُّ، والضَّحَّاك، وابنُ جْرَيجٍ، وغيرهم، قالوا: آخر آية نزلَتْ قوله تعالى:

وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، ورُوِيَ أَنَّ قوله: وَاتَّقُوا نزلت قبل موت النبيّ صلّى الله عليه وسلم بِتِسْعِ ليالٍ، ثم لم ينزلْ بعدها شيْءٌ، ورُوِيَ بثلاثِ ليالٍ، وروي أنَّها نزلَتْ قبل موته بثلاث ساعات، وأنّه صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «اجعلوها بَيْنَ آيَةِ الرِّبَا وَآيَةِ الدَّيْنِ» ، وحكى مكّيّ أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: اجعلها على مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنَ البَقَرةِ» «٦» .

وقوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ...

الآية: وعْظٌ لجميعِ الناسِ، وأمْرٌ يخصُّ كلَّ إِنسان.

ت: حدَّثني من أثقُ به أنه جَلَسَ عند شيخ من الأفاضل يجوّد عليه القرآن،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ تاءِ "تَرْجِعُونَ" وضَمَّها الباقُونَ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطِيَّةُ، ومُقاتِلٌ في آَخَرِينَ: هَذِهِ آُخِرُ آَيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآَنِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ  بَعْدَها بِأحَدَ وثَمانِينَ يَوْمًا، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تُوفِّيَ بَعْدَها بِتِسْعِ لَيالٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: بِسَبْعِ لَيالٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ﴾ أيْ: تُعْطى جَزاءَ ما كَسَبَتْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ حَكَمَ اللهُ تَعالى لِأرْبابِ الرِبا بِرُؤُوسِ أمْوالِهِمْ عِنْدَ الواجِدِينَ لِلْمالِ، ثُمَّ حَكَمَ في ذِي العُسْرَةِ بِالنَظِرَةِ إلى حالَةِ اليُسْرِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِما كانَ في الجاهِلِيَّةِ مِن بَيْعِ مَن أعْسَرَ بِدَيْنٍ، وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ النَبِيَّ  أمَرَ بِهِ في صَدْرِ الإسْلامِ فَإنْ ثَبَتَ فِعْلُ النَبِيِّ  فَهو نَسْخٌ، وإلّا فَلَيْسَ بِنَسْخٍ.

والعُسْرَةُ.

ضِيقُ الحالِ مِن جِهَةِ عَدَمِ المالِ، ومِنهُ.

جَيْشُ العُسْرَةِ.

والنَظِرَةُ: التَأْخِيرُ، والمَيْسَرَةُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى اليُسْرِ، وارْتَفَعَ "ذُو عُسْرَةٍ" بِكانَ التامَّةِ الَّتِي هي بِمَعْنى وُجِدَ وحَدَثَ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وأبِي عَلِيٍّ، وغَيْرِهِما، ومِن هُنا يَظْهَرُ أنَّ الأصْلَ الغِنى ووُفُورُ الذِمَّةِ، وأنَّ العَدَمَ طارِئٌ حادِثٌ يَلْزَمُ أنْ يُثْبَتَ، وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ - حَكاهُ الطَبَرِيُّ - بَلْ هي كانَ الناقِصَةُ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وإنْ كانَ مِن غُرَمائِكم ذُو عُسْرَةٍ، وارْتَفَعَ قَوْلُهُ: "فَنَظِرَةٌ" عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: فالواجِبُ نَظِرَةٌ، أو فالحُكْمُ نَظِرَةٌ قالَ الطَبَرِيُّ: وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنْ كانَ ذا عُسْرَةٍ" عَلى مَعْنى: وإنْ كانَ المَطْلُوبُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ "وَإنْ كانَ مُعْسِرًا فَنَظِرَةٌ" قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي، عن أحْمَدَ بْنِ مُوسى: وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قالَ مَكِّيٌّ، والنَقّاشُ: وعَلى هَذا يَخْتَصُّ لَفْظُ الآيَةِ بِأهْلِ الرِبا، وعَلى مَن قَرَأ: "وَإنْ كانَ ذُو" فَهي عامَّةٌ في جَمِيعِ مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ، وهَذا غَيْرُ لازِمٍ.

وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ عُثْمانَ "فَإنْ كانَ" بِالفاءِ "ذُو عُسْرَةٍ" بِالواوِ.

وقِراءَةُ الجَماعَةِ "نَظِرَةٌ" بِكَسْرِ الظاءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: "فَنَظْرَةٌ" بِسُكُونِ الظاءِ، وكَذَلِكَ قَرَأ الضَحّاكُ، وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: كَرْمَ زَيْدٌ بِمَعْنى كَرُمَ، ويَقُولُونَ كِبْدَ في كَبِدْ - وكِتْفَ في كَتِفْ.

وقَرَأ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: "فَناظِرَةٌ" عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ، وقالَ الزَجّاجُ: هي مِن أسْماءِ المَصادِرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ  ﴾ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ  ﴾ ، وكَـ ﴿ خائِنَةَ الأعْيُنِ  ﴾ وغَيْرِهِ.

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "مَيْسُرَةٍ" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ، وجُمْهُورُ الناسِ: "مَيْسَرَةٍ" بِفَتْحِ السِينِ، عَلى وزْنِ مَفْعَلَةٍ، وهَذِهِ القِراءَةُ أكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ، لِأنَّ مَفْعُلَةَ بِضَمِّ العَيْنِ قَلِيلٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَدْ قالُوا: مَسْرُبَةٌ ومَشْرُبَةٌ.

ولَكِنَّ مَفْعَلَةً بِفَتْحِ العَيْنِ أكْثَرُ في كَلامِهِمْ.

وقَرَأ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ: "فَناظِرْهُ إلى مَيْسُرِهِ" عَلى الأمْرِ في "ناظِرْهُ"، وَجَعَلا الهاءَ ضَمِيرَ الغَرِيمِ، وضَمّا السِينَ مِن "مَيْسُرِهِ"، وكَسَرا الراءَ، وجَعَلا الهاءَ ضَمِيرَ الغَرِيمِ، فَأمّا "ناظِرْهُ" فَفاعِلْهُ مِنَ التَأْخِيرِ، كَما تَقُولُ: سامِحْهُ، وأمّا "مَيْسُرْ" فَشاذٌّ - قالَ سِيبَوَيْهِ: لَيْسَ في الكَلامِ "مَفْعُلْ".

قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُرِيدُ في الآحادِ، فَأمّا في الجَمْعِ فَقَدْ جاءَ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: أبْلِغِ النُعْمانَ عَنِّي مَأْلُكًا ∗∗∗ أنَّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وانْتِظارِي وقَوْلُ جَمِيلٍ: بُثُيْنُ - الزَمِي "لا" إنَّ "لا" إنْ لَزِمْتِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى كَثْرَةِ الواشِينَ أيُّ مَعُونِ فالأوَّلُ: جَمْعُ مَأْلُكَةٍ، والآخَرُ: جَمْعُ مَعُونَةٍ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: إنَّ عَدِيًّا أرادَ مَأْلُكَةً فَحَذَفَ، وكَذَلِكَ جَمِيلٌ أرادَ: أيُّ مَعُونَةٍ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الآخَرِ: ................

∗∗∗ لِيَوْمِ رَوْعٍ أو فَعالِ مَكْرُمِ أرادَ مَكْرُمَةً فَحَذَفَ.

قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ جُمُوعًا كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإنْ كانَ مَيْسُرُ جَمْعَ مَيْسُرَةٍ فَيَجْرِي مَجْرى هَذِهِ الأمْثِلَةِ، وإنْ كانَ قارِئُهُ أرادَ بِهِ الإفْرادَ فَذَلِكَ شاذٌّ، وقَدْ خَطَّأهُ بَعْضُ الناسِ، وكَلامُ سِيبَوَيْهِ يَرُدُّهُ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ - هَلْ هَذا الحُكْمُ بِالنَظِرَةِ إلى المَيْسَرَةِ واقِفٌ عَلى أهْلِ الرِبا أو هو مُنْسَحِبٌ عَلى كُلِّ ذِي دَيْنٍ حالٍّ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وشُرَيْحٌ: ذَلِكَ في الرِبا خاصَّةً، وأمّا الدُيُونُ وسائِرُ الأماناتِ فَلَيْسَ فِيها نَظِرَةٌ، بَلْ تُؤَدّى إلى أهْلِها - وكَأنَّ هَذا القَوْلَ يَتَرَتَّبُ إذا لَمْ يَكُنْ فَقْرٌ مُدْقِعٌ، وأمّا مَعَ الفَقْرِ والعَدَمِ الصَرِيحِ، فالحُكْمُ هي النَظِرَةُ ضَرُورَةً.

وقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: النَظِرَةُ إلى المَيْسَرَةِ حُكْمٌ ثابِتٌ في المُعْسِرِ سَواءٌ كانَ الدَيْنُ رِبًا، أو مِن تِجارَةٍ في ذِمَّةٍ، أو مِن أمانَةٍ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الضَحّاكُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ تَصَدَّقُوا ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ "خَيْرٌ"، ونَدَبَ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الألْفاظِ إلى الصَدَقَةِ عَلى المُعْسِرِ، وجَعَلَ ذَلِكَ خَيْرًا مِن إنْظارِهِ.

قالَهُ السُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، والضَحّاكُ، وجُمْهُورُ الناسِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ آخَرُونَ: مَعْنى الآيَةِ: وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ خَيْرٌ لَكُمْ، ثُمَّ أدْخَلَ الطَبَرِيُّ تَحْتَ هَذِهِ التَرْجَمَةِ أقْوالًا لِقَتادَةَ، وإبْراهِيمَ النَخْعِيِّ لا يَلْزَمُ مِنها ما تَضَمَّنَتْهُ تَرْجَمَتُهُ، بَلْ هي كَقَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ، ولَيْسَ في الآيَةِ مَدْخَلٌ لِلْغَنِيِّ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "تَصَّدَّقُوا" بِتَشْدِيدِ الصادِ عَلى الإدْغامِ مِن تَتَصَدَّقُوا، وقَرَأ عاصِمٌ: "وَأنْ تَصَدَّقُوا" بِتَخْفِيفِ الصادِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَأنْ تَتَصَدَّقُوا" بِفَكِّ الإدْغامِ.

ورَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: "كانَ آخِرُ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ آيَةَ الرِبا، وقُبِضَ رَسُولُ اللهِ  ولَمْ يُفَسِّرْها لَنا، فَدَعَوُا الرِبا، والرِيبَةَ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "آخِرُ ما نَزَلَ آيَةُ الرِبا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ.

ومَعْنى هَذا عِنْدِي أنَّها مِن آخِرِ ما نَزَلَ، لِأنَّ جُمْهُورَ الناسِ - ابْنَ عَبّاسٍ، والسُدِّيَّ، والضَحّاكَ، وابْنَ جُرَيْجٍ، وغَيْرَهم - قالُوا: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللهِ ﴾ .

وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: بَلَغَنِي أنَّ أحْدَثَ القُرْآنِ بِالعَرْشِ آيَةُ الدَيْنِ.

ورُوِيَ أنَّ قَوْلَهُ: "واتَّقُوا" نَزَلَتْ قَبْلَ مَوْتِ النَبِيِّ  بِتِسْعِ لَيالٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَها شَيْءٌ، ورُوِيَ: بِثَلاثِ لَيالٍ، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلاثِ ساعاتٍ، وأنَّهُ قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "اجْعَلُوها بَيْنَ آيَةِ الرِبا وآيَةِ الدَيْنِ"،» وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "جاءَنِي جِبْرِيلُ فَقالَ: اجْعَلْها عَلى رَأْسِ مِائَتَيْنِ وثَمانِينَ آيَةً مِنَ البَقَرَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا ﴾ وعْظٌ لِجَمِيعِ الناسِ، وأمْرٌ يَخُصُّ كُلَّ إنْسانٍ و"يَوْمًا" مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ لا عَلى الظَرْفِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: "تَرْجِعُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ "تُرْجَعُونَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الجِيمِ، فَمِثْلُ قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو: ﴿ إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ  ﴾ ومِثْلُ قِراءَةِ الجَماعَةِ: ثُمَّ رُدُّوا إلى اللهِ، ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي.

والمُخاطَبَةُ في القِراءَتَيْنِ بِالتاءِ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ في الوَعْظِ والتَحْذِيرِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "يَرْجِعُونَ" بِالياءِ عَلى مَعْنى يَرْجِعُ جَمِيعُ الناسِ.

قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: كَأنَّ اللهَ تَعالى رَفَقَ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى أنْ يُواجِهَهم بِذِكْرِ الرَجْعَةِ إذْ هي مِمّا تَنْفَطِرُ لَهُ القُلُوبُ، فَقالَ لَهُمْ: "واتَّقُوا يَوْمًا" ثُمَّ رَجَعَ فِي ذِكْرِ الرَجْعَةِ إلى الغَيْبَةِ رِفْقًا بِهِمْ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "يَوْمًا تُرَدُّونَ" بِضَمِّ التاءِ.

وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ هَذا اليَوْمَ المُحَذَّرَ مِنهُ هو يَوْمُ القِيامَةِ والحِسابِ والتَوْفِيَةِ، وقالَ قَوْمٌ هو يَوْمُ المَوْتِ والأوَّلُ أصَحُّ بِحُكْمِ الألْفاظِ في الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ: "إلى اللهِ" مُضافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إلى حُكْمِ اللهِ، وفَصْلِ قَضائِهِ، وقَوْلُهُ: "وَهُمْ" رَدٌّ عَلى مَعْنى "كُلُّ نَفْسٍ" لا عَلى اللَفْظِ إلّا عَلى قِراءَةِ الحَسَنِ "يَرْجِعُونَ" فَقَوْلُهُ: "وَهُمْ" رَدٌّ عَلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ في "يَرْجِعُونَ".

وفِي هَذِهِ الآيَةِ نَصٌّ عَلى أنَّ الثَوابَ والعِقابَ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِ الإنْسانِ، وهَذا رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جيء بقوله: ﴿ واتقوا يوماً ﴾ تذييلاً لهاته الأحكام لأنّه صالح للترهيب من ارتكاب ما نهي عنه والترغيب في فعل ما أمر به أو ندب إليه، لأن في ترك المنهيات سلامة من آثامها، وفي فعل المطلوبات استكثاراً من ثوابها، والكل يرجع إلى اتّقاء ذلك اليوم الذي تُطلب فيه السلامة وكثرة أسباب النجاح.

وفي «البخاري» عن ابن عباس أنّ هذه آخر آية نزلت.

وعن ابن عباس هي آخر ما نزل فقال جبريل: «يا محمد ضعها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة».

وهذا الذي عليه الجمهور، قاله ابن عباس والسُّدي والضحاك وابن جريج وابن جبير ومقاتل.

وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش بعد نزولها واحداً وعشرين يوماً، وقيل واحداً وثمانين، وقيل سبعة أيام، وقيل تسعة، وقيل ثلاث ساعات.

وقد قيل: إنّ آخر آية هي آية الكلالة، وقيل غير ذلك، وقد استقصى الأقوال صاحب الإتقان.

وقرأه الجمهور ترجعون بضم التاء وفتح الجيم، وقرأ يعقوب بفتح التاء وكسر الجيم.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمُ اتَّقُوا اللَّهَ بِقُلُوبِكم.

والثّانِي: يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمُ اتَّقُوا اللَّهَ في أفْعالِكم.

﴿ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ﴾ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ عامِرٍ وبَنِي مَخْزُومٍ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى عَتّابِ بْنِ أُسَيْدٍ بِمَكَّةَ وكانَ قاضِيًا عَلَيْها مِن قِبَلِ رَسُولِ اللَّهِ  فَقالُوا: دَخَلْنا في الإسْلامِ عَلى أنَّ ما كانَ لَنا مِنَ الرِّبا فَهو باقٍ، وما كانَ عَلَيْنا فَهو مَوْضُوعٌ، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ وكَتَبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ  إلَيْهِمْ.

والثّانِي أنَّها نَزَلَتْ في بَقِيَّةٍ مِنَ الرِّبا كانَتْ لِلْعَبّاسِ ومَسْعُودٍ وعَبْدِ يالِيلَ وحَبِيبِ بْنِ رَبِيعَةَ عِنْدَ بَنِي المُغِيرَةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ﴾ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ مَن أرْبى قَبْلَ إسْلامِهِ، وقَبَضَ بَعْضَهُ في كُفْرِهِ وأسْلَمَ وقَدْ بَقِيَ بَعْضُهُ، فَما قَبَضَهُ قَبْلَ إسْلامِهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدٌّ، وما بَقِيَ مِنهُ بَعْدَ إسْلامِهِ، حَرامٌ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ لَهُ أخْذُهُ، فَأمّا المُراباةُ بَعْدَ الإسْلامِ فَيَجِبُ رَدُّهُ فِيما قَبَضَ وبَقِيَ، فَيَرُدُّ ما قَبَضَ ويَسْقُطُ ما بَقِيَ، بِخِلافِ المَقْبُوضِ في الكُفْرِ، لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا فَهَذا حُكْمُهُ.

والثّانِي: مَعْناهُ إذا كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ﴾ يَعْنِي تَرْكَ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا.

﴿ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ (فَآذِنُوا) بِالمَدِّ، بِمَعْنى: فَأعْلِمُوا غَيْرَكم، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَصْرِ بِمَعْنى فاعْلَمُوا أنْتُمْ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنِ الرِّبا أمَرْتُ النَّبِيَّ بِحَرْبِكم.

والثّانِي: إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْهُ فَأنْتُمْ حَرْبُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، يَعْنِي أعْداءَهُ.

﴿ وَإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ ﴾ يَعْنِي الَّتِي دَفَعْتُمْ ﴿ لا تَظْلِمُونَ ﴾ بِأنْ تَأْخُذُوا الزِّيادَةَ عَلى رُؤُوسِ أمْوالِكم، ﴿ وَلا تُظْلَمُونَ ﴾ بِأنْ تَمْنَعُوا رُؤُوسَ أمْوالِكم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ قِيلَ: إنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ ( ذا عُسْرَةٍ ) وهو جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الإنْظارَ بِالعَسْرَةِ واجِبٌ في دَيْنِ الرِّبا خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وشُرَيْحٌ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ يَجِبُ إنْظارُهُ بِالعُسْرَةِ في كُلِّ دَيْنٍ، لِظاهِرِ الآيَةِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والضَّحّاكِ، وقِيلَ: إنَّ الإنْظارَ بِالعُسْرَةِ في دَيْنِ الرِّبا بِالنَّصِّ، وفي غَيْرِهِ مِنَ الدُّيُونِ بِالقِياسِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَفْعَلَةٌ مِنَ اليُسْرِ، وهو أنْ يُوسِرَ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: إلى المَوْتِ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.

﴿ وَأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ يَعْنِي وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى المُعْسِرِ بِما عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ خَيْرٌ لَكم مِن أنْ تُنْظِرُوهُ، رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: كانَ آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ آيَةَ الرِّبا، فَدَعُوا الرِّبا والرُّبْيَةَ، وإنَّ نَبِيَّ اللَّهِ  قُبِضَ قَبْلَ أنْ يُفَسِّرَها.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ﴾ أيِ اتَّقُوا بِالطّاعَةِ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن تَرْكِ الرِّبا وما بَقِيَ مِنهُ.

وَ ﴿ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي إلى جَزاءِ اللَّهِ.

والثّانِي: إلى مُلْكِ اللَّهِ.

﴿ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: جَزاءُ ما كَسَبَتْ مِنَ الأعْمالِ.

والثّانِي: ما كَسَبَتْ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ.

﴿ وَهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي بِنُقْصانِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ، ولا بِالزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العِقابِ.

رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ  هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكَثَ بَعْدَها سَبْعَ لَيالٍ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو عبيد وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن السدي وعطية العوفي.

مثله.

وأخرج ابن الأنباري عن أبي صالح وسعيد بن جبير.

مثله.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت ﴿ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ﴾ نزلت بمنى وكان بين نزولها وبين موت النبي صلى الله عليه وسلم أحد وثمانون يوماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: آخر ما نزل من القرآن كله ﴿ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله...

﴾ الآية.

عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الإِثنين لليلتين خلتا من ربيع الأوّل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ يعني ما عملت من خير أو شر ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ يعني من أعمالهم لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم.

أخرج ابن جرير بسند صحيح عن سعيد بن المسيب: أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين.

وأخرج أبو عبيد في فضائله عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهداً بالعرش آية الربا وآية الدين.

وأخرج الطيالسي وأبو يعلى وابن سعد وأحمد وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أوّل من جحد آدم أن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلاً يزهر قال: أي رب من هذا؟

قال: هذا ابنك داود.

قال: أي رب كم عمره؟

قال: ستون عاماً قال: رب زد في عمره.

فقال: لا إلا أن أزيده من عمرك.

وكان عمر آدم ألف سنة، فزاده أربعين عاماً، فكتب عليه بذلك كتاباً وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضر آدم وأتته الملائكة لتقبضه قال: إنه قد بقي من عمري أربعون عاماً.

فقيل له: إنك قد وهبتها لابنك داود.

قال: ما فعلت.

فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة، فكمل الله لآدم ألف سنة، وأكمل لداود مائة عام» .

وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أجله وأذن فيه، ثم قرأ ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ﴾ قال: نزلت في السلم في الحنطة في كيل معلوم إلى أجل معلوم.

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن ابن عباس قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال «من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: لا سلف إلى العطاء، ولا إلى الحصاد، ولا إلى الأندر، ولا إلى العصير، واضرب له أجلاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: أمر بالشهادة عند المداينة لكيلا يدخل في ذلك جحود ولا نسيان، فمن لم يشهد على ذلك فقد عصى، ولا يأب الشهداء يعني من احتيج إليه من المسلمين يشهد على شهادة، أو كانت عنده شهادة فلا يحل له أن يأبى إذا ما دعي، ثم قال بعد هذا ﴿ ولا يضار كاتب ولا شهيد ﴾ والضرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غني: إن الله قد أمرك أن لا تأبى إذا دعيت فيضاره بذلك وهو مكتف بغيره، فنهاه الله عن ذلك وقال: ﴿ وإن تفعلوا فإنه فسوق ﴾ يعني معصية.

قال: ومن الكبائر كتمان الشهادة.

قال: لأن الله تعالى يقول ﴿ ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ﴾ [ البقرة: 283] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كاتب بالعدل ﴾ قال: يعدل بينهما في كتابه، لا يزاد على المطلوب ولا ينقص من حق الطالب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا يأب كاتب ﴾ قال: واجب على الكاتب أن يكتب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ولا يأب كاتب ﴾ قال: إن كان فارغاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ ولا يأب كاتب ﴾ قال: ذلك أن الكتاب في ذلك الزمان كانوا قليلاً.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ﴿ ولا يأب كاتب ﴾ قال: كانت الكتاب يومئذ قليلاً.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ ولا يأب كاتب ﴾ قال: كانت عزيمة فنسختها ﴿ ولا يضار كاتب ولا شهيد ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ كما علمه الله ﴾ قال: كما أمره الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ كما علمه الله ﴾ قال: كما علمه الكتابة وترك غيره ﴿ وليملل الذي عليه الحق ﴾ يعني المطلوب.

يقول: ليمل ما عليه من الحق على الكاتب ﴿ ولا يبخس منه شيئاً ﴾ يقول: لا ينقص من حق الطالب شيئاً ﴿ فإن كان الذي عليه الحق ﴾ يعني المطلوب ﴿ سفيهاً أو ضعيفاً ﴾ يعني عاجزاً أو أخرس أو رجلاً به حمق ﴿ أو لا يستطيع ﴾ يعني لا يحسن ﴿ أن يمل هو ﴾ قال: أن يمل ما عليه ﴿ فليملل وليه ﴾ ولي الحق حقه ﴿ بالعدل ﴾ يعني الطالب ولا يزداد شيئاً ﴿ واستشهدوا ﴾ يعني على حقكم ﴿ شهيدين من رجالكم ﴾ يعني المسلمين الأحرار ﴿ فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان...

أن تضل إحداهما ﴾ يقول: أن تنسى إحدى المرأتين الشهادة ﴿ فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ يعني تذكرها التي حفظت شهادتها ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ قال: الذي معه الشهادة ﴿ ولا تسأموا ﴾ يقول: لا تملوا ﴿ أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً ﴾ يعني.

أن تكتبوا صغير الحق وكبيره قليله وكثيره ﴿ إلى أجله ﴾ لأن الكتاب أحصى للأجل والمال ﴿ ذلكم ﴾ يعني الكتاب ﴿ أقسط عند الله ﴾ يعني أعدل ﴿ وأقوم ﴾ يعني أصوب ﴿ للشهادة وأدنى ﴾ يقول: وأجدر ﴿ أن لا ترتابوا ﴾ أن لا تشكوا في الحق والأجل والشهادة إذا كان مكتوباً، ثم استثنى فقال: ﴿ إلا أن تكون تجارة حاضرة ﴾ يعني يداً بيد ﴿ تديرونها بينكم ﴾ يعني ليس فيها أجل ﴿ فليس عليكم جناح ﴾ يعني حرج ﴿ أن لا تكتبوها ﴾ يعني التجارة الحاضرة ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ يعني اشهدوا على حقكم إذا كان فيه أجل أو لم يكن فاشهدوا على حقكم على كل حال ﴿ وإن تفعلوا ﴾ يعني أن تضاروا الكاتب أو الشاهد وما نهيتم عنه ﴿ فإنه فسوق بكم ﴾ ثم خوفهم فقال: ﴿ واتقوا الله ﴾ ولا تعصوه فيها ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ يعني من أعمالكم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً ﴾ قال: هو الجاهل بالإِملاء ﴿ أو ضعيفاً ﴾ قال: هو الأحمق.

وأخرج ابن جرير عن السدي والضحاك في قوله: ﴿ سفيهاً ﴾ قالا: هو الصبي الصغير.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ فليملل وليه ﴾ قال: صاحب الدين.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ فليملل وليه ﴾ قال: ولي اليتيم.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ فليملل وليه ﴾ قال: ولي السفيه أو الضعيف.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق مجاهد عن ابن عمر في قوله: ﴿ واستشهدوا شهيدين ﴾ قال: كان إذا باع بالنقد أشهد ولم يكتب قال مجاهد: وإذا باع بالنسيئة كتب وأشهد.

وأخرج سفيان وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد في قوله: ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم ﴾ قال: من الأحرار.

