الآية ٥٧ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٥٧ من سورة البقرة

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٥٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 138 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٧ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم ، شرع يذكرهم - أيضا - بما أسبغ عليهم من النعم ، فقال : ( وظللنا عليكم الغمام ) وهو جمع غمامة ، سمي بذلك لأنه يغم السماء ، أي : يواريها ويسترها .

وهو السحاب الأبيض ، ظللوا به في التيه ليقيهم حر الشمس .

كما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس في حديث الفتون ، قال : ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن عمر ، والربيع بن أنس ، وأبي مجلز ، والضحاك ، والسدي ، نحو قول ابن عباس .

وقال الحسن وقتادة : ( وظللنا عليكم الغمام ) [ قال ] كان هذا في البرية ظلل عليهم الغمام من الشمس .

وقال ابن جرير قال آخرون : وهو غمام أبرد من هذا ، وأطيب .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( وظللنا عليكم الغمام ) قال : ليس بالسحاب ، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة ، ولم يكن إلا لهم .

وهكذا رواه ابن جرير ، عن المثنى بن إبراهيم ، عن أبي حذيفة .

وكذا رواه الثوري ، وغيره ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، وكأنه يريد ، والله أعلم ، أنه ليس من زي هذا السحاب ، بل أحسن منه وأطيب وأبهى منظرا ، كما قال سنيد في تفسيره عن حجاج بن محمد ، عن ابن جريج قال : قال ابن عباس : ( وظللنا عليكم الغمام ) قال : غمام أبرد من هذا وأطيب ، وهو الذي يأتي الله فيه في قوله : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ) [ البقرة : 210 ] وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر .

قال ابن عباس : وكان معهم في التيه .

وقوله : ( وأنزلنا عليكم المن ) اختلفت عبارات المفسرين في المن : ما هو ؟

فقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : كان المن ينزل عليهم على الأشجار ، فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاءوا .

وقال مجاهد : المن : صمغة .

وقال عكرمة : المن : شيء أنزله الله عليهم مثل الطل ، شبه الرب الغليظ .

وقال السدي : قالوا : يا موسى ، كيف لنا بما هاهنا ؟

أين الطعام ؟

فأنزل الله عليهم المن ، فكان يسقط على شجر الزنجبيل .

وقال قتادة : كان المن ينزل عليهم في محلتهم سقوط الثلج ، أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك ؛ فإذا تعدى ذلك فسد ولم يبق ، حتى إذا كان يوم سادسه ، ليوم جمعته ، أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه ؛ لأنه كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر معيشته ولا يطلبه لشيء ، وهذا كله في البرية .

وقال الربيع بن أنس : المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل ، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه .

وقال وهب بن منبه - وسئل عن المن - فقال : خبز الرقاق مثل الذرة أو مثل النقي .

وقال أبو جعفر بن جرير : حدثني أحمد بن إسحاق ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا إسرائيل ، عن جابر ، عن عامر وهو الشعبي ، قال : عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من المن .

وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إنه العسل .

ووقع في شعر أمية بن أبي الصلت ، حيث قال : فرأى الله أنهم بمضيع لا بذي مزرع ولا مثمورا فسناها عليهم غاديات وترى مزنهم خلايا وخورا عسلا ناطفا وماء فراتا وحليبا ذا بهجة مرمورا فالناطف : هو السائل ، والحليب المرمور : الصافي منه .

والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن ، فمنهم من فسره بالطعام ، ومنهم من فسره بالشراب ، والظاهر ، والله أعلم ، أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب ، وغير ذلك ، مما ليس لهم فيه عمل ولا كد ، فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعاما وحلاوة ، وإن مزج مع الماء صار شرابا طيبا ، وإن ركب مع غيره صار نوعا آخر ، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده ؛ والدليل على ذلك قول البخاري : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن عبد الملك ، عن عمرو بن حريث عن سعيد بن زيد - رضي الله عنه - قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين .

وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ، عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الملك ، وهو ابن عمير ، به .

وأخرجه الجماعة في كتبهم ، إلا أبا داود ، من طرق عن عبد الملك ، وهو ابن عمير ، به .

وقال الترمذي : حسن صحيح ، ورواه البخاري ومسلم والنسائي من رواية الحكم ، عن الحسن العرني ، عن عمرو بن حريث ، به .

وقال الترمذي : حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر ومحمود بن غيلان ، قالا حدثنا سعيد بن عامر ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : العجوة من الجنة ، وفيها شفاء من السم ، والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين .

تفرد بإخراجه الترمذي ، ثم قال : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن عمرو ، وإلا من حديث سعيد بن عامر ، عنه ، وفي الباب عن سعيد بن زيد ، وأبي سعيد وجابر .

كذا قال ، وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره ، من طريق آخر ، عن أبي هريرة ، فقال : حدثنا أحمد بن الحسن بن أحمد البصري ، حدثنا أسلم بن سهل ، حدثنا القاسم بن عيسى ، حدثنا طلحة بن عبد الرحمن ، عن قتادة عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين .

وهذا حديث غريب من هذا الوجه ، وطلحة بن عبد الرحمن هذا سلمي واسطي ، يكنى بأبي محمد ، وقيل : أبو سليمان المؤدب قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي : روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها .

ثم قال [ الترمذي ] حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثنا أبي ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة : أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : الكمأة جدري الأرض ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين ، والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم .

وهذا الحديث قد رواه النسائي ، عن محمد بن بشار ، به .

وعنه ، عن غندر ، عن شعبة ، عن أبي بشر جعفر بن إياس ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة ، به .

وعن محمد بن بشار ، عن عبد الأعلى ، عن خالد الحذاء ، عن شهر بن حوشب .

بقصة الكمأة فقط .

وروى النسائي - أيضا - وابن ماجه من حديث محمد بن بشار ، عن أبي عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد ، عن مطر الوراق ، عن شهر : بقصة العجوة عند النسائي ، وبالقصتين عند ابن ماجه .

وهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة فإنه لم يسمعه منه ، بدليل ما رواه النسائي في الوليمة من سننه ، عن علي بن الحسين الدرهمي عن عبد الأعلى ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن أبي هريرة ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يذكرون الكمأة ، وبعضهم يقول جدري الأرض ، فقال : الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين .

وروي عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد وجابر ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا أسباط بن محمد ، حدثنا الأعمش ، عن جعفر بن إياس ، عن شهر بن حوشب ، عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري ، قالا قال 1 270 رسول الله صلى الله عليه وسلم : الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم .

قال النسائي في الوليمة أيضا : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر جعفر بن إياس عن شهر بن حوشب ، عن أبي سعيد وجابر ، رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين .

ثم رواه - أيضا - ، وابن ماجه من طرق ، عن الأعمش ، عن أبي بشر ، عن شهر ، عنهما ، به .

وقد رويا - أعني النسائي وابن ماجه - من حديث سعيد بن مسلم كلاهما عن الأعمش ، عن جعفر بن إياس عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، زاد النسائي : [ وحديث ] جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين .

ورواه ابن مردويه ، عن أحمد بن عثمان ، عن عباس الدوري ، عن لاحق بن صواب عن عمار بن رزيق عن الأعمش ، كابن ماجه .

وقال ابن مردويه أيضا : حدثنا أحمد بن عثمان ، حدثنا عباس الدوري ، حدثنا الحسن بن الربيع ، حدثنا أبو الأحوص ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كمآت ، فقال : الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين .

وأخرجه النسائي ، عن عمرو بن منصور ، عن الحسن بن الربيع ثم [ رواه ] ابن مردويه .

رواه أيضا عن عبد الله بن إسحاق عن الحسن بن سلام ، عن عبيد الله بن موسى ، عن شيبان عن الأعمش به ، وكذا رواه النسائي عن أحمد بن عثمان بن حكيم ، عن عبيد الله بن موسى [ به ] .

وقد روى من حديث أنس بن مالك ، رضي الله عنه كما قال ابن مردويه : حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم ، حدثنا حمدون بن أحمد ، حدثنا حوثرة بن أشرس ، حدثنا حماد ، عن شعيب بن الحبحاب عن أنس : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تدارؤوا في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ، فقال بعضهم : نحسبه الكمأة .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين ، والعجوة من الجنة ، وفيها شفاء من السم .

وهذا الحديث محفوظ أصله من رواية حماد بن سلمة .

وقد روى الترمذي والنسائي من طريقه شيئا من هذا ، والله أعلم .

[ وقد ] روي عن شهر ، عن ابن عباس ، كما رواه النسائي - أيضا - في الوليمة ، عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد ، عن عبد الله بن عون الخراز ، عن أبي عبيدة الحداد ، عن عبد الجليل بن عطية ، عن شهر ، عن عبد الله بن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين .

فقد اختلف - كما ترى فيه - على شهر بن حوشب ، ويحتمل عندي أنه حفظه ورواه من هذه الطرق كلها ، وقد سمعه من بعض الصحابة وبلغه عن بعضهم ، فإن الأسانيد إليه جيدة ، وهو لا يتعمد الكذب ، وأصل الحديث محفوظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما تقدم من رواية سعيد بن زيد .

وأما السلوى فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : السلوى طائر شبيه بالسمانى ، كانوا يأكلون منه .

وقال السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : السلوى : طائر يشبه السمانى .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، حدثنا قرة بن خالد ، عن جهضم ، عن ابن عباس ، قال : السلوى : هو السمانى .

وكذا قال مجاهد ، والشعبي ، والضحاك ، والحسن ، وعكرمة ، والربيع بن أنس ، رحمهم الله .

وعن عكرمة : أما السلوى فطير كطير يكون بالجنة أكبر من العصفور ، أو نحو ذلك .

وقال قتادة : السلوى من طير إلى الحمرة ، تحشرها عليهم الريح الجنوب .

وكان الرجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك ، فإذا تعدى فسد ولم يبق عنده ، حتى إذا كان يوم سادسه ليوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه ؛ لأنه كان يوم عبادة لا يشخص فيه لشيء ولا يطلبه .

وقال وهب بن منبه : السلوى : طير سمين مثل الحمام ، كان يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت .

وفي رواية عن وهب ، قال : سألت بنو إسرائيل موسى عليه السلام ، اللحم ، فقال الله : لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض ، فأرسل عليهم ريحا ، فأذرت عند مساكنهم السلوى ، وهو السمانى مثل ميل في ميل قيد رمح إلى السماء فخبئوا للغد فنتن اللحم وخنز الخبز .

وقال السدي : لما دخل بنو إسرائيل التيه ، قالوا لموسى ، عليه السلام : كيف لنا بما هاهنا ؟

أين الطعام ؟

فأنزل الله عليهم المن فكان يسقط على الشجر الزنجبيل ، والسلوى وهو طائر يشبه السمانى أكبر منه ، فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير ، فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله ، فإذا سمن أتاه ، فقالوا : هذا الطعام فأين الشراب ؟

فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، فشرب كل سبط من عين ، فقالوا : هذا الشراب ، فأين الظل ؟

فظلل عليهم الغمام .

فقالوا : هذا الظل ، فأين اللباس ؟

فكانت ثيابهم تطول معهم كما يطول الصبيان ، ولا ينخرق لهم ثوب ، فذلك قوله تعالى : ( وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى ) وقوله ( وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم ) [ البقرة : 60 ] .

وروي عن وهب بن منبه ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ما قاله السدي .

وقال سنيد ، عن حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : خلق لهم في التيه ثياب لا تخرق ولا تدرن ، قال ابن جريج : فكان الرجل إذا أخذ من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد ، إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسدا .

[ قال ابن عطية : السلوى : طير بإجماع المفسرين ، وقد غلط الهذلي في قوله : إنه العسل ، وأنشد في ذلك مستشهدا : وقاسمها بالله جهدا لأنتم ألذ من السلوى إذا ما أشورها قال : فظن أن السلوى عسلا قال القرطبي : دعوى الإجماع لا تصح ؛ لأن المؤرج أحد علماء اللغة والتفسير قال : إنه العسل ، واستدل ببيت الهذلي هذا ، وذكر أنه كذلك في لغة كنانة ؛ لأنه يسلى به ومنه عين سلوان ، وقال الجوهري : السلوى العسل ، واستشهد ببيت الهذلي - أيضا - ، والسلوانة بالضم خرزة ، كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر فشربها العاشق سلا قال الشاعر : شربت على سلوانة ماء مزنة فلا وجديد العيش يا مي ما أسلو واسم ذلك الماء السلوان ، وقال بعضهم : السلوان دواء يشفي الحزين فيسلو والأطباء يسمونه ( مفرج ) ، قالوا : والسلوى جمع بلفظ - الواحد - أيضا ، كما يقال : سمانى للمفرد والجمع وويلى كذلك ، وقال الخليل واحده سلواة ، وأنشد : وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض السلواة من بلل القطر وقال الكسائي : السلوى واحدة وجمعه سلاوي ، نقله كله القرطبي ] .

وقوله تعالى : ( كلوا من طيبات ما رزقناكم ) أمر إباحة وإرشاد وامتنان .

وقوله : ( وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) [ البقرة : 57 ] ، أي أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا ، كما قال : ( كلوا من رزق ربكم واشكروا له ) [ سبأ : 15 ] فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم ، هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات والمعجزات القاطعات ، وخوارق العادات ، ومن هاهنا تتبين فضيلة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم ، على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم ، كما كانوا معه في أسفاره وغزواته ، منها عام تبوك ، في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد ، لم يسألوا خرق عادة ، ولا إيجاد أمر ، مع أن ذلك كان سهلا على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم فجمعوا ما معهم ، فجاء قدر مبرك الشاة ، فدعا [ الله ] فيه ، وأمرهم فملئوا كل وعاء معهم ، وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى ، فجاءت سحابة فأمطرتهم ، فشربوا وسقوا الإبل وملئوا أسقيتهم .

ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر .

فهذا هو الأكمل في الاتباع : المشي مع قدر الله ، مع متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ (وظللنا عليكم الغمام) عطف على قوله: ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ .

فتأويل الآية: ثم بعثناكم من بعد موتكم , وظللنا عليكم الغمام - وعدد عليهم سائر ما أنعم به عليهم - لعلكم تشكرون .

* * * و " الغمام " جمع " غمامة "، كما السحاب جمع سحابة ," والغمام " هو ما غم السماء فألبسها من سحاب وقتام، وغير ذلك مما يسترها عن أعين الناظرين .

وكل مغطى فالعرب تسميه مغموما.

(175) * * * وقد قيل: إن الغمام التي ظللها الله على بني إسرائيل لم تكن سحابا.

962 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد قوله: (وظللنا عليكم الغمام)، قال: ليس بالسحاب.

963 - وحدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل , عن أبي نجيح , عن مجاهد قوله: (وظللنا عليكم الغمام)، قال: ليس بالسحاب، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، لم يكن إلا لهم.

(176) 964 - وحدثني محمد بن عمرو الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه: (وظللنا عليكم الغمام)، قال: هو بمنـزلة السحاب.

965 - وحدثني القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: (وظللنا عليكم الغمام)، قال: هو غمام أبرد من هذا وأطيب , وهو الذي يأتي الله عز وجل فيه يوم القيامة في قوله: (177) فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [ البقرة: 210], وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر.

قال ابن عباس: وكان معهم في التيه .

(178) * * * وإذ كان معنى الغمام ما وصفنا، مما غم السماء من شيء يغطى وجهها عن الناظر إليها, (179) فليس الذي ظلله الله عز وجل على بني إسرائيل - فوصفه بأنه كان غماما - بأولى، بوصفه إياه بذلك أن يكون سحابا، منه بأن يكون غير ذلك مما ألبس وجه السماء من شيء.

* * * وقد قيل: إنه ما ابيض من السحاب.

* * * القول في تأويل قوله تعالى وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ اختلف أهل التأويل في صفة " المن " .

فقال بعضهم بما: - 966 - حدثني به محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله عز وجل: (وأنـزلنا عليكم المن)، قال: المن صمغة .

967 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل , عن ابن &; 2-92 &; أبي نجيح , عن مجاهد مثله .

968 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله: (وأنـزلنا عليكم المن والسلوى)، يقول: كان المن ينـزل عليهم مثل الثلج .

* * * وقال آخرون: هو شراب .

* ذكر من قال ذلك: 969 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع بن أنس قال: المن، شراب كان ينـزل عليهم مثل العسل , فيمزجونه بالماء , ثم يشربونه .

* * * وقال آخرون: " المن "، عسل .

* ذكر من قال ذلك: 970 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: المن: عسل كان ينـزل لهم من السماء .

971 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل , عن جابر , عن عامر قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من المن .

* * * وقال آخرون: " المن " الخبز الرقاق .

(180) * ذكر من قال ذلك: 972 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد قال: سمعت وهبا - وسئل: ما المن ؟

قال: خبز الرقاق، , مثل الذرة , ومثل النقي.

(181) * * * وقال آخرون: " المن "، الزنجبيل.

(182) * ذكر من قال ذلك: &; 2-93 &; 973 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط , عن السدي: المن كان يسقط على شجر الزنجبيل (183) * * * وقال آخرون: " المن "، هو الذي يسقط على الشجر الذي يأكله الناس.

* ذكر من قال ذلك: 974 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثتي حجاج , عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: كان المن ينـزل على شجرهم، فيغدون عليه، فيأكلون منه ما شاءوا.

(184) .

975 - وحدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك , عن مجالد ، عن عامر في قوله: (وأنـزلنا عليكم المن)، قال: المن: الذي يقع على الشجر.

976 - حدثت عن المنجاب بن الحارث قال، حدثنا بشر بن عمارة , عن أبي روق , عن الضحاك , عن ابن عباس في قوله: (المن)، قال: المن الذي يسقط من السماء على الشجر فتأكله الناس.

977 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك , عن مجالد , عن عامر قال: المن، هذا الذي يقع على الشجر.

* * * وقد قيل .

إن " المن "، هو الترنجبين.

* * * وقال بعضهم: " المن "، هو الذي يسقط على الثمام والعُشَر , وهو حلو كالعسل , وإياه عنى الأعشى -ميمون بن قيس- بقوله: &; 2-94 &; لـو أُطعِمـوا المـن والسـلوى مكانَهمُ مـا أبصـر النـاس طُعمـا فيهمُ نجعا (185) وتظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه صلى الله عليه و سلم قال: 978 -" الكمأة من المن, وماؤها شفاء للعين " .

(186) وقال بعضهم: " المن "، شراب حلو كانوا يطبخونه فيشربونه .

* * * وأما أمية بن أبي الصلت، فإنه جعله في شعره عسلا فقال يصف أمرهم في التيه وما رزقوا فيه: فـــرأى اللــه أنهــم بمَضِيــعٍ لا بـــذي مَــزْرعٍ ولا معمــورا (187) &; 2-95 &; فَنَســـاها عليهـــم غاديـــات, ومــرى مــزنهم خلايـا وخـورا (188) عســلا ناطِفــا ومــاء فراتــا وحليبـــا ذا بهجـــة مثمــورا (189) المثمور: الصافي من اللبن (190) .

فجعل المن الذي كان ينـزل عليهم عسلا ناطفا , والناطف: هو القاطر .

(191) .

* * * القول في تأويل قوله تعالى وَالسَّلْوَى قال أبو جعفر: و " السلوى " اسم طائر يشبه السُّمانَى , واحده وجِماعه بلفظ واحد , كذلك السماني لفظ جماعها وواحدها سواء .

وقد قيل: إن واحدة السلوى سلواة .

* ذكر من قال ذلك: 979 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثني عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط , عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك , وعن أبي صالح , عن ابن عباس , وعن مرة الهمداني , عن ابن مسعود , وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: السلوى طير يشبه السُّمانى .

(192) 980 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط , عن السدي قال: كان طيرا أكبر من السمانى .

981 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر , عن قتادة قال: السلوى: طائر كانت تحشرها عليهم الريح الجنوب.

982 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد قال: السلوى: طائر .

983 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: السلوى طير.

984 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد قال: سمعت وهبا - وسئل: ما السلوى؟

فقال: طير سمين مثل الحمام .

(193) &; 2-97 &; 985 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: السلوى طير.

986 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع بن أنس: السلوى كان طيرا يأتيهم مثل السمانى .

987 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك , عن مجالد , عن عامر , قال: السلوى السمانى .

988 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر , عن أبي روق , عن الضحاك , عن ابن عباس قال: السلوى، هو السمانى .

989 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، أخبرنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك , عن مجالد , عن عامر قال: السلوى السمانى .

990 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا قرة , عن الضحاك قال: السمانى هو السلوى .

* * * فإن قال قائل: وما سبب تظليل الله جل ثناؤه الغمام، وإنـزاله المن والسلوى على هؤلاء القوم؟

قيل: قد اختلف أهل العلم في ذلك .

ونحن ذاكرون ما حضرنا منه: - 991 - فحدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط بن نصر , عن السدي: لما تاب الله على قوم موسى، (194) وأحيا السبعين الذين اختارهم موسى بعد ما أماتهم , أمرهم الله بالسير إلى أريحا , (195) وهي أرض بيت المقدس .

فساروا حتى إذا كانوا قريبا منها بعث موسى اثني عشر نقيبا .

فكان من أمرهم وأمر الجبارين وأمر قوم موسى، ما قد قص الله في كتابه .

(196) &; 2-98 &; فقال قوم موسى لموسى: (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون).

فغضب موسى فدعا عليهم فقال: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ .

فكانت عَجْلَةً من موسى عجلها، فقال الله تعالى: (إنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض).

