الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٢٠ من سورة الحج
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 44 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٠ من سورة الحج من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
(يصهر به ما في بطونهم والجلود ) أي : إذا صب على رءوسهم الحميم ، وهو الماء الحار في غاية الحرارة .
وقال سعيد [ بن جبير ] هو النحاس المذاب ، أذاب ما في بطونهم من الشحم والأمعاء .
قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وغيرهم .
وكذلك تذوب جلودهم ، وقال ابن عباس وسعيد : تساقط .
وقال ابن جرير : حدثني محمد بن المثنى ، حدثنا إبراهيم أبو إسحاق الطالقاني ، حدثنا ابن المبارك عن سعيد بن زيد ، عن أبي السمح ، عن ابن حجيرة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الحميم ليصب على رءوسهم ، فينفد الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه ، فيسلت ما في جوفه ، حتى يبلغ قدميه ، وهو الصهر ، ثم يعاد كما كان " .
ورواه الترمذي من حديث ابن المبارك ، وقال : حسن صحيح .
وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، عن أبي نعيم ، عن ابن المبارك ، به ثم قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أحمد بن أبي الحواري ، سمعت عبد الله بن السري قال : يأتيه الملك يحمل الإناء بكلبتين من حرارته ، فإذا أدناه من وجهه تكرهه ، قال : فيرفع مقمعة معه فيضرب بها رأسه ، فيفرغ دماغه ، ثم يفرغ الإناء من دماغه ، فيصل إلى جوفه من دماغه ، فذلك قوله : ( يصهر به ما في بطونهم والجلود )
وقوله: ( يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ) يقول: يذاب بالحميم الذي يصبّ من فوق رءوسهم ما في بطونهم من الشحوم، وتشوى جلودهم منه فتتساقط، والصهر: هو الإذابة، يقال منه: صهرت الألية بالنار: إذا أذبتها أصهرها صهرا؛ ومنه قول الشاعر.
تَـرْوِي لَقًـى أُلْقِـي فـي صَفْصَـفٍ تَصْهَــرُهُ الشَّــمْسُ وَلا يَنْصَهِــر (3) ومنه قول الراجز: شَكَّ السَّفافِيدِ الشَّوَاءَ المُصْطَهَرْ (4) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( يُصْهَرُ بِهِ ) قال: يُذاب إذابة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
قال ابن جُرَيج ( يُصْهَرُ بِهِ ) قال: ما قطع لهم من العذاب.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ( يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ ) قال: يُذاب به ما في بطونهم.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ ) .
..
إلى قوله: ( يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ) يقول: يسقون ما إذا دخل بطونهم أذابها والجلود مع البطون.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبير، قال: قال هارون: إذا عام أهل النار، وقال جعفر : إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فيأكلون منها، فاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارّا مرّ بهم يعرفهم، يعرف جلود وجوههم فيها، ثم يصبّ عليهم العطش، فيستغيثوا، فيُغاثوا بماء كالمُهل، وهو الذي قد انتهى حرّه، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حرّه لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود و ( يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ ) يعني أمعاءهم، وتساقط جلودهم، ثم يضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو على حاله، يدعون بالويل والثبور.
------------------------ الهوامش: (3) البيت لابن أحمر يصف فرخ قطاة ( اللسان : صهر ) قال : وصهرته الشمس تصهره صهرا ، وصهرته : اشتد وقعها عليه وحرها حتى آلم دماغه ، وانصهر هو ، قال ابن أحمر يصف فرخ قطاة .
.
.
البيت ؛ أي تذيبه الشمس ، فيصبر على ذلك .
وتروى تسوق إليه الماء ، أي تصير له كالرواية ؛ يقال : رويت أهلي وعليهم ريا : أتيتهم بالماء .
والصهر : إذابة الشحم ، صهر الشحم يصهره صهرا : أذابه .
وفي التنزيل : يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ أي يذاب .
واصطهره : أذابه وأكله .
أه .
واللقي : كل شيء مطروح متروك كاللقطة .
والصفصف : أرض ملساء مستوية ، كما في اللسان .
أه .
(4) البيت للعجاج بن رؤبة الراجز المشهور ( اللسان : صهر ) قال الأزهري : الصهر إذابة الشحم ، والصهارة : ما ذاب منه وكذلك الاصطهار في إذابة ، أو أكل صهارته .
وقال العجاج : ( شك السفافيد .
.
.
.
البيت ) .
والبيت شاهد مثل الذي قبله على أن الصهر معناه الإذابة .
( يصهر ) يذاب .
به ما في بطونهم والصهر إذابة الشحم .
والصهارة ما ذاب منه ؛ يقال : صهرت الشيء فانصهر ، أي أذبته فذاب ، فهو صهير .
قال ابن أحمر يصف فرخ قطاة :تروي لقى ألقي في صفصف تصهره الشمس فما ينصهرأي تذيبه الشمس فيصبر على ذلك .
( والجلود ) أي وتحرق الجلود ، أو تشوى الجلود ؛ فإن الجلود لا تذاب ؛ ولكن يضم في كل شيء ما يليق به ، فهو كما تقول : أتيته فأطعمني ثريدا ، إي والله ولبنا قارصا ؛ أي وسقاني لبنا .
وقال الشاعر :علفتها تبنا وماء باردا
يصهر به ما في بطونهم من اللحم والشحم والأمعاء من شدة حره، وعظيم أمره
( يصهر به ) أي يذاب بالحميم ، ( ما في بطونهم ) يقال صهرت الألية والشحم بالنار إذا أذبتهما أصهرها صهرا معناه يذاب بالحميم الذي يصب من فوق رءوسهم حتى يسقط ما في بطونهم من الشحوم والأحشاء ( والجلود ) أي يشوي حرها جلودهم فتتساقط أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث ، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي ، أخبرنا عبد الله بن محمود ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، أخبرنا عبد الله بن المبارك ، عن سعيد بن زيد ، عن أبي السمح ، عن أبي جحيرة واسمه عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن الحميم ليصب على رءوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان " .
«يصهر» يذاب «به ما في بطونهم» من شحوم وغيرها «و» تشوى به «الجلود».
هذان فريقان اختلفوا في ربهم: أهل الإيمان وأهل الكفر، كل يدَّعي أنه محقٌّ، فالذين كفروا يحيط بهم العذاب في هيئة ثياب جُعلت لهم من نار يَلْبَسونها، فتشوي أجسادهم، ويُصبُّ على رؤوسهم الماء المتناهي في حره، ويَنزِل إلى أجوافهم فيذيب ما فيها، حتى ينفُذ إلى جلودهم فيشويها فتسقط، وتضربهم الملائكة على رؤوسهم بمطارق من حديد.