وأخرج سعيد بن منصور عن داود بن أبي هند قال: سألت مجاهداً عن الظهار من الأمة فقال: ليس بشيء.

قلت: أليس يقول الله: ﴿ الذين يظاهرون من نسائهم ﴾ [ المجادلة: 3] أفلسن من النساء؟

فقال: والله تعالى يقول ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم ﴾ أفتجوز شهادة العبيد؟.

وأخرج ابن المنذر عن الزهري أنه سئل عن شهادة النساء فقال: تجوز فيما ذكر الله من الدين، ولا تجوز في غير ذلك.

وأخرج ابن المنذر من مكحول قال: لا تجوز شهادة النساء إلا في الدين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك قال: لا تجوز شهادة أربع نسوة مكان رجلين في الحقوق، ولا تجوز شهادتهن إلا معهن رجل، ولا تجوز شهادة رجل وامرأة، لأن الله يقول ﴿ فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر قال: لا تجوز شهادة النساء وحدهن إلا على ما لا يطلع عليه إلا هن من عورات النساء، وما أشبه ذلك من حملهن وحيضهن.

وأخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن!

قالت امرأة: يا رسول الله ما نقصان العقل والدين؟

قال: أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ولا تصلي، وتفطر رمضان فهذا نقصان الدين» .

وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله: ﴿ فمن ترضون من الشهداء ﴾ قال: عدول.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس أسأله عن شهادة الصبيان؟

فكتب إلي: إن الله يقول ﴿ ممن ترضون من الشهداء ﴾ فليسوا ممن نرضى، لا تجوز.

وأخرج الشافعي والبيهقي عن مجاهد في قوله: ﴿ ممن ترضون من الشهداء ﴾ قال: عدلان حران مسلمان.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن، أنه كان يقرأها ﴿ فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ مثقلة.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد.

أنه كان يقرأها ﴿ فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ مخففة.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة ابن مسعود ﴿ أن تضل إحداهما فتذكرها إحداهما الأخرى ﴾ .

وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ يقول: من احتيج إليه من المسلمين قد شهد على شهادة أو كانت عنده شهادة فلا يحل له أن يأبى إذا ما دعي، ثم قال بعد هذا ﴿ ولا يضار كاتب ولا شهيد ﴾ والأضرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غني: إن الله قد أمرك أن لا تأبى إذا ما دعيت فيضاره بذلك، وهو مكتف بذلك، فنهاه الله وقال: ﴿ وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ﴾ يعني بالفسوق المعصية.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ قال: إذا كانت عندهم شهادة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع قال: كان الرجل يطوف في القوم الكثير يدعوهم ليشهدوا فلا يتبعه أحد منهم، فأنزل الله: ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ قال: كان الرجل يطوف في الحي العظيم فيه القوم فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه أحد منهم، فأنزل الله هذه الآية.

وأخرج سفيان وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ قال: إذا كانت عندك شهادة فأقمها، فأما إذا دعيت لتشهد فإن شئت فاذهب وإن شئت فلا تذهب.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ ولا يأب الشهداء ﴾ قال: وهو الذي عنده الشهادة.

وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال: جمعت أمرين.

لا تأب إذا كانت عندك شهادة أن تشهد، ولا تأب إذا دعيت إلى شهادة.

وأخرج ابن المنذر عن عائشة في قوله: ﴿ أقسط عند الله ﴾ قالت: أعدل.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن الحسن في قوله: ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ قال: نسختها ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً ﴾ [ البقرة: 283] .

وأخرج ابن المنذر عن جابر بن زيد.

أنه اشترى سوطاً فاشهد وقال: قال الله: ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ .

وأخرج النحاس في ناسخه عن إبراهيم في الآية قال: أشهد إذا بعت وإذا اشتريت ولو دستجة بقل.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ قال: أشهدوا ولو دستجة من بقل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا يضار كاتب ولا شهيد ﴾ قال: يأتي الرجل الرجلين فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة فيقولان: إنا على حاجة.

فيقول: إنكما قد أمرتما أن تجيبا فليس له أن يضارهما.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ولا يضار كاتب ولا شهيد ﴾ يقول: إنه يكون للكاتب والشاهد حاجة ليس منها بد فيقول: خلوا سبيله.

وأخرج سفيان وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عكرمة قال: كان عمر بن الخطاب يقرأها ﴿ ولا يضارر كاتب ولا شهيد ﴾ يعني بالبناء للمفعول.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ ﴿ ولا يضارر ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد، أنه كان يقرأ ﴿ ولا يضارر كاتب ولا شهيد ﴾ وأنه كان يقول في تأويلها: ينطلق الذي له الحق فيدعو كاتبه وشاهده إلى أن يشهد، ولعله يكون في شغل أو حاجة.

وأخرج ابن جرير عن طاوس ﴿ ولا يضار كاتب ﴾ فيكتب ما لم يمل عليه ﴿ ولا شهيد ﴾ فيشهد ما لم يستشهد.

وأخرج ابن جرير والبيهقي عن الحسن ﴿ ولا يضار كاتب ﴾ فيزيد شيئاً أو يحرف ﴿ ولا شهيد ﴾ لا يكتم الشهادة ولا يشهد إلا بحق.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: هذه آخر آية نزلت على رسول الله  ، قال جبريلُ  : ضعها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة (١) قال ابن جريج: وعاش رسول الله  بعد نزول هذه الآية تسع ليال (٢) (٣) (٤) وانتصب (يومًا) على المفعول به، لا على الظرف (٥) ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا  ﴾ أي: كيف تتقون هذا اليوم الذي هذا (٦) وقوله تعالى: ﴿ تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾ هذا يوم القيامة.

وفي (ترجعون) قراءتان (٧) ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ  ﴾ ﴿ وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي  ﴾ .

وقرأ أبو عمرو: (تَرْجعون) بفتح التاء وكسر الجيم، اعتبارًا بقوله: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ  ﴾ فأضاف المصدر إلى الفاعل، وقوله: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ  ﴾ (٨) وقوله: ﴿ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾ أي: جزاء ما كسبت من الأعمال، قال ابن عباس: يريدَ ثوابَ عَمَلِهَا، خيرًا بخير، وشرًّا بشر، ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ يريد: وهم لا يُنْقَصُون، لا أهلُ الثوابِ ولا أهْلُ العِقَاب، قال: وهذه الآية لجميع الخلقِ البرِّ والفاجِرِ (٩) (١) رواه سفيان الثوري ص 73، وأبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 370، والنسائي في "تفسيره" 1/ 290، والطبري في "تفسيره" 3/ 114 - 115، والنحاس في "معاني القرآن" 1/ 312، والطبراني في "الكبير" 11/ 293، والبيهقي في "دلائل النبوة" 7/ 137، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1774، والواحدي في "أسباب النزول" ص 17.

(٢) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 370، والطبري في "تفسيره" 3/ 115.

(٣) رواه ابن أبي حاتم 2/ 554، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1782، والبغوي في "تفسيره" 1/ 347.

(٤) "تفسير مقاتل" 1/ 228، وذكره في "زاد المسير" 1/ 335، وفي "الوسيط" 1/ 400.

(٥) ينظر: "المحرر الوجيز" 1/ 499.

(٦) في (ي) (الذي وصفه).

(٧) قرأ أبو عمرو: بفتح التاء وكسر الجيم، وقرأ الباقون بضم التاء وفتح الجيم.

ينظر: "السبعة" ص 193، "الحجة" 2/ 417.

(٨) من "الحجة" 2/ 417 - 418 بتصرف.

(٩) ذكره في "الوسيط" 1/ 399، وهو من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ كان تامة بمعنى حضر ووقع، وقرئ ذا عسرة، أي إن كان الغريم ذا عسرة ﴿ فَنَظِرَةٌ إلى ﴾ حكم الله للمعسر بالإنظار إلى أن يوسر، وقد كان قبل ذلك يباع فيما عليه، ونظرة مصدر، معناه: التأخير، وهو مرفوع على أنه خبر ابتداء تقديره فالجواب: نظرة، أو مبتدأ، وميسرة أيضاً مصدر وقرئ بضم السين وفتحها ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ندب الله إلى الصدقة على المعسر بإسقاط الدين عنه فذلك أفضل من إنظاره، وباقي الآية وعظ، وقيل إنّ آخر آية نزلت آية الربا، وقيل بل قوله: ﴿ واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ﴾ ، الآية.

وقيل آية الدين المذكورة بعد ﴿ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ ﴾ أي إذا عامل بعضكم بعضاً بدين، وإنما ذكر الدين وإن كان مذكوراً في تداينتم ليعود عليه الضمير في اكتبوه وليزول الاشتراك الذي في تداينتم، إذ يقال لمعنى الجزاء ﴿ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ دليل على أنه لا يجوز إلى أجل مجهول، وأجاز مالك البيع إلى الجذاذ والحصاد، لأنه معروف عند الناس، ومنعه الشافعي وأبو حنيفة، قال ابن عباس: نزلت الآية في السَّلم خاصة يعني: أن سَلَم أهل المدينة كان سبب نزولها، قال مالك وهذا يجمع الدين كله، يعني: أنه يجوز التأخير في السلم والسلف وغيرهما ﴿ فاكتبوه ﴾ ذهب قوم إلى أن كتابة الدين واجبة بهذه الآية، وقال قوم: إنها منسوخة لقوله: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً ﴾ وقال قوم: إنها على الندب ﴿ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ ﴾ قال قوم: يجب على الكاتب أن يكتب، وقال قوم نسخ ذلك بقوله: ولا يضار كاتب ولا شهيد، وقال آخرون: يجب عليه إذا لم يوجد كاتب سواه، وقال قوم: إنّ الأمر بذلك على الندب، ولذلك جاز أخذ الأجرة على كتب الوثائق ﴿ بالعدل ﴾ يتعلق عند ابن عطية بقوله: وليكتب، وعند الزمخشري بقوله: كاتب فعلى الأول: تكون الكتابة بالعدل، وإن كان الكاتب غير مرضيّ، وعلى الثاني: يجب أن يكون الكاتب مرضياً في نفسه، قال مالك: لا يكتب الوثائق إلاّ عارف بها، عدل في نفسه مأمون ﴿ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ ﴾ نهي عن الإباية، وهو يقوّي الوجوب ﴿ كَمَا عَلَّمَهُ الله ﴾ يتعلق بقوله أن يكتب، والكاف للتشبيه أي: يكتب مثل ما علمه الله أو للتعليل: أي ينفع الناس بالكتابة كما علمه الله لقوله: ﴿ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ﴾ [القصص: 77] وقيل: يتعلق بقوله بعدها ﴿ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ﴾ يقال أمللت الكتاب، وأمليته، فورد هنا على اللغة الواحدة، وفي قوله تملي عليه على الأخرى ﴿ الذي عَلَيْهِ الحق ﴾ لأنّ الشهادة إنما هي باعترافه، فإن كتب الوثيقة دون إملاله، ثم أقرّ بها جاز ﴿ وَلاَ يَبْخَسْ ﴾ أمر الله بالتقوى فيما يملي، ونهاه عن البخس وهو نقص الحق ﴿ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ ﴾ السفيه الذي لا يحسن النظر في ماله، والضعيف الصغير وشبهه، والذي لا يستطيع أن يمل الأخرس وشبهه ﴿ وَلِيُّهُ ﴾ أبوه، أو وصيه، والضمير عائد على الذي عليه الحق ﴿ واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ نص في رفض شهادة الكفار والصبيان والنساء، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم، ولذلك أجاز ابن حنبل شهادتهم، ومنعها مالك والشافعي لنقص الرق ﴿ فَرَجُلٌ وامرأتان ﴾ قال قوم: لا تجوز شهادة المرأتين إلاّ مع الرجال، وقال معنى الآية: إن لم يكونا أي إن لم يوجدا وأجاز الجمهور أن المعنى إن لم يشهد رجلان فرجل وامرأتان، وإنما يجوز عند مالك شهادة الرجل والمرأتين في الأموال لا في غيرها، وتجوز شهادة المرأتين دون رجل، فيما لا يطلع عليه الرجال كالولادة والاستهلال، وعيوب النساء، وارتفع رجل بفعل مضمر تقديره: فليكن رجل، فهو فاعل، أو تقديره: فليستشهد رجل فهو مفعول لم يسم فاعله، أو بالابتداء تقديره: فرجل وامرأتان يشهدون ﴿ مِمَّن تَرْضَوْنَ ﴾ صفة للرجل والمرأتين، وهو مشترط أيضاً في الرجلين الشاهدين، لأن الرضا مشترط في الجميع وهو العدالة، ومعناها اجتناب الذنوب الكبائر، وتوقي الصغائر مع المحافظة على المروءة ﴿ أَن تَضِلَّ ﴾ مفعول من أجله، والعامل فيه هو المقدر العامل في رجل وامرأتان والضلال في الشهادة هو نسيانها أو نسيان بعضها، وإنما جعل ضلال إحدى المرأتين مفعولاً من أجله، وليس هو المراد، لأنه سبب لتذكير الأخرى لها وهو المراد، فأقيم السبب مقام المسبب، وقرئ: إن تضل: بكسر الهمزة على الشرط، وجوابه الفاء في فتذكر، ولذلك رفعه من كسر الهمزة، ونصبه من فتحها على العطف، وقرئ تذكر بالتشديد والتخفيف، والمعنى واحد ﴿ وَلاَ يَأْبَ الشهدآء ﴾ أي لا يمتنعون ﴿ إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ إلى أداء الشهادة وقد ورد تفسيره بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، واتفق العلماء أن أداء الشهادة واجب إذا دعي إليها، وقيل: إذا دعوا إلى تحصيل الشهادة وكتبها.

