الآية ٩٢ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٩٢ من سورة البقرة

۞ وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ ٩٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٢ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ولقد جاءكم موسى بالبينات ) أي : بالآيات الواضحات والدلائل القاطعة على أنه رسول الله ، وأنه لا إله إلا الله .

والبينات هي : الطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، والعصا ، واليد ، وفلق البحر ، وتظليلهم بالغمام ، والمن والسلوى ، والحجر ، وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها ( ثم اتخذتم العجل ) أي : معبودا من دون الله في زمان موسى وآياته .

وقوله ( من بعده ) أي : من بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة الله كما قال تعالى : ( واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ) [ الأعراف : 148 ] ، ( وأنتم ظالمون ) [ أي وأنتم ظالمون ] في هذا الصنيع الذي صنعتموه من عبادتكم العجل ، وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله ، كما قال تعالى : ( ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ) [ الأعراف : 149 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ولقد جاءكم موسى بالبينات)، أي جاءكم بالبينات الدالة على صدقه وصحة نبوته، (48) كالعصا التي تحولت ثعبانا مبينا, ويده التي &; 2-355 &; أخرجها بيضاء للناظرين.

وفلق البحر ومصير أرضه له طريقا يبسا, والجراد والقمل والضفادع, وسائر الآيات التي بينت صدقه وصحة نبوته.

(49) وإنما سماها الله " بينات " لتبينها للناظرين إليها أنها معجزة لا يقدر على أن يأتي بها بشر، إلا بتسخير الله ذلك له.

وإنما هي جمع " بينة "، مثل " طيبة وطيبات ".

(50) * * * قال أبو جعفر: ومعنى الكلام: ولقد جاءكم - يا معشر يهود بني إسرائيل - موسى بالآيات البينات على أمره وصدقه وصحة نبوته.

(51) * * * وقوله: " ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون " يقول جل ثناؤه لهم: ثم اتخذتم العجل من بعد موسى إلها.

فالهاء التي في قوله: " من بعده "، من ذكر موسى.

وإنما قال: من بعد موسى, لأنهم اتخذوا العجل من بعد أن فارقهم موسى ماضيا إلى ربه لموعده - على ما قد بينا فيما مضى من كتابنا هذا.

(52) وقد يجوز أن تكون " الهاء " التي في" بعده " إلى ذكر المجيء.

فيكون تأويل الكلام حينئذ: ولقد جاءكم موسى بالبينات، ثم اتخذتم العجل من بعد مجيء البينات وأنتم ظالمون.

كما تقول: جئتني فكرهته، يعني كرهت مجيئك.

* * * وأما قوله: (وأنتم ظالمون)، فإنه يعني بذلك أنكم فعلتم ما فعلتم من عبادة العجل وليس ذلك لكم، وعبدتم غير الذي كان ينبغي لكم أن تعبدوه.

لأن العبادة لا تنبغي لغير الله.

وهذا توبيخ من الله لليهود, وتعيير منه لهم, وإخبار منه لهم أنهم إذا كانوا فعلوا ما فعلوا - من اتخاذ العجل إلها وهو لا يملك لهم ضرا ولا نفعا, بعد الذي علموا أن ربهم هو الرب الذي يفعل من الأعاجيب وبدائع الأفعال &; 2-356 &; ما أجراه على يدي موسى صلوات الله عليه، من الأمور التي لا يقدر عليها أحد من خلق الله, ولم يقدر عليها فرعون وجنده مع بطشه وكثرة أتباعه, وقرب عهدهم بما عاينوا من عجائب حِكَم الله - فهم إلى تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وجحود ما في كتبهم = التي زعموا أنهم بها مؤمنون = من صفته ونعته، مع بعد ما بينهم وبين عهد موسى من المدة - أسرع (53) وإلى التكذيب بما جاءهم به موسى من ذلك أقرب.

-------------- الهوامش : (48) في المطبوعة : "وحقية نبوته" ، وليست مما يقوله أبو جعفر ، وقد مضى آنفًا مثل هذا التبديل من النساخ ، وكان في المخطوطة العتيقة ، على مثل الذي أثبته ، وانظر ما سلف 2 : 318 .

(49) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 318 ، 354 .

(50) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 318 ، 319 .

(51) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 318 ، 354 .

(52) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 60 - 69 .

(53) سياق هذه الجملة المفصلة : .

.

"وإخبار منه لهم أنهم إذا كانوا فعلوا ما فعلوا .

.

فهم إلى تكذيب محمد .

.

.

أسرع" ، وكل ما بين ذلك فصول متتابعة كدأبه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون[ ص: 31 ] قوله تعالى : ولقد جاءكم موسى بالبينات اللام لام القسم .

والبينات قوله تعالى : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات وهي العصا ، والسنون ، واليد ، والدم ، والطوفان ، والجراد والقمل ، والضفادع ، وفلق البحر .

وقيل : البينات التوراة ، وما فيها من الدلالات .قوله تعالى : ثم اتخذتم العجل توبيخ ، و " ثم " أبلغ من الواو في التقريع ، أي بعد النظر في الآيات والإتيان بها اتخذتم .

وهذا يدل على أنهم إنما فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآيات ، وذلك أعظم لجرمهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ } أي: بالأدلة الواضحات المبينة للحق، { ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ } أي: بعد مجيئه { وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ } في ذلك ليس لكم عذر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل: {ولقد جاءكم موسى بالبينات} بالدلالات الواضحة والمعجزات الباهرة.

{ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون}

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد جاءكم موسى بالبينات» بالمعجزات كالعصا واليد وفلق البحر «ثم اتخذتم العجل» إلَهاً «من بعده» من بعد ذهابه إلى الميقات، «وأنتم ظالمون» باتخاذه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد جاءكم نبي الله موسى بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقه، كالطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع، وغير ذلك مما ذكره الله في القرآن العظيم، ومع ذلك اتخذتم العجل معبودًا، بعد ذهاب موسى إلى ميقات ربه، وأنتم متجاوزون حدود الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر القرآن الكريم لهم جنايات أخرى تدل على أنهم لم يؤمنوا بما أنزل عليهم كما يدعون .

ومن تلك الجنايات عبادتهم العجل ، فقال تعالى : ( وَلَقَدْ جَآءَكُمْ موسى بالبينات ثُمَّ اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ) .البينات : جمع بينة وهي الآيات والمعجزات الدالة على صدقة وحقية نبوته ، كانقلاب العصا ثعباناً ، وفلق البحر ، وانفجار العيون من الحجر .

.

.

إلخ .وإنما سماها الله بينات ، لأنها لما كانت لا يقدر على أن يأتي بها بشر إلا بتسخير الله ذلك له دلت على صدق موسى - عليه السلام - في نبوته ورسالته .والمعنى : ولقد جاءكم - يا بني إسرائيل - نبينا موسى بالآيات الواضحات الدالة على صدقة ، وحقيقة نبوته ، وكان من الواجب عليكم أن تتبعوه وتطيعوهولكنكم لم تفعلوا فقد اتخذتم العجل إلهاً من بعد مفارقة نبيكم موسى لكم لمناجاة ربه ، ومن بعد مشاهدتكم لتلك المعجزات ، التي استبان بها صدقة فيما يبلغكم عن ربه فأنتم ظالمون بذلك ، لأنكم تركتم عبادة من يستحق العبادة وهو الله - تعالى - وعبدتم العجل الذي لا يملك ضراً ولا نفعاً .فالآية الكريمة فيها أبطال لدعواهم الإِيمان بما أنزل عليهم ، لأنهم لو كانوا مؤمنين حقاص بنبيهم الذي جاءهم بالبينات ، لما تركوا ما أمرهم به وهو عبادة الله ، وفعلوا ما نهاهم عنه وهو عبادة العجل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن تكرير هذه الآية يغني عن تفسيرها والسبب في تكريرها أنه تعالى لما حكى طريقة اليهود في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ووصفهم بالعناد والتكذيب ومثلهم بسلفهم في قتلهم الأنبياء الذي يناسب التكذيب لهم بل يزيد عليه، أعاد ذكر موسى عليه السلام وما جاء به من البينات وأنهم مع وضوح ذلك أجازوا أن يتخذوا العجل إلهاً وهو مع ذلك صابر ثابت على الدعاء إلى ربه والتمسك بدينه وشرعه فكذلك القول في حالي معكم وإن بالغتم في التكذيب والإنكار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَأَنتُمْ ظالمون ﴾ يجوز أن يكون حالاً، أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة غير موضعها، وأن يكون اعتراضاً بمعنى: وأنتم قوم عادتكم الظلم.

وكرّر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأول مع ما فيه من التوكيد ﴿ واسمعوا ﴾ ما أمرتم به في التوراة ﴿ قَالُواْ سَمِعْنَا ﴾ قولك ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ أمرك.

فإن قلت: كيف طابق قوله جوابهم؟

قلت: طابقه من حيث إنه قال لهم: ﴿ اسمعوا ﴾ وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة، فقالوا: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ ولكن لا سماع طاعة ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل ﴾ أي تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الثوب الصبيغ.

وقوله: ﴿ فِى قُلُوبِهِمْ ﴾ بيان لمكان الإشراب كقوله: ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ [النساء: 10] .

﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ بسبب كفرهم ﴿ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم ﴾ بالتوراة، لأنه ليس في التوراة عبادة العجاجيل.

وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم، كما قال قوم شعيب ﴿ أصلاتكَ تَأْمُرُكَ ﴾ [هود: 87] وكذلك إضافة الإيمان إليهم وقوله: ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ﴾ يَعْنِي الآياتِ التِّسْعَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ ﴾ أيْ إلَهًا ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ مِن بَعْدِ مَجِيءِ مُوسى، أوْ ذَهابِهِ إلى الطَّوْرِ ﴿ وَأنْتُمْ ظالِمُونَ ﴾ حالٌ، بِمَعْنى اتَّخَذْتُمُ العَجَلَ ظالِمِينَ بِعِبادَتِهِ، أوْ بِالإخْلالِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، أوِ اعْتِراضٌ بِمَعْنى وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الظُّلْمُ.

ومَساقُ الآيَةِ أيْضًا لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ﴾ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ طَرِيقَتَهم مَعَ الرَّسُولِ طَرِيقَةُ أسْلافِهِمْ مَعَ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، لا لِتَكْرِيرِ القِصَّةِ وكَذا ما بَعْدَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَقَدْ جَاءَكُم موسى بالبينات} بالآيات التسع وأدغم الدال في الجيم حيث كان أبو عمرو وحمزة وعلي {ثُمَّ اتخذتم العجل} إلهاً {مِن بَعْدِهِ} من بعد خروج موسى عليه السلام إلى الطور {وَأَنتُمْ ظالمون} هو حال أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة غير موضعها أو اعتراض أي وأنتم قوم عادتكم الظلم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ﴾ داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ، فَهو مِن تَمامِ التَّبْكِيتِ والتَّوْبِيخِ، وكَذا ما يَأْتِي بَعْدَ لا تَكْرِيرٌ لِما قَصَّ مِن قَبْلُ، والمُرادُ بِالبَيِّناتِ الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى صِدْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في دَعْوَتِهِ، والمُعْجِزاتُ المُؤَيِّدَةُ لِنُبُوَّتِهِ كالعَصا، واليَدِ، وانْفِلاقِ البَحْرِ مَثَلًا، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنْ يُرادَ بِها الدَّلائِلُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، فَإنَّهُ أدْخَلُ في التَّقْرِيعِ بِما بَعْدُ، وعِنْدِي الحَمْلُ عَلى العُمُومِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ ذَلِكَ أيْضًا أوْلى وأظْهَرُ، ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ ﴾ أيِ الَّذِي صَنَعَهُ لَكُمُ السّامِرِيُّ مِن حُلِّيِّكم إلَهًا مِن بَعْدِهِ، أيْ بَعْدَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِها، ومَن عَدَّ التَّوْراةَ، وانْفِجارَ الماءِ مِنها لَمْ يُرِدِ الجَمِيعَ بَلِ الجِنْسَ، لِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ قِصَّةِ العِجْلِ، وكَلِمَةُ (ثُمَّ) عَلى هَذا لِلِاسْتِبْعادِ، لِئَلّا يَلْغُوَ القَيْدُ، وقَدْ يُقالُ: الضَّمِيرُ لِمُتَقَدِّمٍ مَعْنًى، وهو الذَّهابُ إلى الطُّورِ، فَكَلِمَةُ (ثُمَّ) عَلى حَقِيقَتِها، وعَدُّ ما ذَكَرْنا مِنَ البَيِّناتِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، ويُشِيرُ هَذا العَطْفُ عَلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِنَ النَّظَرِ في الآياتِ، وذَلِكَ أعْظَمُ ذَنْبًا، وأكْثَرُ شَناعَةً لِحالِهِمْ، والتَزَمَ بَعْضُهم رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى البَيِّناتِ بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ مِن بَعْدِ تَدَبُّرِ الآياتِ لِيَظْهَرَ ذَلِكَ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى العِجْلِ، والمُرادُ بَعْدَ وُجُودِهِ، أيْ عَبَدْتُمُ الحادِثَ الَّذِي حَدَثَ بِمَحْضَرِكُمْ، لِيَكُونَ فِيهِ التَّوْبِيخُ العَظِيمُ، لا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ العَظِيمِ المُسْتَغْنى عَنْهُ بِما أشَرْنا إلَيْهِ، ﴿ وأنْتُمْ ظالِمُونَ ﴾ أيْ واضِعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَحَلِّهِ اللّائِقِ بِهِ، أوْ مُخِلُّونَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، والجُمْلَةُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ، وهي جارِيَةٌ مَجْرى القَرِينَةِ عَلى إرادَةِ العِبادَةِ مِنَ الِاتِّخاذِ، وفِيها تَعْرِيضٌ بِأنَّهم صَرَفُوا العِبادَةَ عَنْ مَوْضِعِها الأصْلِيِّ إلى غَيْرِ مَوْضِعِها، وإيهامُ المُبالَغَةِ مِن حَيْثُ أنَّ إطْلاقَ الظُّلْمِ يُشْعِرُ بِأنَّ عِبادَةَ العِجْلِ كُلُّ الظُّلْمِ، وأنَّ مَنِ ارْتَكَبَها لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَها اعْتِراضًا لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ بِتَمامِها دُونَ تَعَرُّضٍ لِبَيانِ الهَيْئَةِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحالِيَّةُ، أيْ وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الظُّلْمُ، واسْتَمَرَّ مِنكم ومِنهُ عِبادَةُ العِجْلِ، والَّذِي دَعاهُ إلى ذَلِكَ زَعْمُ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى الحالِيَّةِ أنْ يَكُونَ تَكْرارًا مَحْضًا، فَإنَّ عِبادَةَ العِجْلِ لا تَكُونُ إلّا ظُلْمًا بِخِلافِهِ عَلى هَذا، فَإنَّهُ يَكُونُ بَيانًا لِرَذِيلَةٍ لَهم تَقْتَضِي ذَلِكَ، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَمّا ذَكَرْنا، وإذا حُمِلَ الِاتِّخاذُ عَلى الحَقِيقَةِ نَحْوَ اتَّخَذْتُ خاتَمًا، تَكُونُ الحالِيَّةُ أوْلى بِلا شُبْهَةٍ، لِأنَّ الِاتِّخاذَ لا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ ظُلْمًا إلّا إذا قُيِّدَ بِعِبادَتِهِ، كَما لا يَخْفى، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ، أي بالآيات والعلامات.

ويقال: بالحلال والحرام والحدود والفرائض.

ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، أي عبدتم العجل مِنْ بَعْدِهِ، يعني بعد انطلاق موسى إلى الجبل.

وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ، أي كافرون بعبادتكم العجل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وبِغَضَبٍ معناه من الله تعالى لكفرهم بمحمّد صلّى الله عليه وسلم على غَضَبٍ متقدِّم من اللَّه تعالى عليهم، قيل: لعبادتهم العِجْلَ.

وقيل: لكفرهم بعيسى- عليه السلام- فالمعنى: على غَضَبٍ قد باءَ به أسلافهم، حظُّ هؤلاءِ منْهُ وافرٌ بسبب رضاهم بتلك الأفعال، وتصويبهم لها.

ومُهِينٌ: مأخوذ من «الهَوَانِ» ، وهو الخلود في النَّار لأن من لا يخلد من عصاة المسلمين، إنما عذابه كعذابِ الذي يقام عليه الحدُّ، لا هوان فيه، بل هو تطهيرٌ له.

وقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ، يعني لليهود: آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ على محمّد صلّى الله عليه وسلم، وهو القرآن، قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا يعنون: التوراةَ، وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ قال قتادة: أي: بما بعده «١» ، قال الفَرَّاء «٢» .

أي: بما سواه «٣» ، ويعني به:

القرآن، ووصف تعالى القرآن بأنه الحق ومُصَدِّقاً: حالٌ مؤكِّدة عند سيبَوَيْهِ.

وقوله تعالى: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ردٌّ من اللَّه تعالى عليهم، وتكذيب لهم في ذلك، واحتجاج عليهم.

وقوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ: بِالْبَيِّناتِ: التوراة، والعصا، وفرق البحر، وسائر الآيات، وخُذُوا ما/ آتَيْناكُمْ: يعني: التوراة والشرع بِقُوَّةٍ، أي: ٢٩ ب

بعزمٍ، ونشاطٍ.

وجِدٍّ.

وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ: أي: حبَّ العجْلِ، والمعنى: جُعِلَتْ قلوبهم تَشْربه، وهذا تشبيهٌ ومجازٌ عبارة عن تمكُّن أمر العِجْل في قلوبهم.

وقوله تعالى: بِكُفْرِهِمْ يحتمل أن تكون باء السببِ، ويحتمل أن تكون بمعنى «مَعَ» .

وقوله تعالى: قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ أمر لمحمّد صلّى الله عليه وسلم أن يوبِّخهم لأنَّه بئس هذه الأشياء التي فَعَلْتُمْ، وأمركم بها إِيمانُكُم الذي زعمتُمْ في قولكم: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا.

وقوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ ...

الآية: أمر لمحمّد صلّى الله عليه وسلم أنْ يوبِّخهم، والمعنى: إِن كان لكم نعيمُهَا وحُظْوَتُهَا، وخيرها، فذلك يقتضي حرْصَكُم على الوصُول إِليها، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ، والدَّارُ: اسمُ «كان» ، و «خالصة» : خبرها ومِنْ دُونِ النَّاسِ يحتملُ أن يراد ب «النَّاس» : محمّد صلّى الله عليه وسلم، ومن تبعه، ويحتمل أن يراد العموم، وهذه آية بيّنة أعطاها الله رسوله محمّدا صلّى الله عليه وسلم لأن اليهود قالَتْ: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨] ، وشبه ذلك من القول، فأمر اللَّه نبيَّه أن يدعوهم إلى تمنِّي الموت، وأن يعلمهم أنه من تمنَّاه منهم مات، ففعل النبيّ صلّى الله عليه وسلم ذلك، فعلموا صدْقَهُ، فَأَحْجَمُوا عن تمنِّيه فَرَقاً من اللَّه لِقبحِ أفعالهم ومعرفتهم بكذبِهم، وحرصاً منهم على الحَيَاة، وقيل: إِن اللَّه تعالى منعهم من التمنِّي، وقصرهم على الإِمساك عنه لتظهر الآية لنبيّه صلّى الله عليه وسلم.

ت: قال عِيَاضٌ «١» : ومن الوجوه البَيِّنة في إِعجاز القُرْآن آيٌ وردتْ بتعجيز قومٍ في قضايا «٢» ، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فَعَلُوا ولا قَدَرُوا على ذلك كقوله تعالى لليهود: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً «٣» ...

الآية: قال أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَاج «٤» في هذه الآية: أعظم حجة، وأظهر دلالة على صحَّة الرسالة لأنهُ قال لهم:

فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ وأعلمهم أنهم لَنْ يتمنَّوْهُ أبداً، فلم يتمنَّهُ وَاحِدٌ منهم، وعن النبيِّ صلى الله

تعالى عليه وسلم «والَّذي نَفُسِي بيَدِهِ، لا يقولها رجُلٌ منهم إلا غصَّ بِرِيقِهِ» «١» ، يعني:

يموتُ مكانه، قال أبو محمَّدٍ الأصيليُّ «٢» : من أَعجب أمرهم أنَّهُ لا تُوجَدُ منهم جماعةٌ ولا واحدٌ من يومِ أَمَرَ اللَّهُ تعالى بذلك نبيَّهُ يقدَّم عليه «٣» ، ولا يجيب إليه، وهذا موجودٌ مشاهَدٌ لمن أراد أن يمتحنه منهم.

انتهى من «الشّفا» .

والمراد بقوله: فَتَمَنَّوُا: أريدوهُ بقلوبكم، واسْألوهُ، هذا قَوْلُ جماعة من المفسِّرين، وقال ابن عبَّاس: المراد به السؤالُ فقطْ، وإِن لم يكن بالقَلْب «٤» ، ثم أخبر تعالى عنهم بعجزهم، وأنهم لا يتمنَّونه أبداً، وأضاف ذنوبهم واجترامهم إِلى الأيدي إِذ الأَكْثَرُ من كسب «٥» العبد الخير والشرَّ، إِنما هو بيديه، فحمل جميع الأشياء على ذلك.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ما في الألْواحِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الآَياتُ التِّسْعُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي هاءِ "بَعْدَهُ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى مُوسى، فَمَعْناهُ: مِن بَعْدِ انْطِلاقِهِ إلى الجَبَلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى المَجِيءِ، لِأنَّ "جاءَكُمْ" يَدُلُّ عَلى المَجِيءِ وفي ذِكْرِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا إذا نَظَرُوا إلى الجَبَلِ، قالُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا، وإذا نَظَرُوا إلى الكِتابِ؛ قالُوا: سَمِعْنا وعَصَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ ﴾ أيْ: سُقُوا حُبَّ العِجْلِ، فَحَذَفَ المُضافَ، وهو الحُبُّ، وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ  ﴾ [أيْ: وقْتَ الحَجِّ ] وقَوْلُهُ: ﴿ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ  ﴾ [أيْ: أجَعَلْتُمْ صاحِبَ سِقايَةِ الحاجِّ ] .

وقَوْلُهُ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ  ﴾ [أيْ: أهْلُهُا ] وقَوْلُهُ: ﴿ إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ  ﴾ .

أيْ: ضِعْفُ عَذابِ الحَياةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ  ﴾ .

أيْ: بُيُوتُ صَلَواتٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ  ﴾ .

أيْ: مَكْرُكم فِيهِما.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ  ﴾ أيْ: أهْلُهُ.

وَمِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: أُنْبِئَتُ أنَّ النّارَ بَعْدَكَ أُوقِدَتْ واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ أيْ: أهْلُ المَجْلِسِ.

وقالَ الآَخَرُ وشَرُّ المَنايا مَيِّتٌ بَيْنَ أهْلِهِ أيْ: وشَرُّ المَنايا مَنِيَّةُ مَيِّتٍ بَيْنَ أهْلِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ ﴾ أيْ: أنْ تُكَذِّبُوا المُرْسَلِينَ، وتَقْتُلُوا النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وتَكْتُمُوا الهُدى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ في "إنْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى: الجَحْدِ، فالمَعْنى: ما كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إذْ عَصَيْتُمُ اللَّهَ، وعَبَدْتُمُ العِجْلَ.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ "إنْ" شَرْطًا مُعَلَّقًا بِما قَبْلَهُ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؛ فَبِئْسَ الإيمانُ إيمانٌ يَأْمُرُكم بِعِبادَةِ العِجْلِ، وقَتْلُ الأنْبِياءِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِن دُونِ الناسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ "البَيِّناتُ": التَوْراةُ، والعَصا، وفَرَقُ البَحْرِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ ﴾ تَدَلُّ "ثُمَّ" عَلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِنَ النَظَرِ في الآياتِ، وذَلِكَ أعْظَمُ في ذَنْبِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ اتِّخاذِهِمُ العَجْلَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ مِن بَعْدِهِ حِينَ غابَ عنكم في المُناجاةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عَلى المَجِيءِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ في أنَّ مَن آمَنَ بِما نُزِّلَ عَلَيْهِ لا يَتَّخِذُ العَجَلَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أخْذِ المِيثاقِ ورَفْعِ الطُورِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ ﴾ ، يَعْنِي التَوْراةَ، والشَرْعَ.

و"بِقُوَّةٍ" أيْ بِعَزْمٍ، ونَشاطٍ، وجِدٍّ، "واسْمَعُوا" مَعْناهُ هُنا: وأطِيعُوا، ولَيْسَ مَعْناهُ الأمْرُ بِإدْراكِ القَوْلِ فَقَطْ وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهم ﴿ قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا ﴾ ، ونَطَقُوا بِهَذِهِ الألْفاظِ مُبالَغَةً في التَعَنُّتِ والمَعْصِيَةِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: ذَلِكَ مَجازٌ، ولَمْ يَنْطِقُوا بـِ "سَمِعْنا وعَصَيْنا" ولَكِنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضاهُ، كَما قالَ الشاعِرُ: امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي..................

وهَذا أيْضًا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في كَذِبِ قَوْلِهِمْ: ﴿ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ ﴾ ، التَقْدِيرُ: حُبُّ العِجْلِ، والمَعْنى: جَعَلَتْ قُلُوبَهم تَشْرَبُهُ، وهَذا تَشْبِيهٌ ومَجازٌ عِبارَةٌ عن تَمَكُّنِ أمْرِ العَجَلِ في قُلُوبِهِمْ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ ﴾ شُرْبُهُمُ الماءَ الَّذِي ألْقى فِيهِ مُوسى بُرادَةَ العِجْلِ، وذَلِكَ أنَّهُ بَرَدَهُ بِالمَبْرَدِ ورَماهُ في الماءِ، وقِيلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: اشْرَبُوا مِن ذَلِكَ الماءِ، فَشَرِبَ جَمِيعُهُمْ، فَمَن كانَ يُحِبُّ العِجْلَ خَرَجَتْ بُرادَةُ الذَهَبِ عَلى شَفَتَيْهِ.

وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي قُلُوبِهِمُ ﴾ ، ورُوِيَ أنَّ الَّذِينَ تَبَيَّنَ فِيهِمْ حُبُّ العِجْلِ أصابَهم مِن ذَلِكَ الماءُ الجِنُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِكُفْرِهِمْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ باءَ السَبَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى مَعَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ بِئْسَما ﴾ الآيَةُ، أمَرَ لِمُحَمَّدٍ  أنْ يُوَبِّخَهم بِأنَّهُ بِئْسَ هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي فَعَلْتُمْ، وأمْرُكم بِها إيمانُكُمُ الَّذِي زَعَمْتُمْ في قَوْلِكُمْ: ﴿ نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا  ﴾ ، و"ما": في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَقْدِيرُ: بِئْسَ الشَيْءُ قَتْلٌ واتِّخاذُ عِجْلٍ، وقَوْلُ ﴿ سَمِعْنا وعَصَيْنا ﴾ .

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ شَرْطٌ، وقَدْ يَأْتِي الشَرْطُ والشارِطُ يَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ عَلى أحَدِ الجِهَتَيْنِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ  ﴾ وقَدْ عَلِمَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، كَذَلِكَ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، والقائِلُ يَعْلَمُ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، لَكِنَّهُ إقامَةُ حُجَّةٍ بِقِياسٍ بَيِّنٍ، وقالَ قَوْمٌ: "إنْ" هُنا نافِيَةٌ بِمَنزِلَةِ "ما" كالَّتِي تَقَدَّمَتْ.

وقَرَأ الحَسَنُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ "بِهُوَ إيمانُكُمْ" بِرَفْعِ الهاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدارُ الآخِرَةُ ﴾ الآيَةُ، أمْرٌ لِمُحَمَّدٍ  أنْ يُوَبِّخَهُمْ، والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم نَعِيمُها وحَظْوَتُها وخَيْرُها فَذَلِكَ يَقْتَضِي حِرْصُكم عَلى الوُصُولِ إلَيْها ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ ﴾ ، و"الدارُ": اسْمُ كانَتْ، و"خالِصَةً" خَبَرُها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُ "خالِصَةً" عَلى الحالِ، و"عِنْدَ اللهِ" خَبَرُ كانَ، و ﴿ مِن دُونِ الناسِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بـِ "الناسِ" مُحَمَّدٌ  ومَن تَبِعَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ العُمُومُ التامُّ، وهو قَوْلُ اليَهُودِ فِيما حُفِظَ عنهُمْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِكَسْرِ الواوِ مِن "تَمَنَّوْا" لِلِالتِقاءِ، وحَكى الأهْوازِيُّ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ "تُمَنَّوا المَوْتَ" بِفَتْحِ الواوِ، وحُكِيَ عن غَيْرِهِ اخْتِلاسُ الحَرَكَةِ في الرَفْعِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِضَمِّ الواوِ.

وهَذِهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ أعْطاها اللهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا  ، لِأنَّ اليَهُودَ قالَتْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ  ﴾ ، وشِبْهُ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ، فَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أنْ يَدْعُوَهم إلى تَمَنِّي المَوْتِ، وأنْ يُعَلِّمَهم أنَّهُ مَن تَمَنّاهُ مِنهم ماتَ، فَفَعَلَ النَبِيُّ  ، فَعَلِمَ اليَهُودُ صِدْقَهُ، فَأحْجَمُوا عن تَمَنِّيهِ فَرَقًا مِنَ اللهِ لِقُبْحِ أعْمالِهِمْ، ومَعْرِفَتِهِمْ بِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ  ﴾ ، وحِرْصًا مِنهم عَلى الحَياةِ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ مَنَعَهم مِنَ التَمَنِّي، وقَصَرَهم عَلى الإمْساكِ عنهُ، لِتَظْهَرَ الآيَةُ لِنَبِيِّهِ  .

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: "تُمَنُّوا" أرِيدُوهُ بِقُلُوبِكم واسْألُوهُ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ فِيهِ السُؤالُ فَقَطْ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِالقَلْبِ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: إنَّما أمَرُوا بِالدُعاءِ بِالمَوْتِ عَلى أرْدَأ الحِزْبَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أو مِنهم.

وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كانَتْ مُدَّةَ حَياةِ النَبِيِّ  وارْتَفَعَتْ بِمَوْتِهِ.

والصَحِيحُ أنَّ هَذِهِ النازِلَةَ مِن مَوْتِ مَن تَمَنّى المَوْتَ إنَّما كانَتْ أيّامًا كَثِيرَةً عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وهي بِمَنزِلَةِ دُعائِهِ النَصارى مِن أهْلِنَجْرانَ إلى المُباهَلَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ سَبَبَ هَذا الدُعاءِ إلى تَمَنِّي المَوْتِ أنَّ النَبِيَّ  أرادَ بِهِ هَلاكَ الفَرِيقِ المُكَذِّبِ، أو قَطْعَ حُجَّتِهِمْ، لا أنَّ عِلَّتَهُ قَوْلُهُمْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ  ﴾ .

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم بِعَجْزِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ، و"أبَدًا" ظَرْفُ زَمانٍ، وإذا كانَتْ "ما" بِمَعْنى الَّذِي فَتَحْتاجُ إلى عائِدٍ تَقْدِيرُهُ: قَدَّمَتْهُ، وإذا كانَتْ مَعَ "قَدَّمَتْ" بِمَثابَةِ المَصْدَرِ غَنِيَتْ عَنِ الضَمِيرِ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، والأخْفَشُ يَرى الضَمِيرَ في المَصْدَرِيَّةِ.

وأضافَ ذُنُوبَهم واجْتِرامَهم إلى الأيْدِي، وأسْنَدَ تَقْدِيمَها إلَيْها، إذِ الأكْثَرُ مِن كَسْبِ العَبْدِ الخَيْرَ والشَرَّ إنَّما هو بِيَدَيْهِ، فَحَمَلَ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ ظاهِرُها الخَبَرُ، ومُضَمِّنُها الوَعِيدُ، لِأنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ وغَيْرُهُمْ، فَفائِدَةُ تَخْصِيصِهِمْ حُصُولُ الوَعِيدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ فلم تقتلون أنبياء الله ﴾ [البقرة: 91] والقصد منه تعليم الانتقال في المجادلة معهم إلى ما يزيد إبطال دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم خاصة، وذلك أنه بعد أن أكذبهم في ذلك بقوله: ﴿ فلم تقتلون أنبياء الله من قبل ﴾ كما بينا، ترقى إلى ذكر أحوالهم في مقابلتهم دعوة موسى الذي يزعمون أنهم لا يؤمنون إلا بما جاءهم به فإنهم مع ذلك قد قابلوا دعوته بالعصيان قولاً وفعلاً فإذا كانوا أعرضوا عن الدعوة المحمدية بمعذرة أنهم لا يؤمنون إلا بما أنزل عليهم فلماذا قابلوا دعوة أنبيائهم بعد موسى بالقتل؟

ولماذا قابلوا؟

دعوة موسى بما قابلوا.

فهذا وجه ذكر هذه الآيات هنا وإن كان قد تقدم نظائرها فيما مضى، فإن ذكرها هنا في محاجة أخرى وغرض جديد، وقد بينتُ أن القرآن ليس مثل تأليف في علم يُحال فيه على ما تقدم بل هو جامع مواعظ وتذكيرات وقوارع ومجادلات نزلت في أوقات كثيرة وأحوال مختلفة فلذلك تتكرر فيه الأغراض لاقتضاء المقام ذكرها حينئذ عند سبب نزول تلك الآيات.

وفي «الكشاف» أن تكرير حديث رفع الطور هنا لما نيط به من الزيادة على ما في الآية السابقة معنى في قوله: ﴿ قالوا سمعنا وعصينا ﴾ الآية وهي نكتة في الدرجة الثانية.

وقال البيضاوي إن تكرير القصة للتنبيه على أن طريقتهم مع محمد صلى الله عليه وسلم طريقة أسلافهم مع موسى وهي نكتة في الدرجة الأولى وهذا إلزام لهم بعمل أسلافهم بناءً على أن الفرع يَتْبَع أصله والولد نسخة من أبيه، وهو احتجاج خطابي.

والقول في هاته الآيات كالقول في سابقتها [البقرة: 63] وكذلك القول في (البينات).

إلا أن قوله: ﴿ واسمعوا ﴾ مراد به الامتثال فهو كناية كما تقول فلان لا يسمع كلامي أي لا يمتثل أمري إذ ليس الأمر هنا بالسماع بمعنى الإصغاء إلى التوراة فإن قوله: ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة ﴾ يتضمنه ابتداء لأن المراد من الأخذ بالقوة الاهتمام به وأول الاهتمام بالكلام هو سماعه والظاهر أن قوله: ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة ﴾ لا يشمل الامتثال فيكون قوله: ﴿ واسمعوا ﴾ دالاً على معنى جديد وليس تأكيداً، ولك أن تجعله تأكيداً لمدلول ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة ﴾ بأن يكون الأخذ بقوة شاملاً لنية الامتثال وتكون نكتة التأكيد حينئذ هي الإشعار بأنهم مظنة الإهمال والإخلال حتى أكد عليهم ذلك قبل تبين عدم امتثالهم فيما يأتي ففي هذه الآية زيادة بيان لقوله في الآية الأولى: ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ [البقرة: 63].

واعلم أن من دلائل النبوة والمعجزات العلمية إشارات القرآن إلى العبارات الني نطق بها موسى في بني إسرائيل وكتبت في التوراة فإن الأمر بالسماع تكرر في مواضع مخاطباتتِ موسى لملإ بني إسرائيل بقوله: اسمع يا إسرائيل، فهذا من نكت اختيار هذا اللفظ للدلالة على الامتثال دون غيره مما هو أوضح منه وهذا مثل ما ذكرنا في التعبير بالعهد.

وقوله: ﴿ قالوا سمعنا وعصينا ﴾ يحتمل أنهم قالوه في وقت واحد جواباً لقوله: ﴿ واسمعوا ﴾ وإنما أجابوه بأمرين لأن قوله: ﴿ اسمعوا ﴾ تضمن معنيين معنى صريحاً ومعنى كنائياً فأجابوا بامتثال الأمر الصريح وأما الأمر الكنائي فقد رفضوه وذلك يتضمن جواب قوله: ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة ﴾ أيضا لأنه يتضمن ما تضمنه ﴿ واسمعوا ﴾ وفي هذا الوجه بعد ظاهر إذ لم يعهد منهم أنهم شافهوا نبيهم بالعزم على المعصية وقيل: إن قوله: ﴿ سمعنا ﴾ جواب لقوله: ﴿ خذوا ما آتيناكم ﴾ أي سمعنا هذا الكلام، وقوله: ﴿ وعصينا ﴾ جواب لقوله: ﴿ واسمعوا ﴾ لأنه بمعنى امتثلوا ليكون كل كلام قد أجيب عنه ويبعده أن الإتيان في جوابهم بكلمة ﴿ سمعنا ﴾ مشير إلى كونه جواباً لقوله: ﴿ اسمعوا ﴾ لأن شأن الجواب أن يشتمل على عبارة الكلام المجاب به وقوله: ليكون كل كلام قد أجيب عنه قد علمت أن جعل ﴿ سمعنا وعصينا ﴾ جواباً لقوله: ﴿ واسمعوا ﴾ يغني عن تطلب جواب لقوله: ﴿ خذوا ﴾ ففيه إيجاز، فالوجه في معنى هذه الآية هوما نقله الفخر عن أبي مسلم أن قولهم: ﴿ عصينا ﴾ كان بلسان الحال يعني فيكون ﴿ قالوا ﴾ مستعملاً في حقيقته ومجازه أي قالوا: سمعنا وعصوا فكأن لسانهم يقول عصينا.: ويحتمل أن قولهم ﴿ عصينا ﴾ وقع في زمن متأخر عن وقت نزول التوراة بأن قالوا عصينا في حثهم على بعض الأوامر مثل قولهم لموسى حين قال لهم: ادخلوا القرية ﴿ لن ندخلها أبداً ﴾ [المائدة: 24] وهذان الوجهان أقرب من الوجه الأول.

وفي هذا بيان لقوله في الآية الأولى: ﴿ ثم توليتم من بعد ذلك ﴾ [البقرة: 64].

والإشراب هو جعل الشيء شارباً، واستعير لجعل الشيء متصلاً بشيء وداخلاً فيه ووجه الشبه هو شدة الاتصال والسريان لأن الماء أسرى الأجسام في غيره ولذا يقول الأطباء الماء مطية الأغذية والأدوية ومَركبها الذي تسافر به إلى أقطار البدن فلذلك استعاروا الإشراب لشدة التداخل استعارة تبعية قال بعض الشعراء: تغلغل حب عثمة في فؤادي *** فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب *** ولا حزن ولم يبلغ سرور ومنه قولهم أشرب الثوب الصبغ، قال الراغب: من عادتهم إذا أرادوا مخامرة حب وبغض أن يستعيروا لذلك اسم الشراب اه.

وقد اشتهر المعنى المجازي فهجر استعمال الإشراب بمعنى السقي وذكر القلوب قرينة على أن إشراب العجل على تقدير مضاف من شأن القلب مثل عبادة العجل أو تأليه العجل.

وإنما جعل حبهم العجل إشراباً لهم للإشارة إلى أنه بلغ حبهم العجل مبلغ الأمر الذي لا اختيار لهم فيه كأن غيرهم أشربهم إياه كقولهم أُولِع بكذا وشُغِف.

والعجلَ مفعول ﴿ أشربوا ﴾ على حذف مضاف مشهور في أمثاله من تعليق الأحكام وإسنادها إلى الذوات مثل ﴿ حُرِّمت عليكم الميتة ﴾ [المائدة: 3] أي أكل لحمها.

وإنما شغفوا به استحساناً واعتقاداً أنه إلههم وأن فيه نفعهم لأنهم لما رأوه من ذهب قدسوه من فرط حبهم الذهب.

وقد قوي ذلك الإعجاب به بفرط اعتقادهم ألوهيته ولذلك قال تعالى: ﴿ بكفرهم ﴾ فإن الاعتقاد يزيد المعتقد توغلاً في حب معتقده.

وإسناد الإشراب إلى ضمير ذواتهم ثم توضيحه بقوله: ﴿ في قلوبهم ﴾ مبالغة وذلك مثل ما يقع في بدل البعض والاشتمال وما يقع في تمييز النسبة.

وقريب منه قوله تعالى: ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ناراً ﴾ [النساء: 10] وليس هو مثل ما هنا لأن الأكل متمحض لكونه منحصراً في البطن بخلاف الإشراب فلا اختصاص له بالقلوب.

وقوله: ﴿ قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ﴾ تذييل واعتراض ناشئ عن قولهم ﴿ سمعنا وعَصَيْنا ﴾ هو خلاصة لإبطال قولهم: ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ [البقرة: 91] بعد أن أبطل ذلك بشواهد التاريخ وهي قوله: ﴿ قل فلم تقتلون أنبئاء الله ﴾ [البقرة: 91] وقوله: ﴿ ولقد جاءكم موسى بالبينات ﴾ وقوله: ﴿ قالوا سمعنا وعصينا ﴾ ولذلك فَصَله عن قوله: ﴿ قل فلم تقتلون أنبئاء الله ﴾ لأنه يجري من الأول مجرى التقرير والبيان لحاصله، والمعنى قل لهم إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم كما زعمتم يعني التوراة فبئسما أمركم به هذا الإيمان إذ فعلتم ما فعلتم من الشنائع من قتل الأنبياء ومن الإشراك بالله في حين قيام التوراة فيكم فكيف وأنتم اليوم لا تعرفون من الشريعة إلا قليلاً، وخاصة إذا كان هذا الإيمان بزعمهم يصدهم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فالجملة الشرطية كلها مقول ﴿ قل ﴾ والأمر هنا مستعمل مجازاً في التسبب.

وإنما جعل هذا مما أمرهم به إيمانهم مع أنهم لم يدعوا ذلك لأنهم لما فعلوه وهم يزعمون أنهم متصلبون في التمسك بما أنزل إليهم حتى أنهم لا يخالفونه قيد فتر ولا يستمعون لكتاب جاء من بعده فلا شك أن لسان حالهم ينادي بأنهم لا يفعلون فعلاً إلا وهو مأذون فيه من كتابهم، هذا وجه الملازمة وأما كون هذه الأفعال مذمومة شنيعة فذلك معلوم بالبداهة فأنتج ذلك أن إيمانهم بالتوراة يأمرهم بارتكاب الفظائع وهذا ظاهر الكلام والمقصود منه القدح في دعواهم الإيمان بالتوراة وإبطال ذلك بطريق يستنزل طائرهم ويرمي بهم في مهواة الاستسلام للحجة فأظهر إيمانهم المقطوع بعدمه في مظهر الممكن المفروض ليتوصل من ذلك إلى تبكيتهم وإفحامهم نحو: ﴿ قل إن كان للرحمن من ولد فأنا أول العابدين ﴾ [الزخرف: 81] ولهذا أضيف الإيمان إلى ضميرهم لإظهار أن الإيمان المذموم هو إيمانهم أي الذي دخله التحريف والاضطراب لما هو معلوم من أن الإيمان بالكتب والرسل إنما هو لصلاح الناس والخروج بهم من الظلمات إلى النور فلا جرم أن يكون مرتكبو هاته الشنائع ليسوا من الإيمان بالكتاب الذي فيه هدى ونور في شيء فبطل بذلك كونهم ﴿ مؤمنين ﴾ وهو المقصود فقوله: ﴿ بئسما يأمركم ﴾ جواب الشرط مقدم عليه أو ﴿ قل ﴾ دليل الجواب ولأجل هذا جيء في هذا الشرط بإن التي من شأن شرطها أن يكون مشكوك الحصول وينتقل من الشك في حصوله إلى كونه مفروضاً كما يفرض المحال وهو المراد هنا؛ لأن المتكلم عالم بانتفاء الشرط ولأن المخاطبين يعتقدون وقوع الشرط فكان مقتضى ظاهر حال المتكلم أن لا يؤتى بالشرط المتضمن لكونهم ﴿ مؤمنين ﴾ إلا منفياً ومقتضى ظاهر حال المخاطب أن لا يؤتى به إلا مع إذا ولكن المتكلم مع علمه بانتفاء الشرط فرضه كما يفرض المحال استنزالاً لطائرهم.

وفي الإتيان بإن إشعار بهذا الفرض حتى يقعوا في الشك في حالهم وينتقلوا من الشك إلى اليقين بأنهم غير مؤمنين حين مجيء الجواب وهو ﴿ بئسما يأمركم ﴾ وإلى هذا أشار صاحب «الكشاف» كما قاله التفتزاني وهو لا ينافي كون القصد التبكيت لأنها معان متعاقبة يفضي بعضها إلى بعض فمن الفرض يتولد التشكيك ومن التشكيك يظهر التبكيت.

ولا معنى لجعل ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ ابتداء كلام وجوابه محذوفاً تقديره فإيمانكم لا يأمركم بقتل الأنبياء وعبادة العجل إلخ لأنه قطع لأواصر الكلام وتقدير بلا داع مع أن قوله: ﴿ قل بئسما يأمركم به إيمانكم ﴾ إلخ يتطلبه مزيد تطلب ونظائره في آيات القرآن كثيرة.

على أن معنى ذلك التقدير لا يلاقي الكلام المتقدم المثبت أن إيمانهم أمَرهم بهذا المذام فكيف ينفي بَعْد ذلك أن يكون إميانهم يأمرهم؟

و ﴿ بئسما ﴾ هنا نظير بئسما المتقدم في قوله: ﴿ بئسما اشتروا به أنفسهم ﴾ [البقرة: 90] سوى أن هذا لم يؤت له باسممٍ مخصوص بالذم لدلالة قوله: ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ﴾ والتقدير بئسما يأمركم به إيمانكم عبادةُ العجل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ.

﴿ وَيَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ ﴾ يَعْنِي بِما بَعْدَهُ.

﴿ وَهُوَ الحَقُّ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ، لِأنَّ كُتُبَ اللَّهِ تَعالى يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا.

﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ ﴾ مَعْناهُ: فَلِمَ قَتَلْتُمْ، فَعَبَّرَ عَنِ الفِعْلِ الماضِي بِالمُسْتَقْبَلِ، وهَذا يَجُوزُ، فِيما كانَ بِمَنزِلَةِ الصِّفَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ ﴾ أيْ ما تَلَتْ، وقالَ الشّاعِرُ: وإنِّي لَآتِيكم بِشُكْرِ ما مَضى مِنَ الأمْرِ واسْتِحْبابِ ما كانَ في غَدِ يَعْنِي ما يَكُونُ في غَدٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: فَلِمَ تَرْضَوْنَ بِقَتْلِ أنْبِياءِ اللَّهِ، إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؟

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ ويكفرون بما وراءه ﴾ قال: بما بعده.

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ ويكفرون بما وراءه ﴾ قال: القرآن.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَاَءَكُمْ ﴾ اللام في (لقد) لام القسم (١) والمراد بالبيّناتِ في هذه الآية ما ذكره في قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ  ﴾ ، وهي العصا، واليد، وفلق البحر، والجراد، والقُمَّل (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ ﴾ المراد بـ (ثُم) هاهنا: الاستعظام لكفرهم مع ما رأوا من الآيات التي أتى بها موسى  .

(١) ينظر: "تفسير "القرطبي" 2/ 27.

(٢) القمّل: قال ابن عباس: وهو السوس الذي يخرج من الحنطة، وعنه: أنه الدَّبى وهو الجراد الصغار الذي لا أجنحة له - وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة، وقال الطبري في تفسيره 9/ 33: القمّل: جمع، واحدتها قُمَّلة، وهي دابة تشبه القمْل، تأكلها الإبل فيما بلغني.

ينظر "تفسير ابن كثير" ص 700.

(٣) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 421 "البحر المحيط" 1/ 308 إلا أنه عد بدل الأخيرين: السنين، والطوفان.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بالبينات ﴾ يعني المعجزات: كالعصا، وفلق البحر، وغير ذلك ﴿ اتخذتم العجل ﴾ ذكر هنا على وجه ألزم لهم، والإبطال بقولهم: ﴿ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾ وكذلك رفع الطور، وذكر قبل هذا على وجه تعداد النعم لقوله: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم ﴾ [البقرة: 52] ﴿ فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ [البقرة: 64] وعطفه بثم في الموضعين إشارة إلى قبح ما فعلوه من ذلك ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ الضمير لموسى عليه السلام: أي من بعد غيبته في مناجاة الله على جبل الطور ﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ أي: سمعنا قولك وعصينا أمرك، ويحتمل أن يكونوا قالوه بلسان المقال، أو بلسان الحال ﴿ وَأُشْرِبُواْ ﴾ عبارة عن تمكن حب العجل في قلوبهم، فهو مجاز، تشبيهاً بشرب الماء، أو بشرب الصبغ في الثوب وفي الكلام محذوف أي أشربوا حب العجل وقيل: إن موسى برد العجل بالمبرد ورمى برادته في الماء فشربوه، فالشرب على هذا حقيقة، ويردّ هذا قوله: في قلوبهم ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ الباء سببية للتعليل، أو بمعنى المصابة ﴿ يَأْمُرُكُمْ ﴾ إسناد الأمر إلى إيمانهم، فهو مجاز على وجه التهكم، فهو كقولهم: ﴿ أصلاوتك تَأْمُرُكَ ﴾ [هود: 87] كذلك إضافة الإيمان إليهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولقد جاءكم ﴾ مدغمة الدال في الجيم كل القرآن: أبو عمرو وحمزة وعلي خلف وهشام ﴿ جاءكم ﴾ وبابه بالإمالة: حمزة وخلف وابن ذكوان ﴿ قلوبهم العجل ﴾ بكسر الهاء والميم: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ حمزة وعلي وخلف بضم الهاء والميم، الباقون بكسر الهاء وضم الميم وكذلك كل ما لقي الميم حرف ساكن وقبل الهاء كسرة ﴿ بما تعملون ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب.

والوقوف: ﴿ ظالمون ﴾ (ه) ﴿ الطور ﴾ (ط) لتقدير القول ﴿ واسمعوا ﴾ (ط) ﴿ بكفرهم ﴾ (ط) ﴿ مؤمنين ﴾ (ه) ﴿ صادقين ﴾ (ه) ﴿ أيديهم ﴾ (ط) ﴿ بالظالمين ﴾ (ه) ﴿ على حياة ﴾ (ج) على تقدير: ومن الذين أشركوا قوم يود أحدهم، ومن وقف على ﴿ أشركوا ﴾ فتقديره أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا و ﴿ يود ﴾ مستأنف للبيان وإنما لم يدخل من في الناس وأدخل في الذين أشركوا لأن اليهود من الناس وليسوا من المشركين كقولك "الياقوت أفضل الحجارة وأفضل من الديباج" ﴿ سنة ﴾ (ط) لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً ﴿ أن يعمر ﴾ (ط) ﴿ يعملون ﴾ (ه).

التفسير: السبب في تكرير قصة اتخاذ العجل ههنا القدح بوجه آخر في قولهم ﴿ نؤمن بما أنزل علينا  ﴾ وبيان وصفهم بالعناد والتكذيب تسلية لرسول الله  وتثبيتاً له، فإن قوم موسى  بعد ظهور المعجزات الواضحات على يده اتخذوا العجل إلهاً ومع ذلك صبر وثبت على الدعاء إلى ربه والتمسك بدينه وشرعه.

وكرر ذكر رفع الطور للتأكيد، ولما نيط به من زيادة قولهم ﴿ سمعنا وعصينا ﴾ الدال على نهاية لجاجهم وذلك أنه قال لهم: اسمعوا سماع تقبل وطاعة.

فقالوا: سمعنا ولكن لا سماع طاعة، وظاهر الآية يدل على أنهم قالوا هذا القول أعني سمعنا وعصينا وعليه الأكثرون.

وعن أبي مسلم أنه يجوز أن يكون المعنى سمعوه وتلقوه بالعصيان، فعبر عن ذلك بالقول مثل ﴿ قالتا أتينا طائعين  ﴾ ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل ﴾ أي تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الثوب الصبغ.

وقوله  ﴿ في قلوبهم ﴾ بيان لمكان الإشراب كقوله ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ناراً  ﴾ وفي هذه الاستعارة لطيفة وهي أنه كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض فكذا تلك المحبة كانت مادة للقبائح الصادرة عنهم.

وفي قوله ﴿ واشربوا ﴾ دلالة على أن فاعلاً غيرهم فعل ذلك بهم كالسامري وإبليس وشياطين الجن والإنس، وذلك بسبب كفرهم واعتقادهم التشبيه على الله  ولا ريب أن جميع الأسباب تنتهي إلى الله  وقد عرفت التحقيق في أمثال ذلك مراراً.

﴿ بئسما يأمركم ﴾ المخصوص بالذم محذوف أي بئس شيئاً يأمركم به إيمانكم بالتوراة عبادة العجل، فليس في التوراة عبادة العجاجيل.

وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال قوم شعيب ﴿ أصلاتك تأمرك  ﴾ وكذلك إضافة الإيمان إليهم.

واعلم أن الإيمان عرض ولا يصح منه الأمر والنهي، لكن الداعي إلى الفعل والسبب فيه قد يشبه بالأمر كقوله ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ ﴿ قل إن كانت لكم الدار الآخرة ﴾ الدار اسم "كان" وفي الخبر ثلاثة أوجه: الأول: ﴿ خالصة ﴾ و ﴿ عند ﴾ ظرف لخالصة أو للاستقرار الذي في ﴿ لكم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ عند ﴾ حالاً من الدار والعامل فيها "كان" أو الاستقرار.

وأما ﴿ لكم ﴾ فيكون على هذا متعلقاً بـ "كان" لأنها تعمل في حروف الجر، ويجوز أن يكون للتبيين فيكون موضعها بعد ﴿ خالصة ﴾ أي خالصة لكم فيتعلق بنفس خالصة، ويجوز أن يكون صفة لخالصة قدمت عليها فيتعلق حينئذ بمحذوف.

الثاني: أن يكون خبر كان ﴿ لكم ﴾ و ﴿ عند الله ﴾ ظرف و ﴿ خالصة ﴾ حال والعامل "كان" أو الاستقرار.

الثالث: أن يكون ﴿ عند الله ﴾ هو الخبر و ﴿ خالصة ﴾ حال والعامل فيها إما عند، و ما يتعلق به أو "كان" أو "لكم" وسوغ أن يكون ﴿ عند ﴾ خبر ﴿ كانت لكم ﴾ إذ كان فيه تخصيص وتبيين نحو ﴿ ولم يكن له كفواً أحد  ﴾ وقوله ﴿ من دون الناس ﴾ نصب بـ ﴿ خالصة ﴾ لأنك تقول: خلص كذا من كذا.

والمراد بالدار الآخرة الجنة لأنها هي المطلوبة من الدار الآخرة دون النار.

والمراد بقوله ﴿ عند الله ﴾ الرتبة والمنزلة، وحمله على عندية المكان ممكن ههنا إذ لعلهم كانوا مشبهة.

ومعنى خالصة لكم أي سالمة خاصة بكم لا حق لأحد فيها سواكم.

"ودون" ههنا يفيد التجاوز والتخطي في المكان كما تقول لمن وهبته منك ملكاً: هذا لك من دون الناس.

أي لا يتجاوز منك إلى غيرك.

والناس للجنس وقيل للعهد وهم المسلمون والجنس أولى لقوله ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى  ﴾ ولأنه لم يوجد ههنا معهود.

فإن قلت: من أين ثبت أنهم ادعوا ذلك؟

قلنا: لأنه لا يجوز أن يقال في معرض الاستدلال على الخصم إن كان كذا وكذا فافعل كذا إلا والأول مذهبه ليصح إلزامه بالثاني، ولقوله  ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى  ﴾ ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ ولما اعتقدوا في أنفسهم أنهم هم المحقون، لأن النسخ غير جائز عندهم، ولزعمهم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم ويوصلونهم إلى ثواب الله فلهذه الأسباب عظموا شأن أنفسهم وكانوا يفتخرون على العرب، وربما جعلوه كالحجة في أن النبي  المنتظر المبشر به في التوراة منهم لا من العرب، وكانوا يصرفون الناس بسبب هذه الشبهة عن اتباع محمد  ، فبين الله  فساد معتقدهم بالآية.

وبيان الملازمة أن متاع الدنيا قليل في جنب نعم الآخرة، وذلك القليل كان أيضاً منغصاً عليهم بعد ظهور محمد  ومنازعته معهم بالجدال والقتال.

فالموت خير لهم لا محالة لأنه يوصل إلى الخيرات الكثيرة الدائمة الصافية عن النغص، ولا يفوت إلا القليل النكد.

والوسيلة وإن كانت مكروهة نظراً إلى ذاتها لكنه لا يتركها العاقل نظراً إلى غايتها كالفصد ونحوه.

والنهي عن تمني الموت في قوله  "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به وإن كان ولا بد فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً إليّ وأمتني ما كانت الوفاة خيراً لي" محمول على تمن سببه عدم الصبر على الضر ونكد العيش كما قال قائل: ألا مـــوت يبــــاع فــأشتــريــه *** فهــذا العيــش مــا لا خيــر فيــه ألا رحــم المهيمــن روح عبـد *** تصــدق بــالــوفـاة علــى أخيــه فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقضاء ويدل على الجزع وضيق العطن وينافي قضية التوكل والتسليم، أو على تمن سببه الجزم بالوصول إلى نعيم الآخرة فإن ذلك خارج عن قانون الأدب، ونوع من الأخبار بالغيب لا يليق إلا ببعض أولياء الله.

روي أن علياً  كان يطوف بين الصفين في غلالة وهي شعار يلبس تحت الثوب وتحت الدرع أيضاً.

فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزي المحاربين.

فقال: يا بني، لا يبالي أبوك على الموت سقط أم عليه سقط الموت.

وعن حذيفة أنه  كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال  : حبيب جاء على فاقة لا يفلح من ندم.

يعني على التمني.

وقال عمار بصفين: الآن ألاقي الأحبة، محمداً وحزبه.

وكان كل واحد من العشرة المبشرة بالجنة يحب الموت ويحن إليه لجزمهم بلقاء الله و نيل ثوابه وذلك لمكان البشارة، فأما أحدنا فلا يليق به تمني الموت إلا على سبيل الرجاء وحسن الظن بالله "أنا عند ظن عبدي بي" وعن النبي  "لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على الأرض يهودي" وليس لهم أن يقلبوا هذا السؤال على محمد  فيقولوا: إنك تدعي أن الدار الآخرة خالصة لك ولأمتك دون من ينازعك في الأمر، فارض بأن نقتلك ونقتل أمتك فإنا نراك وأمتك في الضر الشديد والبلاء العظيم، وبعد الموت تتخلصون إلى دار الكرامة والنعيم، لأنه  بعث لتبليغ الشرائع وتنفيذ الأحكام ولا يتم المقصود إلا بحياته وحياة أمته، فله  أن يقول لأجل هذا لا أرضى بالقتل مع أن المؤمن من هذه الأمة قلما يخلو من النزاع والشوق إلى لقاء ربه، فالعبد المطيع يحب الرجوع إلى سيده، والعبد الآبق يكره العود إلى مولاه، ولهذا جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وبذلوا أرواحهم دون الدين والذب عن الملة الحنيفية ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر  ﴾ عن عبادة بن الصامت أن النبي  قال "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقالت عائشة أو بعض أزواجه إنا لنكره الموت قال ليس ذلك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه.

وإن الكافر إذا حضره الموت بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه" ثم إنه  بين انتفاء اللازم بقوله ﴿ ولن يتمنوه أبداً ﴾ وبرهن عليه بقوله ﴿ بما قدمت أيديهم ﴾ أي بما أسلفوا من موجبات النار كالكفر بمحمد  وبالقرآن وكتحريف كتاب الله وسائر قبائح أفعالهم.

وذكر الأيدي مجاز لأن أكثر الأعمال يتم بمباشرة اليد.

وقوله ﴿ ولن يتمنوه أبداً ﴾ من المعجزات لأنه إخبار بالغيب، وكان كما أخبر به كقوله ﴿ ولن تفعلوا  ﴾ وذلك أن التمني ليس من أعمال القلب حتى لا يطلع عليه أحد، وإنما هو قول الإنسان بلسانه تمنيت أو ليت لي كذا، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب.

فلو إنهم تمنوا لنقل ذلك كما ينقل سائر الحوادث العظام، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن أكثر من الذرّ.

وأيضاً لو كان التمني بالقلوب وتمنوا لقالوا قد تمنينا الموت في قلوبنا ولم ينقل أنهم قالوا ذلك.

وأيضاً لولا أنه  أوحى إليه أنهم لم يتمنوا لم يكن في العقل رخصة الإقدام على مثل هذا الإلزام، لأنه في غاية السهولة، وإذا ثبت انتفاء اللازم ثبت انتفاء الملزوم بالضرورة وهو أن لا تكون الدال الآخرة لهم خالصة، وأما أنها ليست لهم بالاشتراك أيضاً، فيستفاد من الآية التالية.

وفي قوله ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ إشارة أيضاً إلى ذلك لأنه إذا كان محيطاً بسرهم وعلانيتهم وقد قدموا من القبائح ما قدموا فيجازيهم بما يحقون له.

وفي وضع الظاهر وهو بالظالمين مقام المضمر وهو بهم إشارة أخرى إلى سوء منقلبهم ﴿ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون  ﴾ واللام إما للعهد وإما للجنس، فيشملهم أولاً وغيرهم من الظلمة ثانياً.

فإن قيل: ما الفائدة في قوله ههنا ﴿ ولن يتمنوه ﴾ وفي سورة الجمعة ﴿ ولا يتمنونه  ﴾ ؟

قلنا: لأن الدعوى هنا كون الدار الآخرة خالصة لهم، وهناك كونهم أولياء لله من دون الناس، والأول مطلوب بالذات، والثاني وسيلة إليه، فناسب أن ينفي الأول بما هو أبلغ في إفادة النفي وهو "لن"، أو لأن الدعوى الثانية أخص فإنه لا يلزم أن يكون كل من له الدار الآخرة ولياً بمعنى أنه يلي النبي في الكمال والإكمال، ونفي العام أبعد من نفي الخاص كما أن إثبات الخاص في قولك "فلان ابن فلان موجود" أبعد من إثبات العام في قولك "الإنسان موجود".

فحيث كانت الدعوى الأولى أبعد احتيج إلى أداة هي في باب النفي أبلغ.

ثم إنه  لما أخبر عنهم في الآية المتقدمة أنهم لا يتمنون الموت، أخبر بعد ذلك أنهم في غاية الحرص على الحياة، لأن ههنا قسماً ثالثاً وهو أن لا يتمنى الحياة ولا الموت فقال ﴿ ولتجدنهم أحرص الناس ﴾ مؤكداً باللام والنون والقسم المقدر وهو من وجد بمعنى علم.

وقوله ﴿ على حياة ﴾ بالتنكير لأنه أراد نوعاً من الحياة مخصوصاً وهي الحياة المتطاولة أو حياة وأيّ حياة.

وفي جعلهم أحرص من الذين أشركوا توبيخ عظيم، لأن المشركين لا يؤمنون بمعاد وعاقبة وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فهي جنتهم، فلا يستبعد حرصهم عليها.

فإذا ازداد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان خليقاً بالتوبيخ.

وسبب زيادة حرصهم هو علمهم بأنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون غافلون عن ذلك.

وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: عش ألف نيروز وألف مهرجان.

وعن ابن عباس: هو قول الأعاجم "زي هزار سال"، ويحسن أن يقال ﴿ ومن الذين أشركوا ﴾ كلام مبتدأ أي ومنهم ناس يودّ على حذف الموصوف كقوله ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ أي وما منا ملك لقوة الدلالة عليه بذكر ما اشتمل عليه قبله، فكأنه مذكور، وعلى هذا يلزم توبيخ اليهود من جهة أخرى وهي انضمامهم في زمرة المشركين وكونهم بعضاً منهم وذلك كقولهم ﴿ عزير ابن الله  ﴾ .

وقال أبو مسلم: في الآية تقديم وتأخير أي ولتجدنهم طائفة من الذين أشركوا وأحرص الناس على حياة، ثم فسر بقوله ﴿ يود أحدهم ﴾ أي كل واحد يغرض لو يعمر.

و "لو" في معنى التمني و ﴿ لو يعمر ﴾ حكاية لودادتهم، وكان يجوز "لو أعمر" على الحكاية إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله ﴿ يود أحدهم ﴾ مثل "حلف بالله ليفعلن" وتخصيص الألف بالذكر بناء على العرف ولأنه أول عقد يستحيل وقوعه في أعمار بني آدم أو يندر.

والضمير في قوله ﴿ وما هو ﴾ يعود إلى أحدهم و ﴿ أن يعمر ﴾ فاعل ﴿ بمزحزحه ﴾ أي وما أحدهم بمن يزحزحه من العذاب تعميره.

ويجوز أن يكون الضمير لما دل عليه ﴿ يعمر ﴾ من مصدره و ﴿ أن يعمر ﴾ بدل منه كأنه قيل: وما التعمير بمزحزحه من العذاب أن يعمر.

ويجوز أن يكون ﴿ هو ﴾ مبهماً و ﴿ أن يعمر ﴾ موضحه.

والزحزحة المباعدة والتنحية.

﴿ والله بصير بما يعملون ﴾ فيه تهديد لأهل البغي والعناد، وزجر للعصاة عن الفساد.

والبصر قد يراد به العلم يقال فلان بصير بهذا الأمر أي عارف به، وقد يراد به أنه على صفة لو وجدت المبصرات لأبصرها، وكلا الوصفين يصح عليه  ما لم يثبت له جارحة.

فإن قلنا: إن من الأعمال ما لا يصح أن يرى، تعين حمل البصر فيه على العلم والله أعلم بالصواب.

وإليه المرجع والمآب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ .

والبينات: ما ذكرنا - فيما تقدم - من الآيات المعجزة، والحجج العجيبة، والبراهين الظاهرة على رسالته ونبوته، وصدق ما يدعوهم إليه، مما يدل كله أَنه من عند الله.

ثم - مع ما جاءَهم موسى بها - عبدوا العجل واتخذوه إلهاً، وكفروا بالله.

يُعَزِّي نبيه  ؛ لئلا يظن أَنه أَول مُكذَّب من الرسل، ولا أَول من كُفِر به؛ حتى لا يضيق صدره بما يقولون، ويستقبلونه بما يكره، وبالله التوفيق.

كقوله: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ﴾ .

قد ذكرنا هذا فيما تقدم ما فيه مقْنع، إن شاءَ الله  .

وقوله: ﴿ وَٱسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: اسمعوا، أَي: أَجيبوا.

ويحتمل: اسمعوا: أَطيعوا، لكن هذا فيما بين الخلق جائز السمع والطاعة.

وأََما إِضافة الطاعة إلى الله - عز وجل - فإِنه غير جائز؛ إذ لا يجوز أَن يقال: أَطاع الله.

وأَما السمع فإنه يجوز؛ لقوله: "سمع الله لمن حمده".

﴿ قَالُواْ سَمِعْنَا ﴾ قولك، ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ أَمرك.

لكن قولهم: ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ لم يكن على أثر قولهم: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ ، ولكن بعد ذلك بأَوقات؛ لأَنه قيل: لما أَبوا قبول التوراة؛ لما فيها من الشدائد والأَحكام، رفع الله الجبل فوقهم، فقبلوا؛ خوفاً من أَن يرسل عليهم الجبلَ، وقالوا: أَطعنا، فلما زايل الجبل، وعاد إلى مكانه، فعند ذلك قالوا: ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ  ﴾ فالتولي منهم كان بعد ذلك بأَوقات.

وقوله: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ﴾ .

قيل: أُشربوا، أَي: جُعل في قلوبهم حبُّ عبادة العجل بكفرهم بالله عز وجل.

وقيل: سُقُوا حُبَّ العجل.

وقيل: إِن موسى لما أَحرق العجل، ونسفه في البحر جعلوا يشربون منه لحبهم العجل.

وقيل: لما أَحرق ونسف في البحر جعلوا يلحسون الماء حتى اصفرت وجوههم.

وقيل: إنهم لما رأوا في التوراة ما فيها من الشدائد، قالوا عند ذلك: عبادةُ العجل علينا أَهون مما فيها من الشرائع.

وكله يرجع إلى واحد، وذلك كله آثار الحب.

وقوله: ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

قيل: قل يا محمد: بئسما يأْمركم إيمانكم بالعجل الكفرَ بالله عز جل.

وقيلأ: إن اليهود ادعوا أَنهم مؤمنون بالتوراة؛ فقال: ﴿ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ ﴾ أي بالتوراة؛ إذ كفرتم بمحمد  ، وقد وجدتم فيها نعته وصفته.

وقوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

وذلك أَن أَعداءَ الله -  - كانوا يقولون: إن الجنة لنا في الآخرة، بقولهم ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ ، وكقولهم: ﴿ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ  ﴾ ، وكقولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ ؛ فقال الله  لنبيه  : قل لهم: إن كانت لكم الدار الآخرة - كما تزعمون - وأَنكم أَبناءُ الله وأَحباؤه - كما تقولون - ﴿ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

وذلك أَن المرء لا يكره الانتقال إلى داره، وإلى بستانه، بل يتمنى ذلك، وكذلك المرءُ لا يكره القدوم على أبيه، ولا على ابنه، ولا على حبيبه، ولا يخاف نقمته ولا عذابه، بل يجد عنده الكرامات والهدايا.

فإن كان كما تقولون، فتمنوا الموت؛ حتى تنجوا من غم الدنيا، ومن تحمل الشدائد التي فيها إن كنتم صادقين في زعمكم: بأَن الآخرة لكم، وأَنكم أَبناءُ الله وأَحباؤه.

فإن قيل: إنكم تقولون: إن الآخرة للمؤمنين، ثم لا أَحد منهم يتمنى الموت إذا قيل له: تمنّ الموت، فما معنى الاحتجاج عليهم بذلك، وذلك على المؤمنين كهو عليهم؟

قيل: لوجهين: أَحدهما: أَن المؤمنين لم يجعلوا لأَنفسهم من الفضل والمنزلة عند الله ما جعلوا هم لأَنفسهم؛ فكان في تمنيهم صدقُ ما ادعَوْا لأَنفسهم، وفي الامتناع عن ذلك ظهورُ صدق رسول الله  .

والثاني: ما ذكرنا أَنهم ادعوا: أَنهم أَبناءُ الله وأَحباؤه، وفي تمنيهم الموت ردهم، وصرفهم إلى الحبيب، والأَب الذي ادعوه، ولا أَحد يرغب وينفر عن حبيبه وأَبيه؛ فدل امتناعهم عن ذلك: على كذبهم في دعاويهم.

وبالله نستعين.

فإن سأَلونا عن قوله: ﴿ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ ﴾ أنهم إذا تمنوا ليس كان انقضاء عمرهم بدون الأَجَل الذي جعل لهم، وفي ذلك: تقديم الآجال عن الوقت الذي كان أَجَلا، وقال الله  : ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ .

قيل: إن الله علم منهم - في سابق علمه، وأَزليته - أَنهم لا يتمنون جعل أَجلهم ذلك.

ولو علم منهم أَنهم يتمنون الموت لكان يجعل أَجلهم ذلك في الابتداءِ، وكذلك هذا الجواب؛ لما روي: "أَن صلة الرحم تزيد في العمر" إنه كان كذلك يحتمل في الابتداءِ، لا أَن يجعل أَجله إلى وقت، ثم إذا وصل رحمه يزيد على ذلك الأَجل أَو ينقص، فيتمنى الموت عن الأَجل المجعول المضروب له، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً ﴾ .

فيه دلالة إِثبات رسالة محمد  ، وذلك أَنه أَخبر - عز وجل - أَنهم لا يتمنون أَبداً، فكان كما قال؛ فدل أَنه من عند الله علم ذلك.

وقوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ .

من الذنوب، والعصيان، والتكذيب بمحمد  ، والحسد له.

وهم - والله أعلم - قد عرفوا عن صنيعهم، وما لهم من عند الله من العذاب والجزاءِ، لكنهم قالوا ذلك؛ على التعنت، والمكابرة، والسفه؛ لذلك لم يتمنوا، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ ﴾ .

هو على الوعيد؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ  ﴾ .

ويحتمل: عليم بالظالمين؛ بما يفضحهم بالحجج، ويُظهر كذبهم في الدنيا؛ لئلا يظن أحد أَنه عن غفلة بما يعملون، بل خلقهم على علم منه بما يعملون.

خلقهم؛ ليعلم أنه لا لنفع له بخلقهم خلَقَهم، وأَن ذلك لا يضره.

وقوله: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ ﴾ يعني اليهود.

﴿ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ ﴾ .

وعلى كراهية الموت.

فدل حرصهم على حياة الدنيا أَنهم كذبة فيما يزعمون ويدعون.

وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ﴾ .

يعني: المجوس.

أي: هم أحرص الناس على حياة الدنيا من المجوس؛ لأَن المجوس لا يؤمنون بالبعث ولا بالقيامة، وهم يؤمنون بها؛ فهم - مع إيمانهم بالبعث، وتصديقهم بالقيامة - أَحرص على حياة الدنيا من المجوس الذين لا يؤمنون بالبعث ولا بالقيامة.

وقيل: إِنَّه على الابتداءِ.

ولا يتنافى بقول: ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ﴾ يعني: المجوس ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ ؛ لأنهم يقولون فيما بينَهم: أَلف سنة تأْكل النيروز والمهرجان، ويقولون بالفارسية: هزار ساله بزه.

فأَخبر الله -  - أَن طول العمر في الدنيا لا ينجيه من العذاب في الآخرة، ولا يباعده عنه.

وهو قوله: ﴿ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ  ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ  مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ .

هو على الوعيد أيضاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد جاءكم رسولكم موسى  بالآيات الواضحات الدالة على صدقه؛ ثم بعد ذلك جعلتم العجل إلهًا تعبدونه بعد ذهاب موسى لميقات ربه، وأنتم ظالمون لإشراككم بالله، وهو المستحق للعبادة وحده دون سواه.

<div class="verse-tafsir" id="91.k970y"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

سبق التذكير باتخاذ العجل في قوله تعالى ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً  ﴾ ثم أعاده هنا بعبارة وأسلوب آخرين في سياق آخر.

أما اختلاف العبارة والأسلوب فظاهر وأما السياق فقد كان أولًا في تعداد النعم على بني إسرائيل وبيان ما قابلوها به من الكفران وهو هنا في ذكر الآيات ورد شبهاتهم المانعة بزعمهم من الإيمان بالنبي  ، فهناك يقول إن النعم التي أسبغها الله عليكم لم يكن لها من شكر عندكم إلا اتخاذ عجل تعبدونه من دونه.

وههنا يقول إن الآيات البينات على النبوة والوحدانية، لم تزدكم إلا إيغالًا في الشرك وانهماكًا في الوثنية، فكيف تعتذرون عن الإيمان بمحمد بأنكم لا تؤمنون إلا بما أنزل إليكم وهذا شأنكم فيه؟

ومجموع الآيتين ينبئ بفساد قلوب القوم وفساد عقولهم حتى لا مطمع في هداية أكثرهم من جهة الوجدان، ولا من ناحية العقل والجنان.

وهذه البينات التي ذكرها ههنا قد كانت في مصر قبل الميعاد الذي نزلت فيه التوراة وأما النعم التي ذكرها هناك فقد كانت في أرض الميعاد كما تقدم.

ووجه الاتصال بين هذه الآية وما قبلها قد علم مما قلناه في السياق، وفيه المقابلة بين معاملتهم لموسى  ومعاملتهم للنبي  إذ قالوا: قلوبنا غلف: وادعوا أنهم مأمورون بأن لا يؤمنوا إلا بما أنزل عليهم خاصة.

وقد علم من هذه الحجج كلها بطلان شبههم وكذبهم في دعواهم وأنه لا عذر لهم في ترك الإيمان.

﴿ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ  ﴾ أي من بعد هذا المجيء لا من بعد موسى، والمراد أنه لم يكن لهم عذر في ذلك الاتخاذ فإنه بعد بلوغ الدعوة وقيام الحجة، ولذلك قال ﴿ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ  ﴾ وأي ظلم أعظم من الشرك بالله تعالى؟

ولا تغفل عن الإيجاز في قوله ﴿ مِنْ بَعْدِهِ  ﴾ وحذف مفعول ﴿ اتَّخَذْتُمْ  ﴾ أي اتخذتموه إلهًا.

ثم ذكرهم هنا أيضًا بأخذ الميثاق ورفع الطور كما ذكرهم به في آية تقدمت، وقد قال هناك ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ  ﴾ وقال هنا ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا  ﴾ وأمرهم في تلك بالحفظ وأمرهم في هذه بالفهم والطاعة.

وقلنا في تفسير ﴿ وَاذْكُرُوا  ﴾ أن المراد الحث به على العمل فالعبارتان تتلاقيان في المعنى والمراد.

وفي اختلاف النظم والأسلوب حجة على الذين توهموا أن إعجاز القرآن في البلاغة إنما هو في السبق إلى العبارة التي يتأدى بها المعنى على أكمل الوجوه الممكنة في نظم الكلمات العربية.

رأى هؤلاء أن المعنى الذي يفيد علمًا بشيء ما له كلمات في اللغة تؤديه بوجوه من النظم وأن الكلمات والوجوه محدودة فمن سبق إلى أتمها أداء وأبلغها تأثيرًا كان كالسابق إلى انتقاء أكرم جوهرة من طائفة من الجواهر أمامه أو إلى أنفس عقد وأحسنه نظمًا من عقود عرضت عليه.

مثال ذلك قوله تعالى ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ  ﴾ قال علماء هذا الشأن إنه يتألف من هذه الكلمات عشرة ضروب من النظم بالتقديم والتأخير ما من ضرب منها إلا وهو منتقد بالخطل أو إيهام خلاف المراد أو الخطأ في الإعراب إلا نظم الآية فهو الذي يؤدي المعنى على أكمل الوجوه ولا يتأتى نظم آخر يؤدي مؤداه.

وزعم بعض الناس أن هذا الإعجاز ليس إلهيًا.

لو أخذ ما قالوه مسلمًا على إطلاقه لكان لنا أن نقول إنه ليس في قدرة أحد من البشر أن يأتي بكلام طويل يتجلى له في كل جملة منه جميع الكليات التي تدخل في تأدية المعنى المراد له وجميع ضروب النظم ووجوه الأساليب الممكنة في ترتيب تلك الكلمات وتأليفها فيختار الأحسن الأبلغ منها.

وإذا لم يكن هذا في قدرة البشر كما هو ظاهر فلا بد أن يكون من جاء به مؤيدًا بعناية من الله تعالى.

على أننا لا نسلم بما قالوه على إطلاقه فإنه لا يتجه إلا في ألفاظ معينة كألفاظ آية ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ  ﴾ إلخ وإذا نظرنا إلى المعاني، لا سيما الكلية، نراها تتجلى في صور كثيرة من النظم الذي تختلف ألفاظه.

وأمامنا الآن معنى الآية التي نفسرها وهو أن الله أخذ هذا العهد على بنى إسرائيل بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا وأن يعملوا بشريعته ووصاياه، وكان أخذ هذا العهد في موقف رهبة وخشوع يعين على أخذه بالجد والعزيمة، إذ كان الجبل مرفوعًا فوقهم بصفة لم يعهدوها حتى ظنوا أنه يريد أن يقع بهم، ولكنهم لم يلبثوا أن نقضوا هذا الميثاق وتركوا العمل به وعبدوا العجل الذي صاغوه من حليهم بأيديهم عن حب متمكن من النفس، وغالب على العقل والحس، وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في كتابه غير مرة ولكن بعبارات مختلفة كالآية التي تقدمت وذكر هناك أنهم تولوا عن الميثاق بعد الأمر بحفظه والعمل به رجاء التقوى، وكآية الأعراف ﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ  ﴾ وتقدمت الإشارة إليها هناك وكلاهما غاية في البلاغة .

وذكره هنا بنظم آخر تنتهي إليه البلاغة في سياق آخر فقال ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا  ﴾ ثم التفت عن خطاب الحاضرين إلى الحكاية عن الغابرين فقال ﴿ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا  ﴾ أي أنهم قبلوا الميثاق وفهموه ولكنهم لم يعملوا به بل خالفوه تعنتًا وتأولًا، وليس المراد أنهم نطقوا بهاتين الكلمتين ﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا  ﴾ بل المراد أنهم بمثابة من قال ذلك، ومثل هذا التجوز معروف في عهد العرب، وفي هذا العهد، يعبرون عن حال الإنسان وغيره بقول يحيكه عن نفسه حتى حكي مثل ذلك عن الحيوانات والطيور وعن الجمادات أيضًا، وهو أسلوب أظن أنه يوجد في كل لغة أو في اللغات الراقية فقط.

ثم ذكر أقبح أمثلة هذا العصيان بعبارة مدهشة في بلاغتها فقال ﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ  ﴾ هذه الاستعارة من فرائد الاستعارات يتمثل بها عند ذكر بلاغة القرآن.

وإشراب الشيء الشيء مخالطته إياه وامتزاجه به، يقال بياض مشرب بحمرة، أو هو من الشرب كان الشيء المحبوب شراب يساغ فهو يسري في قلب المحب ويمازجه كما يسري الشراب العذب البارد في لهاته.

وقد قدر الأكثرون هنا مضافًا محذوفًا فقالوا المراد"حب العجل" وذهب بعض الجامدين على الظواهر إلى أن المراد بالشرب هنا حقيقته وزعموا أن موسى لما سحق العجل وذراه في اليم طفقوا يشربون المسحوق مع الماء.

وغفل صاحب هذا الزعم عن قوله تعالى ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ  ﴾ والشراب الحقيقي لا يكون في القلب.

والشرب غير الإشراب.

ولبعض المفسرين مزاعم وقصص في العجل لا يدل عليها وحي منزل، ولا تاريخ صحيح ينقل، والباء في قوله ﴿ بِكُفْرِهِمْ  ﴾ للسببية أي سبب هذا الحب الشديد لعبادة العجل هو ما كانوا عليه من الوثنية في مصر فقد رسخ الكفر في قلوبهم بطول الزمن وورثه الأبناء عن الآباء.

وأما السياق الذي وردت فيه هذه الآية بهذا النظم والأسلوب المخالفين لأسلوب تلك الآية مع الاتحاد في المعنى فهو إقامة الحجة على اليهود الذين لم يؤمنوا بالنبي  ورد زعمهم أنهم مؤمنون بشريعة لا يطالبهم الله بالإيمان بغيرها، كما قلنا في التي قبلها، ولذلك ختم الآية بقوله تعالى مخاطبا للنبي  ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ أي إن صح زعمكم أنكم مؤمنون بشريعة -والإيمان الحقيقي يقتضي العمل بما له من السلطان على الإرادة- فبئسما يأمركم به ذلك الإيمان من الأعمال التي منها عبادة العجل وقتل الأنبياء ونقض الميثاق.

لكن هذا الزعم مشكوك فيه بل يصح القطع بعدمه، بدليل الأعمال التي يستحيل أن تكون أثرًا له.

هذه حجة عليهم بطبيعة الإيمان وأثره في عمل المؤمن.

وتليها حجة أخرى تتعلق بفائدة الإيمان ومثوبته في الحياة الأخرى وهي قوله  : ﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ المراد من الدار الآخرة ثوابها ونعيمها لأن حال الإنسان فيها لا يخلو من أحد الأمرين -المثوبة بالنعيم المقيم، والعقوبة بالعذاب الأليم، واستغنى عن التصريح بالنعيم أو الثواب بقوله ﴿ لكم  ﴾ فإنه يشعر بالمحذوف.

وإنما أوجز هنا في خطاب اليهود لأنه يحكي عن شيء يعرفونه في أنفسهم وقد أوضح المراد بقوله ﴿ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ  ﴾ والخالصة هي السالمة من الشوائب.

فسر مفسرنا "الجلال" الخالصة بالخاصة.

وقالوا إنه استعمال لم يعهد في الكلام الفصيح، والتخصيص مفهوم من قوله ﴿ مِنْ دُونِ النَّاسِ  ﴾ يقول إن صحت دعواكم وصدق قولكم إنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا وأنكم شعب الله المختار فلن تمسكم النار إلا أيامًا معدودات لا تزيد على أيام عبادة العجل ولا تتجاوز عابديه فتمنوا الموت الذي يوصلكم إلى ذلك النعيم الخالص الدائم، الذي لا منازع لكم فيه ولا مزاحم، وإن لم تتمنوا الموت فما أنتم بصادقين، إذ لا يعقل أن يرغب الإنسان عن السعادة ويختار الشقاء عليها.

والتمني هو ارتياح النفس وتشوفها إلى الشيء توده وتحب المصير إليه، وروي عن ابن عباس تفسير التمني بالسؤال والطلب، وهو غير معروف عن غيره من العرب، ولعله فسره باللازم فإن من تمنى شيئًا طلبه بالقول أو الفعل أو بها.

وقد روي عن كثير من الصحابة  تمني الموت عند القتال وبعد القتال يعبرون بألسنتهم عما في نفوسهم، وما هو إلا صدق الإيمان بما أعد الله للمؤمنين في الدار الأخرة.

إن الكلام حجة على مدعي الإيمان واستحقاق ما أعده الله لأهله في الآخرة تقنعم في أنفسهم بأنهم إما صادقون في دعواهم وذلك إذا كانوا يتمنون في أنفسهم الموت والوصول إلى الدار الآخرة، ويبذلون أرواحهم في سبيل الله بارتياح إذا كان حفظ الحق يقتضي بذلها، وإما كاذبون فيها وذلك إذا كانوا شديدي الحرص على هذه الحياة.

وليس المراد به الحجة الإلزامية أمام الناس.

ولذلك كانت العبرة في الآية عامة، فهي واردة في سياق الاحتجاج على اليهود ويجب على المسلمين أن يتخذوها ميزانًا يزنون به دعواهم اليقين في الإيمان والقيام بحقوقه لأن الله أنزلها لذلك.

لو كان المراد بقوله ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا  ﴾ أنهم لن يقولوا: يا ليتنا نموت: أو كلمة هذا معناها، لكان الاحتجاج عليهم إنما هو بالتعجيز عن لفظ يحركون به ألسنتهم ولكان ذلك من الخوارق الكونية ولما صح تعليل نفي التمني يقوله ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ  ﴾ فإن هذا التعليل صريح بأن المانع لهم من تمني الموت هو أنهم يعرفون من أنفسهم أنهم عاصون مقترفون للذنوب التي يستحقون عليها العقوبة لا أن ألسنتهم عاجزة عن النطق بكلمة تدل على تمني الموت وإن كذبًا، وكثيرًا ما كانوا يكذبون، وقد أسند الفعل إلى الأيدي لأن أكثر الأعمال تزاول بها ولذلك جرى عرف اللغة على جعلها كناية عن الشخص باعتبار أنه عامل مطلقًا.

وقد ختم الآية بقوله ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ  ﴾ ليبين أنهم ظالمون في حكمهم بأن الدار الآخرة خالصة لهم وأن غيرهم من الشعوب محروم منها وأن كل من كان مثلهم مفتاتًا على الله تعالى فهو ظالم مثلهم.

ثم بين حقيقة حالهم في الإخلاد إلى الأرض، والفناء في حب البقاء، وأنهم ليسوا على بينة مما يدعون، ولا ثقة لهم بأنفسهم فيما يزعمون، فقال ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ  ﴾ كذلك كانوا، وكذلك هم الآن، والظاهر من سيرتهم ونظام معيشتهم أنهم كذلك يكونون إلى ما شاء الله وإن كان الظاهر أن الكلام خاص بمن كانوا في عصر التنزيل يحاجهم النبي  ويشاغبونه ويجاحدونه معتزين بشعبهم، مغترين بكتابهم، بل ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد علماؤهم فقط.

ونكر الحياة للتحقير كأنه يقول إنهم شديدو الحرص على الحياة وإن كانت في بؤس وشقاء.

ثم خص طائفة من الناس بالذكر عرفوا بشدة الحرص على الحياة وتمني طول البقاء في الدنيا لأنهم لا يؤمنون بحياة بعدها فقال ﴿ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا  ﴾ أي أنهم أحرص الناس من جميع الناس حتى من الذين أشركوا، ثم بين مثالًا من هذا الحرص مستأنفًا فقال ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ  ﴾ أي يتمنى لو يعمره الله ويبقيه ألف سنة، أو أكثر فإن لفظ الألف عند العرب منتهى أسماء العدد فيعبر به عن المبالغة في الكثرة لأنه يعرف من نفسه أنه مخالف لكتابه ويتوقع سخط الله وعقابه فيرى أن الدنيا على ما فيها من المنغصات خير له من الآخرة وما يتوقعه فيها.

قال تعالى ﴿ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ  ﴾ أي وما تعميره الطويل بمزحزحه أي منحيه ومبعده عن العذاب المعد له ولأمثاله فإنه ميت مهما طال عمره وكل ما له حد فهو منته إليه ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ  ﴾ لا تخفى عليه خافية من أمرهم ولو عرفوه حق معرفته لعلموا أن طول العمر لا يخرجهم من قبضته، ولا ينجيهم من عقوبته، فإن المرجع إليه، والأمر كله بيديه.

ومن مباحث اللفظ أن الضمير في قوله ﴿ وَمَا هُوَ  ﴾ مبهم يفسره ما بعده، وأكثر المفسرين على أن ما حجازية والضمير العائد على ﴿ أَحَدُهُمْ  ﴾ اسمها وبمزحزحه خبرها والباء زائدة في الإعراب ﴿ أَنْ يُعَمَّرَ  ﴾ فاعل مزحزحه.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر