الإسلام > القرآن > سور > سورة 20 طه > الآية ١١٤ من سورة طه
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 89 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١١٤ من سورة طه من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ) كقوله تعالى في سورة " لا أقسم بيوم القيامة " ( لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه ) [ القيامة : 16 - 19 ] ، وثبت في الصحيح عن ابن عباس ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعالج من الوحي شدة ، فكان مما يحرك لسانه ، فأنزل الله هذه الآية يعني : أنه ، عليه السلام ، كان إذا جاءه جبريل بالوحي ، كلما قال جبريل آية قالها معه ، من شدة حرصه على حفظ القرآن ، فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه; لئلا يشق عليه .
فقال : ( لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه ) أي : أن نجمعه في صدرك ، ثم تقرأه على الناس من غير أن تنسى منه شيئا ، ( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه ) وقال في هذه الآية : ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ) أي : بل أنصت ، فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأه بعده ، ( وقل رب زدني علما ) أي : زدني منك علما .
قال ابن عيينة ، رحمه الله : ولم يزل صلى الله عليه وسلم في زيادة [ من العلم ] حتى توفاه الله عز وجل .
ولهذا جاء في الحديث : " إن الله تابع الوحي على رسوله ، حتى كان الوحي أكثر ما كان يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن ماجه : حدثنا أبو بكر ابن أبى شيبة ، حدثنا عبد الله بن نمير ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن ثابت ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اللهم انفعني بما علمتني ، وعلمني ما ينفعني ، وزدني علما ، والحمد لله على كل حال " .
وأخرجه الترمذي ، عن أبي كريب ، عن عبد الله بن نمير ، به .
وقال : غريب من هذا الوجه .
ورواه البزار عن عمرو بن علي الفلاس ، عن أبي عاصم ، عن موسى بن عبيدة ، به .
وزاد في آخره : " وأعوذ بالله من حال أهل النار " .
القول في تأويل قوله تعالى : فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) يقول تعالى ذكره: فارتفع الذي له العبادة من جميع خلقه، الملك الذي قهر سلطانه كل ملك وجبار، الحق عما يصفه به المشركون من خلقه ( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تعجل يا محمد بالقرآن، فتقرئه أصحابك، أو تقرأه عليهم، من قبل أن يوحى إليك بيان معانيه، فعوتب على إكتابه وإملائه ما كان الله ينـزله عليه من كتابه من كان يكتبه ذلك من قبل أن يبين له معانيه، وقيل: لا تتله على أحد، ولا تمله عليه حتى نبينه لك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، قوله ( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) قال: لا تتله على أحد حتى نبينه لك.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: يقول: لا تتله على أحد حتى نتمه لك، هكذا قال القاسم: حتى نتمه.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس.
قوله ( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) يعنى: لا تعجل حتى نبينه لك.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) : أي بيانه.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة ( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) قال: تبيانه.
حدثنا ابن المثنى وابن بشار، قالا ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) من قبل أن يبين لك بيانه.
وقوله ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) يقول تعالى ذكره: وقل يا محمد: ربّ زدني علما إلى ما علمتني أمره بمسألته من فوائد العلم ما لا يعلم.
قوله تعالى : فتعالى الله الملك الحق لما عرف العباد عظيم نعمه ، وإنزال القرآن ، نزه نفسه عن الأولاد والأنداد فقال : فتعالى الله أي جل الله الملك الحق ؛ أي ذو الحق .
ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه علم نبيه كيف يتلقى القرآن .
قال ابن عباس كان - عليه السلام - يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي حرصا على الحفظ ، وشفقة على القرآن مخافة النسيان ، فنهاه الله عن ذلك وأنزل ولا تعجل بالقرآن وهذا كقوله : لا تحرك به لسانك لتعجل به على ما يأتي .
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : لا تتله [ ص: 163 ] قبل أن تتبينه .
وقيل : ولا تعجل أي لا تسل إنزاله من قبل أن يقضى أي يأتيك وحيه .
وقيل : المعنى لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله .
قال الحسن : نزلت في رجل لطم وجه امرأته ؛ فجاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تطلب القصاص ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لها القصاص فنزل الرجال قوامون على النساء ولهذا قال : وقل رب زدني علما أي فهما ؛ لأنه - عليه السلام - حكم بالقصاص وأبى الله ذلك .
وقرأ ابن مسعود وغيره ( من قبل أن نقضي ) بالنون وكسر الضاد ( وحيه ) بالنصب .
لما ذكر تعالى حكمه الجزائي في عباده، وحكمه الأمري الديني، الذي أنزله في كتابه، وكان هذا من آثار ملكه قال: { فَتَعَالَى اللَّهُ } أي: جل وارتفع وتقدس عن كل نقص وآفة، { الْمُلْكُ } الذي الملك وصفه، والخلق كلهم مماليك له، وأحكام الملك القدرية والشرعية، نافذة فيهم.
{ الْحَقُّ } أي: وجوده وملكه وكماله حق، فصفات الكمال، لا تكون حقيقة إلا لذي الجلال، ومن ذلك: الملك، فإن غيره من الخلق، وإن كان له ملك في بعض الأوقات، على بعض الأشياء، فإنه ملك قاصر باطل يزول، وأما الرب، فلا يزال ولا يزول ملكا حيا قيوما جليلا.
{ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ } أي: لا تبادر بتلقف القرآن حين يتلوه عليك جبريل، واصبر حتى يفرغ منه، فإذا فرغ منه فاقرأه، فإن الله قد ضمن لك جمعه في صدرك وقراءتك إياه، كما قال تعالى: { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } ولما كانت عجلته صلى الله عليه وسلم، على تلقف الوحي ومبادرته إليه، تدل على محبته التامة للعلم وحرصه عليه، أمره الله تعالى أن يسأله زيادة العلم، فإن العلم خير، وكثرة الخير مطلوبة، وهي من الله، والطريق إليها الاجتهاد، والشوق للعلم، وسؤال الله، والاستعانة به، والافتقار إليه في كل وقت.
ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، الأدب في تلقي العلم، وأن المستمع للعلم ينبغي له أن يتأنى ويصبر حتى يفرغ المملي والمعلم من كلامه المتصل بعضه ببعض، فإذا فرغ منه سأل إن كان عنده سؤال، ولا يبادر بالسؤال وقطع كلام ملقي العلم، فإنه سبب للحرمان، وكذلك المسئول، ينبغي له أن يستملي سؤال السائل، ويعرف المقصود منه قبل الجواب، فإن ذلك سبب لإصابة الصواب.
( فتعالى الله الملك الحق ) جل الله عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون ، ( ولا تعجل بالقرآن ) أراد النبي صلى الله عليه وسلم ، كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادر فيقرأ معه ، قبل أن يفرغ جبريل مما يريد من التلاوة ، ومخافة الانفلات والنسيان ، فنهاه الله عن ذلك وقال : ( ولا تعجل بالقرآن ) أي لا تعجل بقراءته ( من قبل أن يقضى إليك وحيه ) أي : من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ ، نظيره قوله تعالى : " لا تحرك به لسانك لتعجل به " ( سورة القيامة : 16 ) وقرأ يعقوب : " نقضي " بالنون وفتحها وكسر الضاد ، وفتح الياء : " وحيه " بالنصب .
قال مجاهد وقتادة : معناه لا تقرئه أصحابك ، ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معانيه .
( وقل رب زدني علما ) يعني بالقرآن ومعانيه .
وقيل : علما إلى ما علمت .
وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال : اللهم رب زدني علما وإيمانا ويقينا .
«فتعالى الله الملك الحق» عما يقول المشركون «ولا تعجل بالقرآن» أي بقراءته «من قبل أن يُقضى إليك وحيه» أي يفرغ جبريل من إبلاغه «وقل ربّ زدني علما» أي بالقرآن فكلما أنزل عليه منه زاد به علمه.
فتنزَّه الله - سبحانه - وارتفع، وتقدَّس عن كل نقص، الملك الذي قهر سلطانه كل ملك وجبار، المتصرف بكل شيء، الذي هو حق، ووعده حق، ووعيده حق، وكل شيء منه حق.
ولا تعجل - أيها الرسول - بمسابقة جبريل في تَلَقِّي القرآن قبل أن يَفْرَغ منه، وقل: ربِّ زدني علمًا إلى ما علمتني.
ثم أثنى - سبحانه - على ذاته بما يستحقه من صفات كريمة فقال : ( فتعالى الله الملك الحق ) .أى : فجعل وعظم شأن الله - سبحانه - عن إلحاد الملحدين ، وإشراك المشركين فإنه هو وحده ( الملك ) المتصرف فى شئون خلقه ، وهو وحده الإله ( الحق ) وكل ما سواه فهو باطل .ثم أرشد الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى كيفية تلقى القرآن من جبريل - عليه السلام - فقال : ( وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ .
.
.
) .أى : ولا تتعجل بقراءة القرآن من قبل أن ينتهى جبريل من إبلاغه إليك ، قالوا : وكان النبى - صلى الله - عليه وسلم كلما قرأ عليه جبريل آية قرأها معه ، وذلك لشدة حرصه على حفظ القرآن ، ولشدة شوقه إلى سماعه ، فأرشده الله - تعالى - فى هذه الآية إلى كيفية تلقى القرآن عن جبريل ، ونهاه عن التعجل فى القراءة .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) ثم أمر - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - : أن يسأله المزيد من العلم فقال : ( وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً ) .أى : وقل - أيها الرسول الكريم - مخاطبا ربك ومتوسلا إليه ، يا رب زدنى من علمك النافع .قال الآلوسى : واستدلوا بالآية على فضل العلم حيث أمر - صلى الله عليه وسلم - بطلب الزيادة منه ، وذكر بعضهم أنه - صلى الله عليه وسلم - ما أمر بطلب الزيادة من شىء سوى العلم .
وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول : " اللهم انفعنى بما علمتنى ، وعلمنى بما ينفعنى ، وزدنى علما " وكان يقول : " الله زدنى إيمانا وفقها ويقينا وعلما " .
اعلم أن قوله: ﴿ وكذلك ﴾ عطف على قوله: ﴿ كذلك نَقُصُّ ﴾ أي ومثل ذلك لا نزال وعلى نهجه أنزلنا القرآن كله ثم وصف القرآن بأمرين: أحدهما: كونه عربياً لتفهمه العرب فيقفوا على إعجازه ونظمه وخروجه عن جنس كلام البشر.
والثاني: قوله: ﴿ وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد ﴾ أي كررناه وفصلناه ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن الوعيد فعل يتعلق فتكريره يقتضي بيان الأحكام فلذلك قال: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ والمراد اتقاء المحرمات وترك الواجبات ولفظ لعل قد تقدم تفسيره في سورة البقرة في قوله: ﴿ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ أما قوله: ﴿ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ﴾ ففيه وجهان.
الأول: أن يكون المعنى إنا إنما أنزلنا القرآن لأجل أن يصيروا متقين أي محترزين عما لا ينبغي أو يحدث القرآن لهم ذكراً يدعوهم إلى الطاعات وفعل ما ينبغي، وعليه سؤالات: السؤال الأول: القرآن كيف يكون محدثاً للذكر.
الجواب: لما حصل الذكر عند قراءته أضيف الذكر إليه.
السؤال الثاني: لم أضيف الذكر إلى القرآن وما أضيفت التقوى إليه.
الجواب: أن التقوى عبارة عن أن لا يفعل القبيح، وذلك استمرار على العدم الأصلي فلم يجز إسناده إلى القرآن، أما حدوث الذكر فأمر حدث بعد أن لم يكن فجازت إضافته إلى القرآن.
السؤال الثالث: كلمة أو للمنافاة ولا منافاة بين التقوى وحدوث الذكر بل لايصح الإتقاء إلا مع الذكر فما معنى كلمة أو.
الجواب: هذا كقولهم جالس الحسن أو ابن سيرين أي لا تكن خالياً منهما فكذا هاهنا.
الوجه الثاني: أن يقال: إنا أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يحدث القرآن لهم ذكراً وشرفاً وصيتاً حسناً، فعلى هذين التقديرين يكون إنزاله تقوى، ثم إنه تعالى لما عظم أمر القرآن ردفه بأن عظم نفسه فقال: ﴿ فتعالى الله الملك الحق ﴾ تنبيهاً على ما يلزم خلقه من تعظيمه وإنما وصفه بالحق لأن ملكه لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره أولى به فلهذا وصف بذلك، وتعالى تفاعل من العلو وقد ثبت أن علوه وعظمته وربوبيته بمعنى واحد وهو اتصافه بنعوت الجلال وأنه لا تكيفه الأوهام ولا تقدره العقول وهو منزه عن المنافع والمضار فهو تعالى إنما أنزل القرآن ليحترزوا عما لا ينبغي وليقدموا على ما ينبغي، وأنه تعالى منزه عن التكمل بطاعاتهم والتضرر بمعاصيهم، فالطاعات إنما تقع بتوفيقه وتيسيره، والمعاصي إنما تقع عدلاً منه وكل ميسر لما خلق له أما قوله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلقه بما قبله وجهان.
الوجه الأول: قال أبو مسلم: إن من قوله: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال ﴾ إلى هاهنا يتم الكلام وينقطع ثم قوله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان ﴾ خطاب مستأنف فكأنه قال: ويسألونك ولا تعجل بالقرآن.
الوجه الثاني: روى أنه عليه السلام كان يخاف من أن يفوته منه شيء فيقرأ مع الملك فأمره بأن يسكت حال قراءة الملك ثم يأخذ بعد فراغه في القراءة فكأنه تعالى شرح كيفية نفع القرآن للمكلفين وبين أنه سبحانه متعال عن كل ما لا ينبغي وأنه موصوف بالإحسان والرحمة ومن كان كذلك وجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي، وإذ حصل الأمان عن السهو والنسيان قال: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان ﴾ .
