الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ١٠٠ من سورة المؤمنون
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٠ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن حال المحتضر عند الموت ، من الكافرين أو المفرطين في أمر الله تعالى ، وقيلهم عند ذلك ، وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا ، ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته; ولهذا قال : ( رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا ) كما قال تعالى : ( وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين .
ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون ) [ المنافقون : 10 ، 11 ] ، وقال تعالى : ( وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ) [ إبراهيم : 44 ] ، وقال تعالى : ( يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ) [ الأعراف : 53 ] ، وقال تعالى : ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) [ السجدة : 12 ] ، وقال تعالى : ( ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين .
بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) [ الأنعام : 27 ، 28 ] ، وقال تعالى : ( وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل ) [ الشورى : 44 ] ، وقال تعالى : ( قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير ) [ غافر : 11 ، 12 ] ، وقال تعالى : ( وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ) [ فاطر : 37 ] ، فذكر تعالى أنهم يسألون الرجعة ، فلا يجابون ، عند الاحتضار ، ويوم النشور ووقت العرض على الجبار ، وحين يعرضون على النار ، وهم في غمرات عذاب الجحيم .
وقوله : هاهنا : ( كلا إنها كلمة هو قائلها ) : كلا حرف ردع وزجر ، أي : لا نجيبه إلى ما طلب ولا نقبل منه .
وقوله : ( كلا إنها كلمة هو قائلها ) : قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أي لا بد أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم .
ويحتمل أن يكون ذلك علة لقوله : " كلا " ، أي : لأنها كلمة ، أي : سؤاله الرجوع ليعمل صالحا هو كلام منه ، وقول لا عمل معه ، ولو رد لما عمل صالحا ، ولكان يكذب في مقالته هذه ، كما قال تعالى : ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) وقال محمد بن كعب القرظي : ( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ) قال : فيقول الجبار : ( كلا إنها كلمة هو قائلها ) .
وقال عمر بن عبد الله مولى غفرة : إذا سمعت الله يقول : ( كلا ) فإنما يقول : كذب .
وقال قتادة في قوله تعالى : ( حتى إذا جاء أحدهم الموت ) : قال : كان العلاء بن زياد يقول : لينزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت ، فاستقال ربه فأقاله ، فليعمل بطاعة الله عز وجل .
وقال قتادة : والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة ، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله ، فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها ، ولا قوة إلا بالله .
وعن محمد بن كعب القرظي نحوه .
وقال محمد بن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن يوسف ، حدثنا فضيل يعني : ابن عياض عن ليث ، عن طلحة بن مصرف ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : إذا وضع يعني : الكافر في قبره ، فيرى مقعده من النار .
قال : فيقول : رب ، ارجعون أتوب وأعمل صالحا .
قال : فيقال : قد عمرت ما كنت معمرا .
قال : فيضيق عليه قبره ، قال : فهو كالمنهوش ، ينام ويفزع ، تهوي إليه هوام الأرض وحياتها وعقاربها .
وقال أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا عمرو بن علي ، حدثني سلمة بن تمام ، حدثنا علي بن زيد .
عن سعيد بن المسيب ، عن عائشة ، أنها قالت : ويل لأهل المعاصي من أهل القبور!!
تدخل عليهم في قبورهم حيات سود أو : دهم حية عند رأسه ، وحية عند رجليه ، يقرصانه حتى يلتقيا في وسطه ، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله تعالى : ( ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) وقال أبو صالح وغيره في قوله تعالى : ( ومن ورائهم ) يعني : أمامهم .
وقال مجاهد : البرزخ : الحاجز ما بين الدنيا والآخرة .
وقال محمد بن كعب : البرزخ : ما بين الدنيا والآخرة .
ليسوا مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون ، ولا مع أهل الآخرة يجازون بأعمالهم .
وقال أبو صخر : البرزخ : المقابر ، لا هم في الدنيا ، ولا هم في الآخرة ، فهم مقيمون إلى يوم يبعثون .
وفي قوله : ( ومن ورائهم برزخ ) : تهديد لهؤلاء المحتضرين من الظلمة بعذاب البرزخ ، كما قال : ( من ورائهم جهنم ) [ الجاثية : 10 ] وقال ( ومن ورائه عذاب غليظ ) [ إبراهيم : 17 ] .
وقوله : ( إلى يوم يبعثون ) أي : يستمر به العذاب إلى يوم البعث ، كما جاء في الحديث : " فلا يزال معذبا فيها " ، أي : في الأرض .
( لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا ) يقول: كي أعمل صالحا فيما تركت قبل اليوم من العمل فضيعته، وفرّطت فيه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، قال: كان محمد بن كعب القرظي يقرأ علينا: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ) قال محمد: إلى أيّ شيء يريد؟
إلى أيّ شيء يرغب؟
أجمع المال، أو غَرْس الغِراس، أو بَنْي بُنيان، أو شق أنهار؟
: ( لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ) يقول الجبار: كلا.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( رَبِّ ارْجِعُونِ ) قال: هذه في الحياة الدنيا، ألا تراه يقول: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ) قال: حين تنقطع الدنيا، ويعاين الآخرة، قبل أن يذوق الموت.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: " إذَا عايَنَ المُؤْمِنُ المَلائِكَةَ قالُوا: نُرْجِعُكَ إلى الدُّنْيَا؟
فَيَقُولُ: إلى دار الهُمُومِ والأحْزَان؟
فَيَقُولُ: بَلْ قَدّمَانِي إلى الله، وأمَّا الكافِرُ فَيُقال: نُرْجِعُكَ؟
فَيَقُولُ: ( لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ )..." الآية.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ) يعني أهل الشرك، وقيل: ربّ ارجعون، فابتدأ الكلام بخطاب الله تعالى، ثم قيل: ارجعون فصار إلى خطاب الجماعة، والله تعالى ذكره واحد.
وإنما فعل ذلك كذلك؛ لأن مسألة القوم الرد إلى الدنيا إنما كانت منهم للملائكة الذين يقبضون روحهم، كما ذكر ابن جريج أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
وإنما ابتدئ الكلام بخطاب الله جل ثناؤه، لأنهم استغاثوا به، ثم رجعوا إلى مسألة الملائكة الرجوع والرد إلى الدنيا.
وكان بعض نحويي الكوفة يقول: قيل ذلك كذلك؛ لأنه مما جرى على وصف الله نفسه من قوله: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا في غير مكان من القرآن، فجرى هذا على ذلك.
قوله: ( كَلا ) يقول تعالى ذكره: ليس الأمر على ما قال هذا المشرك، لن يُرْجع إلى الدنيا، ولن يعاد إليها( كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ) يقول: هذه الكلمة، وهو قوله: (رَبِّ ارْجِعُونِ) كلمة هو قائلها يقول: هذا المشرك هو قائلها.
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ) لا بد له أن يقولها يقول ( وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ ) يقول: ومن أمامهم حاجز يحجز بينهم وبين الرجوع، يعني: إلى يوم يبعثون من قبورهم، وذلك يوم القيامة، والبرزخ والحاجز والمُهْلة متقاربات في المعنى.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ( وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) يقول: أجل إلى حين.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: ( وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ ) قال: ما بعد الموت.
حدثني أبو حميد الحِمْصي أحمد بن المغيرة، قال: ثنا أبو حَيْوة شريح بن يزيد، قال: ثنا أرطأة، عن أبي يوسف قال: خرجت مع أبي أمامة في جنازة، فلما وُضِعت في لحدها، قال أبو أمامة: هذا برزخ إلى يوم يُبعثون.
&; 19-71 &; حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا مطر، عن مجاهد، قوله: ( وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) قال: ما بين الموت إلى البعث.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) قال: حجاب بين الميت والرجوع إلى الدنيا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ( وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) قال: برزخ بقية الدنيا.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادَة، مثله.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( ومن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) قال: البرزخ ما بين الموت إلى البعث.
حُدِّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عُبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة.
لعلي أعمل صالحا قال ابن عباس : يريد أشهد أن لا إله إلا الله .
فيما تركت أي فيما ضيعت وتركت العمل به من الطاعات .
وقيل فيما تركت من المال فأتصدق .
و لعل تتضمن ترددا ؛ [ ص: 139 ] وهذا الذي يسأل الرجعة قد استيقن العذاب ، وهو يوطن نفسه على العمل الصالح قطعا من غير تردد .
فالتردد يرجع إما إلى رده إلى الدنيا ، وإما إلى التوفيق ؛ أي أعمل صالحا إن وفقتني ؛ إذ ليس على قطع من وجود القدرة والتوفيق لو رد إلى الدنيا .
كلا هذه كلمة رد ؛ أي ليس الأمر على ما يظنه من أنه يجاب إلى الرجوع إلى الدنيا ، بل هو كلام يطيح في أدراج الريح .
وقيل : لو أجيب إلى ما يطلب لما وفى بما يقول ؛ كما قال : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه .
وقيل : كلا إنها كلمة هو قائلها ترجع إلى الله تعالى ؛ أي لا خلف في خبره ، وقد أخبر أنه لن يؤخر نفسا إذا جاء أجلها ، وأخبر بأن هذا الكافر لا يؤمن .
وقيل : إنها كلمة هو قائلها عند الموت ، ولكن لا تنفع .
ومن ورائهم برزخ أي ومن أمامهم وبين أيديهم .
وقيل : من خلفهم .
برزخ أي حاجز بين الموت والبعث ؛ قاله الضحاك ، ومجاهد ، وابن زيد .
وعن مجاهد أيضا أن البرزخ هو الحاجز بين الموت ، والرجوع إلى الدنيا .
وعن الضحاك : هو ما بين الدنيا والآخرة .
ابن عباس : حجاب .
السدي : أجل .
قتادة : بقية الدنيا .
وقيل : الإمهال إلى يوم القيامة ؛ حكاه ابن عيسى .
الكلبي : هو الأجل ما بين النفختين ، وبينهما أربعون سنة .
وهذه الأقوال متقاربة .
وكل حاجز بين شيئين فهو برزخ .
قال الجوهري : البرزخ الحاجز بين الشيئين .
والبرزخ ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث ؛ فمن مات فقد دخل في البرزخ .
وقال رجل بحضرة الشعبي : رحم الله فلانا فقد صار من أهل الآخرة !
فقال : لم يصر من أهل الآخرة ، ولكنه صار من أهل البرزخ ، وليس من الدنيا ولا من الآخرة .
وأضيف يوم إلى يبعثون لأنه ظرف زمان ، والمراد بالإضافة المصدر .
تفسير الآيتين 99 و100يخبر تعالى عن حال من حضره الموت، من المفرطين الظالمين، أنه يندم في تلك الحال، إذا رأى مآله، وشاهد قبح أعماله فيطلب الرجعة إلى الدنيا، لا للتمتع بلذاتها واقتطاف شهواتها وإنما ذلك يقول: { لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ } من العمل، وفرطت في جنب الله.
{ كَلَّا } أي: لا رجعة له ولا إمهال، قد قضى الله أنهم إليها لا يرجعون، { إِنَّهَا } أي: مقالته التي تمنى فيها الرجوع إلى الدنيا { كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } أي: مجرد قول باللسان، لا يفيد صاحبه إلا الحسرة والندم، وهو أيضا غير صادق في ذلك، فإنه لو رد لعاد لما نهي عنه.
{ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي: من أمامهم وبين أيديهم برزخ، وهو الحاجز بين الشيئين، فهو هنا: الحاجز بين الدنيا والآخرة، وفي هذا البرزخ، يتنعم المطيعون، ويعذب العاصون، من موتهم إلى يوم يبعثون، أي: فليعدوا له عدته، وليأخذوا له أهبته.
قوله تعالى : ( لعلي أعمل صالحا فيما تركت ) أي : ضيعت ، أن أقول لا إله إلا الله .
وقيل : أعمل بطاعة الله .
قال قتادة : ما تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات ، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله ، فرحم الله امرءا عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب ، ( كلا ) كلمة ردع وزجر ، أي : لا يرجع إليها ، ( إنها ) يعني : سؤاله الرجعة ، ( كلمة هو قائلها ) [ ولا ينالها ] ( ومن ورائهم برزخ ) أي : أمامهم وبين أيديهم حاجز ، ( إلى يوم يبعثون ) والبرزخ الحاجز بين الشيئين ، واختلفوا في معناه هاهنا ، فقال مجاهد : حجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا .
وقال قتادة : بقية الدنيا .
وقال الضحاك : البرزخ ما بين الموت إلى البعث .
وقيل : هو القبر ، وهم فيه إلى يوم يبعثون .
«لعلي أعمل صالحا» بأن أشهد أن لا إله إلا الله يكون «فيما تركت» ضيعت من عمري أي في مقابلته قال تعال: «كلا» أي لا رجوع «إنها» أي رب ارجعون «كلمة هو قائلها» ولا فائدة له فيها «ومن ورائهم» أمامهم «برزخ» حاجز يصدهم عن الرجوع «إلى يوم يبعثون» ولا رجوع بعده.
لعلي أستدرك ما ضيَّعْتُ من الإيمان والطاعة.