وقيل: إلى الأمرين ﴿ وَلاَ تسأموا أَن تَكْتُبُوهُ ﴾ أي لا تملوا من الكتابة إذا ترددت وكثرت، سواء كان الحق صغيراً أو كبيراً، ونصب صغيراً على الحال ﴿ ذلكم ﴾ إشارة إلى الكتابة ﴿ أَقْسَطُ ﴾ من القسط وهو العدل ﴿ وَأَقْومُ ﴾ بمعنى أشد إقامة، وينبني أفعل فيهما من الرباعي وهو قليل ﴿ وأدنى أَلاَّ ترتابوا ﴾ أي أقرب إلى عدم الشك في الشهادة ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً ﴾ أن في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، لأن الكلام المتقدم في الدين المؤجل، والمعنى: إباحة ترك الكتابة في التجارة الحاضرة، وهو ما يباع بالنقد وغيره، ﴿ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ ﴾ يقتضي القبض والبينونة ﴿ وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ ذهب قوم إلى وجوب الإشهاد على كل بيع صغيراً أو كبيراً، وهم الظاهرية، خلافاً للجمهور.

وذهب قوم إلى أنه منسوخ بقوله: فإن أمن بعضكم بعضاً، وذهب قوم إلى أنه على الندب ﴿ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ ﴾ يحتمل أن يكون كاتب فاعلاً على تقدير كسر الراء المدغمة من يضارّ، والمعنى على هذا نهي للكاتب والشاهد أن يضارّ صاحب الحق أو الذي عليه الحق بالزيادة فيه أو في النقصان منه، أو الامتناع من الكتابة أو الشهادة، ويحتمل أن يكون كاتب مفعولاً لم يسم فاعله على تقدير فتح الراء المدغمة، ويقوي ذلك قراءة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ﴿ لا يضارر ﴾ بالتفكيك وفتح الراء، والمعنى: النهي عن الإضرار بالكاتب والشاهد بإذايتهما بالقول أو بالفعل ﴿ وَإِن تَفْعَلُواْ ﴾ أي إن وقعتم في الإضرار ﴿ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ ﴾ حال بكم ﴿ وَيُعَلِّمُكُمُ الله ﴾ إخبار على وجه الامتنان، وقيل: معناه الوعد بأن من اتقى علمه الله وألهمه وهذا المعنى صحيح، ولكن لفظ الآية لا يعطيه، لأنه لو كان كذلك لجزم يعلمكم في جواب اتقوا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الربا ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة وعلي وخلف.

وهذا إذا كان معرّفاً ولا يميلون المنكر في الوصل لأجل التنوين كقوله: ﴿ وما آتيتم من ربا  ﴾ ويميلون في الوقف لزوال التنوين ﴿ فأذنوا ﴾ ممدودة مكسورة الذال: حمزة وحماد وأبو بكر غير ابن غالب والبرجمي حمزة يقف بغير همزة أي بالتليين.

الباقون فأذنوا بسكون الهمزة وفتح الذال ﴿ لا تظلمون ولا تظلمون ﴾ الأول مبني للمفعول والثاني للفاعل المفضل.

الباقون بالعكس ﴿ ميسره ﴾ بضم السين: نافع ﴿ ميسرة ﴾ بضم السين وإثبات التاء: زيد عن يعقوب، الباقون بفتح السين وعدم التاء.

﴿ وأن تصدقوا ﴾ خفيفاً بحذف إحدى التاءين: عاصم.

الباقون بتشديد الصاد لإدغام تاء التفعل في الصاد.

﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم: أبو عمرو ويعقوب عباس مخير.

الباقون مبنياً للمفعول.

الوقوف: ﴿ من المس ﴾ ط،/ ﴿ مثل الربا ﴾ م كيلا يظن أن ما بعده من قولهم وإن أمكن جعل ﴿ وأحل ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ وحرم الربا ﴾ ط لابتداء الشرط واستئناف المعنى، ﴿ ما سلف ﴾ ط لتناهي الجزاء، ﴿ إلى الله ﴾ ج، ﴿ النار ﴾ ج، ﴿ خالدون ﴾ ه، ﴿ الصدقات ﴾ ط، ﴿ أثيم ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ج، ﴿ يحزنون ﴾ ه، ﴿ مؤمنين ﴾ ه، ﴿ ورسوله ﴾ ج، ﴿ أموالكم ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف أو حال عاملة معنىالفعل في لام التمليك، ﴿ ولا تظلمون ﴾ ه، ﴿ ميسرة ﴾ ط، ﴿ تعلمون ﴾ ه، ﴿ لا يظلمون ﴾ ه.

التفسير: الحكم الثاني من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع حكم الربا.وذلك أنَّ بين الصدقة وبين الربا مناسبة التضاد، فإن الصدقة تنقيص مأمور بها، والربا زيادة منهي عنها.

وأيضاً لما أمر بالإنفاق من طيبات المكاسب وجب أن يردف بالكسب الحرام وهو الربا، والحلال وهو البيع ما يناسب من الدين والرهن وغيرهما فقال ﴿ الذين يأكلون الربا ﴾ أما الأكل فيعم جميع التصرفات إلا أنه عبر عن الشيء بمعظم مقاصده وكيف لا وقد " لعن رسول الله  آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه والمحلل له" " وأيضاً نفس الربا لا يمكن أن يؤكل ولكن يصرف إلى المأكول فيؤكل، فالمراد التصرف فيه.

والربا في اللغة الزيادة من ربا يربو، ومن أمالها فلمكان كسرة الراء.

وهو في المصاحف مكتوب بالواو وأنت مخير في كتابتها بالألف والواو.

وفي الكشاف: كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة.

وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع.

ثم الربا قسمان: ربا النسيئة وربا الفضل.

أما الأول فهو الذي كانوا يتعارفونه في الجاهلية، كانوا يدفعون المال مدة على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً، ثم إذا حل الدين طالب المديون برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل.

وأما ربا الفضل فأن يباع مَنٌّ من الحنطة بمنوين مثلاً.

والمروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول وكان يقول: لا ربا إلا في النسيئة.

ويجوّز ربا النقد فقال له أبو سعيد الخدري: أشهدت ما لم نشهد أسمعت ما لم نسمع؟

فروى له الحديث المشهور في هذا الباب.

وله روايات منها.

" الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطى فيه سواء" ثم قال أبو سعيد: لا أرني وإياك في ظل بيت ما دمت على هذا.

فيروى أنه رجع عنه.

قال محمد بن سيرين: كنا في بيت معنا عكرمة فقال رجل: يا عكرمة، أما تذكر ونحن في بيت فلان ومعنا ابن عباس؟

فقال: إنما كنت/ استحللت الصرف برأيي ثم بلغني أن رسول الله  حرمه فاشهدوا أني قد حرمته وبرئت إلى الله منه.

حجة ابن عباس أن قوله  : ﴿ وأحل الله البيع ﴾ يتناول بيع الدرهم بالدرهمين نقداً.

وقوله: ﴿ وحرم الربا ﴾ لا يتناوله لأن كل زيادة ليست محرمة فوجب أن تبقى على الحل ولا يخرج إلا العقد المخصوص الذي كان يسمى فيما بينهم ربا وهو ربا النسيئة.

وقد تأكد هذا الرأي بما روى أسامة ين زيد أن النبي  قال: " الربا في النسيئة " وفي رواية " لا ربا فيما كان يداً بيد " وذكر أبو المنهال أنه سأل البراء بن عازب وزيد بن أرقم "فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله  فسألنا رسول الله  عن الصرف فقال: إن كان يداً بيد فلا بأس، وإن كان نسيئة فلا يصح" وأما جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على حرمة الربا في القسمين.

أما النسيئة فبالقرآن، وأما النقد فبالخبر، ثم إن الخبر دل على حرمة ربا النقد في الأشياء الستة: النقدان والمطعومات الأربعة.

ولا شك أن الربا إنما ثبت فيها لمعنى، فإذا عرف ذلك المعنى ألحق بها ما يشاركها فيه.

أما الأشياء الأربعة فللشافعي في علة الربا فيها قولان: الجديد أن العلة الطعم لما روي عن معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع رسول الله  يقول " الطعام بالطعام مثل بمثل " علق الحكم باسمي الطعام، والحكم المعلق بالاسم المشتق معلل بما منه الاشتقاق كالقطع المعلق باسم السارق، والجلد المعلق باسم الزاني.

والقديم أن العلة فيها الطعم مع الكيل أو الوزن لما روي أنه  قال: " "الذهب بالذهب وزناً بوزن والبر بالبر كيلاً بكيل " فعلى هذا يثبت الربا في كل مطعوم مكيل أو موزون دون ما ليس بمكيل ولا موزون كالسفرجل والرمان والبيض والجوز.

وقال مالك: العلة الاقتيات، فكل ما هو قوت أو يستصلح به القوت كالملح يجري فيه الربا.

وعند أبي حنيفة العلة الكيل حتى ثبت الربا في الجص والنورة.

وعن أحمد رواية كأبي حنيفة والأخرى كالجديد.

وأما النقدان فعن بعض الأصحاب أن العلة فيهما لعينهما لا لعلة.

والمشهور أن العلة فيهما صلاحية الثمنية الغالبة فيشمل التبر والمضروب والحلي والأواني المتخذة منها، ولا يتعدى الحكم إلى الفلوس على الأصح وإن راجت رواج الذهب والفضة لانتفاء العلة.

وقال أحمد وأبو حنيفة: العلة فيهما الوزن فيتعدى الحكم إلى كل موزون كالحديد والرصاص.

فهذا ضبط المذاهب وتفاريعها إلى الفقه.

وأما السبب في تحريم الربا/ فهو أن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئة يحصل له زيادة درهم من غير عوض، وأخذ مال المسلم من غير عوض محرم لقوله  : " "حرمة مال المسلم كحرمة دمه " وإبقاء رأس المال في يده مدة مديدة وتمكينه من أن يتجر فيه وينتفع به أمر موهوم فقد يحصل وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد متيقن وتفويت المتيقن لأجل الموهوم لا يخلو من ضرر.

وقيل: سبب تحريمه أنه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب، لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقداً أو نسيئة أعرض عن وجوه المكاسب فيختل نظام العالم.

وقيل: لما يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، ولأنه تمكين للغني من أن يأخذ مالاً زائداً من الفقير.

وقيل: إن حرمة الربا قد ثبتت بالنص ولا يجب أن تكون حكمة كل تكليف معلومة لنا.

﴿ لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ﴾ التخبط الضرب على غير استواء ومنه خبط العشواء وتخبط الشيطان.

قيل: من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع فورد على ما كانوا يعتقدون.

والمس الجنون رجل ممسوس أي مسه الجني فاختلط عقله، وكذلك جن الرجل ضربته الجن وهذا أيضا من زعماتهم.

وقيل: من عادة الناس إذا أرادوا تقبيح شيء أن يضيفوه إلى الشيطان كما في قوله  : ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين  ﴾ فورد القرآن على ذلك.

وقيل: إن الشيطان يمسه بالوسوسة المؤذية التي يحدث عندها الفزع فيصرع كما يصرع الجبان في الموضع الخالي، ولهذا لا يوجد هذا الخبط في العقلاء وأرباب الحزم واللب.

وأكثر المسلمين على أن الشيطان لا يبعد أن يكون قوياً على الصرع والقتل والإيذاء بتقدير الله  .

وللمفسرين في الآية أقوال: أحدها أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف.

وقوله: ﴿ من المس ﴾ يتعلق بـ ﴿ لا يقومون ﴾ أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع.

أو يتعلق بـ ﴿ يقوم ﴾ أي كما يقوم المصروع من جنونه، وقال ابن قتيبة: يريد إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم فأثقلهم.

وقيل: إنه مأخوذ من قوله  : ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا  ﴾ وذلك أن الشيطان يدعوه إلى الهوى، والملك يجره إلى التقوى، فيقع هناك حركات مضطربة وأفعال مختلفة وهو الخبط، فإذا مات آكل الربا على ذلك أورثه الخبط في الآخرة وأوقعه في ذلك الحجاب بينه وبين الله/ تعالى.

﴿ ذلك ﴾ العقاب بسبب قولهم ﴿ إنما البيع مثل الربا ﴾ وذلك أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلاً وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع وإلا كان حق النظم في الظاهر أن يعكس فيقال: إنما الربا مثل البيع.

لأن الكلام في الربا لا في البيع، ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق، ثم إنهم كانوا يعولون في تحليل الربا على هذه الشبهة وهي أن من اشترى ثوباً بعشرة ثم باعه بأحد عشر نقداً أو نسيئة فهذا حلال، فكذا إذا أعطى العشرة بأحد عشر لا فرق بين الصورتين إذا حصل التراضي من الجانبين، والبياعات إنما شرعت لدفع الحاجات.

ولعل الإنسان يكون صفر اليد في الحال وسيحصل له أموال كثيرة في المآل فإعطاؤه الزيادة عند وجدان المال أسهل عليه من البقاء في الحاجة قبل وجدان المال.