كلما حاولوا الخروج من النار -لشدة غمِّهم وكربهم- أعيدوا للعذاب فيها، وقيل لهم: ذوقوا عذاب النار المحرق.
وقوله : ( يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ والجلود ) بيان للآثار التى تترتب على هذا العذاب .والفعل " يصهر " مأخوذ من الصهر بمعنى الإذابة .
يقال : صهر فلان الشحم يصهره إذا أذابه .أى : فذلك الحميم الذى يصب من فوق رءوسهم من آثاره أنه يذاب به ما بطونهم من الشحوم والأحشاء .
كما تذاب به جلودهم - أيضا - فقوله : ( والجلود ) عطف على ( مَا ) الموصولة فى قوله ( مَا فِي بُطُونِهِمْ ) أى : يذاب به الذى فى بطونهم وتذاب به أيضا جلودهم .وقيل : إن لفظ الجلود مرفوع بفعل محذوف معطوف على " يصهر " .والتقدير : يصهر به ما فى بطونهم من أحشاء وشحوم ، وتحرق به الجلود .
قالوا : ذلك لأن الجلود لا تذاب وإنما تنقبض وتنكمش إذا أصليت بالنار .
القراءة: قرى ﴿ حَقّ ﴾ بالضم وقرئ (حقاً) أي حق عليه العذاب حقاً وقرئ ﴿ مُّكْرِمٍ ﴾ بفتح الراء بمعنى الإكرام، واعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ وَأَنَّ الله يَهْدِي مَن يُرِيدُ ﴾ أتبعه في هذه الآية ببيان من يهديه ومن لا يهديه، واعلم أن المسلم لا يخالفه في المسائل الأصولية إلا طبقات ثلاثة: أحدها: الطبقة المشاركة له في نبوة نبيه كالخلاف بين الجبرية والقدرية في خلق الأفعال البشرية والخلاف بين مثبتي الصفات والرؤية ونفاتها.
وثانيها: الذين يخالفونه في النبوة ولكن يشاركونه في الاعتراف بالفاعل المختار كالخلاف بين المسلمين واليهود والنصارى في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى وموسى عليهما السلام.
وثالثها: الذين يخالفونه في الإله وهؤلاء هم السوفسطائية المتوقفون في الحقائق، والدهرية الذين لا يعترفون بوجود مؤثر في العالم، والفلاسفة الذين يثبتون مؤثراً موجباً لا مختاراً.
فإذا كانت الاختلافات الواقعة في أصول الأديان محصورة في هذه الأقسام الثلاثة، ثم لا يشك أن أعظم جهات الخلاف هو من جهة القسم الأخير منها.
وهذا القسم الأخير بأقسامه الثلاثة لا يوجدون في العالم المتظاهرين بعقائدهم ومذاهبهم بكل يكونون مستترين، أما القسم الثاني وهو الاختلاف الحاصل بسبب الأنبياء عليهم السلام، فتقسيمه أن يقال القائلون بالفاعل المختار، إما أن يكونوا معترفين بوجود الأنبياء، أو لا يكونوا معترفين بذلك، فإما أن يكونوا أتباعاً لمن كان نبياً في الحقيقة أو لمن كان متنبئاً، أما أتباع الأنبياء عليهم السلام فهم المسلمون واليهود والنصارى، وفرقة أخرى بين اليهود والنصارى وهم الصابئون، وأما أتباع المتنبئ فهم المجوس، وأما المنكرون للأنبياء على الإطلاق فهم عبدة الأصنام والأوثان، وهم المسمون بالمشركين، ويدخل فيهم البراهمة على اختلاف طبقاتهم.
فثبت أن الأديان الحاصلة بسبب الاختلافات في الأنبياء عليهم السلام هي هذه الستة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية، قال قتادة ومقاتل الأديان ستة واحدة لله تعالى وهو الإسلام وخمسة للشيطان، وتمام الكلام في هذه الآية قد تقدم في سورة البقرة.
أما قوله: ﴿ إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الزجاج هذا خبر لقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين ءَامَنُواْ ﴾ كما تقول إن أخاك، إن الدين عليه لكثير.
قال جرير: إن الخليفة إن الله سربله *** سربال ملك به ترجى الخواتيم المسألة الثانية: الفصل مطلق فيحتمل الفصل بينهم في الأحوال والأماكن جميعاً فلا يجازيهم جزاء واحداً بغير تفاوت ولا يجمعهم في موطن واحد وقيل يفصل بينهم يقضي بينهم.
أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله على كُلّ شَيء شَهِيدٌ ﴾ فالمراد أنه يفصل بينهم وهو عالم بما يستحقه كل منهم فلا يجري في ذلك الفصل ظلم ولا حيف.
أما قوله سبحانه وتعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ ﴾ ففيه أسئلة: السؤال الأول: ما الرؤية هاهنا الجواب: أنها العلم أي ألم تعلم أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض وإنما عرف ذلك بخبر الله لا أنه رآه.
السؤال الثاني: ما السجود هاهنا قلنا فيه وجوه: أحدها: قال الزجاج أجود الوجوه في سجود هذه الأمور أنها تسجد مطيعة لله تعالى وهو كقوله: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ ، ﴿ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ، ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله ﴾ ، ﴿ وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ﴾ ، ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ الجبال يُسَبّحْنَ ﴾ والمعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي يحدثها الله تعالى فيها من غير امتناع ألبتة أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود فإن قيل هذا التأويل يبطله قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ فإن السجود بالمعنى الذي ذكرته عام في كل الناس فإسناده إلى كثير منهم يكون تخصيصاً من غير فائدة والجواب من وجوه: أحدها: أن السجود بالمعنى الذي ذكرناه وإن كان عاماً في حق الكل إلا أن بعضهم تمرد وتكبر وترك السجود في الظاهر، فهذا الشخص وإن كان ساجداً بذاته لكنه متمرد بظاهره، أما المؤمن فإنه ساجد بذاته وبظاهره فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر.
وثانيها: أن نقطع قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ عما قبله ثم فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن نقول تقدير الآية: ولله يسجد من في السموات ومن في الأرض ويسجد له كثير من الناس فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد والثاني بمعنى الطاعة والعبادة، وإنما فعلنا ذلك لأنه قامت الدلالة على أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه جميعاً.
الثاني: أن يكون قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ مبتدأ وخبره محذوف وهو مثاب لأن خبر مقابله يدل عليه وهو قوله: ﴿ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب ﴾ ، والثالث: أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف كثير على كثير ثم يخبر عنهم بحق عليهم العذاب كأنه قيل وكثير من الناس وكثير حق عليهم العذاب.
وثالثها: أن من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعاً يقول: المراد بالسجود في حق الأحياء العقلاء العبادة وفي حق الجمادات الانقياد، ومن ينكر ذلك يقول إن الله تعالى تكلم بهذه اللفظة مرتين، فعنى بها في حق العقلاء، الطاعة وفي حق الجمادات الانقياد.
السؤال الثالث: قوله: ﴿ أنَّ اللَّهِ يَسْجُدُ لهُ مَن فِي السموات الأرض ﴾ لفظه لفظ العموم فيدخل فيه الناس فلم قال مرة أخرى ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ الجواب: لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون كما أن كل الملائكة يسجدون فبين أن كثيراً منهم يسجدون طوعاً دون كثير منهم فإنه يمتنع عن ذلك وهم الذين حق عليهم العذاب.
القول الثاني: في تفسير السجود أن كل ما سوى الله تعالى فهو ممكن لذاته والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته كما قال: ﴿ وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى ﴾ وكما أن الإمكان لازم للممكن حال حدوثه وبقائه فافتقاره إلى الواجب حاصل حال حدوثه وحال بقائه، وهذا الافتقار الذاتي اللازم للماهية أدل على الخضوع والتواضع من وضع الجبهة على الأرض فإن ذلك علامة وضعية للافتقار الذاتي، وقد يتطرق إليها الصدق والكذب، أما نفس الافتقار الذاتي فإنه ممتنع التغير والتبدل، فجميع الممكنات ساجدة بهذا المعنى لله تعالى أي خاضعة متذللة معترفة بالفاقة إليه والحاجة إلى تخليقه وتكوينه، وعلى هذا تأولوا قوله: ﴿ وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ﴾ وهذا قول القفال رحمه الله.
القول الثالث: أن سجود هذه الأشياء سجود ظلها كقوله تعالى: ﴿ يَتَفَيَّأُ ظلاله عَنِ اليمين والشمآئل سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخرون ﴾ وهو قول مجاهد.
وأما قوله: ﴿ كَثِيرٍ مِّنَ الناس وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب ﴾ فقال ابن عباس في رواية عطاء (وكثير من الناس) يوحده (وكثير حق عليه العذاب) ممن لا يوحده، وروى عنه أيضاً أنه قال (وكثير من الناس) في الجنة.
وهذه الرواية تؤكد ما ذكرنا أن قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ مبتدأ وخبره محذوف، وقال آخرون: الوقف على قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ ثم استأنف فقال: ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب ﴾ أي وجب بإبائه وامتناعه من السجود.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ﴾ فالمعنى أن الذين حق عليهم العذاب ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنهم فيكون مكرماً لهم، ثم بين بقوله: ﴿ إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء ﴾ أنه الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب والعقاب، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
سميت مطاوعتها له فيما يحدث فيها من أفعاله ويجريها عليه من تدبيره وتسخيره لها: سجوداً له، تشبيهاً لمطاوعتها بإدخال أفعال المكلف في باب الطاعة والانقياد، وهو السجود الذي كل خضوع دونه، فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ وبما فيه من الاعتراضين، أحدهما: أنّ السجود على المعنى الذي فسرته به، لا يسجده بعض الناس دون بعض.
والثاني: أنّ السجود قد أسند على سبيل العموم إلى من في الأرض من الإنس والجن أولاً، فإسناده إلى كثير منهم آخراً مناقضة؟
قلت: لا أنظم كثيراً في المفردات المتناسقة الداخلة تحت حكم الفعل، وإنما أرفعه بفعل مضمر يدل عليه قوله: ﴿ يَسْجُدُ ﴾ أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة.
ولم أقل: أفسر يسجد الذي هو ظاهر بمعنى الطاعة والعبادة في حق هؤلاء؛ لأنّ اللفظ الواحد لا يصحّ استعماله في حالة واحدة على معنيين مختلفين، أو أرفعه على الابتداء والخبر محذوف وهو مثاب، لأنّ خبر مقابله يدل عليه، وهو قوله: ﴿ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب ﴾ ويجوز أن يجعل (من الناس) خبراً له، أي: من الناس الذين هم الناس على الحقيقة وهم الصالحون والمتقون.
ويجوز أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب، فيعطف كثير على كثير، ثم يخبر عنهم بحقّ عليهم العذاب، كأنه قيل: وكثير وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وقرئ ﴿ حق ﴾ بالضم.
وقرئ: ﴿ حقاً ﴾ أي حقّ عليهم العذاب حقاً.
ومن أهانه الله- بأن كتب عليه الشقاوة لما سبق في علمه من كفره أو فسقه- فقد بقي مهانا لن تجد له مكرماً.
وقرئ: ﴿ مكرم ﴾ بفتح الراء بمعنى الإكرام.
إنه ﴿ يَفْعَلُ مَا يَشَاء ﴾ من الإكرام والإهانة ولا يشاء من ذلك إلا ما يقتضيه عمل العاملين واعتقاد المعتقدين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ أيْ فَوْجانِ مُخْتَصِمانِ.
ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ اخْتَصَمُوا ﴾ حَمْلًا عَلى المَعْنى ولَوْ عَكَسَ لَجازَ، والمُرادُ بِها المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ.
﴿ فِي رَبِّهِمْ ﴾ في دِينِهِ أوْ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ.
وقِيلَ تَخاصَمَتِ اليَهُودُ والمُؤْمِنُونَ فَقالَ اليَهُودُ: نَحْنُ أحَقُّ بِاللَّهِ وأقْدَمُ مِنكم كِتابًا ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم، وقالَ المُؤْمِنُونَ: نَحْنُ أحَقُّ بِاللَّهِ آمَنّا بِمُحَمَّدٍ ونَبِيِّكم وبِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ، وأنْتُمْ تَعَرِفُونَ كِتابَنا ونَبِيَّنا ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ حَسَدًا فَنَزَلَتْ.
﴿ فالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فَصْلٌ لِخُصُومَتِهِمْ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ .
﴿ قُطِّعَتْ لَهُمْ ﴾ قُدِّرَتْ لَهم عَلى مَقادِيرِ جُثَثِهِمْ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ.
﴿ ثِيابٌ مِن نارٍ ﴾ نِيرانٌ تُحِيطُ بِهِمْ إحاطَةَ الثِّيابِ.
﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَهم أوْ خَبَرٌ ثانٍ، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ.
﴿ يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ ﴾ أيْ يُؤَثِّرُ مِن فَرْطِ حَرارَتِهِ في باطِنِهِمْ تَأْثِيرَهُ في ظاهِرِهِمْ فَتُذابُ بِهِ أحْشاؤُهم كَما تُذابُ بِهِ جُلُودُهم، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ ( الحَمِيمِ ) أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ.
وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ.
<div class="verse-tafsir"
{يُصْهَرُ} يذاب {بِهِ} بالحميم {مَا فِى بُطُونِهِمْ والجلود} أي يذيب أمعاءهم وأحشاءهم كما يذيب جلودهم فيؤثر في الظاهر والباطن
﴿ ( يُصْهَرُ بِهِ ) ﴾ أيْ يُذابُ ﴿ (ما في بُطُونِهِمْ ) ﴾ مِنَ الأمْعاءِ والأحْشاءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وجَماعَةٌ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «إنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلى رُؤُوسِهِمْ فَيَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ حَتّى يَخْلُصَ إلى جَوْفِهِ فَيَسْلِتُ ما في جَوْفِهِ حَتّى يَمْرُقَ إلى قَدَمَيْهِ وهو الصَّهْرُ ثُمَّ يُعادُ كَما كانَ»» .
وقَرَأ الحَسَنُ وفِرْقَةٌ «يُصَهَّرُ» بِفَتْحِ الصّادِ وتَشْدِيدِ الهاءِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ( والجُلُودُ ) ﴾ عَطْفٌ عَلى ما وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ قِيلَ إمّا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ أوْ لِلْإشْعارِ بِغايَةِ شِدَّةِ الحَرارَةِ بِإيهامِ أنَّ تَأْثِيرَها في الباطِنِ أقْدَمُ مِن تَأْثِيرِها في الظّاهِرِ مَعَ أنَّ مُلابَسَتَها عَلى العَكْسِ، وقِيلَ إنَّ التَّأْثِيرَ في الظّاهِرِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ وإنَّما ذُكِرَ لِلْإشارَةِ إلى تَساوِيهِما ولِذا قُدِّمَ الباطِنُ لِأنَّهُ المَقْصُودُ الأهَمُّ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ ويُحْرَقُ الجُلُودُ لِأنَّ الجُلُودَ لا تُذابُ وإنَّما تَجْتَمِعُ عَلى النّارِ وتَنْكَمِشُ، وفي البَحْرِ أنَّ هَذا مِن بابِ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا.
وقالَ بَعْضُهم: لا حاجَةَ إلى التِزامِ ذَلِكَ فَإنَّ أحْوالَ تِلْكَ النَّشْأةِ أمْرٌ آخَرُ، وقِيلَ ﴿ ( يُصْهَرُ ) ﴾ بِمَعْنى يَنْضَجُ، وأنْشَدَ: تَصْهَرُهُ الشَّمْسُ ولا يَنْصَهِرُ وحِينَئِذٍ لا كَلامَ في نِسْبَتِهِ إلى الجُلُودِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ( الحَمِيمُ ) أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: أَلَمْ تَرَ، يعني: ألم تعلم؟
ويقال: ألست تعلم؟
ويقال: ألم تخبر في الكتاب؟
أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ من الملائكة، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ من الخلق، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ.
قال مقاتل: سجود هؤلاء حين تغرب الشمس تحت العرش.
ويقال: سجودها دورانها وَسجود الشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ، إذا تحول ظل كل شيء فهو سجوده.
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، أي المؤمنين.
وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ أي وجب عليه العذاب بترك سجودهم في الدنيا ويقال وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ سجودهم ظلّهم، ويقال: يسجد أي يخضع.
وفيه آية الخلق، فهو سجودهم.
وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ، يعني: من قضى الله عز وجل عليه بالشقاوة، فما له من مسعد.
إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ، يعني: يحكم ما يشاء في خلقه من الإهانة والإكرام.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ثانِيَ عِطْفِهِ: عبارة عن المُتَكَبِّرِ المُعْرِضِ قاله ابنُ عباس «١» وغيرُه وذلك أَنَّ صاحب الكبر يردُّ وجهه عَمَّنْ يتكبر عنه، فهو يَرُدُّ وجههُ يِصَعِّرُ خَدَّهُ، ويولي صَفْحَتَهُ، ويَلْوَيَ عُنُقَهُ، ويَثْنِي عِطْفَه، وهذه هي عبارات المفسرين، والعطف: الجانب.
وقوله تعالى: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ أي: يقال له ذلك، واخْتُلِفَ في الوقف على:
يَداكَ فقيل: لا يجوزُ: لأَنَّ التقدير: وبأَنَّ الله، أي: أنَّ هذا هو العدل فيك بجَرَائِمِكَ.
وقيل: يجوز بمعنى: والأمر أنّ الله ليس بظلّام للعبيد.
وقوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ...
الآية نزلت في أعراب، وقوم لا يَقِينَ لهم كان أحدُهم إذا أسلم فاتفق له اتفاقاتٌ حِسَانٌ: من نموِّ مال، وولد يُرْزَقُهُ، وغير ذلك- قال: هذا دِينٌ جَيِّدٌ، وتمسك به لهذه المعاني، وإنْ كان الأمر بخلاف ذلك، تشاءَم به، وارتد كما فعل العُرَنِيون، قال هذا المعنى ابن عباس «٢» وغيره.
وقوله: عَلى حَرْفٍ معناه: على انحرافٍ منه عن العقيدة البيضاء، وقال البخاريُّ «٣» :
عَلى حَرْفٍ: على شَكٍّ، ثم أسند عن ابن عباس ما تقدم من حال الأعراب، / انتهى.
٢٢ ب وقوله: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ يريد الأوثانَ، ومعنى يَدْعُوا: يعبد، ويدعو أيضاً في مُلِمَّاتِهِ، واللام في قوله: لَمَنْ ضَرُّهُ: لام مُؤْذِنَةٌ بمجيء القسم، والثانية في لَبِئْسَ: لام القسم، والْعَشِيرُ: القريب المعاشر في الأمور.
ت وفي الحديث في شأن النساء: «وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ» يعني الزوج.
قال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ «١» : قال أهل اللغة: العشير: الخليط من المعاشرة والمخالطة، ومنه قوله عز وجل: لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ انتهى من «التمهيد» ، والذي يظهر: أَنَّ المراد بالمولى والعشير هو الوثن الذي ضَرُّهُ أقرب من نفعه، وهو قول مجاهد «٢» ، ثم عَقَّبَ سبحانه بذكر حالة أهل الإيمان وذكر ما وعدهم به فقال: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ...
الآية، ثم أَخذتِ الآية في توبيخ أولئك الأولين كأنه يقول: هؤلاء العابدون على حرف صحبهم القلق، وظَنُّوا أَنَّ الله تعالى لن ينصرَ محمداً وأتباعه، ونحن إنَّما أمرناهم بالصبر وانتظارِ وعدنا، فَمَنْ ظَنَّ غير ذلك فليمدد بسبب، وهو الحبل وليختنق هل يذهب بذلك غيظه؟
قال هذا المعنى قتادة «٣» ، وهذا على جهة المَثَلِ السائر في قولهم: «دُونَكَ الحَبْلُ فاختنق» ، والسَّماءِ على هذا القول: الهواء عُلُوّاً، فكأَنه أراد سقفاً أو شجرة، ولفظ البخاري: وقال ابن عباس: «بسبب إلى سَقْفِ البيتِ» «٤» ، انتهى، والجمهورُ على أنَّ القطع هنا هو الاختناق.
قال الخليل: وقطع الرجل: إذا اختنق بحبل ونحوه، ثم ذكر الآية، ويحتمل المعنى مَنْ ظَنَّ أَنَّ محمداً لا ينصر فليمت كمداً هو منصور لا محالَة، فليختنق هذا الظانُّ غيظاً وكمداً، ويؤيد هذا: أَنَّ الطبري والنقاش قالا: ويُقال: نزلت في نفر من بني أَسَدٍ وغَطَفَانَ، قالوا: نخاف أَلاَّ يُنصرَ محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من يهودٍ من المنافع «٥» ، والمعنى الأَوَّلُ الذي قيل للعابدين على حرف- ليس بهذا ولكنه بمعنى: مَنْ قلق واستبطأ النصر، وظَنَّ أن محمداً لا يُنْصَرُ فليختنق سفاهةً إذ تعدَّى الأمرُ الذي حد له في الصبر وانتظار صنع الله، وقال مجاهد: الضمير في يَنْصُرَهُ عائدٌ على مَنْ والمعنى: مَنْ كان من المتقلّقين من المؤمنين «٦» ، وما في قوله: ما يَغِيظُ بمعنى الذي، ويحتمل أنْ تكونَ مصدرية حرفاً فلا عائد عليها، وأبينُ الوجوه في الآية: التأويل الأَوَّلُ وباقي الآية بيّن.
وقوله: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، أي: ساجدون مرحومون بسجودهم، وقوله:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ ﴾ ؛ أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ.
وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ ( النَّحْلِ: ٤٩ ) مَعْنى السُّجُودِ في حَقِّ مَن يَعْقِلُ ومَن لا يَعْقِلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي: المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمَ الكفّارُ، وهم يَسْجُدُونَ، وسُجُودُهم سُجُودُ ظِلِّهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهم لا يَسْجُدُونَ، والمَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ أبى السُّجُودَ، فَحَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ لِتَرْكِهِ السُّجُودَ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ ﴾ ؛ أيْ: مَن يَشُقِهِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُسْعِدٍ، ﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ في خَلْقِهِ مِنَ الكرامَةِ والإهانَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ إنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴾ ﴿ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وأنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصابِئِينَ والنَصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ وسَفَّهَ رَأْيَهم وتَوَعَّدَهم بِخَسارَةِ الآخِرَةِ، عَقِبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مُخالِفِيهِمْ مِن أهْلِ الإيمانِ، وذَكَرَ ما وعَدَهم بِهِ مِن إدْخالِهِ إيّاهُمُ الجَنَّةَ، ثُمْ أخَذَتِ الآيَةُ في تَوْبِيخِ أُولَئِكَ الأوَّلِينَ وإسْلامِهِمْ إلى رَأْيِهِمْ وإحالَتِهِمْ عَلى ما فِيهِ عَنَتُهم ولَيْسَ فِيهِ راحَتُهُمْ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَؤُلاءِ العابِدُونَ عَلى حَرْفٍ صَحِبَهُمُ القَلَقُ وظَنُّوا أنَّ اللهَ تَعالى لَنْ يَنْصُرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأتْباعَهُ، ونَحْنُ إنَّما أمَرْناهم بِالصَبْرِ وانْتِظارِ وعْدِنا، فَمِن ظَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ولْيَخْتَنِقْ ولْيَنْظُرْ هَلْ يَذْهَبُ بِذَلِكَ غَيْظُهُ؟
قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ، وهَذا عَلى جِهَةِ المَثَلِ السائِرِ، قَوْلُهُمْ: دُونَكَ الحَبْلُ فاخْتَنِقْ، يُقالُ ذَلِكَ لِلَّذِي يُرِيدُ مِنَ الأمْرِ ما لا يُمْكِنُهُ.
و "السَبَبُ": الحَبْلُ، و"النَصْرُ" مَعْرُوفٌ، إلّا أنَّ أبا عُبَيْدَةَ ذَهَبَ بِهِ إلى مَعْنى الرِزْقِ، كَما قالُوا: أرْضٌ مَنصُورَةٌ أيْ مَمْطُورَةٌ، وكَما قالَ الشاعِرُ: وإنَّكَ لا تُعْطِي امْرِأً فَوْقَ حَقِّهِ ولا تَمْلِكُ الشِقَّ الَّذِي الغَيْثُ ناصِرُهُ وقالَ: وقَفَ بِنا سائِلٌ مِن بَنِي أبِي بَكْرٍ فَقالَ: مَن يَنْصُرُنِي يَنْصُرُهُ اللهُ، و"السَماءُ" -عَلى هَذِهِ الأقْوالِ-: الهَواءُ عُلُوًّا، فَكَأنَّهُ أرادَ: سَقْفًا أو شَجَرَةً أو نَحْوَهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: السَماءُ هي المَعْرُوفَةُ، وذَهَبَ إلى مَعْنًى آخَرَ، كَأنَّهُ قالَ لِمَن يَظُنُّ أنَّ اللهَ لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا: إنْ كُنْتَ تَظُنُّ ذَلِكَ فامْدُدْ سَبَبًا إلى السَماءِ واقْطَعْهُ إنْ كُنْتَ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، فَإنْ عَجَزْتَ فَكَذَلِكَ لا تَقْدِرُ عَلى قَطْعِ سَبَبِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِنَ السَماءِ؛ إذْ نُصْرَتُهُ مِن هُنالِكَ، والوَحْيِ الَّذِي يَأْتِيهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و "القَطْعُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- لَيْسَ بِالِاخْتِناقِ، بَلْ هو جَزْمُ السَبَبِ، وفي مُصْحَفُ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ثُمْ لِيَقْطَعَهُ بِها"، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ القَطْعَ هُنا هو الِاخْتِناقُ.
وقالَ الخَلِيلُ: وقَطْعُ الرَجُلِ إذا اخْتَنَقَ بِحَبْلٍ أو نَحْوِهُ، ثُمْ ذَكَرَ الآيَةَ.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنًى آخَرَ، وهو أنْ يُرادَ بِهِ الكُفّارُ وكُلُّ مَن يَغْتاظُ بِأنْ يَنْصُرَهُ اللهُ ويَطْمَعَ ألّا يُنْصَرَ، قِيلَ لَهُمْ: مَن ظَنَّ أنَّ هَذا لا يُنْصَرُ فَلْيَمُتْ كَمَدًا، هو مَنصُورٌ لا مَحالَةَ، فَلْيَخْتَنِقْ هَذا الظانُّ غَيْظًا وكَمَدًا، ويُؤَيِّدْ هَذا أنَّ الطَبَرِيَّ والنَقّاشَ قالا: ويُقالُ: نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِن بَنِي أسَدٍ وغَطْفانَ قالُوا: نَخافُ أنْ يُنْصَرَ مُحَمَّدٌ فَيَنْقَطِعُ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَ حُلَفائِنا مِن يَهُودٍ مِنَ المَنافِعِ.
والمَعْنى الأوَّلُ الَّذِي قِيلَ لِلْعابِدِينَ عَلى حَرْفٍ لَيْسَ بِهَذا، ولَكِنَّهُ بِمَعْنى: مَن قَلِقَ واسْتَبْطَأ النَصْرَ وظَنَّ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لا يُنْصَرُ فَلْيَخْتَنِقْ سَفاهَةً إذْ تَعَدّى الأمْرَ الَّذِي حَدَّ لَهُ في الصَبْرِ وانْتِظارِ صُنْعِ اللهِ تَعالى.
وقالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في "يَنْصُرَهُ" عائِدٌ عَلى "مَن"، والمَعْنى: مَن كانَ مِنَ القَلِقِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والضَمِيرُ في التَأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في أنْ يُرادَ الكُفّارُ لا يَعُودُ إلّا عَلى النَبِيِّ فَقَطْ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الدِينِ والقُرْآنِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "لِيَقْطَعْ فَلِيَنْظُرْ" بِكَسْرِ اللامِ فِيهِما عَلى الأصْلِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِسُكُونِ اللامِ فِيهِما وفي لامِ الأمْرِ في كُلِّ القُرْآنِ مَعَ الواوِ والفاءِ و ثُمْ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَمْرُو، وعِيسى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أُمًّا الفاءُ والواوُ -إذا دَخَلَتْ إحْداهُما عَلى الأمْرِ- فَحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّهم يَرَوْنَها كَأنَّها مِنَ الكَلِمَةِ فَسُكُونُ اللامِ تَخْفِيفٌ، وهو أفْصَحُ مِن تَحْرِيكِها، وأمّا "ثُمْ" فَهي كَلِمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فالوَجْهُ تَحْرِيكِ اللامِ بَعْدَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ رَأى بَعْضُ النَحْوِيِّينَ المِيمَ مِن "ثُمْ" بِمَنزِلَةِ الواوِ والفاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ما يَغِيظُ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، وفي "يَغِيظُ" عائِدٌ عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً حَرْفًا فَلا عائِدَ عَلَيْها، و "الكَيْدُ" هو مَدُّهُ السَبَبَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأبْيَنُ وُجُوهِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ مَثَلًا، ويَكُونُ النَصْرُ المَعْرُوفَ، والقَطْعُ الِاخْتِناقَ، والسَماءُ الِارْتِفاعَ في الهَواءِ بِسَقْفٍ أو شَجَرَةٍ أو نَحْوِهِ فَتَأْمُلُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ إلى ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ ، المَعْنى: وكَما وعَدْنا بِالنَصْرِ وأمَرْنا بِالصَبْرِ كَذَلِكَ، أنْزَلْنا القُرْآنَ آيَةً بَيِّنَةً لِمَن نَظَرَ واهْتَدى، لا لِيَقْتَرِحَ مَعَها ويَسْتَعْجِلَ القَدَرَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: وكَما بَيَّنْتُ حُجَّتِي عَلى مَن جَحَدَ قُدْرَتِي عَلى إحْياءِ المَوْتى كَذَلِكَ أنْزَلْناهُ.
والضَمِيرُ في "أنْزَلْناهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وجاءَتْ هَذِهِ الضَمائِرُ هَكَذا وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ المُشاِرِ إلَيْهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ وغَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنَّ اللهَ" في مَوْضِعِ خَبَرِ الِابْتِداءِ، والتَقْدِيرُ: والأمْرُ أنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ، وهِدايَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى هي خَلْقِهِ الرَشادُ والإيمانُ في نَفْسِ الإنْسانِ.
ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن فِعْلِهِ بِالفِرَقِ المَذْكُورِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وغَيْرِهِ، واليَهُودُ، والصابِئُونَ.
وهم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ ويَسْتَقْبِلُونَ القِبْلَةَ ويُوَحِّدُونَ اللهَ ويَقْرَؤُونَ الزَبُورَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والنَصارى والمَجُوسُ وهم عَبَدَةُ النارِ والشَمْسِ والقَمَرِ.
والمُشْرِكُونَ وهم عَبَدَةُ الأوثانِ.
قالَ قَتادَةُ: الأدْيانُ سِتَّةٌ، خَمْسَةٌ لِلشَّيْطانِ وواحِدٌ لِلرَّحْمَنِ.
وخَبَرُ "إنَّ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ ، ثُمْ دَخَلَتْ "إنَّ" عَلى الخَبَرِ مُؤَكِّدَةً، وحَسَنُ ذَلِكَ لِطُولِ الكَلامِ فَهي وما بَعْدَها خَبَرُ "إنَّ" الأولى، وقَرَنَ الزَجاجُ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِ الشاعِرِ: إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللهَ سَرْبَلَهُ ∗∗∗ سِرْبالَ مَلِكٍ بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ نَقَلَهُ الطَبَرِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا البَيْتُ كالآيَةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ في البَيْتِ في قَوْلِهِ: "بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ"، و "إنَّ" الثانِيَةُ وجُمْلَتُها مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ.
ثُمْ تَمَّ الكَلامُ كُلُّهُ في قَوْلِهِ تَعالى: "القِيامَةِ"، واسْتَأْنَفَ الخَبَرَ عن إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وعالِمْ بِهِ، وهَذا خَبَرٌ مُناسِبٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الفِرَقِ، وفَصْلُ اللهِ تَعالى بَيْنَ هَذِهِ الفِرَقِ هو بِإدْخالِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ والكافِرِينَ النارَ.
<div class="verse-tafsir"
جملة مستأنفة لابتداء استدلال على انفراد الله تعالى بالإلهية.
وهي مرتبطة بمعنى قوله ﴿ يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه إلى قوله: لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ [الحج: 12، 13] ارتباط الدليل بالمطلوب فإنّ دلائل أحوال المخلوقات كلها عاقِلها وجمادها شاهدة بتفرد الله بالإلهية.
وفي تلك الدلالة شهادة على بطلان دعوة من يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه.
وما وقع بين هاتين الجملتين استطرادٌ واعتراضٌ.
والرؤية: علمية.
والخطاب لغير معين.
والاستفهام إنكاريّ.
أنكر على المخاطبين عدم علمهم بدلالة أحوال المخلوقات على تفرد الله بالإلهية.
ويجوز أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والاستفهام تقريرياً، لأنّ حصول علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك متقرّر من سورة الرعد وسورة النحل.
وقد تقدم الكلام على معنى هذا السجود في السورتين المذكورتين.
وقد استعمل السجود في حقيقته ومجازه، وهو حسن وإن أباه الزمخشري، وقد حققناه في المقدمة التاسعة، لأن السجود المثبت لكثير من الناس هو السجود الحقيقي، ولولا إرادة ذلك لما احترس بإثباته لكثير من الناس لا لجميعهم.
ووجه هذا التفكيك أن سجود الموجودات غير الإنسانية ليس إلا دلالة تلك الموجودات على أنها مسخرة بخلق الله، فاستعير السجود لحالة التسخير والانطياع.
وأما دلالة حال الإنسان على عبوديته لله تعالى فلما خالطها إعراض كثير من الناس عن السجود لله تعالى، وتلبّسهم بالسجود للأصنام كما هو حال المشركين غطّى سجودهم الحقيقي على السجود المجازي الدال على عبوديتهم لله لأن المشاهدة أقوى من دلالة الحال فلم يثبت لهم السجود الذي أثبت لبقيّة الموجودات وإن كان حاصلاً في حالهم كحال المخلوقات الأخرى.
وجملة ﴿ وكثير حق عليه العذاب ﴾ معترضة بالواو.
وجملة ﴿ حق عليه العذاب ﴾ مكنّى بها عن ترك السجود لله، أي حق عليهم العذاب لأنهم لم يسجدوا لله، وقد قضى الله في حكمه استحقاق المشرك لعذاب النار.
فالذين أشركوا بالله وأعرضوا عن إفراده بالعبادة قد حق عليهم العذاب بما قضى الله به وأنذرهم به.
وجملة ﴿ ومن يهن الله فما له من مكرم ﴾ اعتراض ثان بالواو.
والمعنى: أن الله أهانهم باستحقاق العذاب فلا يجدون من يكرمهم بالنصر أو بالشفاعة.
وجملة ﴿ إن الله يفعل ما يشاء ﴾ في محل العلة للجملتين المعترضتين لأن وجود حرف التوكيد في أول الجملة مع عدم المنكر يمحّض حرفَ التوكيد إلى إفادة الاهتمام فنشأ من ذلك معنى السببية والتعليل، فتغني (أنّ) غناء حرف التعليل أو السببية.
وهذا موضع سجود من سجود القرآن باتفاق الفقهاء.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَيُدْخِلُهُ النّارَ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ فَيُدْخِلُهُ الجَنَّةَ.
﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، وهَذا قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ والثّانِي: ومَن يُهِنِ اللَّهُ بِالشِّقْوَةِ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ بِالسَّعادَةِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ مِن شِقْوَةٍ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وعَلِيِّ بْنِ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي وجْهًا ثالِثًا: ومَن يُهِنِ اللَّهُ بِالِانْتِقامِ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ بِالإنْعامِ، إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ مِن إنْعامٍ وانْتِقامٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية.
قال: الصابئون قوم يعبدون الملائكة ويصلون القبلة ويقرأون الزبور ﴿ والمجوس ﴾ عبدة الشمس والقمر والنيران وأما ﴿ الذين أشركوا ﴾ فهم عبدة الأوثان ﴿ إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ﴾ قال: الأديان ستة: فخمسة للشيطان ودين لله عز وجل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ قال: فصل قضاءه بينهم فجعل الجنة مشتركة وجعل هذه الأمة واحدة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله.
وقالت الصابئة: نحن نعبد الملائكة من دون الله.
وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر من دون الله.
وقالت المشركون: نحن نعبد الأوثان من دون الله.
فأوحى الله إلى نبيه ليكذِّبَ قولهم: ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [ الصمد: 1] إلى آخرها ﴿ وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ﴾ [ الإسراء: 111] وأنزل الله: ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس...
﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: ﴿ الذين هادوا ﴾ اليهود، والصابئون، ليس لهم كتاب ﴿ والمجوس ﴾ أصحاب الأصنام والمشركون، نصارى العرب.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ﴾ .
قال الليث: الصهر: إذابة الشحم، والصهارة ما ذاب منه، ويقال صهرته فاصطهر، ويقال للحرباء (١) (٢) (٣) وقال ابن السكيت: يقال صهرته الشمس إذا اشتد وقعها عليه (٤) وأنشد أبو عبيدة (٥) (٦) (٧) تروى (٨) (٩) وقال أبو زيد في قوله: ﴿ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ ﴾ هو الإحراق، صَهَرتُه بالنار (١٠) (١١) (١٢) ونحو هذا قال الكسائي في تفسير الصهر: أنه الإحراق والإنضاج (١٣) (١٤) (١٥) وهذا عبارة الفراء (١٦) (١٧) (١٨) وذكر (١٩) (٢٠) وهذا هو اختيار الزجاج (٢١) فمعنى ﴿ يُصْهَرُ ﴾ : يُنضج، وُيحرَّق، وُيذَاب، وُيغْلى.
كل هذا صحيح مروي.
والمعنى: أن أمعاءهم وشحومهم تذاب وتحرق بهذا الحميم، وتنشوي جلودهم فتتساقط من حره (٢٢) (١) في (أ): (للحوباء)، وهو خطأ.
والحِرْباء: دويبة ذات قوائم أربع، دقيقة الرأس، مخططة الظهر، تستقبل الشمس بنهارها.
قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 5/ 24 (حرب).
(٢) في "تهذيب اللغة": ظهره.
ولعله أصوب لأن الحرباء ذكر أم حبين، انظر الأزهري.
(٣) "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 109 (صهر) نقلا عن الليث.
== وهو في "العين" 3/ 412 مادة (صهر).
مع اختلاف يسير جدًا وفيه إذا تلألأ ظهره.
(٤) "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 109 مادة (صهر) عن ابن السكيت.
(٥) "مجاز القرآن" 2/ 48.
(٦) الطبري 17/ 134.
والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 49 ب.
(٧) في (ظ)، (د)، (ع): (ابن الأحمر).
(٨) في جميع النسخ: (تردي)، والتصويب من مجاز القرآن والطبري وغيرهما.
(٩) البيت أنشده أبو عبيدة لابن أحمر في "مجاز القرآن" 2/ 48.
وهو في ديوان ابن أحمر ص 68، "الأضداد" لابن الأنباري ص 165، و"مقاييس اللغة" لابن فارس 5/ 261 (لقى) وعنده: (تؤوي) في موضع (تروي)، و"الصحاح" للجوهري 2/ 717 (صهر)، 6/ 2364 (روى)، و"لسان العرب" 4/ 472 (صهر)، ومن غير نسبة في الطبري 17/ 134.
وهو من أبيات له يصف فيها فرخ قطاة.
وقوله (تروى) تسقي، قال أبو عبيدة: تفسير له راوية ..
كما رواية القوم عليهم.
أهـ (لقى) قال ابن الأنباري: اللقى: الشيء الملقى لا يلتفت إليه، فشبه الفرخ به.
أهـ و (صفصف) الصفصف: المستوى من الأرض.
قاله الفيروزآبادي 3/ 163.
(تصهره الشمس فما ينصهر) قال الجوهري: أي تذيبه الشمس فيصبر على ذلك.
(١٠) في (ظ): (النار).
(١١) في (أ): (نضجته)، وفي "تهذيب اللغة": أنضجته.
(١٢) قول أبي زيد في "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 109 (صهر).
(١٣) لم أقف عليه.
(١٤) في (أ): (بدأت)، وهو خطأ.
(١٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 34، والطبري 17/ 135.
(١٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 225.
(١٧) رواه الطبري 17/ 134، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 22 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(١٨) روى ابن الأنباري والطستي في "مسائله" كما في "الدر المنثور" 6/ 22 عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله (يصهر) قال: يذاب.
(١٩) في (أ): (وذكرنا)، وهو خطأ.
(٢٠) "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 109.
(٢١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 419.
(٢٢) انظر: "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 49 ب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ ﴾ أي يذاب، وذلك أن الحميم إذا صب على رؤوسهم وصل حره إلى بطونهم، فأذاب ما فيها، وقيل: معنى يصهر ينضج.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ .
المعتزلة كذبت هذه الآية والآية التي تلي هذه الآية، وهو قوله: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ ﴾ ؛ لأنهم يقولون: أراد إيمان جميع الخلائق ثمّ لم يفعل ذلك، وأراد جميع الخيرات والكف عن الشرور ثم لم يقدر على وفاء ما أراد، ويقولون: لا صنع له في أفعال العباد، ولا تدبير؛ فعلى قولهم: لم يفعل الله مما أراد واحداً من ألوف، ويقولون: إن الله أراد هدى جميع الخلائق، لكنهم لم يهتدوا، وهو أخبر أنّه يهدي من يريد، وهم يقولون: يريد هدى الخلق كلهم فلم يهتدوا.
ونحن نقول: من أراد الله هداه اهتدى، وما أراد أن يفعل فعل، وهو ما أخبر ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴾ أخبر أنه يفعل ما يريد، فيخرج على قولهم على أحد الوجهين: إمّا على الخلاف في الوعد، وإمّا على الكذب في القول والخبر، فنعوذ بالله من السرف في القول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾ .
تأويل الآية - عندنا - يخرج على وجهين: أحدهما: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً - عليه أفضل الصلوات - ثم نصره، فغاظه نصره إياه فيدوم غيظه - ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ﴾ أي: بحبل من السماء فيخنق ويقتل نفسه؛ ليذهب غيظه الذي غاظه نصره؛ يستريح مما غاظه.
والثاني: يخرج على الوعد بالنصر والخبر: أنه ينصره، يقول: من كان يظن أن ما وعد له من النصرة، لا يفعل ذلك له، ولا ينصره، ولا ينجز ما وعد؛ ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ ، أي: ليحبس ما وعد له من النصر؛ إن غاظه ما وعد؛ ليذهب غيظه الذي غاظه؛ فعلى هذا التأويل يكون السماء سماء الأصل، أي: يحبس السبب الّذي ينزل من السماء.
قال بعضهم: قوله: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ﴾ أن لن يرزقه الله، ويجعله صلة قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ لأنه يجعل الآية في أهل النفاق، يقول: من كان يظن من أهل النفاق: أن الله لا يرزقه إذا كان في ذلك الدّين الذي كان فيه ودام - فليمدد بما ذكر.
وقال مجاهد: ﴿ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾ ، قال ذلك خيفة ألا يرزق.
وأهل التأويل صرفوا السماء إلى سقف البيت، ويقولون: القطع: الخنق.
وقال القتبي: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ ﴾ أي: لن يرزقه الله وهو قول أبي عبيدة يقال: مطر ناصر، وأرض منصورة، أي: ممطورة.
وقال المفسرون: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ﴾ ، أي: بحبل إلى سقف البيت، ﴿ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ ، أي: ليختنق: ﴿ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ﴾ - أي: حليته - غيظه، أي: ليجهد جهده.
وقال أبو عوسجة: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ﴾ قال: هذا شيء لا يكون ولا يقدر عليه، وهذا ذم للمقول فيه؛ لأنه جعل السماء سماء الأصل، وقوله: ﴿ فَلْيَمْدُدْ ﴾ أي: يمد يده.
وقوله: [ ﴿ بِسَبَبٍ ﴾ ] السبب في الأصل: الحبل، أي: يعلق سببا فيرتقي في السماء، والسبب: الحمار، وسبوب جمع، أي: حمر.
قال: والسبب: الحبل بلغة هذيل.
وقوله: ﴿ مَا يَغِيظُ ﴾ : هو شدة الغضب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ أي: مثل هذا، وهكذا أنزلناه آيات بينات، يبين ما لهم وما عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ ﴾ : أما الصابئون: فإن الناس اختلفوا فيهم: قال أهل التأويل: هم عبّاد الملائكة، وقد ذكرنا أقاويلهم فيه في سورة المائدة، فتركنا ذكره هاهنا لذلك.
﴿ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ ﴾ : قيل: هم المشركون من العرب، وهم عبدة الأوثان والأصنام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ ، أي: يحكم بين هؤلاء يوم القيامة؛ لاختلافهم في الدنيا، كقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ ﴾ ثم قال: ﴿ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ أي: يحكم بين هؤلاء يوم القيامة، فالفصل بينهم يوم القيامة هو الحكم الذي ذكر فيه هذه الآية.
ويحتمل قوله: ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ ﴾ في المقام: يبعث هؤلاء إلى الجنة، وهؤلاء إلى النار؛ فذلك الفصل بينهم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَفْصِلُ ﴾ أي: يبين لهم الحق من الباطل؛ حتى يقروا جميعاً بالحق ويؤمنوا به، لكن لا ينفعهم ذلك يومئذ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ من أعمالهم، وأفعالهم، وإقرارهم، وأقوالهم، وجميع ما كان منهم.
<div class="verse-tafsir"
يُذاب به ما في بطونهم من الأحشاء من شدة حرّه، ويصل إلى جلودهم فيذيبها.
<div class="verse-tafsir" id="91.G82dW"