فلما ضرب عليهم التيه، ندم موسى , وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟

فلما ندم، أوحى الله إليه: أن لا تأس على القوم الفاسقين - أي لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين - فلم يحزن، فقالوا: يا موسى كيف لنا بماء ههنا ؟

أين الطعام؟

فأنـزل ألله عليهم المن - فكان يسقط على شجر الترنجبين (197) - والسلوى = وهو طير يشبه السمانى = فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، إن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله , فإذا سمن أتاه .

فقالوا: هذا الطعام , فأين الشراب؟

فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا , فشرب كل سبط من عين .

فقالوا: هذا الطعام والشراب؟

فأين الظل؟

فظلل عليهم الغمام.

فقالوا: هذا الظل، فأين اللباس؟

فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان , ولا يتخرق لهم ثوب , فذلك قوله: (وظللنا عليكم الغمام وأنـزلنا عليكم المن والسلوى) وقوله: وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ .

[البقرة: 60] (198) 992 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق قال: لما تاب الله عز وجل على بني إسرائيل، وأمر موسى أن يرفع عنهم السيف من عبادة العجل , أمر موسى أن يسير بهم إلى الأرض المقدسة , (199) وقال: إني قد كتبتها لكم دارا وقرارا ومنـزلا فاخرج إليها، وجاهد من فيها من العدو، فإني ناصركم &; 2-99 &; عليهم.

فسار بهم موسى إلى الأرض المقدسة بأمر الله عز وجل.

حتى إذا نـزل التيه -بين مصر والشام، وهي أرض ليس فيها خَمَر ولا ظل (200) - دعا موسى ربه حين آذاهم الحر , فظلل عليهم بالغمام ؛ ودعا لهم بالرزق , فأنـزل الله لهم المن والسلوى .

993 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبى جعفر , عن أبيه , عن الربيع بن أنس - 994 - وحدثت عن عمار بن الحسن , حدثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع (201) قوله: وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ، قال: ظلل عليهم الغمام في التيه، تاهوا في خمسة فراسخ أو ستة , (202) كلما أصبحوا ساروا غادين , فأمسوا فإذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه .

فكانوا كذلك حتى مرت أربعون سنة .

(203) قال: وهم في ذلك ينـزل عليهم المن والسلوى، ولا تبلى ثيابهم.

ومعهم حجر من حجارة الطور يحملونه معهم , فإذا نـزلوا ضربه موسى بعصاه , فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا.

995 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد قال، سمعت وهبا يقول: إن بني إسرائيل -لما حرم الله عليهم أن يدخلوا الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون في الأرض- شكوا إلى موسى فقالوا: ما نأكل؟

فقال: إن الله سيأتيكم بما تأكلون .

قالوا: من أين لنا؟

إلا أن يمطر علينا خبزا!

قال: إن الله عز وجل سينـزل عليكم خبزا مخبوزا .

فكان ينـزل عليهم المن - سئل وهب: ما المن؟

قال: خبز الرقاق مثل الذرة أو &; 2-100 &; مثل النقيّ - (204) قالوا: وما نأتدم؟

وهل بد لنا من لحم؟

قال: فإن الله يأتيكم به .

فقالوا: من أين لنا؟

إلا أن تأتينا به الريح!

قال: فإن الريح تأتيكم به.

فكانت الريح تأتيهم بالسلوى - فسئل وهب: ما السلوى؟

قال: طير سمين مثل الحمام، (205) كانت تأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت - (206) قالوا: فما نلبس؟

قال: لا يخلق لأحد منكم ثوب أربعين سنة .

قالوا: فما نحتذي؟

قال: لا ينقطع لأحدكم شسع أربعين سنة.

(207) قالوا: فإن يولد فينا أولاد، فما نكسوهم؟

(208) قال: ثوب الصغير يشب معه .

قالوا: فمن أين لنا الماء؟

قال: يأتيكم به الله .

قالوا: فمن أين؟

إلا أن يخرج لنا من الحجر !

فأمر الله تبارك وتعالى موسى أن يضرب بعصاه الحجر .

قالوا: فما نبصر!

تغشانا الظلمة!

(209) فضرب لهم عمودا من نور في وسط عسكرهم، أضاء عسكرهم كله , قالوا: فبم نستظل؟

فإن الشمس علينا شديده!

قال: يظلكم الله بالغمام .

(210) .

996 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد , فذكر نحو حديث موسى بن هارون، عن عمرو بن حماد , عن أسباط , عن السدي .

997 - حدثني القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: قال عبد الله بن عباس: خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق &; 2-101 &; ولا تدرن .

(211) قال، وقال ابن جريج: إن أخذ الرجل من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد , إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت، فلا يصبح فاسدا.

* * * القول في تأويل قوله تعالى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وهذا مما استغني بدلالة ظاهره على ما ترك منه .

وذلك أن تأويل الآية: وظللنا عليكم الغمام , وأنـزلنا عليكم المن والسلوى , وقلنا لكم: كلوا من طيبات ما رزقناكم .

فترك ذكر قوله: " وقلنا لكم "، لما بينا من دلالة الظاهر في الخطاب عليه.

وعنى جل ذكره بقوله: (كلوا من طيبات ما رزقناكم): كلوا من شهيات رزقنا الذي رزقناكموه .

(212) وقد قيل عنى بقوله: (من طيبات ما رزقناكم): من حلاله الذي أبحناه لكم فجعلناه لكم رزقا.

والأول من القولين أولى بالتأويل، لأنه وصف ما كان القوم فيه من هنيء العيش الذي أعطاهم , فوصف ذلك ب " الطيب "، الذي هو بمعنى اللذة، أحرى من وصفه بأنه حلال مباح .

و " ما " التي مع " رزقناكم "، بمعنى " الذي".

كأنه قيل: كلوا من طيبات الرزق الذي رزقناكموه.

* * * القول في تأويل قوله تعالى وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) وهذا أيضا من الذي استغني بدلالة ظاهره على ما ترك منه.

وذلك أن معنى الكلام: كلوا من طيبات ما رزقناكم.

فخالفوا ما أمرناهم به وعصوا ربهم، ثم رسولنا إليهم , و " ما ظلمونا " ، فاكتفى بما ظهر عما ترك.

وقوله: (وما ظلمونا) يقول: وما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم , ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

ويعني بقوله: (وما ظلمونا)، وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا ومنقصة لنا , ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها .

كما: - 999 - حدثنا عن المنجاب قال، حدثنا بشر , عن أبي روق , عن الضحاك , عن ابن عباس: (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) قال: يضرون.

* * * وقد دللنا فيما مضى، على أن أصل " الظلم ": وضع الشيء في غير موضعه - بما فيه الكفاية , فأغنى ذلك عن إعادته.

(213) * * * وكذلك ربنا جل ذكره، لا تضره معصية عاص , ولا يتحيَّف خزائنه ظلم ظالم , ولا تنفعه طاعة مطيع , ولا يزيد في ملكه عدل عادل، بل نفسه يظلم الظالم , وحظها يبخس العاصي , وإياها ينفع المطيع , وحظها يصيب العادل .

* * * --------------------------- الهوامش : (175) في المطبوعة : "فإن العرب تسميه" .

(176) الأثر 963 - في المخطوطة ، ساق هذا الأثر إلى قوله"قال : ليس بالسحاب" ثم قال بعده ما نصه : "وبإسناده عن مجاهد قال : ليس بالسحاب ، هو الغمام الذي .

.

.

" إلى آخر الخبر .

(177) في المخطوطة : "فيه في قوله" بحذف"يوم القيامة" .

(178) الضمير في قوله : "وكان" ، للغمام .

(179) في المطبوعة: "فغطى وجهها" وتلك أجود.

(180) في المطبوعة : "خبز الرقاق" .

خبز رقاق رقيق ، كطويل وطوال ، صفة .

وهو خبز منبسط رقيق .

(181) الأثر : 972 - بعض أثر سيأتي برقم : 995 .

وفي المخطوطة : "من الذرة" ، وفي ابن كثير كما في المطبوعة ، وسيأتي كذلك في رقم : 995 .

(182) في المطبوعة"الترنجبين" ، وكذلك في البغوي"الترنجبين" .

وفي تاج العروس : "الترنجبين" .

بالضم ، هو المن المذكور في القرآن" .

وسيأتي ذلك بعد رقم : 977 ، وهو هنا"الزنجيل" كما في ابن كثير ، والمخطوطة .

وانظر لسان العرب : (منن) .

(183) في المطبوعة"شجر الترنجبين" .

(184) الأثر : 974 - هو في المخطوطة بعد رقم : 976 .

(185) ديوانه: 87 من قصيدة طويلة، يذكر فيها ذا التاج هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة، وكانت بنو تميم قد وثبت على مال وطرف كانت تساق إلى كسرى، فأوقع بهم المكعبر الفارسي، والي كسرى على البحرين، وأدخلهم المشقر - وهو حصن بالبحرين - بخديعة خدعهم بها، فقتل رجالهم واستبقى الغلمان.

وكلم هوذة بن علي المكعبر يومئذ في مائة من أسرى بني تميم، فوهبهم له يوم الفصح، فأعتقهم، فقال الأعشى، يذكر ما كان من قبل هوذة في بني تميم: ســائل تميمـا بـه أيـام صفقتهـم لمــا أتـوه أسـارى كـلهم ضرعـا وسـط المشـقر فـي عيطـاء مظلمة لا يســتطيعون فيهــا ثَـمَّ ممتنعـا لــو أُطعمــوا المـن .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

فوصف بني تميم بالكفر لنعمته (تاريخ الطبري 2: 132 - 134).

والطعم: ما أكل من الطعام.

ونجع الطعام في الإنسان: هنا أكله وتبينت تنميته، واستمرأه وصلح عليه.

(186) الحديث : 978 - هكذا رواه الطبري دون إسناد .

وقد صدق في أنه تظاهرت به الأخبار .

فقد رواه أحمد والشيخان والترمذي ، من حديث سعيد بن زيد .

ورواه أيضًا أحمد والشيخان وابن ماجه ، من حديث أبي سعيد وجابر .

ورواه أبو نعيم في الطب ، من حديث ابن عباس وعائشة .

انظر مثلا ، المسند : 1625 ، 1626 .

والجامع الصغير : 6463 .

وزاد المعاد لابن القيم 3 : 383 .

وتفسير ابن كثير 1 : 174 - 176 ، وقد ساق كثيرا من طرقه .

(187) ديوانه : 34 - 35 .

في الأصول والديوان .

"ولا مثمورا" .

مضيع : بموضع ضياع وهوان وهلاك .

يقال : هو بدار مضيعة (بفتح الميم وكسر الضاد) ، كأنه فيها ضائع .

وهو مفعلة ، وطرح التاء منها كما يقولون : المنزل والمنزلة .

ومزرع : مصدر ميمي من"زرع" يعني ليس بذي زرع ، ومعمور : أي آهل ذهب خرابه .

ونصب"ولا معمورا" ، عطفا على محل"بذي مزرع" ، وهو نصب .

وآثرت هذه الكلمة ، لأنها هي التي تتفق مع سياقه الشعر ، ولأن التحريف في"معمور" و"مثمور" سهل ، ولما سترى في شرح البيت الثالث .

(188) في المطبوعة : "فعفاها" وفي المخطوطة : "فسناها" ، وفي الديوان"فعفاها" ولا معنى لشيء منها ، فاستظهرت أن أقرأها من المخطوط"فنساها" ، أصلها"فنسأها" مهموزة ، كما قالوا : برأ الله الخلق وبراهم بطرح الهمزة .

ونسأ الدابة رالإبل ينسؤها نسأ : زجرها وساقها .

يقول : ساق عليهم السحاب .

غاديات جمع غادية : وهي السحابة التي تنشأ غدوة .

ومرى الناقة مريا : مسح ضرعها لتدر .

والمزن جمع مزنة : وهي السحابة ذات الماء .

وخلايا جمع خلية : وهي الناقة التي خليت للحلب لكرمها وغزارة لبنها .

الخور" : إبل حمر إلى الغبرة ، رقيقات الجلود ، طوال الأوبار ، لها شعر ينفذ وبرها ، وهي أطول من سائر الوبر ، فإذا كانت فهي غزار كثيرة اللبن .

شبه السحاب الغزير الماء بهذين الضربين من النوق الغزيرة اللبن ، يحلب مطرها عليهم حلبا ، ثم فصل في البيت التالي أنواع ما نزل عليهم من السماء .

(189) ناطف ، من نطف ينطف : قطر .

وهو مشروح بعد - أي يقطر من السماء .

والفرات : أشد الماء عذوبة .

ووصف اللبن بأنه ذو بهجة .

وهي الحسن والنضارة ، لأنه لم يؤخذ زبده ، فيرق ، وتذهب لمعة الزبد منه ، فاستعار البهجة لذلك .

أما قوله : "مثمورا" ، فهي في المطبوعة "ممرورا"، وفي المخطوطة في الصلب كانت تقرأ "مثمورا" ثم لعب فيها قلم الناسخ في الثاء والميم ، ثم كتب هو نفسه في الهامش : "مزمورا" ، ثم شرح في طرف الصفحة فقال : "المزمور : الصافي من اللبن" .

وذلك شيء لا وجود له في كتب اللغة ، وقد رأيت أنه كتب في البيت الأول"مثمورا" ، ورجحت أن صوابها"معمورا" ، ورجحت في هذا البيت أن يكون اختلط عليه حين كتب"مثمورا" فعاد فجعلها"مزمورا" .

ولم أجد"مثمورا" في كتب اللغة ، ولكن يقال : الثمير والثميرة : اللبن الذي ظهر زبده وتحبب قال ابن شميل : إذا مخض رؤي عليه أمثال الحصف في الجلد ، ثم يجتمع فيصير زبدا ، وما دامت صغارا فهو ثمير .

ويقولون : إن لبنك لحسن الثمر ، وقد أثمر مخاضك .

فكأنه قال : "مثمورا" ويعني"ثميرا" ، لأن فعيلا بمعنى مفعول هنا .

(190) كانت في المطبوعة"الممرور" ، وقد ذكرت في التعليقة ، أنها بهامش المخطوطة"المزمور" .

(191) قوله : "فجعل المن .

.

.

" إلى آخر الجملة ليس في المخطوطة .

(192) الأثر : 978 - اقتصر في المخطوطة على بعض هذا الإسناد ، إلى قوله : عن السدي" ، وأسقط الباقي ، وهو الإسناد الدائر في تفسيره ، فكأن كل إسناد وقف على السدي ، هو هذا الإسناد ، ثم اجتزأ ببعضه عن جميعه ، كما مضى آنفًا ، وكما سيأتي بعد .

(193) الأثر 984 - بعض أثر سيأتي برقم : 995 .

(194) في المخطوطة : "على موسى" بحذف"قوم" .

(195) في المطبوعة : "بالمسير" ، وهما سواء .

(196) هذا اختصار ، وتفصيله في التاريخ في موضعه ، كما سيأتي في موضعه من ذكره مراجعه .

(197) في المخطوطة وحدها : "الزنجبيل" .

وانظر ما مضى : 92 .

(198) الأثر : 991 - في تاريخ الطبري 1 : 221 - 222 .

(199) في المخطوطة : "أن يسبق بهم" ، وأراد الناسخ أن يصححها في الهامش ، فكتب"-" ولم يتمها .

(200) الخمر (بفتحتين) : كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره .

(201) هذا الإسناد الثاني ساقط من المخطوطة .

(202) في المخطوطة : "فإذا هو في قدر" مصفحة ، وانظر تفسير الطبري 6 : 116 - 117 ، 119 (بولاق) وقوله : "قدر" ليست في المطبوعة .

(203) في المخطوطة : "حتى قمرت أربعين سنة" محرفا .

(204) هذه الجملة سلفت في الأثر رقم : 972 (205) هذه الجملة سلفت في الأثر رقم : 984 (206) في المطبوعة : "من السبت إلى السبت" .

(207) الشسع : أحد سيور النعل الذي يدخل بين الإصبعين (208) في المطبوعة : "فإن فينا أولادا" .

(209) في المطبوعة : "فبم نبصر" .

(210) الأثر : 995 - إسحاق : هو ابن راهويه الإمام الكبير .

إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل ابن منبه الصنعاني : ثقة ، مترجم في التهذيب ، ترجمة البخاري 1 /1 /367 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 /187 .

وهو يروي هنا عن عمه : عبد الصمد بن معقل بن منبه ، وهو ثقة أيضًا ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 /50 .

وعبد الصمد يروى عن عمه : وهب بن منبه ، هذا الأثر .

(211) درن الثوب يدرن درنا فهو درن وأدرن : تلطخ بالوسخ .

(212) في المطبوعة : "من مشهيات" ، ليست بشيء .

(213) انظر ما مضى 1 : 523 - 524 ، وهذا الجزء 2 : 69 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمونفيه ثماني مسائل : الأولى : قوله تعالى : وظللنا عليكم الغمام أي جعلناه عليكم كالظلة والغمام جمع غمامة كسحابة وسحاب قاله الأخفش سعيد .

قال الفراء ويجوز غمائم وهي السحاب ؛ لأنها تغم السماء أي تسترها وكل مغطى فهو مغموم ، ومنه المغموم على عقله وغم الهلال إذا غطاه الغيم والغين مثل الغيم ، ومنه قوله عليه السلام ( إنه ليغان على قلبي ) قال صاحب العين : غين عليه غطي عليه والغين شجر ملتف وقال السدي الغمام السحاب الأبيض وفعل هذا بهم ليقيهم حر الشمس نهارا ، وينجلي في آخره ليستضيئوا بالقمر ليلا وذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه بين مصر والشام لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين [ ص: 381 ] وقتالهم وقالوا لموسى فاذهب أنت وربك فقاتلا فعوقبوا في ذلك الفحص أربعين سنة يتيهون في خمسة فراسخ أو ستة ، روي أنهم كانوا يمشون النهار كله وينزلون للمبيت فيصبحون حيث كانوا بكرة أمس ، وإذ كانوا بأجمعهم في التيه قالوا لموسى : من لنا بالطعام ؟

فأنزل الله عليهم المن والسلوى ، قالوا : من لنا من حر الشمس ؟

فظلل عليهم الغمام ، قالوا : فبم نستصبح ؟

فضرب لهم عمود نور في وسط محلتهم .

وذكر مكي : عمود من نار ، قالوا : من لنا بالماء ؟

فأمر موسى بضرب الحجر ، قالوا : من لنا باللباس ؟

فأعطوا ألا يبلى لهم ثوب ولا يخلق ولا يدرن ، وأن تنمو صغارها حسب نمو الصبيان ، والله أعلم .الثانية : قوله تعالى : وأنزلنا عليكم المن والسلوى اختلف في المن ما هو ، وتعيينه على أقوال ؛ فقيل : الترنجبين بتشديد الراء وتسكين النون ، ذكره النحاس ويقال : الطرنجبين بالطاء ، وعلى هذا أكثر المفسرين .

وقيل : صمغة حلوة ، وقيل : عسل ، وقيل : شراب حلو ، وقيل : خبز الرقاق عن وهب بن منبه ، وقيل : " المن " مصدر يعم جميع ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع ، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل ، وماؤها شفاء للعين في رواية : من المن الذي أنزل الله على موسى رواه مسلم .

قال علماؤنا : وهذا [ ص: 382 ] الحديث يدل على أن الكمأة مما أنزل الله على بني إسرائيل أي : مما خلقه الله لهم في التيه قال أبو عبيد : إنما شبهها بالمن لأنه لا مئونة فيها ببذر ولا سقي ولا علاج ، فهي منه ، أي : من جنس من بني إسرائيل في أنه كان دون تكلف ، روي أنه كان ينزل عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كالثلج ، فيأخذ الرجل ما يكفيه ليومه ، فإن ادخر منه شيئا فسد عليه إلا في يوم الجمعة ، فإنهم كانوا يدخرون ليوم السبت فلا يفسد عليهم ؛ لأن يوم السبت يوم عبادة ، وما كان ينزل عليهم يوم السبت شيء .الثالثة : لما نص عليه السلام على أن ماء الكمأة شفاء للعين قال بعض أهل العلم بالطب : إما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة ، فتستعمل بنفسها مفردة ، وإما لغير ذلك فمركبة مع غيرها وذهب أبو هريرة رضي الله عنه إلى استعمالها بحتا في جميع مرض العين ، وهذا كما استعمل أبو وجزة العسل في جميع الأمراض كلها حتى في الكحل على ما يأتي بيانه في سورة " النحل " إن شاء الله تعالى ، وقال أهل اللغة : الكمء واحد ، وكمآن اثنان ، وأكمؤ ثلاثة ، فإذا زادوا قالوا : كمأة بالتاء ، على عكس شجرة وشجر ، والمن اسم جنس لا واحد له من لفظه مثل الخير والشر ، قاله الأخفش .الرابعة : قوله تعالى : والسلوى اختلف في السلوى ، فقيل : هو السمانى بعينه ، قاله الضحاك ، قال ابن عطية : السلوى طير بإجماع المفسرين ، وقد غلط الهذلي [ خالد بن زهير ] فقال :وقاسمها بالله جهدا لأنتم ألذ من السلوى إذا ما نشورهاظن السلوى العسل .قلت : ما ادعاه من الإجماع لا يصح ، وقد قال المؤرج - أحد علماء اللغة والتفسير - : إنه العسل ، واستدل ببيت الهذلي ، وذكر أنه كذلك بلغة كنانة ، سمي به لأنه يسلى به ، ومنه عين السلوان ، وأنشد :لو أشرب السلوان ما سليت ما بي غنى عنك وإن غنيتوقال الجوهري : والسلوى : العسل ، وذكر بيت الهذلي :ألذ من السلوى إذا ما نشورها[ ص: 383 ] ولم يذكر غلطا ، والسلوانة ( بالضم ) خرزة كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر فشربه العاشق سلا ، قال :شربت على سلوانة ماء مزنة فلا وجديد العيش يا مي ما أسلوواسم ذلك الماء السلوان ، وقال بعضهم : السلوان دواء يسقاه الحزين فيسلو ، والأطباء يسمونه المفرح ، يقال : سليت وسلوت لغتان ، وهو في سلوة من العيش أي : في رغد ، عن أبي زيد .الخامسة : واختلف في السلوى ، هل هو جمع أو مفرد ، فقال الأخفش : جمع لا واحد له من لفظه ، مثل الخير والشر ، وهو يشبه أن يكون واحده سلوى ، مثل جماعته ، كما قالوا : دفلى للواحد والجماعة وسمانى وشكاعى في الواحد والجميع ، وقال الخليل : واحده سلواة ، وأنشد :وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض السلواة من بلل القطروقال الكسائي : السلوى واحدة ، وجمعه سلاوي .السادسة : السلوى عطف على المن ولم يظهر فيه الإعراب ؛ لأنه مقصور ، ووجب هذا في المقصور كله ؛ لأنه لا يخلو من أن يكون في آخره ألف ، قال الخليل : والألف حرف هوائي لا مستقر له ، فأشبه الحركة ، فاستحالت حركته ، وقال الفراء : لو حركت الألف صارت همزة .السابعة : قوله تعالى : كلوا من طيبات ما رزقناكم كلوا فيه حذف تقديره : وقلنا كلوا ، فحذف اختصارا لدلالة الظاهر عليه ، والطيبات هنا قد جمعت الحلال واللذيذ .الثامنة : قوله تعالى : وما ظلمونا يقدر قبله : فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر .ولكن كانوا أنفسهم يظلمون لمقابلتهم النعم بالمعاصي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر نعمته عليكم في التيه والبرية الخالية من الظلال وسعة الأرزاق، فقال: { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ } وهو اسم جامع لكل رزق حسن يحصل بلا تعب، ومنه الزنجبيل والكمأة والخبز وغير ذلك.