فأجاب الله  عنها بحرف واحد وهو قوله: ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾ وحاصلة إنكار التسوية وأن النص لا يعارض بالقياس فإن ذلك من عمل إبليس، أمره الله تعالى بالسجود فعارض النص بالقياس وقال أنا خير منه.

ثم ظاهر الآية يدل على أن الوعيد إنما لحقهم باستحلالهم الربا دون الإقدام على أكله مع اعتقاد التحريم، وعلى هذا التقدير لا يثبت بهذه الآية كون أكل الربا من الكبائر، ويجب تأويل مقدمة الآية بأن المراد من أكلهم الربا استطابته واستحلاله كما يقال: فلان يأكل مال الله قضماً وهضماً.

أي يستحل التصرف فيه إلا أن جمهور المفسرين حملوا الآية على وعيد من يتصرف في مال الربا لا على وعيد من يستحل هذا العقد.

قيل: ويحتمل أن يكون قوله ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾ من تمام كلام الكفار على سبيل الاستبعاد.

وأكثر المفسرين على خلافه لأن جعله من كلام الكفار لا يتم إلا بإضمار هو أن يحمل ذلك على الاستفهام بطريق الإنكار، أو على الرواية عن قول المسلمين والإضمار خلاف الأصل.

وأيضاً لو كان من تمام كلامهم فلم يكشف الله  عن فساد شبهتهم، فلم يكن قوله بعد ذلك ﴿ فمن جاءه موعظة من ربه ﴾ لائقاً بالمقام وأيضاً المسلمون لم يزالوا متمسكين في البيع بهذه الآية، ولولا أنهم علموا أن ذلك كلام الله لا كلام الكفار لم يصح منهم الاستدلال بها.

وههنا بحث للشافعي وهو أن الآية من المجملات التي لا يجوز التمسك بها بناء على أن الاسم المفرد باللام لا يفيد العموم وليس فيه إلا تعريف الماهية فيكفي في العمل به ثبوت صورة واحدة.

ولو سلم إفادة العموم فلا شك أن إفادته مما لو قيل: وأحل الله البياعات: بلفظ الجمع.

ومع ذلك فقد تطرق إليه تخصيصات خارجة عن الحصر والضبط، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام الله لأنه قريب من الكذب.

نعم إطلاق اللفظ المستغرق على الأغلب عرف مشهور، وأيضاً روي أن عمر قال: " خرج رسول الله  من الدنيا وما سألناه عن الربا" .

ولو كان هذا اللفظ مفيداً للعموم لم يقل/ ذلك.

وأيضاً قوله ﴿ وأحل الله البيع ﴾ يقتضي أن يكون كل بيع حلالاً، وقوله: ﴿ وحرم الربا ﴾ يقتضي أن يكون كل رباً حراماً.

لأن الربا هو الزيادة ولا بيع إلا ويقصد به الزيادة، وإذا تعارضا وتساقطا ووجب الرجوع إلي بيان النبي  .

﴿ فمن جاءه موعظة ﴾ فمن بلغه وعظ ﴿ من ربه فانتهى ﴾ امتنع من استحلال الربا وتبع النهي ﴿ فله ما سلف ﴾ فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول التحريم كقوله ﴿ إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف  ﴾ عن الزجاج: والتنوين في ﴿ موعظة ﴾ للتعظيم أو للتقليل أي موعظة بليغة أو شيء من المواعظ.

وقيل: النهي المتأخر كيف يؤثر في الفعل المتقدم حتى يكون ما سلف ذنباً؟

فالمراد له ما أكل من الربا وليس عليه رد ما سلف.

عن السدي: والسلوف التقدم ومنه الأمم السالفة، وسلافة الخمر صفوتها لأنه أول ما يخرج من عصيرها، ﴿ وأمره إلى الله ﴾ لأنه إن انتهى عن أكل الربا كما انتهى عن استحلاله فهو المقر بدين الله العامل بتكليفه فيستحق المدح والثواب، وإن انتهى عن الاستحلال دون الأكل فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له لقوله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ ﴿ ومن عاد ﴾ إلى استحلال الربا وأنه مثل البيع ﴿ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ لأنه كفر باستحلال ما هو محرم إجماعاً.

وأما القائلون بتخليد الفساق فيقولون: ومن عاد إلى أكل الربا.

ثم إنه تعالى لما بالغ في الزجر عن الربا وكان قد بالغ في الآي السالفة في الحث على الصدقات، ذكر ما يجري مجرى الداعي إلى ترك الربا وفعل الصدقة فقال ﴿ يمحق الله الربا ويربي الصدقات ﴾ والمحق نقص الشيء حالاً بعد حال ومنه "محاق القمر" وكل من محق الربا وإرباء الصدقات إما في الدنيا وإما في الآخرة.

وذلك أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أن تؤل عاقبته إلى الفقر وتزول البركة عن ماله.

عن ابن مسعود أن النبي  قال: " "الربا وإن كثر إلى قل " وذلك لدعاء الناس عليه وبغضهم إياه لسقوط عدالته وشهرته بالفسق والعدوان، وربما يطمع الظلمة في ماله ظناً منهم من أن المال في الحقيقة ليس له.

وعن ابن عباس في تفسير هذا المحق أن الله  لا يقبل منه صدقة ولا جهاداً ولا حجاً ولا صلة.

ثم إن مال الربا لا يبقى عند الموت وتبقى التبعة عليه.

وقد ثبت في الحديث " أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام " هذا حال الغني من الحلال فكيف حال الغني من الحرام المقطوع بحرمته؟

قال القفال: نظير قوله ﴿ يمحق الله الربا ﴾ المثل الذي ضربه فيما تقدم ﴿ كمثل صفوان عليه تراب  ﴾ ونظير قوله: ﴿ ويربي الصدقات ﴾ المثل الآخر ﴿ كمثل جنة بربوة  ﴾ .

﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل  ﴾ عن أبي هريرة/ عن رسول الله  : " إن الله يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد " وأيضاً المتصدق يزداد كل يوم جاهه وذكره الجميل وتميل القلوب إليه وتنقطع الأطماع عنه متى اشتهر منه أنه متشمر لإصلاح مهمات الضعفاء وسد خلة الفقراء، فتبين أن الربا وإن كان زيادة في المال إلا أنه نقصان في المآل، والصدقة وإن كانت نقصاناً في الحال إلا أنها زيادة في الاستقبال.

فعلى العاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الحس والطبع ويعوّل على ما ندب إليه العقل والشرع ﴿ والله لا يحب كل كفار أثيم ﴾ الكفار فعال من الكفر ومعناه المقيم على ذلك، والصيغة للمزاولة كـ "تمار وقوال" والأثيم "فعيل" بمعنى "فاعل" وهو أيضا للمبالغة في الاستمرار على اكتساب الآثام، وذلك لا يليق إلا بمن ينكر تحريم الربا فيكون جاحداً.

ووجه آخر وهو أن يكون الكفار عائداً إلى المستحل، والأثيم إلى الآكل مع اعتقاد التحريم.

ويحتمل أن يعود كلاهما إلى أكل الربا ويكون تغليظاًَ في أمر الربا وإيذاناً بأنه من فعل الكفرة لا من فعل المسلمين.

وفي الآية دلالة على أنه  سبقت رحمته غضبه.

بيانه أنه لم ينف المحبة إلا عن الجامع بين الإصرار على الكفر وبين المواظبة على سائر الآثام كالربا.

فإن استحلاله كفر وهو في نفسه إثم مذموم في جميع الأديان، لأنه سلب مال المحتاج بنوع من الإكراه والإلجاء، فتبقى الآية ساكنة عمن جمع بين الأمرين لا على سبيل الإصرار والمواظبة وعن الذي لم يجمع بينهما.

نعم قد عرف بدليل آخر أن الكفار الذي لم يواظب على سائر الآثام لا يستأهل محبة الله  وذلك لا ينافي السكوت عن حكمه ههنا والله أعلم.

ثم ذكر الترغيب عقيب الترهيب على عادته من ذكر الوعد مع الوعيد فقال ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.

فاحتج به من قال العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان كما مر.

وأجيب بأنه قال في الآية: ﴿ وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ مع أن الصلاة والزكاة من الأعمال الصالحة.

ورد بأن الأصل حمل كل لفظ على فائدة جديدة ترك العمل به عند التعذر فيبقى في غيره على الأصل ﴿ لهم أجرهم عند ربهم ﴾ لم يقل "على ربهم" لأن الأول يجري مجرى ما إذا باع بالنقد وذلك النقد حاضر متى شاء البائع أخذه، والثاني جارٍ مجرى البيع في الذمة نسيئة، ولا شك أن الأول أفضل ﴿ ولا خوف عليهم ﴾ عن ابن عباس: أي فيما يستقبلهم من أحوال القيامة ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ بسبب ما تركوه في الدنيا، فإن المنتقل من حال إلى حال أخرى فوقها ربما يتحسر على بعض ما فاته من الأحوال السالفة وإن كان مغتبطاً بالثانية لأجل إلف وعادة، فبيّن  أن هذا القدر من الندامة لا يلحق أهل الثواب والكرامة.

وقال الأصم: لا خوف عليهم من عذاب يومئذٍ ولا هم يحزنون بسبب أنهم فاتهم النعيم الزائد الذي حصل لغيرهم من السعداء لأنه لا منافسة في الآخرة، وأيضاً إنهم لا يحزنون بسبب إنه لم يصدر منا طاعة أزيد مما صدر حتى صرنا بها مستحقين بثواب أزيد مما وجدناه لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة.

وههنا سؤال وهو أن المرأة إذا بلغت عارفة بالله، ولما بلغت حاضت.

وعند انقطاع حيضها ماتت.

أو الرجل بلغ عارفاً بالله، وقبل أن تجب عليه الصلاة والزكاة مات.

فهما بالاتفاق من أهل الثواب مع خلوهما عن الأعمال، فكيف وقف الله ههنا حصول الأجر على حصول الأعمال؟

والجواب أن الموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها، وقد دلت الآية على أن كل مؤمن عمل صالحاً فله الأجر فلا يلزم العكس الكلي ثم إنه  لما بيَّن أن من انتهى عن الربا فله ما سلف كان يجوز أن يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة القوم فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ﴾ فبين أنه يحرم أخذ ما بقي من الربا في ذمتهم.

فإن قيل: كيف قال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ ثم قال في آخره ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ ؟

فالجواب أن هذا كما يقال: إن كنت أخي فأكرمني.

معناه أن من كان أخاً أكرم أخاه.

ومعناه إذ كنتم مؤمنين أو إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان، أو يا أيها الذين آمنوا بلسانكم ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم.

قال القاضي: وفيه دلالة على أن الإيمان لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة، وإنما يصير مؤمناً بالإطلاق متى تجنب كل الكبائر.

وأجيب بأن المراد إن كنتم عاملين بمقتضى الإيمان.

وهذا بناء على أن العمل الصالح غير داخل في مسمى الإيمان، وإنما شدد الله في ذلك لأن المنتظر لحلول الأجل إذا حضر الوقت وطن نفسه على أن تلك الزيادة قد حصلت له ففطامه عنها يكون شديداً عليه فقال ﴿ اتقوا الله ﴾ واتقاؤه إنما يكون باتقاء ما نهى عنه.

وهذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار.

إذا أسلموا، فإن ما مضى في الكفر يبقى ولا ينقض ولا يفسخ، وما لم يوجد منه في حال الكفر فحكمه محمول على الإسلام، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا يجوز في الإسلام فهو عفو لا يتعقب وإن كان النكاح وقع على مهر حرام فقبضته المرأة فقد مضى، وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون ما سمى وهذا مذهب الشافعي.

وأما سبب نزول الآية فعن ابن عباس: "بلغنا - والله أعلم - أنها نزلت في بني عمرو بن عمير من ثقيف وفي بني المغيرة بني مخزوم.

كانت بنو المغيرة يربون لثقيف، فلما أظهر الله رسوله على مكة وضع يومئذ الربا كله فأتى بنو عمرو بن عمير وبنو المغيرة إلى عتاب بن أسيد وهو على مكة فقال بنو المغيرة: ما جعلنا أشقى الناس بالربا أوضع عن/ الناس غيرنا.

فقال بنو عمر: وصولحنا على أن لنا ربنا، فكتب عتاب في ذلك إلى رسول الله  فنزلت هذه الآية والتي بعدها ﴿ فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ﴾ فعرف بنو عمرو أن لا يدان لهم بحرب من الله ورسوله" .

وقال عطاء وعكرمة: "نزلت في العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان وكانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجداد قال لهما صاحب التمر: لا يبقى لي ما يكفي عيالي إن أنتما أخذتما حقكما كله.

فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما؟

ففعلا.

فلما جاء الأجل طلبا الزيادة فبلغ ذلك رسول الله  فنهاهما ونزلت الآية" فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما.

وقال السدي: "نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله  هذه الآية فقال النبي  : ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب" ﴿ فإن لم تفعلوا فأذنوا ﴾ قيل: خطاب مع الكفار المستحلين للربا.

ومعنى قوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ معترفين بتحريم الربا ﴿ فإن لم تفعلوا ﴾ أي فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه ﴿ فأذنوا ﴾ ومن ذهب إلى هذا القول قال: فيه دليل على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام فهو خارج عن الملة كما لو كفر بجميع شرائعه، وعلى هذا يكون مالهم فيئاً للمسلمين.