المسألة الثانية؛ قوله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان ﴾ ويحتمل أن يكون المراد لا تعجل بقراءته في نفسك، ويحتمل أن لا تعجل في تأديته إلى غيرك، ويحتمل في اعتقاد ظاهره، ويحتمل في تعريف الغير ما يقتضيه ظاهره، وأما قوله: ﴿ مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ فيحتمل أن يكون المراد من قبل أن يقضى إليك تمامه، ويحتمل أن يكون المراد من قبل أن يقضى إليك بيانه، لأن هذين الأمرين لا يمكن تحصيلهما إلا بالوحي، ومعلوم أنه عليه السلام لا ينهى عن قراءته لكي يحفظه ويؤديه فالمراد إذن أن لا يبعث نفسه ولا يبعث غيره عليه حتى يتبين بالوحي تمامه أو بيانه أو هما جميعاً، لأنه يجب التوقف في معنى الكلام ما لم يأت عليه الفراغ لما يجوز أن يحصل عقيبه من استثناء أو شرط أو غيرهما من المخصصات فهذا هو التحقيق في تفسير الآية.
ولنذكر أقوال المفسرين: أحدها: أن هذا كقوله تعالى: ﴿ لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ وكان عليه السلام يحرص على أخذ القرآن من جبريل عليه السلام فيعجل بقراءته قبل استتمام جبريل مخافة النسيان فقيل له: لا تعجل إلى أن يستتم وحيه فيكون أخذك إياه عن تثبت وسكون والله تعالى يزيدك فهماً وعلماً، وهذا قول مقاتل والسدي ورواه عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وثانيها: لا تعجل بالقرآن فتقرأه على أصحابك قبل أن يوحى إليك بيان معانيه وهذا قول مجاهد وقتادة.
وثالثها: قال الضحاك: إن أهل مكة وأسقف نجران قالوا: يا محمد أخبرنا عن كذا وكذا وقد ضربنا لك أجلاً ثلاثة أيام فأبطأ الوحي عليه وفشت المقالة بأن اليهود قد غلبوا محمداً فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان ﴾ أي بنزوله من قبل أن يقضى إليك وحيه من اللوح المحفوظ إلى إسرافيل ومنه إلى جبريل ومنه إليك: ﴿ وَقُل رَّبّ زِدْنِي عِلْماً ﴾ .
ورابعها: روى الحسن أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: زوجي لطم وجهي فقال: بينكما القصاص فنزل قوله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان ﴾ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القصاص حتى نزل قوله تعالى: ﴿ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء ﴾ وهذا بعيد والاعتماد على التفصيل الأول أما قوله تعالى: ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً ﴾ فالمعنى أنه سبحانه وتعالى أمره بالفزع إلى الله سبحانه في زيادة العلم التي تظهر بتمام القرآن أو بيان ما نزل عليه.
المسألة الثالثة: الاستعجال الذي نهى عنه إن كان فعله بالوحي فكيف نهى عنه.
الجواب: لعله فعله بالاجتهاد، وكان الأولى تركه، فلهذا نهى عنه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فتعالى الله الملك الحق ﴾ استعظام له ولما يصرِّف عليه عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده والإدارة بين ثوابه وعقابه على حسب أعمالهم، وغير ذلك مما يجري عليه أمر ملكوته ولما ذكر القرآن وإنزاله قال على سبيل الاستطراد: وإذا لقنك جبريل ما يوحى إليك من القرآن، فتأنّ عليك ريثما يسمعك ويفهمك.
ثم أقبل عليه بالتحفظ بعد ذلك.
ولا تكن قراءتك مساوقة لقراءته.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ [القيامة: 16] وقيل معناه: لا تبلغ ما كان منه مجملاً حتى يأتيك البيان.
وقرئ: ﴿ حتى تقضى إليك وحيه ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ رَّبّ زِدْنِى عِلْماً ﴾ متضمن للتواضع لله تعالى والشكر له عندماعلم من ترتيب التعلم، أي علمتني يا رب لطيفة في باب التعلم وأدباً جميلاً ما كان عندي.
فزدني علماً إلى علم، فإنّ لك في كل شيء، حكمة وعلماً.
وقيل: ما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَتَعالى اللَّهُ ﴾ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ عَنْ مُماثَلَةِ المَخْلُوقِينَ لا يُماثِلُ كَلامُهُ كَلامَهم كَما لا تُماثِلَ ذاتُهُ ذاتَهم.
﴿ المَلِكُ ﴾ النّافِذُ أمْرُهُ ونَهْيُهُ الحَقِيقُ بِأنْ يُرْجى وعْدُهُ ويُخْشى وعِيدُهُ.
﴿ الحَقُّ ﴾ في مَلَكُوتِهِ يَسْتَحِقُّهُ لِذاتِهِ، أوِ الثّابِتُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ ﴿ وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ ﴾ نَهْيٌّ عَنِ الِاسْتِعْجالِ في تَلَقِّي الوَحْيِ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومُساوَقَتِهِ في القِراءَةِ حَتّى يَتِمَّ وحْيُهُ بَعْدَ ذِكْرِ الإنْزالِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ.
وقِيلَ نَهْيٌّ عَنْ تَبْلِيغِ ما كانَ مُجْمَلًا قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ بَيانُهُ.
﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ أيْ سَلِ اللَّهَ زِيادَةَ العِلْمِ بَدَلَ الِاسْتِعْجالِ فَإنَّ ما أوْحى إلَيْكَ تَنالُهُ لا مَحالَةَ.
<div class="verse-tafsir"
{فتعالى الله} ارتفع عن فنون الظنون وأوهام الأفهام وتنزه عن مضاهاة الأنام ومشابهة الأجسام {الملك} الذي يحتاج إليه الملوك {الحق} المحق في الألوهية ولما ذكر القرآن وإنزاله قال استطراداً وإذا لقنك جبريل ما يوحى إليك من القرآن فتأن عليك ريثما يسمعك ويفهمك {ولا تعجل بالقرآن} بقراءته {مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ {وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً} بالقرآن ومعانيه وقيل ما أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم
﴿ فَتَعالى اللَّهُ ﴾ اسْتِعْظامٌ لَهُ تَعالى ولِما صُرِّفَ في القُرْآنِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والأوامِرِ والنَّواهِي وغَيْرِ ذَلِكَ وتَنْزِيهٌ لِذاتِهِ المُتَعالِيَةِ أنْ لا يَكُونَ إنْزالُ قُرْآنِهِ الكَرِيمِ مُنْتَهِيًا إلى غايَةِ الكَمالِيَّةِ مِن تَسَبُّبِهِ لِتَرْكِ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ المَعاصِي، ولِفِعْلِهِمُ الطّاعاتِ وفِيهِ تَعْجِيبٌ واسْتِدْعاءٌ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ وعَلى تَعْظِيمِهِ، وفي وصْفِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ المَلِكُ ﴾ أيِ: المُتَصَرِّفُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ الحَقِيقُ بِأنْ يُرْجى وعْدُهُ ويُخْشى وعِيدُهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوارِعَ القُرْآنِ سِياساتٌ إلَهِيَّةٌ يَتَضَمَّنُ صَلاحَ الدّارِينَ لا يَحِيدُ عَنْها إلّا مَخْذُولٌ هالِكٌ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ الحَقُّ ﴾ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لِلَّهِ تَعالى أيِ الثّابِتُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وفَسَّرَهُ الرّاغِبُ بِمُوجِدِ الشَّيْءِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.
وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَهُ صِفَةً لِلْمَلِكِ ومَعْناهُ خِلافَ الباطِلِ أيِ الحَقُّ في مِلْكِيَّتِهِ يَسْتَحِقُّها سُبْحانَهُ لِذاتِهِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ القُرْآنَ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ حَقٌّ كُلُّهُ لا يَحُومُ حَوْلَ حِماهُ الباطِلُ بِوَجْهٍ، وأنَّ المُحِقَّ مَن أقْبَلَ عَلَيْهِ بُشْرا شَرِّهِ وأنَّ المُبْطِلَ مَن أعْرَضَ عَنْ تَدَبُّرِ زَواجِرِهِ، وفِيهِ تَمْهِيدٌ لِوَصْلِ النَّهْيِ عَنِ العَجَلَةِ بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ ﴾ أيْ: يُتَمَّ ﴿ وحْيُهُ ﴾ أيْ: تَبْلِيغُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهُ فَإنَّ مِن حَقِّ الإقْبالِ ذَلِكَ وكَذَلِكَ مِن حَقِّ تَعْظِيمِهِ.
وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ﴾ لِما فِيهِ مِن إنْشاءِ التَّعَجُّبِ فَكَأنَّهُ قِيلَ حَيْثُ نَبَّهْتَ عَلى عَظَمَةِ جَلالَةِ المُنَزِّلِ وأرْشَدْتَ إلى فَخامَةِ المُنَزَّلِ فَعَظِّمْ جَنابَهُ المَلِكِ الحَقِّ المُتَصَرِّفِ في المُلْكِ والمَلَكُوتِ، وأقْبِلْ بِكُلِّكَ عَلى تَحَفُّظِ كِتابِهِ وتَحَقُّقِ مَبانِيهِ ولا تَعْجَلْ بِهِ، وكانَ إذا ألْقى عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ القُرْآنَ يَتْبَعُهُ عِنْدَ تَلَفُّظِ كُلِّ حَرْفٍ وكُلِّ كَلِمَةٍ خَوْفًا أنْ يَصْعَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَحْفَظْهُ فَنَهى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ ذَلِكَ إذْ رُبَّما يَشْغَلُ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةٍ عَنْ سَماعِ ما بَعْدَها، ونَزَلَ عَلَيْهِ أيْضًا ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ الآيَةَ، وأمَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاسْتِفاضَةِ العِلْمِ واسْتَزادَتِهِ مِنهُ سُبْحانَهُ فَقِيلَ: ﴿ وقُلْ ﴾ أيْ في نَفْسِكَ ﴿ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ أيْ: سَلِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بَدَلَ الِاسْتِعْجالِ زِيادَةَ العِلْمِ مُطْلَقًا أوْ في القُرْآنِ فَإنَّ تَحْتَ كُلِّ كَلِمَةٍ بَلْ كُلِّ حَرْفٍ مِنهُ أسْرارًا ورُمُوزًا وعُلُومًا جَمَّةً وذَلِكَ هو الأنْفَعُ لَكَ، وقِيلَ: وجُمْلَةُ ﴿ ولا تَعْجَلْ ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ذُكِرَتْ بَعْدَ الإنْزالِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ تَبْلِيغِ ما كانَ مُجْمَلًا قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ بَيانُهُ ولَيْسَ بِذاكَ، فَإنَّ تَبْلِيغَ المُجْمَلِ وتِلاوَتَهُ قَبْلَ البَيانِ مِمّا لا رَيْبَ في صِحَّتِهِ ومَشْرُوعِيَّتِهِ.
ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّهُ نَهْيٌ عَنِ الأمْرِ بِكِتابَتِهِ قَبْلَ أنْ تُفَسَّرَ لَهُ المَعانِي وتَتَقَرَّرُ عِنْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ هو دُونَهُ بِكَثِيرٍ، وقِيلَ: إنَّهُ نُهِيَ عَنِ الحُكْمِ بِما مَن شَأْنُهُ أنْ يَنْزِلَ فِيهِ قُرْآنٌ بِناءً عَلى ما أخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ الحَسَنِ «أنَّ امْرَأةً شَكَتْ إلى النَّبِيِّ أنَّ زَوْجَها لَطَمَها فَقالَ لَها: بَيْنَكُما القِصاصُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَوَقَفَ حَتّى نَزَلَ ﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ ﴾ »، وقالَ الماوَرْدَيُّ: إنَّهُ نُهِيَ عَنِ العَجَلَةِ بِطَلَبِ نُزُولِهِ.
وذَلِكَ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ وأُسْقُفَ نَجْرانَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنا عَنْ كَذا وقَدْ ضَرَبْنا لَكَ أجَلًا ثَلاثَةَ أيّامٍ فَأبْطَأ الوَحْيُ عَلَيْهِ وفَشَتِ المَقالَةُ بَيْنَ اليَهُودِ وزَعَمُوا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ غُلِبَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، واسْتَعْجَلَ الوَحْيَ فَنَزَلَتْ ﴿ ولا تَعْجَلْ ﴾ إلَخْ» وفي كِلا القَوْلَيْنِ ما لا يَخْفى.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وسَلامٌ ويَعْقُوبُ والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ ( نَقْضِيَ ) بِنُونِ العَظَمَةِ مَفْتُوحَ الياءِ ( وحْيَهُ ) بِالنَّصْبِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ سَكَّنَ الياءَ مِن ( نَقْضِي )، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن لا يَرى فَتْحَ الياءِ بِحالٍ إذا انْكَسَرَ ما قَبْلَها وحَلَّتْ طَرَفًا، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى فَضْلِ العِلْمِ حَيْثُ أمَرَ بِطَلَبِ زِيادَتِهِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ ما أمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ فِي شَيْءٍ إلّا العِلْمِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: ( «اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِما عَلَّمْتَنِي وعَلِّمْنِي ما يَنْفَعُنِي وزِدْنِي عِلْمًا والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ» ) .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ.
وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَدْعُو ( اللَّهُمَّ زِدْنِي إيمانًا وفِقْهًا ويَقِينًا وعِلْمًا ) وما هَذا إلّا لِزِيادَةِ فَضْلِ العِلْمِ، وفَضْلُهُ أُظْهَرُ مِن أنْ يَذْكُرَ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَنا الزِّيادَةَ فِيهِ ويُوَفِّقَنا لِلْعَمَلِ بِما يَقْتَضِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا، يعني: هكذا أنزلنا عليك جبريل، ليقرأ عليك القرآن على لغة العرب وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ يعني: بينّا في القرآن من أخبار الأمم الماضية وما أصابهم بذنوبهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني: لكي يتقوا الشرك أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً، يعني: يحدث الوعيد بهذا القرآن أو هذا القرآن لهم اعتباراً فيذكر به عذاب الله للأمم فيعتبروا، وهذا قول مقاتل، ويقال: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً أي يحدّد الوعيد بذكر القرآن العذاب فيزجرهم عن المعاصي، ويقال: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً، أي شرفاً، والذكر: الشرف.
ثم قال عز وجل: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ، يعني: ارتفع وتعظم عن الشريك والولد الْمَلِكُ الْحَقُّ أهل الربوبية.
ويقال: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ، يعني: ارتفع وتعظم من أن يزيد في سيئات أحد وينقص من حسناته الْمَلِكُ الْحَقُّ الذي يعدل بين الخلق.
ثم قال: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وذلك أن جبريل كان إذا قرأ القرآن على رسول الله ، كان يتعجل النبيّ بقراءته قبل أن يتمّ جبريل تلاوته مخافة أن لا يحفظ، فنزل: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أن يفرغ جبريل قراءته، فيكون في الآية تعليم حفظ الأدب، وهو الاستماع إلى من يتعلم منه، وهذا مثل قوله: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: 16] روى جرير بن حازم عن الحسن: أن رجلاً لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبيّ بينهما القصاص قبل أن ينزل القرآن (١) ثم قال: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً، يعني: زدني علماً بالقرآن، معناه: زدني فهماً في معناه.
(١) عزاه السيوطي: 5/ 602 إلى الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
<div class="verse-tafsir"
مَلَيكٌ على عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ ...
لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الْوُجُوهُ وَتَسْجُدُ «١»
انتهى.
ت: وأحادِيثُ الشفاعة قَدِ استفاضت، وبلغت حَدَّ التواتر، ومن أعظمها شفاعة أرْحم الراحمين سبحانه وتعالى ففي «صحيح مُسْلم» ، من حديث أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ قال:
فيقولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: «شَفَعَتِ المَلاَئِكَةُ، وشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لَمْ يَعْمَلُوا خَيْراً قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَماً، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهْرِ فِي أَفْوَاهِ الجَنَّةِ» وفيه: «فيخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ، فِي رِقَابِهِمُ الخَوَاتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الجَنَّةِ هَؤُلاَءِ عُتَقَاءُ اللهِ الَّذِينَ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةِ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمَلُوهُ، وَلاَ خَيرٍ قَدَّمُوهُ ...
» «٢» / الحديث، وخرج أبو القاسم إسحاقُ بنُ إبراهيم الختلي بسنده عن ابن ١٣ ب عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إذَا فرغ اللهُ تعالى مِنَ القَضَاءِ بين خَلْقِه، أخرج كِتَاباً من تحت العَرْشِ أَنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، وَأَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، قَالَ: فَيُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مِثْلَ أَهْلِ الجَنَّةِ، أَوْ قَالَ: مِثْلَيْ أَهْلِ الجَنَّةِ، قَالَ: وَأَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ: مِثْلَيْ أَهْلِ الجَنَّةِ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ أعْيُنِهِمْ: عُتَقَاءُ اللهِ» .
«٣» انتهى من «التذكرة» .
وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً، معنى خاب: لم ينجَحْ، ولا ظفر بمطلُوبه، والظلمُ يَعمُّ الشِّركَ والمَعاصِي، وخيبةُ كلّ حاملٍ بقدْرِ ما حمل من الظلم.
وقوله سبحانه: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ معادلٌ لقوله: مَنْ حَمَلَ ظُلْماً والظلم والهُضْمُ: هما متقاربان في المعنى، ولكن من حيثُ تَنَاسقَا في هذه الآية ذهب قومٌ إلى تَخْصِيص كل وَاحِدٍ منهما بمعنًى، فقالوا: الظلم: أن تعظم عليه سيِّئاته، وتكثر أكثر مما يجب.
والهَضْمُ: أن ينقص من حَسَناتِهِ، ويبخسها.
وكلهم قرأ: «فَلاَ يَخَافُ» على «٤» الخبر غيرَ ابن كَثِيرٍ فإنه قرأ: «فلا يخف» على النهي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رِجالًا مِن ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ كَيْفَ تَكُونُ الجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسْفُ: التَّذْرِيَةُ.
والمَعْنى: يُصَيِّرُها رِمالًا تَسِيلُ سَيْلًا، ثُمَّ يُصَيِّرُها كالصُّوفِ المَنفُوشِ، تُطَيِّرُها الرِّياحُ فَتَسْتَأْصِلُها، ﴿ فَيَذَرُها ﴾ ؛ أيْ: يَدَعُ أماكِنَها مِنَ الأرْضِ إذا نَسَفَها، ﴿ قاعًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاعُ مِنَ الأرْضِ: المُسْتَوِي الَّذِي يَعْلُوهُ الماءُ، والصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي أيْضًا، يُرِيدُ: أنَّهُ لا نَبْتَ فِيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا ﴾ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالعِوَجِ: الأوْدِيَةُ، وبِالأمْتِ: الرَّوابِي، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: العِوَجُ: الِانْخِفاضُ، والأمْتُ: الِارْتِفاعُ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأمْتُ: النَّبْكُ.
والثّانِي: أنَّ العِوَجَ: المَيْلُ، والأمْتُ: الأثَرُ، مِثْلَ الشِّراكِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ العِوَجَ: الصَّدْعُ، والأمْتُ: الأكَمَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: يَتَّبِعُونَ صَوْتَ الدّاعِي لِلْحَشْرِ، لا عِوَجَ لَهم عَنْ دُعائِهِ: لا يَقْدِرُونَ أنْ لا يَتَّبِعُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَشَعَتِ الأصْواتُ ﴾ ؛ أيْ: سَكَنَتْ وخَفِيَتْ، ﴿ فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: وطْءُ الأقْدامِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
والثّانِي: تَحْرِيكُ الشِّفاهِ بِغَيْرِ نُطْقٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: الكَلامُ الخَفِيُّ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ ﴾ يَعْنِي: لا تَنْفَعُ أحَدًا، ﴿ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ ؛ أيْ: إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ؛ أيْ: أذِنَ أنْ يُشْفَعَ لَهُ، ﴿ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا ﴾ ؛ أيْ: ورَضِيَ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ قَوْلًا، وهو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا مِن أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ ﴾ الكِنايَةُ راجِعَةٌ إلى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ.
وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ ( البَقَرَةِ: ٢٥٥ ) .
وَفِي هاءِ ﴿ بِهِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: إلى " ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم "، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَنَتِ الوُجُوهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: عَنَتْ في اللُّغَةِ: خَضَعَتْ، يُقالُ: عَنا يَعْنُو: إذا خَضَعَ، ومِنهُ قِيلَ: أُخِذَتِ البِلادُ عَنْوَةً: إذا أُخِذَتْ غَلَبَةً، وأُخِذَتْ بِخُضُوعٍ مِن أهْلِها.
والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا في يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا ما رُوِيَ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ: هو وضْعُ الجَبْهَةِ والأنْفِ، والكَفَّيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ، وأطْرافِ القَدَمَيْنِ عَلى الأرْضِ لِلسُّجُودِ، وقَدْ شَرَحْنا في آيَةِ الكُرْسِيِّ مَعْنى ﴿ الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ ﴾ : " مِن " هاهُنا لِلْجِنْسِ، وإنَّما شَرَطَ الإيمانَ؛ لِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِ لا يُقْبَلُ عَمَلُهُ ولا يَكُونُ صالِحًا، ﴿ فَلا يَخافُ ﴾ ؛ أيْ: فَهو لا يَخافُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( فَلا يَخَفْ ) عَلى النَّهْيِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ظُلْمًا ولا هَضْمًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ في سَيِّئاتِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لا يَخافُ أنْ يُظْلَمَ فَيُزادُ مِن ذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا أنْ يُهْضَمَ مِن حَسَناتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنْ لا يَخافُ أنْ يُؤاخِذَ بِما لَمْ يَعْمَلْ، ولا يُنْتَقَصَ مِن عَمَلِهِ الصّالِحِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: لا يَخافُ أنْ لا يُجْزى بِعَمَلِهِ، ولا أنْ يُنْقَصَ مِن حَقِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الهَضْمُ: النَّقْصُ، تَقُولُ العَرَبُ: هَضَمْتُ لَكَ مِن حَقِّي؛ أيْ: حَطَطْتُ، ومِنهُ: فُلانٌ هَضِيمُ الكَشْحَيْنِ؛ أيْ: ضامِرُ الجَنْبَيْنِ، وَيُقالُ: هَذا شَيْءٌ يَهْضِمُ الطَّعامَ؛ أيْ: يَنْقُصُ ثِقْلُهُ.
وفَرَّقَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بَيْنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، فَقالَ: الظُّلْمُ: مَنَعُ الحَقِّ كُلِّهِ، والهَضْمُ: مَنَعُ البَعْضِ، وإنْ كانَ ظُلْمًا أيْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ ﴾ ؛ أيْ: وكَما بَيَّنّا في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿ أنْزَلْناهُ ﴾ ؛ أيْ: أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ، ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ ﴾ ؛ أيْ: بَيَّنّا فِيهِ ضُرُوبَ الوَعِيدِ.
قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي: وقائِعُهُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ ؛ أيْ: لِيَكُونَ سَبَبًا لِاتِّقائِهِمُ الشِّرْكَ بِالِاتِّعاظِ بِمَن قَبْلَهم، ﴿ أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ﴾ ؛ أيْ: يُجَدِّدُ لَهُمُ القُرْآنُ، وقِيلَ: الوَعِيدُ.
﴿ ذِكْرًا ﴾ ؛ أيِ: اعْتِبارًا، فَيَتَذَكَّرُوا بِهِ عِقابَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( أوْ نُحْدِثُ ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَعالى اللَّهُ ﴾ ؛ أيْ: جَلَّ عَنْ إلْحادِ المُلْحِدِينَ، وقَوْلِ المُشْرِكِينَ في صِفاتِهِ، ﴿ المَلِكُ ﴾ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، " الحَقُّ " وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( يُونُسَ: ٣٢ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ بِالسُّورَةِ والآيِ فَيَتْلُوها عَلَيْهِ، فَلا يَفْرُغُ جِبْرِيلُ مِن آخِرِها حَتّى يَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ بِأوَّلِها مَخافَةَ أنْ يَنْساها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا لَطَمَ امْرَأتَهُ، فَجاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ تَطْلُبُ القَصاصَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَهُما القَصاصَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ ﴾ »، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: ( نَقْضِي ) بِالنُّونِ وكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِ الياءِ، ( وحْيَهُ ) بِنَصْبِ الياءِ.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَعْجَلْ بِتِلاوَتِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ مِن تِلاوَتِهِ، تَخافُ نِسْيانَهُ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
والثّانِي: لا تُقْرِئُ أصْحابَكَ حَتّى نُبَيِّنَ لَكَ مَعانِيَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: لا تَسْألْ إنْزالَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ الوَحْيُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: زِدْنِي قُرْآنًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: فَهْمًا.
والثّالِثُ: حِفْظًا، ذَكَرَهُما الثَّعْلَبِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أو يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا ﴾ ﴿ فَتَعالى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ مَن حَمَلَ ظُلْمًا ﴾ ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنَ الصالِحاتِ ﴾ تَيْسِيرٌ في الشَرْعِ؛ لِأنَّها "مِنَ" الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ، و"الظُلْمُ" أعَمُّ مِنَ "الهَضْمِ"، وهُما مُتَقارِبانِ في المَعْنى ويَتَداخَلانِ، ولَكِنْ مِن حَيْثُ تَناسَقا في هَذِهِ الآيَةِ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى تَخْصِيصِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى، فَقالُوا: الظُلْمُ أنْ تَعْظُمْ عَلَيْهِ سَيِّئاتُهُ وتَكْثُرَ أكْثَرَ مِمّا يَجِبُ، والهَضْمُ أنْ يَنْقُضَ حَسَناتِهِ ويَبْخَسَها، وكُلَّهم قَرَأ: "فَلا يَخافُ" عَلى الخَبَرِ، غَيْرُ ابْنِ كَثِيرٍ فَإنَّهُ قَرَأ: "فَلا يَخْفَ" عَلى النَهْيِ ثُمْ قالَ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ ﴾ أيْ: كَما قَدَّرْنا هَذِهِ الأُمُورَ وجَعَلْناها حَقِيقَةً بِالمِرْصادِ لِلْعِبادِ، كَذَلِكَ حَذَّرْنا هَؤُلاءِ أمْرَنا، وأنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، وتَوَعَّدْنا فِيهِ بِأنْواعٍ مِنَ الوَعِيدِ، لَعَلَّهم - بِحَسْبِ تَوَقُّعِ البَشَرِ وتَرَجِّيهِمْ - يَتَّقُونَ ويَخْشَوْنَ عِقابَهُ فَيُؤْمِنُونَ ويَتَذَكَّرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم وما حَذَّرَهم مِن ألِيمِ عِقابِهِ، هَذا تَأْوِيلُ فِرْقَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿ أو يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: أو يُكْسِبُهم شَرَفًا، ويُبْقِي عَلَيْهِمْ إيمانَهم وذِكْرًا صالِحًا في الغابِرِينَ.
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "أو يَحْدُثْ" ساكِنَةَ الثاءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "أو نُحْدِثُ" بِالنُونِ وسُكُونِ الثاءِ، ولا وجْهَ لِلْجَزْمِ إلّا عَلى أنَّ تَسْكِينَ حَرْفِ الإعْرابِ اسْتِثْقالًا لِحَرَكَتِهِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ جَرِيرٍ: ................................
ولا تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَعالى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ ﴾ خَتْمٌ لِلْقَوْلِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قَدَّمَ صِفَةَ سُلْطانِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وعِظَمَ قُدْرَتِهِ وذِلَّةَ عَبِيدِهِ وتَلَطُّفَهُ بِهِمْ، خَتَمَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، وجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الأمْرِ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ القَوْلِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُهُ أنَّ النَبِيَّ كانَ يَخافُ وقْتَ تَكَلُّمْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ لَهُ أنْ يَنْسى أوَّلَ القُرْآنِ، فَكانَ يَقْرَأُ قَبْلَ أنْ يَسْتَتِمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ الوَحْيَ، فَنَزَلَتْ في ذَلِكَ، وهي بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ النَبِيَّ كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ القُرْآنَ أمَرَ بِكُتُبِهِ لِلْحِينِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَتَأنّى حَتّى تُفَسَّرَ لَهُ المَعانِي وتُقَرَّرَ عِنْدَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ الآيَةِ «أنَّ امْرَأةً شَكَتْ إلى رَسُولِ اللهِ أنَّ زَوْجَها لَطَمَها، فَقالَ لَها رَسُولُ اللهِ : "بَيْنَكُما القِصاصُ"، ثُمْ نَزَلَتْ ﴿ الرِجالُ قَوّامُونَ ﴾ »، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَعْنى التَثَبُّتِ في الحُكْمِ بِالقُرْآنِ حَتّى يُبَيِّنَ، واللهُ أعْلَمُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن قَبْلِ أنْ يَقْضِيَ إلَيْكَ وحْيَهُ"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، "مِن قَبْلِ أنْ يَقْضِيَ إلَيْكَ وحْيَهُ"، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، رَغْبَةً في خَيْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ﴾ [طه: 99]، والغرض واحد، وهو التنويه بالقرآن.
فابتدئ بالتنويه به جزئياً بالتنويه بقصصه، ثمّ عطف عليه التنويه به كليّاً على طريقة تشبه التذييل لما في قوله ﴿ أنزلناه قرآناً عربياً ﴾ من معنى عموم ما فيه.
والإشارة ب ﴿ كذلك ﴾ نحوُ الإشارة في قوله ﴿ كذلك نقص عليك ﴾ ، أي كما سمعته لا يُبين بأوضح من ذلك.
و ﴿ قرآناً ﴾ حال من الضمير المنصوب في ﴿ أنزلناه ﴾ .
وقرآن تسمية بالمصدر.
والمراد المقروء، أي المتلو، وصار القرآن علماً بالغلبة على الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بألفاظ معينة متعبّداً بتلاوتها يعجز الإتيان بمثل سورة منها.
وسمي قرآناً لأنه نظم على أسلوب تسهل تلاوته.
ولوحظ هنا المعنى الاشتقاقي قبل الغلبة وهو ما تفيده مادة قرأ من يسر تلاوته؛ وما ذلك إلاّ لفصاحة تأليفه وتناسب حروفه.
والتنكير يفيد الكمال، أي أكمل ما يقرأ.
و ﴿ عربياً ﴾ صفة ﴿ قرآناً ﴾ .
وهذا وصف يفيد المدح، لأنّ اللغة العربية أبلغ اللّغات وأحسنها فصاحة وانسجاماً.
وفيه تعريض بالامتنان على العرب، وتحميق للمشركين منهم حيث أعرضوا عنه وكذبوا به، قال تعالى: ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون ﴾ [الأنبياء: 10].
والتصريف: التنويع والتفنين.
وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون ﴾ في سورة الأنعام (46)، وقوله ﴿ ولقد صرفنا ﴾ في هذا القرآن ليذكروا في سورة الإسراء (41).
وذكر الوعيد هنا للتهديد، ولمناسبة قوله قبله ﴿ وقد خاب من حمل ظلماً ﴾ [طه: 111].
والتقوى: الخوف.
وهي تستعمل كناية عن الطاعة لله، أي فَعلْنا ذلك رجاء أن يؤمنوا ويطيعوا.
والذكر هنا بمعنى التذكر، أي يُحدث لهم القرآن تذكراً ونظراً فيما يحق عليهم أن يختاروه لأنفسهم.
وعبر ب ﴿ يحدث ﴾ إيماء إلى أن الذكر ليس من شأنهم قبل نزول القرآن، فالقرآن أوجد فيهم ذكراً لم يكن من قبل، قال ذو الرمة: ولما جرت في الجزل جرياً كأنه *** سنا الفجر أحدثنا لخالقها شُكراً و (لعل) للرجاء، أي إن حال القرآن أن يقرّب الناس من التقوى والتذكر، بحيث يمثَّل شأن من أنزله وأمر بما فيه بحال من يرجو فيلفظ بالحرف الموضوع لإنشاء الرجاء.
فحرف (لعل) استعارة تبعية تنبئ عن تمثيلية مكنية، وقد مضى معنى (لعل) في القرآن عند قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ﴾ في سورة البقرة (21).
وجملة فتعالى الله الملك الحق } معترضة بين جملة ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ وبين جملة ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ .
وهذا إنشاء ثناء على الله منزل القرآن وعلى منة هذا القرآن، وتلقين لشكره على ما بيّن لعباده من وسائل الإصلاح وحملهم عليه بالترغيب والترهيب وتوجيهه إليهم بأبلغ كلام وأحسن أسلوب فهو مفرع على ما تقدم من قوله ﴿ وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً ﴾ إلى آخرها...
والتفريع مؤذن بأن ذلك الإنزال والتصريف ووسائل الإصلاح كلّ ذلك ناشئ عن جميل آثار يشعر جميعها بعلوه وعظمته وأنه الملك الحق المدبر لأمور مملوكاته على أتم وجوه الكمال وأنفذ طرق السياسة.
وفي وصفه بالحق إيماء إلى أن مُلك غيره من المتَسَميّن بالملوك لا يخلو من نقص كما قال تعالى: ﴿ الملك يومئذ الحق للرحمان ﴾ [الفرقان: 26].
وفي الحديث: " فيقول الله أنا الملِكُ أيْنَ ملوك الأرض "، أي أحضروهم هل تجدون منهم من ينازع في ذلك، كقول الخليفة معاوية حين خطب في المدينة «يا أهل المدينة أين علماؤكم».
والجمع بين اسم الجلالة واسمه (المَلِك) إشارة إلى أن إعظامه وإجلاله مستحَقّان لذاته بالاسم الجامع لصفات الكمال، وهو الدال على انحصار الإلهيّة وكمالها.
ثمّ أتبع ب (الحق) للإشارة إلى أن تصرفاته واضحة الدلالة على أن ملكه ملك حق لا تصرف فيه إلاّ بما هو مقتضَى الحكمة.
والحق: الذي ليس في ملكه شائبة عجز ولا خضوع لغيره، وفيه تعريض بأن ملك غيره زائف.
وفي تفريع ذلك على إنزال القرآن إشارة أيضاً إلى أن القرآن قانون ذلك الملك، وأن ما جاء به هو السياسة الكاملة الضامنة صلاح أحوال متبعيه في الدنيا والآخرة.
وجملة ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ﴾ ناشئة على ما تقدم من التنويه بالقرآن وما اشتمل عليه من تصاريف إصلاح الناس.
فلمّا كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على صلاح الأمّة شديد الاهتمام بنجاتهم لا جرم خطرت بقلبه الشريف عَقِب سماع تلك الآيات رغبةٌ أو طِلْبة في الإكثار من نزول القرآن وفي التعجيل به إسراعاً بعِظة الناس وصلاحهم، فعلمه الله أن يكِل الأمر إليه فإنه أعلم بحيث يناسب حال الأمة العامَّ.
ومعنى ﴿ من قبل أن يقضى إليك وحيه ﴾ أي من قبل أن يتم وحي ما قضي وحيه إليك، أي ما نُفذ إنزاله فإنه هو المناسب.
فالمنهي عنه هو سؤال التعجيل أو الرغبة الشديدة في النفس التي تشبه الاستبطاء لا مطلق مودة الازدياد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن قصة موسى مع الخضر عليهما السلام " ودَدنا أن موسى صبَر حتى يقص الله علينا من أمرهما أو من خبرهما " ويجوز أن يكون معنى العجلة بالقرآن العجلة بقراءته حال إلقاء جبريل آياته.
فعن ابن عبّاس: كان النبي يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل حرصاً على الحفظ وخشية من النسيان فأنزل الله ﴿ لا تُحرّكْ به لسانك لتعجلَ به ﴾ [القيامة: 16] كما في «صحيح البخاري».
وعلى هذين التأويلين يكون المراد بقضاء وحيه إتمامه وانتهاؤه، أي انتهاء المقدار الذي هو بصدد النزول.
وعن مجاهد وقتادة أن معناه: لا تعجل بقراءة ما أُنزل إليك لأصحابك ولا تُمْلِه عليهم حتى تتبين لك معانيه.
وعلى هذا التأويل يكون قضاء الوحي تمام معانيه.
وعلى كلا التفسيرين يجري اعتبار موقع قوله {وقل رب زدني علماً.
وقرأ الجمهور يُقضى بتحتية في أوله مبنياً للنائب، ورفع وحيُه على أنه نائب الفاعل.
وقرأه يعقوب بنون العظمة وكسر الضاد وبفتحة على آخر نقضي وبنصب وحيَه.
وعطف جملة وقل رب زدني علماً} يشير إلى أن المنهي عنه استعجال مخصوص وأن الباعث على الاستعجال محمود.
وفيه تلطف مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتبع نهيه عن التعجل الذي يرغبه بالإذن له بسؤال الزيادة من العلم، فإن ذلك مجمع كل زيادة سواء كانت بإنزال القرآن أم بغيره من الوحي والإلهام إلى الاجتهاد تشريعاً وفهماً، إيماء إلى أن رغبته في التعجل رغبة صالحة كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بَكر حين دخل المسجد فوجد النبي راكعاً فلم يلبث أن يصل إلى الصف بل ركع ودَبّ إلى الصف راكعاً فقال له: «زادك الله حرصاً ولا تَعُدْ».
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: حَذَرًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: شَرَفًا لِإيمانِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: ذِكْرًا يَعْتَبِرُونَ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ ﴾ الآيَةِ.
فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا تَسْألْ إنْزالَهُ قَبْلَ أنْ يُقْضى، أيْ يَأْتِيكَ وحْيُهُ.
الثّانِي: لا تُلْقِهِ إلى النّاسِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ بَيانُ تَأْوِيلِهِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الثّالِثُ: لا تَعْجَلْ بِتِلاوَتِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ مِن إبْلاغِهِ، لِأنَّهُ كانَ يَعْجَلُ بِتِلاوَتِهِ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ مِن إبْلاغِهِ خَوْفَ نِسْيانِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: زِدْنِي أدَبًا في دِينِكَ؛ لِأنَّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن عِلْمِ دِينِهِ لِنَفْسِهِ أوْ لِأُمَّتِهِ لا يَجُوزُ أنْ يُؤَخِّرَهُ اللَّهُ عِنْدَهُ حَتّى يَلْتَمِسَهُ مِنهُ.
الثّانِي: زِدْنِي صَبْرًا عَلى طاعَتِكَ وجِهادِ أعْدائِكَ؛ لِأنَّ الصَّبْرَ يَسْهُلُ بِوُجُودِ العِلْمِ.
الثّالِثُ: زِدْنِي عِلْمًا بِقَصَصِ أنْبِيائِكَ ومَنازِلِ أوْلِيائِكَ.
الرّابِعُ: زِدْنِي عِلْمًا بِحالِ أُمَّتِي وما تَكُونُ عَلَيْهِ مِن بَعْدِي.
وَوَجَدْتُ لِلْكَلْبِيِّ جَوابًا.
الخامِسُ: مَعْناهُ: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ لِأنَّهُ كُلَّما ازْدادَ مِن نُزُولِ القُرْآنِ عَلَيْهِ ازْدادَ عِلْمًا بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وعنت الوجوه ﴾ قال: ذلت.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وعنت الوجوه ﴾ قال: خشعت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وعنت الوجوه ﴾ قال: استأسرت، صاروا أسارى كلهم.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية ﴿ وعنت الوجوه ﴾ قال: خضعت.
وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ وعنت الوجوه للحي القيوم ﴾ قال: استسلمت وخضعت يوم القيامة.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: ليبك عليك كل عان بكربه ** وآل قصيّ من مقل وذي وفر وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وعنت الوجوه ﴾ قال: الركوع والسجود.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن طلق بن حبيب رضي الله عنه في قوله: ﴿ وعنت الوجوه للحي القيوم ﴾ قال: هو وضعك جبهتك وكفيك وركبتيك وأطراف قدميك في السجود.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقد خاب من حمل ظلماً ﴾ قال: شركاً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقد خاب من حمل ظلماً ﴾ قال: شركاً.
وفي قوله: ﴿ فلا يخاف ظلماً ولا هضماً ﴾ قال: ﴿ ظلماً ﴾ أن يزاد في سيئاته.
﴿ ولا هضماً ﴾ قال: لا ينقص من حسناته.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا يخاف ظلماً ولا هضماً ﴾ قال: لا يخاف أن يظلم فيزاد في سيئاته، ولا يهضم من حسناته.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا يخاف ظلماً ﴾ قال: أن يزاد عليه أكثر من ذنوبه ﴿ ولا هضماً ﴾ قال: أن ينتقص من حسناته شيئاً.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا هضماً ﴾ قال: غصباً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو يحدث لهم ذكراً ﴾ قال: القرآن ﴿ ذكراً ﴾ قال: جداً وورعاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه جبريل بالقرآن، أتعب نفسه في حفظه حتى يشق على نفسه، يتخوف أن يصعد جبريل ولم يحفظه فينسى ما علمه.
فقال الله: ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ﴾ وقال: ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به ﴾ [ القيامة: 16] .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ﴾ يقول: لا تعجل حتى نبينه لك.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن الحسن قال: لطم رجل امرأته فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تطلب قصاصاً، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص، فأنزل الله: ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علماً ﴾ فوقف النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت ﴿ الرجال قوّامون على النساء ﴾ [ النساء: 34] الآية.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن الحسن، أنه قرأ ﴿ من قبل أن يقضى إليك وحيه ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ قال: لا تمله على أحد حتى نتمه لك.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ من قبل أن يقضى إليك وحيه ﴾ قال: تبيانه.
وأخرج الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علماً، والحمد لله على كل حال» .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن مسعود: أنه كان يدعو: اللهم زدني إيماناً وفقهاً ويقيناً وعلماً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ ﴾ أي: جل عن إلحاد الملحدين، ونزه عما يقول المشركون في صفته (١) ﴿ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾ قال ابن عباس: (يريد الذي بيده الثواب والعقاب) (٢) ﴿ الْحَقُّ ﴾ معناه: ذو الحق، وقد مر وتقدم الكلام فيه (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء وأبي صالح: (كان النبي - - يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي، ولا يفرغ جبريل مما يريد من التلاوة حتى يتكلم النبي - - بأوله حرصًا منه على ما كان ينزل عليه، وشفقة على القرآن مخافة الإنفلات والنسيان، فنهاه الله عن ذلك) (٤) ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ ﴾ أي: بقراءته ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ من قبل أن يفرغ جبريل من تلاوته عليك.
وقال المفضل: (من قبل أن يوفى ويتمم) (٥) وقال السدي: (كان رسول الله - - إذا نزل عليه جبريل بالقرآن أتعب نفسه في حفظه حتى يستوعبه يتخوف أن يصعد جبريل ولم يحفظه فينسى ما علمه، فأنزل الله هذه الآية) (٦) ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ ) [القيامة: 16] (٧) (٨) وقال مجاهد، وقتادة: (لا تتله على أحد حتى نبينه لك) (٩) وهذا معنى رواية عطية عن ابن عباس قال: (لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله) (١٠) وذكر بعض أهل التفسير أن معنى هذه الآية: (لا تسأل إنزال القرآن من قبل أن يأتيك وحيه) (١١) (١٢) - تطلب القصاص فجعل النبي - - بينهما القصاص، فأنزل الله هذه الآية، فوقف النبي - - حتى نزلت: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ ) (١٣) ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ وذلك أن النبي - - حكم بالقصاص، وأبى الله ذلك وأنزل: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ وقد تقدم بيانه (١٤) (١٥) وقيل معناه: (زدني علمًا بالقرآن ومعانيه) (١٦) (١) "جامع البيان" 16/ 219، "معالم التنزيل" 5/ 297، "زاد المسير" 5/ 325، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 185.
(٢) ذكر نحوه الألوسي في "روح المعاني" 16/ 267 بدون نسبة.
وكذلك الشوكاني في "فتح القدير" 3/ 389.
(٣) عند قوله سبحانه في سورة الأنعام الآية رقم (62): ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ .
(٤) "الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "زاد المسير" 5/ 325، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 250، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 185، "الباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي ص 147، "جامع النقول في أسباب النزول" 217، وأخرج نحوه البخاري في "صحيحه"، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ 9/ 187، ومسلم في "صحيحه"، كتاب الصلاة، باب الاستماع للقراءة 1/ 330، والسيوطي في "الدر المنثور" 5/ 552.
(٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "النكت والعيون" 3/ 429، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 250، "التفسير الكبير" 22/ 122.
(٦) "الدر المنثور" 4/ 552، وعزاه لابن أبي حاتم.
(٧) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 219، "بحر العلوم" 2/ 356، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 54، "معالم التنزيل" 5/ 297، "المحرر الوجيز" 15/ 98.
(٨) "معاني القرآن" للفراء 12/ 93، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 283.
(٩) "جامع البيان" 16/ 225، "الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "معالم التزيل" 5/ 297، "زاد المسير" 5/ 326، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 250.
(١٠) "جامع البيان" 16/ 220، "الكشف والبيان" 3/ 25 ب.
(١١) "النكت والعيون" 2/ 429، "زاد المسير" 5/ 325، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 250.
(١٢) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله بن شجاع الأزدي، البصري أحد التابعين وعد من صغارهم، روى عن: الحسن وابن سيرين وقتادة وغيرهم وروى عنه: ابنه وابن المبارك وغيرهما، وثقة أكثر العلماء، توفي -رحمه الله- سنة 175.
انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 504، "ميزان الاعتدال" 1/ 392، "تهذيب التهذيب" 2/ 69.
(١٣) "بحر العلوم" 356/ 2، "زاد المسير" 5/ 326، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 250، "الدر المنثور" 4/ 553، "لباب النقول في أسباب النزول" 68.
(١٤) عند قوله سبحانه في سورة النساء الآية رقم (34): ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ الآية.
(١٥) "جامع البيان" 16/ 225، "النكت والعيون" 3/ 429، "معالم التنزيل" 5/ 297، "الكشاف" 2/ 555.
(١٦) "الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "النكت والعيون" 3/ 429، "معالم التنزيل" 5/ 297.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَعَنَتِ الوجوه ﴾ أي ذلت يوم القيامة ﴿ وَلاَ هَضْماً ﴾ أي بخساً ونقصاً لحسناته ﴿ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ﴾ أي تذكراً، وقيل: شرفاً وهو هنا بعيد ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ أي إذ أقرأك جبريل القرآن؛ فاستمع إليه واصبر حتى يفرغ، وحينئذ تقرأه أنت.
فالآية: كقوله: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ [القيامة: 16]، وقيل كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوحي إليه القرآن يأمر بكتبه في الحين، فأمر بأن يتأنى حتى تفسر له المعاني، والأول أشهر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لا تخف دركاً ﴾ بالجزم: حمزة الباقون ﴿ لا تخاف ﴾ بالرفع ﴿ أنجيتكم ﴾ و ﴿ واعدتكم ﴾ و ﴿ رزقكم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ ووعدناكم ﴾ من الوعد.
أبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ فيحل ﴾ ﴿ ومن يحلل ﴾ بالضم فيهما: عليّ.
الآخرون بالكسر ﴿ يملكنا ﴾ بفتح الميم: أبو جعفر ونافع، وعاصم غير المفضل بضمها حمزة، وعلي وخلف بكسرها الباقون والمفضل ﴿ حملنا ﴾ بفتح الحاء والميم مخففة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف سوى حفص.
الآخرون بضم الحاء وكسر الميم مشددة ﴿ تتبعني ﴾ بالياء الساكنة في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو ونافع غير إسماعيل في الوصل، وقرأ يزيد وإسماعيل بفتح الياء.
الباقون بحذفها.
﴿ يا ابن أم ﴾ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.
﴿ لم تبصروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف الباقون على الغيبة ﴿ فنبذتها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وهشام وسهل ﴿ لن تخلفه ﴾ بكسر اللام: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.
الآخرون بفتحها ﴿ لنحرقنه ﴾ بفتح النون وضم الراء: يزيد.
الآخرون من التحريق.
﴿ فلا يخف ﴾ بالجزم على النهي: ابن كثير ﴿ أن نقضي ﴾ النون مبنياً للفاعل ﴿ وحيه ﴾ بالنصب: يعقوب الباقون بالياء مضمومة وبفتح الضاد ﴿ وحيه ﴾ بالرفع.
الوقوف: ﴿ يبسا ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا تخاف ﴾ يصلح صفة للطريق مع حذف الضمير العائد أي لا تخاف فيه، ويصلح مستأنفاً.
ومن قرأ ﴿ لا تخف ﴾ فوقفه أجوز لعدم العاطف ووقوع الحائل مع تعقب النهي الأمر إلا أن يكون جواباً للأمر فلا يوقف ﴿ ولا تخشى ﴾ ه ﴿ ما غشيهم ﴾ ط لأن التقدير وقد أضل من قبل على الحال الماضية دون العطف لأنه عندما عشيه لم يتفرغ للإضلال.
﴿ وما هدى ﴾ ه ﴿ والسلوى ﴾ ه ﴿ غضبي ﴾ ج ﴿ هوى ﴾ ه ﴿ اهتدى ﴾ ه ﴿ يا موسى ﴾ ه ﴿ لترضى ﴾ ه ﴿ السامري ﴾ ه ﴿ أسفاً ﴾ ج لانتساق الماضي على الماضي بلا ناسق ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ موعدي ﴾ ه ﴿ السامري ﴾ ه لا ﴿ فنسي ﴾ ه ط ﴿ قولاً ﴾ لا للعطف ﴿ ولا نفعاً ﴾ ه ط ﴿ فتنتم به ﴾ ج للابتداء بأن مع اتصال العطف ﴿ أمري ﴾ ج ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ أن لا تتبعن ﴾ ط ﴿ أمري ﴾ ه ﴿ برأسي ﴾ ج للابتداء (بأن) مع اتصال المعنى واتحاد القائل ﴿ قولي ﴾ ه ﴿ يا سامري ﴾ ه ﴿ نفسي ﴾ ه ﴿ لا مساس ﴾ ص ﴿ لن تخلفه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ عاكفاً ﴾ ط للقسم المحذوف ﴿ نسفاً ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ سبق ﴾ ج للإستئناف والحال ﴿ ذكرا ﴾ ج ه لأن الشرطية تصلح صفة للذكر وتصلح مبتدأ بها ﴿ وزراً ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ خالدين ﴾ حال من الضمير في ﴿ يحمل ﴾ وهو عائد إلى "من" ومن للجمع معنى ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ حملاً ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ينفخ ﴾ بدل من يوم القيامة.
﴿ زرقاً ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح للصفة وللاستئناف ﴿ عشراً ﴾ ه ﴿ يوماً ﴾ ه ﴿ نسفاً ﴾ ه لا ﴿ صفصفاً ﴾ ه لا ﴿ أمتا ﴾ ه ﴿ لا عوج له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ همساً ﴾ ه ﴿ قولاً ﴾ ه ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ القيوم ﴾ ط ﴿ ظلماً ﴾ ه ﴿ هضماً ﴾ ه ﴿ ذكراً ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج ﴿ وحيه ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع اعتراض الظرف وما أضيف إليه ﴿ علماً ﴾ ه.
التفسير: هذا شروع في قصة إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوّهم وقد تقدم في "البقرة" وفي "الأعراف" وفي "يونس" ومعنى ﴿ فاضرب لهم طريقاً ﴾ إجعل لهم من قولهم "ضرب له في ماله سهماً وضرب اللبن عمله" أو أراد بين لهم طريقاً ﴿ في البحر ﴾ بالضرب بالعصا حتى ينفلق فعدي الضرب إلى الطريق، ثم بين أن جميع أسباب الأمن حاصلة في ذلك الطريق.
واليبس مصدر وصف به ومثله اليبس ونحوهما العدم والعدم ويوصف به المؤنث لذلك فيقال: ناقتنا يبس إذا جف لبنها.
والدرك.
والدرك اسمان من الإدراك أي لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك.
وفي ﴿ لا تخشى ﴾ إذا قرىء ﴿ لا تخف ﴾ أوجه الاستئناف أي وأنت لا تخشى، وجوز في الكشاف أن يكون الألف للإطلاق من أجل الفاصلة كقوله ﴿ وتظنون بالله الظنونا ﴾ وأن يكون كقول الشاعر: كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانياً *** أراد لم تر لأن ما قبله: وتضحك مني شيخة عبشمية *** قلت: لعل هذا إنما يجوز في الضرورة ولا ضرورة في الآية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ الحق بهم جنوده أو تبعهم ومعه جنوده كما مر في "يونس" ﴿ فغشيهم ﴾ أي علاهم ورهقهم ﴿ من اليم ما غشيهم ﴾ وهذا من جملة ما علم في باب الإيجاز لدلالته على أنه غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله، وقد سلف منه في السور المذكورة ما حكي في الأخبار وروي في الآثار.
ونسبة الإضلال إلى فرعون لا تنافي انتهاء الكل إلى إرادة الله ومشيئته.
وقوله ﴿ وما هدى ﴾ تأكيد للإضلال وفيه تهكم به في قوله ﴿ وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ﴾ ثم عدد ما أنعم به على بني إسرائيل، ويجوز أن يكون خطاباً لليهود المعاصرين لأن النعمة على الآباء نعمة في حق الأبناء ومثله قوله ﴿ وواعدناكم جانب الطور الأيمن ﴾ أي الواقع على يمين من انطلق من مصر إلى الشام لأن منفعة المواعدة عادت إليهم وإن كانت المواعدة لنبيهم فبكتب التوراة في ألواح قام شرعهم واستقام أمر معاشهم ومعادهم.
﴿ كلوا ﴾ من تتمة القول.
وطغيانهم في الرزق هو شغلهم باللهو والتنعم عن القيام بشكرها وتعدي حدود الله فيها بالإسراف والتقتير والغصب.
ومن قرأ ﴿ فيحل ﴾ بالكسر فبمعنى الوجوب من قولهم "حل الدين يحل" إذا وجب أداؤه، ومن قرأ بضم فبمعنى النزول ونزول الغضب نزول نتائجة من العقوبات والمثلات.
ومعنى ﴿ هوى ﴾ هلك وأصله السقوط من مكان عالٍ كالجبل.