{ وَالسَّلْوَى } طائر صغير يقال له السماني، طيب اللحم، فكان ينزل عليهم من المن والسلوى ما يكفيهم ويقيتهم { كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } أي: رزقا لا يحصل نظيره لأهل المدن المترفهين, فلم يشكروا هذه النعمة, واستمروا على قساوة القلوب وكثرة الذنوب.

{ وَمَا ظَلَمُونَا } يعني بتلك الأفعال المخالفة لأوامرنا لأن الله لا تضره معصية العاصين, كما لا تنفعه طاعات الطائعين، { وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } فيعود ضرره عليهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{وظللنا عليكم الغمام} في التيه يقيكم حر الشمس، والغمام من الغم وأصله التغطية والستر سمي السحاب غماماً لأنه يغطي وجه الشمس؛ وذلك أنه لم يكن لهم في التيه كن يسترهم فشكوا إلى موسى فأرسل الله تعالى غماماً أبيض رقيقاً أطيب من غمام المطر، وجعل لهم عموداً من نور يضيء لهم الليل إذا لم يكن لهم قمر.

{وأنزلنا عليكم المن والسلوى} أي في التيه، الأكثرون على أن المن هو الترنجبين.

وقال مجاهد: "هو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار طعمه كالشهد".

وقال وهب: "هو الخبز الرقاق".

قال الزجاج: "جملة المن ما يمن الله به من غير تعب.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو نعيم أنا أبو سفيان عن عبد الملك هو ابن عمير عن عمرو بن حريث عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين".

قالوا فكان المن كل ليلة يقع على أشجارهم مثل الثلج، لكل إنسان منهم صاع، فقالوا: يا موسى قتلنا هذا المن بحلاوته فادع لنا ربك أن يطعمنا اللحم فأنزل الله تعالى عليهم السلوى وهو طائر يشبه السماني، وقيل: هو السماني بعينه، بعث الله سحابة فمطرت السماني في عرض ميل وطول رمح في السماء، بعضه على بعض والسلوى: العسل، فكان الله ينزل عليهم المن والسلوى كل صباح من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فيأخذ كل واحد منهم ما يكفيه يوماً وليلة وإذا كان يوم الجمعة أخذ كل واحد منهم ما يكفيه ليومين لأنه لم يكن ينزل يوم السبت.

{كلوا} أي: وقلنا لهم: كلوا.

{من طيبات} حلالات.

{ما رزقناكم} ولا تدخروا لغد، ففعلوا، فقطع الله ذلك عنهم، ودَوَّد وفسد ما ادخروا، فقال الله تعالى: {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي وما بخسوا بحقنا، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون باستيجابهم عذابي، وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا مؤنة في الدنيا ولا حساب في العقبى.

أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه أنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وظلَّلنا عليكم الغمام» سترناكم بالسحاب الرقيق من حر الشمس في التيه «وأنزلنا عليكم» فيه «المن والسلوى» هما الترنجبين والطير السماني بتخفيف الميم والقصر، وقلنا: «كلوا من طيبات ما رزقناكم» ولا تدَّخروا، فكفروا النعمة وادخروا فقطع عنهم «وما ظلمونا» بذلك «ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» لأن وباله عليهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكروا نعمتنا عليكم حين كنتم تتيهون في الأرض؛ إذ جعلنا السحاب مظللا عليكم من حَرِّ الشمس، وأنزلنا عليكم المنَّ، وهو شيء يشبه الصَّمغ طعمه كالعسل، وأنزلنا عليكم السَّلوى وهو طير يشبه السُّمانَى، وقلنا لكم: كلوا من طيِّبات ما رزقناكم، ولا تخالفوا دينكم، فلم تمتثلوا.

وما ظلمونا بكفران النعم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون؛ لأن عاقبة الظلم عائدة عليهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم عطف - سبحانه - على نعمة بعثهم من بعد موتهم نعمة أخرى بل نعمتين ، وهما تظليلهم بالغمام ومنحهم المن والسلوى ، فقال تعالى :( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ .

.

.

)الغمام : جمع غمامة ، وهي السحابة ، وخصه بعض علماء اللغة بالسحاب الأبيض .والمن : اسم جنس لا واحد من لفظه ، وهو - على أرجح الأقوال - مادة صمغية تسقط على الشجر تشبه حلاوته حلاوة الغسل .والسلوى : اسم جنس جمعي ، واحدته سلواة ، وهر طائر بري لذيذ اللحم ، سهل الصيد يسمى بالسماني ، كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل مساء ، فيمسكونه قبضاً بدون تعب .وتظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم ، كان في مدة تيههم بين مصر والشام المشار إليه بقوله - تعالى : ( قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرض ) قال السدي : " لما دخل بنو إسرائيل التيه ، قالوا لموسى - عليه السلام - كيف لنا بما ها هنا ، أين الطعام؟

فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شجرة النجبيل ، والسلوى وهو طائر يشبه السماني أكبر منه فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير فإن كان سميناً ذبحه وإلا أرسله ، فإذا سمن أتاه فقالوا هذا الطعام فأين الشراب؟

فأمر الله - تعالى - موسى أن يضرب بعصاه الحجر فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ، فشرب كل سبط من عين ، فقالوا : هذا الشراب فأين الظل؟

فظلل الله عليهما الغمام .

قالوا : هذا الظل فأين اللباس؟

فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ولا يتمزق لهم توب ، فذلك قوله تعالى : ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى .

.

.

)ومعنى الآية الكريمة : واذكروا يا بني إسرائيل من بين نعمي عليكم نعمة إظلالكم بالغمام وأنتم في التيه ليقيكم حر الشمس ، وحرارة الجو ، ولولا منحى إياكم الطعام اللذيذ المشتهي بدون تعب منكم في تحصيله لهلكتم ، وقلنا لكم كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الذي رزقكم هذه النعم ، ولكنكم كفرتم بها ، فظلمتم أنفسكم دون أن ينالنا من ذلك شيء ، لأن الخلق جميعاً لن يبلغوا ضرى فيضروني ولن يبلغوا نفعي فينفعوني .فالآية الكريمة قد أشارت إلى جحودهم النعمة بقوله تعالى : ( وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) .وقوله تعالى : ( وَمَا ظَلَمُونَا ) معطوف على محذوف ، أي فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر .ويرى البعض أنه لا حاجة إلى التقدير ، وأن جملة ( وَمَا ظَلَمُونَا ) معطوفة على ما قبلها لأنها مثلها في أنها من أحوال بني إسرائيل .والتعبير عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة ( كانوا ) والفعل المضارع ( يَظْلِمُونَ ) يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم ، لأنك لا تقول في ذم إنسان كان يسيء إلى الناس إلا إذا كانت الإِساءة تصدر منه المرة تلو الأخرى .قال الإِمام ابن جرير - رحمه الله - في تفسير قوله تعالى : ( وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ما ملخصه : ( هذا من الذي استغنى بدلالة ظاهره على ما ترك منه ، وذلك أن معنى الكلام : كلوا من طيبات ما رزقناكم فخالفوا ما أمرناهم به ، وعصوا ربهم ، ثم رسولنا إليهم ، وما ظلمونا فاكتفى بما ظهر عما ترك ، وقوله ( وَمَا ظَلَمُونَا ) أي : ما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم ، وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا ومنقصة لنا ، ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها فإن الله - تعالى - لا تضره معصية عاص ، ولا يتحيف خزائنه ظلم ظالم ، ولا تنفعه طاعة مطيع ، ولا يزيد في ملكه عدل عادل ، بل نفسَه يظلم الظالم وحظَّها يبخس العاصي ، وإياها ينفع المطيع ، وحظها يصيب العادل ) .وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت بني إسرائيل بنعمة من أعظم النعم وهي تظليلهم بالغمام بإنزال المن والسلوى عليهم ، ولكن بني إسرائيل لم يشكروا الله على نعمه ، ولذا أرسل الله عليهم رجزاً من السماء بسبب ظلمهم وفسقهم .تاسعاً : نعمة تمكينهم من دخول بيت المقدس ونكولهم عن ذلك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو الإنعام السابع الذي ذكره الله تعالى وقد ذكر الله تعالى هذه الآية بهذه الألفاظ في سورة الأعراف، وظاهر هذه الآية يدل على أن هذا الإظلال كان بعد أن بعثهم لأنه تعالى قال: ﴿ ثُمَّ بعثناكم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام ﴾ بعضه معطوف على بعض وإن كان لا يمتنع خلاف ذلك، لأن الغرض تعريف النعم التي خصهم الله تعالى بها.

قال المفسرون، ﴿ وَظَلَّلْنَا ﴾ وجعلنا الغمام تظلكم، وذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس وينزل عليهم المن وهو الترنجبين مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع ويبعث الله إليهم السلوى وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه ﴿ كُلُواْ ﴾ على إرادة القول: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ﴾ يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم أو بأن أخذوا أزيد مما أطلق لهم في أخذه أو بأن سألوا غير ذلك الجنس وما ظلمونا فاختصر الكلام بحذفه لدلالة ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ﴾ عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قيل: القائلون السبعون الذين صعقوا.

وقيل: قاله عشرة آلاف منهم ﴿ جَهْرَةً ﴾ عياناً.

وهي مصدر من قولك: جهر بالقراءة وبالدعاء، كأنَّ الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية، والذي يرى بالقلب مخافت بها، وانتصابها على المصدر، لأنها نوع من الرؤية فنصبت بفعلها كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس، أو على الحال بمعنى ذوي جهرة.

وقرئ ﴿ جهرة ﴾ بفتح الهاء، وهي إماّ مصدر كالغلبة.

وإما جمع جاهر.

وفي هذا الكلام دليل على أن موسى عليه الصلاة والسلام رادّهم القول وعرّفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال وأن من استجاز على الله الرؤية فقد جعله من جملة الأجسام أو الأعراض، فرادّوه بعد بيان الحجة ووضوح البرهان، ولجوا فكانوا في الكفر كعبدة العجل، فسلط الله عليهم الصعقة كما سلط على أولئك القتل تسوية بين الكفرين ودلالة على عظمهما بعظم المحنة.

و ﴿ الصاعقة ﴾ ما صعقهم، أي أماتهم.

قيل: نار وقعت من السماء فأحرقتهم.

وقيل: صيحة جاءت من السماء.

وقيل: أرسل الله جنوداً سمعوا بحسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة.

وموسى عليه السلام، لم تكن صعقته موتاً ولكن غشية، بدليل قوله: ﴿ فَلَمَّا أَفَاقَ ﴾ .

والظاهر أنه أصابهم ما ينظرون إليه لقوله: ﴿ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ .

وقرأ عليّ رضي الله عنه ﴿ فَأَخَذَتْكُم الصَّعْقَة ﴾ .

﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ نعمة البعث بعد الموت، أو نعمة الله بعدما كفرتموها إذا رأيتم بأس الله في رميكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت.

﴿ وَظَلَّلْنَا ﴾ وجعلنا الغمام يظلكم.

وذلك في التيه، سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس؛ وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه، وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى، وينزل عليهم ﴿ المن ﴾ وهو الترنجبين مثل الثلج.

من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لكل إنسان صاع، ويبعث الله الجنوب فتحشر عليهم ﴿ السلوى ﴾ وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه ﴿ كُلُواْ ﴾ على إرادة القول ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ﴾ يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا، فاختصر الكلام بحذفه لدلالة ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ﴾ عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ﴾ بِسَبَبِ الصّاعِقَةِ، وقَيْدٍ لِلْبَعْثِ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَنْ إغْماءٍ، أوْ نَوْمٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْناهُمْ ﴾ .

﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ نِعْمَةَ البَعْثِ، أوْ ما كَفَرْتُمُوهُ لَمّا رَأيْتُمْ بَأْسَ اللَّهِ بِالصّاعِقَةِ.

﴿ وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ ﴾ سَخَّرَ اللَّهُ لَهُمُ السَّحابَ يُظِلُّهم مِنَ الشَّمْسِ حِينَ كانُوا في التِّيهِ.

﴿ وَأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى ﴾ التَّرَنْجَبِينَ والسُّمانى.

قِيلَ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنُّ مِثْلَ الثَّلْجِ مِنَ الفَجْرِ إلى الطُّلُوعِ، وتَبْعَثُ الجَنُوبُ عَلَيْهِمُ السُّمانى، ويَنْزِلُ بِاللَّيْلِ عَمُودُ نارٍ يَسِيرُونَ في ضَوْئِهِ، وكانَتْ ثِيابُهم لا تَتَّسِخُ ولا تَبْلى.

﴿ كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.

﴿ وَما ظَلَمُونا ﴾ فِيهِ اخْتِصارٌ، وأصْلُهُ فَظَلَمُوا بِأنْ كَفَرُوا هَذِهِ النِّعَمَ وما ظَلَمُونا.

﴿ وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ بِالكُفْرانِ لِأنَّهُ لا يَتَخَطّاهم ضَرَرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام} جعلنا الغمام يظلكم وذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن} الترنجبين وكان ينزل عليهم مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع {والسلوى} كان يبعث الله عليهم الجنوب فتحشر عليهم السلوى وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه وقلنا لهم {كُلُواْ مِن طيبات} لذيذات أو حلالات {مَا رزقناكم وَمَا ظَلَمُونَا} يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا {ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أنفسهم مفعول يظلمون وهو خبر كان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ بَعَثْناكُمْ ﴾ وقِيلَ: عَلى (قُلْتُمْ)، والأوَّلُ أظْهَرُ لِلْقُرْبِ، والِاشْتِراكِ في المُسْنَدِ إلَيْهِ مَعَ التَّناسُبِ في المُسْنَدَيْنِ في كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما نِعْمَةً بِخِلافِ (قُلْتُمْ)، فَإنَّهُ تَمْهِيدٌ لَها، وإفادَتُهُ تَأْخِيرُ التَّظْلِيلِ والإنْزالِ عَنْ واقِعَةِ طَلَبِهِمُ الرُّؤْيَةَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، لا بُدَّ لِتَرْكِ كَلِمَةِ (إذْ) ها هُنا مِن نُكْتَةٍ، ولَعَلَّها الِاكْتِفاءُ بِالدِّلالَةِ العَقْلِيَّةِ عَلى كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما نِعْمَةً مُسْتَقِلَّةً مَعَ التَّحَرُّزِ عَنْ تَكْرارِها في ظَلَّلْنا، وأنْزَلْنا، والغَمامُ اسْمُ جِنْسٍ كَحَمامَةٍ وحَمامٍ، وهو السَّحابُ، وقِيلَ: ما ابْيَضَّ مِنهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبْرَدُ مِنَ السَّحابِ، وأرَقُّ، وسُمِّيَ غَمامًا لِأنَّهُ يَغُمُّ وجْهَ السَّماءِ، ويَسْتُرُهُ، ومِنهُ الغَمُّ، والغَمَمُ، وهَلْ كانَ غَمامًا حَقِيقَةً أوْ شَيْئًا يُشْبِهُهُ وسُمِّيَ بِهِ؟

قَوْلانِ، والمَشْهُورُ الأوَّلُ، وهو مَفْعُولُ (ظَلَّلْنا)، عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، كَما تَقُولُ: ظَلَّلْتُ عَلى فُلانٍ بِالرِّداءِ، أوْ بِلا إسْقاطٍ، والمَعْنى: جَعَلْنا الغَمامَ عَلَيْكم ظُلَّةً، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِجَمِيعِهِمْ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِقِتالِ الجَبّارِينَ، وامْتَنَعُوا، وقالُوا: ”اذْهَبُ أنْتَ ورَبُّك فَقاتَلا“ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالتِّيهِ بَيْنَ الشّامِ ومِصْرَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وشَكَوْا حَرَّ الشَّمْسِ، فَلَطَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ بِإظْلالِ الغَمامِ وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، وقِيلَ: لَمّا خَرَجُوا مِنَ البَحْرِ وقَعُوا بِأرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ، لَيْسَ فِيها ماءٌ ولا ظِلٌّ، فَشَكَوُا الحَرَّ، فَوُقُوا بِهِ، وقِيلَ: الَّذِينَ ظُلِّلُوا بِالغَمامِ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أجْرى العادَةَ فِيهِمْ أنَّ مَن عَبَدَ ثَلاثِينَ سَنَةً لا يُحْدِثُ فِيها ذَنْبًا أظَلَّتْهُ الغَمامَةُ، وكانَ فِيهِمْ جَماعَةٌ يُسَمَّوْنَ أصْحابَ غَمائِمَ، فامْتَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ فِيهِمْ مَن لَهُ هَذِهِ الكَرامَةُ الظّاهِرَةُ، والنِّعْمَةُ الباهِرَةُ، ﴿ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى ﴾ المَنُّ اسْمُ جِنْسٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، والمَشْهُورُ أنَّهُ التُّرُنْجَبِينُ، وهو شَيْءٌ يُشْبِهُ الصَّمْغَ حُلْوٌ مَعَ شَيْءٍ مِنَ الحُمُوضَةِ، كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ كالطَّلِّ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ في كُلِّ يَوْمٍ، إلّا يَوْمَ السَّبْتِ، وكانَ كُلُّ شَخْصٍ مَأْمُورًا بِأنْ يَأْخُذَ قَدْرَ صاعٍ كُلَّ يَوْمٍ، أوْ ما يَكْفِيهِ يَوْمًا ولَيْلَةً، ولا يَدَّخِرَ إلّا يَوْمَ الجُمْعَةِ، فَإنَّ ادِّخارَ حِصَّةِ السَّبْتِ كانَ مُباحًا فِيهِ، وعَنْ وهَبٍ: إنَّهُ الخُبْزُ الرُّقاقُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ ما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ في التِّيهِ، وجاءَهم عَفْوًا بِلا تَعَبٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(الكَمْأةُ مِنَ المَنِّ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ)،» والسَّلْوى اسْمُ جِنْسٍ أيْضًا، واحِدُها سَلْواةٌ كَما قالَهُ الخَلِيلُ، ولَيْسَتِ الألِفُ فِيها لِلتَّأْنِيثِ، وإلّا لَما أُنِّثَتْ بِالهاءِ في قَوْلِهِ: كَما انْتَفَضَ السَّلَواتُ مِن بَلَلِ القَطْرِ وقالَ الكِسائِيُّ: السَّلْوى واحِدَةٌ وجَمْعُها سَلاوى، وعِنْدَ الأخْفَشِ الجَمْعُ والواحِدُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وقِيلَ: جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهو طائِرٌ يُشْبِهُ السُّمانى أوْ هو السُّمانى بِعَيْنِها، وكانَتْ تَأْتِيهِمْ مِن جِهَةِ السَّماءِ بُكْرَةً وعَشِيًّا، أوْ مَتى أحَبُّوا، فَيَخْتارُونَ مِنها السَّمِينَ ويَتْرُكُونَ مِنها الهَزِيلَ، وقِيلَ: إنَّ رِيحَ الجَنُوبِ تَسُوقُها إلَيْهِمْ، فَيَخْتارُونَ مِنها حاجَتَهُمْ، ويَذْهَبُ الباقِي، وفي رِوايَةٍ: (كانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مَطْبُوخَةً ومَشْوِيَّةً)، وسُبْحانَ مَن يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ، وذَكَرَ السَّدُوسِيُّ أنَّ السَّلْوى هو العَسَلُ بِلُغَةِ كِنانَةَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: وقاسَمْتُها بِاللَّهِ جَهْرًا لَأنْتَمْ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى إذا ما نَشُورُها وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: (إنَّهُ غَلَطٌ) غَلَطٌ، واشْتِقاقُها مِنَ السَّلْوَةِ لِأنَّها لِطِيبِها تُسَلِّي عَنْ غَيْرِها، وعَطْفُها عَلى بَعْضِ وُجُوهٍ المَنَّ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ، ﴿ كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ﴾ أمْرُ إباحَةٍ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ وقُلْنا، أوْ قائِلِينَ، والطَّيِّباتُ المُسْتَلَذّاتُ، وذَكَرَها لِلْمِنَّةِ عَلَيْهِمْ، أوِ الحَلالاتُ، فَهو لِلنَّهْيِ عَنِ الِادِّخارِ، (ومِن) لِلتَّبْعِيضِ، وأبْعَدَ مَن جَعَلَها لِلْجِنْسِ أوْ لِلْبَدَلِ، ومِثْلُهُ مَن زَعَمَ أنَّ هَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِن عِوَضِ طَيِّباتٍ قائِلًا: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَوَّضَهم عَنْ جَمِيعِ مَآكِلِهِمُ المُسْتَلَذَّةِ مِن قَبْلُ بِالمَنِّ والسَّلْوى، فَكانا بَدَلًا مِنَ الطَّيِّباتِ، (وما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ رَزَقْناكُمُوهُ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، واسْتَنْبَطَ بَعْضُهم مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا يَكْفِي وضْعُ المالِكِ الطَّعامَ بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ في إباحَةِ الأكْلِ، بَلْ لا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِ المالِكِ، وهو أحَدُ أقْوالٍ في المَسْألَةِ، ﴿ وما ظَلَمُونا ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ (فَعَصَوْا)، ولَمْ يُقابِلُوا النِّعَمَ بِالشُّكْرِ، أوْ فَظَلَمُوا بِأنْ كَفَرُوا هَذِهِ النِّعَمَ، وما ظَلَمُونا بِذَلِكَ، ويَجُوزُ كَما في البَحْرِ أنْ يُقَدَّرَ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ قَدْ صَدَرَ مِنهُمُ ارْتِكابُ قَبائِحَ مِنَ اتِّخاذِ العِجْلِ إلَهًا، وسُؤالِ رُؤْيَتِهِ تَعالى ظُلْمًا، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما ظَلَمُونا ﴾ بِجُمْلَةٍ مَنفِيَّةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما وقَعَ مِنهم مِن تِلْكَ القَبائِحِ لَمْ يَصِلْ إلَيْنا مِنها نَقْصٌ ولا ضَرَرٌ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ نَفْيِ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ إمْكانُ وُقُوعِهِ، لِأنَّ ظُلْمَ الإنْسانِ لِلَّهِ تَعالى لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ البَتَّةَ، ﴿ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ بِالكُفْرانِ، أوْ بِما فَعَلُوا إذْ لا يَتَخَطّاهم ضَرَرُهُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلدِّلالَةِ عَلى القَصْرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّفْيُ السّابِقُ، وفِيهِ ضَرْبُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدِّلالَةِ عَلى تَمادِيهِمْ في الظُّلْمِ، واسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْهِ، وفي ذِكْرِ أنْفُسِهِمْ بِجَمْعِ القِلَّةِ تَحْقِيرٌ لَهُمْ، وتَقْلِيلٌ، والنَّفْسُ العاصِيَةُ أقَلُّ مِن كُلِّ قَلِيلٍ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ، إنما خاطبهم وأراد به آباءهم وهم قوم موسى-  - حيث أمروا بأن يدخلوا مدينة الجبارين، فأبوا ذلك وقالوا لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [المائدة: 24] ، فعاقبهم الله- عز وجل- فبقوا في التيه أربعين سنة، وكانت المفازة اثني عشر فرسخاً، وكان يؤذيهم حر الشمس فظلل عليهم الغمام، فذلك قوله تعالى: وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وهو السحاب الأبيض، يقيكم حر الشمس في التيه، وكان لهم في التيه عمود من نور مد لهم من السماء فيسير معهم من الليل مكان القمر.

