الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٧٦ من سورة المؤمنون
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 46 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٦ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( ولقد أخذناهم بالعذاب ) أي : ابتليناهم بالمصائب والشدائد ، ( فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ) أي : فما ردهم ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة ، بل استمروا على ضلالهم وغيهم .
( فما استكانوا ) أي : ما خشعوا ، ( وما يتضرعون ) أي : ما دعوا ، كما قال تعالى : ( فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ) [ الأنعام : 43 ] .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا محمد بن حمزة المروزي ، حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أبي ، عن يزيد يعني : النحوي عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أنه قال : جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، أنشدك الله والرحم ، فقد أكلنا العلهز يعني : الوبر والدم فأنزل الله : ( ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ) وهكذا رواه النسائي عن محمد بن عقيل ، عن علي بن الحسين ، عن أبيه ، به .
وأصل هذا الحديث في الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش حين استعصوا فقال : " اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف " .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا سلمة بن شبيب ، حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان ، عن وهب بن عمر بن كيسان قال : حبس وهب بن منبه ، فقال له رجل من الأبناء : ألا أنشدك بيتا من شعر يا أبا عبد الله؟
فقال وهب : نحن في طرف من عذاب الله ، والله تعالى يقول : ( ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ) قال : وصام وهب ثلاثا متواصلة ، فقيل له : ما هذا الصوم يا أبا عبد الله؟
قال : أحدث لنا فأحدثنا .
يعني : أحدث لنا الحبس ، فأحدثنا زيادة عبادة .
يقول تعالى ذكره: ولقد أخذنا هؤلاء المشركين بعذابنا، وأنـزلنا بهم بأسنا، وسخطنا وضيقنا عليهم معايشهم، وأجدبنا بلادهم، وقتلنا سراتهم بالسيف.( فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ ) يقول: فما خضعوا لربهم فينقادوا لأمره ونهيه، وينيبوا إلى طاعته ( وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ) يقول: وما يتذللون له.
وذُكر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذ الله قريشا بسني الجدب، إذ دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذكر الخبر في ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تميلة، عن الحسن، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جاء أبو سفيان إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا محمد، أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز!
يعني الوبر والدم، فأنـزل الله: ( ولقد أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ابن أثال الحنفي، لما أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو أسير، فخلى سبيله، فلحق بمكة، فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة، حتى أكلت قريش العِلْهِز، فجاء أبو سفيان إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فقال: أليس تزعم بأنك بُعثت رحمة للعالمين؟
فقال: " بلى!" فقال: قد قتلتَ الآباء بالسيف والأبناء بالجوع !
فأنـزل الله: ( وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ...
) الآية.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: أخبرنا عمرو، قال: قال الحسن: إذا أصاب الناس من قِبَل الشيطان بلاء، فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية: ( وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ).
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: ( وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ ) قال: الجوع والجدب.( فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ) فَصَبَرُوا(وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ).
قوله تعالى : ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعونقوله تعالى : ولقد أخذناهم بالعذاب قال الضحاك : بالجوع .
وقيل : بالأمراض والحاجة والجوع .
وقيل : بالقتل والجوع .
فما استكانوا لربهم أي ما خضعوا .
وما يتضرعون أي ما يخشعون لله - عز وجل - في الشدائد تصيبهم .
قال ابن عباس : نزلت في قصة ثمامة بن أثال لما أسرته السرية ، وأسلم وخلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبيله ، حال بين مكة وبين الميرة وقال : والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وأخذ الله قريشا بالقحط والجوع حتى أكلوا الميتة والكلاب والعلهز ؛ قيل وما العلهز ؟
قال : كانوا يأخذون الصوف والوبر فيبلونه بالدم ثم يشوونه ويأكلونه .
فقال له أبو سفيان : أنشدك الله والرحم !
أليس تزعم أن الله بعثك رحمة للعالمين ؟
قال : بلى .
قال : فوالله ما أراك إلا قتلت الآباء بالسيف ، وقتلت الأبناء بالجوع ؛ فنزل قوله : ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون .
{ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ } قال المفسرون: المراد بذلك: الجوع الذي أصابهم سبع سنين، وأن الله ابتلاهم بذلك، ليرجعوا إليه بالذل والاستسلام، فلم ينجع فيهم، ولا نجح منهم أحد، { فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ } أي: خضعوا وذلوا { وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } إليه ويفتقرون، بل مر عليهم ذلك ثم زال، كأنه لم يصبهم، لم يزالوا في غيهم وكفرهم، ولكن وراءهم العذاب الذي لا يرد
( ولقد أخذناهم بالعذاب ) وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قريش أن يجعل عليهم سنين كسني يوسف ، فأصابهم القحط ، فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال أنشدك الله والرحم ، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟
فقال : بلى ، فقال : قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع ، فادع الله أن يكشف عنا هذا القحط ، فدعا فكشف عنهم ، فأنزل الله هذه الآية ( فما استكانوا لربهم ) أي : ما خضعوا وما ذلوا لربهم ، وأصله طلب السكون ، ( وما يتضرعون ) أي : لم يتضرعوا إلى ربهم بل مضوا على تمردهم .
«ولقد أخذناهم بالعذاب» الجوع «فما استكانوا» تواضعوا «لربهم وما يتضرعون» يرغبون إلى الله بالدعاء.
ولقد ابتليناهم بصنوف المصائب فما خضعوا لربهم، وما دعوه خاشعين عند نزولها.
وقوله - سبحانه - : ( وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بالعذاب فَمَا استكانوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ) مؤكد لما قبله من وصف هؤلاء المشركين بالجحود والعناد .والمراد بالعذاب هنا : العذاب الدنيوى كالجوع والقحط والمصائب .والاستكانة : الانتقال من كون إلى كون ومن حال إلى حال .
ثم غلب استعمال هذه الكلمة فى الانتقال من حال التكبر والغرور إلى حال التذلل والخضوع .أى : ولقد أخذنا هؤلاء الطغاة ، بالعذاب الشديد ، كالفقر ، والمصائب والأمراض فما خضعوا لربهم - عز وجل - وما انقادوا له وأطاعوه ، وما تضرعوا إليه - سبحانه - بالدعاء الخالص لوجهه الكريم ، لكى يكشف عنهم - عز وجل - ما نزل بهم من ضر .
اختلفوا في قوله: ﴿ وَلَقَدْ أخذناهم بالعذاب ﴾ على وجوه: أحدها: أنه لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة منع الميرة عن أهل مكة فأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا الجلود والجيف، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ألست تزعم أنك بعثت رحمة العالمين، ثم قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فادع الله يكشف عنا هذا القحط.
فدعا فكشف عنهم فأنزل الله هذه الآية، والمعنى أخذناهم بالجوع فما أطاعوا.
وثانيها: هو الذي نالهم يوم بدر من القتل والأسر، يعني أن ذلك مع شدته ما دعاهم إلى الإيمان عن الأصم.
وثالثها: المراد من عذب من الأمم الخوالي ﴿ فَمَا استكانوا ﴾ أي مشركي العرب لربهم عن الحسن.
ورابعها: أن شدة الدنيا أقرب إلى المكلف من شدة الآخرة، فإذا لم تؤثر فيهم شدة الدنيا فشدة الآخرة كذلك، وهذا يدل على أنهم ﴿ لَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ .
أما قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: حتى إذا فتحنا عليهم باب الجوع الذي هو أشد من القتل والأسر والثاني: إذا عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُبْلِسُ المجرمون ﴾ ، ﴿ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ والإبلاس اليأس من كل خير، وقيل السكون مع التحسير.
وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: ما وزن استكان؟
الجواب: استفعل من السكون أي انتقل من كون إلى كون، كما قيل استحال إذا انتقل من حال إلى حال، ويجوز أن يكون افتعل من السكون أشبعت فتحة عينه.
السؤال الثاني: لم جاء ﴿ استكانوا ﴾ بلفظ الماضي و ﴿ يَتَضَرَّعُونَ ﴾ بلفظ المستقبل؟
الجواب: لأن المعنى امتحناهم فما وجدنا منهم عقيب المحنة استكانة، وما من عادة هؤلاء أن يتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد وقرئ فتحنا.
السؤال الثالث: العطف لا يحسن إلا مع المجانسة فأي مناسبة بين قوله: ﴿ وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار ﴾ وبين ما قبله؟
الجواب: كأنه سبحانه لما بين مبالغة أولئك الكفار في الأعراض عن سماع الأدلة ورؤية العبر والتأمل في الحقائق قال للمؤمنين، وهو الذي أعطاكم هذه الأشياء ووقفكم عليها، تنبيهاً على أن من لم يستعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها كما قال تعالى: ﴿ فَمَا أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أبصارهم وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مّن شَيْء إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بئايات الله ﴾ تنبيهاً على أن حرمان أولئك الكفار ووجدان هؤلاء المؤمنين ليس إلا من الله.
واعلم أنه سبحانه بين عظيم نعمه من وجوه: أحدها: بإعطاء السمع والأبصار والأفئدة وخص هذه الثلاثة بالذكر لأن الاستدلال موقوف عليها، ثم بين أنه يقل منهم الشاكرون، قال أبو مسلم وليس المراد أن لهم شكراً وإن قل، لكنه كما يقال للكفور الجاحد للنعمة ما أقل شكر فلان.
وثانيها: قوله: ﴿ وَهُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض ﴾ قيل في التفسير ﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ قال أبو مسلم: ويحتمل بسطكم فيها ذرية بعضكم من بعض حتى كثرتم كقوله تعالى: ﴿ ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ﴾ فنقول: هو الذي جعلكم في الأرض متناسلين، ويحشركم يوم القيامة إلى دار لا حاكم فيها سواه، فجعل حشرهم إلى ذلك الموضع حشراً إليه لا بمعنى المكان.
وثالثها: قوله: ﴿ وَهُوَ الذي يُحيِ وَيُمِيتُ ﴾ أي نعمة الحياة وإن كانت من أعظم النعم فهي منقطعة وأنه سبحانه وإن أنعم بها فالمقصود منها الانتقال إلى دار الثواب.
ورابعها: قوله: ﴿ وَلَهُ اختلاف اليل والنهار ﴾ ووجه النعمة بذلك معلوم، ثم إنه سبحانه حذر من ترك النظر في هذه الأمور فقال: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ لأن ذلك دلالة الزجر والتهديد وقرئ ﴿ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
والمعنى: لو كشف الله عنهم هذا الضرّ وهو الهزال والقحط الذي أصابهم برحمته عليهم ووجدوا الخصب؛ لارتدوا إلى ما كانوا عليه من الاستكبار وعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وإفراطهم فيها، ولذهب عنهم هذا الإبلاس وهذا التملق بين يديه ويسترحمونه، واستشهد على ذلك بأنا أخذناهم أوّلاً بالسيوف وبما جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم وأسرهم، فما وجدت منهم بعد ذلك استكانة ولا تضرّع، حتى فتحنا عليهم باب الجوع الذي هو أشدّ من الأسر والقتل وهو أطمّ العذاب، فأبسلوا الساعة وخضعت رقابهم، وجاء أعتاهم وأشدّهم شكيمة في العناد يستعطفك.
أو محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما رؤي فيهم لين مقادة وهم كذلك، حتى إذا عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون، كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُبْلِسُ المجرمون ﴾ [الروم: 12] ، ﴿ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ [الزخرف: 75] .
والإبلاس: اليأس من كل خير.
وقيل: السكوت مع التحير.
فإن قلت: ما وزن استكان؟
قلت: استفعل من الكون، أي: انتقل من كون إلى كون، كما قيل: استحال، إذا انتقل من حال إلى حال.
ويجوز أن يكون افتعل من السكون أشبعت فتحة عينه، كما جاء: بمنتزاح.
فإن قلت: هلا قيل: وما تضرّعوا.
أو: فما يستكينون؟
قلت: لأنّ المعنى: محناهم فما وجدت منهم عقيب المحنة استكانة.
وما من عادة هؤلاء أن يستكينوا ويتضرّعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد.
وقرئ: ﴿ فتحنا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ ﴾ يَعْنِي القَتْلَ يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ ﴾ بَلْ أقامُوا عَلى عُتُوِّهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ، واسْتَكانَ اسْتَفْعَلَ مِنَ الكَوْنِ لِأنَّ المُفْتَقِرَ انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ أوِ افْتَعَلَ مِنَ السُّكُونِ أُشْبِعَتْ فَتْحَتُهُ.
﴿ وَما يَتَضَرَّعُونَ ﴾ ولَيْسَ مِن عادَتِهِمُ التَّضَرُّعُ وهو اسْتِشْهادٌ عَلى ما قَبْلَهُ.
﴿ حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ ﴾ يَعْنِي الجُوعَ فَإنَّهُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ.
﴿ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ مُتَحَيِّرُونَ آيِسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ حَتّى جاءَكَ أعْتاهم يَسْتَعْطِفُكَ.
<div class="verse-tafsir"
{ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا} استفعل من الكون أي انتقل من كون إلى كون كما قيل استحال إذا انتقل من حال إلى حال
﴿ ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ ﴾ إلى آخِرِهِ فَيَكُونُ الجُوعُ مُرادًا مِنَ العَذابِ المَذْكُورِ فِيهِ عَلى ذَلِكَ، ولا يَرُدُّ عَلى مَن قالَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما اسْتَكانُوا ﴾ فَما خَضَعُوا بِذَلِكَ ﴿ لِرَبِّهِمْ ﴾ لِأنَّ لَهُ أنْ يَقُولَ: المُرادُ بِالخُضُوعِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ الِانْقِيادُ لِأمْرِهِ سُبْحانَهُ والإيمانُ بِهِ جَلَّ وعَلا وما كانَ مِنهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لَيْسَ مِنهُ شَيْءٌ، والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ ما نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، ولا يَرُدُّ عَلى مَن فَسَّرَ العَذابَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"
قوله: وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ، يعني: من الجوع الذي أصابهم، لَلَجُّوا أي مضوا وتمادوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ، يعني: في ضلالتهم يترددون.
قوله عز وجل: وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ، يعني: بالجوع، فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ يعني: ما تضعضعوا وما خضعوا لربهم.
وَما يَتَضَرَّعُونَ يقول: ما يرغبون إلى الله في الدعاء وبالطاعة، حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذابٍ شَدِيدٍ، يعني: نفتح عليهم.
قال السدي: هو فتح مكة.
إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ قال: أبلسوا يومئذٍ وتغيرت ألوانهم، حين ينظرون أصنامهم تكسرت، وقال عكرمة: ذا عَذابٍ شَدِيدٍ يعني: فتح مكة، ويقال: الجوع الشديد إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ أي آيسون من كل خير ورزق.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضُّرُّ هاهُنا: الجُوعُ الَّذِي نَزَلَ بِأهْلِ مَكَّةَ حِينَ دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ، فَقالَ: " «اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلى قُرَيْشٍ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ "، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَشَكا إلَيْهِ الضُّرَّ وأنَّهم قَدْ أكَلُوا القَدَّ والعِظامَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها، وهو العَذابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ ﴾ » .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الجُوعُ الَّذِي أصابَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: بابٌ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو نَهِيِكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ: ( مُبْلَسُونَ ) بِفَتْحِ اللّامِ.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى المُبْلِسِ في ( الأنْعامِ: ٤٥ ) .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ ﴾ ﴿ حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ -عَزَّ وجَلَّ- عَنِ اسْتِكْبارِهِمْ وطُغْيانِهِمْ بَعْدَ ما نالَهم مِنَ الجُوعِ، هَذا قَوْلٌ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ "العَذابَ" هو الجُوعُ والجَدَبُ المَشْهُورُ نُزُولُهُ بِهِمْ حَتّى أكَلُوا الجُلُودَ وما جَرى مَجْراها، وأنَّ "البابَ" المُتَوَعَّدَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهَذا القَوْلُ يَرُدُّهُ أنَّ الجَدْبَ الَّذِي نالَهم إنَّما كانَ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ، «وَرَوِيَ أنَّهم لَمّا بَلَغَهُمُ الجَهْدُ جاءَ أبُو سُفْيانَ إلى النَبِيِّ - - فَقالَ: ألَسْتَ تَزْعُمْ يا مُحَمَّدُ، أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ؟
قالَ: بَلى، قالَ: فَقَدْ قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَيْفِ والأبْناءَ بِالجُوعِ، وقَدْ أكَلْنا العَلْهَزَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ».
و"اسْتَكانُوا" مَعْناهُ: انْخَفَضُوا وتَواضَعُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ السُكُونِ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ "اسْتَكَنُوا"، ووَجَّهَهَ أنَّ فَتْحَةَ الكافِ مَطَلَتْ فَتَوَلَّدَتِ الألْفُ، ويُعْطِي التَصْرِيفُ أنَّهُ مِن "كانَ"، وأنَّ وزْنَهُ (اسْتَفْعَلَ)، وعَلى الأوَّلِ وزْنُهُ (افْتَعَلَ)، وكَوْنُهُ مِن "كانَ" أبْيَنُ، والمَعْنى: فَما طَلَبُوا أنْ يَكُونُوا لِرَبِّهِمْ أهْلَ طاعَةٍ، وعَبِيدُ خَيْرٍ.
ورُوِيَ عَنِ الحُسْنِ -رَحِمَهُ اللهُ- أنَّهُ قالَ: إذا أصابَ الناسُ مِن قِبَلِ الشَيْطانِ بَلاءٌ فَإنَّما هي نِعْمَةٌ، فَلا تَسْتَقْبِلُوا نِعْمَةَ اللهِ بِالحَمِيَّةِ، ولَكِنِ اسْتَقْبِلُوها بِالِاسْتِغْفارِ، واسْتَكِينُوا وتَضَرَّعُوا إلى اللهِ.
وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ ﴾ .
و"العَذابُ الشَدِيدُ" إمّا يَوْمَ بَدْرٍ بِالسُيُوفِ كَما قالَ بَعْضُهُمْ، وإمّا تَوَعُّدٌ بِعَذابٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وهو الصَوابُ لِما ذَكَرْناهُ مِن تَقَدُّمْ بَدْرٍ لِلْمَجاعَةِ، ورَوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّ العَذابَ والبابَ الشَدِيدَ هو كُلُّهُ مَجاعَةُ قُرَيْشٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا حَسَنٌ، كانَ "الأخْذُ" كانَ في صَدْرِ الأمْرِ، ثُمْ فُتِحَ البابُ عِنْدَ تَناهِيهِ حَيْثُ أُبْلِسُوا وجاءَ أبُو سُفْيانٍ.
و"المَلْبَسُ": الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِ شَرٌّ ويَئِسَ مِن زَوالِهِ ونَسْخِهِ بِخَيْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
استدلال على مضمون قوله ﴿ ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون ﴾ [المؤمنون: 75] بسابق إصرارهم على الشرك والإعراض عن الالتجاء إلى الله وعدم الاتعاظ بأن ما حل بهم من العذاب هو جزاء شركهم.
والجملة المتقدمة خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو يعلم صدقه فلم يكن بحاجة إلى الاستظهار عليه.
ولكنه لما كان متعلقاً بالمشركين وكان بحيث يبلغ أسماعهم وهم لا يؤمنون بأنه كلام من لا شك في صدقه، كان المقام محفوفاً بما يقتضي الاستدلال عليهم بشواهد أحوالهم فيما مضى؛ ولذلك وقع قبله ﴿ فذرْهم في غمرتهم حتى حين ﴾ [المؤمنون: 54]، ووقع بعده ﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ﴾ [المؤمنون: 84].
والتعريف في قوله ﴿ بالعذاب ﴾ للعهد، أي بالعذاب المذكور آنفاً في قوله: ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ [المؤمنون: 64] الخ.
ومصبّ الحال هو ما عطف على جملتها من قوله ﴿ فما استكانوا لربهم ﴾ ، فلا تتوهمنّ أن إعادة ذكر العذاب هنا تدل على أنه عذاب آخر غير المذكور آنفاً مستنداً إلى أن إعادة ذكر الأول لا طائل تحتها.
وهذه الآية في معنى قوله في سورة الدخان (13 15) ﴿ أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه ﴾ إلى قوله ﴿ إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون ﴾ والمعنى فلم يكن حظهم حين أخذناهم بالعذاب إلا العويل والجؤار دون التوبة والاستغفار.
وقيل: هذا عذاب آخر سابق للعذاب المذكور آنفاً فيتركب هذا على التفاسير المتقدمة أنه عذاب الجوع الأول أو عذاب الجوع الثاني بالنسبة لعذاب يوم بدر.
والاستكانة: مصدر بمعنى الخضوع مشتقة من السكون لأن الذي يخضع يقطع الحركة أمام من خضع له، فهو افتعال من السكون للدلالة على تمكن السكون وقوته.
وألفه ألف الافتعال مثل الاضطراب، والتاء زائدة كزيادتها في استعاذة.
وقيل الألف للإشباع، أي زيدت في الاشتقاق فلازمت الكلمة.
وليس ذلك من الإشباع الذي يستعمله المستعملون شذوذاً كقول طرفة: ينباع من ذفري غضوب جسرة *** أي ينبع.
وأشار في «الكشاف» إلى الاستشهاد على الإشباع في نحوه إلى قول ابن هرمة: وأنت من الغوائل حين ترمي *** ومن ذم الرجال بمنتزاح أراد: بمنتزح فأشبع الفتحة.
ويبعد أن يكون ﴿ استكانوا ﴾ استفعالاً من الكون من جهتين: جهة مادته فإن معنى الكون فيه غير وجيه وجهة صيغته لأن حمل السين والتاء فيه على معنى الطلب غير واضح.
والتعبير بالمضارع في ﴿ يتضرعون ﴾ لدلالته على تجدد انتفاء تضرعهم.
والتضرع: الدعاء بتذلل، وتقدم في قوله: ﴿ لعلهم يتضرعون ﴾ في سورة الأنعام (42).
والقول في جملة ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم باباً ﴾ كالقول في ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ [المؤمنون: 64].
و (إذا) من قوله ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم باباً ﴾ مثل (إذا) التي تقدمت في قوله ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ إلخ.
وفتح الباب تمثيل لمفاجأتهم بالعذاب بعد أن كان محجوزاً عنه حسب قوله تعالى: ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ [الأنفال: 33].
وقريب من هذا التمثيل قوله تعالى ﴿ ولو دُخلت عليهم من أقطارها ﴾ [الأحزاب: 14].
شبهت هيئة إصابتهم بالعذاب بعد أن كانوا في سلامة وعافية بهيئة ناس في بيت مغلق عليهم ففتح عليهم باب البيت من عدو مكروه، أو تقول: شبهت هيئة تسليط العذاب عليهم بهيئة فتح باب اختزن فيه العذاب فلما فتح الباب انهال العذاب عليهم.
وهذا كما مثل بقوله: ﴿ وفار التنور ﴾ [هود: 40] وقولهم: طفحت الكأس بأعمال فلان، وقوله تعالى: ﴿ فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم ﴾ [الذاريات: 59] وقول علقمة: فحقّ لشاس من نداكَ ذَنوبُ *** ومنه قول الكتّاب: فتح باب كذا على مصراعيه، تمثيلاً لكثرة ذلك وأفاض عليه سجلاً من الإحسان، وقول أبي تمام: من شاعر وقف الكلام ببابه *** واكتن في كنفيْ ذراه المنطق ووصف ﴿ باباً ﴾ بكونه ﴿ ذا عذاب شديد ﴾ دون أن يضاف باب إلى عذاب فيقال: باب عذاب كما قال تعالى: ﴿ فصب عليهم ربك سوط عذاب ﴾ [الفجر: 13] لأن ﴿ ذا عذاب ﴾ يفيد من شدة انتساب العذاب إلى الباب ما لا تفيده إضافة باب إلى عذاب، وليتأتى بذلك وصف (عذاب) ب (شديد) بخلاف قوله ﴿ سوط عذاب ﴾ فقد استغني عن وصفه ب (شديد) بأنه معمول لفعل (صب) الدال على الوفرة.
والمراد بالعذاب الشديد عذاب مستقبل.
والأرجح: أن المراد به عذاب السيف يوم بدر.
وعن مجاهد: أنه عذاب الجوع.
وقيل: عذاب الآخرة.
وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون الباب حقيقة وهو باب من أبواب جهنم كقوله تعالى: ﴿ حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها ﴾ [الزمر: 71].
والإبلاس: شدة اليأس من النجاة.
يقال: أبلس، إذا ذل ويئس من التخلص، وهو ملازم للهمزة ولم يذكروا له فعلاً مجرداً.
فالظاهر أنه مشتق من البلاس كسحاب وهو المِسح، وأن أصل أبلس صار ذا بَلاس.
وكان شعار من زهدوا في النعيم.
يقال: لبس المسوح، إذا ترهب.
وهنا انتهت الجمل المعترضة المبتدأة بجملة ﴿ ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه ﴾ [المؤمنون: 23] وما تفرع عليها من قوله ﴿ فذرهم في غمرتهم حتى حين ﴾ [المؤمنون: 54] إلى قوله ﴿ إذا هم فيه مبلسون ﴾ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ﴾ الآيَةَ.
فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ دُعاءُ النَّبِيِّ عَلَيْهِمْ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ، فَقَحَطُوا سَبْعَ سِنِينَ حَتّى أكَلُوا العَلْهَزَ مِنَ الجُوعِ وهو الوَبَرُ بِالدَّمِ» قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ قَتَلَهم بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: يَعْنِي بابًا مِن عَذابِ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
﴿ مُبْلِسُونَ ﴾ قَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَلَقَكم، قالَهُ الكَلْبِيُّ ويَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: نَشَرَكم، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ.
الثّانِي: تَكَرُّرُهُما يَوْمًا بَعْدَ لَيْلَةٍ ولَيْلَةً بَعْدَ يَوْمٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: اخْتِلافُ ما مَضى فِيهِما مِن سَعادَةٍ وشَقاءٍ وضَلالٍ وهُدًى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي قي الدلائل عن ابن عباس قال: «جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أنشدك الله والرحم فقد أكلنا العلهز- يعني الوبر- بالدم.
فأنزل الله: ﴿ ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في المعرفة والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس؛ أن ثمامة بن أنال الحنفي «لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وهو أسير فخلى سبيله، لحق باليمامة فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة حتى أكلت قريش العلهز، فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أليس تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟
قال: بلى.
قال: فقد قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع.
فأنزل الله: ﴿ ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ﴾ » .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ولقد أخذناهم بالعذاب ﴾ قال: بالسنة والجوع.
وأخرج العسكري في المواعظ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ﴾ أي: لم يتواضعوا في الدعاء، ولم يخضعوا، ولو خضعوا لله لاستجاب لهم.
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: إذا أصاب الناس من قبل السلطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية ﴿ ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ﴾ .
واخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد ﴾ قال: قد مضى كان يوم بدر.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد ﴾ قال: يوم بدر.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد ﴾ قال: لكفار قريش الجوع وما قبلها من القصة لهم أيضاً.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ ﴾ قال ابن عباس: يريد بالأمراض والحاجة (١) وقال مقاتل: يعني الجوع (٢) قال أبو إسحاق: والذي أُخذوا به الجوع (٣) ﴿ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ ﴾ أي ما تواضعوا.
يقال: أكانه يكينه إكانة إذا أخضعه (٤) (٥) وقال ابن عباس: يريد ما رجعوا عن معاصي الله.
وقال الكلبي: لم يذلوا ولم تذل قلوبهم.
وقال مقاتل: يقول: فما استسلموا، يعني الخضوع (٦) ﴿ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾ يقول: وما يرغبون إلى الله في الدعاء (٧) (١) ذكر القرطبي 12/ 143 هذا القول ولم ينسبه لأحد.
وقد روى النسائي في "تفسيره" 2/ 98 - 99، وابن حبان في صحيحه "الإحسان" 2/ 252)، والطبراني في "الكبير" 11/ 370 كلهم من طريق علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء أبو سفيان إلى النبي - - فقال يا محمد: أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العِلْهِز -يعني الوبر والدم- فأنزل الله -عز وجل- "ولقد أخذناهم بالعذاب ...
" الآية.
== قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 73: وفيه علي بن الحسين بن واقد وثَّقه النسائي وغيره وضعفه أبو حاتم.
اهـ.
لكن رواه الحاكم في "مستدركه" 2/ 394 من طريق علي بن الحسين بن شقيق، عن الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.
وعلي هذا ثقة حافظ روى عن الحسين بن واقد وغيره وروى عنه البخاري وغيره.
قاله ابن حجر في "تهذيب التهذيب" 7/ 298، "تقريب التهذيب" 2/ 34.
فهذه الطريق تقوي الأولى.
وقد رواه إبراهيم الحربي في "غريب الحديث" 2/ 727 من طريق آخر عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، لكن ليس فيه ذكر لآية.
(٢) "تفسير مقاتل" 2/ 32 أ.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 19.
(٤) في (ظ): (خضعه).
(٥) "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 374 "كان" منسوبًا إلى أبي سعيد البغدادي الضرير.
(٦) "تفسير مقاتل" 2/ 32 أ.
(٧) "تفسير مقاتل" 2/ 32 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ ﴾ الآية: قال الأكثرون: نزلت هذه الآية حين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش بالقحط فنالهم الجوع حتى أكلوا الجلود وغيرها، فالمعنى رحمناهم بالخصب وكشفنا ما بهم من ضرّ الجوع والقحط: لتمادوا على طغيانهم، وفي هذا عندي نظر، فإنَّ الآية مكية باتفاق، وإنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم على قريش بعد الهجرة حسبما ورد في الحديث، وقيل: المعنى لو رحمناهم بالرد إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه، وهذا القول لا يلزم عليه ما لزم على الآخر، ولكنه خرج عن معنى الآية: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بالعذاب ﴾ قيل: إن هذا العذاب هو الجوع بالقحط، وأن الباب ذا العذاب الشديد المتوعد به بعد هذا يوم بدر، وهذا مردود بأن العذاب الذي أصابهم إنما كان بعد بدر، وقيل إن العذاب الذي أخذهم هو يوم بدر، والباب المتوعد به هو القحط، وقيل: الباب ذو العذاب الشديد: عذاب الآخرة، وهذا أرجح، ولذلك وصفه بالشدّة لأنه أشد من عذاب الدنيا، وقال: ﴿ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ : أي يائسون من الخير، وإنما يقع لهم اليأس في الآخرة كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُبْلِسُ المجرمون ﴾ [الروم: 12].
﴿ فَمَا استكانوا ﴾ أي ما تذللوا لله عز وجل، وقد تقدم الكلام على هذه الكلمة في آخر [آل عمران: 146] ﴿ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾ إن قيل: هلا قال: فما استكانوا وما تضرعوا، أو فما يستكينون وما يتضرعون باتفاق الفعلين في الماضي أو في الاستقبال؟
فالجواب: أن ما استكانوا عند العذاب الذي أصابهم، وما يتضرعون حتى يفتح عليهم باب عذاب شديد فنفى الاستكانة فيما مضى، ونفى التضرع، في الحال والاستقبال.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تهجرون ﴾ بضم التاء وكسر الجيم: نافع.
الآخرون بفتح التاء وضم الجيم ﴿ خرجاً فخرج ﴾ بغير الالف فيهما: ابن عامر كلاهما بالألف حمزة وعلي وخلف.
الباقون بحذف الألف من الأول وإثباتها في الثاني ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ سيقولون الله ﴾ الثانية والثالثة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.
الآخرون باللام فيهما كالأول حملا على المعنى لأن قولك "من رب هذا" "ولمن هذا" في معنى واحد.
الوقوف: ﴿ مشفقون ﴾ ه لا ﴿ يؤمنون ﴾ لا ﴿ يشركون ﴾ ه لا ﴿ راجعون ﴾ ه لا لأن الكل معطوفات على اسم "إن" والخبر ﴿ أولئك ﴾ الجملة ﴿ سابقون ﴾ ه لا ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ يجأرون ﴾ ه لا لحق القول ﴿ لا تنصرون ﴾ ه ﴿ تنكصون ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ مستكبرين ﴾ ه قد قيل: على جعل الجار والمجرور مفعول ﴿ سامراً ﴾ أو مفعول ﴿ تهجرون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ منكرون ﴾ ه لصورة الاستفهام وهو العطف ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ فيهن ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ط لأن الاستفهام إنكار ﴿ خير ﴾ ز وقد قيل: بناء على أن الواو للابتداء والحال أوجه.
﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الناكبون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ يتضرعون ﴾ ه ﴿ مبلسون ﴾ ه ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الأوّلون ﴾ ه ﴿ لمبعوثون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تسحرون ﴾ ه ﴿ لكاذبون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما نفى الخيرات الحقيقية عن الكفرة المتنعمين أتبعه ذكر من هو أهل للخيرات عاجلاً وآجلاً فوصفهم بصفات أربع: الأولى الإشفاق من خشية ربهم وظاهره ينبئ عن تكرار، لأن الإشفاق يتضمن الخشية فمنهم من قال: جمع بينهما للتأكيد، ومنهم من حمل الخشية على العذاب أي من عذاب ربهم مشفقون وهو قول الكلبي ومقاتل، ومنهم من حمل الإشفاق على اثره وهو الدوام في الطاعة.
والمعنى الذين هم من خشيته دائمون على طاعته جادّون في طلب مرضاته.
ومنهم من قال: الإشفاق كمال الخوف اي هم من سخط الله عاجلاً ومن عقابه آجلاً في نهاية الخوف، ويلزم ذلك أن يكونوا في غاية الاحتراز عن المعاصي.
وفيه أنهم إذا كانوا خائفين من الخشية فلأن يخافوا من عدم الخشية أولى.
الثانية قوله ﴿ والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ﴾ والظاهر أنها القرآن.
وقيل: هي المخلوقات الدالة على وجود الصانع.
وليس المراد التصديق بوجودها فقط فإن ذلك معلوم بالضرورة فلا يوجب المدح، بل التصديق بكونها دلائل موصلة إلى العرفان ويتبعه الإقرار اللساني ظاهراً.
الثالثة التبري عما سوى الله ظاهراً وباطناً بأن لايشرك به طرفة عين.
الرابعة قوله ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ أي يعطون ما أعطوا ﴿ وقلوبهم وجلة ﴾ خائفة في شأن ذلك الإعطاء.
ثم علل ذلك الوجل بقوله ﴿ أنهم ﴾ اي لأنهم ﴿ إلى ربهم راجعون ﴾ فإن من اعتقد الرجوع إلى الجزاء والمساءلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال وعلم أن المجازي هو الذي لا يخفى عليه الضمائر والسرائر لم يخل عمله من حسن النية وخلوص الطوية بحيث يكون أبعد عن الرياء وأدخل في الإخلاص.
والظاهر أن هذا الإيتاء مختص بالزكاة والتصدق، ويحتمل أن يراد إعطاء كل فعل أو خصلة أي إتيانها يؤيده ما روي "أن رسول الله قرأ ﴿ ويأتون ما أتوا ﴾ أي يفعلون ما فعلوا.
وعن عائشة أنها قالت: قلت يا رسول الله هو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو على ذلك يخاف الله؟
قال: لا يا بنت الصديق ولكن هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله أن لا يقبل منه." وفي قوله ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ معنيان: أحدهما يرغبون في الطاعات اشد الرغبة فيبادرونها، والثاني أنهم يتعجلون في الدنيا وجوه المنافع والإكرام لأنهم إذا سورع بها لهم فقد سارعوا في نيلها.
قال جار الله: وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة لأن فيه إثبات ما نفى عن الكفار للمؤمنين.
وقال في قوله ﴿ وهم لها سابقون ﴾ إنه متروك المفعول أو منويه أي فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها، والمراد إياها سابقون كقولك "هو لزيد ضارب" بمعنى "هو زيداً ضارب" جئت باللام لضعف عمل اسم الفاعل ولا سيما فيما قبله، والمعنى أنهم ينالون الخيرات قبل الأخرى حيث عجلت لهم في الدنيا.
وجوّز أن يكون ﴿ لها سابقون ﴾ خبرين أحدهما بعد الآخر كقولك "هذا هو" لهذا الأمر أي صالح له.
وحين أنجر الكلام إلى ذكر أعمال المكلفين ذكر حكمين لهما الأوّل قوله ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ وفي الوسع قولان: أحدهما أنه الطاقة والآخر أنه دون الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلبي، لأنه اتسع فيه على المكلف ولم يضيق مثاله إن لم يستطيع أن يصلي قائماً فليصل قاعداً وإلا فليوم إيماء.
وفيه أن هذا الذي وصف به الصالحين غير خارج من وسعهم.
الثاني قوله ﴿ ولدينا كتاب ينطق ﴾ والمراد ينطقه إثبات كل عمل فيه وهو اللوح أو صحيفة الأعمال لا يقرأون منها يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل.
والبحث بين الأشاعرة والمعتزلة في مثل هذا المقام معلوم.
أما قوله ﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ ففيه طريقان: أحدهما رادع إلى الكفار والمعنى بل قلوب الكفار في غفلة غامرة لها من هذا الذي بيناه في القرآن، أو من هذا الذي ينطق بالحق أو الذي عليه هؤلاء المؤمنون.
﴿ ولهم أعمال ﴾ متجاوزة لذلك الذي وصف به المؤمنون كمتابعة الهوى وطلب الدنيا والإعراض عن المولى.
﴿ هم لها عاملون ﴾ في الحال على سبيل الاعتياد لا يفطمون عنها حتى يأخذهم العذاب أو في الاستقبال لأنها مبينة في علم الله مكتوبة في اللوح عليهم أن يعملوا بها حكم الشقاء الأزلي.
وثانيهما وهو اختيار أبي مسلم أن هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه قال بعد وصفهم ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ ونهايته ما أتى به هؤلاء.
﴿ ولدينا كتاب ﴾ يحفظ أعمالهم.
﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ الذي وصفناهم به أهو مقبول عند الله أم مردود ﴿ ولهم أعمال ﴾ من ﴿ دون ذلك ﴾ الذي وصف ﴿ هم لها عاملون ﴾ وهي النوافل السرية والأعمال القلبية.
ثم إنه رجع إلى وصف الكفار بقوله ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ وهو عذاب الآخرة أو قتلهم يوم بدر أو الجوع حين دعا عليهم رسول الله فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف" .
فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة واقدّ والأولاد.
والجؤار الصراخ باستغاثة.
ثم أخبر أنه يقال لهم حينئذ على جهة التبكيت ﴿ لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ﴾ لا تغاثون من جهتنا أو لا تمنعون منا، ثم عدد عليهم التوبيخ بمقابحهم.
ومعنى النكوص على العقبين التباعد عن الحق والتجافي عنه كمن رجع على ورائه وقد مر في "الأنعام".
وفي مرجع الضمير في ﴿ به ﴾ أقوال: أحدها أنه للبيت العتيق أو للحرم.
والذي سوّغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت والتفاخر بولايته والقيام به وكانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم.
وثانيها مستكبرين بهذا التراجع والتباعد.
وثالثها مستكبرين بالقرآن على تضمين الاستكبار معنى التكذيب، أو على أن الباء للسببية لأن سماع القرآن كان يحدث لهم استكباراً وعتوّاً.
ورابعها أنه يتعلق بـ ﴿ ـسامراً ﴾ أو بـ ﴿ ـتهجرون ﴾ والهجر بالضم الفحش وبالفتح الهذيان،و أهجر في منطقه إذا أفحش.
والضمير للقرآن أو للنبي أي تسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه أو في النبي، وكانت عامة سمرهم حول البيت ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسب رسول الله والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع.
ثم بين أن سبب إقدامهم على الكفر أحد أمور اربعة: الأوّل عدم التدبر في القرآن لأنهم إن تدبروه وتأملوا مبانيه ومعانيه ظهر لهم صدقه وإعجازه فيصدقوا به وبمن جاء به.
الثاني قوله ﴿ أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الولين ﴾ والمراد أمر الرسالة.
ثم المقصود تقرير أنه لم يأت آباءهم الأقربين رسول كقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم ﴾ فلذلك أنكروه واستبعدوه، أو تقرير أنه أتى آباءهم الأقدمين رسل وذلك أنهم عرفوا بالتواتر أن رسل الله فيهم كثيرة وكانت الأمم بين مصدق ناج وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال، فما دعاهم ذلك إلى تصديق هذا الرسول وآباؤهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان.
وقيل: إراد أفلم يدبروا القرآن فيخافوا عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين، أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم حين خافوا الله فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه؟
عن النبي "لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين ولا تسبوا قساً فإنه كان مسلماً ولا تسبوا الحرث بن كعب ولا اسد بن خزيمة ولا تميم بن مر فإنهم كانوا على الإسلام وما شككتم فيه من شيء فلا تشكوا في أن تبعاً كان مسلماً" الثالث قوله ﴿ أم لم يعرفوا ﴾ نبه بذلك على أنهم عرفوه وعرفوا صحة نسبته وأمانته فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على أنه أمين؟
الرابع نسبتهم إياه إلى الجنون وكانوا يعلمون أنه أرجحهم عقلاً ولكنه جاء بما يخالف هواهم فتشككوا في أمره أو شككوا العوام إبقاء على مناصبهم ورياستهم.
ثم أضرب عن أقوالهم منبهاً على مصدوقية أمر النبي فقال ﴿ بل جاءهم ﴾ متلبساً ﴿ بالحق ﴾ أو الباء للتعدية والحق الدين القويم والصراط المستقيم ﴿ وأكثرهم للحق كارهون ﴾ واقلهم كانوا لا يكرهونه وإن لم يظهروا الإيمان به خوفاً من قالة الأعداء كما يحكى عن ابي طالب، ولهذا جاء الخلاف في صحة إسلامه.
ثم بين أن الإلهية تقتضي الاستقلال في الأوامر والنواهي، وأن الحق والصواب ينحصر فيما دبره إله العالمين وقدّره فقال ﴿ ولو اتبع الحق أهواءهم ﴾ نظيره ما مر في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ وقيل: الحق الإسلام، والمراد لو انقلب الإسلام شركاً كما تقتضيه أهواؤهم لجاء الله بالقيامة، ولأهلك العالم ولم يؤخر.
وعن قتادة: الحق هو الله، والمعنى لو كان الله آمراً بالشرك والمعاصي على وفق آرائهم لما كان إلهاً ولكان شيطاناً فلا يقدر على إمساك السموات والأرض، وحينئذ يختل نظام العالم.
ثم ذكر أن نزول القرآن عليهم من جملة الحق فقال ﴿ بل أتيناهم بذكرهم ﴾ إن كانت الباء للتعدية فظاهر، وإن كانت للمصاحبة فعلى حذف مضاف اي أتاهم رسولنا متلبساً بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أوصيتهم وفخرهم، أو الإضافة بدل اللام العهدي أي بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون ﴿ لو أن عندنا ذكراً من الأولين لكنا عباد الله المخلصين ﴾ ثم بيّن أن دعوته ليست مشوبة بالطمع الموجب للنفرة فقال ﴿ أم تسألهم خرجاً ﴾ أي جعلاً وكذا الخراج وقد مر في آخر الكهف.
وقيل: الخرج أقل ولذا قرأ الأكثرون ﴿ خرجاً فخراج ﴾ يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخالق خير.
وحين أثبت لرسوله مواجب قبول قوله ونفى عنه أضدادها صرح بمضمون أمره ومكنون سره فقال ﴿ وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ﴾ هو دين الإسلام لا تدعوهم إلى غيره من الطرق المنحرفة عن جادة الصواب، وأشار إلى هذه الطرق بقوله ﴿ وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ هم المذكورون فيما تقدم أو كل من لا يؤمن بالآخرة عن ﴿ الصراط ﴾ المستقيم المذكور ﴿ لناكبون ﴾ والتركيب يدور على العدول عن القصد ومنه المنكب لمجمع عظم العضد والكتف، والنكباء للريح التي تعدل عن مهاب الرياح للقوم.
ثم بين إصرارهم على الكفر بقوله ﴿ ولو رحمناهم ﴾ الآية.
"يروى أنه لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنه الميرة عن أهل مكة وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز، جاء أبو سفيان إلى رسول الله فقال: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟
فقال: بلى.
فقال الاباء بالسيف والأبناء بالجوع فادع الله أن يكشف عنا الضر" فأنزل الله الآية.
والمعنى لو كشف الله برحمته هذا الهزال والجوع عنهم لأصروا على ما هم فيه من الطغيان.
ثم استشهد على ذلك بقوله ﴿ ولقد أخذناهم ﴾ اي قبل ذلك ﴿ بالعذاب ﴾ يعني ما جرى عليهم يوم بدر ﴿ فما استكانوا لربهم ﴾ أي ما خضعوا له وقد مر اشتقاقه في "آل عمران" ﴿ وما يتضرعون ﴾ عدل إلى المضارع لأنه أراد وما من عادة هؤلاء أن يتضرعوا حتى فتحنا عليهم باب العذاب الشديد وهو الجوع الذي هو أشد من الأسر والقتل، فأبلسوا الساعة أي خضعت رقابهم وجاء أعتاهم واشدهم شكيمة وأخشنهم عريكة يستعطفك.
ويحتمل أن يراد محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما شوهد منهم انقياد للحق وهم كذلك إذ عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون، والإبلاس السكوت مع تحير أو الياس من كل خير.
ثم نبه بقوله ﴿ وهو الذي أنشأ لكم ﴾ على أن اسباب التأمل في الدلائل موجودة، وابواب الأعذار بالكلية مسدودة، فما كفر من كفر ولا عند من عند إلا للشقاء الأزلي.
وفي قوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أي تشكرون شكراً قليلاً "وما" مزيدة للتوكيد دليل على أن المقر أقل من الجاحد.
وعن أبي مسلم أنه قال: اراد بالقلة العدم.
وفي الآية ثلاثة معان: أحدها إظهار النعمة.
وثانيها مطالبة العباد بالشكر عليها فشكر السمع أن لا يسمع إلا لله وبالله ومن الله، وشكر البصر أن ينظر بنظر العبرة لله وبالله وإلى الله، وشكر الفؤاد تصفيته عن رين الأخلاق الذميمة وقطع تعلقه عن الكونين لشهوده بالله.
وثالثها الشكاية أن الشاكر قليل.
ثم بين دلائل أخر على الوحدانية فقال ﴿ وهو الذي ذرأكم ﴾ اي خلقكم وبثكم في الأرض للتناسل وإلى حيث لا مالك سواه تحشرون بعد تفرقكم ﴿ وهو الذي يحيي ويميت ﴾ وفيه مع تذكر نعمة الحياة بيان أن المقصود منها الانتقال إلى دار الثواب ﴿ وله اختلاف الليل والنهار ﴾ أي هو مختص بتصريفهما وأنهما يشبهان الموت والحياة.
وفي قوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ توبيخ وتهديد.
ثم نبه بقوله ﴿ بل قالوا ﴾ الآيات على أنه لا شبهة لهم في إنكار البعث إلا التشبث بحبل التقليد والاستبعاد.
قال علماء المعاني: قوله ﴿ لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا ﴾ واراد على الأصل لأن التأكيد مذكور عقيب المؤكد وبعده المفعول الثاني.
وأما في سورة النمل فسبب تقديم المفعول الثاني على الضمير وعلى المعطوف هو أنه اقتصر هناك على قوله ﴿ تراباً ﴾ والتراب أبعد في باب الإعادة من العظام، فقدم ليدل على مزيد الاعتناء به في شأن الاستنكار.
ثم رد على منكري الإعادة أو على عبدة الأوثان بقوله ﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ﴾ أي إن كان عندكم علم فأجيبوني وفيه استهانة بهم وتجهيل لهم بأمر الديانات حتى جوّز أن يشتبه عليهم مثل هذا المكشوف الجلي.
وفي قوله ﴿ افلا تذكرون ﴾ ترغيب في التدبر وبعث على التأمل في أمر التوحيد والبعث، فإن من قدر على اختراع الأرض ومن فيها كان حقيقاً بأن لا يشرك به بعض خلقه وكان قادراً على إعادة ما أفناه، وفي قوله ﴿ أفلا تتقون ﴾ مثل هذا الترغيب مع التخويف وكان أولى بالآية الثانية لأجل التدرج ولتعظيم السموات والعرش، ولأن تذكر واجب الوجود مقدم على اتقاء مخالفته، قال جار الله: أجرت فلاناً على فلان إذا أغثته منه ومنعته يعني وهو يغيث من يشاء ممن يشاء ولا يغيث احد منه أحداً ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ بهذه الصفة غيره فأجيبوني به.
ومعنى ﴿ تسحرون ﴾ تخدعون عن طاعته والخادع هو الشيطان والهوى.
ثم بين بقوله ﴿ بل أتيناهم بالحق ﴾ أنه قد بالغ في الحجاج عليهم بهذه الآيات حتى استبان بما هو الحق والصدق ﴿ وإنهم ﴾ مع ذلك ﴿ لكاذبون ﴾ حيث يدعون له الولد والشريك وينسبون إليه العجز عن الإعادة.
التأويل: ﴿ من خشية ربهم مشفقون ﴾ إشارة إلى استيلاء سلطان الهيبة في الحضور والغيبة ﴿ بآيات ربهم يؤمنون ﴾ هي ما يكاشف لهم من شواهد الحق في السر والعلانية ﴿ بربهم لا يشركون ﴾ هو ترك الملاحظة في رد الناس وقبولهم ومدحهم وذمهم وانقطاع النظر في المضار والضار عن الوسائط والأسباب ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ يتوجهون إلى الله وينقطعون عما سواه ﴿ وهم لها سابقون ﴾ على قدر سبق العناية ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ كلفهم أن يقولوا لا إله إلا الله وهم قادرون على ذلك، وأمرهم بقبول دعوة الأنبياء وما هم بعد بعاجزين عنه، وقد كتب في اللوح أنهم يقدرون على هذه التكاليف.
﴿ وهم لا يظلمون ﴾ فلا يكلفون ما ليس في وسعهم واستعدادهم ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ﴾ مجرميهم بعذاب فساد الاستعداد لفسدت سموات أرواحهم وأرض نفوسهم ومن فيهن من القلب والسر ﴿ وهو خير الرازقين ﴾ فيه أن العلماء بالله عليهم أن لا يدنسوا وجوه قلوبهم الناضرة بدنس الأطماع الفارقة.
﴿ ولقد أخذناهم ﴾ أولاً بعذاب الغبن ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم ﴾ باب عذاب الرين يحيي بنوره قلوب بعض عباده ويميت نفوسهم عن صفاتها الذميمة، أو يحيي بعض النفوس باتباع شهواتها ويميت بعض القلوب باستيلاء ظلمات الطبيعة عليها ﴿ وله اختلاف ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية أو طول ليل الفراق وقصر نهار الوصال ﴿ قالوا أئذا متنا ﴾ فيه أن الياس من الوصول والوصال ليس من شيم أهل الكمال فقد تقوم قيامة العشق فيبعث القلب الميت ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ ملكوت كل شيء هي جهة روحانيته ﴿ وهو يجير ﴾ الأشياء بقيوميته عن الهلاك ولا مانع له ممن أراد به أن لا يجيره.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
المستقيم: القائم بالآيات والحجج، ليس كالسبيل التي يسلكون هم بلا آيات ولا حجج ولا برهان.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن إنكارهم البعث والآخرة هو الذي حملهم على العدول عن الصراط المستقيم.
والثاني: الصراط الذي في الدنيا هو المجعول للآخرة؛ فإذا تركوا سلوكه؛ لشهوات منعتهم عن ذلك - أنكروا الآخرة، أو كلام نحو هذا، وقوله: ﴿ لَنَاكِبُونَ ﴾ ، أي: لعادلون، من العدول عنه والمجانبة والميل إلى غيره.
وقوله: ﴿ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .
ذكر الضر، ولم يذكر أي شيء كان، وليس لنا أن نقول: كان الجوع أو كذا إلا يثبت، وفيه وجهان من المعتبر: أحدهما: أن رفع المحن التي امتحنهم من البلايا والشدائد إنما يكون برحمة منه وفضل، لا على ما قاله بعض الناس بالاستحقاق؛ حيث ذكر رحمته بكشف ذلك عنهم.
والثاني: فيه دلالة إثبات رسالة محمد لأنه أخبر أنه، إن كشف ذلك الضر عنهم، ﴿ لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ؛ فكشف عنهم ذلك فلجوا في طغيانهم على ما أخبر؛ فدل أنه بالله عرف ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾ .
يخبر عن سفههم وجهلهم بالله، وقسوة قلوبهم، وتمردهم وعنادهم؛ حيث أخبر أنهم وإن أخذوا بالعذاب لم يتضرعوا إليه، وما استكانوا له بجهلهم بعذاب الله؛ حيث أخبر أنهم، وإن أخذوا [لم يستكينوا].
[وقوله:] ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ .
اختلف في قوله: ﴿ مُبْلِسُونَ ﴾ : قال بعضهم: المبلس: الآيس من كل خير، وهو ما وصفهم أنهم: ﴿ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴾ ، و ﴿ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾ ، ونحوه.
وقال الزجاج: المبلس: الساكن المتحير لا يدري ما يعمل به فعلى ذلك هم كانوا حيارى لما نزل بهم العذاب، لا يدرون ما يعملون به في دفع ذلك عنهم.
وقال الكسائي: المبلس: المقطع السيئ الظن، قال: ومنه سمي إبليس؛ لأنه أيس من رحمة الله، وانقطع رجاؤه عنده.
وقال أبو عوسجة: [المبلس] البائس الحزين، ويقال: أبلس الرجل، أي: أيس فحزن، وأبلس غيره أيضاً، وإنما سمي إبليسُ إبليس؛ لأنه يئس عن رحمة الله فحزن.
قال: وقوله: ﴿ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ ﴾ ، أي: لم يذلوا لربهم بالطاعة له، والخضوع لما ذكرنا.
<div class="verse-tafsir"
ولقد اختبرناهم بأنواع المصائب، فما تَذَلَّلوا لربِّهم ولا خضعوا له، وما دعوه خاشعين ليرفع عنهم المصائب عند نزولها.
<div class="verse-tafsir" id="91.RX1Aq"