وقيل: خطاب مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا لأنه خطاب مع قوم تقدم ذكرهم وما هم إلا المخاطبون بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ ومعنى قوله: ﴿ فآذنوا ﴾ عند من جعله من الإيذان أعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من الله، فالمفعول محذوف.

وإذا أمروا بإعلام غيرهم فهم أيضا قد علموا ذلك، لكن ليس في علمهم دلالة علي إعلام غيرهم.

فهذه القراءة في الإبلاغ آكد ممن قرأ ﴿ فأذنوا ﴾ من أذن بالشيء إذا أعلم به أي كونوا على إذن وعلم.

فإن قيل: كيف أمربالمحاربة مع المسلمين؟

قلنا: هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل كما جاء في الخبر " من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " وعن جابر عن النبي  : " "من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله " وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  ﴾ أصلاً في قطاع الطريق من المسلمين./ فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب الله وسنة رسوله.

ثم التفضيل فيه أن المصر على عمل الربا إن كان شخصاً قدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى عليه حكم الله من التعزير والحبس إلى أن تظهر منه التوبة، وإن كان له عسكر وشوكة حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكر مانعي الزكاة.

وكذا القول لو أجمعوا على ترك الأذان وترك دفن الموتى فإنه يفعل بهم ما ذكرناه ﴿ وإن تبتم ﴾ من استحلال الربا أو عن معاملة ﴿ فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ﴾ الغريم يطلب زيادة على رأس المال ﴿ ولا تظلمون ﴾ أنتم بنقصان رأس المال.

﴿ وإن كان ذو عسرة ﴾ إن وقع غريم من غرمائكم ذو إعسار على أن "كان" هي التي تسمى تامة بمعنى وجد الشيء وحدث في نفسه لا بمعنى وجد موصوفاً بشيء فإنها حينئذٍ تكون ناقصة تحتاج إلى الخبر.

وقرأ عثمان ﴿ ذا عسرة ﴾ بمعنى وإن كان الغريم أو المستربي ذا عسرة.

والقراءة المشهورة أولى كيلا تكون النظرة مقصورة على الغريم المستربي بل تعمه وغيره من أرباب العسرة وهي اسم من الإعسار وهو تعذر الموجود من المال.

والنظرة التأخير والإمهال وفي الآية حذف والتقدير: فالحكم أو فالأمر نظرة.

وقرىء ﴿ فنظرة ﴾ بسكون الظاء، وقرأ عطاء ﴿ فناظره ﴾ على الأمر أي سامحه بالإنظار وناظره أي صاحب الحق ناظره أي منتظره، أو ذو نظرته مثل مكان عاشب أي ذو عشب.

والميسرة اليسار ضد الإعسار.

وقرىء بضم السين كمقبرة ومقبرة.

ومن قرأ بالإضافة إلى الضمير فقد حذف التاء كقوله: ﴿ وأقام الصلاة ﴾ واختلفوا في أن حكم الإنظار مختص بالربا أو عام في الكل؟

فعن ابن عباس وشريح والضحاك والسدي وإبراهيم: الآية في الربا.

قال الكلبي: قال بنو عمرو لبني المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا ولكم الربا ندعه لكم.

فقال بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسرة فأخرونا إلى أن تدرك الثمرة فأبوا أن يؤخروهم فنزلت ﴿ وإن كان ذو عسرة ﴾ وعن مجاهد وسائر المفسرين أنها عامة في كل دين، ولهذا ورد "كان" تامة.

ولو فرض أن سبب النزول خاص فلا بد من إلحاق سائر الصور به لأن العاجز عن أداء المال لا يجوز تكليفه به وهو قول أكثر الفقهاء كمالك وأبي حنيفة والشافعي.

والإعسار في الشرع هو أن لا يجد في ملكه ما يؤديه بعينه ولا يكون له ما لو باعة لأمكن أداء الدين من ثمنه.

فمن وجد داراً أو ثوباً لا يعد من ذوي العسرة إذا أمكنه بيعها وأداء ثمنها، ولا يجوز له أن يحبس إلا قوت يومه لنفسه وعياله وما لا بد لهم من كسوة لصلاتهم ودفع الحر والبرد عنهم.

وهل يلزمه أن يؤخر نفسه من صاحب الدين أو غيره؟

الأصح أنه لا يلزمه، وكذا لو بذل له غيره ما يؤديه لا يلزمه القبول.

فأما من له بضاعة كسدت عليه فواجب عليه أن يبيعها بالنقصان إن لم يمكن إلا ذلك.

وإذا علم الإنسان أن/ غريمه معسر حرام عليه حبسه وأن يطالبه بما له عليه ووجب الإنظار إلى وقت اليسار فأما إن كان غريمه في إعساره جاز أن يحبسه إلى ظهور الإعسار.

وإذا ادعى الإعسار وكذبه الغريم فإن كان الدين الذي حصل لزمه حصل له عن عوض كالبيع أو القرض فلا بد له من إقامة شاهدين عدلين على أن ذلك العوض قد هلك، فإن لم يكن عن عوض كإتلاف وضمان وصداق فالقول قوله وعلى الغريم البينة، لأن الأصل هو الفقر، ﴿ وأن تصدقوا ﴾ على المعسر بما عليه من الدين يدل على ذلك ذكر المعسر وذكر رأس المال ﴿ خير لكم ﴾ لحصول الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ أن هذا التصدق خير لكم فتعملوا به جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه، أو تعلمون فضل التصدق على الإنظار والقبض بعده، أو تعلمون أن ما يأمركم به ربكم أصلح لكم.

وقيل: المراد بالتصدق الإنظار لقوله  : " لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة " وزيف بأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية الأولى فلا بد من فائدة جديدة ولأن قوله ﴿ خير لكم ﴾ إنما يليق بالمندوب لا بالواجب.

ثم إن المعاملين بالربا كانوا أصحاب شرف وجلالة وأعوان وتغلب على الناس، فاحتاجوا إلى مزيد زجر ووعيد فلا جرم وقع ختم أحكام الربا بقوله ﴿ واتقوا يوماً ﴾ والمراد اتقاء ما يحدث فيه من الشدائد والأهوال.

واتقاء ذلك لا يمكن إلا باجتناب المعاصي وفعل الأوامر في الدنيا فهذا القول يتضمن الإتيان بجميع التكاليف.

وانتصب ﴿ يوماً ﴾ على أنه مفعول به.

والمعنى: تأهبوا بما تسلفون من العمل الصالح للقاء يوم ﴿ ترجعون فيه إلى الله ﴾ أي إلى ما أعد لكم من ثواب أو عقاب، وإلى علمه وحفظه وذلك أن الإنسان له أحوال ثلاث على الترتيب: الأولى كونه جنيناً لا يملك تصرفاً فلا تصرف فيه إلا لله، والثانية خروجه إلى فضاء وهنالك يرى للأبوين لغيرهما تصرف فيه ظاهر.

الثالثة ما بعد الموت وهنالك لا يكون التصرف فيه ظاهراً وفي الحقيقة إلا لله  فكأنه عاد إلى الحالة الأولى.

وهذا معنى الرجوع إلى الله ﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ أي جزاء ذلك أو المكتسب هو الجزاء كما يقال: كسب الرجل لما يحصله بتجارته.

والمراد أن كل مكلف فإنه يصل إليه جزاء عمله بالتمام عند الرجوع إلى الله  كقوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره  ﴾ ثم كان لقائل أن يقول: كيف يليق بأكرم الأكرمين إيصال العذاب إلى عبيده الكفار والفساق فقال ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ بل العبد هو الذي أوقع نفسه في تلك الورطة لأن الله  مكنه وأزاح عذره وسهل طريق الاستدلال عليه وأمهل.

هذا على أصول المعتزلة.

وأما على أصول الأصحاب فهو إشارة إلى أنه  ملك الملوك وخالق الخلائق، والملك إذا تصرف في ملكه كيف شاء وأراد لم يكن ظلماً.

"عن ابن عباس أنها آخر آية نزلت على رسول الله  نزل بها جبريل وقال:/ ضعها على رأس المائتين والثمانين من البقرة" ، وعاش  بعدها أحداً وثمانين يوماً، وقيل أحداً وعشرين، وقيل سبعة أيام، وقيل ثلاث ساعات، والله  أعلم بحقيقة الحال.

التأويل: أخبر عن حرص أهل الدنيا وهم أكلة الربا بعد ذكر قناعة أهل العقبى.

فمثل آكل الربا كمثل من به جوع الكلب يأكل ولا يشبع حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه فلا يقوم إلا كما يقوم المصروع لأنه كلما أقام صرعه ثقل بطنه، ومثله قوله  : " إن هذا المال خضر حلو وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم إلا آكلة الخضر فإنها أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت فمن أخذه بحقه ووضعه بحقه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع " وفي الحديث مثلان: أحدهما للمفرط في جمع الدنيا بحيث يفضي به إلى الهلاك في الدنيا والعقبى وأشار إليه بقوله: " "وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم " وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول فتستكثر منها الماشية لاستطابتها إياها حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاعتدال فتنشق أمعاؤها فتهلك أو تقارب الهلاك.

والمثل الآخر للمقتصد وذلك قوله "إلا آكلة الخضر" وذلك أن الخضر ليست من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره ولكنها من كلإ الصيف التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها، فلا ترى الماشية تكثر منها وهو مثل التاجر الذي يكتسب المال بطريق البيع والشراء ويؤدي حقه وإن كان له حرص في الطلب والجمع.

ولكن لما كان بأمر الشرع وطريق الحل ما أضربه ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾ يعني كيف يكون ما أزال نور الأمر ظلمته مثل ما زاد ظلمته ارتكاب المنهي؟

فمرتكب الربا في ظلمات ثلاث: ظلمة الحرص وظلمة الدنيا وظلمة المعصية.

﴿ وأمره إلى الله ﴾ يرزقه من حيث لا يحتسب ﴿ والله لا يحب كل كفار ﴾ بنعمة الشرع وأنواره ﴿ أثيم ﴾ عامل بالطبع مقيم في ظلمة إصراره.

ثم أخبر عن العاملين بالشرع الخارجين عن الطبع الذين آمنوا إيمان التصديق بالتحقيق مقروناً بالتوفيق، ثم خرجوا عن ظلمة اتباع الهوى بإقامة الصلاة وعالجوا ظلمة الركون إلى الدنيا بأنوار إيتاء الزكاة، فجذبتهم العناية من حضيض العبدية إلى ذروة العندية ﴿ ولهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ﴾ من الرجوع إلى ظلمات الطبيعة ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ لفوات أنوار الشريعة.

ثم أخبر عن أهل الإيمان المجازي فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ باللسان ﴿ اتقوا الله ﴾ أي بالله كما جاء.

"كنا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله  ".

أي جعلناه قدامنا.

ومن شرط المؤمن الحقيقي اتقاؤه بالله في ترك الزيادات كما قال: " "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " و ﴿ ذروا ما بقي من الربا ﴾ تركوا ما سوى الله في طلبه ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ إيماناً حقيقياً.

﴿ فإن لم تفعلوا ﴾ لم تتركوا كل زيادة تمنعكم ﴿ فأذنوا بحرب من الله ورسوله ﴾ ببعد منهما وبغض.

﴿ وإن تبتم ﴾ تركتم غيره ﴿ فلكم رؤوس أموالكم ﴾ وهي الكرامة التي فضلكم بها على كثير من خلقه وهي المحبة يحبهم ويحبونه ﴿ لا تظلمون ﴾ بوضع محبتي في غير موضعها من المخلوقات ﴿ ولا تظلمون ﴾ بوضع محبتكم في غير موضعها.

﴿ وإن كان ذو عسرة ﴾ لم يصل إليه ما أعد لأجله عاجلاً ﴿ فنظرة إلى ميسرة ﴾ وهو وقت وصوله إليه آجلاً ﴿ وأن تصدقوا ﴾ تبذلوا فينا ما تتمنون من صنوف برنا في الدنيا والعقبى على قدر همتكم ﴿ فهو خير لكم ﴾ لأنا نجازيكم على قدر مواهبنا ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ قدرها ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين " ثم إنه  كما جمع في القرآن خلاصة الكتب السماوية جمع في خاتمة الوحي خلاصة أي القرآن فقال: ﴿ واتقوا يوماً ﴾ الآية.

وذلك أن فائدة جميع الكتب راجعة إلى معنيين: النجاة من الدركات السفلى وهي سبعة: الكفر والشرك والجهل والمعاصي والأخلاق المذمومة وحجب الأوصاف وحجاب النفس.

والفوز بالدرجات العلى وهي ثمانية: المعرفة والتوحيد والعلم والطاعات والأخلاق المحمودة وجذبات الحق والفناء عن أنانيته والبقاء بهويته.

فقوله ﴿ واتقوا ﴾ شامل لما يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني، لأن حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله ومباشرة ما يقربك إليه، فتقوى العام الخروج بسبب الإقامة بشرائط ﴿ جاهدوا فينا  ﴾ عن الكفر بالمعرفة، وعن الشرك بالتوحيد، وعن الجهل بالعلم، وعن المعاصي بالطاعات، وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة.

ثم من ههنا تقوى الخاص تخرجهم جذبات ﴿ لنهدينهم سبلنا  ﴾ من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات الحق فيستظلون بظل سدرة المنتهى ﴿ عندها جنة المأوى  ﴾ فينتفعون بمواهب ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى  ﴾ ثم من ههنا تقوى خاص الخاص فتخرجه العناية بجذبات ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ من سدرة المنتهى الأوصاف إلى قاب قوسين نهاية حجاب النفس وبدية أنوار القدس.

وهناك من عرف نفسه فقد عرف ربه وهو مقام أو أدنى ترجعون فيه إلى الله.

لأن مبدأ وجودك النفخة، وآخر حالك الجذبة، وبها/ اصطفى آدم وكرم نبيه ولهذا لم يقل: ولقد كرمنا أولاد آدم، لأن أهل الكرامة منهم من هو بوصف الرجال دون النساء.

ثم وصف الرجال بقوله: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكرالله  ﴾ فمن كان من النساء بهذا الوصف فهو من الرجال في المعنى، ومن لم يكن من الرجال بهذا الوصف فهو من النساء في الحقيقة، وفي هذا الرجوع وعد وبشارة للأولياء، ووعيد وإنذار للأعداء ﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ فبقدر مراتبه في العبودية والتقوى يهتدي إلى مقامات القرب من المولى، وبحسب فنائه عن حجاب نفسه يبقى ببقاء ذاته وهويته، ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ فإن دخول النور في البيت وخروج الظلمة منه إنما يكون على مقدار سعة فتح الروزنة وضيقة ولا تظلم الشمس عليه مثقال ذرة ﴿ فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

قال بعضهم: قوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، ليس على حقيقة الأكل، ولكنه كان على الأخذ كقوله  : ﴿ وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ .

فإذا كان هذا على الأخذ فقوله  : ﴿ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ ﴾ هو على التمثيل، ليس على التحقيق.

وقال آخرون: هو على نفس الأكل، وما ذكر من العقوبة، لما أكلوا من الربا لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم المجنون المنخنق.

وقال غيرهم: ذلك لاستحلالهم الربا، وتخبيطهم الله عز وجل في الحكم في تحريمهم الربا بقولهم: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ .

ثم قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، فيه دليل جواز القياس في العقل؛ لأنه لو لم يكن في العقل جوازه لم يكن لقولهم: ﴿ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ معنى: لكنهم لم يعرفوا معنى المماثلة.

ثم المماثلة على الوجهين: مماثلة أسباب، ومماثلة أحوال.

فالمماثلة التي هي مماثلة أحوال: هي ابتداء محنة في الفعل، لا يقاس على غيره، نحو أن يقال: اقعد، أو أن يقال: قم، لا يقاس القيام على القعود، ولا القعود على القيام، إنما هو محنة لا يلزم غير المخاطب به.

وأما مماثلة الأسباب: فهي مماثلة الإيجاب، نحو أن يقال: حرم الله السكر في الخمر، فحيث ما وجد السكر يحرم؛ لأنه يجني على العقل، فكل شيء يجني عليه فهو محرم التناول منه.

وقوله  : ﴿ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ .

يقولون: لما جاز أن يباع ثوب يساوي عشرة بأحد عشر، كيف لا جاز أن يباع عشرة بأحد عشر؟

وقيل: كان الرجل منهم إذا حل ما له على صاحبه طلبه، فيقول المطلوب للطالب: زدني في الأجل وأزيدك على ما لك.

فيفضلان على ذلك ويعملان به.

فإذا قيل لهما: هذا ربا، قالا: هما سواء: الزيادة في البيع، أو الزيادة عند محل البيع.

فأكذبهم الله  في ذلك وقال: ﴿ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ ﴾ ، أي: ليس هكذا: البيع كالربا.

ويحتمل: فيه ابتداء حرمة أن حل ما هو بيع لا ما هو ربا.

ثم قوله  : ﴿ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ : فلقائل أن يقول: إنما يحرم منه قدر الربا، وأما العقد فإنه يجوز لما ليس فيه ربا.

لكن الأصل عندنا فيه: أن الدرهم الزائد يأخذ كل درهم من العشرة قسطاً منه وجزءاً من أجزاء كل درهم منه، فلا سبيل إلى إمضاء العقد لأخذ أجزائه كل درهم من الذي فيه العقد، وهو ربا.

وفيه وجه آخر: وهو أنه ختم الكلام على قوله: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ ﴾ ، ولا يزاد رأس المال في عقد قد مضى.

ثم معرفة الربا من غير الربا ما ليس بإرادة بدل.

ثم فيه دلالة أن حرمة الربا كان ظاهراً عندهم حتى حكوا، وكان حرمته فيما بينهم كهو فيما بين أهل الإسلام؛ لذلك قال أبو حنيفة - رضي الله  عنه -: أن لا يجوز بيع الربا فيما بين أهل الإسلام وبين أهل الذمة.

وعلى ذلك خرج الخطاب منه - عز وجل - بقوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً  ﴾ .

وقوله  : ﴿ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ ﴾ : قيل: ﴿ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ ﴾ ، بيان تحريم الربا.

وقيل: ﴿ فَمَن جَآءَهُ ﴾ نهى في القرآن ﴿ مِّنْ رَّبِّهِ ﴾ في تحريم الربا، ﴿ فَٱنْتَهَىٰ ﴾ عن الربا.

ويحتمل: الموعظة، هي التذكير لما سبق منه، فيتذكر فيرجع عن صنيعه.

وقوله  : ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾ ، قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ مَا سَلَفَ ﴾ له في الجاهلية صار مغفوراً له، وهو كقوله  : ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

ويحتمل قوله  : ﴿ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ ، وذلك أن الكافر إذا تاب ورجع عن صنيعه، يرجع لا أن يعود إلى فعله أبداً، ويندم على كل سيئة ارتكبها، فيجعل الله كل سيئة كانت منه حسنة، وهو كقوله  : ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، في حادث الوقت أن يعصمه.

وقوله  : ﴿ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

إن المعتزلة استدلوا على الوعيد لأهل الإسلام بما ذكر فيه من العود.

لكن بدء الآية على الاستحلال، فعلى ذلك العود إليه على جهة الاستحلال، يدل عليه قوله  : ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ فأثبت له الكفر بالذي كان منه في الابتداء، وهو الاستحلال؛ فكذلك العود إليه.

وقوله  : ﴿ يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ : قيل: ﴿ يَمْحَقُ ٱللَّهُ ﴾ : يهلك.

وقيل: ﴿ يَمْحَقُ ﴾ : يبطل.

ولكن أصل "المحق" هو رفع البركة؛ وذلك أن الناس يقصدون بجمع الأموال والشح عليها، لينتفع أولادهم من بعدهم إشفاقاً عليهم، وكذلك يمتنعون من التصدق على الناس.

فأخبر الله  : أن الأموال التي جمعت من جهة الربا ألا ينتفع أولادهم بها، وهو الأمر الظاهر في الناس.

وأخبر أن الصدقات التي لا يمتنعون من الإنفاق عنها يربي ويخلف أودلاهم إذا تصدقوا، ويمحق الربا ويرفع البركة عنها؛ حتى لا ينتفع أولادهم بها.

وهو ما روي عن رسول الله  أنه قال: "كل متبايعين بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما فيه، وإن كذبا وكتما محقت عنهما البركة" وقوله  : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ الآية ظاهرة.

وقوله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ ﴾ من عمركم ﴿ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ إذا صرتم مؤمنين.

وقيل: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، الذى تقبضون ﴿ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

وفي الآية دلالة على أن الربا الذي لم يقبض إذا ورد عليه حرمة القبض أفسدته.

لذلك قال أصحابنا - رحمهم الله  -: إن فوت القبض عن المبيع يوجب فساد العقد، كما كان فوت قبض الربا في ذلك العقد أوجب منع قبض الربا.

والذي يدل عليه قوله  : ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ ﴾ ، فأوجب الفسخ فيه حتى أوجب رد رأس المال.

وفي الآية دليل وجه آخر: وهو أنه جعل حدوث الحرمة المانعة للقبض، يرتفع به العقد في فساد العقد؛ فعلى ذلك يجعل حدوث شيء في عقد معقود قبل القبض كالمعقود عليه في استئجار حصته من الثمن.

وقوله  : ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ ﴾ ، فيه دلالة: أن ماجرت بين أهل الإسلام وأهل الحرب من المداينات والمقارضات ثم أسلموا يرد، وما أخذوا قهراً لا يردون؛ وذلك أن الربا الذي قبضوا لئلا يرد لم يؤمر برده.

فعلى ذلك ما أخذوا قهرا أخذوا لئلا يرد، لم يجب رده.

وأما رأس المال فإنما أخذوا للرد؛ فعلى ذلك ما أخذ بعضهم من بعض دَيْناً أو قرضاً وجب رده.

ففيه دليل لقول أصحابنا - رحمهم الله  - على ما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ .

عن ابن عباس - رضي الله  عنه - قال: فمن كان مقيماً على الربا مستحلاًّ له لا ينزع عنه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه: فإن تاب ونزع عنه، وإلا ضرب عنقه.

وقوله  : ﴿ فَأْذَنُواْ ﴾ ، فيه لغتان: بالقطع، والوصل.

فمن قرأ بالقطع، فهو على الأمر وبالإعلام لمستحليه أنه يصير حربا له بالاستحلال.

ومن قرأ بالوصل، فهو على العلم، كأنه قال للمؤمنين: إنه حرب لنا.

وقوله  : ﴿ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ : عن ابن عباس - رضي الله  عنه - قوله: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ ، أي: ﴿ لاَ تَظْلِمُونَ ﴾ فتربون، ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ : فتنقصون.

وقتادة - رضي الله  عنه - يقول: بطل الربا وبقيت رءوس الأموال.

وقوله  : ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ : عن ابن عباس - رضي الله  عنه -: ﴿ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ﴾ قال: هوالمطلوب، وهو في الربا.

وفيه دلالة جواز التقلب في البيع الفاسد؛ لأنه جعل لأرباب الأموال النظرة إلى ميسرة من عليه المال.

فلو كان له حق أخذه حيثما وجده بعد ما تناسخت الأيدي، او كان له حق تضمين من هو أغنى لم يكن لإنظار المعسر إلى وقت الميسرة معنى.

ولكن يحتاج إلى تضمين أيسرهم وأغناهم إذا كان يقدر، فله خصومته، وإذا كان شرط سقطت الخصومة، كما تقول في الذي يكفل عن معسر أو عمن أجل، ثم النظرة بالاختيار ممن له الحق، لا أنه يكون هكذا شاء هو أو أبى.

دليله قوله  : "لصاحب الحق اليد واللسان" .

أما اللسان فيتقاضاه، وأما اليد فيلازمه بها ويحبسه.

ولكنه إذا أجل قطع على نفسه حق اللسان واليد إلى أن يمضي ذلك الوقت، [فإذا مضى ذلك الوقت] ثبت له حق اللسان واليد.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ، يعني برءوس الأموال إذا ظهر إعساره.

وعن الضحاك - رضي الله  عنه - أنه قال في قوله: ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ، قال: أخذ رأس المال حسن، وتركه أحسن.

وإنما الصدقة على المعسر، فأما على الموسر فلا.

وفيه دليل جواز صدقة الدين وهبته ممن عليه دين، وهو الأخْيَرُ له إذا ظهر إعساره وفقره.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إن هذه الآية آخر ما نزلت على رسول الله  .

وكذلك روي عن ابن عباس، رضي الله  عنه.

فإن كان ما ذكروا فهو - والله أعلم - أنه عز وجل رغبهم في ذكر ذلك اليوم؛ لما في ترك ذكره بطول الأمل، وطول الأمل يورث الحرص، والحرص يورث البخل ويشغله عن إقامة العبادات والطاعات.

فإذا كان كذلك فأحق ما يختم القرآن به هذا؛ لئلا يتركوا ذكر ذلك اليوم فيسقطوا عن منزلته الثواب والجزاء.

والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله  -: ويصير كأنه قال: اتقوا وعيده  في جميع ما يعدكم وما ألزمكم من الحق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وخافوا عذابَ يوم ترجعون فيه جميعًا إلى الله، وتقومون بين يديه، ثم تُعطى كل نفس جزاء ما كسبت من خير أو شر، لا يُظلمون بنقص ثواب حسناتهم، ولا بزيادة العقوبة على سيئاتهم.

من فوائد الآيات من أعظم الكبائر أكل الربا، ولهذا توعد الله تعالى آكله بالحرب وبالمحق في الدنيا والتخبط في الآخرة.

الالتزام بأحكام الشرع في المعاملات المالية ينزل البركة والنماء فيها.

فضل الصبر على المعسر، والتخفيف عنه بالتصدق عليه ببعض الدَّين أو كله.

<div class="verse-tafsir" id="91.V3Rob"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقول كثير من الناس الذين تعلموا وتربوا تربية عصرية وأخذوا الشهادات من المدارس بل ومن هم أكبر من هؤلاء، إن المسلمين منوا بالفقر وذهبت أموالهم إلى أيدي الأجانب وفقدوا الثروة والقوة بسبب تحريم الربا، فإنهم لاحتياجهم للأموال يأخذونها بالربا من الأجانب، ومن كان غنيًا منهم لا يعطي بالربا، فمال الفقير يذهب ومال الغني لا ينمو.

ويجعلون هذه المسألة أهم المسائل الاجتماعية والعمرانية عند المسلمين، يعنون أنه ما جنى على المسلمين إلا دينهم.