وقيل: هوى أي وقع في الهاوية.
سؤال: كيف أثبت المغفرة في حق من استجمع التوبة والإيمان والعمل الصالح، والمغفرة إنما تتصور في حق من أذنب؟
وأيضاً ما معنى قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ بعد الأمور المذكور والاهتداء إنما يكون قبلها لا أقل من أن يكون معها؟
الجواب أراد وإني لغفار لمن تاب من الكفر وآمن وعمل صالحاً.
وفيه دليل لمن ذهب إلى وجوب تقديم التوبة من الكفر على الإيمان.
والحاصل أن الغفران يعود إلى الذنوب السابقة على هذه الأمور، ويجوز أن يراد أنه إذا تاب من الكفر وأقبل على الإيمان والعمل الصالح فإن الله يغفر الصغائر التي تصدر عنه في خلال ذلك كقوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ﴾ وأما الاهتداء فالمراد به الاستقامة والثبات على الأمور المذكورة كقوله ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ ومعنى "ثم" الدلالة على تباين المرتبتين، فإن المداومة على الخدمة أصعب من الشروع فيها كما قيل: لكل إلى شأو العلى حركات *** ولكن عزيز في الرجال ثبات ونظير هذا العطف قوله ﴿ أهلكناها فجاءها بأسنا ﴾ وقد مر البحث فيه.
ويروى أن موسى قد مضى مع النقباء السبعين إلى الطور على الموعد المضروب، ثم تقدمهم شوقاً إلى كلام ربه وتنجز ما وعد به بناء على اجتهاده وظنه أن ذلك أقرب إلى رضا الله فأنكر الله تقدمه قائلاً ﴿ وما أعجلك عن قومك ﴾ أيّ شيء عجل بك عنهم؟
فالمراد بالقوم النقباء لا جميع قومه على ما توهم بعضهم يؤكده قوله ﴿ هم أولاء على أثري ﴾ ولم يكن جميع قومه على أثره.
قال جار الله: قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين: أحدهما إنكار العجلة في نفسها، والثاني السؤال عن سبب التقدم فكان أهم الأمرين إلى موسى تمهيد العذر من العجلة نفسها فاعتل بأنه لم يوجد مني إلا تقدم يسير وليس بيني وبينهم إلا مسافة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال ﴿ وعجلت إليك رب لترضى ﴾ أي طلبت دوم رضاك عني أو مزيد رضاك بناء على اجتهادي أن التعجيل إلى مقام المكالمة والحرص على ذلك يوجب مزيد الثواب والكرامة.
وقيل: لما أنكر عليه الاستعجال دهش خوفاً من العقاب فتحير في الجواب ﴿ قال فإنا قد فتنا قومك ﴾ يعني جميع قومه الذين خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف ما نجا من عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفاً.
يروى أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيامها وقالوا: قد أكملنا العدة.
ثم كان أمر العجل بعد ذلك فسئل أنه تعالى كيف قال لموسى عنه مقدمه ﴿ إنا قد فتنا قومك ﴾ ؟
وأجيب بأنه على عادة الله في إخباره عن الأمور المترقبة بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، أو أراد بدء الفتنة لأن السامري افترض غيبة موسى فعزم على إضلال قومه غب انطلاقه.
ولقائل أن يمنع كون هذه الأخبار عند مقدم موسى بل لعله عند رجوعه بدليل فاء التعقيب في قوله ﴿ فرجع موسى ﴾ قال جار الله إنه رجع بعدما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة وأوتي التوراة.
وسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة.
وقيل: السامرة قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم.
وقيل: كان علجاً من كرمان واسمه موسى بن ظفر وكان منافقاً وكان من قوم يعبدون البقر.
قالت المعتزلة: الفتنة بمعنى الإضلال لا يجوز أن تنسب إلى الله لأنه يناقض قوله ﴿ وأضلهم السامري ﴾ وإنما الفتنة بمعنى الامتحان بتشديد التكليف ومنه "فتنت الذهب بالنار" وبيان ذلك أن السامريّ لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة الأجسام على أن العجل لا يصلح للإلهية.
وقالت الأشاعرة: الشبهة في كون الشمس والقمر إلهاً أعظم من العجل الذي له خوار وهو جسد من الذهب وحينئذ لا يكون حدوث ذلك العجل تشديداً في التكليف، فلا يكون فتنة من هذا الوجه فوجب حمله على خلق الضلال فيهم.
وأجابوا عن إضافة الضلال إلى السامري بن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن كان الموجد لها في الحقيقة هو الله .
قال بعضهم: الأسف المغتاظ، وفرق بين الاغتياظ والغضب لأن الغيظ تغير يلحق المغتاظ فلا يصح إلا على الأجسام، والغضب قد يراد به الإضرار بالمغضوب عليه فلهذا صح إطلاقه على الله .
ثم عاتب موسى قومه بأمور منها: قوله ﴿ ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً ﴾ كأنهم كانوا معترفين بالرب الأكبر لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي تذكر عبدة الأصنام أو على تأويل الحلول.
والوعد الحسن هو إنزال التوراة التي فيها هدى ونور.
وقيل: هو الثواب على الطاعات ومثله ما روي عن مجاهد أن العهد المذكور من قوله ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ إلى قوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ وقيل: وعدهم إهلاك فرعون ووعدهم أرضهم وديارهم وقد فعل.
ومنها قوله ﴿ أفطال عليكم العهد ﴾ أي الزمان يريد مدة مفارقته لهم وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان فاخلفوا موعده بعبادتهم العجل.
وقيل: أراد عهدهم بنعم الله من الإنجاء وغيره.
والأكثرون على الأول لما روي أنه وعدهم ثلاثين كما أمر الله ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ﴾ فجاء بعد الأربعين لقوله ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ ولما روي أنهم حسبوا العشرين أربعين ومنها قوله ﴿ أم أردتم أن يحل عليكم غضب ربكم ﴾ قالوا: هذا لا يمكن إجراؤه على الظاهر لأن أحداً لا يريد هلاك نفسه ولكن المعصية - وهو خلاف الموعد - لما كانت توجب ذلك صح هذا الكلام لأن مريد السبب مريد للمسبب بالعرض.
احتج العلماء بالآية وبما مر من قوله ﴿ فيحل عليكم غضبي ﴾ أن الغضب من صفات الأفعال لا من صفات الذات لأن صفة ذات الله لا تنزل في شيء من الأجسام.
وموعد موسى هو ما ذكرنا من أنهم وعدوه الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور.
وقيل: وعدوه اللحاق به والمجيء على أثره ﴿ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ﴾ بالحركات الثلاث أي بأن ملكنا أمرنا أي لو ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفناه ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده.
والظاهر أن القائلين هم عبدة العجل.
وقيل: إنهم الذين لم يعبدوا العجل وقد يضيف الرجل فعل قرينه إلى نفسه فكأنهم قالوا: الشبهة قويت على عبدة العجل فلم يقدر على منعهم ولم يقدروا أيضاً على مخالفتهم حذراً من التفرقة وزيادة الفتنة.
ثم إن القوم بينوا ذلك العذر المجمل فقالوا ﴿ ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم ﴾ أي أثقالاً من حلي القبط كما مر في "الأعراف".
وقيل: الأوزار الآثام وإنها في الحقيقة أثقال مخصوصة معنوية سموا بذلك لأن المغانم لم تحل حينئذ أو لأنهم كانوا مستأمنين في دار الحرب وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي.
وقيل: إن تلك الحلي كان القبط يتزينون بها في مجامع الكفر ومجالس المعاصي فلذلك.
وصفت بأنها أوزار كما يقال في آلات المعاصي ﴿ فقذفناها ﴾ أي في الحفرة، كان هارون أمرهم بجمع الحلي انتظاراً لعود موسى، أو في موضع أمرهم السامري بذلك بعد أن أوقد النار ﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ مثل فعلنا أراهم أنه يلقي حلياً في يده مثل ما ألقوه.
وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطىء حافر فرس جبريل كما يجيء في قوله ﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ﴾ ﴿ فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ﴾ قد مر في "الأعراف" ﴿ فقالوا ﴾ أي السامري ومن تبعه ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فنسي ﴾ موسى أن يطلبه ههنا فذهب يطلبه عند الطور، أو فنسي السامري وترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر، أو نسي الاستدلال على أن العجل لا يجوز أن يكون إلهاً بقوله ﴿ أفلا يرون أن لا يرجع ﴾ "أن" مخففة من الثقيلة ولهذا لم تعمل.
وقرىء بالنصب على أنها الناصبة.
قال العلماء: ظهور الخوارق على يد مدعي الإلهية جائز لأنه لا يحصل الالتباس، وههنا كذلك فوجب أن لا يمتنع خلق الحياة في صورة العجل.
وروى عكرمة عن ابن عباس أن هارون مر بالسامري وهو يصنع العجل فقال: ما تصنع؟
فقال: أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي.
فقال: اللهم أعطه ما سألك.
فلما مضى هارون قال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور فخار.
وعلى هذا التقدير يكون معجزاً للنبي لا السامري.
ثم إنه أخبر أن هارون لم يأل نصحاً وإشفاقاً في شأن نفسه وفي شأن القوم قبل أن يقول لهم السامري ما قال.
أما شفقته على نفسه فهي أنه أدخلها في زمرة الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، أما الامتثال فإنه امتثل في نفسه وفي شأن القوم أمر أخيه حين قال لهم ﴿ يا قوم إنما فتنتم به ﴾ قال جار الله: كأنهم أول ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة فتنوا به واستحسنوه فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون فزجرهم عن الباطل أولاً بأن هذا من جملة الفتن.
ثم دعاهم إلى الحق بقوله ﴿ وإن ربكم الرحمن ﴾ ومن فوائد تخصيص هذا الاسم بالمقام أنهم إن تابوا عما عزموا عليه لإن الله يرحمهم ويقبل توبتهم.
ثم بين أن الوسيلة إلى معرفة كيفية عبادة الله هو اتباع النبي وطاعته فقال ﴿ فاتبعوني وأطيعوا أمري ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن.
واعلم أن الشفقة على خلق الله أصل عظيم في الدين وقاعدة متينة.
روى النعمان بن بشير عن النبي " مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ويروى أن رسول الله بينا هو جالس إذا نظر إلى شاب على باب المسجد فقال: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه.
فسمع الشاب ذلك فولى وقال: إلهي وسيدي هذا رسولك يشهد عليّ بأني من أهل النار وأنا أعلم أنه صادق، فإذا كان الأمر كذلك فأسألك أن تجعلني فداء أمة محمد وتشعل النار بي حتى يبر يمينه ولا تسفع النار أحداً.
فهبط جبريل وقال: يا محمد بشر الشاب بأني قد أنقدته من النار بتصديقه لك وفداء أمتك بنفسه وشفقته على الخلق.
قال أهل السنة ههنا: إن الشيعة تمسكوا بقوله "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" ثم إن هارون ما منعته التقية في مثل ذلك الجمع بل صعد المنبر وصرح بالحق ودعا الناس إلى متابعته، فلو كانت أمة محمد على الخطأ لكان يجب على عليّ كرم الله وجهه أن يفعل ما فعل هارون من غير تقية وخوف.
وللشيعة أن يقولوا: إن هارون صرح بالحق وخاف فسكت ولهذا عاتبه موسى بما عاتب فاعتذر بــ ﴿ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ﴾ وهكذا علي امتنع أولاً من البيعة فلما آل الأمر إلى ما آل أعطاهم ما سألوا.
وإنما قلت هذا على سبيل البحث لا لأجل التعصب.
ثم إن القوم قابلوا حسن موعظة هارون بالتقليد والجحود قائلين ﴿ لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ﴾ ولا يخفى ما في هذا الكلام من أنواع التوكيد من جهة النفي بـ"لن"، ومن لفظ البراح والعكوف، ومن صيغة اسم الفاعل، ومن تقديم الخبر.
ثم حكى ما جرى بين موسى وهارون بعد الرجوع وقوله ﴿ ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن ﴾ كقوله ﴿ ما منعك ألا تسجد ﴾ في أن "لا" هذه مزيدة أم لا؟.
وقد مر في "الأعراف".
وفي هذا الإتباع قولان: فعن ابن عباس ما منعك من إتباعي بمن أطاعك واللحوق بي وترك المقام بين أظهرهم.
وقال مقاتل: أراد الإتباع في وصيته كأنه قال: هلا قتلت من كفر بمن آمن ومالك لا تباشر الأمر كما كنت أباشره.
قال الأصوليون: في قوله ﴿ أفعصيت أمري ﴾ دلالة على أن تارك المأمور به عاصٍ والعاصي يستحق العقاب لقوله ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ﴾ فيعلم منه أن الأمر للوجوب.
واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بأن موسى هل أمر هارون باتباعه أم لا؟
وعلى التقدير فهارون أتبعه أم لا؟
فإن لم يأمره أو أمره ولكن اتبعه فملامته لهارون من غير جرم تكون ذنباً، وإن أمره ولم يتبعه كان هارون عاصياً.
وأيضاً قوله ﴿ أفعصيت ﴾ بمعنى الإنكار.
فإما أن يكون موسى كاذباً في نسبة العصيان إلى هارون، وإما أن يكون هارون عاصياً.
وأيضاً أخذه بلحية هارون وبرأسه إن كان بعد البحث والتفتيش فهارون عاصٍ وإلا فموسى.
وأجيب بأن كل ذلك أمور اجتهادية جائزة الخطأ أو هي من باب الأولى وقد مر في أوائل "البقرة" في آدم ما يتعلق بهذه المسألة.
قوله: ﴿ ولم ترقب قولي ﴾ أي وصيتي لك بحفظ الدهماء واجتماع الشمل يؤيده قوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقت ﴾ قال الإمام أبو القاسم الأنصاري: الهداية أنفع من الدلالة فإن السحرة ما رأوا إلا آية واحدة فآمنوا وتحملوا في الدين ما تحملوا، وأما قوم موسى فقد رأوا ذلك مع زيادة سائر الآيات التسع ومع ذلك اغتروا بصوت العجل وعكفوا على عبادته، فعرفنا أن الغرض لا يحصل إلا بهداية الله .
ولما فرغ موسى من عتاب هارون أقبل على السامري، ويمكن أن يكون بعيداً ثم حضر أو ذهب إليه موسى ليخاطبهقال جار الله: الخطب مصدر خطب الأمر إذا طلبه.
فإذا قيل: لمن يفعل شيئاً ما خطبك؟
فمعناه ما طلبك له والغرض منه الإنكار عليه وتعظيم صنيعه ﴿ قال ﴾ أي السامري} بصرت بما لم يبصروا به} قال ابن عباس ورواه أبو عبيدة: علمت بما لم يعلموا به من البصارة.
يعني العلم.
وقال الآخرون: رأيت بما لم تروه فالباء للتعدية، رجح العلماء قراءة الغيبة على الخطاب احترازاً من نسبة عدم البصارة إلى النبي .
والقبضة بالفتح مصدر بمعنى المفعول وهو المقبوض بجميع الكف.
عامة المفسرين على أن المراد بالرسول جبريل عليه السالم وأثره التراب الذي أخذه من موقع حافر دابته واسمها حيزوم فرس الحياة.
ومتى رآه؟
الأكثرون على أنه رآه يوم فلق البحر كان جبريل على الرمكة وفرعون على حصان وكان لا يدخل البحر، فتقدم جبريل فتبعه فرس فرعون.
وعن علي أن جبريل لما نزل ليذهب بموسى إلى الطور أبصره السامري من بين الناس وكان راكب حيزوم فقال: إن لهذا شأناً فقبض من تربة موطئه.
فمعنى الآية فقبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد.
ثم من المفسرين من جوز أن السامري لم يعرف أنه جبريل ومنهم من قال: إنه عرفه.
عن ابن عباس: إنما عرفه لأنه رباه في صغره وحفظه من القتل حين أمر فرعون بقتل أولاد بني إسرائيل.
فكانت المرأة تلد وتطرح ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون فتأخذ الملائكة الولدان فيربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس.
فكان السامري أخذه جبريل وجعل كف نفسه في فيه وارتضع منه العسل واللبن فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه.
وقال أبو مسلم: إطلاق الرسول على جبريل في المقام من غير قرينة تكليف بعلم الغيب.
وأيضاً تخصيص السامري من بين الناس برؤية جبريل وبمعرفة خاصية تراب حافر دابته لا يخلو عن تعسف، ولو جاز اطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه فلقائل أن يقول: لعل موسى اطلع على شيء آخر لأجله قدره على الخوارق.
فالأولى أن يراد بالرسول موسى فقد يواجه الحاضر بلفظ الغائب كما يقال: ما قول الأمير في كذا؟
ويكون إطلاق الرسول منه على موسى نوعاً من التهكم لأنه كان كافراً به مكذباً.
وأراد بأثره سنته ورسمه من قولهم "فلان يقفو أثر فلان" أي عرفت أن الذي عليه ليس بحق وقد كنت قبضت شيئاً من سنتك فطرحتها.
فعلى قول العامة يكون قوله: ﴿ وكذلك سوّلت لي نفسي ﴾ إشارة إلى ما أوحي إليه وليه الشيطان أن تلك التربة إذا نبذت على الجماد صار حيواناً.
وعلى قول أبي مسلم يشير إلى أن اتباع أثرك كان من تسويلات النفس الأمارة فلذلك تركته.
ثم بين موسى أن له عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة.
يروى أنه أراد أن يقتله فمنعه الله من ذلك وقال: لا تقتله فإنه سخيّ.
وفي قوله: ﴿ لامساس ﴾ وجوه: الأوّل إنه حرم عليه مماسة الناس لأنه إذا اتفق أن هناك مماسة فأحدهم الماس والثاني الممسوس فلذلك إذا رأى أحداً صاح لا مساس.
ويقال: إن قومه باقٍ فيهم ذلك إلى الآن الثاني: أن المراد منع الناس من مخالطته.
قال مقاتل: إن موسى أخرجه من محلة بني إسرائيل وقال له: اخرج أنت وأهلك طريداً إلى البراري.
اعترض الواحدي عليه بأن الرجل إذا صار مهجوراً فلا يقول: هو لامساس.
وإنما يقال له ذلك.
وأجيب بأن هذا على الحكاية أي أجعلك يا سامري بحيث إذا أخبرت عن حالك لم تقل إلا لا مساس.
والثالث: قول أبي مسلم إن المراد انقطاع نسله وأن يخبر بأنه لا يمكن له مماسة المرأة أي مجامعتها.
وأما حاله في الآخرة فلذلك قوله: ﴿ وإن لك موعداً لن تخلفه ﴾ قال جار الله: من قرأ بكسر اللام فهو من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً.
ثم بين مآل حال إلهه فقال: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً ﴾ أي ظللت فحذف إحدى اللامين تخفيفاً ﴿ لنحرقنه ﴾ من الإحراق ففيه دليل على أنه صار لحماً ودماً لأن الذهب لا يمكن إحراقه بالنار ونسفه في الميم.
قال السدي: أمر موسى بذبحه فسال منه الدم ثم أحرق ثم نسف.
والنسف النقض ومن جعله من الحرق أي لنبردنه بالمبرد ففيه دلالة على أنه لم ينقلب حيواناً إلا إذا أريد برد عظامه.
ومن جعله من التحريق فإنه يحتمل الوجهين والمراد إهدار السامري وإبطال كيده ومحق صنيعه والله خير الماكرين.
ثم ختم الكلام ببيان الدين الحق فقال: ﴿ إنما إلهكم ﴾ أي المستحق للعباد والتعظيم ﴿ الله الذي لا إله إلاَّ هو وسع كل شيء علماً ﴾ قد مر مثله في "الأنعام" قال مقاتل: أي يعلم من يعبده.
وحين فرغ من قصة موسى شرع في تثبيت رسولنا فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي نحو اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون والسامري ﴿ نقص عليك من ﴾ سائر أخبار الرسل مع أممهم تكثيراً لمعجزاتك.
ثم عظم شأن القرآن بقوله: ﴿ وقد آتيناك من لدنا ذكراً ﴾ أي ما ذكر فيه كل ما يحتاج إليه المكلف في دينه وفي دنياه والوزر العقوبة الثقيلة التي تنقض ظهر صاحبها، أو المراد جزاء الوزر وهو الإثم ﴿ خالدين فيه ﴾ أي في ذلك الوزر أو في احتماله ﴿ وساء ﴾ فيه ضمير مبهم يفسره ﴿ حملاً ﴾ والمخصوص محذوف للقرينة أي ساء حملاً وزرهم.
واللام في ﴿ لهم ﴾ للبيان كما في ﴿ هيت لك ﴾ ويجوز أن يكون "ساء" بمعنى "قبح" ويكون فيه ضمير الوزر.
وانتصب ﴿ حملاً ﴾ على التمييز و ﴿ لهم ﴾ حال من ﴿ حملاً ﴾ ولا أدري لم أنكره صاحب الكشاف، اللَّهم إلا أن يمنع وقوع الحال من التمييز وفيه نظر.
قال ابن السكيت: الحمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس: وفي الصور قولان: أشهرهما أنه القرن يؤيده قوله: ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ وإنه يعرّف أمور الآخرة بأمثال ما شوهد في الدنيا ومن عادة الناس النفخ في البوقات عند الأسفار وفي العساكر فجعل الله النفخ في تلك الآلة علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات.
وأقربهما من المعقول أن الصور جمع صورة يؤكده قراءة من قرأ بفتح الواو.
يقال: صورة وصور كدرة ودرر.
والنفخ نفخ الروح فيها ولكنه يرد عليه أن النفخ يتكرر لقوله : ﴿ ثم نفخ فيه أخرى ﴾ والإحياء لا يتكرر بعد الموت إلا ما ثبت من سؤال القبر وليس هو بمراد من النفخة الأولى بالاتفاق ﴿ ونحشر المجرمين ﴾ عن ابن عباس: هم الذين اتخذوا مع الله إلهاً آخر.
وقال المعتزلة: هم الكفار والعصاة.
وفي الزرق وجوه: قال الضحاك ومقاتل: إن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب، لأن الروم أعداؤهم وإنهم زرق العيون، ومن كلامهم في صفة العدوّ "أسود الكبد أصهب السبال أزرق العين".
وقال الكلبي: ﴿ رزقاً ﴾ أي عمياً.
قال الزجاج: يخرجون بصراء في أول أمرهم لقوله: ﴿ ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾ ولقوله: ﴿ اقرأ كتابك ﴾ ثم يؤل حالهم إلى العمى وإن حدقة من يذهب نور بصرة تزرق.
وقيل ﴿ زرقاً ﴾ أي عطاشا لقوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ فكأنهم من شدة العطش يتغير سواد عيونهم حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي ﴿ يتخافتون ﴾ يتسارون ﴿ بينهم ﴾ من شدة خوفهم أو لأن صدورهم امتلأت رعباً، وهؤلاء يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا إما لأنها أيام سرورهم وهن قصار، وإما لأنها قد انقضت والذاهب قليل وإن طال ولا سيما بالنسبة إلى الأبد السرمدي كأن ظنينهم يقول: قدر لبثنا في الدنيا بالقياس إلى لبثنا في الآخرة كعشرة أيام.
فقال أعقلهم: بل كاليوم الواحد.
وإنما قال: ﴿ عشراً ﴾ لأن المراد عشر ليال.
وقال مقاتل: أراد عشر ساعات أي بعض يوم.
وعلى هذا فأفضلهم رد عليهم استقصارهم وتقالهم.
وقيل: المراد لبثهم في القبور.
قال أهل النظم: كأن سائلاً سأل: كيف يصح التخافت بين المجرمين والجبال حائلة مانعة؟
فلذلك قال: ﴿ ويسألونك عن الجبال ﴾ وقال الضحاك: إن مشركي مكة قالوا على سبيل الاستهزاء: يا محمد كيف يكون حال الجبال يوم القيامة؟
فنزلت.
ويحتمل أن يكون هذا جواب شبهة تمسك بها منكرو البعث - منهم جالينوس - زعم أن الأفلاك لا تفنى لأنها لو فنيت لابتدأت بالنقصان حتى تنتهي إلى البطلان، وكذا الجبال وغيرها من الأجرام الكلية، فأمر الله نبيه أن يبين لهم هذه المسألة الأصولية من غير تأخير ولهذا أدخل فاء التعقيب في الجواب.
والنسف القلع.
وقال الخليل: التطيير والإذهاب كأنه يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها.
وحاصل الجواب أن كل بطلاً لا يلزم أن يكون ذبولياً بل قد يكون رفعياً.
والضمير في ﴿ فيذرها ﴾ للمضاف المحذوف أي فيدع مقارها ومراكزها وهو للأرض للعلم بها كقوله: ﴿ ما ترك على ظهرها ﴾ والقاع المستوي من الأرض.
وقيل: المكان المطمئن.
وقيل: مستنقع الماء.
والصفصف الأرض الملساء المستوية.
وقيل: التي لا نبات فيها.
والأمت النتوّ اليسير.
وقيل: التلال الصغار.
قالوا: العوج بالكسر في المعاني وكأنه نفى العوج الذي يدق عن الإحساس ولا يدرك إلا بالقياس الهندسي.
وإذا كان هذا النوع من العوج الاعتباري منتفياً فكيف بالعوج الحسي!
وقد يستدل بالآية على أن الأرض يومئذ تكون كرة حقيقة إذ لو كانت مضلعة وقعت بين الأضلاع فصول مشتركة فيعوج الامتداد القائم عليها هناك.
ثم إنه وصف ذلك اليوم بأن الخلائق فيه ﴿ يتبعون الداعي ﴾ قيل: هو النفخ في الصور وقوله: ﴿ لا عوج له ﴾ أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكل.
وقيل: إن إسرافيل أو ملكاً آخر يقوم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيها العظام النخرة والأوصال المتفرقة واللحوم المتمزقة، قومي إلى ربك للحساب والجزاء فلا يعوج له مدعوّ بل يتبعون صوته من غير انحراف.
﴿ وخضعت الأصوات للرحمن ﴾ خفضت من شدة الفزع ﴿ فلا تسمع ﴾ أيها السامع ﴿ إلا همساً ﴾ وهو الصوت الخفي.
وذلك أن الجن والإنس علموا أن لا مالك لهم سواه، وحق لمن كان الله محاسبه أن يخشع طرفه ويضعف صوته ويختلط قوله ويطول غمه.
وعن ابن عباس والحسن وعكرمة وابن زيد الهمس وطء الأقدام إلى المحشر.
قوله: ﴿ إلا من أذن له الرحمن ﴾ يصلح أن يكون "من" منتصباً على المفعولية وأن يكون مرفوعاً على البدلية بتقدير حذف المضاف أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن ﴿ ورضي له ﴾ أي لأجله ﴿ قولاً ﴾ .
قال الإمام فخر الدين الرازي: الاحتمال الأول أولى لعدم التزام الإضمار، ولأن درجة الشافع درجة عظيمة فلا تصلح ولا تحصل إلا لمن أذن له فيها وكان عند الله مرضياً.
فلو حملنا الآية على ذلك كان من إيضاح الواضحات بخلاف ما لو حملت على المشفوع.
وأقول: الاحتمالان متقاربان متلازمان لأن المشفوع لا تقبل الشفاعة في حقه إلا إذا أذن الرحمن لأجله فيعود إلى الثاني.
قالت المعتزلة: الفاسق غير مرضي عند الله فوجب أن لا ينتفع بشفاعة الرسول.
وأجيب بأنه قد رضي لأجله قولاً واحداً من أقواله وهو كلمة الشهادة.
قالوا: هب أن الفاسق قد رضي الله قولاً لأجله، فلم قلتم إن الإذن حاصل للشافع في حقه؟
والجواب أنا أيضاً نمنع من أن الإذن غير حاصل في حقه على أنه قال في موضع آخر ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ فلم يعتبر إلا أحد القيدين.
ثم أخبر عن نهاية علمه بقوله: ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ .
الضمير للذين يتبعون الداعي أي يعلم ما يقدمهم من الأحوال وما يستقبلونه ﴿ ولا يحيطون ﴾ بمعلومه ﴿ علماً ﴾ .
وقال الكلبي ومقاتل: الضمير للشافعين من الملائكة والأنبياء كما مر في آية الكرسي.
وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفعوا له أي يعلم ما كان قبل خلقهم وما كان منهم بعد خلقهم من أمر الآخرة والثواب العقاب وإنهم لا يعلمون شيئاً من ذلك فكيف يصلحون للمعبودية.
ثم ذكر غاية قدرته فقال: ﴿ وعنت الوجوه ﴾ أي زلت رقاب الممكنات منقادين لأمره كالأسارى.
عنا يعنو عنوّاً إذا صار أسيراً.
وقيل: أراد وجوه العصاة في القيامة كقوله: ﴿ سيئت وجوه الذي كفروا ﴾ ولعله خص الوجوه بالذكر لأن أثر الذل والانكسار فيها أبين وأظهر، قال جار الله: ﴿ وقد خاب ﴾ وما بعده اعتراض أي كل من ظلم فهو خائب خاسر.
ولأهل السنة أن يخصوا الظلم ههنا بالشرك أو يعارضوا هذا العموم بعمومات الوعد.
من قرأ ﴿ فلا يخاف ﴾ بالرفع فعلى الاستئناف أي فهو لا يخاف كقوله: ﴿ فينتقم الله منه ﴾ ومن قرأ ﴿ فلا يخف ﴾ فمعناه فليأمن له لأن النهي عن الخوف أمر بالأمن.
من فسر الظلم بأنه الأخذ فوق حقه بالنقص من حقه كصفة المطففين فيقدر مضافاً محذوفاً أي فلا يخاف جزاء ظلم ولا هضم لأنه لم يظلم ولم يهضم، ومن فسر الظلم بأنه العقاب لا على جريمة والهضم بأنه النقص من الثواب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.
قال أبو مسلم: الظلم أن ينقص من الثواب والهضم أن لا يوفى حقه من التعظيم لأن الثواب مع كونه من اللذات لا يكون ثواباً إلا إذا قارنه التعظيم.
قال جار الله: ﴿ وكذلك ﴾ عطف على قوله: ﴿ كذلك نقص ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال وعلى نهجه، وكما أنزلنا عليك هؤلاء الآيات المضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله عربياً لأن العرب أصل وغيرهم تبع لأن النبي عربي.
﴿ وصرفنا فيه من الوعيد ﴾ كررناه وفصلناه ويدخل في ضمنه الفرائض والمحارم لأن الوعيد يتعلق بترك أحدهما وبفعل الآخر ﴿ لعلهم يتقون أن يحدث لهم ذكراً ﴾ حمل جار الله الأول على إرادة ترك المعاصي والثاني على فعل الخبر والطاعة، لأن الذكر قد يطلق على الطاعة والعبادة.
قلت: لا ريب أن القرآن ينفر عن السيئات ويبعث على الطاعات من حيث إن فهم معانيه يؤدّي إلى ذلك، وإنما قدم الأول على الثاني لأن التخلية مقدمة على التحلية.
ويحتمل أن تكون التقوى عبارة عن فعل الخيرات وترك المنكرات جميعاً.
والذكر يكون محمولاً على ضد النسيان أي إن نسوا شيئاً من التروك والأفعال أحدث لهم ذكراً إذا تأملوا معانية.
وكلمة "أو" على الأول للتخيير والإباحة لا للتنافي، وعلى الثاني يجوز أن تكون للتنافي.
وقيل: أراد أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يوجب القرآن لهم ذكراً أي شرفاً ومنصباً كقوله: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ وعلى التقديرين يكون في إنزال القرآن نفع.
ثم عظم شأن القرآن من وجه آخر وهو عظمة شأن منزلة قائلاً ﴿ فتعالى الله الملك الحق ﴾ ارتفع صفاته عن صفات المخلوقين أنزل القرآن ليحترزوا عما لا ينبغي وأنه منزه عن الانتفاء والتضرر بطاعاتهم ومعاصيهم.
ومعنى الحق قد مر في البسملة.
قال جار الله: فيه استعظام له ولما يصرّف عليه عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده والإدارة بين ثوابه وعقابه وغير ذلك كما يجري عليه أمر ملكوته.
قال أبو مسلم: إن قوله: ﴿ ويسئلونك عن الجبال ﴾ إلى ههنا كلام تام.
وقوله: ﴿ ولا تعجل ﴾ خطاب مستأنف.
وقال آخرون: إنه كان يخاف أن يفوته شيء فيقرأ مع الملك، فإنه حين شرح كيفية نفع القرآن للمكلفين وبين أنه متعال عن الانتفاع والتضرر بالطاعات والمعاصي.
وأنه موصوف بالملك الدائم والعز بالباقي، وكل من كان كذلك وجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي وما يتعلق بصلاح العباد في المعاش والمعاد.
قال: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ لأنه حصل لك الأمان من السهو والنسيان ﴿ من قبل أن يقضي إليك وحيه ﴾ أي من قبل أن تتم قراءة جبريل ونحوه قوله ﴿ لا تحرّك به لسانك لتعجل به ﴾ قاله مقاتل والسدي وابن عباس في رواية عطاء.
وقال مجاهد وقتادة: أراد ولا تعجل بالقرآن فتقرأ على أصحابك من قبل أن يوحى إليك بيان معانية أي لا تبلغ ما كان مجملاً حتى يأتيك البيان.
وقال الضحاك: إن أهل مكة وأسقف نجران قالوا: يا محمد، أخبرنا عن كذا وكذا وقد ضربنا لك أجلاً ثلاثة أيام فأبطأ الوحي عليه وفشت المقالة أن اليهود قد غلبوا فنزلت هذه الآية.
أي لا تعجل بنزول القرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه من اللوح المحفوظ إلى إسرافيل ومن جبرائيل ومنه إليك.
وعن الحسن: أن امرأة أتت النبي فقالت: زوجي لطم وجهي فقال: بينكما القصاص فنزلت الآية فأمسك رسول الله عن القصاص.
وإنما نشأت هذه الأقوال لأن قوله: ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ يحتمل التعجيل بقراءته في نفسه، أو في تأديته إلى غيره، أو في اعتقاده ظاهره، أو في تعريف الغير ما يقتضيه الظاهر.
وقوله: ﴿ من قبل أن يقضى إليك وحيه ﴾ احتمل أن يراد من قبل أن يقضى إليك تمامه، أو من قبل أن يقضى إليك بيانه فقد يجوز أن يحصل عقيبه استثناء أو شرط أو غيرهما من المخصصات والمبينات ويؤكد هذه المعاني قوله: ﴿ وقل رب زدني علماً ﴾ لأن معرفة البيان علم زائد على معرفة الإجمال.
والظاهر أن هذا الاستعجال كان أمراً اجتهادياً وكان الأولى تركه فلذلك نهى عنه.
قال جار الله: هذا الأمر متضمن للتواضع لله والشكر له عندما علم من ترتيب التعلم أي علمتني يا رب لطيفة في باب التعلم وأدباً جميلاً ما كان عندي فزدنى علماً إلى علم.
ومن فضائل العلم أن النبي ما أمر بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
وفيه إشارة إلى أن أسرار القرآن غير متناهية، اللَّهم إن هذا العبد الضعيف معترف بقصوره ونقصانه فأسألك مما سألك به نبيك أن ترزقني بتبعيته علماً ينفعني في الدارين.
التأويل: ﴿ ولقد أوحينا إلى موسى ﴾ القلب ﴿ أن أسر بعبادي ﴾ وهم صفات القلب من الأخلاق الحميدة سر بهم من مصر البشرية إلى بحر الروحانية.
﴿ فاضرب لهم ﴾ بعصا الذكر ﴿ طريقاً يبساً ﴾ من ماء الهوى وطين الصفات الحيوانية وباقي التأويل كما مر في "يونس" ﴿ ونزلنا عليكم ﴾ منّ صفاتنا وسلوى أخلاقنا فاتصفوا بطيبات أخلاقنا ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ بإفشاء أسرار الربوبية إلى غيرنا كمن قال: أنا الحق وسبحاني.
فإن الحالات لا تصلح للمقاولات.
﴿ وإني لغفار لمن ﴾ رجع عن الطغيان ﴿ وآمن ﴾ بالربوبية ﴿ وعمل صالحاً ﴾ في مقام العبودية ﴿ ثم اهتدى ﴾ فتحقق أن حضرة الربوبية منزهة عن دنس الوهم والخيال ومقام الوصال مباين للقيل والقال.
﴿ وعجلت إليك ﴾ فيه أن الشوق إذا غلب انقطع العلائق وأن مطلوب السائل لا ينبغي أن يكون إلا رضا الله.
﴿ قد فتنّا قومك من بعدك ﴾ فيه أن فتنة الأمة والمريد مقرونة بالنبي والشيخ.
﴿ بملكنا ﴾ أي بإرادتنا ومشيئتنا ولكن بإرادة الله ومشيئته.
﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ من غير اختيار منه ولكن باضطرار من القدر ﴿ با ابن أم ﴾ قيل خاطبه بذلك ليذكره قول الملائكة: يا ابن النساء الحيض ما للتراب ورب الأرباب.
﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ﴾ فيه أن الكرامة لأهل الكرامة كرامة ولأهل الغرامة استدراج وفتنة فيصرفونها في الباطل والطبيعة لا في الحق والحقيقة.
قوله: ﴿ لامساس ﴾ فيه معارضة بنقيض مقصود من أراد الجمعية والغلبة واتباع الناس إياه، فعدت بالتفرد والتوحش والنفار عن الخلق ﴿ زرقا ﴾ إن الوجه أشرف أعضاء الإنسان والعين أشرف أعضاء الوجه، وزرق العين دلالة على خروجها عن الاعتدال، وإذا كان أشرف الأعضاء خارجاً عن الاعتدال فما ظنك بغيرها؟
وكذا بالأخلاق التابعة للأمزجة.
﴿ وعنت الوجوه ﴾ أي كل جهة بها يستند الممكن إلى الواجب.
﴿ يتبعون الداعي ﴾ لأن كل ناس تدعى بإمامهم فيتبعونه ألبتة وأهل الله لا يفرون إلا إلى الله في قوله: ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ وعلى الله السمتعان.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴾ .
أي: كما ذكرنا: أن من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما، كذلك أنزلناه في القرآن العربي.
﴿ وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ .
حرف (لعل) في جميع ما ذكر في القرآن يحتمل وجهين: أحدهما: على الوعد أنهم يتقون فهو على الإيجاب.
والثاني: لعلهم يتقون، أي: ألزمهم أن يتقوا بما صرف من الوعيد.
وإن كان على الوعد والإيجاب منه فهو لمن علم أنهم يتقون.
وإن كان على الإلزام - أي: ألزمهم - فهو في الكل.
ثم إن كان على الوعد فيخرج قوله: ﴿ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ﴾ ، فيكون كقوله: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴾ إذا تذكر خشي، وإذا خشي تذكر؛ فعلى ذلك إذا اتقى فقد أحدث له الذكر، وإذا أحدث له الذكر اتقى، وإن كان ألزمهم أن يتقوا فهو على أو ثم.
ثم قال: بعضهم: ﴿ ذِكْراً ﴾ ، أي: عذاباً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ﴾ .
مثل هذا إنما يذكر على نوازل كانت إما قولا أو فعلا، يقال: فتعالى الله عن ذلك، لكن لم يذكر النوازل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ .
يحتمل ما قاله أهل التأويل أن جبريل كان إذا أتاه بالسورة وبالآي فيتلوها عليه، فلا يفرغ جبريل من التلاوة حتى يتكلم رسول الله بأولها؛ مخافة أن ينساها؛ فأنزل الله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ ﴾ فتقرأه من قبل أن يفرغ من تلاوته عليك، وقد أمنه عن النسيان بقوله: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ...
﴾ الآية [الأعلى: 6]، وكذلك: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ الآية [القيامة: 16]، ثم أمره عز وجل أن يسأله أن يزيد له علما.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ .
أي: لا تعجل بما ذكر من الوعيد لهم في القرآن من قبل أن يأتي وقته؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ جائز ما قال أهل التأويل: إنه كان يتلو مع تلاوة جبريل، فقال له: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ ، إن ثبت عنه أنه كان يتلو مع تلاوة جبريل.
وجائز النهي من غير أن كان منه ما ذكر - والله أعلم - على ما نهى عن أشياء من غير أن كان منه ذلك.
<div class="verse-tafsir"
فتعالى الله وتقدّس وجَلَّ، الملك الذي له ملك كل شيء، الذي هو حق وقوله حق، تعالى عما يصفه به المشركون، ولا تسرع -أيها السول- بقراءة القرآن مع جبريل قبل أن ينهي إليك إبلاغه، وقيل: رب زدني علمًا إلى ما علّمتني.
<div class="verse-tafsir" id="91.9r3Nk"