فأصابهم الجوع فسألوا موسى فدعا الله فأنزل عليهم المن وهو الترنجبين كان يتساقط عليهم كل غداة، فيأخذ كل إنسان منهم ما يكفيه يومه وليلته، فإن أخذ أكثر من ذلك دود ذلك الزائد وفسد وإذا كان يوم الجمعة أخذ كل إنسان منهم مقدار ما يكفيه يومين، لأنه لا يأتيهم يوم السبت، وكان ذلك مثل الشهد المعجون بالسمن فأجموا من المن، أي ملوا من أكله.

فقالوا لموسى-  -: قتلنا هذا المن بحلاوته وأحرق بطوننا، فادع لنا ربك أن يطعمنا لحماً.

فدعا لهم موسى-  - فبعث الله لهم طيراً كثيراً فذلك قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى، وهو السماني وهو طير يضرب إلى الحمرة.

وقال بعضهم: كان طيراً يأتيهم مشوياً.

قال عامة المفسرين إنهم كانوا يأخذونها ويذبحونها.

كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ، أي قيل لهم كلوا من طيبات، وهذا من المضمرات، وفي كلام العرب يضمر الشيء إذا كان يستغنى عن إظهاره، كما قال في آية أخرى فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ [آل عمران: 106] ، يعني يقال لهم أكفرتم وكما قال في آية أُخرى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ [الزمر: 3] يعني قالوا: ما نعبدهم.

ومثل هذا في القرآن كثير.

وكذلك قوله هاهنا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ، أي من حلالات مَا رَزَقْناكُمْ، أي أعطيناكم من المن والسلوى ولا ترفعوا منها شيئاً، كما قال في آية أخرى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ [طه: 81] ، أي ولا تعصوا فيه فلا ترفعوا إلى الغد، فرفعوا وجعلوا اللحم قديداً مخافة أن ينفد فرجع ذلك عنهم، ولو لم يرفعوا لدام ذلك عليهم.

قوله تعالى: وَما ظَلَمُونا، يقول وما أضرونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، أي أضروا بأنفسهم حيث رفعوا إلى الغد حتى منع ذلك عنهم.

وروى خلاس، عن أبي هريرة، عن النبيّ  أنه قال: «لَوْلا بَنُو إسْرَائِيلَ لَمْ يَخْبُثِ الطَّعَامُ، وَلَمْ يَنْتنِ اللَّحْمُ، وَلَوْلاَ حَوَاءُ لَمْ تَخُنِ امْرَأةٌ زوجها» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والأخ أخاه، فلما استحر فيهم القتْلُ، وبلغ سبعين ألفاً، عفا اللَّه عنهم، وجعل من مات شهيداً، وتاب على البقية فذلك قوله سبحانه: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ وقال بعض المفسِّرين:

وقف الذين عبدوا العجْلَ صفًّا، ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح، فقتلوهم، وقالت طائفة: جلس الذين عبدوا بالأفْنِيَةِ، وخرج يُوشَعُ بنُ نُونٍ ينادي: ملعونٌ مَن حَلَّ حُبْوَتَهُ «١» ، وجعل الذين لم يعبدوه يقتلونهم، وموسى صلّى الله عليه وسلم في خلالِ ذلك يدعو لقومه، ويَرْغَبُ في العفو عنهم، وإِنما عوقب الذين لم يعبدوا بقتل أنفسهم على أحد الأقوال لأنهم لم يغيِّروا المُنْكَرَ حين عُبِدَ العِجْلُ.

وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ابتداءٌ وخبرٌ في موضع الحالِ، والعفو تغطيةُ الأثر، وإِذهابُ الحالِ الأول من الذنب أو غيره.

ت: ومنه الحديثُ: «فَجَعَلَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ تعفي أَثَرَهَا» .

قال ع «٢» : ولا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذَّنْبِ، والكتابُ هنا هو التوراةُ بإجماع، واختلف في الفُرْقَانِ هنا، فقال الزجَّاج وغيره: هو التوراة أيضاً كرر المعنى لاختلاف اللفظ، وقال آخرون: الكتاب التوراةُ، والفرقانُ سائر الآيات التي أوتي موسى عليه السلام لأنها فَرَقَتْ بين الحق والباطل، واختلف هل بقي العجْلُ مِنْ ذَهَب؟

فقال ذلك الجمهور، وقال الحسن بن أبي الحسن: صار لحماً ودماً، والأول أصحُّ.

ت: وقوله تعالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ عن أبي العالية: إلى خالقكم «٣» مِنْ بَرَأَ اللَّهُ الخَلْقَ، أي: خلقهم، فالبريئة: فَعِيلَةٌ بمعنى مفعولة.

انتهى من «مختصر أبي عبد الله اللّخميّ النحوي للطبريّ» .

وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى: يريد السبعين الذين اختارهم موسى، واختلف

في وقت اختيارهمْ.

فحكى أكثر المفسِّرين أن ذلك بعد عبادة العجل، فاختارهم ليستغفِروا لبني إسرائيل، وحكى النقَّاش وغيره أنه اختارهم حين خَرَجَ من البحْرِ، وطلب بالميعاد، والأول أصح.

وقصة السبعين أنَّ موسى عليه السلام، لما رجع من تكليم اللَّه تعالى، ووجد العجْلَ قد عُبِدَ، قالتْ له طائفة ممَّن لم يعبد العجلَ: نحن لم نكْفُرْ، ونحن أصحابك، ولكنْ أسمعْنَا كلام ربِّك، فأوحى اللَّه إِليه أن اختَرْ منهم سَبْعِينَ، فلم يجد إلا ستِّين، فأوحى إليه أن اختر من الشباب عَشَرةً، ففعل، فأصبحوا شيوخاً، وكان قد اختار ستَّةً من كلِّ سبط، فزادوا اثنين على السبعين، فتشاحُّوا فيمن يتأخَّر، فأُوحِيَ إِليه أنَّ من تأخّر له أجر من ٢١ أمضى، فتأخَّر يوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكَالُوثُ بْنُ يُوفَنَّا، وذهب موسى عليه السلام/ بالسبْعين، بعد أن أمرهم أن يتجنَّبوا النساء ثلاثاً، ويغتسلوا في اليوم الثالث، واستخلف هارون على قومه، ومضى حتى أتى الجَبَلَ، فألقي عليهم الغمام، قال النَّقَّاش: غشيتهم سحابة، وحِيلَ بينهم وبين موسى بالنور، فوقعوا سجوداً، قال السُّدِّيُّ وغيره: وَسَمِعوا كلامَ اللَّهِ يأمر وينهى، فلم يطيقوا سماعه، واختلطتْ أذهانهم، ورَغِبُوا أن يكون موسى يسمع ويعبِّر لهم، ففعل، فلما فرغوا، وخرجوا، بدَّلت منهم طائفةٌ ما سمعت من كلام اللَّهِ، فذلك قوله تعالى: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ [البقرة: ٧٥] واضطرب إيمانهم، وامتحنهم اللَّه تعالى بذلك، فقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، ولم يطلبوا من الرؤية محالاً أما إِنه عند أهل السُّنَّة «١» ممتنعٌ في الدنيا من طريق السمع،

فأخذتهم حينئذ الصاعقةُ، فاحترقوا وماتوا موْتَ همودٍ يعتبر به الغير، وقال قتادة: ماتوا،

وذهبت أرواحهم، ثم رُدُّوا لاستيفاء آجالهم، فحين حصلوا في ذلك الهمود، جعل موسى

يناشد ربَّه فيهم، ويقول: أيْ ربِّ، كيف أرجع إِلى بني إِسرائيل دونهم، فيَهْلِكُون، ولا يؤمنون بي أبداً، وقد خرجوا، وهم الأخيار.

قال ع «١» : يعني: هم بحال الخير وقْتَ الخروج، وقال قومٌ: بل ظن موسى أنَّ السبعين، إِنما عوقبوا بِسَبَبِ عبادة العجْلِ، فذلك قوله: أَتُهْلِكُنا [الأعراف: ١٥٥] ، يعني السبعين: بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا [الأعراف: ١٥٥] يعني: عَبَدَةَ العجلِ، وقال ابن فورك:

يحتمل أن تكون معاقبة السبعين لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقه بقولهم لموسى:

أَرِنَا [النساء: ١٥٣] وليس ذلك من مقدورِ موسى عليه السلام.

قال ع «٢» : ومن قال: إن السبعين سَمِعُوا ما سمع موسى، فقد أخطأ، وأذهب فضيلةَ موسى، واختصاصه بالتكليم.

وجَهْرَةً: مصدر في موضع الحالِ «٣» ، والجهرُ العلانيةُ، ومنه الجهر ضد السر،

وجَهَرَ الرَّجُلُ الأَمْرَ: كشفه، وفي «مختصر الطبريِّ» عن ابن عبَّاس: جَهْرَةً: قال علانيةً «١» ، وعن الربيع: جَهْرَةً: عياناً «٢» .

انتهى.

وقوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: أجاب اللَّه تعالى فيهم رغبةَ موسى عليه السلام وأحياهم من ذلك الهمودِ، أو الموت ليستوفوا آجالهم، وتاب عليهم، والبعث هنا الإثارة، ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، أي: على هذه النعمة، والترجِّي إِنَّمَا هو في حق البَشَر.

وذكر المفسِّرون في تظليل الغمامِ أنَّ بني إِسرائيل، لما كان من أمرهم ما كان من القتل، وبقي منهم من بقي، حصلوا في فحص «٣» التِّيه بَيْن مصْر والشَّام، فأُمِرُوا بقتال الجَبَّارين، فَعَصَوْا، وقالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [المائدة: ٢٤] فدعا موسى عليهم، فعوقبوا بالبقاء في ذلك الفحْص أربعين سَنَةً يتيهون في مقدارِ خَمْسَة فراسِخَ أو ستَّةٍ، روي أنهم كانوا يمشون النهار كلَّه، وينزلون للمبيت، فيصبحون حيثُ كانوا بكرةَ أَمْسِ، فندم موسى على دعائه عليهم، فقيل له: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [المائدة: ٢٦] .

وروي أنهم ماتوا بأجمعهم في فحص التِّيه، ونشأ بنوهم على خير طاعة، فهم الذين خرجوا من فحْصِ التيه، وقاتلوا الجَبَّارين، وإذ كان جميعُهم في التيه، قالوا لموسى: من لنا بالطعامِ؟

قال: اللَّه، فأنزل اللَّه عليهم المَنَّ والسلوى، قالوا: مَنْ لنا من حَرِّ الشمس؟

فظلَّل عليهم الغمامَ، قالوا: بِمَ نستصْبِحُ بالليل، فضَرَبَ لهم عمودَ نُورٍ في وَسَطَ مَحَلَّتهم، وذكر مكِّيٌّ عمود نار، قالوا: من لنا بالماء؟

/ فأمر موسى بضرب الحَجَرِ، قالوا: من لنا ٢١ ب باللباس، فَأُعْطُوا ألاَّ يبلى لهم ثوبٌ، ولا يَخْلَقَ، ولا يَدْرَنَ، وأن تنمو صِغَارُهَا حَسَب نُمُوِّ الصبيانِ، والمَنُّ صَمْغَةٌ حُلْوَةٌ هذا قول فرقةٍ، وقيل: هو عسل، وقيل: شراب حُلْوٌ، وقيل: الذي ينزل اليوْمَ على الشجَر، وروي أنَّ المَنَّ كان ينزل عليهم من طُلُوع الفَجْر إلى طُلُوع الشمس كالثلج، فيأخذ منه الرجُلُ ما يكفيه ليومه، فإِنِ ادَّخَرَ، فسد عليه إِلا في يوم الجمعة فإِنهم كانوا يدَّخرون ليوم السبْتِ، فلا يفسد عليهم لأن يوم السبت يومُ عبادةٍ.

والسلوى طيرٌ بإِجماع المفسّرين، فقيل: هو السّمانى.

وقيل: طائر مثل السّمانى.

وقيل: طائر مثل الحمام تحشره عليهم الجَنُوب.

ص «١» : قال ابن عطيَّة: وغلط الهُذَلِيُّ «٢» في إِطلاقه السلوى على العَسَلِ حيث قال: [الطويل]

وَقَاسَمَهَا بِاللَّهِ عَهْداً لأنْتُمُ ...

أَلَذُّ مِنَ السلوى إِذَا مَا نَشُورُهَا

«٣» ت «٤» : قد نقل صاحبُ المختصر أنه يطلق على العَسَلِ لغةً فلا وجه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ (الغَمامَ): السَّحابُ، سُمِّيَ غَمامًا، لِأنَّهُ يَغِمُّ السَّماءَ، أيْ: يَسْتُرُها، وكُلُّ شَيْءٍ غَطَّيْتَهُ فَقَدْ غَمَمْتَهُ، وهَذا كانَ في التِّيهِ.

وفي المَنِّ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَقَعُ عَلى الشَّجَرِ فَيَأْكُلُهُ النّاسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّرَنْجَبِينُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ صَمْغُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ يُشْبِهُ الرُّبَّ الغَلِيظَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ شَرابٌ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ خُبْزُ الرُّقاقِ مِثْلُ الذُّرَةِ، أوْ مِثْلُ النَّقِيِّ، قالَهُ وهْبٌ.

والسّابِعُ: أنَّهُ عَسَلٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّامِنُ: أنَّهُ الزَّنْجَبِيلُ قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَفِي السَّلْوى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ طائِرٌ، قالَ بَعْضُهُمْ: يُشْبِهُ السُّمانى، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو السُّمانى.

والثّانِي: أنَّهُ العَسَلُ ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وأنْشَدَ: وقاسَمَها بِاللَّهِ جَهْدًا لَأنْتُمْ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى إذا ما نَشُورُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ظَلَمُونا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما نَقَصُونا وضَرُّونا، بَلْ ضَرُّوا أنْفُسَهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ ﴾ أجابَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ رَغْبَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وأحْياهم مِن ذَلِكَ الهُمُودِ أوِ المَوْتِ لِيَسْتَوْفُوا آجالَهُمْ، وتابَ عَلَيْهِمْ، والبَعْثُ هُنا الإثارَةُ، كَما قالَ: ﴿ مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا  ﴾ وقالَ قَوْمٌ: إنَّهم لَمّا أُحْيُوا وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَوْبَةِ سَألُوا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَجْعَلَهُمُ اللهُ أنْبِياءَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ﴾ ، أيْ: أنْبِياءَ ﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ، أيْ: عَلى هَذِهِ النِعْمَةِ.

والتَرَجِّي إنَّما هو في حَقِّ البَشَرِ.

ونَزَلَتِ الألْواحُ بِالتَوْراةِ عَلى مُوسى في تِلْكَ المُدَّةِ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ.

وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الألْواحَ نَزَلَتْ في ذَهابِهِ الأوَّلِ وحْدَهُ.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَظْلِيلِ الغَمامِ، أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كانَ مَن أمْرِهِمْ ما كانَ مِنَ القَتْلِ وبَقِيَ مِنهم مَن بَقِيَ حَصَلُوا في فَحْصِ التِيهِ بَيْنَ مِصْرَ والشامِ، فَأُمِرُوا بِقِتالِ الجَبّارِينَ فَعَصَوْا، وقالُوا: ﴿ فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا  ﴾ فَدَعا مُوسى عَلَيْهِمْ فَعُوقِبُوا بِالبَقاءِ في ذَلِكَ الفَحْصِ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في مِقْدارِ خَمْسَةِ فَراسِخَ أو سِتَّةٍ.

رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَمْشُونَ النَهارَ كُلَّهُ ويَنْزِلُونَ لِلْمَبِيتِ، فَيُصْبِحُونَ حَيْثُ كانُوا بَكْرَةَ أمْسِ، فَنَدِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَلى دُعائِهِ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ  ﴾ ورُوِيَ أنَّهم ماتُوا بِأجْمَعِهِمْ في فَحْصِ التِيهِ، ونَشَأ بَنُوهم عَلى خَيْرِ طاعَةٍ، فَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَن فَحْصِ التِيهِ، وقاتَلُوا الجَبّارِينَ.

وإذْ كانَ جَمِيعُهم في التِيهِ قالُوا لِمُوسى: مَن لَنا بِالطَعامِ؟

قالَ: اللهُ.

فَأنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَلْوى، قالُوا: مَن لَنا مِن حَرِّ الشَمْسِ؟

فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ.

قالُوا: بِمَ نَسْتَصْبِحُ بِاللَيْلِ؟

فَضَرَبَ لَهم عَمُودَ نُورٍ في وسَطِ مَحَلَّتِهِمْ.

وذَكَرَ مَكِّيٌّ عَمُودَ نارٍ.

قالَ: مَن لَنا بِالماءِ؟، فَأُمِرَ مُوسى بِضَرْبِ الحَجَرِ، قالُوا: مَن لَنا بِاللِباسِ؟

فَأُعْطُوا ألّا يَبْلى لَهم ثَوْبٌ، ولا يَخْلَقَ ولا يَدْرَنَ، وأنْ تَنْمُوَ صِغارُها حَسَبَ نُمُوِّ الصِبْيانِ.

ومَعْنى "ظَلَّلْنا" جَعَلْناهُ ظُلَلًا.

و"الغَمامَ" السَحابَ، لِأنَّهُ يَغُمُّ وجْهَ السَماءِ أيْ يَسْتُرُهُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبْرَدُ مِنَ السَحابِ وأرْقى وأصْفى، وهو الَّذِي يَأْتِي اللهُ فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَأْتِي أمْرُهُ وسُلْطانُهُ وقَضاؤُهُ، وقِيلَ: "الغَمامَ" ما ابْيَضَّ مِنَ السَحابِ، و"المَنَّ" صَمْغَةٌ حُلْوَةٌ، هَذا قَوْلُ فِرْقَةٍ، وقِيلَ: هُوَ: عَسَلٌ.

وقِيلَ: شَرابٌ حُلْوٌ، وقِيلَ: الَّذِي يَنْزِلُ اليَوْمَ عَلى الشَجَرِ.

وقِيلَ: "المَنَّ" خُبْزُ الرُقاقِ مِثْلُ النَقِيِّ، وقِيلَ: هو الزَنْجَبِينُ، وقِيلَ: الزَنْجَبِيلُ، وفي بَعْضِ الأقْوالِ بَعْدُ.

وقِيلَ: "المَنَّ" مَصْدَرٌ يَعْنِي بِهِ جَمِيعُ ما مَنَّ اللهُ بِهِ مُجْمَلًا.

وقالَ النَبِيُّ  في كِتابِ مُسْلِمٍ: « "الكَمْأةُ" مِمّا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وماؤُها شِفاءٌ لِلْعَيْنِ» فَقِيلَ: أرادَ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ الكَمْأةَ نَفْسَها مِمّا أُنْزِلَ نَوْعُها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.

وقِيلَ: أرادَ أنَّهُ لا تَعَبَ في الكَمْأةِ ولا جُذاذَ ولا حَصادَ، فَهي مِنَّةٌ دُونَ تَكَلُّفٍ مِن جِنْسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في أنَّهُ كانَ دُونَ تَكَلُّفٍ.

ورُوِيَ أنَّ "المَنَّ" كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَمْسِ كالثَلْجِ فَيَأْخُذُ مِنهُ الرَجُلُ ما يَكْفِيهِ لِيَوْمِهِ، فَإنِ ادَّخَرَ فَسَدَ عَلَيْهِ إلّا في يَوْمِ الجُمْعَةَ فَإنَّهم كانُوا يَدَّخِرُونَ لِيَوْمِ السَبْتِ فَلا يَفْسُدُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ يَوْمَ السَبْتَ يَوْمُ عِبادَةٍ.

و"المَنَّ" هُنا اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.

و"السَلْوى" طَيْرٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وغَيْرُهُمْ، قِيلَ: هو السُمانى بِعَيْنِهِ، وقِيلَ: طائِرٌ يَمِيلُ إلى الحُمْرَةِ مِثْلُ السُمانى، وقِيلَ: طائِرٌ مِثْلُ الحَمامِ تَحْشُرُهُ عَلَيْهِمُ الجَنُوبُ.

قالَ الأخْفَشُ: "السَلْوى" جَمْعُهُ وواحِدُهُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، قالَ الخَلِيلُ: جَمْعُ واحِدَتُهُ سَلْواةٌ قالَ الكِسائِيُّ: "السَلْوى" واحِدَةٌ جَمْعُها سَلاوى، و"السَلْوى" اسْمٌ مَقْصُورٌ لا يَظْهَرُ فِيهِ الإعْرابُ لِأنَّ آخِرَهُ ألِفٌ، والألِفُ حَرْفٌ هَوائِيٌّ أشْبَهَ الحَرَكَةَ فاسْتَحالَتْ حَرَكَتُهُ، ولَوْ حَرَّكَ لَرَجَعَ حَرْفًا آخَرَ، وقَدْ غَلَّظَ الهُذَلِيُّ فَقالَ: وقاسَمَها بِاللهِ عَهْدًا لَأنْتُمْ ألَذُّ مِنَ السَلْوى إذا ما نَشُورُها ظَنُّ السَلْوى العَسَلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "كُلُوا" الآيَةُ مَعْناهُ: وقُلْنا: كُلُوا، فَحُذِفَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ، و"الطَيِّباتُ" هُنا قَدْ جَمَعَتِ الحَلالَ واللَذِيذَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ظَلَمُونا ﴾ يُقَدَّرُ قَبْلَهُ فَعَصَوْا، ولَمْ يُقابِلُوا النِعَمَ بِالشُكْرِ، والمَعْنى: وما وضَعُوا فِعْلَهُمْ، في مَوْضِعِ مَضَرَّةٍ لَنا، ولَكِنْ وضَعُوهُ في مَوْضِعِ مَضَرَّةٍ لَهم حَيْثُ لا يَجِبُ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "ما ظَلَمُونا ما نَقَصُونا"، والمَعْنى يَرْجِعُ إلى ما لَخَّصْناهُ.

و"القَرْيَةُ"المَدِينَةُ، تُسَمّى بِذَلِكَ لِأنَّها تَقَرَّتْ، أيِ اجْتَمَعَتْ، ومِنهُ قُرِيَتِ الماءُ في الحَوْضِ: أيْ جَمَعَتْهُ، والإشارَةُ بِهَذِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: إلى أرِيحا، وهي قَرِيبٌ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ.

قالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ: كانَتْ قاعِدَةً ومَسْكَنَ مُلُوكٍ.

ولَمّا خَرَجَ ذُرِّيَّةُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التِيهِ أُمِرُوا بِدُخُولِ القَرْيَةِ المُشارِ إلَيْها وأمّا الشُيُوخُ فَماتُوا فِيهِ.

ورُوِيَ أنَّ مُوسى  ماتَ في التِيهِ، وكَذَلِكَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ، وحَكى الزَجّاجُ عن بَعْضِهِمْ أنَّ مُوسى وهارُونَ، لَمْ يَكُونا في التِيهِ لِأنَّهُ عَذابٌ، والأوَّلُ أكْثَرُ، و"كُلُوا" إباحَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الرَغَدِ، وهي أرْضٌ مُبارَكَةٌ عَظِيمَةُ الغَلَّةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: رَغَدًا.

و"البابَ" قالَ مُجاهِدٌ: هو بابٌ في مَدِينَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يُعْرَفُ إلى اليَوْمِ بِبابِ حِطَّةٌ، وقِيلَ: هو بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانَ يُصَلِّي إلَيْها مُوسى  ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّهُ بابٌ في الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى كالفُرْضَةِ.

و"سُجَّدًا" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَعْناهُ: رُكُوعًا وقِيلَ مُتَواضِعِينَ خُضُوعًا لا عَلى هَيْئَةٍ مُعَيَّنَةٍ.

والسُجُودُ يَعُمُّ هَذا كُلَّهُ لِأنَّهُ التَواضُعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَرى الأكَمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ ورُوِيَ أنَّ البابَ خُفِضَ لَهم لِيَقْصُرَ ويَدْخُلُوا عَلَيْهِ مُتَواضِعِينَ.

و"حِطَّةٌ" فِعْلَةٌ مَن حَطَّ يَحُطُّ ورَفَعَهُ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ كَأنَّهم قالُوا: سُؤالُنا حِطَّةٌ لِذُنُوبِنا، هَذا تَقْدِيرُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: التَقْدِيرُ دُخُولُنا البابَ كَما أُمِرْنا حِطَّةً، وقِيلَ: أُمِرُوا أنْ يَقُولُوا مَرْفُوعَةً عَلى هَذا اللَفْظِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: أُمِرُوا أنْ يَقُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللهُ لِتَحُطَّ بِها ذُنُوبَهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قِيلَ لَهُمُ: اسْتَغْفِرُوا، وقُولُوا: ما يَحُطُّ ذُنُوبَكم.

وقالَ آخَرُونَ: قِيلَ لَهم أنْ يَقُولُوا هَذا الأمْرَ حَقٌّ، كَما أعْلَمَنا، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَلاثَةُ تَقْتَضِي النَصْبَ، وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "حِطَّةً" بِالنَصْبِ.

وحُكِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ أنَّهم أُمِرُوا بِالسُجُودِ وأنْ يَقُولُوا حِطَّةٌ"، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ ويَقُولُونَ: حِنْطَةٌ حَبَّةٌ حَمْراءُ في شَعْرَةٍ، ويُرْوى غَيْرُ هَذا مِنَ الألْفاظِ.

وقَرَأ نافِعٌ: "يُغْفَرُ" بِالياءِ مِن تَحْتِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تُغْفَرُ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "وَيَغْفِرُ" بِفَتْحِ الياءِ عَلى مَعْنى يَغْفِرُ اللهُ، وقَرَأ الباقُونَ "نَغْفِرُ" بِالنُونِ، وقَرَأتْ طائِفَةٌ "تَغْفِرُ" كَأنَّ الحِطَّةَ تَكُونُ سَبَبَ الغُفْرانِ.

والقُرّاءُ السَبْعَةُ عَلى "خَطاياكُمْ"، غَيْرَ أنَّ الكِسائِيَّ كانَ يُمِيلُها، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "تُغْفَرُ لَكم خَطِيئَتَكُمْ" بِضَمِّ التاءِ مِن فَوْقِ وبِرَفْعِ الخَطِيئَةِ وقَرَأ الأعْمَشُ "يَغْفِرَ" بِالياءِ مِن أسْفَلِ مَفْتُوحَةً "خَطِيئَتِكُمْ" نَصْبًا، وقَرَأ قَتادَةُ مِثْلُ الجَحْدَرِيِّ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ بِالياءِ مِن أسْفَلِ مَضْمُومَةً "خَطِيئَتُكُمْ" رَفْعًا، وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "يَغْفِرُ لَكم خَطِيئاتِكُمْ" أيْ يَغْفِرُ اللهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "تَغْفِرُ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مَرْفُوعَةً "يَغْفِرُ لَكم خَطِيئاتِكُمْ" بِالجَمْعِ ورَفْعِ التاءِ، وحَكى الأهْوازِيُّ أنَّهُ قُرِئَ "خَطَأياكُمْ" بِهَمْزِ الألِفِ الأُولى وسُكُونِ الآخِرَةِ، وحُكِيَ أيْضًا أنَّهُ قُرِئَ بِسُكُونِ الأُولى وهَمْزِ الآخِرَةِ.

قالالفَرّاءُ: خَطايا جَمْعُ خَطِيَّةٍ، بِلا هَمْزٍ كَهَدِيَّةٍ وهَدايا، ورَكِيَّةٍ ورَكايا.

وقالَ الخَلِيلُ: هو جَمْعُ خَطِيئَةٍ بِالهَمْزِ، وأصْلُهُ "خَطايِئْ" قَدَّمَتِ الهَمْزَةُ عَلى الياءِ فَجاءَ "خَطائِي"، أُبْدِلَتِ الياءُ ألْفًا بَدَلًا لازِمًا فانْفَتَحَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي قَبْلَها فَجاءَ "خَطاءا" هَمْزَةٌ بَيْنَ ألِفَيْنِ، وهي مِن قَبِيلِهِما فَكَأنَّها ثَلاثُ ألِفاتٍ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً فَجاءَ خَطايا.

قالَ سِيبَوَيْهِ: أصْلُهُ "خَطايِئَ" هُمِزَتِ الياءُ كَما فَعَلَ في مَدائِنَ وكَتائِبَ فاجْتَمَعَتْ هَمْزَتانِ فَقُلِبَتِ الثانِيَةُ ياءً ثُمَّ أُعِلَّتْ عَلى ما تَقَدَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ ﴾ عِدَّةُ المَعْنى إذا غُفِرَتِ الخَطايا بِدُخُولِكم وقَوْلِكُمْ: زِيدَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَن أحْسَنَ، وكانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَن دَخَلَ كَما أمَرَ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَقِيلَ: هُمُ المُرادُ بِ "المُحْسِنِينَ" هُنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف ﴿ وظللنا ﴾ على ﴿ بعثناكم ﴾ [البقرة: 56].

وتعقيب ذكر الوحشة بذكر جائزة شأن الرحيم في تربية عبده، والظاهر أن تظليل الغمام ونزول المن والسلوى كان قبل سؤالهم رؤية الله جهرة لأن التوراة ذكرت نزول المن والسلوى حين دخولهم في برية سين بين إيليم وسينا في اليوم الثاني عشر من الشهر الثاني من خروجهم من مصر حين اشتاقوا أكل الخبز واللحم لأنهم في رحلتهم ما كانوا يطبخون بل الظاهر أنهم كانوا يقتاتون من ألبان مواشيهم التي أخرجوها معهم ومما تنبته الأرض.

وأما تظليلهم بالغمام فالظاهر أنه وقع بعد أن سألوا رؤية الله لأن تظليل الغمام وقع بعد أن نصب لهم موسى خيمة الاجتماع محل القرابين ومحل مناجاة موسى وقبلة الداعين من بني إسرائيل في برية سينا فلما تمت الخيمة سنة اثنتين من خروجهم من مصر غطت سحابة خيمة الشهادة ومتى ارتفعت السحابة عن الخيمة فذلك إذن لبني إسرائيل بالرحيل فإذا حلت السحابة حلوا إلخ كذا تقول كتبهم.

فلما سأل بنو إسرائيل الخبز واللحم كان المن ينزل عليهم في الصباح والسلوى تسقط عليهم في المساء بمقدار ما يكفي جميعهم ليومه أو ليلته إلا يوم الجمعة فينزل عليهم منهما ضعف الكمية لأن في السبت انقطاع النزول.

والمن مادة صمغية جوية ينزل على شجر البادية شبه الدقيق المبلول، فيه حلاوة إلى الحموضة ولونه إلى الصفرة ويكثر بوادي تركستان وقد ينزل بقلة غيرها ولم يكن يعرف قبل في برية سينا.

وقد وصفته التوراة بأنه دقيق مثل القشور يسقط ندى كالجليد على الأرض وهو مثل بزر الكزبرة أبيض وطعمه كرقاق بعسل وسمته بنو إسرائيل منا، وقد أمروا أن لا يبقوا منه للصباح لأنه يتولد فيه دود وأن يلتقطوه قبل أن تحمى الشمس لأنها تذيبه فكانوا إذا التقطوه طحنوه بالرحا أو دقوه بالهاون وطبخوه في القدور وعملوه ملات وكان طعمه كطعم قطائف بزيت وأنهم أكلوه أربعين سنة حتى جاءوا إلى طرف أرض كنعان يريد إلى حبرون.

وأما السلوى فهي اسم جنس جمعي واحدته سلواة وقيل: لا واحد له وقيل: واحده وجمعه سواء، وهو طائر بري لذيذ اللحم سهل الصيد كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل مساء فيمسكونه قبضاً ويسمى هذا الطائر أيضاً السمانى بضم السين وفتح الميم مخففة بعدها ألف فنون مقصور كحبارى، وهو أيضاً اسم يقع للواحد والجمع، وقيل: هو الجمع وأما الفرد فهو سماناة.

وقوله: كلوا من طيبات ما رزقناكم مقول قول محذوف لأن المخاطبين حين نزول القرآن لم يؤمروا بذلك فدل على أنه من بقية الخبر عن أسلافهم.

وقوله: ﴿ وما ظلمونا ﴾ قدره صاحب «الكشاف» معطوفاً على مقدر أي فظلموا وقرره شارحوه بأن (ما ظلمونا) نفي لظلم متعلق بمفعول معين وهو ضمير الجلالة وهذا النفي يفيد في المقام الخطابي أن هنالك ظلماً متعلقاً بغير هذا المنصوب إذ لو لم يكن الظلم واقعاً لنفى مطلقاً بأن يقال: وما ظلموا وليس المعنى عليه، وأنه إنما قدر في «الكشاف» الفعل المحذوف مقترناً بالفاء لأن الفاء في عطف الجمل تفيد مع الترتيب والتعقيب معنى السببية غالباً، فتكون الجملة المعطوفة متسببة عن الجملة المعطوف عليها فشبه وقوع ظلمهم حين كفروا النعمة عقب الإحسان بترتب المسبب على السبب في الحصول بلا ريثثٍ وبدون مراقبة ذلك الإحسان حتى كأنهم يأتون بالظلم جزاء للنعمة، ورمز إلى لفظ المشبه به برديفه وهو فاء السببية وقرينة ذلك ما يعلمه السامع من أن الظلم لا يصلح لأن يكون مسبباً عن الإنعام على حد قولك أحسنتُ إلى فلان فأساء إليَّ وقوله تعالى: ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ [الواقعة: 82] أي تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون فالفاء مجاز لغير الترتب على أسلوب قولك: أنعمَتُ عليه فكفر.

ولك أن تقول إن أصل معنى الفاء العاطفة الترتيب والتعقيب لا غير وهو المعنى الملازم لها في جميع مواقع استعمالها فإن الاطراد من علامات الحقيقة.

وأما الترتب أي السببية فأمر عارض لها فهومن المجاز أو من مستتبعات التراكيب ألا ترى أنه يوجد تارة ويتخلف أخرى فإنه مفقود في عطف المفردات نحوجاء زيد فعمرو وفي كثير من عطف الجمل نحو قوله تعالى: ﴿ لقد كنتَ في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك ﴾ [ق: 22] فلذلك كان معنى السببية حيثما استفيد محتاجاً إلى القرائن فإن لم تتطلب له علاقة قلت هو من مستتبعات تراكيب بقرينة المقام وإن تطلبت له علاقة وهي لا تعوزك قلت هو مجاز لأن أكثر الأمور الحاصلة عقب غيرها يكون موجب التعقيب فيها هو السببية ولو عرفا ولو ادعاء فليس خروج الفاء عن الترتب هو المجاز بل الأمر بالعكس.

ومما يدل على أن حقيقة الفاء العاطفة هو الترتيب والتعقيب فقط أن بعض البيانيين جعلوا قوله تعالى: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًّا ﴾ [القصص: 8] اللامَ فيه مستعارة لمعنى فاء التعقيب أي فكان لهم عدوًّا فجعلوا الفاء حقيقة في التعقيب ولو كانت للترتيب لساوت اللام فلم تستقم الاستعارة فيكون الوجه الحامل للزمخشري على تقدير المحذوف مقترناً بالفاء هو أنه رأى عطف الظلم على ﴿ وظللنا عليكم الغمام ﴾ وما بعده بالواو ولا يحسن لعدم الجهة الجامعة بين الامتنان والذم والمناسبةُ شرط في قبول الوصل بالواو بخلاف العطف بالفاء، فتعين إما تقدير ظلموا مستأنفاً بدون عطف وظاهر أنه ليس هنالك معنى على الاستئناف وإما ربط ظلموا بعاطف سوى الواو وليس يصلح هنا غير الفاء لأن المعطوف حصل عقب المعطوف عليه فكان ذلك التعاقب في الخارج مغنياً عن الجهة الجامعة ولذلك كانت الفاء لا تستدعي قوة مناسبة كمناسبة الواو ولكن مناسبة في الخيال فقط وقد وجدت هنا لأن كون المعطوف حصل في الخارج عقب المعطوف عليه مما يجعله حاضراً في خيال الذي يتكلم عن المعطوف عليه، وأما قبح نحو قولك جاء زيد فصاح الديك فلقلة جدوى هذا الخبر ألا تراه يصير حسناً لو أردت بقولك فصاح الديك معنى التوقيت بالفجر فبهذا ظهر أنه لم يكن طريق لربط الظلم المقدر بالفعلين قبله إلا الفاء.

6 وفي ذلك الإخبار والربط والتصدي لبيانه مع غرابة هذا التعقيب تعريض بمذمتهم إذ قابلوا الإحسان بالكفران وفيه تعريض بغباوتهم إذ صدَفوا عن الشكر كأنهم ينكون بالمنعم وهم إنما يوقعون النكاية بأنفسهم، هذا تفصيل ما يقال على تقدير صاحب «الكشاف».

والذي يظهر لي أن لا حاجة إلى التقدير وأن جملة ﴿ وما ظلمونا ﴾ عطف على ما قبلها لأنها مثلها في أنها من أحوال بني إسرائيل ومثار ذكر هذه الجملة هو ما تضمنته بعض الجمل التي سبقت من أن ظلماً قد حصل منهم من قوله: ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ﴾ [البقرة: 51] وقوله: ﴿ إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ﴾ [البقرة: 54] وما تضمنه قوله: ﴿ فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ﴾ [البقرة: 55] الدال على أن ذلك عذاب جروه إلى أنفسهم فأتى بهذه الجملة كالفذلكة لما تضمنته الجمل السابقة نظير قوله: ﴿ وما يخادعون إلا أنفسهم ﴾ [البقرة: 9] عقب قوله: ﴿ يخادعون الله والذين آمنوا ﴾ [البقرة: 9] ونظير قوله: ﴿ وظلموا أنفسهم ﴾ [سبأ: 19] بعد الكلام السابق وهو قوله: ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ﴾ [سبأ: 18] الآية.

وغير الأسلوب في هذه الجملة إذ انتقل من خطاب بني إسرائيل إلى الحديث عنهم بضمير الغيبة لقصد الاتعاظ بحالهم وتعريضاً بأنهم متمادون على غيهم وليسوا مستفيقين من ضلالهم فهم بحيث لا يقرون بأنهم ظلموا أنفسهم.

وهذا الظلم الذي قدر في نظم الآية هو ضجرهم من مداومة أكل المن والسلوى الذي سيأتي ذكره بقوله تعالى: ﴿ وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ﴾ [البقرة: 61] الآية فكان قوله: ﴿ وما ظلمونا ﴾ تمهيداً له وتعجيلاً بتسجيل قلة شكرهم على نعم الله وعنايته بهم إذ كانت شكيمتهم لم تلينها الزواجر ولا المكارم.

وقوله: ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ قدم فيه المفعول للقصر وقد حصل القصر أولاً بمجرد الجمع بين النفي والإثبات ثم أكد بالتقديم لأن حالهم كحال من ينكي غيره كما قيل: يفعل الجاهل بنفسه ما يفعل العدو بعدوه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ ﴾ : والغَمامُ: هو ما غَمَّ السَّماءَ، فَغَطّاها مِن سَحابٌ وقَتامٌ، وكُلُّ مُغَطٍّ فَهو غَمامٌ، ومِنهُ: غُمَّ الهِلالُ، أيْ غَطّاهُ الغَيْمُ.

وَفي الغَمامِ الَّذِي ظَلَّلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السَّحابَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي أتى المَلائِكَةُ في يَوْمِ بَدْرٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ  ﴾ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المَنَّ ما سَقَطَ عَلى الشَّجَرِ فَيَأْكُلُهُ النّاسُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ المَنَّ صَمْغَةٌ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المَنَّ شَرابٌ، كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ يَشْرَبُونَهُ بَعْدَ مَزْجِهِ بِالماءِ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

والرّابِعُ: أنَّ المَنَّ عَسَلٌ، كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّ المَنَّ الخُبْزُ الرُّقاقُ، هو قَوْلُ وهْبٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ الزَّنْجَبِيلُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والسّابِعُ: أنَّهُ التَّرَنْجَبِينُ.

وَفي السَّلْوى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السُّمانِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ طائِرٌ يُشْبِهُ السُّمانِيِّ كانَتْ تَحْشُرُهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ الجَنُوبُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، واشْتِقاقُهُ مِنَ السُّلُوِّ، كَأنَّهُ مُسَلِّي عَنْ غَيْرِهِ.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ الرَّجُلُ مِنهم إنْ أخَذَ مِنَ المَنِّ والسَّلْوى زِيادَةً عَلى طَعامِ يَوْمٍ واحِدٍ فَسَدَ، إلّا يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَإنَّهم كانُوا إذا أخَذُوا طَعامَ يَوْمَيْنِ لَمْ يَفْسُدْ.

وَفي قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الشَّهِيّاتُ اللَّذِيذَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الحَلالُ.

والثّالِثُ: أنَّها المُباحُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وظللنا عليكم الغمام ﴾ قال: غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو الذي يأتي فيه يوم القيامة، وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر، وكان معهم في التيه.

وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وظللنا عليكم الغمام ﴾ قال: ليس بالسحاب، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة ولم يكن إلا لهم.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة ﴿ وظللنا عليكم الغمام ﴾ قال: هو السحاب الأبيض الذي لا ماء فيه.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مجلز في قوله: ﴿ وظللنا عليكم الغمام ﴾ قال: ظلل عليهم في التيه.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وظللنا عليكم الغمام...

﴾ الآية.

قال: كان هذا في البرية، ظلل عليهم الغمام من الشمس، وأطعمهم المن والسلوى حين برزوا إلى البرية، فكان المن يسقط عليهم في محلتهم سقوط الثلج، أشد بياضاً من الثلج، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فيأخذ الرجل قد ما يكفيه يومه ذلك فإن تعدى فسد وما يبقى عنده، حتى إذا كان يوم سادسه يوم جمعة أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه فبقي عنده، لأنه إذا كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر معيشة ولا لطلب شيء، وهذا كله في البرية.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: ﴿ المن ﴾ شيء أنزله الله عليهم مثل الطل شبه الرب الغليظ ﴿ والسلوى ﴾ طير أكبر من العصفور.

وأخرج وكيع وعبد حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: ﴿ المن ﴾ صمغة ﴿ والسلوى ﴾ طائر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: قالوا يا موسى كيف لنا بماء ههنا، أين الطعام؟

فأنزل الله عليهم المن، فكان يسقط على شجرة الترنجبين.

واخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه.

أنه سئل ما المن؟

قال: خبز الرقاق مثل الذرة، أو مثل النقي.

وأخرج ابن جرير وابن وابن حاتم عن الربيع بن أنس قال: ﴿ المن ﴾ شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان المن ينزل عليهم بالليل على الأشجار، فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاؤوا ﴿ والسلوى ﴾ طائر شبيه بالسماني كانوا يأكلون منه ما شاؤوا.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: ﴿ المن ﴾ الذي يسقط من السماء على الشجر فتأكله الناس ﴿ والسلوى ﴾ هو السماني.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم عن سعيد بن زيد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الكمأة من المن، وماؤها شفا للعين» .

وأخرج أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة.

مثله.

وأخرج النسائي من حديث جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وابن عباس.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة ﴿ السلوى ﴾ طائر يشبه السماني.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الضحاك أنه كان يقول: السماني هي السلوى.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كانت السلوى طيراً إلى الحمرة تحشرها عليهم الريح الجنوب، فكان الرجل منهم يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدى فسد ولم يبق عنده، حتى إذا كان يوم سادسه يوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه.

وأخرج سفيان بن عيينة وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: سألت بنو إسرائيل موسى اللحم فقال الله: لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض.

فأرسل عليهم ريحاً فأذرت عند مساكنهم السلوى- وهو السماني- ميلاً في ميل قيد رمح في السماء، فجنوا للغد فنتن اللحم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه سئل عن السلوى فقال: طير سمين مثل الحمام، كان يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما ظلمونا ﴾ قال: نحن أعز من أن نظلم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قوله: ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ قال: يضرون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ﴾ الآية.

معناه: سترناكم عن الشمس بالغمام (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ  ﴾ .

قال ذوالرمة: قَدْ أَعْسِفُ النَّازِحَ الْمَجْهُولَ (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) إذَا غِبْتَ عَنَّا (١٣) (١٤) (١٥) قال شمر: يجوز أن يسمى غمامًا لتغمغمه (١٦) (١٧) قال المفسرون: هذا كان حين أبوا على موسى دخول بلقاء (١٨) (١٩) وكانت العزيمة (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥)  : "الكمأة من المن" (٢٦) قال أبو عبيدة (٢٧) قال أبو إسحاق: جملة المن ما يمن الله به مما لا تعب فيه ولا نصب (٢٨) (٢٩) (٣٠) كَمَا انْتَفَضَ السَّلْواَةُ مِنْ بَلَلِ (٣١) (٣٢) وهذا قول أكثرهم.

وقال بعضهم: السلوى: العسل بلغة كنانة (٣٣) (٣٤) وَقَاسَمَها (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) قال أبو العالية ومقاتل: بعث الله عز وجل سحابة فمطرت (٤٢) (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ ﴾ أي: وقلنا لهم (٤٤) (٤٥) (٤٦) ﴿ وَمَا ظَلَمُوَنا ﴾ : بإبائهم على موسى دخول هذه القرية، ولكنهم ظلموا أنفسهم حين تركوا أمرنا فحبسناهم في التيه، فكانوا إذا أصبحوا وجدوا أنفسهم حيث ارتحلوا منذ أربعين سنة (٤٧) وقال جماعة من المفسرين: ﴿ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ أي: كلوا من الوجه الذي أمرتم وأحل لكم، وذلك أنهم نهوا أن يدخروا لغد، لأن الله تعالى كان يجدد لهم كل يوم من المن والسلوى إلا يوم السبت، فكانوا يأخذون يوم الجمعة ما يكفيهم، فتعدّوا وادخروا وقدّدوا وملّحوا، فعصوا فقال الله تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمُوَنا ﴾ أي: ما نقصونا بالمعصية، ولكن نقصوا حظ أنفسهم باستيجابهم عذابي (٤٨) (٤٩) ﴿ وَمَا ظَلَمُوَنا ﴾ إخبارا عن الموجودين في زمن النبي  ، لأنه قال:] (٥٠) ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ يريد حيث كذبوا نبيي وكفروا نعمتي، وخالفوا ما أنزلت في التوراة والإنجيل، ونقضوا عهدي (٥١) (١) انظر "تفسير أبي الليث" 1/ 357، "تفسير الثعلبي" 1/ 74 ب، و"تفسير البغوي" 1/ 75، "تفسير القرطبي" 1/ 346.

(٢) في (ب): (الظلل).

(٣) في (ب): (ظلل).

(٤) في (ب): (الظلمة).

(٥) في (ج): (سترطل).

(٦) انظر "تهذيب اللغة" (ظل) 3/ 2246، "الصحاح" (ظل) 5/ 1755، "مقاييس اللغة" (ظل) 13/ 461.

(٧) (قوله) ساقط من (ب).

(٨) في (ب): (المعسوف).

(٩) ورد في "مفردات الراغب": (المجهود) بدل (المجهول)، وفي "الديوان" وبعض == المصادر (في ظل أغضف)، وقوله: (أَعْسِف): آخذ في غير هدى، و (النازح): الْخَرْقُ البعيدة، وهي الأرض القفر الواسعة، (في ظل أخضر) في ستر ليل أسود، (يدعو هامه البوم): يتجاوب هامه وبومه، والهام ذكر البوم.

ورد البيت في "التهذيب" (خضر) 1/ 1046، "الصحاح" (ظلل) 5/ 1755، و (هيم) 5/ 2063، "مقاييس اللغة" (بوم) 1/ 223، (ظلل) 3/ 461، و (عسف) 4/ 311، و (غضف) 426، "الأضداد" لابن الأنباري ص 348، "مفردات الراغب" ص 150، و"شرح العكبري لديوان المتنبي" 2/ 153، "الخزانة" 7/ 100، "اللسان" (خضر) 2/ 1185، و (عسف) 5/ 2943، و (ظلل) 5/ 2754، و (هوم) 8/ 2724، و"ديوان ذي الرمة" 1/ 401.

(١٠) في (ب)، (ج): (الأخضر) بسقوط الباء.

(١١) انظر: "تهذيب اللغة" (ظل) 3/ 2246، "اللسان" (ظلل) 5/ 2754.

(١٢) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 392، "تفسير الثعلبي" 1/ 74 ب، "مفردات الراغب" ص 365، "تفسير القرطبي" 1/ 346، "اللسان" (غمم) 6/ 3303.

(١٣) (عنا) ساقطة من (ب).

(١٤) في (ب): (تسقى).

(١٥) قاله الحطيئة يمدح سعيد بن العاص بن أمية، ورد في "اللسان" (غمم) 6/ 3303، وفي "ديوان الحطيئة" ص 248.

(١٦) في (ب): (لتغممه).

(١٧) في (ج): (صونه).

(١٨) (البلقاء) كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى، وفيها قرى كثيرة ومزارع، قال ياقوت: ومن البلقاء قرية الجبارين.

"معجم البلدان" 1/ 489، وذكر ابن جرير في هذه الآية عن السدي أنها (أريحا).

وفي القرية التي أمروا بدخولها خلاف يأتي في الآية بعدها.

(١٩) انظر "تفسير الطبري" 1/ 269، "تفسير أبي الليث" 1/ 357، "الثعلبي" 1/ 74 ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 75، "تفسير القرطبي" 1/ 406.

(٢٠) هكذا في جميع النسخ، وهذا اللفظ فيه تجوز، إذ لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه من الصفات الذاتية الفعلية، ثم نحن لا نعرف ما هي إرادة الله ببني إسرائيل.

والله أعلم.

(٢١) في (ب): (بهم).

(٢٢) ذكره الطبري 1/ 293، والزجاج في المعاني 2/ 109، والأزهري في "التهذيب" (منن) 4/ 3459، وقال ابن قتيبة (الطرنْجبين)، "غريب القرآن" ص 49، وقال الجوهري.

شيء حلو كالطَّرَنْجَبِيَن، الصحاح (منن) 6/ 2207، وقد قيل في المن: أقوال كثيرة ذكر الطبري في "تفسيره" بعضها، منها: قيل: إنه شراب مثل العسل، وقيل: هو العسل وقيل: الخبز الرقائق، وقيل: الزنجبيل، وقيل: هو ما يسقط على الشجر، انظر الآثار في الطبري 1/ 293 - 295 وانظر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 74 ب، "زاد المسير" 1/ 84، وقال ابن كثير بعد أن ذكر الأقوال: (والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن، فمنهم من فسره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب، والظاهر والله أعلم: أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كد ..) ابن كثير 1/ 101/ 102.

(٢٣) الجامس: الجامد.

"اللسان" (جمس) 2/ 677، وفي "تهذيب اللغة" (الحامس) == بالحاء، (من) 4/ 3459، وكذا في "اللسان" (منن) 7/ 4279.

وفي "الوسيط" (الجامس) 1/ 112.

(٢٤) في (أ)، (ج): (أسحارهم) وما في (ب) هو الصواب.

(٢٥) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" عن الليث من 4/ 3459، وانظر "اللسان" (منن) 7/ 4279.

(٢٦) الحديث أخرجه البخاري (4478) كتاب (التفسير) تفسير سورة البقرة باب ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ﴾ عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله  : "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين" الفتح (4639)، وفي تفسير سورة الأعراف، باب ﴿ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ﴾ (5708) كتاب (الطب) باب (المن شفاء للعين)، وأخرجه مسلم (2049) كتاب (الأشربة) (فضل الكمأة) عن سعيد بن زيد من عدة طرق، والترمذي (2066)، (2067)، (2068) أبواب (الطب) باب (الكمأة والعجوة) عن أبي سعيد وجابر وسعيد بن زيد وأبي هريرة.

عارضة الأحوذي بشرح الترمذي، وابن ماجة في كتاب الطب باب الكمأه والعجوة عن أبي سعيد وجابر وسعيد بن زيد وأبي هريرة وأحمد في مسندة عن سعيد بن زيد 1/ 187، 188، وعن أبي هريرة 2/ 301، 305، 325، 356، 357، 421، 488، 490، 511، وقد جمع طرقه ابن كثير في "تفسيره".

(٢٧) في (أ)، (ج): (أبو عبيد) والكلام لأبي عبيدة كما في "تهذيب اللغة" (من) 4/ 3459.

(٢٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 110، وانظر "تهذيب اللغة" (من) 4/ 3459.

(٢٩) في (أ) (السمان).

ذكره ابن جرير عن ابن عباس، والسدي، وقتادة، ومجاهد، ووهب، وابن زيد، والربيع بن أنس، وعامر، والضحاك.

الطبري في "تفسيره" 1/ 293 - 295، نحوه في "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 365، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 110، "تفسير الثعلبي" 1/ 75 أ، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 305.

(٣٠) "تهذيب اللغة" (سلا) 2/ 1726، وانظر "اللسان" (سلا) 4/ 2085، وقال الأخفش: لم يسمع له بواحد، وهو شبيه أن يكون واحده (سلوى) مثل جماعته.

"معاني القرآن" للأخفش 1/ 268، وكذا قال الفراء انظر "معاني القرآن"1/ 38.

(٣١) في (ج): (تلك).

(٣٢) صدره: وَإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ.

وورد في "تهذيب اللغة" (سلا) 2/ 1726، "اللسان" (سلا) 4/ 2085، والوسيط للمؤلف 1/ 112، "تفسير القرطبي" 1/ 408، "البحر المحيط" 1/ 205، "الدر المصون" 1/ 307، وهو غير منسوب في هذه المصادر.

(٣٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" عن المؤرج السدوسي 1/ 75 أ، وعن ابن الأعرابي: السلوى: طائر، وهو في غير القرآن: العسل، ونحوه عن ابن الأنباري "التهذيب" (سلا) 2/ 1726.

(٣٤) في (ب) (أبو عبيدة).

وكلام أبي عبيد في "تهذيب اللغة" (سلا) 2/ 1726، وانظر "اللسان" (سلا) 4/ 2085.

(٣٥) في (ب): (وقاسمهما).

(٣٦) البيت من قصيدة لخالد بن زهير يخاطب أبا ذؤيب الهذلي، في قصة حصلت بينهما == حول امرأة كانا يترددان عليها، ذكرها السكري في "شرح أشعار الهذليين".

و (السلوى) هاهنا: العسل، و (الشور): أخذ العسل من مكانه.

ورد البيت في "شرح أشعار الهذليين" 1/ 215، "تهذيب اللغة" (سلا) 2/ 1726، "تفسير الطبري" 8/ 141، "الصحاح" (سلا) 6/ 2381، "تفسير الثعلبي" 1/ 75 أ، "المخصص" 5/ 15، 14/ 241، "اللسان" (سلا) 4/ 2086، "تفسير القرطبي" 1/ 347، "البحر المحيط" 1/ 205، 4/ 279، "الدر المصون" 1/ 370، "فتح القدير" 1/ 138، "الخزانة" 5/ 82، "زاد المسير" 1/ 84.

(٣٧) في (ب): (بالقسيم).

والقاسم: هو أبو عبيد القاسم بن سلام، وكتابه هو (الغريب المصنف) من أجل كتب اللغة.

انظر: "طبقات النحويين واللغويين" ص 201، "إنباه الرواة" 3/ 14.

(٣٨) وقد غلط كذلك ابن عطية في "تفسيره" 1/ 306، وانظر "تفسير القرطبي" 1/ 348.

(٣٩) كذا ورد في (ب)، ولعل الصواب (والعسل ..).

(٤٠) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).

(٤١) ونحوه قال القرطبي في "تفسيره" في معرض رده على ابن عطية في تخطئته للهذلي: (وما ادعاه من الإجماع لا يصح، وقد قال المؤرج أحد علماء اللغة والتفسير: إنه العسل ...

وقال الجوهري: السلوى: العسل، وذكر بيت الهذلي ...) القرطبي 1/ 347 - 348، وقد مر قريبًا كلام المؤرج وأبي عبيد أنه بمعنى: العسل، انظر "الصحاح" (سلا) 6/ 2381.

(٤٢) قوله: (سحابة فمطرت) ساقط من (ب).

(٤٣) "تفسير الثعلبي" 1/ 75 ب، وانظر: "تفسير البغوي" 1/ 75، "البحر المحيط" 1/ 214.

(٤٤) انظر "تفسير الطبري"، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 306، "تفسير القرطبي" 1/ 348.

(٤٥) في (ب).

(حلالا).

(٤٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 110، "تفسير أبي الليث" 1/ 395، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 306، والبغوي في "تفسيره" 1/ 75، ورجح ابن جرير أن المعنى: كلوا من شهيات الذي رزقناكموه، قال: (لأنه وصف ما كان فيه القوم من هنئ العيش الذي أعطاهم، فوصف ذلك بـ (الطيب) الذي هو بمعنى اللذة أحرى من وصفه بأنه حلال مباح).

(٤٧) نحوه في "البحر المحيط" 1/ 215، وجمهور المفسرين على عموم المعنى، قالوا: وما ظلمونا بفعلهم المعصية وعدم شكرهم تلك النعم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

انظر "تفسير الطبري"، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 306، "الكشاف" 1/ 283، "زاد المسير" 1/ 48، "تفسير القرطبي" 1/ 348، والبيضاوي 1/ 26، والنسفي في "تفسيره" 1/ 129، "تفسير ابن كثير" 1/ 104.

(٤٨) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 75 أ، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 360، و"البغوي " 1/ 75، "البحر المحيط" 1/ 215، و"الخازن" 1/ 129.

(٤٩) في (ج): (طالمهم).

(٥٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٥١) لم أجده عن ابن عباس فيما اطلعت عليه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ ﴾ تعدى باللام لأنه تضمن معنى الانقياد ﴿ جَهْرَةً ﴾ عياناً ﴿ الصاعقة ﴾ الموت، وكانوا سبعين وهم الذين اختارهم موسى وحملهم إلى الطور، فسمعوا كلام الله، ثم طلبوا الرؤية فعوقبوا لسوء أدبهم، وجراءتهم على الله ﴿ وَظَلَّلْنَا ﴾ أي جعلنا الغمام فوقهم كالظلة يقيهم حرّ الشمس، وكان ذلك في التيه، وكذا أنزل عليه فيه المنّ والسلوى، تقدّم في اللغات ﴿ كُلُواْ ﴾ معمول لقول محذوف ﴿ هذه القرية ﴾ بيت المقدس، وقيل أريحاء، وقيل قريب من بيت المقدس ﴿ فَكُلُواْ ﴾ جاء هنا بالفاء التي للترتيب، لأن الأكل بعد الدخول، وجاء في الأعراف بالواو بعد قوله: اسكنوا، لأنّ الدخول لا يتأتى معه السجود، وقيل متواضعين ﴿ حِطَّةٌ ﴾ تقدّم في اللغات ﴿ وَسَنَزِيدُ ﴾ أي نزيدهم أجراً إلى المغفرة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بارئكم ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو من طريق أبي الزعراء، وعبد الرحمن بن عبدوس.

وقرأ أبو عمرو بالاختلاس ﴿ أنه هو ﴾ مدغماً: أبو عمرو غير عباس، وكذلك كل ما كان بينهما ياء أو واو ملفوظة مثل ﴿ ومن دونه هو ﴾ ﴿ وأنه هو ﴾ وأشباه ذلك.

﴿ حتى ﴾ حيث كان بالإمالة: نصير والعجلي ﴿ نرى الله ﴾ مكسورة الراء: روى ابن رومي عن عباس وأبو شعيب عن اليزيدي، وكذلك كل راء بعدها ياء استقبلها ألف ولام مثل ﴿ ولو يرى الذين ﴾ ﴿ والنصارى المسيح ﴾ ﴿ جهرة ﴾ مفتوحة الهاء: قتيبة ﴿ السلوى ﴾ بالإمالة الشديدة: حمزة وعلي وخلف.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة وكذلك كل كلمة على مثال "فعلى".

الوقوف: ﴿ فاقتلوا أنفسكم ﴾ (ط) ﴿ عند بارئكم ﴾ (ط) لأن التقدير ففعلتم ﴿ فتاب عليكم ﴾ (ط) ﴿ الرحيم ﴾ (ه) ﴿ تنظرون ﴾ (ه) ﴿ تشكرون ﴾ (ه) ﴿ السلوى ﴾ (ط) {ما رزقناكم (ط) ﴿ يظلمون ﴾ (ه) التفسير: إنه سبحان نبههم على عظم ذنبهم ثم على ما به يتخلصون منه، وذلك من أعظم النعم في الدين وأيضاً لما أمرهم بالقتل ورفع ذلك الأمر عنهم قبل فنائهم بالكلية، كان ذلك نعمة في حق أولئك الباقين وفي أعقابهم إلى زمن محمد  ، وأيضاً لما بين أن توبة أولئك ما تمت إلا بالقتل، ظهر أن بعثة محمد  لهم نعمة ورحمة لأنه لا يأمرهم بشيء من ذلك متى رجعوا عن كفرهم.

وفيه ترغيب لأمة محمد  في التوبة، فإن أمة موسى لما رغبوا في تلك التوبة مع نهاية مشقتها على النفس فلأن يرغب أحدنا في مجرد الندم كان أولى.

هذا وقد مر أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه إلا أنه لا بد فيه من تعدي ضرر، فبين ههنا أن الضرر إنما يعود على أنفسهم فبذلك استحقوا العذاب الأبدي.

والفرق بين الفاءات الثلاثة في الآية، أن الأولى للتسبيب لا غير لأن الظلم سبب التوبة.

والثانية للتعقيب إما لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم على أن التوبة مفسرة بقتل النفس في شرعهم لا بالندم، وإما لأن القتل تمام توبة المرتد في شرعهم، والمعنى فتوبوا فاتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم كما أن القاتل عمداً لا تتم توبته في شرعنا إلا بتسليم النفس حتى يرضى أولياء المقتول أو يقتلونه.

ومعنى ﴿ إلى بارئكم ﴾ النهي عن الرياء في التوبة كأنه قيل: لو أظهرتم التوبة لا عن القلب فأنتم ما تبتم إلى الله وإنما تبتم إلى الناس.

وقوله ﴿ ذَٰلكم ﴾ أي القتل ﴿ خير لكم عند بارئكم ﴾ جملة معترضة تفيد التنبيه على أن ضرر الدنيا أهون من عذاب الآخرة إذ لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

والموت لا بد واقع فليس في تحمل القتل إلا التقديم والتأخير.

والثالثة هي الفاء الفصيحة أي المفصحة عن محذوف تقديره: فامتثلتم فتاب عليكم.

وعلى هذا يكون الكلام خطاباً من الله  لهم على طريقة الالتفات، ويمكن أن يقال: المحذوف شرط منتظم في جملة قول موسى كأنه قال فإن فعلتم فقد تاب عليكم، وإنما اختص هذا الموضع بذكر البارئ لأن معناه كما مر في الأسماء الذين خلق الخلق على الوجوه الموافقة للمصالح والأغراض، ففيه تقريع لما كان منهم من ترك عبادة العليم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة برآء من التنافر مناسبة للحكم والمقاصد إلى عبادة العجل الذي هو مثل في البلادة والغباوة، فلا جرم كان جزاؤهم تفكيك ما ركب من خلقهم وتبديل.

من أشكالهم حين لم يشكروا النعمة في ذلك وغمطوها باتخاذ من لا يقدر على شيء منها.

والمراد بقتل الأنفس إما ما يقتضيه ظاهر اللفظ وهو أن يقتل كل واحد نفسه، والقتل اسم للفعل المؤدي إلى زهوق الروح في الحال أو في المآل.

وإما قتل بعضهم بعضاً وعليه المفسرون لقوله  ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم  ﴾ ﴿ ولا تلمزوا أنفسكم  ﴾ ﴿ فسلموا على أنفسكم  ﴾ وذلك أن المؤمنين كنفس واحدة.

ثم اختلفوا فقيل: إنه أمر من لم يعبد العجل من السبعين المختارين لحضور الميقات أن يقتل من عبد العجل منهم.

وقيل: لما أمرهم موسى  بالقتل أجابوا فأخذ عليهم المواثيق ليصبرن على القتل فأصبحوا مجتمعين كل قبيلة على حدة، وأتاهم هارون بالاثني عشر ألفاً الذين ما عبدوا العجل وبأيديهم السيوف فقال: إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين للسيوف فاجلسوا بأفنية بيوتكم واتقوا الله واصبروا، فلعن الله رجلاً قام من مجلسه أو مد طرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو رجل ويقولون آمين.

روي أن الرجل كان يبصر ولده ووالده وجاره وقريبه فلم يمكنه المضي لأمر الله، فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون تحتها، فجعلوا يقتلونهم إلى المساء.

وقام موسى وهارون يدعوان الله ويقولان: هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية يا الهنا.

فكشفت الضبابة والسحابة، وأوحى الله  إليه: قد غفرت لمن قتل، وتبت على من لم يقتل.

قالوا: وكانت القتلى سبعين ألفاً.

وقيل: كانوا قسمين: منهم من عبد العجل، ومنهم من لم يعبد.

ولكن لم ينكر على من عبده فأمر من لم يشتغل بالإنكار بقتل من اشتغل بالعبادة.

والقائلون بأن العجل عجل الهوى قالوا: معنى قتل الأنفس هو قمع الهوى لأن الهوى حياة النفس.

قوله: ﴿ وإذا قلتم يا موسى ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الواقعة كانت قبل أن كلف الله عبدة العجل بالقتل.

قال محمد بن إسحق: لما رجع موسى  من الطور إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما قال وأحرق العجل ونسفه في اليم، اختار سبعين رجلاً من خيارهم.

فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى: سل ربك حتى نسمع كلامه.

فسأل موسى ذلك فأجابه الله إليه، فلما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله، ودنا موسى  من ذلك الغمام حتى دخل فيه فقال للقوم: ادخلوا وعوا.

وكان موسى متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني إسرائيل النظر إليه.

وسمع القوم كلام الله مع موسى يقول له: افعل ولا تفعل.

ومن جملة الكلام "إني أنا الله لا إله إلا أنا ذو بكة، أخرجتكم من أرض مصر فاعبدوني ولا تعبدوا غيري".

فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه فقال القوم بعد ذلك ﴿ لن نؤمن لك ﴾ أي لن نصدقك ولن نقر بنبوتك ﴿ حتى نرى الله جهرة ﴾ عياناً، وهي مصدر قولك جهر بالقراءة والدعاء، كأن الذي يرى بالعين يجاهر بالرؤية، والذي يرى بالقلب يخافت بها.

وانتصابها على نحو انتصاب "قعد القرفصاء" لأن هذه نوع من الرؤية كما أن تلك نوع من القعود، ويحتمل أن يكون نصبها على الحال بمعنى ذوي جهرة.

ومن قرأ ﴿ جهرة ﴾ بفتح الهاء فإما لأنه مصدر كالغلبة، وإما لأنه جمع جاهر.

وإنما أكدوا بهذا لئلا يتوهم أن المراد بالرؤية العلم أو التخيل على ما يراه النائم ﴿ فأخذتكم الصاعقة ﴾ وهي ما صعقهم أي أماتهم.

فقيل: نار وقعت من السماء فأحرقتهم، وقيل: صيحة جاءت من السماء، وقيل: أرسل الله جنوداً سمعوا بحسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة.

وصعقة موسى في قوله ﴿ وخر موسى صعقاً  ﴾ لم تكن موتاً ولكن غشية بدليل ﴿ فلما أفاق  ﴾ والظاهر أنه أصابهم ما ينظرون إليه لقوله ﴿ وأنتم تنظرون ﴾ فرفع موسى يديه إلى السماء يدعو ويقول: إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلاً ليكونوا شهودي بقبول توبتهم فأرجع إليهم وليس معي أحد، فما الذي يقولون فيّ؟

فلم يزل يدعو حتى رد الله إليهم أرواحهم وذلك قولهم ﴿ ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ﴾ نعمة البعث بعد الموت، أو نعمة الله بعدما كفرتموها فطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم.

وقيل: إن هذه الواقعة كانت بعد القتل.

قال السدي: لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم، أمر الله أن يأتيه موسى في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادتهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلاً.

فلما أتوا الطور قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وماتوا، فقام موسى يبكي ويقول: يا رب، ماذا أقول لبني إسرائيل فإني أمرتهم بالقتل ثم اخترت من بينهم هؤلاء، فإذا رجعت إليهم ولا يكون معي أحد منهم فماذا أقول لهم؟

فأوحى الله إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل إلهاً.

فقال موسى: إن هي إلا فتنتك.

فأحياهم الله  فقاموا ونظر كل واحد إلى الآخر كيف يحييه الله  .

فقالوا: يا موسى إنك لا تسأل الله شيئاً، إلا أعطاك، فادعه يجعلنا أنبياء.

فدعا بذلك فأجاب الله دعوته.

هذا ما قاله المفسرون، وليس في الآية ما يدل على ترجيح أحد القولين على الآخر، ولا على أن الذين سألوا الرؤية عبدة العجل أم لا، والصحيح أن موسى لم يكن من جملة الصعقين في هذه الواقعة لأنه خطاب مشافهة، ولأنه لو تناوله لوجب تخصيصه بقوله في حق موسى ﴿ فلما أفاق  ﴾ مع أن لفظة "الإفاقة" لا تستعمل في الموت.

ثم في الآية فوائد منها: التحذير لمن كان في زمان نبينا  عن فعل ما يستحق بسببه أن يفعل به ما فعل بأولئك.

ومنها تشبيه جحودهم معجزات النبي  بجحود أسلافهم نبوة موسى  مع مشاهدتهم لعظم تلك الآيات ليتنبهوا أنه إنما لا يظهر على النبي  مثلها لعلمه بأنه لو أظهرها لجحودها، ولو جحدوها لاستحقوا العقاب كما استحقه أسلافهم.

ومنها التسلية للنبي  وتثبيت فؤاده كي يصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل.

ومنها إزالة شبهة من يقول إن نبوة محمد  لو صحت لكان أولى الناس بالإيمان به أهل الكتاب، حيث إنهم عرفوا خبره، وذلك أنه  بيَّن أن أسلافهم بعد مشاهدة تلك الآيات كانوا يرتدون كل وقت ويتحكمون عليه، فكيف يتعجب من مخالفتهم محمداً  وإن وجدوا في كتبهم أخبار نبوته  .

و منها لما أخبر محمد  عن هذه القصة مع كونه أمياً، تبين أن ذلك من الوحي.

بقي ههنا بحث وهو أن المعتزلة استدلوا بالآية على امتناع رؤية الله  لأنها لو كانت أمراً جائز الوقوع لم تنزل بهم العقوبة كما لم تنزل بهم حين التمسوا النقل من قوت إلى قوت في قولهم ﴿ لن نصبر على طعام واحد  ﴾ .

وأجيب بأن امتناع رؤيته في الدنيا لا يستلزم امتناع رؤيته في الآخرة الذي هو محل النزاع، فعل رؤيته تقتضي زوال التكليف عن العبد والدنيا مقام التكليف، وأيضاً اقتراح دليل زائد على صدق المدعي بعد ثبوته تعنت.

وأيضاً لا يمتنع أن الله  علم أن فيه مفسدة كما علم في إنزال الكتاب من السماء ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة  ﴾ فلهذا جاز الاستنكار لأن مطالبة الرؤية جهرة مطالعة الذات غفلة، وفيه من سوء الأدب وترك الحرمة ما لا يستحسنه قضية العزة والحشمة.

قوله  ﴿ وظللنا ﴾ أي جعلنا الغمام يظلكم وذلك في التيه كما سيجيء في المائدة، سخر الله لهم السحاب فيسير بسيرهم يظلهم من الشمس والظل ضوء ثان، وينزل عليه ثوب كالظفر يطول بطوله كما كان لآدم قبل الزلة، وينزل عليهم المن وهو الترنجبين مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لكل إنسان صاع لا أزيد، ويبعث الله الجنوب فتحشر عليهم السلوى وهي السماني، فيذبح الرجل منها ما يكفيه لا أزيد.

مجاهد: المن صمغ حلو.

وهب: هو الخبز السميذ.

الزجاج: هو ما منّ الله  به عليهم، وهذا كما يروى مرفوعاً "الكمأة من المن وفيها شفاء للعين" وقيل: السلوى العسل.

وقيل: طائر أحمر ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي وقلنا لهم كلوا ﴿ من طيبات ﴾ من حلالات ﴿ ما رزقناكم ﴾ وهذا للإباحة.

﴿ وما ظلمونا ﴾ يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم فجعلوا موضع الشكر كفراً، وما ظلمونا فاختصر الكلام بحذفه لدلالة وما ظلمونا عليه ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ لأن وبال الظلم عائد عليهم لا إلى غيرهم ولا إلى الله  .

وإنما قال ههنا وفي الأعراف والتوبة والروم بزيادة لفظة "كانوا" لأنها إخبار عن قوم ماتوا وانقرضوا بخلاف قوله في آل عمران ﴿ ولكن أنفسهم يظلمون  ﴾ لأنه مثل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله عز وجل: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ ﴾ .

وقيل: ظلمتم أَنفسكم باتخاذكم العجل إلهاً.

وقوله عز وجل: ﴿ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ ﴾ .

قيل: ارجعوا عن عبادة العجل إلى عبادة ربكم.

وقيل: ارجعوا عن اتخاذ العجل إلهاً إلى اتخاذ خالقكم إلهاً.

وقوله عز وجل: ﴿ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ .

قال الفقيه أَبو منصور - رحمه الله -: لولا اجتماع أَهل التأْويل والتفسير على صرف ما أَمر الله - جل وعز - إياهم بقتل أَنفسهم على حقيقته، وإلا لم نكن نصرف الأَمر بقتل أَنفسهم على حقيقة القتل؛ وذلك لأَن الأَمر بالقتل كان بعد التوبة، ورجوعهم إلى عبادة الله، والطاعة له، والخضوع.

دليله قوله عز وجل: - ﴿ وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ  ﴾ .

ظهر بهذا: أَنهم تابوا قبل أَن يؤمروا بالقتل.

وقد شرع على أَلسن الرسل: قتال الكفرة حتى يسلموا؛ فلا يجوز ذلك إِنْ أَسلموا، فيحصل الإرسال للقتل خاصة، لا للدين، والله أعلم.

ولأَن القتل هو عقوبة الكفر، لا عقوبة الإسلام، وخاصة قتل استئصال، على ما روي في الخبر: أَنْ قتل سبعون أَلفاً في يوم واحد.

وذلك استئصال وإهلاك، ولم يهلك الله قوماً إلا في حال الكفر والعناد؛ إذ الإسلام سبب درء القتل وإسقاطه؛ لأَن من يقتل لكفره إذا أَسلم سقط القتل عنه وزال، وكذلك إذا أَسلم وتاب ومات عليه، لم يعاقب في الآخرة لكفره في الدنيا.

فعلى ذلك: يجب ألا يعاقب هؤلاءِ في الدنيا - بالقتل - بعد التوبة والرجوع إلى عبادة الله وطاعته.

ويصرف الأَمر بالقتل، إلى إجهاد أَنفسهم بالعبادة لله، والطاعة له، واحتمال الشدائد والمشقة؛ لتفريطهم في عصيان ربهم، باتخاذهم العجل إلهاً، وبعبادتهم إياه دون الله.

وذلك جار في الناس، يقال: فلان يقتل نفسه في كذا، لا يعنون حقيقة القتل، ولكن: إجهاده نفسه في ذلك، وإتعابه إياها، واحتمال الشدائد والمشقة فيه.

فعلى ذلك، يصرف الأَمر بقتل أَنفسهم إلى ما ذكر، بالمعنى الذي وصفنا، والله أعلم.

ثم صرْف ذلك إلى حقيقة القتل احتمل وجهين: أَحدهما: أَن يجعل ذلك ابتداءَ محنة من الله -  - لهم بالقتل، لا عقوبة لما سبق من العصيان.

ولله أَن يمتحنهم - ابتداء - بقتل أَنفسهم؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ ﴾ الآية: [النساء: 66] على تأْويل كثير من المتأَولين في ذلك؛ إذْ لَه أَنْ يميتهم بجميع أَنواع الإِماتة.

فعلى ذلك: له أَن يأْمر بقتل أَنفسهم، وفيه إماتة، مع ما فيه الاستسلام لعظيم ما دعوا إليه، من بذل النفس لله، مما في مثله جعل وفاءِ إبراهيم الأَمر بالذبح، وبذل ولده النفس له.

فيكون في ذلك القدر وفاء وتوبة لا حقيقة القتل، والله أعلم.

والثاني: يجوز ذلك؛ لأَن عقوبات الدنيا وثوابها محنة، لجواز الامتحان بعد التوبة والرجوع إلى طاعة الله؛ لأَنها دار محنة.

وأَما عقوبات الآخرة وثوابها فليستا بمحنة؛ لأَنها ليست بدار امتحان؛ لذلك: جاز التعذيب في الدنيا بعد التوبة، ولم يجز في الآخرة إذا مات على التوبة، والله أعلم.

ثم قيل في قوله: ﴿ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ ، بوجوه: قيل: أُمروا ببذل الأَنفس للقتل، والتسليم له؛ فصاروا كأَن قد قتلوا أَنفسهم.

ويجوز أَن يكون الأَمر بقتل أَنفسهم أَمراً بمجاهدة الأَعداء، وإن كان فيها تلفهم على ما قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ ...

﴾ الآية [التوبة: 111] مذكور ذلك في التوراة.

وكذا قوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ  ﴾ نهى عن القتل الذي فيه قتل أنفسهم.

وقد قيل في قوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ بمعنى: أي لا تقتلوا مَن تَقتلون، فكأَنما قد قتلتم أنفسكم، وعلى هذا التأْويل خَرَّج أَبو بكر قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ .

والله الموفق.

وقيل: أمر بعضاً بقتل بعض، كقوله: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً  ﴾ أَي: يسلم بعضهم على بعض.

وقيل: أَمر كلَّ من عبد العجل بقتل نفسه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ﴾ .

قيل: إن التوبة خير لكم عند خالقكم.

وقيل: قتلكم أنفسكم خير لكم من لزوم عبادة العجل.

ويحتمل: عبادة الرب - عز وجل - خير لكم من عبادة العجل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

وقد ذكرنا المعنى في ذلك فيما تقدم.

وفي بذل أَنفسهم للقتل، والصبر عليه، وكف أيديهم عن الدفع، والممارسة - فيه وجهان: أَحدهما: أَنه كأَنهم طبعوا على أَخلاق البهائم والدواب.

وذلك أَن موسى  استنقذهم من خدمة فرعون وآله، ونجاهم من الشدائد التي كانت عليهم، ولحوق الوعيد بهم، وأَراهم من الآيات العجيبة: من آية العصا، واليد البيضاءِ، وفَرق البحر، وإهلاك العدو فيه، وتفجير الأَنهار من حجر واحد، وغير ذلك من الآيات ما يكثر ذكرها، أَن لو كانت واحدة منها لكفتهم، ودلتهم على صدقه ونُبُوته.

ثم - مع ما أَراهم من الآيات - إذا فارقهم، دعاهم السامري إلى عبادة العجل، واتخاذه إلهاً، كقوله: ﴿ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ  ﴾ فأجابوه إلى ذلك، وأَطاعوه.

وكان هارون - صلوات الله على نبينا وعليه - فيهم، يقول: ﴿ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي  ﴾ ، فلم يجيبوه ولا صدقوه، ولا اكترثوا إليه، مع ما كان هارون من أَحب الناس إليهم.

فلولا أَنهم كانوا مطبوعين على أَخلاق البهائم والدواب، وإلا ما تركوا إجابته، ولا عبدوا العجل، مع ما أُروا من الآيات التي ذكرنا.

فإذا كان إلى هذا يرجع أَخلاقهم لم يبالوا ببذل أَنفسهم للقتل، والله أَعلم، ونحو ذلك قوله: ﴿ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  ﴾ .

وعلى ذلك جعلت آيات موسى كلها حسية لا عقلية؛ إذ عقولهم كادت تقصر عن فهم المحسوس ودركه، فضلاً عن المستدل عليه، والله أعلم.

والثاني: يحتمل أَن أُروا ثواب صبرهم على القتل في الآخرة، وجزيل جزائهم، وكريم مآبهم؛ فهان ذلك عليهم وخف.

كما روي أن امرأَة فرعون لما علم فرعون - لعنه الله - بعبادتها ربها، وطاعتها له، أَمر أَن تُعاقب بأَشد العقوبات، فَفُعِل بها فضحكت في تلك الحال، لما أُريت مقامها في الجنة، وكريم مآبها؛ فهان ذلك عليها وسهل.

فعلى ذلك يحتمل بذل هؤلاء أَنفسهم للقتل، والصبر عليه لذلك، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ﴾ .

قال بعضهم: قال الذين اختارهم موسى - وكانوا سبعين رجلاً - لن نُصدقك بالرسالة والتوراة حتى نرى الله جهرة، يخبرنا أَنَّه أَنزلها عليك.

ويحتمل: لن نؤمن لك أَنه إله، ولا نعبده حتى نراه جهرة عياناً.

فاحتج بعض من ينفي الرؤية في الآخرة بهذه الآية؛ حيث أَخذتهم الصاعقة لما سأَلوا الرؤية.

قالوا: فلو كان يجوز أَن يُرى لكان لا تأْخذهم الصاعقة، ولا استوجبوا بذلك العذاب والعقوبة.

وأَما عندنا، فإنه ليس في الآية دليل نفي الرؤية، بل فيها إثباتها.

وذلك أَن موسى -  - لما سئل الرؤية لم ينههم عن ذلك، ولا قال لهم: لا تسأَلوا هذا.

وكذلك سأَل هو ربه الرؤية، فلم ينهه عنها، بل قال: ﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي  ﴾ وإذا صرف الوعد لا يجوز ذلك، لو كان لا يحتمل؛ لأَنه كفرٌ، ومحال ترك النهي عنه.

وكذلك ما روي في الأَخبار: من سؤال الرؤية لرسول الله  حيث قالوا: أَنرى ربنا؟

لم يأْت عنه النهي عن ذلك، ولا الرد عليهم؛ فلو كان لا يكون لنُهوا عن ذلك ومنعوا.

وإنما أَخذ هؤلاء الصاعقةُ بسؤالهم الرؤية؛ لأَنهم لم يسألوا سؤال استرشاد، وإنما سأَلوا سؤال تعنت.

دليل التعنت، فما جاءَ من الآيات، من وجه الكفاية لمن يُنْصف؛ لذلك أَخذتهم الصاعقة، والله أعلم.

أَو أَن يقال: أَخذتهم الصاعقة بقولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ ﴾ ، لا بقولهم: ﴿ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ﴾ .

وسنذكر هذه المسألة فى موضعها، إن شاءَ الله  .

وقوله: ﴿ فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ ﴾ .

قيل: الصاعقة كل عذاب فيه هلاك.

لكن الهلاك على ضربين: هلاك الأَبدان والأَنفس.

وهلاك العقل والذهن، كقوله: ﴿ وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً  ﴾ قيل: مغشيّاً.

وفيه هلاك الذهن والعقل؛ وكذلك قوله: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أَي غشى.

والله أعلم.

وقيل: الصعقة: صياح شديد.

وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: تعلمون أَن الصاعقة قد أَخذتهم وأَهلكتهم بقولهم الذي قالوا؛ فكونوا أَنتم على حذر من ذلك القول.