ليس له ذلك، فلا يجاب إلى ما طلب ولا يُمْهَل.
فإنما هي كلمة هو قائلها قولا لا ينفعه، وهو فيه غير صادق، فلو رُدَّ إلى الدنيا لعاد إلى ما نُهي عنه، وسيبقى المتوفَّون في الحاجز والبَرْزخ الذي بين الدنيا والآخرة إلى يوم البعث والنشور.
و " لعل " فى قوله تعالى : ( لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً ) للتعليل .
أى : ارجعون لكى أعمل عملا صالحا .وفى معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ( .
.
وَتَرَى الظالمين لَمَّا رَأَوُاْ العذاب يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ ) وقوله - سبحانه - ( وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ) ثم بين - سبحانه - الجواب عليهم فقال : ( كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) .و " كلا " حرف زجر وردع .
والبرزخ : الحاجز والحاجب بين الشيئين لكى لا يصل أحدهما إلى الآخر .
والمراد بالكلمة : ما قاله هذا الكافر .
أى : رب ارجعون .أى : يقال لهذا الكافر النادم : كلا ، لا رجوع إلى الدنيا ( إِنَّهَا ) أى قوله رب ارجعون ، ( كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ) ولن تجديه شيئا ، لأنه قالها بعد فوات الأوان لنفعها ، ( وَمِن وَرَآئِهِمْ ) أى : ومن أمام هذا الكافر وأمثاله ، حاجز يحول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا ، وهذا الحاجز مستمر إلى يوم البعث والنشور .فالمراد بالبرزخ : تلك المدة التى يقضيها هؤلاء الكافرون منذ موتهم إلى يوم يبعثون .وفى هذه الجملة الكريمة .
زجر شديد لهم عن طلب العودة إلى الدنيا .
وتيئيس وإقناط لهم من التفكير فى المطالبة بالرجعة ، وتهديد لهم بعذاب القبر إلى يوم القيام .
اعلم أنه سبحانه لما أدب رسوله بقوله: ﴿ ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة ﴾ أتبعه بما به يقوى على ذلك وهو الاستعاذة بالله من أمرين: أحدهما: من همزات الشياطين، والهمزات جمع الهمزة، وهو الدفع والتحريك الشديد، وهو كالهز والأز، ومنه مهماز الرائض، وهمزاته هو كيده بالوسوسة، ويكون ذلك منه في الرسول بوجهين: أحدهما: بالوسوسة والآخر بأن يبعث أعداءه على إيذائه، وكذلك القول في المؤمنين، لأن الشيطان يكيدهم بهذين الوجهين، ومعلوم أن من ينقطع إلى الله تعالى ويسأله أن يعيذه من الشيطان، فإنه يجب أن يكون متذكراً متيقظاً فيما يأتي ويذر، فيكون نفس هذا الانقطاع إلى الله تعالى داعية إلى التمسك بالطاعة وزاجراً عن المعصية، قال الحسن كان عليه السلام يقول بعد استفتاح الصلاة: «لا إله إلا الله ثلاثاً، الله أكبر ثلاثاً، اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين همزه ونفثه ونفخه، فقيل يا رسول الله وما همزه؟
قال الموتة التي تأخذ ابن آدم أي الجنون الذي يأخذ ابن آدم قيل فما نفثه؟
قال الشعر قيل فما نفخه؟
قال الكبر».
وثانيها: قوله: ﴿ وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَن يَحْضُرُونِ ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أن يحضرون عند قراءة القرآن لكي يكون متذكراً فيقل سهوه، وقال آخرون بل استعاذ بالله من نفس حضورهم لأنه الداعي إلى وسوستهم كما يقول المرء أعوذ بالله من خصومتك بل أعوذ بالله من لقائك، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اشتكى إليه رجل أرقاً يجده فقال: «إذا أردت النوم فقل أعوذ بالله وبكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون».
أما قوله: ﴿ حتى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الموت ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف حتى متعلق بيصفون أي لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت والآية فاصلة بينهما على وجه الاعتراض والتأكيد للإغضاء عنهم مستعيناً بالله على الشيطان أنه يستزله عن الحلم والله أعلم.
المسألة الثانية: اختلفوا في قوله: ﴿ حتى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الموت ﴾ فالأكثرون على أنه راجع إلى الكفار وقال الضحاك كنت جالساً عند ابن عباس، فقال من لم يترك ولم يحج سأل الرجعة عند الموت، فقال واحد إنما يسأل ذلك الكفار فقال ابن عباس رضي الله عنهما أنا أقرأ عليك به قرآناً ﴿ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رزقناكم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا حضر الإنسان الموت جمع كل شيء كان يمنعه من حقه بين يديه فعنده يقول رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت».
والأقرب هو الأول إذا عرف المؤمن منزلته في الجنة فإذا شاهدها لا يتمنى أكثر منها، ولولا ذلك لكان أدونهم ثواباً يغتم بفقد ما يفقد من منزلة غيره وأما ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما من قوله: ﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت ﴾ فهو إخبار عن حال الحياة في الدنيا لا عن حال الثواب فلا يلزم على ما ذكرنا.
المسألة الثالثة: اختلفوا في وقت مسألة الرجعة فالأكثرون على أنه يسأل في حال المعاينة لأنه عندها يضطر إلى معرفة الله تعالى وإلى أنه كان عاصياً ويصير ملجأ إلى أنه لا يفعل القبيح بأن يعلمه الله تعالى أنه لو رامه لمنع منه، ومن هذا حاله يصير كالممنوع من القبائح بهذا الإلجاء فعند ذلك يسأل الرجعة، ويقول: ﴿ رَبِّ ارجعون * لَعَلّي أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ وقال آخرون بل يقول ذلك عند معاينة النار في الآخرة، ولعل هذا القائل إنما ترك ظاهر هذه الآية لما أخبر الله تعالى في كتابه عن أهل النار في الآخرة أنهم يسألون الرجعة لكن ذلك مما لا يمنع أن يكونوا سائلين الرجعة في حال المعاينة، والله تعالى يقول: ﴿ حتى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ رَبِّ ارجعون ﴾ فعلق قولهم هذا بحال حضور الموت وهو حال المعاينة فلا وجه لترك هذا الظاهر.
المسألة الرابعة: اختلفوا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ ارجعون ﴾ من المراد به؟
فقال بعضهم: الملائكة الذين يقبضون الأرواح وهم جماعة فلذلك ذكره بلفظ الجمع، وقال آخرون بل المراد هو الله تعالى لأن قوله رب بمنزلة أن يقول يا رب وإنما ذكر بلفظ الجمع للتعظيم كما يخاطب العظيم بلفظه فيقول فعلنا وصنعنا وقال الشاعر: فإن شئت حرمت النساء سواكم *** ومن يقول بالأول يجعل ذكر الرب للقسم، فكأنه عند المعاينة قال بحق الرب ارجعون، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: كيف يسألون الرجعة وقد علموا صحة الدين بالضرورة، ومن الدين أن لا رجعة؟
الجواب: أنه وإن كان كذلك فلا يمتنع أن يسألوه لأن الاستعانة بهذا الجنس من المسألة تحسن وإن علم أنه لا يقع فأما إرادته للرجعة فلا يمتنع أيضاً على سبيل ما يفعله المتمني.
السؤال الثاني: ما معنى قوله: ﴿ لَعَلّي أَعْمَلُ صالحا ﴾ أفيجوز أن يسأل الرجعة مع الشك؟
الجواب: ليس المراد بلعل الشك فإنه في هذا الوقت باذل للجهد في العزم على الطاعة إن أعطى ما سأل، بل هو مثل من قصر في حق نفسه وعرف سوء عاقبة ذلك التقصير فيقول مكنوني من التدارك لعلي أتدارك فيقول هذه الكلمة مع كونه جازماً بأنه سيتدارك، ويحتمل أيضاً أن الأمر المستقبل إذا لم يعرفوه أوردوا الكلام الموضوع للترجي والظن دون اليقين، فقد قال تعالى: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ .
السؤال الثالث: ما المراد بقوله فيما تركت؟
الجواب: قال بعضهم فيما خلفت من المال ليصير عند الرجعة مؤدياً لحق الله تعالى منه، والمعقول من قوله: ﴿ تَرَكْتُ ﴾ التركة وقال آخرون بل المراد أعمل صالحاً فيما قصرت فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق، وهذا أقرب كأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما أفسدوه ويطيعوا في كل ما عصوا.
السؤال الرابع: ما المراد بقوله كلا؟
الجواب: فيه قولان: أحدهما: أنه كالجواب لهم في المنع مما طلبوا، كما يقال لطالب الأمر المستبعد هيهات، روي أنه عليه السلام قال لعائشة رضي الله عنها: إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى دار الدنيا فيقول إلى دار الهموم والأحزان لا بل قدوماً على الله، وأما الكافر فيقال له نرجعك فيقول ارجعون فيقال له إلى أي شيء ترغب إلى جمع المال أو غرس الغراس أو بناء البنيان أو شق الأنهار؟
فيقول لعلي أعمل صالحاً فيما تركت!
فيقول فيقول الجبار كلا الثاني: يحتمل أن يكون على وجه الإخبار بأنهم يقولون ذلك وأن هذا الخبر حق فكأنه قال: حقاً إنها كلمة هو قائلها، والأقرب الأول.
أما قوله: ﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قائلها ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه الثاني: أنه قائلها وحده ولا يجاب إليها ولا يسمع منه.
أما قوله تعالى: ﴿ وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ فالبرزخ هو الحاجز والمانع كقوله في البحرين ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾ أي فهؤلاء صائرون إلى حالة مانعة من التلاقي حاجزة عن الاجتماع وذلك هو الموت، وليس المعنى أنهم يرجعون يوم البعث، إنما هو إقناط كلي لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حتى ﴾ يتعلق بيصفون، أي: لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقف.
والآية فاصلة بينهما على وجه الاعتراض والتأكيد للإغضاء عنهم، مستعيناً بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم ويغريه على الانتصار منهم.
أو على قوله: وإنهم لكاذبون.
﴿ قال رب %ارحبون ﴾ خطاب الله بلفظ الجمع للتعظيم، كقوله: فَإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ وقوله: أَلاَ فَارْحَمُونِي يَا إلهَ مُحَمَّدٍ إذا أيقن بالموت واطلع على حقيقة الأمر، أدركته الحسرة على ما فرّط فيه من الإيمان والعمل الصالح فيه، فسأل ربه الرجعة وقال: ﴿ لَعَلّى أَعْمَلُ صالحا ﴾ في الإيمان الذي تركته، والمعنى: لعلي آتي بما تركته من الإيمان، وأعمل فيه صالحاً، كما تقول: لعلي أبني على أُس، تريد: أُأسس أُساً وأبني عليه.
وقيل: فيما تركت من المال.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا عاينَ المُؤمنَ الملائكةُ قالُوا: نرجعُك إلى الدُّنيا، فيقولُ: إلى دارِ الهمومِ والأحزان!
بل قدوماً إلى اللَّهِ.
وأَمّا الكافرُ فيقولُ: ربِّ ارجعون» ﴿ كَلاَّ ﴾ ردعٌ عن طلب الرجعة، وإنكار واستبعاد.
﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ ﴾ والمراد بالكلمة: الطائفة من الكلام المنتظم بعضها مع بعض، وهي قوله: ﴿ لَعَلِّى أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ .
﴿ هُوَ قَائِلُهَا ﴾ لا محالة، لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه وتسلط الندم.
أو هو قائلها وحده لا يجاب إليها ولا تسمع منه ﴿ وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ ﴾ والضمير للجماعة.
أي: أمامهم حائل بينهم وبين الرجعة إلى يوم البعث، وليس المعنى: أنهم يرجعون يوم البعث، وإنما هو إقناط كلي لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلاّ إلى الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يَصِفُونَ )، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِتَأْكِيدِ الإغْضاءِ بِالِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ أنْ يُزِلَّهُ عَنِ الحِلْمِ ويُغْرِيَهُ عَلى الِانْتِقامِ أوْ بِقَوْلِهِ ( إنَّهم لَكاذِبُونَ ) .
﴿ قالَ ﴾ تَحَسُّرًا عَلى ما فَرَطَ فِيهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ لَمّا اطَّلَعَ عَلى الأمْرِ.
﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ رُدُّونِي إلى الدُّنْيا والواوُ لِتَعْظِيمِ المُخاطَبِ.
وَقِيلَ لِتَكْرِيرِ قَوْلِهِ ارْجِعْنِي كَما قِيلَ في قِفا وأطْرَقا.
﴿ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ ﴾ في الإيمانِ الَّذِي تَرَكْتُهُ أيْ لَعَلِّي آتِي الإيمانَ وأعْمَلُ فِيهِ، وقِيلَ في المالِ أوْ في الدُّنْيا.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «قالَ «إذا عايَنَ المُؤْمِنُ المَلائِكَةَ قالُوا أنُرْجِعُكَ إلى الدُّنْيا، فَيَقُولُ إلى دارِ الهُمُومِ والأحْزانِ بَلْ قُدُومًا إلى اللَّهِ تَعالى، وأمّا الكافِرُ فَيَقُولُ رَبِّ ارْجِعُونِ» .
﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ الرَّجْعَةِ واسْتِبْعادٌ لَها.
﴿ إنَّها كَلِمَةٌ ﴾ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ إلَخْ، والكَلِمَةُ الطّائِفَةُ مِنَ الكَلامِ المُنْتَظِمِ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ.
﴿ هُوَ قائِلُها ﴾ لا مَحالَةَ لِتَسَلُّطِ الحَسْرَةِ عَلَيْهِ.
﴿ وَمِن ورائِهِمْ ﴾ أمامَهم والضَّمِيرُ لِلْجَماعَةِ.
﴿ بَرْزَخٌ ﴾ حائِلٌ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّجْعَةِ.
﴿ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو إقْناطٌ كُلِّيٌّ عَنِ الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا لَمّا عَلِمَ أنَّهُ لا رَجْعَةَ يَوْمَ البَعْثِ إلى الدُّنْيا وإنَّما الرُّجُوعُ فِيهِ إلى حَياةٍ تَكُونُ في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{لَعَلّى أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ} في الموضع الذي تركت وهو الدنيا لأنه ترك الدنيا وصار إلى العقبى قال قتادة ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة ولكن ليتدارك ما فرط لعلي ساكنة الياء كوفي وسهل ويعقوب {كَلاَّ} ردع عن طلب الرجعة وإنكار واستبعاد {إِنَّهَا كَلِمَةٌ} المراد بالكلمة الطائفة من الكلام المنتظم بعضها مع بعض وهو قوله رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت {هُوَ قَائِلُهَا} لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة والندم عليه {وَمِن وَرَائِهِمْ} أي أمامهم والضمير للجماعة {برزخ} حائل بينهم وبين
المؤمنون (١٠٨ - ١٠٠)
الرجوع إلى الدنيا {إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} لم يرد أنهم يرجعون يوم البعث وإنما هو إقناط كلي لما علم أن لا رجوع بعد البعث إلا إلى الآخرة
﴿ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ ﴾ أيْ في الإيمانِ الَّذِي تَرَكْتُهُ، ولَعَلَّ لِلتَّرَجِّي وهو إمّا راجِعٌ لِلْعَمَلِ والإيمانِ لِعِلْمِهِ بِعَدَمِ الرُّجُوعِ أوْ لِلْعَمَلِ فَقَطْ لِتَحْقِيقِ إيمانِهِ إنْ رَجَعَ فَهو كَما في قَوْلِكَ: ﴿ لَعَلِّي ﴾ أرْبَحُ في هَذا المالِ أوْ كَقَوْلِكَ: ( لِعَلِيّ ) أبْنِي عَلى أُسٍّ أيْ أأُسِّسَ ثُمَّ أبْنِي، وقِيلَ: فِيما تَرَكْتَ مِنَ المالِ أوْ مِنَ الدُّنْيا جُعِلَ مُفارَقَةَ ذَلِكَ تَرْكًا لَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ.
وفِي البُرْهانِ حَكى البَغْوِيُّ عَنِ الواقِدِيِّ أنَّ جَمِيعَ ما في القُرْآنِ مِن لَعَلَّ فَإنَّها لِلتَّعْلِيلِ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ ﴾ فَإنَّها لِلتَّشْبِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السَّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ نَحْوَهُ، ثُمَّ إنَّ طَلَبَ الرَّجْعَةِ لَيْسَ مِن خَواصِّ الكُفّارِ.
فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ مانِعَ الزَّكاةِ وتارِكَ الحَجِّ المُسْتَطِيعَ يَسْألانِ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إذا حَضَرَ الإنْسانَ الوَفاةُ يَجْمَعُ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ يَمْنَعُهُ عَنِ الحَقِّ فَيَجْعَلُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ ﴿ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ ﴾ »» وهَذا الخَبَرُ يُؤَيِّدُ أنَّ المُرادَ مِمّا تَرَكَتِ المالَ ونَحْوَهُ ﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ الرَّجْعَةِ واسْتِبْعادٌ لَها ﴿ إنَّها ﴾ أيْ قَوْلِهِ: ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ إلَخْ ﴿ كَلِمَةٌ هو قائِلُها ﴾ لا مَحالَةَ لا يُخَلِّيها ولا يَسْكُتُ عَنْها لِاسْتِيلاءُ الحَسْرَةُ وتَسَلُّطُ النَّدَمِ عَلَيْهِ فَتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِلتَّقْوى أوْ هو قائِلُها وحْدَهُ فالتَّقْدِيمُ لِلِاخْتِصاصِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ لا يُجابُ إلَيْها ولا تُسْمَعُ مِنهُ بِتَنْزِيلِ الإجابَةِ والِاعْتِدادِ مَنزِلَةِ قَوْلِها حَتّى كَأنَّ المُعْتَدَّ بِها شَرِيكٌ لِقائِلِها، ومِثْلُ هَذا مُتَداوَلٌ فَيَقُولُ مَن كَلَّمَهُ صاحِبُهُ بِما لا جَدْوى تَحْتَهُ: اشْتَغِلْ أنْتَ وحْدَكَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ فَتَكَلَّمْ واسْتَمِعْ يَعْنِي أنَّها مِمّا لا تَسْمَعُ مِنكَ ولا تَسْتَحِقُّ الجَوابَ، والكَلِمَةُ هُنا بِمَعْنى الكَلامِ كَما في قَوْلِهِمْ: كَلِمَةُ الشَّهادَةِ وهي في هَذا المَعْنى مَجازٌ عِنْدَ النُّحاةِ، وأمّا عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ فَقِيلَ حَقِيقَةٌ، وقِيلَ مَجازٌ مَشْهُورٌ.
والظّاهِرُ أنَّ ﴿ كَلا ﴾ وما بَعْدَها مِن كَلامِهِ تَعالى، وأبْعَدَ جَدًّا مَن زَعَمَ أنَّ ﴿ كَلا ﴾ مِن قَوْلِ مَن عايَنَ المَوْتَ وأنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ عَلى سَبِيلِ التَّحَسُّرِ والنَّدَمِ ﴿ ومِن ورائِهِمْ ﴾ أيْ أمامَهم وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ، والضَّمِيرُ لِأحَدِهِمْ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى لِأنَّهُ في حُكْمِ كُلِّهِمْ كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأوَّلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ ﴿ بَرْزَخٌ ﴾ حاجِزٌ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّجْعَةِ ﴿ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ مِن قُبُورِهِمْ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا تَعْلِيقٌ لَرَجَعَتِهِمْ إلى الدُّنْيا بِالمَحالِّ كَتَعْلِيقِ دُخُولِهِمُ الجَنَّةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ ﴾ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ مِن ورائِهِمْ حاجِزٌ بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ في القِيامَةِ مِنَ القُبُورِ باقٍ إلى يَوْمِ يَبْعَثُونَ، وقِيلَ: حاجِزٌ بَيْنَهم وبَيْنَ الجَزاءِ التّامِّ باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَإذا جاءَ ذَلِكَ اليَوْمَ جَوَّزُوا عَلى أتَمِّ وجْهٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ، يعني: أمهلهم وأجلهم، حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت وهم الكفار، قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ يعني: يقول لملك الموت وأعوانه: يا سيدي ردني، ويقال: يدعو الله تعالى، ويقول: يا رب ارجعون، ويقال: إنما قال بلفظ الجماعة، لأن العرب تخاطب جليل الشأن بلفظ الجماعة.
ويقال: معناه يا رب مرهم ليرجعوني إلى الدنيا.
لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً يعني: خالصاً فِيما تَرَكْتُ في الدنيا.
قال الله تعالى: كَلَّا وهو رد عليهم، يعني: أنه لا يرد إلى الدنيا.
ثم قال: إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها يعني: يقولها ولا تنفعه.
ثم قال: وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ يعني: من بعدهم القبر إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ والبرزخ ما بين الدنيا والآخرة، ويقال: بين كل شيئين حاجز فهو برزخ، ويقال: هو بين النفختين، وقال قتادة: البرزخ بقية الدنيا، وقال الحسن: القبر بين الدنيا والآخرة.
قوله عز وجل: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ يعني: النفخة الأخيرة، فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يعني: لا ينفعهم يَوْمَئِذٍ النسبُ، وَلا يَتَساءَلُونَ عن ذلك.
فهذه حالات لا يتساءلون في موضع، ويتساءلون في موضع آخر.
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ يعني: رجحت حسناته على سيئاته، فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني: الناجون في الآخرة، وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ يعني: رجحت سيئاته على حسناته، فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ قوله تعالى: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ يعني: تنفح.
قال أهل اللغة: النفح واللفح بمعنى واحد، إلا أن اللفح أشد تأثيراً وهو الدفع، يعني: تضرب وجوههم النار.
وَهُمْ فِيها يعني: في النار، كالِحُونَ يعني: كلحت وعبست وجوههم، والكالح: الذي قد قلصت شفتاه عن أسنانه، ونحو ما تُرى من رؤوس الغنم مشوية إذا بدت الأسنان، يعني: كلحت وجوههم فلم تلتق شفاههم.
وقال ابن مسعود: «كالرأس النضيج» .
ثم قال: أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ يعني: ألم يكن يقرأ عليكم القرآن فيه بيان هذا اليوم، وما هو كائن فيه؟
فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ يعني: بالآيات.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فِيما مَضى مِن عُمْرِي.
وقالَ مُقاتِلٌ: فِيما تَرَكْتُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ ؛ أيْ: لا يُرْجَعُ إلى الدُّنْيا، ﴿ إنَّها ﴾ يَعْنِي: مَسْألَتُهُ الرَّجْعَةَ، ﴿ كَلِمَةٌ هو قائِلُها ﴾ ؛ أيْ: هو كَلامٌ لا فائِدَةَ لَهُ فِيهِ.
﴿ وَمِن ورائِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: أمامِهم وبَيْنَ أيْدِيهِمْ، ﴿ بَرْزَخٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: البَرْزَخُ: ما بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَهو بَرْزَخٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: البَرْزَخُ في اللُّغَةِ: الحاجِزُ، وهو هاهُنا ما بَيْنَ مَوْتِ المَيِّتِ وبَعْثِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ ﴾ في هَذِهِ النَّفْخَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النَّفْخَةُ الأُولى، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها الثّانِيَةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ يَتَفاخَرُونَ بِها أوْ يَتَقاطَعُونَ بِها؛ لِأنَّ الأنْسابَ لا تَنْقَطِعُ يَوْمَئِذٍ، إنَّما يُرْفَعُ التَّواصُلُ والتَّفاخُرُ بِها.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَتَساءَلُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَتَساءَلُونَ بِالأنْسابِ أنْ يَتْرُكَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ حَقَّهُ.
والثّانِي: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ شَأْنِهِ لِاشْتِغالِ كُلِّ واحِدٍ بِنَفْسِهِ.
والثّالِثُ: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا مِن أيِّ قَبِيلٍ أنْتَ، كَما تَفْعَلُ العَرَبُ لِتَعْرِفَ النَّسَبَ فَتَعْرِفَ قَدْرَ الرَّجُلِ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [ الأعْرافِ: ٨ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَلْفَحُ وتَنْفَحُ بِمَعْنًى واحِدٍ، إلّا أنَّ اللَّفْحَ أعْظَمُ تَأْثِيرًا.
والكالِحُ: الَّذِي قَدْ تَشَمَّرَتْ شَفَتُهُ عَنْ أسْنانِهِ، نَحْوَ ما تَرى [ مِن ] رُءُوسِ الغَنَمِ إذا بَرَزَتِ الأسْنانُ وتَشَمَّرَتِ الشِّفاهُ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قَدْ بَدَتْ أسْنانُهم وتَقَلَّصَتْ شِفاهُهم كالرَّأْسِ المَشِيطِ بِالنّارِ.
ورَوى أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: " تَشْوِيهِ النّارُ فَتُقَلِّصُ شَفَتَهُ العُلْيا حَتّى تَبْلُغَ وسَطَ رَأْسِهِ، وتَسْتَرْخِيَ شَفَتُهُ السُّفْلى حَتّى تَبْلُغَ سُرَّتَهُ» " .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ ﴿ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ "حَتّى" في هَذا المَوْضِعِ حَرْفُ ابْتِداءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ غايَةً مُجَرَّدَةً بِتَقْدِيرِ كَلامٍ مَحْذُوفٍ، والأوَّلُ أبْيَنُ لَأنَّ ما بَعْدَها هو المَعْنِيُّ بِهِ المَقْصُودُ ذِكْرُهُ.
والضَمِيرُ في "أحَدَهُمْ" لِلْكُفّارِ، وقَوْلُهُ: "ارْجِعُونِ" مَعْناهُ: إلى الحَياةِ الدُنْيا.
وجَمْعُ الضَمِيرِ يَتَخَرَّجُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يُخاطِبَهُ مُخاطَبَةَ الجَمْعِ تَعْظِيمًا، عَلى نَحْوِ إخْبارِهِ تَعالى عن نَفْسِهِ بِنُونِ الجَماعَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ اسْتِغاثَةً بِرَبِّهِ أوَّلًا ثُمْ خاطَبَ مَلائِكَةَ العَذابِ بِقَوْلِهِ: "ارْجِعُونِ".
وقالَ الضِحاكُ: هي في المُشْرِكِ، وقالَ النَبِيُّ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: «إذا عايَنَ المُؤْمِنُ قالَتْ لَهُ المَلائِكَةُ: نَرْجِعُكَ؟
فَيَقُولُ: إلى دارِ الهُمُومِ والأحْزانِ؟
بَلْ قُدُمًا إلى اللهِ تَعالى، وأمّا الكافِرُ فَيَقُولُ: ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا».
وقَرَأ الحَسَنُ والجُمْهُورُ: "لَعَلِّي" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "لَعَلِّي" بِفَتْحِ الياءِ، و"كَلّا" كَلِمَةُ زَجْرٍ وهي مِن كَلامِ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحُدُها: الإخْبارُ المُؤَكَّدُ بِأنَّ هَذا الشَيْءَ يَقَعُ ويَقُولُ هَذِهِ الكَلِمَةَ، والآخَرُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّها كَلِمَةٌ لا تُغْنِي أكْثَرَ مِن أنْ يَقُولَها، ولا نَفْعَ لَهُ فِيها ولا غَوْثَ، والثالِثُ: أنْ تَكُونَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَوْ رُدَّ لَعادَ، فَتَكُونُ آيَةَ ذَمٍّ لَهم.
والضَمِيرُ في "وَرائِهِمْ" لِلْكُفّارِ، أيْ يَأْتِي بَعْدَ مَوْتِهِمْ حاجِزٌ مِنَ المُدَّةِ، و"البَرْزَخُ" في كَلامِ العَرَبِ: الحاجِزُ بَيْنَ المَسافَتَيْنِ، ثُمْ يُسْتَعارُ لِما عَدا ذَلِكَ، فَهو هُنا لِلْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ مَوْتِ الإنْسانِ وبَيْنَ بَعْثِهِ، هَذا إجْماعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
و"يَوْمِ" مُضافٌ إلى "يَبْعَثُونَ".
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي الصُوَرِ" وهو القَرْنُ، وقَرَأ ابْنُ عِياضٍ: "فِي الصُوَرِ" بِفَتْحِ الواوِ جَمْعُ صُورَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ﴾ ، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في صِفَةِ ارْتِفاعِ الأنْسابِ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: هَذا في النَفْخَةِ الأولى، وذَلِكَ أنَّ الناسَ بِأجْمَعِهِمْ يَمُوتُونَ فَلا يَكُونُ بَيْنَهم نَسَبٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهم أمْواتٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ يُزِيلُ ما في الآيَةِ مِن ذِكْرِ هَوْلِ الحَشْرِ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: إنَّما المَعْنى أنَّهُ عِنْدَ النَفْخَةِ الثانِيَةِ وقِيامُ الناسِ مِنَ القُبُورِ فَهم حِينَئِذٍ لِهَوْلِ المَطْلَعِ قَدِ اشْتَغَلَ كُلُّ امْرِئٍ بِنَفْسِهِ، قَدِ انْقَطَعَتْ بَيْنَهُمُ الوَسائِلُ وزالَ انْتِفاعُ الأنْسابِ، فَلِذَلِكَ نَفاها، فالمَعْنى: فَلا أنْسابَ نافِعَةٌ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ: أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أبْغَضُ إلى الإنْسانِ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِمَّنْ يَعْرِفُ، لَأنَّهُ يَخافُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ، ويَفْرَحُ كُلُّ أحَدٍ يَوْمَئِذٍ أنْ يَكُونَ لَهُ حَقٌّ عَلى ابْنِهِ وأبِيهِ، وقَدْ ورَدَ بِهَذا حَدِيثٌ.
وكَذَلِكَ ارْتِفاعُ التَساؤُلِ لِهَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها، ثُمْ تَأْتِي في القِيامَةِ مُواطِنُ يَكُونُ فِيها السُؤالُ والتَعارُفُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ حَسَنٌ، وهو مَرْوِيُّ المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وثِقَلُ المَوازِينِ هو بِالحَسَناتِ، والثِقَلُ والخِفَّةُ إنَّما يَتَعاقَبانِ بِأجْرامٍ يَخْتَرِعُ اللهُ تَعالى فِيها ذَلِكَ، وهي فِيما رُوِيَ بَراءاتٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ حتى ﴾ ابتدائية وقد علمت مفادها غير مرة، وتقدمت في سورة الأنبياء.
ولا تفيد أن مضمون ما قبلها مُغيّا بها فلا حاجة إلى تعليق (حتى) ب ﴿ يصفون ﴾ [المؤمنون: 91].
والوجه أن (حتى) متصلة بقوله ﴿ وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ﴾ [المؤمنون: 95].
فهذا انتقال إلى وصف ما يلقون من العذاب في الآخرة بعد أن ذكر عذابهم في الدنيا فيكون قوله هنا ﴿ حتى إذا جاء أحدهم الموت ﴾ وصفاً أُنُفا لعذابهم في الآخرة.
وهو الذي رجحنا به أن يكون ما سبق ذكره من العذاب ثلاث مرات عذاباً في الدنيا لا في الآخرة.
فإن حملتَ العذاب السابق الذكر على عذاب الآخرة كان ذلك إجمالاً وكان قوله ﴿ حتى إذا جاء أحدهم الموت ﴾ إلى آخره تفصيلاً له.
وضمائر الغيبة عائدة إلى ما عادت عليه الضمائر السابقة من قوله ﴿ قالوا أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون ﴾ [المؤمنون: 82] إلى ما هنا وليست عايدة إلى الشياطين.
ولقصد إدماج التهديد بما سيشاهدون من عذاب أعدّ لهم فيندمون على تفريطهم في مدة حياتهم.
وضمير الجمع في ﴿ ارجعون ﴾ تعظيم للمخاطب.
والخطاب بصيغة الجمع لقصد التعظيم طريقة عربية، وهو يلزم صيغة التذكير فيقال في خطاب المرأة إذا قصد تعظيمها: أنتم.
ولا يقال: أنتن.
قال العرجي: فإن شئتتِ حرَّمتُ النساء سواكم *** وإن شئتتِ لم أطعم نُقاخاً ولا بردا فقال: سواكم، وقال جعفر بن علبة الحارثي من شعراء الحماسة: فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم *** لشيء ولا أني من الموت أفرق فقال: بعدكم، وقد حصل لي هذا باستقراء كلامهم ولم أر من وقَّف عليه.
وجملة الترجي في موضع العلة لمضمون ﴿ ارجعون ﴾ .
والترك هنا مستعمل في حقيقته وهو معنى التخلية والمفارقة.
وما صدق ﴿ ما تركت ﴾ عالم الدنيا.
ويجوز أن يراد بالترك معناه المجازي وهو الإعراض والرفض، على أن يكون ما صدق الموصول الإيمان بالله وتصديق رسوله، فذلك هو الذي رفضه كل من يموت على الكفر، فالمعنى: لعلي أسلم وأعمل صالحاً في حالة إسلامي الذي كنت رفضته، فاشتمل هذا المعنى على وعد بالامتثال واعتراف بالخطأ فيما سلف.
ورُكب بهذا النظم الموجز قضاءً لحق البلاغة.
و ﴿ كلاّ ﴾ ردع للسامع ليعلم إبطال طلبة الكافر.
وقوله: ﴿ إنها كلمة هو قائلها ﴾ تركيب يجري مجرى المثل وهو من مبتكرات القرآن.
وحاصل معناه: أن قول المشرك ﴿ رب ارجعون ﴾ إلخ لا يتجاوز أن يكون كلاماً صدر من لسانه لا جدوى له فيه، أي لا يستجاب طلبه به.
فجملة ﴿ هو قائلها ﴾ وصف ل ﴿ كلمة ﴾ ، أي هي كلمة هذا وصفها.
وإذ كان من المحقق أنه قائلها لم يكن في وصف ﴿ كلمة ﴾ به فائدة جديدة فتعين أن يكون الخبر مستعملاً في معنى أنه لا وصف لكلمته غير كونها صدرت من في صاحبها.
وبذلك يعلم أن التأكيد بحرف (إن) لتحقيق المعنى الذي استعمل له الوصف.
والكلمة هنا مستعمل في الكلام كقول النبي صلى الله عليه وسلم " أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** وكما في قولهم: كلمة الشهادة وكلمة الإسلام.
وتقدم قوله تعالى ﴿ ولقد قالوا كلمة الكفر ﴾ في سورة براءة (74).
والوراء هنا مستعار للشيء الذي يصيب المرء لا محالة ويناله وهو لا يظنه يصيبه.
شبه ذلك بالذي يريد اللحاق بالسائر فهو لاحقه، وهذا كقوله تعالى ﴿ والله من ورائهم محيط ﴾ [البروج: 20] وقوله ﴿ ومن ورائهم جهنم ﴾ [الجاثية: 10] وقوله ﴿ من ورائهم عذاب غليظ ﴾ [إبراهيم: 17].
وتقدم قوله: ﴿ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ﴾ [الكهف: 79].
وقال لبيد: أليس ورائي أن تراخت منيتي *** لزوم العصا تُحنى عليها الأصابع والبرزخ: الحاجز بين مكانين.
قيل: المراد به في هذه الآية القبر، وقيل: هو بقاء مدة الدنيا، وقيل: هو عالم بين الدنيا والآخرة تستقر فيه الأرواح فتكاشف على مقرها المستقبل، وإلى هذا مال الصوفية.
وقال السيد في «التعريفات»: البرزخ العالم المشهود بين عالم المعاني المجردة وعالم الأجسام المادية، أعني الدنيا والآخرة ويعبر به عن عالم المثال اه، أي عند الفلاسفة القدماء.
ومعنى ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ أنهم غير راجعين إلى الحياة إلى يوم البعث.
فهي إقناط لهم لأنهم يعلمون أن يوم البعث الذي وُعدوه لا رجوع بعده إلى الدنيا فالذي قال لهم ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ هو الذي أعلمهم بما هو البعث.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ وَمِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ ﴾ الآيَةَ.
أيْ مِن أمامِهِمْ بَرْزَخٌ، البَرْزَخُ الحاجِزُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ حاجِزٌ بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: حاجِزٌ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: حاجِزٌ بَيْنَ المَيِّتِ ورُجُوعِهِ لِلدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّ البَرْزَخَ الإمْهالُ لِيَوْمِ القِيامَةِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الخامِسُ: هو الأجَلُ ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ وبَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: إذا وضع الكافر في قبره فيرى مقعده من النار قال: ﴿ رب ارْجعُونِ ﴾ حتى أتوب، أعمل صالحاً، فيقال: قد عمرت ما كنت معمراً.
فيضيق عليه قبره فهو كالمنهوش ينام ويفزع، تهوي إليه هوام الأرض؛ حيّاتها وعقاربها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: ويل لأهل المعاصي من أهل القبور، يدخل عليهم في قبورهم حيات سود، حية عند رأسه وحية عند رجليه يضربانه حتى يلتقان في وسطه.
فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله: ﴿ ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابنأبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ قال رب ارجعون ﴾ قال: هذا حين يعاين قبل أن يذوق الموت.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة «إن المؤمن إذا عاين الملائكة قالوا: نرجعك إلى الدنيا؟
فيقول: إلى دار الهموم والأحزان؟
بل قُدُماً إلى الله.
وأما الكافر فيقولون له: نرجعك؟
فيقول: ﴿ رب ارجعون، لعلي أعمل صالحاً فيما تركت ﴾ » .
وأخرج الديلمي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا حضر الإنسان الوفاة يجمع له كل شيء يمنعه عن الحق فيحول بين عينيه، فعند ذلك يقول ﴿ رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ لعلي أعمل صالحاً فيما تركت ﴾ قال: لعلي أقول لا إله إلا الله.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ لعلي أعمل صالحاً ﴾ قال: أقول لا إله إلا الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن حسين في قوله: ﴿ ومن ورائهم برزخ ﴾ قال: أمامهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الحيلة عن مجاهد في قوله: ﴿ ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ﴾ قال: هو ما بين الموت إلى البعث.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: ﴿ البرزخ ﴾ الحاجز ما بين الدنيا والآخرة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ﴾ قال: حاجز بين الميت والرجوع إلى الدنيا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: ﴿ البرزخ ﴾ ما بين الدنيا والآخرة.
ليس مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون، ولا مع أهل الآخرة يجازون بأعمالهم.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الآية قال: ﴿ البرزخ ﴾ بين الدنيا والآخرة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ﴿ البرزخ ﴾ بقية الدنيا.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ومن ورائهم برزخ ﴾ قال: أهل القبور في برزخ ما بين الدنيا والآخرة، هم فيه إلى يوم يبعثون.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع قال: ﴿ البرزخ ﴾ القبور.
وأخرج بن أبي حاتم عن أبي صخر قال: ﴿ البرزخ ﴾ المقابر.
لا هم في الدنيا ولا هم في الآخرة، فهم مقيمون إلى يوم يبعثون.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وسمويه في فوائده عن أبي أمامة أنه شهد جنازة، فلما دفن الميت قال: هذا برزخ إلى يوم يبعثون.
وأخرج هناد عن أبي محلم قال: قيل للشعبي مات فلان قال: ليس هو في الدنيا ولا في الآخرة.
هو في البرزخ.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ومن ورائهم برزخ ﴾ قال: ما بعد الموت.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا ﴾ قال ابن عباس: يريد أشهد أن لا إله إلا الله (١) (٢) وقال قتادة: إما والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا عشيرة، ولكنه تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر فاعملوا فيها (٣) قوله تعالى: ﴿ فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا ﴾ قال ابن عباس: فيما مضى من عمري (٤) وقال الكلبي: فيما كذّبت.
وقال غيره: فيما ضيعت (٥) قال الله تعالى ﴿ كَلَّا ﴾ قال ابن عباس: يقول لا ترجع إلى الدنيا ﴿ إِنَّهَا ﴾ إن مسألته الرجعة ﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ﴾ يريد لابد أن يقولها عند الموت حين (٦) (٧) (٨) وقال آخرون (٩) ﴿ كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ﴾ يعني أن سؤاله الرجعة كلام يقوله (١٠) ﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ [وقوله: ﴿ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ﴾ ] (١١) وقوله: ﴿ وَمِنْ وَرَائِهِمْ ﴾ قال أبو عبيدة: ومن أمامهم (١٢) وهذا مما يجوز أن يكون المراد به: ومن بين أيديهم، كما قال أبو عبيدة، ويجوز أن يكون المراد به (١٣) ﴿ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ ﴾ (١٤) قوله تعالى: ﴿ بَرْزَخٌ ﴾ معنى البرزخ في اللغة: الحاجز بين الشيئين كيفما (١٥) (١٦) وهذا معنى قول الفراء، قال: البرزخ والحاجز والمهلة (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) ومنه حديث علي - - أنه صلى بقوم فأسْوى (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) وبرازخ الإيمان ما بين اليقين والشك.
والبرزخ: ما بين كل شيئين.
ومنه قيل للميت: هو في البرزخ؛ لأنّه بين الدنيا والآخرة (٢٦) وقال أبو إسحاق: البرزخ في اللغة: الحاجز، وهو هاهنا ما بين موت الميت وبعثه (٢٧) وهذا قول الضحاك وابن زيد: ما بين الموت إلى البعث (٢٨) (٢٩) وروي عن ابن عباس: ([بَرْزَخٌ]: حجاب (٣٠) وقال السدي ومقاتل: أجل (٣١) (٣٢) (٣٣) وقال قتادة: بقية الدنيا (٣٤) يعني (٣٥) والكناية (٣٦) ﴿ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ ﴾ كالكناية في قوله: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿ يَوْمِ ﴾ مضاف إلى (يُبْعَثُونَ) لأن أسماء الزمان تضاف إلى الأفعال (٣٧) (١) رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" ص 108، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 115 وعزاه للبيهقي.
(٢) "تفسير مقاتل" 2/ 33 أ.
(٣) ذكره عنه البغوي 5/ 428، وابن كثير 3/ 255.
(٤) ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 490.
(٥) هذا قول الطبري في "تفسيره" 18/ 52، والثعلبي 3/ 64 ب.
(٦) (حين): ساقطة من (ع).
(٧) ذكر ابن الجوزي 5/ 490 هذا القول إلى قوله: الرجعة.
ولم ينسبه لأحد.
(٨) روى الطبري 18/ 53 عنه قال: لابد أن يقولها.
(٩) ذكر الثعلبي 3/ 64 ب نحو هذا المعنى مختصرًا، ولم ينسبه لأحد.
وذكره ابن الجوزي 5/ 49 مختصرًا.
(١٠) في (ع): (هو يقوله).
(١١) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).
(١٢) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 62.
(١٣) (به): ساقطة من (أ).
(١٤) في (أ)، (ظ): (ورائهم)، وهو خطأ.
(١٥) في (ظ): (كيف).
(١٦) انظر: (برزخ) في "تهذيب اللغة" 7/ 671، "الصحاح" 1/ 419، "اللسان" 3/ 8.
(١٧) في (ظ): (وأنهله).
(١٨) في (ع): (بالحاجة)، وهو خطأ.
(١٩) في (ع): (المانع من المسافة).
وهو انتقال نظر من الناسخ إلى ما بعده.
(٢٠) كلام الفراء بنصَّه في "تهذيب اللغة" للأزهري 7/ 671 (برزخ).
وهو في "معاني القرآن" للفراء 2/ 242 مع اختلاف يسير.
(٢١) في (أ)، (ع): (بما سوى).
وفي (ظ): (فاستوى).
(٢٢) ذكره بهذا اللفظ الأزهري في "تهذيب اللغة" 7/ 671.
وذكره أبو عبيد في غريب الحديث 3/ 448 بهذا اللفظ، ثم رواه من حديث أبي عبد الرحمن السلمي قال: ما رأيت أحدًا أقرأ من علي، صلينا خلفه فقرأ برزخًا فأسقط حرفًا فرجع فقرأه ثم عاد إلى مكانه.
(٢٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).
(٢٤) في جميع النسخ: (أبو عبيدة)، وهو خطأ.
(٢٥) كلام أبي عبيد في "تهذيب اللغة" للأزهري 7/ 671 (برزخ).
وهو في كتاب "غريب الحديث" لأبي عبيد 449/ 3.
(٢٦) من قوله: (وبرازخ إلى ...
إلى هنا) في "تهذيب اللغة" للأزهري 7/ 671 منسوبًا إلى أبي عبيد.
وهو في "غريب الحديث" لأبي عبيد 3/ 448 - 449.
(٢٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 52.
(٢٨) في (ظ): (والبعث).
(٢٩) ذكره عنهما بهذا اللفظ الثعلبي 3/ 64 ب.
ورواه عنهما الطبري 18/ 53 بنحوه.
(٣٠) ذكره عنه الثعلبي 3/ 64 ب.
(٣١) ذكره الثعلبي 3/ 64 ب عن السدي.
وهو في "تفسير مقاتل" 2/ 33 أ.
(٣٢) في (أ): (وعن).
(٣٣) ذكره عنه الثعلبي 3/ 64 ب.
ورواه هنّاد بن السري في "الزهد" 1/ 195، والطبري 18/ 53، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 115 ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي نعيم في الحلية.
(٣٤) ذكره الثعلبي 3/ 64 ب، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 48، والطبري 18/ 53، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 115 ونسبه أيضًا لحبد بن حميد.
(٣٥) (يعني): ساقطة من (ع).
(٣٦) في (ع): (فالكناية).
(٣٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 22.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين ﴾ يعني نزغاته ووساوسه، وقيل: يعني الحنون، واللفظ أعم من ذلك ﴿ أَن يَحْضُرُونِ ﴾ معناه أن يكونوا معه، وقيل: يعني حضورهم عند الموت ﴿ حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت ﴾ قال ابن عطية: حتى هنا حرف ابتداء: أي ليست غاية لما قبلها، وقال الزمخشري: حتى تتعلق بيصفون: أي لا يزالون كذلك حتى يأيتهم الموت ﴿ قَالَ رَبِّ ارجعون ﴾ يعني الرجوع إلى الدنيا، وخاطب به مخاطبة الجماعة للتعظيم، قال ذلك الزمخشري وغيره، ومثله قول الشاعر: ألا فارحمون يا آل محمد وقيل إنه نادى ربه ثم خاطب الملائكة ﴿ فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ قيل: يعني فيما تركت من المال، وقيل: فيما تركت من الإيمان فهو كقوله: ﴿ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمَانِهَا خَيْراً ﴾ [الأنعام: 158]، والمعنى أن الكافر رغب أن يرجع إلى الدنيا ليؤمن ويعمل صالحاً في الإيمان الذي تركه أول مرة ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع له عما طلب ﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ﴾ يعني قوله: ﴿ رَبِّ ارجعون ﴾ ﴿ لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾ فسمى هذا الكلام كلمة وفي تأويل معناه ثلاثة أقوال: أحدها أن يقول هذه الكلمة لا محالة لإفراط ندمه وحسرته فهو إخبار بقوله والثاني أن المعنى أنها كلمة يقولها ولا تنفعه ولا تغني عنه شيئاً، والثالث أن يكون المعنى أنه يقولها كاذباً فيها، ولو رجع إلى الدنيا لم يعمل صالحاً ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ ﴾ أي فيما يستقبلون من الزمان والضمير للجماعة المذكورين في قوله جاء أحدهم ﴿ بَرْزَخٌ ﴾ يعني المدة التي بين الموت والقيامة، وهي تحول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا وأصل البرزخ الحاجز بين شيئين ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ ﴾ المعنى أنه ينقطع يومئذ التعاطف والشفقة التي بين القرابة؛ لاشتغال كل أحد بنفسه كقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴾ [عبس: 34-35] فتكون الأنساب كأنها معدومة ﴿ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ أي لا يسأل بعضهم بعضاً لاشتغال كل أحد بنفسه، فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ [الطور: 25] فالجواب أن ترك التساؤل عند النفخة الأولى ثم يتساءلون بعد ذلك، فإن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف كثيرة.
<div class="verse-tafsir"
القراآت: ﴿ عالم ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وعاصم غيره حفص إلا الخزاز.
وقرأ رويس بالخفض إذا وصل وبالرفع إذا ابتدأ، الآخرون بالخفض ﴿ لعلي أعمل ﴾ بسكون الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان.
﴿ شقاوتنا ﴾ حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الباقون ﴿ شقوتنا ﴾ بكسر الشين وسكون القاف في غير ألف.
﴿ سخرياً ﴾ بضم السين وكذلك في صاد: ابو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف والمفضل والخزاز عن هبيرة.
الآخرون بكسرها ﴿ إنهم ﴾ بالكسر: حمزة وعلي والخزاز عن هبيرة.
﴿ قل كم ﴾ ﴿ قل إن لبثم ﴾ على الأمر فيهما: حمزة وعلي وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل وافق ابن كثير في الأول.
﴿ لا ترجعون ﴾ على البناء للفاعل يعقوب وحمزة وعلي وخلف.
الوقوف: ﴿ على بعض ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه ط لمن قرأ بالرفع إلى هو عالم ومن خفض لم يقف لأنه بدل أو وصف ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ ما يوعدون ﴾ ه لا لأن قوله "فلا" جواب للشرط وهو إما والنداء عارض ﴿ للظالمين ﴾ ه لا ﴿ لقادرون ﴾ ه ﴿ السيئة ﴾ ط ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه لا ﴿ يحضرون ﴾ ه ﴿ ارجعون ﴾ ه لا لتعلق لعل ﴿ كلا ﴾ ط لأنها للردع عما قبلها أي لا يرجع.
وقيل: مبتدأ بها بمعنى حقاً والأول أحسن ﴿ قائلها ﴾ ط ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ ولا يتساءلون ﴾ ه ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ كالحون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ ضالين ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ ولا تكلمون ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه ج للآية والوصل أجوز لشدة اتصال المعنى وللفاء ﴿ تضحكون ﴾ ه ﴿ صبروا ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ العادين ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ لا ترجعون ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ه لا لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي متوحداً غير مشارك ﴿ إلا هو ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ رب العرش ﴾ يصلح بدلاً من هو وخبر مبتدأ محذوف ﴿ الكريم ﴾ ط ﴿ آخر ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة ﴿ به ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ الراحمين ﴾ ه.
التفسير: لما أثبت لنفسه الإلهية بالدلائل الإلزامية في الآيات المتقدمة نفى عن نفسه الأنداد والأضداد بقوله ﴿ ما اتخذ الله من ولد ﴾ بقوله ﴿ وما كان معه من إله ﴾ وفيه ردّ على القائلين بأن الملائكة بنات الله وإبطال الأقوال اليهود والنصارى والثنوية.
ثم ذكر شبه دليل التمانع بقوله ﴿ إذاً لذهب ﴾ وهو جواب لمن معه المحاجة من أهل الشرك وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق تقديره: ولو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق لانفرد كل واحد منهم بالخلق الذي خلقه واستبد به، لأن اجتماعهم على خلق واحد لا يتصور فإن ذلك يقتضي عجز الواحد عن ذلك الخلق، وحينئذ يكون ملك كل واحد منهم متميزاً عن ملك الآخرين.
﴿ ولعلا بعضهم على بعض ﴾ أي لغلب بعضهم على بعض كما ترون حال ملوك الدنيا من تمايز الممالك ومن التغالب، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم فلذلك ختم الآية بقوله ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ إلى قوله ﴿ عما يشركون ﴾ ثم أمر نبيه بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً ﴿ قل رب إما تريني ﴾ أي إن كان لا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة ﴿ فلا تجعلني ﴾ قريباً لهم.
وقد يجوز أن يستعيذ العبد بالله مما علم أنه لا يفعله اظهاراً للعبودية واستكانة له ويؤيده تكرار رب مرتين.
وكانوا ينكرون العذاب ويسخرون منه فأكد وقوعه بقوله ﴿ وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ﴾ قيل: فيه دليل على أن القدرة تصح على المعدوم لأنه أخبر أنه قادر على تعجيل عقوبتهم ثم لم يفعل ذلك ثم أمره بالصفح عن سيئاتهم ومقابلتها بما يمكن من الإحسان حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الاستطاعة فيه كان أحسن لأنها حسنة مضاعفة بإزاء سيئة.
أو نقول: المكافأة حسنة ولكن العفو أحسن.
عن ابن عباس هي شهادة أن لا إله إلا الله والسيئة الشرك.
وعن مجاهد هي أن يسلم عليه إذا لقيه.
قيل: هي منسوخة بآية السيف والأولى أن يقال: هي محكمة لأن المداراة مستحبة مالم تؤد إلى محذور ﴿ نحن أعلم بما يصفون ﴾ مما ليس فيك من المثالب والمراد أنه أقدر على جزائهم فعليه أن يفوض أمرهم إلى الله ويدفع أذاهم بالكلام الجميل والسلام وبيان الأدلة على أحسن الوجوه.
ثم أتبع هذا التعميم ما يقويه على ذلك وهو الإستعاذة بالله من همزات الشياطين.
والهمز النخس ومنه "مهماز الرائض" وذلك أنهم يحثون الناس على المعاصي بأنواع الوساوس كما يحث الرائض الدابة على المشي بالمهماز وهي حديدة تكون في مؤخر خفه.
عن الحسن أنه كان يقول بعد استفتاح الصلاة "اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين همزه ونفخه ونفثه" فهمزه الجنون ونفثه الشعر ونفخه الكبر.
ثم أمره بالتعوّذ من أن يحضروه أصلاً كما يقال: أعوذ بالله من خصومتك بل أعوذ بالله من لقائك.
وعن ابن عباس أراد الحضور عند تلاوة القرآن.
وعن عكرمة عند النزع والأولى العموم "عن النبي وقد اشتكى إليه رجل أرقاً به فقال:إذا أردت النوم فقل أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" .
قوله ﴿ حتى إذا جاء ﴾ قيل: متعلق بقوله ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ وقيل: بـ ﴿ يصفون ﴾ اي لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت وما بينهما اعتراض وتأكيد للإعضاء عنهم مستعيناً بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم.
والمراد بمجيء الموت أماراته التي تحقق عندها الموت وصارت المعرفة ضرورية فحينئذ يسال الرجعة ولا ينافي هذا السؤال الرجعة عند معاينة النار كقوله ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ﴾ والأكثرون على أنهم الكفار.
وروى الضحاك عن ابن عباس أنها تشمل من لم يزك ولم يحج لقوله ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني ﴾ وأما وجه الجمع في قوله ﴿ ارجعون ﴾ مع وحدة المنادى فقيل: إن الجمعية راجعة إلى الفعل كأنه قال: ارجع مرات ونظيره ﴿ ألقيا في جهنم ﴾ أي ألق ألق.
وقيل ﴿ رب ﴾ للقسم والخطاب للملائكة القابضين للأرواح أي بحق الله ارجعون والأقرب أن الجمع للتعظيم كقول الشاعر: ألا فارحموني يا إله محمد *** وقوله: فإن شئت حرمت النساء سواكم *** عن النبي "إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى الدنيا فيقول: إلى دار الهموم والأحزان بل قدوماً إلى الله.
وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت" قال جار الله: أي لعلي آتي بما تركته من الإيمان وأعمل فيه صالحاً كما تقول لعلي أبني على أس تريد أؤسس أساً وأبني عليه.
وقيل: أي فيما خلفت من المال والأولى العموم فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق كأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما افسدوه ويطيعوا فيما عصوا.
قيل: كيف سألوا الرجعة وقد عملوا صحة الدين بالضرورة ومن الدين أن لا رجعة؟
والجواب بعد تسليم أنهم عرفوا كل الدين أن الإنسان قد يتمنى شيئاً مع علمه بتعذره كقول القائل "ليت الشباب يعود" والاستغاثة بحنس هذه المسألة قد تحسن.
قولهم ﴿ لعلي ﴾ ليس المراد به الشك وإنما هو كقول المقصر "مكنوني لعلي أتدارك" مع كونه جازماً بأنه سيتدارك.
ويحتمل أنهم وإن كانوا جازمين بذلك إلا أن أمر المستقبل مبني على الظن والتخمين دون اليقين فلذلك أوردوا الكلام بصورة الترجي.
ثم ردعهم بقوله ﴿ كلا ﴾ أي ليس الأمر على ما توهموه من إمكان الرجعة ﴿ إنها كلمة ﴾ والمراد بها طائفة من الكلام منتظم بعضها مع بعض وهي قوله ﴿ ارجعون لعلي أعمل صالحاً ﴾ ﴿ هو قائلها ﴾ لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة والحيرة عليه وهو قائلها وحده لإيجاب إليها ولا تسمع منه ﴿ ومن ورائهم ﴾ الضمير لكل المكلفين أي أمامهم ﴿ برزخ ﴾ حائل بينهم وبين الجنة أو النار وبين الجزاء التام ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ وذلك البرزخ هو مدة ما بين الموت إلى البعث، ولعل بعض الحجب من الأخلاق الذميمة يندفع في هذه المدة.
وقال في الكشاف: حائل بينهم وبين الرجعة ومعناه الإقناط الكلي لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة.
ثم وصف يوم البعث بقوله ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ قد مر معناه في أواخر "طه".
وقوله ﴿ فلا أنساب بينهم ﴾ ليس المراد به نفي النسب لأن ذلك ثابت بالحقيقة فإذن المراد حكمه وما يتفرع عليه من التعاطف والتراحم والتواصل، فقد يكون أحد القريبين في الجنة والآخر في النار ويكون بكل مكلف من اشتغال نفسه ما يمنعه من الالتفات إلى أحوال نسبه.
عن قتادة لا شيء أبغض إلى الإنسان من أن يرى من يعرفه مخافة أن يثبت له عليه شيء.
وأما الجمع بين قوله ﴿ ولا يتساءلون ﴾ وبين قوله ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ \[المؤمنون: 101\] فظاهر لأن هذا في صفة أهل الموقف وذاك في صفة أهل الجنة.
ولو سلم أن كليهما في وصف أهل الموقف فلن نسلم اتحاد المواطن والأزمنة وغيرها من الاعتبارات التي يقع فيها التساؤل كحقوق النسب ونحوها.
وعن النبي "ثلاثة مواطن تذهل فيها كل نفس: حين يرمي إلى كل إنسان كتابه، وعند الموازين وعلى جسر جهنم" وقد مر مثل آية الموازين في أول "الأعراف" فليرجع إلى هنالك.
وقوله ﴿ في جهنم خالدون ﴾ بدل من ﴿ خسروا أنفسهم ﴾ ولا محل له كالمبدل فإِن الصلة لا محل لها أو خبر بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف.
ومعنى خسران أنفسهم امتناع انتفاعهم بها.
وقال ابن عباس: خسروها بأن صارت منازلهم للمؤمنين.
ومعنى ﴿ تلفح ﴾ تسفع أي تضرب وتأكل لحومهم وجلودهم النار، قاله ابن عباس.
وعن الزجاج أن اللفح والنفح واحد إلا أن اللفح أشد تأثيراً والكلوح أن يتقلص الشفتان عن الأسنان كالرؤوس المشوية.
يروى أن عتبة الغلام مر في السوق برأس أخرج من التنور فغشي عليه ثلاثة أيام ولياليهن.
وعن النبي أنه قال: "تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته" .
وقال الجوهري: الكلوح تكشر في عبوس.
ثم بيّن أنه قال لهم حينئذ تقريعاً وتوبيخاً ﴿ الم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون ﴾ قالت المعتزلة: لو كان فعل التكذيب بخلق الله لم يكن لهذا التقريع وجه وعورض بالعلم والداعي.
وفسرت المعتزلة الشقاوة بسوء العاقبة التي علم الله أنهم يستحقونها لسوء أعمالهم.
وتفسرها الأشاعرة بما كتب الله عليهم في الأزل من الكفر وسائر المعاصي أن يعلموها حتى يؤل حالهم إلى النار.
ومعنى غلبة الشقاوة على هذا التفسير ظاهر.
وأما على تفسير المعتزلة فقد قال جار الله: معناه ملكتنا وأخذت منا.
وقال الجبائي: أراد طلبنا اللذات المحرمة وحرصنا على العمل القبيح ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المسبب على السبب.
وليس هذا باعتذار منهم لعلمهم بأن لا عذر لهم فيه، ولكنه اعتراف بقيام حجة الله عليهم في سوء صنيعهم.
وأجيب بأن طلب تلك اللذات لا بد أن ينتهي إلى داعية يخلقها الله فيه بدليل قوله ﴿ وكنا قوماً ضالين ﴾ اي في علم الله وسابق تقديره.
وحمله المعتزلة على الاعتراف بأنهم اختاروا الضلال قالوا: ولو كان الكفر بخلق الله لكانوا بأن يجعلوا ذلك عذراً لهم أولى.
وأجيب بأن فحوى الكلام يؤل إلى هذا كما قررنا.
عن ابن عباس: أن لهم ست دعوات إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة ﴿ ربنا أبصرنا وسمعنا ﴾ فيجابون ﴿ حق القول مني ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أمتنا اثنتين ﴾ فيجابون ﴿ ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم ﴾ فينادون ألفاً ﴿ يا مالك ليقض علينا ربك ﴾ فيجابون ﴿ إنكم ماكثون ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أخرنا إلى أجل قريب ﴾ فيجابون ﴿ أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ﴾ فينادون الفاً ﴿ ربنا أخرجنا نعمل صالحاً ﴾ فيجابون ﴿ أولم نعمركم ﴾ فينادون ألفاً ﴿ ربنا أخرجنا منها ﴾ \[المؤمنون: 6\] فيجابون ﴿ اخسئوا فيها ﴾ \[المؤمنون: 108\] وهو آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير والعواء كعواء الكلاب أي لا يفهمون ولا يفهمون ولهذا قال جار الله ﴿ ولا تكلمون ﴾ أي في رفع العذاب وليس نهياً عن الكلام فإِنها ليست بدار تكليف ولكنه تنبيه على أن العذاب لا يرفع ولا يخفف.
ومعنى ﴿ اخسؤاً ﴾ انزجروا صاغرين كما تنزجر الكلاب إذا طردت.
يقال: خسأ الكلب وخسأ نفسه يتعدى ولا يتعدى وهو المراد في الآية.
ثم عدد عليهم بعض قبائحهم في الدنيا بقوله ﴿ إنه كان فريق من عبادي ﴾ هم الصحابة.
وقيل: أهل الصفة خاصة.
عن الخليل وسيبويه أن السخري بالضم والكسر مصدر سخر إلا أن في ياء النسب زيادة تأكيد.
وعن الكسائي والفراء أن المكسور من الهزء والمضموم من التسخير والاستعباد والمعنى اتخذتموهم هزؤاً وتشاغلتم بهم ساخرين ﴿ حتى أنسوكم ﴾ بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ﴿ ذكرى ﴾ فلم تذكروني حتى تخافوني.
ثم ذكر من حال المؤمنين ما أوجب الحسرة والندامة للساخرين.
فمن قرأ ﴿ إنهم ﴾ بالكسر على الاستئناف فمعناه ظاهر أي قد فازوا حيث صبروا، ومن قرأ بالفتح فعلى أنه مفعول جزيتهم أي جزيتهم فوزهم.
ومن قرأ ﴿ قال ﴾ فالضمير لله أو لمن أمر بسؤالهم من الملائكة، ومن قرأ ﴿ قل ﴾ فالخطاب للملك أو لبعض رؤساء أهل النار.
والغرض من هذا السؤال التوبيخ والتبكيت فقد كانوا لا يعدّون اللبث إلا في الدنيا ويظنون أن الفناء يدوم بعد الموت ولا إعادة، فلما حصلوا في النار وأيقنوا أنهم فيها خالدون سئلوا ﴿ كم لبثتم ﴾ تنبيهاً لهم على أن ما ظنوه دائماً طويلاً فهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه إذ لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي ولا سيما إذا كان الأول ايام سرور والثاني ايام غم وخزن.
واختلفوا في الأرض فقيل: وجه الأرض حين ما كانوا أحياء فإنهم زعموا أن لا حياة سواها، فلما أحياهم الله وعذبوا في النار سئلوا عن ذلك توبيخاً.
وقال آخرون: المراد جوف الأرض وهو القبر لظاهر لفظة "في" ولقوله ﴿ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ﴾ وقوله ﴿ عدد سنين ﴾ بدل من مميزكم.
وقيل: احتج بعض من أنكر عذاب القبر بأن قوله ﴿ في الأرض ﴾ يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض.
فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة مكثهم في الأرض طويلة فما كانوا يقولون ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ واجيب بأن الجواب لا بد أن يكون على حسب السؤال وإنما سئلوا عن موت لا حياة بعده إلا في الآخرة وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر.
ويحتمل أن يكونوا سئلوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه فلا يدخل في ذلك تقدم موت بعضهم على البعض، فصح أن يكون جوابهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ عند أنفسنا.
وليس هذا من قبيل الكذب إذ لعلهم نسوا ذلك لكثرة ما هم فيه من الأهوال فقالوا: إلا نعرف من عدد السنين إلا أنا نستقله ونحسبه يوماً أو بعض يوم.
وقد اعترفوا بهذا النسيان حيث قالوا ﴿ فاسأل العادّين ﴾ اي ليس من شأننا أن نعدّها لما نحن فيه من العذاب فاسأل من يقدر أن يلقى إليه فكره، أو اسأل الملائكة الذي يعدّون أعمار العباد ويحصون أعمالهم.
وعن ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين.
وقيل: أرادوا بقولهم ﴿ لبثنا يوماً أبو بعض يوم ﴾ تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة غلى ما وقعوا فيه وعرفوه من داوم العذاب.
وقد صدّقهم الله في ذلك حيث قال ﴿ إن لبثتم غلا قليلاً ﴾ ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها بقوله ﴿ لو أنكم كنتم تعلمون ﴾ أي لو علمتم البعث والحشر لما كنتم تعدونه طويلاً.
ثم زاد في التوبيخ بقوله ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ أي عابثين أو لأجل العبث وهو الفعل الذي لا غاية له صحيحة.
وجوّزوا أن يكون قوله ﴿ وأنكم إلينا لاترجعون ﴾ معطوفاً على ﴿ عبثاً ﴾ أي للعبث ولترككم غير مرجوعين وفيه دلالة على وجوب وقوع القيامة فلولاها لم يتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسيء.
ثم نزه ذاته عن كل عيب وعبث قائلاً ﴿ فتعالى ﴾ الآية ووصف العرش بالكريم لنزول الرحمة أو الخير منه أو باعتبار من استوى عليه كما يقال "بيت كريم" إذا كان ساكنوه كراماً.
وقرئ ﴿ الكريم ﴾ بالرفع وهو ظاهر.
ثم زيف طريقة المقلدة من أهل الشرك وقوله لا برهان له به كقوله ﴿ ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ وهو صفة جيء بها للتأكيد لا أن بعض الآلهة قد يقوم على وجوده برهان.
وجوّز جار الله أن يكون اعتراضاً بين الشرط والجزاء كقول القائل: من أحسن إلى زيداً لا أحق بالإحسان إليه منه فالله مثيبه.
ومعنى ﴿ حسابه عند ربه ﴾ أنه بلغ عقابه إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلا الله.
وقرئ ﴿ أنه لا يفلح ﴾ بفتح الهمزة أي حسابه عدم فلاحه فوضع ﴿ الكافرون ﴾ موضع الضمير.
جعل فاتحة السورة ﴿ قد افلح المؤمنون ﴾ وأورد في خواتيهما ﴿ إنه لا يفلح الكافرون ﴾ فشتان ما بين الفريقين.
وحين أثنى على المؤمنين في أثناء الكلام بأنهم يقولون ﴿ ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين ﴾ نبه في آخر السورة على أنه قول ينبغي أن يواظب المكلف عليه ففيه الانقطاع إلى الله والإعراض عمن سواه والله المستعان.
التأويل: ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ فيه أن نفخة العناية الأزلية إذا نفخت في صور القلب قامت القيامة وانقطعت الأسباب فلا يلتفت إلى أحد من الأنساب، لا إلى أهل ولا إلى ولد لاشتغاله في طلب الحق واستغراقه في بحر المحبة، فلا يقع بينهم التساؤل عما تركوا من أسباب الدنيا ولا عن أحوال أهاليهم وأخدانهم وأوطانهم إذا فارقوها ﴿ لكل امريء منهم يومئذ ﴾ في طلب الحق ﴿ شأن يغنيه ﴾ عن طلب الغير ﴿ فأولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ لأنهم إذا خفت موازينهم عن طلب الحق وانقطع عليه الطريق بنوع من التعليقات ورجع القهقرى بطل استعداده في الطلب، فإن الإنسان كالبيضة المستعدة لقبول تصرف دجاجة الولاية فيه وخروج الفرخ فيها، فما لم تتصرف فيها الدجاجة يكون استعداده باقياً، فإذا تصرفت الدجاجة فيها وانقطع تصرفها عنها بإفساد البيضة فلا ينفعها التصرف بعد ذلك لفساد الاستعداد ولهذا قالت المشايخ: مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة.
ولهذا قال ﴿ في جهنم خالدون ﴾ وأجيبوا بقوله ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ لأنه ليس من سنتنا إصلاح الاستعداد بعد إفساده ﴿ إنه كان فريق من عبادي ﴾ هم العلماء بالله النصحاء لأجله ﴿ فاتخذتموهم سخرياً ﴾ فضربتم أنفسكم على سيوف هممهم العلية ﴿ حتى أنسوكم ﴾ بهممهم وبيد الرد ﴿ ذكرى وكنتم منهم تضحكون ﴾ لأن قلوبكم قد ماتت وكثرة الضحك تميت القلب ﴿ جزيتهم اليوم بما صبروا ﴾ فيه أن أهل السعادة كما ينتفعون بمعاملاتهم الصالحة مع الله ينتفعون بإنكار منكريهم، ومثله حال أهل الشقاء في الجانب الآخر وهو الاستضرار ﴿ لا برهان له به ﴾ أي لا يظهر عليه برهان العبادة وهو النور والضياء والبهاء والصفاء وإن تقرب إلى ذلك الذي عبده من دون الله بأنواع القربات.
قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ .
ظاهر هذا أن يكون قوله: ﴿ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ بعد الموت، وبعد ما عاين أهوال الآخرة وأفزاعها؛ لأن الموت ليس هو شيء يأتي من مكان إلى مكان؛ إنما هو شيء يذهب بالحياة التي فيهم، إلا أن أهل التأويل قالوا: إن ذلك عند معاينتهم ملك الموت، وعند هجومه عليهم بأهواله؛ فعند ذلك يسألون الرجعة إلى الدنيا، والأول أشبه وأقرب.
ثم قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ ﴾ : ليس هو صلة قوله: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ﴾ ، ولا جوابه؛ لأنه ليس من نوعه، ولا من جنس ذلك، ولكنه - والله أعلم - صلة قوله: ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ ، وجواب قوله: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ ، ونحوه الذي تقدم ذكره، يقول: وإنهم على ذلك ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ ﴾ ، فعند ذلك يرجع إلى الحق والتصديق، لكن ذلك لا ينفعه في ذلك الوقت ﴿ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ ، ولم يقل: ربّ ارجعني، وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: سأل على ما يسأل الملوك ويخاطبون: افعلوا كذا، على الجماعة، وإن كان إنما يخاطب واحدا؛ على ما خرج جواب الله وقوله: إنا فعلنا كذا، ونفعل كذا.
والثاني: أن يكون قوله: ﴿ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ : يسأل ربه أن يأمر الملائكة الذين يتولون قبض أرواحهم أن يرجعوه إلى ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ ، أي: فيما كذبت.
وقال بعضهم: ﴿ فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ : في الدنيا من الأعمال الصّالحة فأعمل بها.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ : من الأموال فأؤدي منه حقك؛ لأن من الكفرة ما كان سبب كفرهم منع الزكاة وجحودها؛ كقوله: ﴿ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ فيسأل ربه أن يرجع إلى المال الذي تركه؛ ليؤدّي الحق الذي كان فيه فمنعه، كقوله: ﴿ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأَصَّدَّقَ ﴾ ، أي: فأتصدق بالصدقة التي منعتها؛ لأن الخطاب في الصدقة بقوله: ﴿ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم...
﴾ الآية [البقرة: 254]، وهذا أشبه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، هو ردّ لما سألوا من الرجعة.
[و] قوله: ﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ ﴾ : هو قول الله: ﴿ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً...
﴾ الآية [المنافقون: 11]، ﴿ قَآئِلُهَا ﴾ : يعني الكافر عند معاينة العذاب، وهو قوله: ﴿ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ .
ثم قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ على هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه لا حقيقة لسؤاله الذي يسأله من الرجعة ليعمل العمل الصالح، أي: أنه وإن ردّ ورجع لا يعمل؛ كقوله - -: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ .
والثاني: أن لا منفعة لهم في سؤالهم الرجعة؛ إذ لو رجعوا لا يصلون إلى ما يأملون؛ لأنهم إنما يسألون ليؤمنوا، والإيمان سبيله الاستدلال، فإذا لم يستدلوا به وقت أمنهم وفسحتهم؛ فكيف يقدرون على الاستدلال في وقت خوفهم؟!
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ .
قال بعضهم: وراءهم، أي: أمامهم.
قال أبو معاذ: مشتقة من تواريت عنك، فكل ما توارى عنك أمامك كان أو وراءك فهو وراءك.
وقال بعضهم: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ ﴾ : على حقيقة الوراء.
﴿ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ، قال بعضهم: البرزخ: هو ما بين شيئين.
وقال بعضهم: البرزخ: هو الأجل بين الموت والبعث، وهو قول الكلبي وقتادة.
وقال مجاهد: البرزخ: هو حاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا.
وقال القتبي: وأبو عبيدة: البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة، وقالا: كل شيء بين شيئين فهو برزخ.
وقال أبو عوسجة: البرزخ: ما بين الحدين، يعني: الدنيا والآخرة، والأرض المستوية، وأصل البرزخ: الحاجز بينه كقوله: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً ﴾ ، أي: حاجزاً، وتأويله، أي: صاروا إلى الوقت الذي يحجزهم عما يتمنون ويشتهون، وهو كقوله: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ ، وإنما يشتهون ويتمنون الإيمان والأعمال الصالحة.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ ﴾ ، أي: من ورائهم أحوالهم [أي: الحال التي طلبوا] الإيمان فيه أحوال لا يمكن فيها الإيمان وما تمنوا من العمل الصالح، والله أعلم.
وفيه نقض قول الباطنية؛ لأنهم يقولون: البرزخ هو أن يجعل للمؤمن من الأعمال الصالحة صورة روحانية تبقى أبداً تثاب تلك الصورة الروحانية من الأعمال، وأن يجعل من الأعمال السيئة للكافر صورة قبيحة روحانية هي تعاقب وتعذب أبداً، فذلك البعث عندهم، فأخبر - عز وجل - أن بين موتهم وبين البعث: البرزخ، وهو الأجل الذي ذكرنا، أو الحاجز؛ فدل ذلك على نقض قولهم: أن ليس البعث إلا خروج الصورة دون المعاينة.
وقوله: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ .
إن كان قوله: ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ في الناس كلهم؛ فذلك في اختلاف المواطن، على ما قال ابن عباس وغيره من أهل التأويل، واختلاف الأوقات: لا يتساءلون في موطن أو في وقت، ويتساءلون في وقت آخر؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ ، ونحوه.
وإن كانت الآية في [أهل] الكفر خاصّة فهو يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ ؛ لأنه كان يتناصر بعضهم ببعض على غيرهم، ويستعين بعضهم بعضا، ويكونون ردءاً لهم في هذه الدنيا وشفعاء وأعواناً وأنصاراً، فأخبر أن ذلك ينقطع بينهم ويذهب ذلك التناصر عنهم في الآخرة، والعرب خاصّة كان يتفاخر بعضهم على بعض بالأنساب ويتناصر؛ فأخبر أن ذلك منقطع عنهم في الآخرة.
والثاني: ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ ﴾ وما ذكر ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ ؛ لشغلهم بأنفسهم؛ لفزع ذلك اليوم وأهواله ينسى بعضهم بعضا ويهرب منه، كقوله: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ...
﴾ الآية [إبراهيم: 43]، وقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ...
﴾ الآية [ عبس: 34]، وقال في آية أخرى: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ...
﴾ الآية [الحج: 2]، فذلك كله؛ لشدة أهوال ذلك اليوم وأفزاعه كأن لكل في نفسه شغلا حتى لا يتفرغ إلى أحد وإن قرب عنه لشغلهم بأنفسهم.
وإن كان في الناس جميعاً فهو ما ذكرنا أن ذلك يكون في اختلاف المواطن والأوقات: يسألون في وقت ولا يسألون في وقت، ويسألون في موطن ولا يسألون في موضع، أو يسألون عن شيء ولا يسألون عن آخر، وروي [في] الخبر عن رسول الله أنه قال: "كلُّ نَسَبٍ كانَ فهو منقطعٌ إلا نسبي" أو كلام نحو هذا، ثم يحتمل قوله: "إلا نسبي" وجهين: أحدهما: الشفاعة له في أنسابه، لا يكون ذلك لغيره في نسبه؛ فإذا أراد هذا فهو على حقيقة نسبه.
والثاني: أراد بقوله: "إلا نسبي": المعين له في دينه؛ لأن كل من اتبعه فقد انتسب إليه؛ فكأنه قال: إن كل [ذي] شفاعة دوني فهو منقطع إلا شفاعتي، فيمن اتبعني وانتسب إلي بقبوله ديني.
وقوله: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .
جائز أن يكون قوله: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ ، أي: من عظم قدره ومنزلته عند الله بالأعمال التي عملوها من الصالحات والحسنات فهو من المفلحين، ومن خفت منزلته وقدره عند الله بالأعمال الخبيثة السيئة فهو من الذين خسروا أنفسهم، والله أعلم.
وقد ذكرنا أقاويل أهل التأويل في الموازين فيما تقدم.
وقوله: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ .
قال بعضهم: لفحتهم النار لفحة؛ فلم تدع لحماً على عظم إلا ألقته.
﴿ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ ، قال بعضهم: عابسون.
وقال بعضهم: تلفح، أي: تنفح.
وقال بعضهم: تلفح: تشوي وتحرق، وذلك عادة النار أنها تعمل كل هذا العمل.
وقال أبو عوسجة: تلفح، أي تضرب، واللفح: الضرب، يقال: لفحته النار، أي: ضربته؛ فأحرقت وجهه، تلفح لفحاً فهي لافحة.
والكالح: العابس.
وقوله: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ .
كذلك كانوا يكذبون، وقد ذكرناه في غير موضع.
وقوله: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾ .
أما ما قال أهل التأويل: غلبت علينا من الشقاوة فإنه لا يحتمل؛ لأنهم يقولون ذلك القول؛ اعتذاراً لما كان منهم من التفريط في أمره والتضييع؛ فلا يحتمل أن يطلبوا لأنفسهم عذراً فيما كان منهم؛ إذ لو كان ما ذكر أولئك لكان في ذلك طلب العذر لأنفسهم، وهم في ذلك الوقت لا يطلبون عذراً لأنفسهم؛ ولكن يقرون بما كان منهم؛ كقوله: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ ﴾ ، لكن يحتمل وجهين: أحدهما: يقولون: ربنا شقينا بأعمالنا التي عملناها، وظلمنا أنفسنا، وكنا قوماً ضالين.
والثاني: عملنا أعمالا استوجبنا بتلك الأعمال جزاء؛ فنحن أولى بذلك الجزاء، فغلب علينا جزاء تلك الأعمال، أو كلام نحو هذا.
وأما ما قاله أولئك من أهل التأويل: ﴿ غَلَبَتْ ﴾ ، أي: كتبت فهو بعيد؛ لأنه إنما يكتب ما يفعل العبد وما يعلم أنه يختاره لا يكتب غير الذي علم أنه يفعله ويختاره، والله أعلم.
قوله: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ : ظلم عيان، وظلم ظاهر، وإلا قد كانوا أقرّوا بالظلم بقولهم: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ ﴾ : قد أقروا بالظلم، لكنهم أقروا بظلم خبر وظلم سماع، لا ظلم عيان؛ فقالوا: ﴿ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ : ظلم عيان، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ ٱخْسَئُواْ ﴾ ، أي: اسكتوا.
وقال بعضهم: ﴿ ٱخْسَئُواْ ﴾ ، أي: ابعدوا فيها.
قال أبو عوسجة: يقال: خسأت فلانا، وأخسأت، أي: باعدته؛ فخسأ، أي: تباعد.
وقوله: ﴿ وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ .
يحتمل الوجهين: أحدهما: جائز أن يكون هذا السؤال منهم في أوّل ما أدخلوا، فقال لهم: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ فإنكم ماكثون، أو أن يكون هذا السؤال منهم بعد ما سألوا الملك الموت مرة بقوله: ﴿ وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ...
﴾ الآية [الزخرف: 77].
وسألوا مرة تخفيف العذاب بقوله: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ ، فلما أيسوا منه فعند ذلك يسألون ربهم إخراجهم والإعادة إلى المحنة؛ فقال: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا ﴾ ، أي: ابعدوا فيها ولا تكلمون، أي: يصيرون بحال لا يقدرون على الكلام؛ لشدة العذاب؛ فعند ذلك يكون منهم الشهيق والزفير.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ * فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴾ .
يخبر - عز وجل - أولئك الكفرة الذين يسألون الإخراج من النار أنكم قد اتخذتم فريقاً من عبادي آمنوا سخريا، وكنتم منهم تضحكون؛ يذكر هذا لهم - والله أعلم - ليكون ذلك حسرة ونكاية.
وقوله: ﴿ سِخْرِيّاً ﴾ اختلف في قراءته: [فقرئ] بكسر السين فهو من الاستهزاء والهزء.
وقال الكسائي: بالرفع والكسر جميعاً، من الاستهزاء، ولا يقال في العبودة إلا برفع السين، وقال بعضهم: هما سواء.
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي ﴾ ، قال بعضهم: حتى أنساكم الهزء بهم عن العمل بطاعتي.
وقيل: أضاف الإنساء إلى الذكر؛ لأنهم كانوا [عندما] يذكرهم ويدعوهم إلى ذكر الله يهزءون به؛ فأضاف إليه ذلك؛ فكان كإضافة الرجس إلى السورة؛ لأن ذلك إنما يزداد لهم عند تلاوة السورة؛ فأضيف ذلك إلى السورة، وإلا كانت السورة لا تزيد رجساً؛ فعلى ذلك أضاف الإنساء إلى ذكره؛ لما عند ذكره ودعائهم إليه يحملهم إلى ذلك، والله أعلم، فأضيف إليه.
وقوله: ﴿ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ ﴾ .
أي: إني جزيتهم اليوم الفوز بما صبروا في الدنيا على أذى أولئك الكفرة، أو على أداء ما أمروا به ونهوا عنه.
أو أن يكون ذلك كقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ، ونصره إياهم هو أن صارت لهم عاقبة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ .
اختلف فيه: قال مقاتل بن سليمان: في القبور.
وقال أبو معاذ: أخطأ مقاتل، وذلك قول من ينكر عذاب القبر، وهو قول الجهمية؛ لأن من كان في عذاب وشدة لا يقتصر المقام فيه كل هذا الاقتصار، حتى يقول: لبثت يوماً أو بعض يوم؛ بل يزداد له مقام يوم في العذاب على سنة أو أكثر، قال: إلا أن يكون عَنِيَ ما بين النفختين حين تؤخذ الأرواح فترقد، فإذا بعثوا استقلوا رقدة ذلك المقدار؛ بما كانوا قاسوا قبل الرقدة من العذاب في القبور، إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل.
وجائز عندنا ما قال مقاتل ومحمد بن إسحاق: بأن ذلك يكون في القبر، وذلك لا يدل على نفي عذاب القبر؛ لأنهم لا يعذبون في القبور بالعذاب الذي يعذبون في الآخرة؛ فجائز أن يستقلوا عذاب القبر بعذاب الآخرة، ويستقصرون ذلك الوقت بعذاب الآخرة لشدته وأهواله، وذلك جائز في متعارف الخلق أن يكون الرجل في بلاء وشدة، ثم يزداد له البلاء والشدة؛ فيستقل ذلك البلاء الذي كان به لشدة ما حلّ به؛ فعلى ذلك هم: جائز أن يكونوا في عذاب في قبورهم، لكنهم إذا عاينوا عذاب الآخرة استقلوا عذاب القبر واستقصروه؛ لشدة عذاب الآخرة.
أو أن يكون عذاب القبر: على النفس الروحاني الدراك الذي يخرج في حال النوم ليس على روح الحياة، [مثل] النائم يرى نفسه في بلاء وعذاب في نومه، ويكون في أفزاع، وكانت نفسه ملقاة في مكان لا علم لها بذلك ولا خبر، وبها آثار الأحياء، فجائز أن يكون عذاب القبر على هذا السبيل على الروح التي بها يدرك الأشياء، لا على روح الحياة التي بها يحيا.
وقال قائلون: ذلك في الدنيا: استقلوا حياة الدنيا لحياة الآخرة، وهو كقوله: ﴿ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ ؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ ﴾ : هذا يدل على أن ذلك في الحياة الدنيا أشبه؛ حيث أمر أن يسأل الذين يعدون، وذلك إنما يكون في الدنيا لا في الآخرة.
ثم اختلف في العادين: قال بعضهم: هم الملائكة الذين يكتبون أعمالهم في هذه الدنيا ويرقبونهم.
وقال بعضهم: هم ملك الموت وأعوانه.
وقوله: ﴿ قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .
أي: ما لبثتم إلا قليلا لو كنتم تعلمون، ولكن لا تعلمون.
قال القتبي: ﴿ سِخْرِيّاً ﴾ بكسر السين، أي: يسخرون منهم، و (سُخْرِيّاً): بضمّها، أي: يتسخرونهم من السخرية عبثاً.
[و] قوله: ﴿ حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي ﴾ ، أي: شغلكم أمرهم عن ذكري، والوجه فيه ما ذكرنا فيما تقدم.
وقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾ .
قوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ ﴾ : قد حسبتم أنما خلقناكم عبثاً.
والثاني: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ ﴾ ، أي: لا تحسبوا أنا إنما خلقناكم عبثاً.
﴿ وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ .
صير خلقه الخلق لا للرجوع والبعث عبثاً؛ لوجهين: أحدهما: لأن خلقه إياهم لا لعاقبة تتأمل أو لمنافع تقصد؛ للهلاك خاصة وللفناء - عبث؛ كبناء المباني لا لمنفعة تقصد به، ولكن للنقض يكون عبثاً في الشاهد، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً ﴾ : سفهها في غزلها للنقض خاصة لا لمنفعة قصدت به، ونهانا أن نفعل مثل فعلها؛ فلو لم يكن المقصود من خلق الخلق إلا الموت والفناء خاصة، لا لعاقبة تقصد - كان سفهاً وعبثاً.
والثاني: ما أخبر أنه إنما أنشأ هذا العالم غير البشر لهذا البشر، وله سخر ذلك كله؛ حيث قال: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ ؛ إذ ليس لغير البشر منفعة بهذه النعم التي أنشأها لهم، من نحو الجن والملائكة ونحوهم؛ إذ لهم قوام بدون ذلك: من الشمس، والقمر، ونحوه من النعم؛ إنما ذلك للبشر خاصّة، فإذا كان كذلك - لا يحتمل أن يجعل لهم كل هذه النعم التي ذكرها وأنشأها لهم، ثم لا يمتحنهم بالشكر على ذلك ولا يأمرهم بأوامر ولا ينهاهم بمناهٍ؛ فدل ما أنشأ لهم من النعم وسخر لهم من الأشياء أنهم يبعثون ويرجعون إليه؛ حتى يجزون جميعاً: المحسن جزاء [الإحسان والمسيء جزاء] الإساءة؛ إذ في العقول التفرقة بين الولي والعدو، وبين المحسن والمسيء وبين الشاكر والكافر، ثم رأيناهم جميعاً في هذه الدنيا عاشوا على سواء في الضيق والسعة، لم نر ما يفصل بين الولي والعدوّ، وبين المحسن والمسيء، وبين الشاكر والكافر؛ فدل ما لم يكن من التفرقة ما ذكرنا في هذه الدنيا على أن هنالك داراً أخرى دار الجزاء، هناك يفصل بين ما ذكرنا في الجزاء، والله الموفق.
﴿ لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ : لا تبعثون.
وقيل: لا ترجعون إليه بالأعمال التي عملتموها، كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ﴾ .
أي: يتعالى الله عن أن يكون خلق الخلق منه عبثاً، أو يتعالى أن يكون خلق الخلق لا لحكمة.
﴿ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ﴾ .
قال الحسن: الحق: اسم من أسماء الله، أو الملك الذي خلق الخلق للحكمة.
﴿ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ : تنزيه وتبرئة عن جميع ما قالوا فيه.
وقوله: ﴿ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ ﴾ يشبه أن يكون على الأوّل: يتعالى الملك الحق وربّ الملك الكريم عن أن يخلقهم لا للحكمة أو للبعث.
وقالت الباطنية: العرش: القيامة.
ونحن [نقول:] يشبه أن يكون العرش القيامة، على ما قالوا هم، إلا أنهم يقولون: هو قائم الزمان، وقلنا نحن: هي القيامة المعروفة وهي الساعة، ربّ القيامة وهي الملك الذي ذكرنا؛ كقوله: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ : خص ذلك اليوم بالملك له، وإن كان الملك له في الدارين جميعاً؛ لما لا يتنازع في ملكه يومئذ، [و] قد نوزع في الدنيا، فخلص له ملك ذلك اليوم وصفا له يومئذٍ.
وقال بعض أهل التأويل: العرش: السرير، أضافه إلى نفسه؛ لمنزلته عند الله، والكريم: هو نعت ذلك السرير، أي: الحسن؛ كقولهم: (رجل كريم)، أي: حسن، وهكذا يوصف كل كريم بالحسن.
وقال بعضهم: هو نعت الرب، أي: ذو عفو وصفح، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
لعلّي أعمل عملًا صالحًا إذا رجعت إليها، كلا، ليس الأمر كما طلبت، إنها مجرد كلمة هو قائلها، فلو رُدَّ إلى الحياة الدنيا لما وفى بما وعد به، وسيبقى هؤلاء المتوفّون في حاجز بين الدنيا والآخرة إلى يوم البعث والنشور، فلا يرجعون منه إلى الدنيا ليستدركوا ما فاتهم، ويصلحوا ما أفسدوه.
<div class="verse-tafsir" id="91.R16d2"