وهذه أوهام لم تُقَل عن اختبار، فإن المسلمين في هذه الأيام لا يحكمون الدين في شيء من أعمالهم ومكاسبهم، ولو حكموه في هذه المسألة لما استدانوا بالربا وجعلوا أموالهم غنائم لغيرهم.

فإن سلمنا أنهم تركوا أكل الربا لأجل الدين فهل يقول المشتبهون إنهم تركوا الصناعة والتجارة والزراعة لأجل الدين؟

ألم تسبقنا جميع الأمم إلى اتقان ذلك فلماذا لم نتقن سائر أعمال الكسب لنعوض منها على أنفسنا ما فاتنا من كسب الربا المحرم علينا، وديننا يدعونا إلى أن نسبق الأمم في اتقان كل شيء؟

الحق أن المسلمين في الأغلب قد نبذوا الدين ظهريًا فلم يبق عندهم منه إلا تقاليد وعادات أخذوها بالوراثة عن آبائهم ومعاشريهم، فمن يدعي أن الدين عاتق لهم عن الترقي فقد عكس القضية وأضاف إلى جهالاتهم جهالة شرًا منها، وإنما يجيء هذا من عدم البصيرة والتأمل في حال الأمة من بدايتها إلى ما انتهت إليه، ولو عرفت الأمة نفسها لعرفت ماضيها كما تعرف حاضرها ولكن جهلها بنفسها وعدم قراءة ماضيها هو الذي أوقعها فيما هي فيه من البلاء العظيم، فهي لا تدري من أني أُخِذَت ولا كيف سقطت بعد ما ارتفعت.

إن أثر الربا فينا لا يمكنا أن نزيله بمئات من السنين، ولو أننا حافظنا على أمر الدين فيه لكنا بقينا لأنفسنا.

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا  ﴾ إلخ مسألة كبيرة اتفقت فيها الأديان ولكن اختلفت فيها الأمم، فاليهود كانوا يرابون مع غيرهم، والنصارى يرابي بعضهم بعضًا ويرابون سائر الناس، وقد كان المسلمون حفظوا أنفسهم من هذه الرذيلة زمنًا طويلًا، ثم قلدوا غيرهم، ومنذ نصف قرن فشت المراباة بينهم في أكثر الأقطار، وكانوا قبل ذلك يأكلون الربا بالحيلة التي يسمونها شرعية، وقد أباحها بعض الفقهاء في استثمار مال اليتيم وطالب العلم المنقطع، ومنها مسألة السبحة المشهورة وهي أن يتفق الدائن مع المدين على أن يعطيه مئة إلى سنة بمئة وعشرة مثلًا فيعطيه المئة نقدًا ويبيعه سبحة بعشرة في الذمة فيشتريها ثم يهديها إليه!

على أن الذين يأكلون الربا من المسلمين لا يزالون قليلين جدًا ولكن الذين يُؤكلونه غيرهم كثيرون جدًا حتى لا تكاد تجد متمولًا في هذه البلاد سالمًا من الاستدانة بالربا إلا قليلًا، والسبب في ذلك تقليد حكامهم في هذه السنة، بل كثيرًا ما كان حكام هذه البلاد يلزمون الرعية بها إلزامًا لأداء ما يفرضونه عليهم من الضرائب والمصادرات، ومن هنا نرى أن الأديان لم يمكنها أن تقاوم ميل جماهير الناس إلى أكل الربا حتى كأنه ضرورة يضطرون إليها.

ومن حجتهم عليها أن البيع مثل الربا فكما يجوز أن يبيع الإنسان السلعة التي ثمنها عشرة دراهم نقدًا بعشرين درهمًا نسيئة يجوز له أن يعطي المحتاج العشرة الدراهم على أن يرد إليه بعد سنة عشرين درهمًا لأن السبب في كل من الزيادتين الأجل.

هكذا يحتج الناس في أنفسهم كما تحتج الحكومات بأنها لو لم تأخذ المال بالربا لاضطرت إلى تعطيل مصالحها أو خراب أرضها.

والله تعالى قد أجاب عن دعوى مماثلة البيع للربا بجواب ليس على طريقة أجوبة الخطباء المؤثرين، ولا على طريقة أقيسة الفلاسفة والمنطقيين، ولكنه على سنة هداية الدين وهو أن الله أحل البيع وحرم الربا.

وقد جعل أكثر المفسرين هذا الجواب من قبيل إبطال القياس بالنص أي إنكم تقيسون في الدين والله تعالى لا يجيز هذا القياس، ولكن المعهود في القرآن مقارعة الحجة بالحجة، وقد كان الناس في زمن التنزيل يفهمون معنى الحجة في رد القرآن لذلك القول إذ لم يكن عندهم من الاصطلاحات الفقهية المسلمة ما هو أصل عندهم في المسائل لا يفهمون الآيات إلا به ولا ينظرون إليها إلا لتحويلها إليه وتطبيقها على آرائهم ومذاهبهم فيه.

والمعنى الصحيح: أن زعمهم مساواة الربا للبيع في مصلحة التعامل بين الناس إنما يصح إذا أبيح للناس أن يكونوا في تعاملهم كالذئاب كل واحد ينتظر الفرصة التي تمكنه من افتراس الآخر وكله، ولكن ههنا إله رحيم يضع لعباده من الأحكام ما يربيهم على التراحم والتعاطف وأن يكون كل منهم عونًا للآخر لا سيما عند شدة الحاجة إليه ولذلك حرم عليهم الربا الذي هو استغلال ضرورة إخوانهم وأحل البيع الذي لا يختص الربح فيه بأكل الغني الواجد مال الفقير الفاقد.

فهذا وجه للتباين بين الربا والبيع يقتضي فساد القياس.

وهناك وجه آخر وهو أن الله تعالى جعل طريق تعامل الناس في معايشتهم أن يكون استفادة كل واحد من الآخر بعمل، ولم يجعل لأحد منهم حقًا على آخر بغير عمل، لأنه باطل لا مقابل له، وبهذه السنة أحل البيع لأن فيه عوضًا يقابل عوضًا وحرم الربا لأنه زيادة لا مقابل لها والمعنى أن قياسكم فاسد لأن في البيع من الفائدة ما يقتضي حله وفي الربا من المفسدة ما يقتضي تحريمه ذلك أن البيع يلاحظ فيه دائمًا انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعًا حقيقيًا لأن من يشتري قمحًا مثلًا فإنه يشتريه ليأكله أو ليبذره أو ليبيعه وهو في كل ذلك ينتفع به انتفاعًا حقيقيًا.

وأما الربا وهو عبارة عن إعطاء الدراهم والمثليات وأخذها مضاعفة في وقت آخر فيما يؤخذ منه زيادة عن رأس المال لا مقابل له من عين ولا عمل.

وثم وجه ثالث لتحريم الربا من دون البيع وهو أن النقدين إنما وضعا ليكونا ميزانًا لتقدير قيم الأشياء التي ينتفع بها الناس في معايشهم، فإذا تحول هذا وصار النقد مقصودًا بالاستغلال فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثر الناس وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استغلال المال بالمال فينمو المال ويربو عندهم ويخزن في الصناديق والبيوت المالية المعروفة بالبنوك ويبخس العاملون قيم أعمالهم لأن الربح يكون معظمه من المال نفسه وبذلك يهلك الفقراء.

ولو وقف الناس في استغلال المال عند حد الضرورة لما كان فيه مثل هذه المضرات، ولكن أهواء الناس ليس لها حد تقف عنده بنفسها.

لذلك حرم الله الربا، وهو لا يشرع للناس الأحكام بحسب أهوائهم وشهواتهم كأصحاب القوانين ولكن بحسب المصلحة الحقيقية العامة الشاملة.

وأما واضعوا القوانين فإنهم يضعون للناس الأحكام بحسب حالهم الحاضرة التي يرونها موافقة لما يسمونه الرأي العام، من غير نظر في عواقبها ولا في أثرها في تربية الفضائل والبعد عن الرذائل.

وإننا نرى البلاد التي أحلت قوانينها الربا قد عفت فيها رسوم الدين وقل فيها التعاطف والتراحم وحلت القسوة محل الرحمة حتى أن الفقير فيها ليموت جوعًا ولا يجد من يجود عليه بما يسد رمقه، فمنيت من جراء ذلك بمصائب أعظمها ما يسمونه المسألة الاجتماعية وهي مسألة تألب الفَعَلَة والعمال على أصحاب الأموال واعتصابهم المرة بعد المرة لترك العمل وتعطيل المعامل والمصانع لأن أصحابها لا يقدرون عملهم قدره بل يعطونهم أقل مما يستحقون، وهم يتوقعون من عاقبة ذلك انقلابًا كبيرًا في العالم، ولذلك قام كثير من فلاسفتهم وعلمائهم يكتبون الرسائل والأسفار في تلافي شر هذه المسألة، وقد صرح كثير منهم بأنه لا علاج لهذا الداء إلا رجوع الناس إلى ما دعاهم إليه الدين.

وقد ألف"تولستوي"الفيلسوف الروسي كتابًا سماه (ما العمل؟) وفيه أمُور يضطرب لفظاعتها القارئ، وقد قال في آخره: إن أوروبا نجحت في تحرير الناس من الرق ولكنها غفلت عن رفع نير الدينار (الجنيه) عن أعناق الناس الذين ربما استعبدهم المال يومًا ما.

وهذه بلادنا قد ضعف فيها التعاطف والتراحم وقل الإسعاد والتعاون منذ فشا فيها الربا، وإنني لأعي وأدرك ما مر بي منذ أربعين سنة.

كنت أرى الرجل يطلب من الآخر قرضًا فيأخذه صاحب المال إلى بيته ويوصد الباب عليه معه ويعطيه ما طلب بعد أن يستوثق منه باليمين أنه لا يحدث الناس بأنه منه لأنه يستحي أن يكون في نظرهم متفضلًا عليه.

رأيت هذا من كثيرين في بلادهم متعددة، ورأيت من وفاء من يقترض أنه يغني المقرض عن المطالبة بله المماحكة.

ثم بعد خمس وعشرين سنة رأيت بعض هؤلاء المحسنين لا يعطي ولده قرضًا طلبه إلا لسند وشهود فسألته أما أنت الذي كنت تعطي الغرباء ما يطلبون والباب مقفل وتقسم عليهم أو تحلفهم أن لا يذكروا ذلك؟!

قال: نعم.

قلت: فما بالك تستوثق من ولدك ولا تأمنه على مالك إلا بسند وشهود وما عملت عليه من سوء؟

قال: لا أعرف سبب ذلك، إلا أنني لا أجد الثقة التي كنت أعرفها في نفسي.

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ  ﴾ ليس المراد بهذا المحق محق الزيادة في المال، فإن هذا مكابرة للمشاهدة والاختبار، وإنما المراد به ما يلاقي المرابي من عداوة الناس، وما يصاب به في نفسه من الوساوس وغيرها.

أما عداوة الناس فمن حيث هو عدو المحتاجين وبغيض الموزعين، وقد تفضي العداوة والبغضاء إلى مفاسد ومضرات واعتداء على الأموال والأنفس والثمرات، وقد أثر ذلك في الأمم التي نشأ فيها الربا، إذ قام الفقراء يعادون الأغنياء ويتألب العمال عليهم، حتى صارت هذه المسألة أعقد المسائل عندهم.

وأما ما يصاب به في نفسه من الوساوس والأوهام فهو ما لا يعرفه إلا من راقب هؤلاء العابدين للمال وبلا أخبارهم.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ أي إن كان إيمانكم تامًا شاملًا لجميع ما جاء به محمد  من الأحكام فذروا بقايا الربا، وقد عهد في الأسلوب العربي أن يقال: إن كنت متصفًا بهذا الشيء فافعل كذا: ويذكر أمرًا من شأنه أن يكون أثرًا لذلك الوصف.

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ حرب الله لهم غضبه وانتقامه.

ونحن إن لم نر أثر هذا في الماضين فإننا نراه في الحاضرين ممن أصبحوا بعد الغنى يتكففون، ومن باتوا والمسألة الاجتماعية تهددهم بالويل والثبور.

وأما الحرب من رسوله لهم فهي مقاومتهم بالفعل في زمنه، واعتبارهم أعداء له في هذا الزمن الذي لا يخلفه فيه أحد يقيم شرعه.

﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ  ﴾ : أما حقيقة الرجوع فلا تصح هنا لأننا ما غبنا عن الله طرفة عين ولا يمكن أن نغيب عنه فنرجع إليه، ولكن الإنسان في غفلته وشغله بشؤونه الحيوانية يتوهم أن له استقلالًا تامًا بنفسه، وأن له رؤساء وأمراء يخافهم ويرجوهم، ويرى أنه تعرض له حاجات وضرورات يجب عليه أن يستعد لها بتكثير المال وجمعه من حرام وحلال.

فأمثال هذه الخواطر تكون له شغلًا شاغلًا ربما يستغرق وقته فيصرفه عن التفكير في منافع التسامح في معاملة الناس والتصدق على المحتاج منهم، فكان أنفع دواء لمرض انصرف النفس عن التفكير في سلطان الله وقدرته، والتقرب إليه بما فيه تمام حكمته والتذكير بيوم القيامة الذي تبطل فيه هذه الشواغل، وتتلاشى هذه الصوارف حتى لا يشغل الإنسان فيه شيء ما عن الله تعالى وما أعده من الجزاء للعباد على قدر أعمالهم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد