الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٨٩ من سورة المؤمنون
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 39 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٩ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( سيقولون لله ) أي : سيعترفون أن السيد العظيم الذي يجير ولا يجار عليه ، هو الله تعالى ، وحده لا شريك له ( قل فأنى تسحرون ) أي : فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك .
فإنهم يقولون: إن ملكوت كلّ شيء والقدرة على الأشياء كلها لله، فقل لهم يا محمد: ( فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ) يقولون: فمن أيّ وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله، والإقرار بأخباره وأخبار رسوله، والإيمان بأن الله القادر على كل ما يشاء، وعلى بعثكم أحياء بعد مماتكم، مع علمكم بما تقولون من عظيم سلطانه وقدرته؟!
وكان ابن عباس فيما ذكر عنه يقول في معنى قوله ( تُسْحَرُونَ ) ما حدثني به عليّ، قال: ثنا عبد الله قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( فأنى تُسْحَرُونَ ) يقول: تكذبون.
وقد بيَّنت فيما مضى السِّحْر: أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته، فذلك معنى قوله: ( فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ) إنما معناه: فمن أيّ وجه يخيل إليكم الكذب حقا: والفاسد صحيحا، فتصرفون عن الإقرار بالحقّ الذي يدعوكم إليه رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.
فأنى تسحرون أي فكيف تخدعون وتصرفون عن طاعته وتوحيده .
أو كيف يخيل إليكم أن تشركوا به ما لا يضر ولا ينفع !
والسحر هو التخييل .
وكل هذا احتجاج على العرب المقرين بالصانع وقرأ أبو عمرو ( سيقولون لله ) في الموضعين الأخيرين ؛ وهي قراءة أهل [ ص: 135 ] العراق .
الباقون لله ، ولا خلاف في الأول أنه لله ؛ لأنه جواب ل ( قل لمن الأرض ومن فيها ) فلما تقدمت اللام في لمن رجعت في الجواب .
ولا خلاف أنه مكتوب في جميع المصاحف بغير ألف .
وأما من قرأ ( سيقولون لله ) فلأن السؤال بغير لام فجاء الجواب على لفظه ، وجاء في الأول لله لما كان السؤال باللام .
وأما من قرأ لله باللام في الأخيرين وليس في السؤال لام فلأن معنى قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم : قل لمن السماوات السبع ورب العرش العظيم .
فكان الجواب لله ؛ حين قدرت اللام في السؤال .
وعلة الثالثة كعلة الثانية .
وقال الشاعر :إذا قيل من رب المزالف والقرى ورب الجياد الجرد قلت لخالدأي لمن المزالف .ودلت هذه الآيات على جواز جدال الكفار وإقامة الحجة عليهم .
وقد تقدم في ( البقرة ) .
ونبهت على أن من ابتدأ بالخلق والاختراع والإيجاد والإبداع هو المستحق للألوهية والعبادة .
{ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } أي: سيقرون أن الله المالك لكل شيء، المجير، الذي لا يجار عليه.
{ قُلْ } لهم حين يقرون بذلك، ملزما لهم، { فَأَنَّى تُسْحَرُونَ } أي: فأين تذهب عقولكم، حيث عبدتم من علمتم أنهم لا ملك لهم، ولا قسط من الملك، وأنهم عاجزون من جميع الوجوه، وتركتم الإخلاص للمالك العظيم القادر المدبر لجميع الأمور، فالعقول التي دلتكم على هذا، لا تكون إلا مسحورة، وهي - بلا شك- قد سحرها الشيطان، بما زين لهم، وحسن لهم، وقلب الحقائق لهم، فسحر عقولهم، كما سحرت السحرة أعين الناس.
( سيقولون لله قل فأنى تسحرون ) أي : تخدعون وتصرفون عن توحيده وطاعته ، والمعنى : كيف يخيل لكم الحق باطلا؟
«سيقولون لله» وفي قراءة بلام الجر في الموضعين نظرا إلى أن المعنى من له ما ذكر «قل فأنى تسحرون» تخدعون وتصرفون عن الحق عبادة الله وحده أي كيف تخيل لكم أنه باطل.
سيجيبون: بأن ذلك كلَّه لله، قل لهم: كيف تذهب عقولكم وتُخْدَعون وتُصْرفون عن توحيد الله وطاعته، وتصديق أمر البعث والنشور؟
( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ) أى : سيقولون ملك كل شىء لله ، والقدرة على كل شىء لله .( قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ ) أى : قل لهم فى الجواب عليهم ، ما دمتم قد اعترفتم بأن كل شىء تحت قدرة الله وسيطرته ، فكيف تخدعون وتصرفون عن الحق وعن الرشد مع علمكم بهما ، إلى ما أنتم عليه من باطل وغى!!
.يقال : سحر فلان غيره ، بمعنى خدعه ، أو أتى عمل السحر .
والمسحور هو الشخص المخدوع أو من تأثر بما عمل له من سحر .وبهذه الحجج الدامغة ، أخرس الله - تعالى - ألسنة المنكرين للبعث ، واثبت لهم أنه - سبحانه - لا يعجزه شىء .
اعلم أنه يمكن أن يكون المقصود من هذه الآيات الرد على منكري الإعادة وأن يكون المقصود الرد على عبدة الأوثان، وذلك لأن القوم كانوا مقرين بالله تعالى فقالوا نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله زلفى، ثم إنه سبحانه احتج عليهم بأمور ثلاثة: أحدها: قوله: ﴿ قُل لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَا ﴾ ووجه الاستدلال به على الإعادة أنه تعالى لما كان خلقاً للأرض ولمن فيها من الأحياء، وخالقاً لحياتهم وقدرتهم وغيرها، فوجب أن يكون قادراً على أن يعيدهم بعد أن أفناهم.
ووجه الاستدلال به على نفي عبادة الأوثان، من حيث إن عبادة من خلقكم وخلق الأرض وكل ما فيها من النعم هي الواجبة دون عبادة ما لا يضر ولا ينفع، وقوله: ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ معناه الترغيب في التدبر ليعلموا بطلان ما هم عليه.
وثانيها: قوله: ﴿ مَن رَّبُّ السموات السبع وَرَبُّ العرش العظيم ﴾ ووجه الاستدلال على الأمرين كما تقدم، وإنما قال: ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ تنبيهاً على أن اتقاء عذاب الله لا يحصل إلا بترك عبادة الأوثان والاعتراف بجواز الإعادة.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَيْءٍ ﴾ .
اعلم أنه سبحانه لما ذكر الأرض أولاً والسماء ثانياً عمم الحكم هاهنا، فقال من بيده ملكوت كل شيء، ويدخل في الملكوت الملك والملك على سبيل المبالغة، وقوله: ﴿ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾ يقال أجرت فلاناً على فلان إذا أغثته منه ومنعته.
يعني وهو يغيث من يشاء ممن يشاء، ولا يغيث أحد منه أحداً.
أما قوله تعالى: ﴿ فأنى تُسْحَرُونَ ﴾ فالمعنى أنى تخدعون عن توحيده وطاعته، والخادع هو الشيطان والهوى.
ثم بين تعالى بقوله: ﴿ بَلْ أتيناهم بالحق ﴾ أنه قد بالغ في الحجاج عليهم بهذه الآيات وغيرها وهم مع ذلك كاذبون، وذلك كالتوعد والتهديد، وقرئ أتيتهم، وأتيتهم بالضم والفتح وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: قرئ ﴿ قُل لِلَّهِ ﴾ في الجواب الأول باللام لا غير، وقرئ الله في الأخيرين بغير اللام في مصاحف أهل الحرمين والكوفة والشام وباللام في مصاحف أهل البصرة فما الفرق؟
الجواب: لا فرق في المعنى، لأن قولك من ربه، ولمن هو؟
في معنى واحد.
السؤال الثاني: كيف قال: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ثم حكى عنهم سيقولون الله وفيه تناقض؟
الجواب: لا تناقض لأن قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ لا ينفي عملهم بذلك.
وقد يقال مثل ذلك في الحجاج على وجه التأكيد لعلمهم والبعث على اعترافهم بما يورد من ذلك.
<div class="verse-tafsir"
أي: أجيبوني عما استعلمتكم منه إن كان عندكم فيه علم، وفي استهانة بهم وتجويز لفرط جهالتهم بالديانات: أن يجهلوا مثل هذا الظاهر البين.
وقرئ: ﴿ تذكرون ﴾ بحذف التاء الثانية ومعناه: أفلا تتذكرون فتعلموا أنّ من فطر الأرض، ومن فيها اختراعاً، كان قارداً على إعادة الخلق، وكان حقيقاً بأن لا يشرك به بعض خلقه في الربوبية.
قرئ: الأوّل باللام لا غير.
والأخيران باللام، وهو هكذا في مصاحف أهل الحرمين والكوفة والشام، وبغير اللام وهو هكذا في مصاحف أهل البصرة، فباللام على المعنى؛ لأن قولك من ربه، ولمن هو في معنى واحد، وبغير اللام على اللفظ.
ويجوز قراءة الأوّل بغير لام، ولكنها لم تثبت في الرواية ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ أفلا تخافونه فلا تشركوا به وتعصوا رسله.
أجرت فلاناً على فلان: إذا أغثته منه ومنعته، يعني: وهو يغيث من يشاء ممن يشاء، ولا يغيث أحد منه أحداً ﴿ تُسْحَرُونَ ﴾ تخدعون عن توحيده وطاعته.
والخادع: هو الشيطان والهوى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ فَإنَّها أعْظَمُ مِن ذَلِكَ.
﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِغَيْرِ لامٍ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ لَفْظُ السُّؤالِ.
﴿ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ عِقابَهُ فَلا تُشْرِكُوا بِهِ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ ولا تُنْكِرُوا قُدْرَتَهُ عَلى بَعْضِ مَقْدُوراتِهِ.
﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِلْكُهُ غايَةُ ما يُمْكِنُ وقِيلَ خَزائِنُهُ.
﴿ وَهُوَ يُجِيرُ ﴾ يُغِيثُ مَن يَشاءُ ويَحْرُسُهُ.
﴿ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ ﴾ ولا يُغاثُ أحَدٌ ولا يُمْنَعُ مِنهُ، وتَعْدِيَتُهُ بِعَلى لِتَضْمِينِ مَعْنى النُّصْرَةِ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .
﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ ﴾ فَمِن أيْنَ تُخْدَعُونَ فَتُصْرَفُونَ عَنِ الرُّشْدِ مَعَ ظُهُورِ الأمْرِ وتَظاهُرِ الأدِلَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
{سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ} تخدعون عن الحق أو عن توحيده وطاعته والخادع هو الشيطان والهوى الأول لله بالإجماع إذ السؤال لمن وكذا الثاني والثالث عند غير أهل البصرة على المعنى لأنك إذا قلت من رب هذا فمعناه لمن هذا فيجاب لفلان كقول الشاعرة ...
إذا قيل من رب المزالف والقرى ورب الجياد الجرد قيل لخاد ...
أي لمن المزالف ومن قرأ بحذفه فعلى الظاهر لأنك إذا قلت من رب هذا فجوابه فلان
﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِمّا ذَكَرَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرُ وصِيغَةُ المَلَكُوتِ لِلْمُبالَغَةِ في المَلِكِ فالمُرادُ بِهِ المَلِكُ الشّامِلُ الظّاهِرُ، وقِيلَ: المالِكِيَّةُ والمُدَبِّرِيَّةُ، وقِيلَ: الخَزائِنُ ﴿ وهُوَ يُجِيرُ ﴾ أيْ يَمْنَعُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ ﴿ ولا يُجارُ عَلَيْهِ ﴾ ولا يُمْنَعُ أحَدٌ مِنهُ جَلَّ وعَلا أحَدًا، وتَعْدِيَةُ الفِعْلِ بِعَلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى النُّصْرَةِ أوِ الِاسْتِعْلاءِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ تَكْرِيرٌ لِاسْتِهانَتِهِمْ وتَجْهِيلِهِمْ عَلى ما مَرَّ ﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ﴾ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ والوَصْفُ بِأنَّهُ الَّذِي يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ ﴿ قُلْ ﴾ تَهَجِّيَنا لَهم وتَقْرِيعًا ﴿ فَأنّى تُسْحَرُونَ ﴾ كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ تُخْدَعُونَ وتُصْرَفُونَ عَنِ الرُّشْدِ مَعَ عِلْمِكم بِهِ إلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ البَغْيِ فَإنَّ مَن لا يَكُونُ مَسْحُورًا مُخْتَلُّ العَقْلِ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وهَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ أعْنِي ﴿ قُلْ لِمَنِ ﴾ إلى هُنا عَلى ما قَرَّرَ في الكَشْفِ تَقْرِيرٌ لِلسّابِقِ وتَمْهِيدٌ لِلاحِقٍ وقَدْ رُوعِيَ في السُّؤالِ فِيها قَضِيَّةُ التَّرَقِّي فَسُئِلَ عَمَّنْ لَهُ الأرْضُ ومِن فِيها، وقِيلَ: ﴿ مَن ﴾ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ ولِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لَهُ غَيْرُهم مِن طَرِيقِ الأُولى ثُمَّ سُئِلَ عَمَّنْ لَهُ السَّمَواتُ والعَرْشُ العَظِيمُ والأرْضُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كِلا شَيْءٍ ثُمَّ سُئِلَ عَمَّنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ فَأتى بِأعَمِّ العامِّ وكَلِمَةِ الإحاطَةِ وأوْثَرَ المَلَكُوتَ وهو المَلِكُ الواسِعُ، وقِيلَ: ﴿ بِيَدِهِ ﴾ تَصْوِيرًا وتَخْيِيلًا وكَذَلِكَ رُوعِيَ هَذِهِ النُّكْتَةُ في الفَواصِلِ فَعَيَّرُوا أوَّلًا بِعَدَمُ التَّذَكُّرِ فَإنَّ أيْسَرَ النَّظَرِ يَكْفِي في انْحِلالِ عَقْدِهِمْ ثُمَّ بِعَدَمُ الاتِّقاءِ وفِيهِ وعِيدٌ ثُمَّ بِالتَّعَجُّبِ مِن خُدَعِ عُقُولِهِمْ فَتَخَيَّلَ الباطِلَ حَقًّا والحَقَّ باطِلًا وأنّى لَها التَّذَكُّرُ والخَوْفُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، يعني: خزائن كل شيء.
وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ، يعني: يقضي ولا يقضى عليه، ويقال: وهو يؤمن من العذاب ولا يؤمن عليه، أي ليس له أحد يؤمن الكفار من عذابه.
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ، يعني: من الذين تصرفون عن الإسلام وعن الحق.
ثم قال عز وجل: بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ، قال الكلبي: يعني: القرآن، وقال مقاتل: يعني: جئناهم بالتوحيد.
وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم أن الملائكة عليهم السلام كذا وكذا <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَتَّقُونَ عِبادَةَ غَيْرِهِ.
والثّانِي: تَخْشَوْنَ عَذابَهُ.
فَأمّا المَلَكُوتُ فَقَدْ شَرَحْناهُ في ( الأنْعامِ: ٧٥ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ ﴾ ؛ أيْ: يَمْنَعُ [ مِنَ ] السُّوءِ مَن شاءَ، ولا يَمْنَعُ مِنهُ مَن أرادَهُ بِسُوءٍ، يُقالُ: أجْرُتُ فُلانًا؛ أيْ: حَمَيْتُهُ، وأجَرْتُ عَلَيْهِ؛ أيْ: حَمَيْتُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنّى تُسْحَرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أنّى تُخْدَعُونَ وتُصْرَفُونَ عَنْ هَذا ؟
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ مَن رَبُّ السَماواتِ السَبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي لا يُمْكِنُهم إلّا الإقْرارُ بِها، ويَلْزَمُ مِنَ الإقْرارِ بِها أنْ يُؤْمِنُوا بِبارِئِها ويُذْعِنُوا لِشَرْعِهِ ورِسالَةِ رَسُولِهِ.
وقَرَأ الجَمِيعُ في الأوَّلِ: "لِلَّهِ" بِلا خِلافٍ، واخْتُلِفَ في الثانِي والثالِثِ، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "لِلَّهِ" جَوابًا عَلى اللَفْظِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ: "لِلَّهِ" جَوابًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ في السُؤالِ: لِمَن مُلْكِ السَماواتِ السَبْعِ؟
إذْ قَوْلُكَ: لِمَن هَذِهِ الدارُ؟
وقَوْلُكَ: مَن مالِكُ هَذِهِ الدارِ؟
واحِدٌ في المَعْنى.
ثُمْ جَعَلَ التَوْبِيخَ مُدْرَجًا بِحَسْبِ وُضُوحِ الحُجَّةِ شَيْئًا شَيْئًا، فَوَقَفَ عَلى الأرْضِ ومِن فِيها وجَعَلَ بِإزاءِ ذَلِكَ التَذَكُّرَ، ثُمْ وقَفَ عَلى السَماواتِ السَبْعِ والعَرْشِ وجَعَلَ بِإزاءِ ذَلِكَ التَقِيَّةَ وهي أبْلَغُ مِنَ التَذَكُّرِ، وهَذا بِحَسْبِ وُضُوحِ الحُجَّةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ وعِيدٌ، ثُمْ وقَفَ عَلى مَلَكُوتِ كُلِّ شَيْءٍ، وفي الإقْرارِ بِهَذا التِزامُ كُلِّ ما تَقَعُ بِهِ الغَلَبَةُ في الِاحْتِجاجِ، فَوَقَعَ التَوْبِيخُ بَعْدُ في غايَةِ البَلاغَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأنّى تُسْحَرُونَ ﴾ .
ومَعْنى "أنّى": كَيْفَ؟
ومِن أيْنَ؟، وفي هَذا تَقْرِيرُ سِحْرِهِمْ، وهو سُؤالٌ عَنِ الهَيْئَةِ الَّتِي سُحِرُوا بِها، والسِحْرُ هُنا مُسْتَعارٌ لَهُمْ، وهو تَشْبِيهٌ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ التَخْلِيطِ ووَضْعِ الأفْعالِ والأقْوالِ غَيْرَ مَواضِعِها بِما يَقَعُ مِنَ المَسْحُورِ، عَبَّرَ عنهم بِذَلِكَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "تُسْحَرُونَ" مَعْناهُ: تَمْنَعُونَ، وحَكى بَعْضُهم ذَلِكَ لُغَةً.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "العَظِيمُ" بِرَفْعِ المِيمِ، و"مَلَكُوتُ" مَصْدَرٌ في بِناءِ مُبالَغَةٍ.
و"الإجارَةُ": المَنعُ مِنَ الإنْسانِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى إذا مَنَعَ أحَدًا فَلا يُقْدَرُ عَلَيْهِ، وإذا أرادَ أحَدًا فَلا مانِعَ لَهُ، وكَذَلِكَ في سائِرِ قُدْرَتِهِ وما نَفَذَ مِن قَضائِهِ، لا يُعارِضُ ذَلِكَ شَيْءٌ ولا يُحِيلُهُ عن مَجْراهُ.
<div class="verse-tafsir"
قد عرفت آنفاً نكتة تكرير القول.
والملكوت: مبالغة في الملك بضم الميم.
فالملكوت: الملك المقترن بالتصرف في مختلف الأنواع والعوالم لذلك جاء بعده ﴿ كل شيء ﴾ .
واليد: القدرة.
ومعنى ﴿ يجير ﴾ يغيث ويمنع من يشاء من الأذى.
ومصدره الإجارة فيفيد معنى الغلبة، وإذا عدي بحرف الاستعلاء أفاد أن المجرور مغلوب على أن لا ينال المجارَ بأذى فمعنى ﴿ لا يجار عليه ﴾ لا يستطيع أحد أن يمنع أحداً من عقابه.
فيفيد معنى العزة التامة.
وبني فعل ﴿ يجار عليه ﴾ للمجهول لقصد انتفاء الفعل عن كل فاعل فيفيد العموم مع الاختصار.
ولما كان تصرف الله هذا خفياً يحتاج إلى تدبر العقل لإدراكه عُقب الاستفهام بقوله: ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ كما عقب الاستفهام الأول بمثله حثاً لهم على علمه والاهتداء إليه.
ثم عقب بما يدل على أنهم إذا تدبروا علموا فقيل ﴿ سيقولون لله ﴾ .
وقرأ الجمهور ﴿ سيقولون لله ﴾ بلام الجر داخلة على اسم الجلالة مثل سالفه.
وقرأه أبو عمرو ويعقوب بدون لام وقد علمت ذلك في نظيره السابق.
(وأنَّى) يجوز أن تكون بمعنى (من أين) كما تقدم في سورة آل عمران (37) ﴿ قال يا مريم أنى لك هذا ﴾ والاستفهام تعجيبي.
والسحر مستعار لترويج الباطل بجامع تخيل ما ليس بواقع واقعاً.
والمعنى: فمن أين اختل شعوركم فراج عليكم الباطل.
فالمراد بالسحر ترويج أيمة الكفر عليهم الباطل حتى جعلوهم كالمسحورين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مُلْكُ كُلِّ شَيْءٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والمَلَكُوتُ مِن صِفاتِ المُبالَغَةِ كالجَبَرُوتِ والرَّهَبُوتِ.
﴿ وَهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ ﴾ أيْ يَمْنَعُ ولا يُمْنَعُ مِنهُ، فاحْتَمَلَ ذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في الدُّنْيا مِمَّنْ أرادَ هَلاكَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنهُ مانِعٌ، ومَن أرادَ نَصْرَهُ لَمْ يَدْفَعْهُ مِن نَصْرِهِ دافِعٌ.
الثّانِي: في الآخِرَةِ لا يَمْنَعُهُ مِن مُسْتَحِقِّي الثَّوابِ مانِعٌ ولا يَدْفَعُهُ مِن مُسْتَوْجِبِ العَذابِ دافِعٌ.
﴿ فَأنّى تُسْحَرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَمِن أيِّ وجْهٍ تُصْرَفُونَ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ.
الثّانِي: فَكَيْفَ تَكْذِبُونَ فَيُخَيَّلُ لَكُمُ الكَذِبُ حَقًّا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون قال: في مصحف أبي بن كعب ﴿ سيقولون لله ﴾ كلهن بغير ألف.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن عاصم الجحدري قال: في الإمام مصحف عثمان بن عفان.
قال: الذي كتب للناس لله لله كلهن بغير ألف.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أسيد بن زيد قال: في مصحف عثمان بن عفان ﴿ سيقولون لله ﴾ ثلاثتهن بغير ألف.
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن عتيق قال: رأيت في مصحف الحسن لله لله بغير ألف في ثلاثة مواضع.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ لله ﴾ بغير ألف كلهن.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قل من بيده ملكوت كل شيء ﴾ قال: خزائن كل شيء.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾ قال الفراء (١) (٢) (٣) والمعنى: كيف يخيل لكم الحق باطلا والصحيح فاسدًا (٤) (١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 241.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 20.
(٣) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 229.
(٤) انظر: "الطبري" 18/ 49.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُل لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ ﴾ هذه الآيات توقيف لهم على أمور لا يمكنهم الإقرار بها، وإذا أقروا بها لزمهم توحيد خالقها والإيمان بالدار الآخرة ﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ﴾ قرئ في الأول لله باللام بإجماع، جواباً لقوله: ﴿ لِّمَنِ الأرض ﴾ ، وكذلك قرأ الجمهور الثاني والثالث، وذلك على المعنى لأن قوله: ﴿ مَن رَّبُّ السماوات ﴾ في معنى لمن هي، وقرأ أبو عمرو الثاني والثالث بالرفع على اللفظ ﴿ مَلَكُوتُ ﴾ مصدر وفي بنائه مبالغة ﴿ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾ الإجازة المنع من الإهانة، يقال: أجرت فلاناً على فلان، إذا منعته من مضرته وإهانته، فالمعنى أن الله تعالى بغيث من شاء ممن شاء، ولا يغيب أحد منه أحداً ﴿ فأنى تُسْحَرُونَ ﴾ أي تخدعون عن الحق والخادع لهم الشيطان، وذلك تشبيه بالسحر في التخطيط والوقوع في الباطل، ورتب هذه التوبيخات الثلاثة بالتدريج فقال أولاً: ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ ثم قال ثانياً: ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ ، وذلك أبلغ، لأن فيه زيادة تخويف، ثم قال ثالثاً: ﴿ فأنى تُسْحَرُونَ ﴾ وفيه من التوبيخ ما ليس في غيره ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ يعني فيما ينسبون لله من الشركاء والأولاد، ولذلك رد عليهم بنفي ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تهجرون ﴾ بضم التاء وكسر الجيم: نافع.
الآخرون بفتح التاء وضم الجيم ﴿ خرجاً فخرج ﴾ بغير الالف فيهما: ابن عامر كلاهما بالألف حمزة وعلي وخلف.
الباقون بحذف الألف من الأول وإثباتها في الثاني ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ سيقولون الله ﴾ الثانية والثالثة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.
الآخرون باللام فيهما كالأول حملا على المعنى لأن قولك "من رب هذا" "ولمن هذا" في معنى واحد.
الوقوف: ﴿ مشفقون ﴾ ه لا ﴿ يؤمنون ﴾ لا ﴿ يشركون ﴾ ه لا ﴿ راجعون ﴾ ه لا لأن الكل معطوفات على اسم "إن" والخبر ﴿ أولئك ﴾ الجملة ﴿ سابقون ﴾ ه لا ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ يجأرون ﴾ ه لا لحق القول ﴿ لا تنصرون ﴾ ه ﴿ تنكصون ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ مستكبرين ﴾ ه قد قيل: على جعل الجار والمجرور مفعول ﴿ سامراً ﴾ أو مفعول ﴿ تهجرون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ منكرون ﴾ ه لصورة الاستفهام وهو العطف ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ فيهن ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ط لأن الاستفهام إنكار ﴿ خير ﴾ ز وقد قيل: بناء على أن الواو للابتداء والحال أوجه.
﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الناكبون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ يتضرعون ﴾ ه ﴿ مبلسون ﴾ ه ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الأوّلون ﴾ ه ﴿ لمبعوثون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تسحرون ﴾ ه ﴿ لكاذبون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما نفى الخيرات الحقيقية عن الكفرة المتنعمين أتبعه ذكر من هو أهل للخيرات عاجلاً وآجلاً فوصفهم بصفات أربع: الأولى الإشفاق من خشية ربهم وظاهره ينبئ عن تكرار، لأن الإشفاق يتضمن الخشية فمنهم من قال: جمع بينهما للتأكيد، ومنهم من حمل الخشية على العذاب أي من عذاب ربهم مشفقون وهو قول الكلبي ومقاتل، ومنهم من حمل الإشفاق على اثره وهو الدوام في الطاعة.
والمعنى الذين هم من خشيته دائمون على طاعته جادّون في طلب مرضاته.
ومنهم من قال: الإشفاق كمال الخوف اي هم من سخط الله عاجلاً ومن عقابه آجلاً في نهاية الخوف، ويلزم ذلك أن يكونوا في غاية الاحتراز عن المعاصي.
وفيه أنهم إذا كانوا خائفين من الخشية فلأن يخافوا من عدم الخشية أولى.
الثانية قوله ﴿ والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ﴾ والظاهر أنها القرآن.
وقيل: هي المخلوقات الدالة على وجود الصانع.
وليس المراد التصديق بوجودها فقط فإن ذلك معلوم بالضرورة فلا يوجب المدح، بل التصديق بكونها دلائل موصلة إلى العرفان ويتبعه الإقرار اللساني ظاهراً.
الثالثة التبري عما سوى الله ظاهراً وباطناً بأن لايشرك به طرفة عين.
الرابعة قوله ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ أي يعطون ما أعطوا ﴿ وقلوبهم وجلة ﴾ خائفة في شأن ذلك الإعطاء.
ثم علل ذلك الوجل بقوله ﴿ أنهم ﴾ اي لأنهم ﴿ إلى ربهم راجعون ﴾ فإن من اعتقد الرجوع إلى الجزاء والمساءلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال وعلم أن المجازي هو الذي لا يخفى عليه الضمائر والسرائر لم يخل عمله من حسن النية وخلوص الطوية بحيث يكون أبعد عن الرياء وأدخل في الإخلاص.
والظاهر أن هذا الإيتاء مختص بالزكاة والتصدق، ويحتمل أن يراد إعطاء كل فعل أو خصلة أي إتيانها يؤيده ما روي "أن رسول الله قرأ ﴿ ويأتون ما أتوا ﴾ أي يفعلون ما فعلوا.
وعن عائشة أنها قالت: قلت يا رسول الله هو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو على ذلك يخاف الله؟
قال: لا يا بنت الصديق ولكن هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله أن لا يقبل منه." وفي قوله ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ معنيان: أحدهما يرغبون في الطاعات اشد الرغبة فيبادرونها، والثاني أنهم يتعجلون في الدنيا وجوه المنافع والإكرام لأنهم إذا سورع بها لهم فقد سارعوا في نيلها.
قال جار الله: وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة لأن فيه إثبات ما نفى عن الكفار للمؤمنين.
وقال في قوله ﴿ وهم لها سابقون ﴾ إنه متروك المفعول أو منويه أي فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها، والمراد إياها سابقون كقولك "هو لزيد ضارب" بمعنى "هو زيداً ضارب" جئت باللام لضعف عمل اسم الفاعل ولا سيما فيما قبله، والمعنى أنهم ينالون الخيرات قبل الأخرى حيث عجلت لهم في الدنيا.
وجوّز أن يكون ﴿ لها سابقون ﴾ خبرين أحدهما بعد الآخر كقولك "هذا هو" لهذا الأمر أي صالح له.
وحين أنجر الكلام إلى ذكر أعمال المكلفين ذكر حكمين لهما الأوّل قوله ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ وفي الوسع قولان: أحدهما أنه الطاقة والآخر أنه دون الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلبي، لأنه اتسع فيه على المكلف ولم يضيق مثاله إن لم يستطيع أن يصلي قائماً فليصل قاعداً وإلا فليوم إيماء.
وفيه أن هذا الذي وصف به الصالحين غير خارج من وسعهم.
الثاني قوله ﴿ ولدينا كتاب ينطق ﴾ والمراد ينطقه إثبات كل عمل فيه وهو اللوح أو صحيفة الأعمال لا يقرأون منها يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل.
والبحث بين الأشاعرة والمعتزلة في مثل هذا المقام معلوم.
أما قوله ﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ ففيه طريقان: أحدهما رادع إلى الكفار والمعنى بل قلوب الكفار في غفلة غامرة لها من هذا الذي بيناه في القرآن، أو من هذا الذي ينطق بالحق أو الذي عليه هؤلاء المؤمنون.
﴿ ولهم أعمال ﴾ متجاوزة لذلك الذي وصف به المؤمنون كمتابعة الهوى وطلب الدنيا والإعراض عن المولى.
﴿ هم لها عاملون ﴾ في الحال على سبيل الاعتياد لا يفطمون عنها حتى يأخذهم العذاب أو في الاستقبال لأنها مبينة في علم الله مكتوبة في اللوح عليهم أن يعملوا بها حكم الشقاء الأزلي.
وثانيهما وهو اختيار أبي مسلم أن هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه قال بعد وصفهم ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ ونهايته ما أتى به هؤلاء.
﴿ ولدينا كتاب ﴾ يحفظ أعمالهم.
﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ الذي وصفناهم به أهو مقبول عند الله أم مردود ﴿ ولهم أعمال ﴾ من ﴿ دون ذلك ﴾ الذي وصف ﴿ هم لها عاملون ﴾ وهي النوافل السرية والأعمال القلبية.
ثم إنه رجع إلى وصف الكفار بقوله ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ وهو عذاب الآخرة أو قتلهم يوم بدر أو الجوع حين دعا عليهم رسول الله فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف" .
فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة واقدّ والأولاد.
والجؤار الصراخ باستغاثة.
ثم أخبر أنه يقال لهم حينئذ على جهة التبكيت ﴿ لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ﴾ لا تغاثون من جهتنا أو لا تمنعون منا، ثم عدد عليهم التوبيخ بمقابحهم.
ومعنى النكوص على العقبين التباعد عن الحق والتجافي عنه كمن رجع على ورائه وقد مر في "الأنعام".
وفي مرجع الضمير في ﴿ به ﴾ أقوال: أحدها أنه للبيت العتيق أو للحرم.
والذي سوّغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت والتفاخر بولايته والقيام به وكانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم.
وثانيها مستكبرين بهذا التراجع والتباعد.
وثالثها مستكبرين بالقرآن على تضمين الاستكبار معنى التكذيب، أو على أن الباء للسببية لأن سماع القرآن كان يحدث لهم استكباراً وعتوّاً.
ورابعها أنه يتعلق بـ ﴿ ـسامراً ﴾ أو بـ ﴿ ـتهجرون ﴾ والهجر بالضم الفحش وبالفتح الهذيان،و أهجر في منطقه إذا أفحش.
والضمير للقرآن أو للنبي أي تسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه أو في النبي، وكانت عامة سمرهم حول البيت ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسب رسول الله والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع.
ثم بين أن سبب إقدامهم على الكفر أحد أمور اربعة: الأوّل عدم التدبر في القرآن لأنهم إن تدبروه وتأملوا مبانيه ومعانيه ظهر لهم صدقه وإعجازه فيصدقوا به وبمن جاء به.
الثاني قوله ﴿ أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الولين ﴾ والمراد أمر الرسالة.
ثم المقصود تقرير أنه لم يأت آباءهم الأقربين رسول كقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم ﴾ فلذلك أنكروه واستبعدوه، أو تقرير أنه أتى آباءهم الأقدمين رسل وذلك أنهم عرفوا بالتواتر أن رسل الله فيهم كثيرة وكانت الأمم بين مصدق ناج وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال، فما دعاهم ذلك إلى تصديق هذا الرسول وآباؤهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان.
وقيل: إراد أفلم يدبروا القرآن فيخافوا عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين، أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم حين خافوا الله فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه؟
عن النبي "لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين ولا تسبوا قساً فإنه كان مسلماً ولا تسبوا الحرث بن كعب ولا اسد بن خزيمة ولا تميم بن مر فإنهم كانوا على الإسلام وما شككتم فيه من شيء فلا تشكوا في أن تبعاً كان مسلماً" الثالث قوله ﴿ أم لم يعرفوا ﴾ نبه بذلك على أنهم عرفوه وعرفوا صحة نسبته وأمانته فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على أنه أمين؟
الرابع نسبتهم إياه إلى الجنون وكانوا يعلمون أنه أرجحهم عقلاً ولكنه جاء بما يخالف هواهم فتشككوا في أمره أو شككوا العوام إبقاء على مناصبهم ورياستهم.
ثم أضرب عن أقوالهم منبهاً على مصدوقية أمر النبي فقال ﴿ بل جاءهم ﴾ متلبساً ﴿ بالحق ﴾ أو الباء للتعدية والحق الدين القويم والصراط المستقيم ﴿ وأكثرهم للحق كارهون ﴾ واقلهم كانوا لا يكرهونه وإن لم يظهروا الإيمان به خوفاً من قالة الأعداء كما يحكى عن ابي طالب، ولهذا جاء الخلاف في صحة إسلامه.
ثم بين أن الإلهية تقتضي الاستقلال في الأوامر والنواهي، وأن الحق والصواب ينحصر فيما دبره إله العالمين وقدّره فقال ﴿ ولو اتبع الحق أهواءهم ﴾ نظيره ما مر في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ وقيل: الحق الإسلام، والمراد لو انقلب الإسلام شركاً كما تقتضيه أهواؤهم لجاء الله بالقيامة، ولأهلك العالم ولم يؤخر.
وعن قتادة: الحق هو الله، والمعنى لو كان الله آمراً بالشرك والمعاصي على وفق آرائهم لما كان إلهاً ولكان شيطاناً فلا يقدر على إمساك السموات والأرض، وحينئذ يختل نظام العالم.
ثم ذكر أن نزول القرآن عليهم من جملة الحق فقال ﴿ بل أتيناهم بذكرهم ﴾ إن كانت الباء للتعدية فظاهر، وإن كانت للمصاحبة فعلى حذف مضاف اي أتاهم رسولنا متلبساً بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أوصيتهم وفخرهم، أو الإضافة بدل اللام العهدي أي بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون ﴿ لو أن عندنا ذكراً من الأولين لكنا عباد الله المخلصين ﴾ ثم بيّن أن دعوته ليست مشوبة بالطمع الموجب للنفرة فقال ﴿ أم تسألهم خرجاً ﴾ أي جعلاً وكذا الخراج وقد مر في آخر الكهف.
وقيل: الخرج أقل ولذا قرأ الأكثرون ﴿ خرجاً فخراج ﴾ يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخالق خير.
وحين أثبت لرسوله مواجب قبول قوله ونفى عنه أضدادها صرح بمضمون أمره ومكنون سره فقال ﴿ وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ﴾ هو دين الإسلام لا تدعوهم إلى غيره من الطرق المنحرفة عن جادة الصواب، وأشار إلى هذه الطرق بقوله ﴿ وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ هم المذكورون فيما تقدم أو كل من لا يؤمن بالآخرة عن ﴿ الصراط ﴾ المستقيم المذكور ﴿ لناكبون ﴾ والتركيب يدور على العدول عن القصد ومنه المنكب لمجمع عظم العضد والكتف، والنكباء للريح التي تعدل عن مهاب الرياح للقوم.
ثم بين إصرارهم على الكفر بقوله ﴿ ولو رحمناهم ﴾ الآية.
"يروى أنه لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنه الميرة عن أهل مكة وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز، جاء أبو سفيان إلى رسول الله فقال: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟
فقال: بلى.
فقال الاباء بالسيف والأبناء بالجوع فادع الله أن يكشف عنا الضر" فأنزل الله الآية.
والمعنى لو كشف الله برحمته هذا الهزال والجوع عنهم لأصروا على ما هم فيه من الطغيان.
ثم استشهد على ذلك بقوله ﴿ ولقد أخذناهم ﴾ اي قبل ذلك ﴿ بالعذاب ﴾ يعني ما جرى عليهم يوم بدر ﴿ فما استكانوا لربهم ﴾ أي ما خضعوا له وقد مر اشتقاقه في "آل عمران" ﴿ وما يتضرعون ﴾ عدل إلى المضارع لأنه أراد وما من عادة هؤلاء أن يتضرعوا حتى فتحنا عليهم باب العذاب الشديد وهو الجوع الذي هو أشد من الأسر والقتل، فأبلسوا الساعة أي خضعت رقابهم وجاء أعتاهم واشدهم شكيمة وأخشنهم عريكة يستعطفك.
ويحتمل أن يراد محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما شوهد منهم انقياد للحق وهم كذلك إذ عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون، والإبلاس السكوت مع تحير أو الياس من كل خير.
ثم نبه بقوله ﴿ وهو الذي أنشأ لكم ﴾ على أن اسباب التأمل في الدلائل موجودة، وابواب الأعذار بالكلية مسدودة، فما كفر من كفر ولا عند من عند إلا للشقاء الأزلي.
وفي قوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أي تشكرون شكراً قليلاً "وما" مزيدة للتوكيد دليل على أن المقر أقل من الجاحد.
وعن أبي مسلم أنه قال: اراد بالقلة العدم.
وفي الآية ثلاثة معان: أحدها إظهار النعمة.
وثانيها مطالبة العباد بالشكر عليها فشكر السمع أن لا يسمع إلا لله وبالله ومن الله، وشكر البصر أن ينظر بنظر العبرة لله وبالله وإلى الله، وشكر الفؤاد تصفيته عن رين الأخلاق الذميمة وقطع تعلقه عن الكونين لشهوده بالله.
وثالثها الشكاية أن الشاكر قليل.
ثم بين دلائل أخر على الوحدانية فقال ﴿ وهو الذي ذرأكم ﴾ اي خلقكم وبثكم في الأرض للتناسل وإلى حيث لا مالك سواه تحشرون بعد تفرقكم ﴿ وهو الذي يحيي ويميت ﴾ وفيه مع تذكر نعمة الحياة بيان أن المقصود منها الانتقال إلى دار الثواب ﴿ وله اختلاف الليل والنهار ﴾ أي هو مختص بتصريفهما وأنهما يشبهان الموت والحياة.
وفي قوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ توبيخ وتهديد.
ثم نبه بقوله ﴿ بل قالوا ﴾ الآيات على أنه لا شبهة لهم في إنكار البعث إلا التشبث بحبل التقليد والاستبعاد.
قال علماء المعاني: قوله ﴿ لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا ﴾ واراد على الأصل لأن التأكيد مذكور عقيب المؤكد وبعده المفعول الثاني.
وأما في سورة النمل فسبب تقديم المفعول الثاني على الضمير وعلى المعطوف هو أنه اقتصر هناك على قوله ﴿ تراباً ﴾ والتراب أبعد في باب الإعادة من العظام، فقدم ليدل على مزيد الاعتناء به في شأن الاستنكار.
ثم رد على منكري الإعادة أو على عبدة الأوثان بقوله ﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ﴾ أي إن كان عندكم علم فأجيبوني وفيه استهانة بهم وتجهيل لهم بأمر الديانات حتى جوّز أن يشتبه عليهم مثل هذا المكشوف الجلي.
وفي قوله ﴿ افلا تذكرون ﴾ ترغيب في التدبر وبعث على التأمل في أمر التوحيد والبعث، فإن من قدر على اختراع الأرض ومن فيها كان حقيقاً بأن لا يشرك به بعض خلقه وكان قادراً على إعادة ما أفناه، وفي قوله ﴿ أفلا تتقون ﴾ مثل هذا الترغيب مع التخويف وكان أولى بالآية الثانية لأجل التدرج ولتعظيم السموات والعرش، ولأن تذكر واجب الوجود مقدم على اتقاء مخالفته، قال جار الله: أجرت فلاناً على فلان إذا أغثته منه ومنعته يعني وهو يغيث من يشاء ممن يشاء ولا يغيث احد منه أحداً ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ بهذه الصفة غيره فأجيبوني به.
ومعنى ﴿ تسحرون ﴾ تخدعون عن طاعته والخادع هو الشيطان والهوى.
ثم بين بقوله ﴿ بل أتيناهم بالحق ﴾ أنه قد بالغ في الحجاج عليهم بهذه الآيات حتى استبان بما هو الحق والصدق ﴿ وإنهم ﴾ مع ذلك ﴿ لكاذبون ﴾ حيث يدعون له الولد والشريك وينسبون إليه العجز عن الإعادة.
التأويل: ﴿ من خشية ربهم مشفقون ﴾ إشارة إلى استيلاء سلطان الهيبة في الحضور والغيبة ﴿ بآيات ربهم يؤمنون ﴾ هي ما يكاشف لهم من شواهد الحق في السر والعلانية ﴿ بربهم لا يشركون ﴾ هو ترك الملاحظة في رد الناس وقبولهم ومدحهم وذمهم وانقطاع النظر في المضار والضار عن الوسائط والأسباب ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ يتوجهون إلى الله وينقطعون عما سواه ﴿ وهم لها سابقون ﴾ على قدر سبق العناية ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ كلفهم أن يقولوا لا إله إلا الله وهم قادرون على ذلك، وأمرهم بقبول دعوة الأنبياء وما هم بعد بعاجزين عنه، وقد كتب في اللوح أنهم يقدرون على هذه التكاليف.
﴿ وهم لا يظلمون ﴾ فلا يكلفون ما ليس في وسعهم واستعدادهم ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ﴾ مجرميهم بعذاب فساد الاستعداد لفسدت سموات أرواحهم وأرض نفوسهم ومن فيهن من القلب والسر ﴿ وهو خير الرازقين ﴾ فيه أن العلماء بالله عليهم أن لا يدنسوا وجوه قلوبهم الناضرة بدنس الأطماع الفارقة.
﴿ ولقد أخذناهم ﴾ أولاً بعذاب الغبن ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم ﴾ باب عذاب الرين يحيي بنوره قلوب بعض عباده ويميت نفوسهم عن صفاتها الذميمة، أو يحيي بعض النفوس باتباع شهواتها ويميت بعض القلوب باستيلاء ظلمات الطبيعة عليها ﴿ وله اختلاف ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية أو طول ليل الفراق وقصر نهار الوصال ﴿ قالوا أئذا متنا ﴾ فيه أن الياس من الوصول والوصال ليس من شيم أهل الكمال فقد تقوم قيامة العشق فيبعث القلب الميت ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ ملكوت كل شيء هي جهة روحانيته ﴿ وهو يجير ﴾ الأشياء بقيوميته عن الهلاك ولا مانع له ممن أراد به أن لا يجيره.
<div class="verse-tafsir"
قوله : ﴿ قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .
فقالوا: لله، لم يجدوا بدّاً من أن يقولوا: لله وأن يقروا؛ لأنهم لو أنكروا ذلك لظهر جهلهم عند كل الخلائق؛ فقالوا: لله؛ فيقول: فإذا عرفتم أن ذلك كله له، وهو خالقهم، فكيف تركتم طاعته، وأنا لست أدعوكم إلا إلى ذلك: أن تجعلوا الأرض وما فيها كله لله؛ أفلا تتعظون وتقرون بما أدعوكم إليه؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ﴾ لا بد لهم من أن يقروا بذلك، فإذا عرفتم بذلك وأقررتم به: ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ : مخالفته، وتتقون نقمته.
وكذلك ما قال: ﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
فإذا عرفتم ذلك، وأقررتم به، ﴿ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ ﴾ : قيل: فأنى تصرفون عن ذلك.
وقال بعضهم: فأنى تخدعون وتفرون في ذلك؛ إذا عرفتم أن ذلك كله لله.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ ﴾ : رسول الله وتقولون: إنه ساحر كذاب، وهو ليس يدعوكم إلا إلى ما أقررتم واعترفتم به؛ فأنى تنسبونه إلى السحر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ : قد ذكرناه فيما تقدم.
قوله: ﴿ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾ .
أي: هو يؤمن كل خائف، ولا يقدر أحد أن يؤمن من أخافه هو، وهو كقوله: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ...
﴾ الآية [يونس: 107].
قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾ ، أي: لا يمنع، ﴿ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾ ، أي: لا يقدر أحد أن يمنع منه أحداً؛ ﴿ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ ﴾ ، أي: تغرون وتخدعون، تقول: سحرت، أي: خدعت وغررت، وقال: تسحرون، أي: تخدعون وتصرفون عن هذا، وسمي السحر من هذا.
وقوله: ﴿ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ ﴾ .
قد ذكرنا أنه يحتمل وجوهاً: أحدها: بالحق، أي: بوحدانية الله، وألوهيته، وتعاليه عن الشركاء والولد، وعما وصفوه.
أو أن يكون قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: بالقرآن الذي عرفوه أنه حق، وأنه من عند الله.
أو أن يريد ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : محمداً صلى لله عليه وسلم عرفوا أنه حق وأنه رسول الله إليهم.
أو أن يكون ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ما ذكر: من ذكرهم، وما فيه شرفهم ومنزلتهم.
و ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ الذي يكون لله عليهم، وما لبعضهم على بعض من الحقوق، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
في وصفهم ربهم ما وصفوه بما لا يليق وصفه به.
أو كاذبون [في قولهم بأن] القرآن مفترى مختلق من عند الله.
أو كاذبون في قولهم: بأنه ساحر، وأنه مجنون، وأنه ليس برسول؛ كذبوا في جميع ما أنكروا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ ﴾ .
جائز أن يكون كل حرف من هذه الحروف موصولا بعضه ببعض لما تقدم.
وجائز أن يكون كل حرف من هذه الأحرف منفصلا من الأول مستبدا بذاته.
فإن كان على الأوّل فيكون قوله: ﴿ مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ ﴾ ، ولو كان اتخذ ولدا لكان إلها؛ إذ الولد يكون من جنس الوالد ومن جوهره، لا يكون من خلاف جوهره ولا من غير جنسه في المتعارف؛ فإذا كان إلها من الوجه الذي ذكرنا لذهب إذن كل إله بما خلق.
وإن كان منفصلا، فهو على ما ذكر من فساد ذلك كله؛ لأنه قال: ولو كان معه إله - على ما زعموا - إذن لذهب كل إله بما خلق من: الخير، والشر، والدلالة على ألوهيته.
﴿ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ .
أي: قهر وغلب بعضهم بعضا على ما يكون من عادة ملوك الأرض؛ فإذا كان ما قالوا ذهب دلالة الألوهية والربوبية؛ فإذا لم يكن ذلك دل أنه واحد لا شريك معه ولا ولد؛ إذ اتساق التدبير، وجري الأشياء على حد واحد وسنن واحد دل على ألوهية واحد لا لعدد؛ إذ لو كان لعدد لكان ما ذكر من غلبة بعض على بعض، وقهر بعض على بعض، ثم ما ذكر: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ .
ثم معلوم أن مثل هذا الاحتجاج لا يكون مع الذين ينكرون ألوهية الله ويعبدون الأصنام، وهم مشركو العرب وكفار مكة، ولكن إنما يكون مع الذين يقرون بألوهية الله، لكن يجعلون معه شريكاً لحاجة تقع له، وهم: الثنوية والدهرية والمجوس، وأولئك الذين يجعلون خالق الشر غير خالق الخير، وخالق هذا غير خالق هذا؛ فيكون قوله: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ على هذا، أي: يتعالى عما وصفوه بالحاجة له في خلق ما خلق، والنفع له في ذلك، وكذلك قوله: ﴿ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .
وأما على ظاهر ما تقدم ذكره: من اتخاذ الولد والشريك - سبحان الله عما يصفونه من الولد والشريك، وما قالوا فيه ونسبوا إليه ما لا يليق به.
أو أن يكون قوله: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ كما يوصف المخلوق المحدث؛ لأنهم وصفوه بالولد، والولد في متعارف الخلق لا يكون إلا من الوالد والأم، هذا [هو] التوالد المعروف فيما بين الخلق، فإذا وصفوه باتخاذ الولد شبهوه بالمخلوق المحدث من الوجه الذي ذكرنا؛ فنزه نفسه عن ذلك.
<div class="verse-tafsir"
سيقولون: ملك كل شيء بيده سبحانه، فقل لهم: فكيف تذهب عقولكم، وتعبدون غيره مع إقراركم بذلك؟!
من فوائد الآيات عدم اعتبار الكفار بالنعم أو النقم التي تقع عليهم دليل على فساد فطرهم.
كفران النعم صفة من صفات الكفار.
التمسك بالتقليد الأعمى يمنع من الوصول للحق.
الإقرار بالربوبية ما لم يصحبه إقرار بالألوهية لا ينجي صاحبه.
<div class="verse-tafsir" id="91.ReBNl"