وقيل: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ - الخطابُ لأُولئك الذين أَخذتهم الصاعقة - أَي: تنظرون إلى الصاعقة وقت أَخذتها لكم، أَي: لم تأْخذكم فجأَة، ولا بغتة، ولكن عياناً جهاراً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ﴾ .

يذكرهم - عز وجل - عظيم مِنَّته عليهم، وجزيل عطائه لهم؛ ببعثهم بعد الموت، وتظليل الغمام عليهم، وإنزال المن والسلوى من السماءِ لهم، وذلك مما خصوا به دون غيرهم.

ثم ما كان لنا من الموعود في الجنة، فكان ذلك لهم في الدنيا معاينة، من نحو البعث بعد الموت ومن الظل الممدود، والطير المشوي، والثياب التي كانت لا تبلى عليهم ولا تتوسخ؛ فذلك كله مما وعد لنا في الجنة، وكان لهم في الدنيا معاينة يعاينون.

مع ما كان لهم هذا لم يجيبوا إلى ما دعوا، ولا ثبتوا على ما عاهدوا، وذلك لقلة عقولهم، وغلظ أَفهامهم، ونشوئهم على أَخلاق البهائم والدواب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ما لم يحل لهم الفضل على حاجتهم، فأَباح لهم القدر الذي لهم إليه حاجة، وسماه طيبات.

ويحتمل أَنه سماه طيبات؛ لما لا يشوبه داء يؤذيهم، ولا أَذى يضرهم، ليس كطعام الدنيا مما لا يسلم عن ذلك، والله أعلم.

وقد قيل: الطيب هو المباح الذي يستطيبه الطبع، وتتلذذ به النفس.

وقوله: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ...

﴾ الآية.

وقد ذكرنا معنى الظلم فيما تقدم.

وقَدْ يحتمل وجهاً آخر: وهو النقصان؛ كقوله: ﴿ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً  ﴾ أي: لم تنقص منه.

وحاصل ما ذكرنا: أَن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وكل ما ذكرنا يرجع إلى واحد.

وقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ ﴾ .

اختلف في تلك القرية: قيل: إنها بيت المقدس، كقوله: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ  ﴾ .

أُمروا بالدخول فيها، والمقام هنالك؛ لسعة عيشهم فيها ورزقهم؛ إذ هو الموصوف بالسعة والخصب.

وقيل: إن تلك القرية التي أُمروا بالدخول، والمقام هنالك، هي قرية على انقضاء التيه، والخروج منها.

غير أَن ليس لنا إلى معرفة تلك القرية حاجة، وإنما الحاجة إلى تعرف الخلاف الذي كان منهم، وما يلحقهم بترك الطاعة لله والائتمار، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ﴾ .

والرغد قد ذكرنا فيما تقدم: أَنه سعة العيش، وكثرة المال.

وقوله: ﴿ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً ﴾ .

يحتمل المراد من الباب: حقيقة الباب، وهو باب القرية التي أُمروا بالدخول فيها.

ويحتمل المراد من الباب: القرية نفسها، لا حقيقة الباب؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ ﴾ ذكر القرية ولم يذكر الباب، وذلك في اللغة سائغ، جائز، يقال: فلان دخل في باب كذا، لا يعنون حقيقة الباب، ولكن: كونه في أَمر هو فيه.

وقوله: ﴿ سُجَّداً ﴾ .

يحتمل المراد من السجود: حقيقة السجود؛ فيخرج على وجوه: يخرج على التحية لذلك المكان.

ويخرج على الشكر له؛ لما أَهلك أَعداءَهم الذين كانوا فيها، لقوله: ﴿ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ  ﴾ .

ويحتمل: حقيقة السجود؛ لما روي عن أَبي هريرة -  - عن رسول الله  قال: "إنَّ بني إسرائيل أُمروا بالدخول سُجداً فدخلوا منحرفين" فما أَصابهم إنما أَصاب بخلافهم أَمر الله.

ويحتمل: الكناية عن الصلاة؛ إذ العرب قد تسمى السجود صلاةً؛ كأنهم أُمروا بالصلاة بها.

ويحتمل الأَمر بالسجود: لا حقيقة السجود والصلاة، ولكن: أَمر بالخضوع له والطاعة، والشكر على أَياديه التي أَسدى إليهم وأَنزل: من سعة التعيش، والتصرف فيها في كل حال، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ ﴾ .

قيل بوجهين: قيل: الحطةُ: هو قول: لا إله إلا الله، سميت حطة؛ لأَنها تحط كل خطيئة كانت من الشرك وغيره؛ فكأَنهم أمروا بالإيمان والإسلام.

وقيل: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ : أَي اطلبوا المغفرة والتجاوز عما ارتكبوه من المآثم والخطايا، والندامة على ما كان منهم؛ فكأَنهم أمروا أَن يأْتوا بالسبب الذي به يغفر الذنوب، وهو الاستغفار، والتوبة، والندامة على ذلك، والله أعلم.

وذلك يحتمل الشرك، والكبائر، وما دونهما.

ذكر - عز وجل - مرة خطايا، ومرة خطيئات، ومرة قال: ادخلوا، ومرة قال: اسكنوا، ومرة قال: فأَنزلنا، ومرة قال: فأَرسلنا - والقصة واحدة - حتى يعلم: أَن ليس في اختلاف الأَلفاظ والأَلسن تغيير المعنى والمراد.

وأَن الأَحكام والشرائع التي وضعت لم توضع للأَسامي والأَلفاظ، ولكن للمعاني المدرجة والمودعة فيها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

يحتمل المراد من المحسنين: المسلم الذي كان أَسلم قبل ذلك.

ويحتمل: الذي أَسلم بعد قوله: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ ، وكان كافراً إلى ذلك الوقت.

والزيادةُ تَحتمل: التوفيق بالإحسان من بعد، كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ...

﴾ الآية [الليل: 5].

ويحتمل: الثواب على ما ذكر من قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ...

﴾ الآية [القصص: 54].

وقوله: ﴿ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ ﴾ .

قوله: "بَدَّلَ" يحتمل: إحداث ظلم، بعد أَن لم يكن، والخلاف لما أَمرهم به عز وجل.

ويحتمل: نشوءَهم على غير الذي قيل لهم.

ولم يبين: ما ذلك القول الذي بدلوا؟

وليس لنا - إلى معرفة ذلك القول - حاجة؛ إنما الحاجة إلى معرفة ما يلزمهم بالتبديل، وترك العمل بأَمره، وإظهار الخلاف له، فقد تولى الله بيان ذلك بفضله، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

قيل: "الرجز" هو العذاب المنزل من السماء على أَيدي الملائكة؛ لأَن من العذاب ما ينزل على أَيدي الملائكة كعذاب قوم لوط وغيره.

ومنه عذاب ينزل من السماء - لا على أَيدي أَحد - نحو: الصاعقة، والصيحة، ونحوهما.

وقوله: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ .

مرة ذكر "يَفْسُقُونَ"، ومرة ذكر "يَظْلِمُونَ"، وهو واحد.

وفي هذه الآيات التي ذكرناها، والأنباء التي وصفنا - دلالةُ رسالة محمد  وإِثباتُ نبوته.

وذلك أَن أَهل لكتاب كانوا عرفوا هذه الأَنباء بكتبهم، وكان رسول الله  يذكر ذلك بمشهدهم، كما في كتابهم، ولم يكن ظهر منه اختلاف إليهم، ولا درس كتابهم؛ فدل: أنه بالله عرف، وكان فيها تسكين قلب رسول الله  والتصبر عليه؛ لظهور الخلاف له من قومه، وترك طاعتهم إياه، وأن ذلك ليس بأَول خلاف كان له من قومه، ولا أَول تكذيب، بل كان من الأُمم السالفة لأَنبيائهم ذلك، فصبروا عليه؛ فاصبر أَنت كما صبروا؛ كقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ...

﴾ الآية [الأحقاف: 35].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن نعمنا عليكم أن أرسلنا السحاب يظلكم من حر الشمس لمّا تُهْتُم في الأرض، وأنزلنا عليكم من نعمنا شرابًا حلوًا مثل العسل، وطائرًا صغيرًا طيب اللحم يشبه السُّمَانى، وقلنا لكم: كلوا من طيبات ما رزقناكم.

وما نقصونا شيئًا بجحدهم هذه النعم وكفرانها، ولكن ظلموا أنفسهم بنقص حظها من الثواب وتعريضها للعقاب.

من فوائد الآيات عِظَمُ نعم الله وكثرتها على بني إسرائيل، ومع هذا لم تزدهم إلا تكبُّرًا وعنادًا.

سَعَةُ حِلم الله تعالى ورحمته بعباده، وإن عظمت ذنوبهم.

الوحي هو الفَيْصَلُ بين الحق والباطل.

<div class="verse-tafsir" id="91.MnB5a"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

في هذه الآيات ضرب من ضروب التذكير غير ما سبقه، ومن البلاغة والحكمة أن يجيء تاليًا له ومتأخرًا عنه: مهد أولًا للتذكير تمهيدًا يسترعي السمع، ويوجه الفكر ويستميل القلب، وهو الابتداء بذكر النعمة مجملة والتفضيل على العالمين ولا يرتاح الإنسان لحديث كحديث مناقب قومه ومفاخرهم.

ثم طفق يفصل النعمة ويشرحها، فبدأ بذكر فرد من أفرادها لا يقترن به ذكر سيئة من سيئاتهم وهو تنجيتهم من ظلم آل فرعون، ولكن ذكر معه أكبر ضروب ذلك الظلم وهو قتل الأبناء، يخفض من عتو تلك النفوس المعجبة المتكبرة التي تعتقد أن الله لا يسود عليهم شعبًا آخر، وهو مع هذا لا ينفر بها عن الإصغاء والتدبر، لأنه لم يفاجئها بشيء فيه نسبة التقصير وعمل السوء إليها.

ثم ثنى بذكر نعمة خاصة خالصة تسكن النفس إلى ذكرها، إذ لا يشوب الفخر بها تنغيص من تذكر غضاضة تتصل بواقعتها، وهي فرق البحر بهم، وإنجاؤهم، وإغراق عدوهم.

لا جرم أن نفوس الإسرائيليين كانت تهتز وتأخذها الأريحية عندما تلا عليهم النبي  هذه الآية لما فيها من الشهادة بعناية الله تعالى بهم، ولاسيما إذا قارنوا بين هذا التذكير وبين تذكير مشركي العرب بتلك القوارع الشديدة.

لم يتركها بعد هذه الهزة تجمح في عجبها وفخرها، وتتمادى في إبائها وزهوها، بل عقب فذكر بعد هذه النعمة سيئة لهم هي كبرى السيئات التي ظلموا بها أنفسهم وكفروا نعمة ربهم وهي اتخاذ العجل إلهًا، وقدم على ذكرها خبر مواعدة موسى وهي من النعم، وختمها بذكر العفو، ثم قفى عليها بذكر نعمة إيتائهم الكتاب والفرقان، وهذا ما يجعل أنفس السامعين الواعين قلقة يتنازعها شعور اعتراف المذكر الواعظ لها بالشرف، وشعور رميه إياها بالظلم والسرف.

بعد هذا كله استعدت تلك النفوس لأن تسمع آيات مبدوءة بذكر سيئاتها من غير تمهيد ولا توطئة فانتقل الكلام إلى هذا الضرب من التذكير مبدوءًا بقوله تعالى ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ  ﴾ أي واذكر أيها الرسول فيما تلقيه على بني إسرائيل وغيرهم إذ قال موسى لقومه الذين اتخذوا من حليهم عجلًا عبدوه إذ كان يناجي ربه في الميقاتين الزماني والمكاني ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ  ﴾ إلهًا عبدتموه.

والقصة مفصلة في سورتي الأعراف وطه المكيتين لأن قصة موسى فيهما مقصودة بالذات، وأما ما هنا فهو تذكير لبني إسرائيل بما تقدم وجهه في سياق دعوتهم إلى الإسلام ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ  ﴾ أي فتوبوا إلى خالقكم الذي لا يجوز أن تعبدوا معه إلهًا آخر هو أدنى منكم، وهو من خلقكم، أن تقديركم وصنعكم، وذلك بأن يقتل بعضكم بعضًا، فإن قتل المرء لأخيه كقتله لنفسه، ويحتمل اللفظ أن يكون معناه ليبخع كل من عبد العجل نفسه انتحارًا.

والتوبة هي محو أثر الرغبة في الذنب من لوح القلب، والباعث عليها هو شعور التائب بعظمة من عصاه وما له من السلطان عليه في الحال، وكون مصيره إليه في المآل، لا جرم أن الشعور بهذا السلطان الإلهي بعد مقارفة الذنب يبعث في قلب المؤمن الهيبة والخشية ويحدث في روحه انفعالًا مما فعل وندمًا على صدوره عنه، ويزيد هذا الحال في النفس تذكر الوعيد على ذلك الذنب، وما رتبه الله عليه من العقوبة في الدنيا والآخرة.

هذا أثر التوبة في النفس، وهذا الأثر يزعج التائب إلى القيام بأعمال تضاد ذلك الذنب الذي تاب منه وتمحو أثره السيئ ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ  ﴾ .

فمن علامة التوبة النصوح الإتيان بأعمال تشق على النفس، وما كانت لتأتيها لولا ذلك الشعور الذي يحدثه الذنب.

وهذه العلامة لا تتخلف عن التوبة سواء كان الذنب مع الله تعالى أو مع الناس.

ألا ترى أن أهون ما يكون من إنسان يذنب مع آخر يباهي به أن يجيء معترفًا بالذنب معتذرًا عنه؟

وهذا ذل يشق على النفس لا محالة، وقد أمر بنو إسرائيل بأشق الأعمال في تحقيق التوبة من أكبر الذنوب وهو الرغبة عن عبادة من خلقهم وبرأهم إلى عبادة ما عملوا بأيديهم.

وقد قال ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ  ﴾ لينبههم إلى أن الإله الحقيقي هو الخالق البارئ ليتضمن الأمر الاحتجاج عليهم والبرهان على جهلهم.

ذلك العمل الذي أمرهم به موسى هو قتل أنفسهم، والقصة في التوراة التي بين أيديهم إلى اليوم: دعا موسى إليه من يرجع إلى الرب، فأجابه "بنو لاوي" فأمرهم بأن يأخذوا السيوف ويقتل بعضهم بعضًا ففعلوا، وقتل في ذلك اليوم "نحو ثلاثة آلاف "وقال مفسرنا" الجلال"- كغيره- الذين قتلوا سبعون ألفًا، والقرآن لم يعين العدد، والعبرة المقصودة من القصة لا تتوقف على تعيينه فنمسك عنه.

قال تعالى ﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ  ﴾ لأنه يطهركم من رجس الشرك الذي دنستم به أنفسكم ويجعلكم أهلًا لما وعدكم به في الدنيا ولمثوبته في الآخرة وقوله ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ  ﴾ من كلام الله تعالى لا تتمة لكلام موسى  في الظاهر وهو معطوف على محذوف تقديره ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم ﴿ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  ﴾ أي إنه هو وحده الكثير التوبة على عباده بتوفيقهم لها وقبولها منهم، وإن تعددت قبلها جرائمهم، الرحيم بهم، ولولا رحمته لعجل بإهلاكهم ببعض ذنوبهم الكبرى ولاسيما الشرك به.

﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ أي واذكروا إذ قلتم لنبيكم: يا موسى لن نصدق بما جئت به تصديق إذعان واتباع حتى نرى الله عيانًا جهرة فيأمرنا بالإيمان لك، ﴿ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ  ﴾ أي فأخذت القائلين ذلك منكم الصاعقة وأنتم تنظرون ذلك بأعينكم، وسيأتي بيان هذا التفصيل في سورة الأعراف، فالقصة هنالك مقصودة بكل ما فيها من فائدة وعبرة، وإنما المراد بها هنا التذكير كما تقدم.

سؤال بني إسرائيل رؤية الله تعالى واقعة مستقلة لا تتصل بمسألة عبادة العجل، وهي معروفة عند بني إسرائيل ومنصوصة في كتابهم، وذلك أن طائفة منهم قالوا لماذا اختص موسى وهارون بكلام الله تعالى من دوننا؟!

وانتشر هذا القول في بني إسرائيل وتجرأ جماعة منهم بعد موت هارون وهاجوا على موسى وبني هارون وقالوا لهم إن نعمة الله على شعب إسرائيل هي لأجل إبراهيم وإسحاق فتشمل جميع الشعب، وقالوا لموسى لست أفضل منا فلا يحق لك أن تترفع وتسود علينا بلا مزية، وإننا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهوة.

فأخذهم إلى خيمة العهد فانشقت الأرض وابتلعت طائفة منهم وجاءت نار من الجانب الآخر فأخذت الباقين، وهذه النار هي المعبر عنها بالصاعقة، وهل ثمة من نار غير الاشتغال بالكهرباء وهو ما تحدثه الصاعقة التي تحدث الانشقاق في الأرض أيضًا؟

وقد أخذ هذا العذاب تلك الطائفة والآخرون ينظرون، وهكذا كان بنو إسرائيل يتمردون ويعاندون موسى  وكان سوط عذاب الله يصب عليهم، فرموا بالأمراض والأوبئة وسلطت عليهم الهوام وغيرها حتى أماتت منهم خلقًا كثيرًا.

فمجاحدتهم ومعاندتهم للنبي  لم تكن بدعًا من أعمالهم.

قال تعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدَ مَوتِكُم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونُ  ﴾ إن المراد بالبعث هو كثرة النسل، أي أنه بعدما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها وظن أن سينقرضوا بارك الله في نسلهم ليعد الشعب بالبلاء السابق للقيام بحق الشكر على النعم التي تمتع بها الآباء الذين حل بهم العذاب بكفرهم لها.

والعبرة الاجتماعية في الآيات أن الخطاب في كل ما تقدم كان موجهًا إلى الذين في عصر التنزيل، وأن الكلام عن الأبناء والآباء واحد لم تختلف فيه الضمائر حتى كأن الذين قتلوا أنفسهم بالتوبة والذين صعقوا بعد ذلك هم المطالبون بالاعتبار وبالشكر، وما جاء الخطاب بهذا الأسلوب ألا لبيان معنى وحدة الأمة واعتبار أن كل ما يبلوها الله به من الحسنات والسيئات وما يجازيها من النعم والنقم إنما يكون لمعنى موجود فيها يصح أن يخاطب اللاحق منها بما كان للسابق كأنه وقع به، ليعلم الناس أن سنة الله تعالى في الاجتماع الإنساني أن تكون الأمم متكافلة يعتبر كل فرد منها سعادته بسعادة سائر الأفراد وشقاءه بشقائهم، ويتوقع نزول العقوبة به إذا فشت الذنوب في الأمة وإن لم يواقعها هو ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَةً  ﴾ وهذا التكافل في الأمم هو المعراج الأعظم لترقيها لأنه يحمل الأمة التي تعرفه على التعاون على الخير والمقاومة للشر فتكون من المفلحين.

بعد هذا ذكر الله تعالى نعمة أخرى بل نعمتين من النعم التي مَنَّ بها على بني إسرائيل فكفروا بها ولكنه لم يذكر ما كان به الكفران، بل طواه وأشار إليه بما ختم به الآية من أنهم لم يظلموا الله تعالى بذلك الذنب المطوي وإنما ظلموا أنفسهم، وهذا أسلوب آخر من أساليب البيان في التذكير، وضرب من ضروب الإيجاز التي هي أقوى دعائم الإعجاز.

أما النعمة الأولى فقوله تعالى: ﴿ وَظَلَّلنَا عَلَيكُمْ الغَمَامَ  ﴾ هذه نعمة مستقلة متصلة بما قبلها في سياق الذكرى، منفصلة عنها في الوقوع، فإن التظليل استمر إلى دخولهم أرض الميعاد، ولولا أن ساق الله إليهم الغمام يظللهم في التيه لسفعتهم الشموس ولفحت وجوههم.

ولا معنى لوصف الغمام بالرقيق كما قال المفسر "الجلال" وغيره: بل السياق يقتضي كثافته إذ لا يحصل الظل الظليل، الذي يفيده حرف التظليل، إلا بسحاب كثيف بمنع حر الشمس ووهجها.

وكذلك لا تتم النعمة التي بها المنة إلا بالكثيف وهو المنقول المعروف عند الإسرائيليين أنفسهم.

وأما النعمة الثانية ففي قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمْ المَنَّ وَالسَّلْوَى  ﴾ ما منح الله تعالى يسمى إيجاده إنزالًا ومنه ﴿ وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ  ﴾ على أن المن ينزل كالندى وهو مادة لزجة حلوة تشبه العسل تقع على الحجر وورق الشجر مائعة ثم تجمد وتجف فيجمعها الناس، ومنها الترنجين وبه فسر المن مفسرنا وغيره.

وأما السلوى فقد فسروها بالسماني وهو الطائر المعروف، فمعنى النزول يصح فيه على حقيقته أيضًا.

وظاهر أن قوله تعالى: ﴿ كَلَوا مِنْ طَيِبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ  ﴾ مقدر فيه القول.

وفي "سفر الخروج" أن بني إسرائيل أكلوا المن أربعين سنة وأن طعمه كالرقاق بالعسل وكان لهم بدلًا من الخبز وليس المراد أنه لم يكن لهم أكل سواه إلا السلوى، فقد كان معهم المواشي ولكنهم كانوا محرومين من النبات والبقول كما يعلم مما يأتي.

وفي قوله تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  ﴾ تقرير لقاعدة مهمة وهي أن كل ما يطلبه الدين من العبد فهو لمنفعته، وكل ما ينهاه عنه فإنما يقصد به دفع الضرر عنه، ولن يبلغ أحد نفع الله فينفعه، ولن يبلغ أحد ضره فيضره، كما ثبت في الحديث القدسي.

فكل عمل ابن آدم له أو عليه (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله