الآية ١٩٤ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٩٤ من سورة آل عمران

رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ١٩٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 119 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩٤ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩٤ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) قيل : معناه : على الإيمان برسلك .

وقيل : معناه : على ألسنة رسلك .

وهذا أظهر .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو اليمان ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن عمرو بن محمد ، عن أبي عقال ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عسقلان أحد العروسين ، يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفا لا حساب عليهم ، ويبعث منها خمسين ألفا شهداء وفودا إلى الله ، وبها صفوف الشهداء ، رءوسهم مقطعة في أيديهم ، تثج أوداجهم دما ، يقولون : ( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ) فيقول : صدق عبدي ، اغسلوهم بنهر البيضة .

فيخرجون منه نقاء بيضا ، فيسرحون في الجنة حيث شاءوا " .

وهذا الحديث يعد من غرائب المسند ، ومنهم من يجعله موضوعا ، والله أعلم .

( ولا تخزنا يوم القيامة ) أي : على رءوس الخلائق ( إنك لا تخلف الميعاد ) أي : لا بد من الميعاد الذي أخبرت عنه رسلك ، وهو القيام يوم القيامة بين يديك .

وقد قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا الحارث بن سريج حدثنا المعتمر ، حدثنا الفضل بن عيسى ، حدثنا محمد بن المنكدر ، أن جابر بن عبد الله حدثه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " العار والتخزية تبلغ من ابن آدم في القيامة في المقام بين يدي الله ، عز وجل ، ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار " حديث غريب .

وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده ، فقال البخاري ، رحمه الله : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا محمد بن جعفر ، أخبرني شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عن كريب عن ابن عباس قال : بت عند خالتي ميمونة ، فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد ، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) ثم قام فتوضأ واستن .

فصلى إحدى عشرة ركعة .

ثم أذن بلال فصلى ركعتين ، ثم خرج فصلى بالناس الصبح .

وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن إسحاق الصنعاني ، عن ابن أبي مريم ، به ثم رواه البخاري من طرق عن مالك ، عن مخرمة بن سليمان ، عن كريب ، عن ابن عباس أنه بات عند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي خالته ، قال : فاضطجعت في عرض الوسادة ، واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طولها ، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا انتصف الليل - أو قبله بقليل ، أو بعده بقليل - استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من منامه ، فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده ، ثم قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران ، ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه ثم قام يصلي - قال ابن عباس : فقمت فصنعت مثل ما صنع ، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه - فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي ، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها فصلى ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ثم أوتر ، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن ، فقام فصلى ركعتين خفيفتين ، ثم خرج فصلى الصبح .

وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن مالك ، به ورواه مسلم أيضا وأبو داود من وجوه أخر ، عن مخرمة بن سليمان ، به .

" طريق أخرى " لهذا الحديث عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] .

قال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن علي ، أخبرنا أبو يحيى بن أبي مسرة أنبأنا خلاد بن يحيى ، أنبأنا يونس بن أبي إسحاق ، عن المنهال بن عمرو ، عن علي بن عبد الله بن عباس ، عن عبد الله بن عباس قال : أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظ صلاته .

قال : فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة العشاء الآخرة ، حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيره قام فمر بي ، فقال : " من هذا ؟

عبد الله ؟

" فقلت نعم .

قال : " فمه ؟

" قلت : أمرني العباس أن أبيت بكم الليلة .

قال : " فالحق الحق " فلما أن دخل قال : " افرشن عبد الله ؟

" فأتى بوسادة من مسوح ، قال فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها حتى سمعت غطيطه ، ثم استوى على فراشه قاعدا ، قال : فرفع رأسه إلى السماء فقال : " سبحان الملك القدوس " ثلاث مرات ، ثم تلا هذه الآيات من آخر سورة آل عمران حتى ختمها .

وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي ، من حديث علي بن عبد الله بن عباس حديثا في ذلك أيضا .

طريق أخرى رواها ابن مردويه ، من حديث عاصم بن بهدلة ، عن بعض أصحابه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة بعد ما مضى ليل ، فنظر إلى السماء ، وتلا هذه الآية : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) إلى آخر السورة .

ثم قال : " اللهم اجعل في قلبي نورا ، وفي سمعي نورا ، وفي بصري نورا ، وعن يميني نورا ، وعن شمالي نورا ، ومن بين يدي نورا ، ومن خلفي نورا ، ومن فوقي نورا ، ومن تحتي نورا ، وأعظم لي نورا يوم القيامة " وهذا الدعاء ثابت في بعض طرق الصحيح ، من رواية كريب ، عن ابن عباس ، رضي الله عنه .

.

ثم روى ابن مردويه وابن أبي حاتم من حديث جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : أتت قريش اليهود فقالوا : بما جاءكم موسى من الآيات ؟

قالوا : عصاه ويده البيضاء للناظرين .

وأتوا النصارى فقالوا : كيف كان عيسى فيكم ؟

قالوا : كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى .

فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا .

فدعا ربه ، عز وجل ، فنزلت : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) قال : " فليتفكروا فيها " لفظ ابن مردويه .

وقد تقدم سياق الطبراني لهذا الحديث في أول الآية ، وهذا يقتضي أن تكون هذه الآيات مكية ، والمشهور أنها مدنية ، ودليله الحديث الآخر ، قال ابن مردويه : حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل ، أخبرنا أحمد بن علي الحراني ، حدثنا شجاع بن أشرس ، حدثنا حشرج بن نباتة الواسطي أبو مكرم ، عن الكلبي - هو أبو جناب [ الكلبي ] - عن عطاء قال : انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة ، رضي الله عنها ، فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب ، فقالت : يا عبيد ، ما يمنعك من زيارتنا ؟

قال : قول الشاعر : زر غبا تزدد حبا فقال ابن عمر : ذرينا أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فبكت وقالت : كل أمره كان عجبا ، أتاني في ليلتي حتى مس جلده جلدي ، ثم قال : ذريني أتعبد لربي [ عز وجل ] قالت : فقلت : والله إني لأحب قربك ، وإني أحب أن تعبد لربك .

فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء ، ثم قام يصلي ، فبكى حتى بل لحيته ، ثم سجد فبكى حتى بل الأرض ، ثم اضطجع على جنبه فبكى ، حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح قالت : فقال : يا رسول الله ، ما يبكيك ؟

وقد غفر الله لك ذنبك ما تقدم وما تأخر ، فقال : " ويحك يا بلال ، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل علي في هذه الليلة : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) " ثم قال : " ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها " .

وقد رواه عبد بن حميد ، عن جعفر بن عون ، عن أبي جناب الكلبي عن عطاء ، بأطول من هذا وأتم سياقا .

وهكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه ، عن عمران بن موسى ، عن عثمان بن أبي شيبة ، عن يحيى بن زكريا ، عن إبراهيم بن سويد النخعي ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء قال : دخلت أنا [ وعبد الله بن عمر ] وعبيد بن عمير على عائشة فذكر نحوه .

وهكذا رواه عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب " التفكر والاعتبار " عن شجاع بن أشرص ، به .

ثم قال : حدثني الحسن بن عبد العزيز : سمعت سنيدا يذكر عن سفيان - هو الثوري - رفعه قال : من قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيه ويله .

يعد بأصابعه عشرا .

قال الحسن بن عبد العزيز : فأخبرني عبيد بن السائب قال : قيل للأوزاعي : ما غاية التفكر فيهن ؟

قال : يقرؤهن وهو يعقلهن .

قال ابن أبي الدنيا : وحدثني قاسم بن هاشم ، حدثنا علي بن عياش ، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان قال : سألت الأوزاعي عن أدنى ما يتعلق به المتعلق من الفكر فيهن وما ينجيه من هذا الويل ؟

فأطرق هنية ثم قال : يقرؤهن وهو يعقلهن .

[ حديث آخر فيه غرابة : قال أبو بكر بن مردويه : أنبأنا عبد الرحمن بن بشير بن نمير ، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم البستي ح وقال : أنبأنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد ، حدثنا أحمد بن عمرو قالا أنبأنا هشام بن عمار ، أنبأنا سليمان بن موسى الزهري ، أنبأنا مظاهر بن أسلم المخزومي ، أنبأنا سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة .

مظاهر بن أسلم ضعيف ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وما وجه مسألة هؤلاء القوم ربَّهم أن يؤتيهم ما وعدهم، وقد علموا أن الله منجز وعده، وغيرُ جائز أن يكون منه إخلاف موعد؟

قيل: اختلف في ذلك أهل البحث.

(47) فقال بعضهم: ذلك قول خرج مخرج المسألة، ومعناه الخبر.

قالوا: وإنما تأويل الكلام: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة.

قالوا: وليس ذلك على أنهم قالوا: " إن توفيتنا مع الأبرار، فأنجز لنا ما وعدتنا "، لأنهم قد علموا أن الله لا يخلف الميعاد، وأن ما وعد على ألسنة رسله ليس يعطيه بالدعاء، (48) ولكنه تفضل بابتدائه، ثم ينجزه.

(49) * * * وقال آخرون: بل ذلك قول من قائليه على معنى المسألة والدعاء لله بأن يجعلهم ممن آتاهم ما وعدهم من الكرامة على ألسن رسله، (50) لا أنهم كانوا قد &; 7-484 &; استحقوا منـزلة الكرامة عند الله في أنفسهم، ثم سألوه أن يؤتيهم ما وعدهم بعد علمهم باستحقاقهم عند أنفسهم، فيكون ذلك منهم مسألة لربهم أن لا يُخلف وعده.

قالوا: ولو كان القوم إنما سألوا ربهم أن يؤتيهم ما وعد الأبرار، لكانوا قد زكَّوْا أنفسهم، وشهدوا لها أنها ممن قد استوجب كرامة الله وثوابه.

قالوا.

وليس ذلك صفة أهل الفضل من المؤمنين.

* * * وقال آخرون: بل قالوا هذا القول على وجه المسألة، والرغبة منهم إلى الله أن يؤتيهم ما وعدهم من النصر على أعدائهم من أهل الكفر، والظفر بهم، وإعلاء كلمة الحق على الباطل، فيعجل ذلك لهم.

قالوا: ومحال أن يكون القوم= مع وصف الله إياهم بما وصفهم به، كانوا على غير يقين من أن الله لا يخلف الميعاد، فيرغبوا إلى الله جل ثناؤه في ذلك، ولكنهم كانوا وُعدوا النصرَ، ولم يوقَّت لهم في تعجيل ذلك لهم، لما في تعجَله من سرور الظفر ورَاحة الجسد.

* * * قال أبو جعفر: والذي هو أولى الأقوال بالصواب في ذلك عندي، أن هذه الصفة، صفة من هاجر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من وطنه وداره، مفارقًا لأهل الشرك بالله إلى الله ورسوله، وغيرهم من تُبّاع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين رغبوا إلى الله في تعجيل نصرتهم على أعداء الله وأعدائهم، فقالوا: ربنا آتنا ما وعدتنا من نُصرتك عليهم عاجلا فإنك لا تخلف الميعاد، ولكن لا صبر لنا على أناتك وحلمك عنهم، فعجل [لهم] خزيهم، ولنا الظفر عليهم.

(51) يدل على صحة ذلك آخر الآية الأخرى، وهو قوله: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا الآيات بعدها.

وليس ذلك مما ذهب إليه الذين حكيت قولهم في شيء.

وذلك أنه غير موجود في كلام العرب أن يقال: " افعل بنا يا رب كذا وكذا "، بمعنى: " لتفعل بنا كذا وكذا ".

(52) ولو جاز ذلك، لجاز أن يقول القائل لآخر (53) : " أقبل إليّ وكلمني"، بمعنى: " أقبل إليّ لتكلمني"، وذلك غير موجود في الكلام ولا معروف جوازه.

وكذلك أيضًا غير معروف في الكلام: "آتنا ما وعدتنا "، بمعنى: " اجعلنا ممن آتيته ذلك ".

وإن كان كل من أعطى شيئًا سنيًّا، فقد صُيِّر نظيرًا لمن كان مثله في المعنى الذي أعطيه.

ولكن ليس الظاهر من معنى الكلام ذلك، وإن كان قد يؤول معناه إليه.

(54) * * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: ربنا أعطنا ما وعدتنا على ألسن رسلك: أنك تُعلي كلمتك كلمةَ الحق، بتأييدنا على من كفر بك وحادَّك وعبد غيرك (55) = وعجَل لنا ذلك، فإنا قد علمنا أنك لا تخلف ميعادك- ولا تخزنا يوم القيامة فتفضحنا بذنوبنا التي سلفت منا، ولكن كفِّرها عنا واغفرها لنا.

وقد:- 8366 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك "، قال: يستنجز موعود الله على رُسله.

* * * --------------- الهوامش: (47) "أهل البحث" ، أهل النظر من المتكلمين ، وانظر ما سلف 5: 387 ، تعليق 2 ، وأيضا: 406 ، تعليق: 1.

(48) في المخطوطة: "بعطية" ، وعلى الياء شدة ، وكأن الصواب ما في المطبوعة على الأرجح.

(49) في المطبوعة: "تفضل بإيتائه" ، والصواب ما في المخطوطة ، يعني أن الله ابتدأه متفضلا به من غير سؤال ولا دعاء.

(50) في المطبوعة: "بل ذلك قول من قائله" على الإفراد ، وصواب السياق الجمع ، كما في المخطوطة.

(51) في المطبوعة: "فعجل حربهم" ، وفي المخطوطة ، غير منقوطة ، إلا نقطة على الخاء ، وصواب قراءتها ما أثبت.

وزدت"لهم" بين القوسين ، استظهارًا من قوله"ولنا الظفر عليهم".

ولو كان قوله"ولنا" تصحيف"وآتنا" ، لكان جيدًا أيضًا ، ولما احتاج الكلام إلى زيادة"لهم".

(52) في المطبوعة: "بمعنى أفعل بنا لكذا الذي.

ولو جاز ذلك..." ، وهذا خلط ليس له معنى مفهوم.

وفي المخطوطة: "بمعنى: افعل بنا كذى الذي.

ولو جاز ذلك" ، وهذا خلط أشد فسادًا من الأول.

والصواب الذي لا شك فيه هو ما أثبته ، لأن هذا رد من أبي جعفر على أصحاب القول الأول الذين قالوا إنها بمعنى: "لتؤتينا ما وعدتنا" في تفسير"وآتنا ما وعدتنا" ، ولأنه مثل بعد بقوله: "أقبل إلي وكلمني" ، أنه غير موجود بمعنى"أقبل إلي لتكلمني".

(53) في المخطوطة والمطبوعة: "أن يقول القائل الآخر" وهو خطأ لا شك فيه.

(54) وهذا رد على أصحاب القول الثاني من الأقوال الثلاثة التي ذكرها قبل.

وهم الذين قالوا إن قوله: "وآتنا ما وعدتنا" ، على معنى المسألة والدعاء لله بإن يجعلهم ممن آتاهم ما وعدهم.

(55) في المخطوطة: "بأيدينا على من كفر بك" ، وأرجح ما جاء في المطبوعة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ أي على ألسنة رسلك ; مثل " واسأل القرية " .وقرأ الأعمش والزهري " رسلك " بالتخفيف , وهو ما ذكر من استغفار الأنبياء والملائكة للمؤمنين ; والملائكة يستغفرون لمن في الأرض .وما ذكر من دعاء نوح للمؤمنين ودعاء إبراهيم واستغفار النبي صلى الله عليه وسلم لأمته .

وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أي لا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا , ولا تهنا ولا تبعدنا ولا تمقتنا يوم القيامة إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ إن قيل : ما وجه قولهم " ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك " [ آل عمران : 194 ] وقد علموا أنه لا يخلف الميعاد ; فالجواب من ثلاثة أوجه : الأول : أن الله سبحانه وعد من آمن بالجنة , فسألوا أن يكونوا ممن وعد بذلك دون الخزي والعقاب .الثاني : أنهم دعوا بهذا الدعاء على جهة العبادة والخضوع ; والدعاء مخ العبادة .وهذا كقوله " قال رب احكم بالحق " [ الأنبياء : 112 ] وإن كان هو لا يقضي إلا بالحق .الثالث : سألوا أن يعطوا ما وعدوا به من النصر على عدوهم معجلا ; لأنها حكاية عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , فسألوه ذلك إعزازا للدين .والله أعلم .وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من وعده الله عز وجل على عمل ثوابا فهو منجز له رحمة ومن وعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار ) .والعرب تذم بالمخالفة في الوعد وتمدح بذلك في الوعيد ; حتى قال قائلهم : ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ولا أختفي من خشية المتهدد وإني متى أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما ذكروا توفيق الله إياهم للإيمان، وتوسلهم به إلى تمام النعمة، سألوه الثواب على ذلك، وأن ينجز لهم ما وعدهم به على ألسنة رسله من النصر، والظهور في الدنيا، ومن الفوز برضوان الله وجنته في الآخرة، فإنه تعالى لا يخلف الميعاد، فأجاب الله دعاءهم، وقبل تضرعهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) أي : على ألسنة رسلك ، ( ولا تخزنا ) ولا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا ولا تهنا ، ( يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ) فإن قيل : ما وجه قولهم : ( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) وقد علموا أن الله لا يخلف الميعاد؟

قيل : لفظه دعاء ومعناه خبر أي : لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك تقديره : ( فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ( ولا تخزنا يوم القيامة ) لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك من الفضل والرحمة وقيل : معناه ربنا واجعلنا ممن يستحقون ثوابك وتؤتيهم ما وعدتهم على ألسنة رسلك لأنهم لم يتيقنوا استحقاقهم لتلك الكرامة فسألوه أن يجعلهم مستحقين لها ، وقيل : إنما سألوه تعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء ، قالوا : قد علمنا أنك لا تخلف ولكن لا صبر لنا على حلمك فعجل خزيهم وانصرنا عليهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ربَّنا وآتنا» أعطنا «ما وعدتنا» به «على» ألسنه «رسلك» من الرحمة والفضل وسؤالهم ذلك وإن كان وعده تعالى لا يخلف سؤال أن يجعلهم من مستحقيه لأنهم لم يتيقنوا استحقاقهم له وتكرير ربَّنا مبالغة في التضرع «ولا تُخزنا يوم القيامة إنك لا تُخلف الميعاد» الوعد بالبعث والجزاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا ربنا أعطنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من نصر وتمكين وتوفيق وهداية، ولا تفضحنا بذنوبنا يوم القيامة، فإنك كريم لا تُخْلف وعدًا وَعَدْتَ به عبادك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن أنهم ترقوا فانتقلوا من طلب الغفران إلى طلب الثواب الجزيل ، والعطاء الحسن فقال - تعالى - حكاية عنهم { رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } .أي نسألك يا ربنا أن تعطينا وتمنحنا بعد وفاتنا ، وحين قيامنا من قبورنا يوم القيامة ، ما وعدتنا به من ثواب فى مقابل تصديقنا لرسلك ، وطاعتنا لهم ، واستجابتنا لأوامرهم ونواهيهم { وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة } أى ولا تذلنا ولا تفضحنا يوم المحشر على رءوس الأشهاد { إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } .

أى أنك - سبحانك - لا تخلف وعدك الذى وعدته لعبادك الصالحين .فهم قد جعلوا هذا الدعاء وهو طلب الثواب الجزيل يوم القيامة ، ختاما لدعواتهم ، لشعورهم بهفواتهم وبتقصيرهم أمام فضل الله ونعمه .والمراد بقولهم { مَا وَعَدتَّنَا } الثواب والعطاء الكائن منه - سبحانه - و " ما " موصولة أى آتنا الذى وعدتنا به أو وعدتنا إياه .وقوله { على رُسُلِكَ } فيه مضاف محذوف أى آتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من ثواب .

أو آتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك والإيمان بهم من جزاء حسن .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف دعوا الله بإنجاز ما وعد والله لا يخلف الميعاد؟

.قلت : معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد ، أو هو من باب الملجأ إلى الله والخضوع له ، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، " يستغفرون مع علمهم بأنهم مغفور لهم ، يقصدون بذلك التذلل لربهم ، والتضرع إليه ، والملجأ الذى هو سيما العبودية " .تلك هى الدعوات الخاشعات التى حكاها - سبحانه - عن أصحاب العقول السليمة ، وهم يتضرعون بها إلى خالقهم - عز وجل - فماذا كانت نتيجتها؟

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على ﴾ فيه حذف المضاف ثم فيه وجوه: أحدها: وآتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك.

وثانيها: وآتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك، والدليل عليه أن هذه الآية مذكورة عقيب ذكر المنادي للايمان وهو، الرسول وعقيب قوله: ﴿ آمنا ﴾ وهو التصديق.

المسألة الثانية: هاهنا سؤال: وهو أن الخلف في وعد الله محال، فكيف طلبوا بالدعاء ما علموا أنه لا محالة واقع؟

والجواب عنه من وجوه: الأول: أنه ليس المقصود من الدعاء طلب الفعل، بل المقصود منه إظهار الخضوع والذلة والعبودية، وقد أمرنا بالدعاء في أشياء نعلم قطعا أنها توجد لا محالة، كقوله: ﴿ قُل رَّبّ احكم بالحق  ﴾ وقوله: ﴿ فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ  ﴾ .

والوجه الثاني في الجواب: أن وعد الله لا يتناول آحاد الأمة بأعيانهم، بل إنما يتناولهم بحسب أوصافهم، فانه تعالى وعد المتقين بالثواب، ووعد الفساق بالعقاب، فقوله: ﴿ وَءاتِنَا مَا وعدتنا ﴾ معناه: وفقنا للاعمال التي بها نصير أهلا لوعدك، واعصمنا من الأعمال التي نصير بها أهلا للعقاب والخزي، وعلى هذا التقدير يكون المقصود من هذه الآية طلب التوفيق للطاعة والعصمة عن المعصية.

الوجه الثالث: ان الله تعالى وعد المؤمنين بأن ينصرهم في الدنيا ويقهر عدوهم، فهم طلبوا تعجيل ذلك، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال.

المسألة الثالثة: الآية دلت على أنهم إنما طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق لأنهم قالوا: ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك، وفي آخر الكلام قالوا: ﴿ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد ﴾ وهذا يدل على أن المقتضي لحصول منافع الآخرة هو الوعد لا الاستحقاق.

المسألة الرابعة: هاهنا سؤال آخر: وهو أنه متى حصل الثواب كان اندفاع العقاب لازما لا محالة، فقوله: ﴿ أَتَِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ ﴾ طلب للثواب، فبعد طلب الثواب كيف طلب ترك العقاب؟

وهو قوله: ﴿ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة ﴾ بل لو طلب ترك العقاب أولا ثم طلب إيصال الثواب كان الكلام مستقيما.

والجواب من وجهين: الأول: أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم والسرور فقوله: ﴿ أَتَِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ ﴾ المراد منه المنافع، وقوله: ﴿ وَلاَ تُخْزِنَا ﴾ المراد منه التعظيم.

الثاني: أنا قد بينا أن المقصود من هذه الآية طلب التوفيق على الطاعة والعصمة عن المعصية، وعلى هذا التقدير يحسن النظم كأنه قيل: وفقتنا للطاعات، واذا وفقنا لها فاعصمنا عما يبطلها ويزيلها ويوقعنا في الخزي والهلاك، والحاصل كأنه قيل: وفقنا لطاعتك فانا لا نقدر على شيء من الطاعات إلا بتوفيقك، واذا وفقت لفعلها فوفقنا لاستبقائها فانا لا نقدر على استبقائها واستدامتها إلا بتوفيقك، وهو إشارة الى أن العبد لا يمكنه عمل من الأعمال، ولا فعل من الأفعال، ولا لمحة ولا حركة إلا باعانة الله وتوفيقه.

المسألة الخامسة: قوله: ﴿ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة ﴾ شبيه بقوله: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ  ﴾ فانه ربما ظن الإنسان أنه على الاعتقاد الحق والعمل الصالح، ثم انه يوم القيامة يظهر له أن اعتقاده كان ضلالا وعمله كان ذنبا، فهناك تحصل الخجالة العظيمة والحسرة الكاملة والأسف الشديد، ثم قال حكماء الاسلام: وذلك هو العذاب الروحاني.

قالوا: وهذا العذاب أشد من العذاب الجسماني، ومما يدل على هذا أنه سبحانه حكى عن هؤلاء العباد المؤمنين أنهم طلبوا في هذا الدعاء أشياء فأول مطالبهم الاحتراز عن العذاب الجسماني وهو قوله: ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ  ﴾ وآخرها الاحتراز عن العذاب الروحاني وهو قوله: ﴿ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة ﴾ وذلك يدل على أن العذاب الروحاني أشد من العذاب الجسماني.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ فقد أبلغت في إخزائه.

وهو نظير قوله (فقد فاز).

ونحوه في كلامهم: من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك، ومن سبق فلاناً فقد سبق ﴿ وَمَا للظالمين ﴾ اللام إشارة إلى من يدخل النار وإعلام بأنّ من يدخل النار فلا ناصر له بشفاعة ولا غيرها.

تقول: سمعت رجلاً يقول كذا، وسمعت زيداً يتكلم، فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع، لأنك وصفته بما يسمع أو جعلته حالاً عنه فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد، وأن يقال سمعت كلام فلان أو قوله.

فإن قلت: فأيّ فائدة في الجمع بين المنادي وينادي؟

قلت: ذكر النداء مطلقاً ثم مقيداً بالإيمان تفخيما لشأن المنادي؛ لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان.

ونحوه قولك: مررت بهاد يهدي للإسلام.

وذلك أنّ المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب، أو لإطفاء النائرة، أو لإغاثة المكروب، أو لكفاية بعض النوازل، أو لبعض المنافع، وكذلك الهادي قد يطلق على من يهدي للطريق ويهدي لسداد الرأي وغير ذلك؛ فإذا قلت: ينادي للإيمان ويهدي للإسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته.

ويقال: دعاه لكذا وإلى كذا، وندبه له وإليه، وناداه له وإليه.

ونحوه: هداه للطريق وإليه، وذلك أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص واقعان جميعاً، والمنادي هو الرسول ﴿ ادعوا إِلَى الله ﴾ [يوسف: 108] ، و ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ ﴾ [النحل: 125] .

وعن محمد بن كعب: القرآن.

﴿ أَنْ ءَامِنُواْ ﴾ أي آمنوا، أو بأن آمنوا ﴿ ذُنُوبَنَا ﴾ كبائرنا ﴿ سيئاتنا ﴾ صغائرنا ﴿ مَعَ الابرار ﴾ مخصوصين بصحبتهم، معدودين في جملتهم.

والأبرار: جمع برّ أو بارّ، كرب وأرباب، وصاحب وأصحاب ﴿ على رُسُلِكَ ﴾ على هذه صلة للوعد، كما في قولك: وعد الله الجنة على الطاعة.

والمعنى: ما وعدتنا على تصديق رسلك.

ألا تراه كيف أتبع ذكر المنادي للإيمان وهو الرسول وقوله آمنا وهو التصديق ويجوزأن يكون متعلقاً بمحذوف، أي ما وعدتنا منزلاً على رسلك، أو محمولاً على رسلك، لأن الرسل محملون ذلك ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ ﴾ [النور: 54] وقيل: على ألسنة رسلك.

والموعود هو الثواب.

وقيل: النصرة على الأعداء.

فإن قلت: كيف دعوا الله بإنجاز ما وعد الله لا يخلف الميعاد؟

قلت: معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد أو هو باب من اللجأ إلى الله والخضوع له، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يستغفرون مع علمهم أنهم مغفور لهم، يقصدون بذلك التذلل لربهم والتضرع إليه، واللجأ الذي هو سيما العبودية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ﴾ أيْ ما وعَدْتَنا عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ مِنَ الثَّوابِ.

لِما أظْهَرَ امْتِثالَهُ لِما أُمِرَ بِهِ سَألَ ما وُعِدَ عَلَيْهِ لا خَوْفًا مِن إخْلافِ الوَعْدِ بَلْ مَخافَةُ أنْ لا يَكُونَ مِنَ المَوْعُودِينَ لِسُوءِ عاقِبَةٍ، أوْ قُصُورٍ في الِامْتِثالِ أوْ تَعَبُّدًا واسْتِكانَةً.

ويَجُوزُ أنْ يُعَلَّقَ عَلى بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ما وعَدْتَنا مُنَزَّلًا عَلى رُسُلِكَ، أوْ مَحْمُولًا عَلَيْهِمْ.

وقِيلَ مَعْناهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ.

﴿ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ بِأنْ تَعْصِمَنا عَمّا يَقْتَضِيهِ.

﴿ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ بِإثابَةِ المُؤْمِنِ وإجابَةِ الدّاعِي وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المِيعادُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ.

وَتَكْرِيرُ رَبَّنا لِلْمُبالَغَةِ في الِابْتِهالِ والدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ المَطالِبِ وعُلُوِّ شَأْنِها.

وَفِي الآثارِ « (مَن حَزَبَهُ أمْرٌ فَقالَ خَمْسَ مَرّاتٍ رَبَّنا أنْجاهُ اللَّهُ مِمّا يَخافُ).» <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ربنا وآتنا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ} أي على تصديق رسلك أو ما وعدتنا منزلاً على رسلك أو على ألسنة رسلك وعلى متعلق بوعدتنا والموعود هو الثواب أو النصرة على الأعداء وإنما طلبوا إنجاز ما وعد الله والله لا يخلف الميعاد لأن معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد أو المراد اجعلنا ممن لهم الوعد إذ الوعد غير مبين لمن هو أو المراد ثبتنا على ما يوصلنا إلى عدتك يؤتك يؤيده قوله {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة}

أو هو إظهار للخضوع والضراغة {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد} هو مصدر بمعنى الوعد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ رَبَّنا وآتِنا ﴾ أيْ بَعْدِ التَّوَفِّي ﴿ ما وعَدْتَنا ﴾ أيْ بِهِ أوْ إيّاهُ، والمُرادُ بِذَلِكَ الثَّوابُ ﴿ عَلى رُسُلِكَ ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِالوَعْدِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ، وعَدْتَنا عَلى تَصْدِيقٍ أوِ امْتِثالِ رُسُلِكَ وهو كَما يُقالُ - وعَدَ اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ عَلى الطّاعَةِ، وعَلى الثّانِي وعَدْتَنا وعْدًا كائِنًا عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ عَلى تَقْدِيرِ الألْسِنَةِ بِالوَعْدِ أيْضًا فَتَخِفَّ مُؤْنَةُ الحَذْفِ، وتَعَلُّقُهُ بِآتِنا كَما جَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ خِلافُ الظّاهِرِ.

وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ جَوَّزَ التَّعَلُّقَ بِكَوْنٍ مُقَيَّدٍ هو حالٌ مِن (ما) أيْ مُنْزَلًا أوْ مَحْمُولًا ﴿ عَلى رُسُلِكَ ﴾ .

واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ القاعِدَةَ أنَّ مُتَعَلِّقَ الظَّرْفِ إذا كانَ كَوْنًا مُقَيَّدًا لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، وإنَّما يُحْذَفُ إذا كانَ كَوْنًا مُطْلَقًا، وأيْضًا الظَّرْفُ هُنا حالٌ وهو إذا وقَعَ حالًا أوْ خَبَرًا أوْ صِفَةً يَتَعَلَّقُ بِكَوْنٍ مُطْلَقٍ لا مُقَيَّدٍ، وأُجِيبَ بِمَنعِ انْحِصارِ التَّعَلُّقِ في كَوْنٍ مُطْلَقٍ بَلْ يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِ أوْ بِمُقَيَّدٍ، ويَجُوزُ حَذْفُهُ إذا كانَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، ولا يَخْفى مَتانَةُ الجَوابِ، وأنَّ إنْكارَ أبِي حَيّانَ لَيْسَ بِشَيْءٍ إلّا أنَّ تَقْدِيرَ كَوْنٍ مُقَيَّدٍ فِيما نَحْنُ فِيهِ تَعَسُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.

وزَعَمَ بَعْضُهم جَوازَ كَوْنِ عَلى بِمَعْنى مَعَ، وأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِآتِنا، ولا حَذْفَ لِشَيْءٍ أصْلًا، والمُرادُ آتِنا مَعَ رُسُلِكَ وشارِكْهم مَعَنا في أجْرِنا، فَإنَّ الدّالَّ عَلى الخَيْرِ كَفاعِلِهِ، وفائِدَةُ طَلَبِ تَشْرِيكِهِمْ مَعَهم أداءُ حَقِّهِمْ وتَكْثِيرُ فَضِيلِهِمْ بِبَرَكَةِ مُشارَكَتِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِمّا لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلِ عَلَيْهِ، بَلْ ولا كَلامُ أحَدٍ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وجَمَعَ الرُّسُلَ مَعَ أنَّ المُنادِيَ هو واحِدُ الآحادِ  وحْدَهُ لِما أنَّ دَعْوَتَهُ لا سِيَّما عَلى مِنبَرِ التَّوْحِيدِ، وما أجْمَعَ عَلَيْهِ الكُلُّ مِنَ الشَّرائِعِ مُنْطَوِيَةٌ عَلى دَعْوَةِ الكُلِّ فَتَصْدِيقُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَصْدِيقٌ لَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكَذا المَوْعُودُ عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الثَّوابِ مَوْعُودٌ عَلى لِسانِهِمْ، وإيثارُ الجَمْعِ عَلى الأوَّلِ لِإظْهارِ الرَّغْبَةِ في تَيّارِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الثَّوابَ عَلى تَصْدِيقِ رُسُلٍ أعْظَمُ مِنَ الثَّوابِ عَلى تَصْدِيقِ رَسُولٍ واحِدٍ، وعَلى الثّانِي لِإظْهارِ كَمالِ الثِّقَةِ بِإنْجازِ المَوْعُودِ بِناءً عَلى كَثْرَةِ الشُّهُودِ، وتَأْخِيرُ هَذا الدُّعاءِ بِناءً عَلى ما ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ المَوْصُولِ، ويَكادُ يَكُونُ مَقْطُوعًا بِهِ ظاهِرًا لِأنَّ الأمْرَ أُخْرَوِيٌّ.

وأمّا إذا فُسِّرَ بِالنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ كَما قِيلَ، فَتَأْخِيرُهُ عَمّا قَبْلَهُ إمّا لِأنَّهُ مِن بابِ التَّحْلِيَةِ والآخَرَ مِن بابِ التَّخْلِيَةِ، والتَّحْلِيَةُ مُتَأخِّرَةٌ عَنِ التَّخْلِيَةِ، وإمّا لِأنَّ الأوَّلَ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى تَحَقُّقِهِ النَّجاةَ في العُقْبى، وعَلى عَدَمِهِ الهَلاكَ فِيها، والثّانِي لَيْسَ كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى فَيَكُونُ دُونَهُ، فَلِهَذا أُخِّرَ عَنْهُ، وأيَّدَ كَوْنَ المُرادِ النَّصْرَ لا الثَّوابَ الأُخْرَوِيَّ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ لِأنَّ طَلَبَ الثَّوابِ يُغْنِي عَنْ هَذا الدُّعاءِ لِأنَّ الثَّوابَ مَتى حَصَلَ كانَ الخِزْيُ عَنْهم بِمَراحِلَ، وهَذا بِخِلافٍ ما إذا كانَ المُرادُ مِنَ الأوَّلِ الدُّعاءَ بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا فَإنَّ عَدَمَ الإغْناءِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ بَلْ في الجَمْعِ بَيْنَ الدُّعاءَيْنِ حِينَئِذٍ لَطافَةٌ إذْ مَآلُ الأوَّلِ (لا تُخْزِنا) في الدُّنْيا بِغَلَبَةِ العَدُوِّ عَلَيْنا فَكَأنَّهم قالُوا: لا تُخْزِنا في الدُّنْيا ولا تُخْزِنا في الآخِرَةِ، وغايَرُوا في التَّعْبِيرِ فَعَبَّرُوا في طَلَبِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ بِعِبارَةٍ لِلِاخْتِلافِ بَيْنَ المَطْلُوبَيْنِ أنْفُسِهِما، وأُجِيبَ بِأنَّ فائِدَةَ التَّعْقِيبِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ الإشارَةُ إلى أنَّهم طَلَبُوا ثَوابًا كامِلًا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ خِزْيٌ ووُقُوعٌ في بَلاءٍ، وكَأنَّهم لَمّا طَلَبُوا ما هو المُتَمَنّى الأعْظَمُ وغايَةُ ما يَرْجُوهُ الرّاجُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ الأيْوَمِ وهو الثَّوابُ التَفَتُوا إلى طَلَبِ ما يَعْظُمُ بِهِ أمْرُهُ ويَرْتَفِعُ بِهِ في ذَلِكَ المَوْقِفِ قَدْرُهُ وهو تَرْكُ العَذابِ بِالمَرَّةِ، وفي الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ عَلى هَذا مِنَ اللُّطْفِ ما لا يَخْفى، وأيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهم طَلَبُوا الثَّوابَ أوَّلًا بِاعْتِبارِ أنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ العَذابَ الجُسْمانِيَّ ثُمَّ طَلَبُوا دَفْعَ العَذابِ الرُّوحانِيِّ بِناءً عَلى أنَّ الخِزْيَ الإهانَةُ والتَّخْجِيلُ، فَيَكُونُ في الكَلامِ تَرَقٍّ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى كَأنَّهم قالُوا: رَبَّنا ادْفَعْ عَنّا العَذابَ الجُسْمانِيَّ وادْفَعْ عَنّا ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو العَذابُ الرُّوحانِيُّ، وإنْ أنْتَ أبَيْتَ هَذا وذاكَ وادَّعَيْتَ التَّلازُمَ بَيْنَ الثَّوابِ وتَرْكِ الخِزْيِ فَلَنا أنْ نَقُولَ: إنَّ القَوْمَ لِمَزِيدِ حِرْصِهِمْ وفَرْطِ رَغْبَتِهِمْ في النَّجاةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ الأهْوالُ وتَشِيبُ فِيهِ الأطْفالُ لَمْ يَكْتَفُوا بِأحَدِ الدُّعاءَيْنِ وإنِ اسْتَلْزَمَ الآخَرَ بَلْ جَمَعُوا بَيْنَهُما لِيَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الإلْحاحِ - واللَّهُ تَعالى يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ - فَهو أقْرَبُ إلى الإجابَةِ، وقَدَّمُوا الأوَّلَ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِما قَبْلَهُ صِيغَةً، ومِنَ النّاسِ مَن يُؤَوِّلُ هَذا الدُّعاءَ بِأنَّهُ طَلَبُ العِصْمَةِ عَمّا يَقْتَضِي الإخْزاءَ، وجُعِلَ خَتْمَ الأدْعِيَةِ لِيَكُونَ خِتامُها مِسْكًا لِأنَّ المَطْلُوبَ فِيهِ أمْرٌ عَظِيمٌ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ مَعْنًى ولَفْظًا، ويَجِبُ ذَلِكَ قَطْعًا إنْ كانَ الكَلامُ مُؤَوَّلًا، أوْ كانَ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ النَّصْرِ، ويَتَرَجَّحُ بَلْ يَكادُ يَجِبُ أيْضًا إذا كانَ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ الثَّوابِ واحْتِمالِ أنَّهُ مِمّا تَنازَعَ فِيهِ (آتِنا ﴿ ولا تُخْزِنا ﴾ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ هو كَما تَرى.

﴿ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ (194) تَذْيِيلٌ لِتَحْقِيقِ ما نَظَمُوا في سِلْكِ الدُّعاءِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِما قَبِلَ الأخِيرِ اللّازِمِ لَهُ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الأجْهُورِيُّ، و(المِيعادَ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الوَعْدِ، وقَيَّدَهُ الكَثِيرُ هُنا بِالإثابَةِ والإجابَةِ وهو الظّاهِرُ، وأمّا تَفْسِيرُهُ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - فَصَحِيحٌ لِأنَّهُ مِيعادُ النّاسِ لِلْجَزاءِ، وقَدْ يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ، وتَرْكُ العَطْفِ فِي هَذِهِ الأدْعِيَةِ المُفْتَتَحَةِ بِالنِّداءِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ المَطالِبِ وعُلُوِّ شَأْنِها، وقَدْ أشَرْنا إلى سِرِّ تَكْرارِ النِّداءِ بِذَلِكَ الِاسْمِ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ مَرَّةً: يا رَبِّ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى: لَبَّيْكَ يا مُوسى، فَعَجِبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذَلِكَ فَقالَ: يا رَبِّ أهَذا لِي خاصَّةً ؟

فَقالَ: لا ولَكِنْ لِكُلِّ مَن يَدْعُونِي بِالرُّبُوبِيَّةِ، وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَن أحْزَنَهُ أمْرٌ فَقالَ: رَبَّنا رَبَّنا خَمْسَ مَرّاتٍ نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِمّا يَخافُ وأعْطاهُ ما أرادَ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: ما مِن عَبْدٍ يَقُولُ يا رَبِّ ثَلاثَ مَرّاتٍ إلّا نَظَرَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، فَذُكِرَ لِلْحَسَنِ فَقالَ: أما تَقْرَأِ القُرْآنَ ﴿ رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا ﴾ إلَخْ.

فَإنْ قُلْتَ: إنَّ وعْدَ اللَّهِ تَعالى واجِبُ الوُقُوعِ لِاسْتِحالَةِ الخُلْفِ في وعْدِهِ سُبْحانَهُ إجْماعًا فَكَيْفَ طَلَبَ القَوْمُ ما هو واقِعٌ لا مَحالَةَ ؟

قُلْتُ: أُجِيبَ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ تَعالى لَهم لَيْسَ بِحَسَبِ ذَواتِهِمْ بَلْ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ، فالمَقْصُودُ مِنَ الدُّعاءِ التَّوْفِيقُ لِلْأعْمالِ الَّتِي يَصِيرُونَ بِها أهْلًا لِحُصُولِ المَوْعُودِ، أوِ المَقْصُودُ مُجَرَّدَ الِاسْتِكانَةِ والتَّذَلُّلِ لِلَّهِ تَعالى بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ وبِهَذا يَلْتَئِمُ التَّذْيِيلُ أتَمَّ التِئامٍ، واخْتارَ هَذا الجُبّائِيُّ وعَلِيُّ بْنُ عِيسى، أوِ الدُّعاءُ تَعَبُّدِيٌّ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ادْعُونِي ﴾ فَلا يَضُرُّ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا بِواجِبِ الوُقُوعِ، وما يَسْتَحِيلُ خِلافُهُ، ومِن ذَلِكَ ﴿ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ﴾ وقِيلَ: إنَّ المَوْعُودَ بِهِ هو النَّصْرُ لا غَيْرُ، والقَوْمُ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَكِنَّهم لَمْ يُوَقَّتْ لَهم في الوَعْدِ لِيَعْلَمُوهُ فَرَغِبُوا إلى اللَّهِ تَعالى في تَعْجِيلِ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ السُّرُورِ بِالظَّفَرِ، فالمَوْعُودُ غَيْرُ مَسْؤُولٍ والمَسْؤُولُ غَيْرُ مَوْعُودٍ، فَلا إشْكالَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ وقالَ: إنَّ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَن هاجَرَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واسْتَبْطَأُوا النَّصْرَ عَلى أعْدائِهِمْ بَعْدَ أنْ وُعِدُوا بِهِ وقالُوا: لا صَبْرَ لَنا عَلى أناتِكَ وحِلْمِكَ، وقَوِيَ بِما بَعْدُ مِنَ الآياتِ، وكَلامُ أبِي القاسِمِ البَلْخِيِّ يُشِيرُ إلى هَذا أيْضًا وفِيهِ كَلامٌ يُعْلَمُ مِمّا قَدَّمْنا، وقِيلَ: لَيْسَ هُناكَ دُعاءٌ حَقِيقَةً بَلِ الكَلامُ مُخْرَجٌ مُخْرَجَ المَسْألَةِ، والمُرادُ مِنهُ الخَبَرُ، ولا يَخْفى أنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّحْقِيقِ، ويَزِيدُهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني: أخذ عليهم الميثاق حين أخذ ذرية آدم من ظهورهم.

ويقال: أخذ عليهم الميثاق بالوحي في كتب الأنبياء لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ يعني: نعت محمد  وصفته وَلا تَكْتُمُونَهُ عنهم.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: ليبيننه للناس ولا يكتمونه، كلاهما بالياء.

وقرأ الباقون بالتاء، فمن قرأ بالياء فمعناه أخذ عليهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، ومن قرأ بالتاء فمعناه أخذ عليهم الميثاق، وقال لهم: لتبيننه للناس ولا تكتمونه.

ثم أخبر عن سوء معاملتهم ونقضهم الميثاق فقال تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ أي طرحوه خلف ظهورهم، يعني أنهم تركوا الميثاق ولم يعملوا به وَاشْتَرَوْا بِهِ أي بكتمان نعت محمد  وصفته ثَمَناً قَلِيلًا أي عَرضاً يسيراً من متاع الدنيا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ يعني: بئس ما يختارون لأنفسهم الدنيا على الآخرة لاَ تَحْسَبَنَّ يقول: لا تظنن يا محمد الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا يقول: يعجبون بما أوتوا، يعني بما غيرّوا من نعته وصفته، وهذا قول الكلبي.

وقال الضحاك: إن اليهود كانوا يقولون للملوك: إنا نجد في كتابنا أن الله يبعث نبياً في آخر الزمان يختم به النبوة، فلما بعثه الله سألهم الملوك: أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم؟

فقالت اليهود طمعاً في أموال الملوك: هو غير هذا.

فأعطاهم الملوك مالاً فقال الله تعالى: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا أي بما أعطاهم الملوك وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا لأنهم كانوا يقولون: نحن على دين إبراهيم ولم يكونوا على دينه.

ويقال: كانوا يقولون نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب، ويريدون أن يحمدوا بذلك.

قال الله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ يقول فلا تظنهم بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ معناه لا تظنن أنهم ينجون من العذاب بذلك وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي دائم لا يخرجون منه أبدا.

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات.

ويقال: جميع من فى السموات والارض عبيده وفي ملكه وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من النبات وغيره.

ويقال: هذا معطوف على أول الكلام أنهم لا ينجون من عذابه، يأخذهم متى شاء لأنه على كل شىء قدير إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وذلك أن أهل مكة سألوا رسول الله  أن يأتيهم بآية لصحة دعواه، لأنه كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فنزل إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خلقين عظيمين.

ويقال: فيما خلق في السموات من الشمس والقمر والنجوم، وما خلق في الأرض من الجبال والبحار والأشجار وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يقول: وذهاب الليل ومجيء النهار، ويقال اختلاف لونيهما لَآياتٍ أي لعبرات لِأُولِي الْأَلْبابِ أي لذوي العقول الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً أي يصلون لله قياماً إن استطاعوا على القيام، وقعوداً إن لم يستطيعوا القيام وَعَلى جُنُوبِهِمْ إن لم يستطيعوا القعود لزمانة.

ويقال: معناه الذين يذكرون الله في الأحوال كلها في حال القيام والقعود والاضطجاع، كما قال في آية أخرى: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب: 41] ثم قال: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي يعتبرون في خلقهما.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا السراج، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن زرارة الحلبي، عن أبي حباب، عن عطاء بن أبي رباح قال: دخلت مع ابن عمر وعبيد بن عمير على عائشة، فسلمنا عليها فقالت: من هؤلاء؟

فقلت: عبد الله بن عمر، وعبيد بن عمير.

فقالت: مرحباً بك يا عبيد بن عمير، ما لك لا تزورنا؟

فقال عبيد: زر غبّاً تَزْدَدْ حُبّاً فقال ابن عمر: دعونا من هذا، حدثينا بأعجب ما رأيت من رسول الله  ، فبكت بكاء شديداً ثم قالت: كل أمره عجب، أتاني في ليلتي فدخل في فراشي حتى ألصق جلده بجلدي، فقال: «يَا عَائِشَةُ أَتَأْذَنِينَ لِي أنْ أَعْبُدَ رَبِّي» فقلت: والله إني لأحب قربك، والله إني لأحب هواك.

فقام إلى قربة ماء فتوضأ، ثم قام فبكى وهو قائم حتى روت الدموع حجره، ثم اتكأ على شقه الأيمن، ووضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، فبكى حتى روت الدموع الأرض.

ثم أتاه بلال بعد ما أذن للفجر، فلما رآه يبكي قال: أتبكي يا رسول الله وقد غفر الله لك مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وما تأخر؟

فقال: «يَا بِلالُ أفَلا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً، وَمَا لِي لا أبْكِي وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

- إِلَى قَوْلُهُ- فَقِنا عَذابَ النَّارِ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَها وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا» .

وروي عن رسول الله  أنه قال: «تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ وَلا تَتَفَكَّرُوا فِي الخالق» .

وقال  : «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ» .

ثم قال تعالى عز وجل: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا أي يتفكرون ويقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلاً عبثاً بغير شيء، ولكن خلقتهما لأمر هو كائن سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ يعني ادفع عذاب النار.

وقال الزجاج: معنى سُبْحانَكَ أي تنزيهاً لك من أن تكون خلقتهما باطلاً فَقِنا عَذابَ النَّارِ أي صدَّقْنا رسلك، وسلَّمنا أن لك جنة وناراً فَقِنا عَذابَ النَّارِ.

رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أي أهنته وفضحته وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ يعني: ما للمشركين من مانع من العذاب إذ نزل بهم، ويقولون أيضاً: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ يعني محمداً يدعو إلى التصديق أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ أي صدقوا بتوحيد ربكم، فآمنا أي صدقنا بتوحيد ربنا.

وقال محمد بن كعب القرظي: ليس كل الناس لقي رسول الله  ، ولكن المنادي هو كتاب الله يدعو إلى الإيمان بشهادة أن لا إله إلا الله وأن آمنوا بربكم فآمنا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وقال الكلبي: الذنوب الكبائر ودون الكبائر، والسيئات الشرك.

وقال الضحاك: ذنوبنا يعني ما عملوا في حال الجاهلية، وكفر عنا سيئاتنا، يعني: ما عملوا في حال الإسلام.

ويقال: الذنوب والسيئات بمعنى واحد.

ويقال: الذنوب هي الكبائر، والسيئات ما دون الكبائر التي تكفر من الصلاة إلى الصلاة وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ أي مع المطيعين، ويقال: اجعل أرواحنا مع أرواح المطيعين والصالحين.

ويقولون أيضا: رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ يعني أعطنا ما وعدتنا من الخير والجنة على لسان رسلك.

ويقال: هو ما ذكر من استغفار الملائكة والأنبياء للمؤمنين، وهو قوله: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [الشورى: 5] وما ذكر من دعاء نوح وإبراهيم- عليهم السلام- للمؤمنين.

ثم قال تعالى: وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني لا تعذبنا، ويقال: لا تخذلنا إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعادَ يعني ما وعدت من الخير والثواب للمؤمنين فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ فأخبر الله عن فعلهم، وذكر ما أجابهم به وأنجز لهم موعده، وبيّن لهم ثوابه وهو قوله: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ.

روي عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال من دعا بهذه الدعوات فإنه يستجاب له، لأنه قال تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ يعني ثواب عمل عامل في طاعتي مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى يعني رجلاً أو امرأة.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الديبلي، قال: حدّثنا أبو عبيد الله، قال: حدّثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلمة يقال له سلمة بن الأكوع، عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله إني أسمع الله ذكر الهجرة، فذكر فيها الرجال ولم يذكر فيها النَّسَاءِ فأنزل الله تعالى: أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى.

بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ قال الكلبي: أي بعضكم أولياء بعض في الدين.

وقال الضحاك: يعني يشبه بعضكم بعضاً في الطاعة.

ويقال: بعضكم على إثر بعض، ويقال بعضكم على دين بعض.

فَالَّذِينَ هاجَرُوا من مكة إلى المدينة وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني: إن أهل مكة أخرجوا مؤمنيهم من مكة وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي أي عُذّبوا في طاعتي وَقاتَلُوا مع رسول الله  المشركين وَقُتِلُوا أي قتلهم المشركون.

قرأ حمزة والكسائي: وقتلوا وقاتلوا على معنى التقديم والتأخير كقوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ [آل عمران: 55] وقرأ الباقون: وقاتلوا وقتلوا، إلا ابن كثير وابن عامر قرءا وقتّلوا بالتشديد على معنى التكثير والمبالغة، فذكر الله فعلهم، ثم ذكر ثوابهم فقال: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي لأمحون عنهم ذنوبهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار أي تجري يعني من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني أن الجنات جزاء لأعمالهم من عند الله.

وقال الزجاج: إنما صار نصباً لأنه مصدر مؤكد، معناه: لأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار، ولأثيبنهم ثواباً.

وروي عن الفراء أنه قال: إنما صار نصباً على التفسير.

وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ أي حسن الجزاء وهو الجنة.

ويقال: حسن المرجع في الآخرة خير من الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

من عذابِهَا، إنما هو تمحيصٌ لذنوبه «١» .

وقوله سبحانه: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ: هو من قول الدّاعين.

وقوله سبحانه: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ ...

الآية: حكايةٌ عن أولي الألباب، قال أبو الدرداء «٢» : يرحم اللَّه المؤمنينَ ما زالُوا يقولُونَ: رَبَّنَا رَبَّنَا، حتَّى استجيب لهم، قال ابن جريج «٣» وغيره: المنادي محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقال محمَّد بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: المنادِي كتابُ الله «٤» ، وليس كلّهم رأى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وسمعه، وقولهم: مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ، معناه: على أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ، وقولهم: وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعادَ: إشارةٌ إلى قولِه تعالى: يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التحريم: ٨] فهذا وعده تعالى، وهو دالٌّ على أنَّ الخِزْيَ إنما هو مع الخلود.

قال ص: قال أبو البقاء: الميعاد مصدر بمعنى الوعد.

انتهى.

فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥) لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨)

وقوله سبحانه: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ...

الآية: استجاب بمعنى أَجَابَ، رُوِيَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ (رضي اللَّه عنها) قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الرِّجَالَ فِي الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ النِّسَاءَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ «١» الآيةُ.

وهِيَ آية وعدٍ مِنَ اللَّه، أي: هذا فعلُهُ سبحانه مع الذي يَتَّصِفُونَ بما ذكر، قال الفَخْر «٢» : رُوِيَ عن جعفرٍ الصادِقِ أنه قال: مَنْ حَزَبَهُ أمْرٌ فقال خَمْسَ مَرَّاتٍ: ربَّنا- أنجاه اللَّه ممَّا يخاف، وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية قَالَ: لأنَّ اللَّه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: رَبَّنَا خَمْسَ مرَّاتٍ، ثم أخبر أنه استجاب لَهُم.

انتهى.

وقوله تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، يعني: في الأجْرِ، وتقبُّلِ الأعمالِ، أي: أنَّ الرجَالَ والنساء في ذلك على حدٍّ واحدٍ، قال الفَخْر «٣» : قوله سبحانه: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، أي: شِبْهُ بَعْضٍ، أو مثلُ بعضٍ، والمعنى: أنه لا تفاوُتَ في الثواب بَيْن الذَّكَر والأنثى إذا استَوَوْا في الطَاعة وهذا يدُلُّ على أن الفَضْل في باب الدِّين، إنما هو بالأعمال، لا بِسِرِّ صفاتِ العامِلِينَ لأن كونهم ذكراً أو أنثى، أوْ مِنْ نَسَبٍ خسيسٍ أو شريفٍ- لا تأثير له في هذا الباب.

انتهى.

وبَيَّن سبحانه حَالَ المهاجِرِينَ، ثم الآيةُ بَعْدُ تنسحبُ على كلِّ مَنْ أُوذِيَ في اللَّه، وهاجر أيضًا إلى اللَّه إلى يوم القيامة.

وقوله سبحانه: وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ: عبارةٌ فيها إلزامُ الذَّنْب للكفَّار، واللامُ في قوله: لَأُكَفِّرَنَّ: لامُ القَسَمِ، وثَواباً: مصدرٌ موكِّد، وباقي الآية بيِّن.

وقوله سبحانه: لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ...

الآية: نُزِّلَتْ: لاَ يَغُرَّنَّكَ في هذه الآيةِ مَنْزِلَةَ: «لا تَظُنَّ» أنَّ حال الكُفَّار حسنةٌ، والخطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد أمَّته، والتقلُّب: التصرُّف في التجاراتِ، والأرباحِ، والحروب، وسائر الآمال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنُونَ: الجَنَّةَ (عَلى رُسُلِكَ) أيْ: عَلى ألْسِنَتِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ هَذِهِ المَسْألَةِ واللَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ المَسْألَةِ، ومَعْناهُ: الخَبَرُ، تَقْدِيرُهُ: فَآَمَنّا، فاغْفِرْ لَنا لِتُؤْتِيَنا ما وعَدْتَنا.

والثّانِي: أنَّهُ سُؤالٌ لَهُ، أنْ يَجْعَلَهم مِمَّنْ آَتاهُ ما وعَدَهُ، لا أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ، إذْ لَوْ كانُوا قَدْ قَطَعُوا أنَّهم مِنَ الأبْرارِ، لَكانَتْ تَزْكِيَةً لِأنْفُسِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سُؤالٌ لِتَعْجِيلٍ ما وعَدَهم مِنَ النَّصْرِ عَلى الأعْداءِ، لِأنَّهُ وعَدَهم نَصْرًا غَيْرَ مُؤَقَّتٍ، فَرَغِبُوا في تَعْجِيلِهِ، ذَكَرَ هَذِهِ الأجْوِبَةَ ابْنُ جَرِيرٍ، وقالَ: أوْلى الأقْوالِ بِالصَّوابِ، أنَّ هَذِهِ صِفَةُ المُهاجِرِينَ، رَغِبُوا في تَعْجِيلِ النَّصْرِ عَلى أعْدائِهِمْ.

فَكَأنَّهم قالُوا: لا صَبْرَ لَنا عَلى حِلْمِكَ عَنِ الأعْداءِ، فَعَجِّلْ خِزْيَهم، وظَفْرَنا بِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ ﴾ ﴿ رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ هَذِهِ الآياتُ حِكايَةٌ عن أُولِي الألْبابِ أنَّهم يَقُولُونَ: رَبَّنا رَبَّنا.

قالَ أبُو الدَرْداءِ: يَرْحَمِ اللهُ المُؤْمِنِينَ ما زالُوا يَقُولُونَ: رَبَّنا رَبَّنا حَتّى اسْتُجِيبَ لَهم.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُنادِي؛ فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما: المُنادِي مُحَمَّدٌ  ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: المُنادِي كِتابُ اللهِ ولَيْسَ كُلُّهم رَأى النَبِيَّ  وسَمِعَهُ، ولَمّا كانَتْ "يُنادِي" بِمَنزِلَةِ يَدْعُو، حَسُنَ وُصُولُها بِاللامِ بِمَعْنى إلى الإيمانِ.

وقَوْلُهُ: "أنْ آمِنُوا"؛ "أنْ"، مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ.

وغُفْرانُ الذُنُوبِ وتَكْفِيرُ السَيِّئاتِ أمْرٌ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، لَكِنَّهُ كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، ولِأنَّها مَناحٍ مِنَ السَتْرِ، وإزالَةِ حُكْمِ الذَنْبِ بَعْدَ حُصُولِهِ، و"الأبْرارُ" جَمْعُ بَرٍّ، أصْلُهُ: بَرَرَ عَلى وزْنِ فَعَلَ، أُدْغِمَتِ الراءُ في الراءِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ بارٍّ كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، والمَعْنى: تَوَفَّنا مَعَهم في كُلِّ أحْكامِهِمْ وأفْعالِهِمْ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ﴾ مَعْناهُ: عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "رُسْلِكَ" بِسُكُونِ السِينِ.

وطَلَبُوا مِنَ اللهِ تَعالى إنْجازَ الوَعْدِ، وهو تَعالى مَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ خَلْفُهُ مِن حَيْثُ في طَلَبِهِ الرَغْبَةُ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْتَحِقُّهُ، فالطَلِبَةُ والتَخَوُّفُ إنَّما هو في جِهَتِهِمْ لا في جِهَةِ اللهِ تَعالى، لِأنَّ هَذا الدُعاءَ إنَّما هو في الدُنْيا، فَمَعْنى قَوْلِ المَرْءِ: اللهُمَّ أنْجِزْ لِي وعْدَكَ، إنَّما مَعْناهُ: اجْعَلْنِي مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ إنْجازَ الوَعْدِ، وقِيلَ: مَعْنى دُعائِهِمُ الاسْتِعْجالُ مَعَ ثِقَتِهِمْ بِأنَّ الوَعْدَ مُنْجَزٌ.

وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْنى الآيَةِ ما وعَدْتَنا عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ مِنَ النَصْرِ عَلى الأعْداءِ فَكَأنَّ الدَعْوَةَ إنَّما هي في حُكْمِ الدُنْيا.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ  ﴾ ، فَهَذا وعْدُهُ تَعالى وهو دالٌّ عَلى أنَّ الخِزْيَ إنَّما هو مَعَ الخُلُودِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا غرض أُنف بالنسبة لما تتابع من أغراض السورة، انتُقل به من المقدّمات والمقصد والمتخلِّلات بالمناسبات، إلى غرض جديد هو الاعتبار بخلق العوالم وأعراضها والتنويه بالذين يعتبرون بما فيها من آيات.

ومِثْل هذا الانتقال يكون إيذاناً بانتهاء الكلام على أغراض السورة، على تفنّنها، فقد كان التنقّل فيها من الغرض إلى مشاكله وقد وقع الانتقال الآن إلى غرض عامّ: وهو الاعتبار بخلق السماوات والأرض وحال المؤمنين في الاتّعاظ بذلك، وهذا النحو في الانتقال يعرض للخطيب ونحوه من أغراضه عقب إيفائها حقّها إلى غرض آخر إيذاناً بأنّه أشرف على الانتهاء، وشأن القرآن أن يختم بالموعظة لأنّها أهمّ أغراض الرسالة، كما وقع في ختام سورة البقرة.

وحرف (إنّ) للاهتمام بالخبر.

والمراد ب ﴿ خلْق السماوات والأرض ﴾ هنا: إمّا آثار خَلْقِها، وهو النظام الذي جعل فيها، وإمّا أن يراد بالخلق المخلوقات كقوله تعالى: ﴿ هذا خلق اللَّه ﴾ [لقمان: 11].

و ﴿ أولو الألباب ﴾ أهل العقول الكاملة لأنّ لبّ الشيء هو خلاصته.

وقد قدّمنا في سورة البقرة بيان ما في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار من الآيات عند قوله تعالى: ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف اللَّيل والنهار والفلك ﴾ [البقرة: 164] إلخ.

و ﴿ يذكرون الله ﴾ إمّا من الذِّكر اللساني وإمّا من الذُّكر القلبي وهو التفكّر، وأراد بقوله: ﴿ قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ﴾ عموم الأحوال كقولهم: ضَربه الظهرَ والبطْن، وقولهم: اشتهر كذا عند أهل الشرق والغرب، على أنّ هذه الأحوال هي متعارَف أحوال البشر في السلامة، أي أحوال الشغل والراحة وقصد النوم.

وقيل: أراد أحوال المصلّين: من قادر، وعاجز، وشديد العجز.

وسياق الآية بعيد عن هذا المعنى.

وقوله: ﴿ ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴾ عطف مرادف إن كان المراد بالذكر فيما سبق التفكّر، وإعادتُه لأجل اختلاف المتفكَّر فيه، أو هو عطف مغاير إذا كان المراد من قوله: ﴿ يذكرون ﴾ ذِكر اللسان.

والتفكّر عبادة عظيمة.

روى ابن القاسم عن مالك رحمه الله في جامع العتبية قال: قيل لأمّ الدرداء: ما كان شأن أبي الدرداء؟

قالت: كان أكثر شأنه التفكّر، قيل له: أترى التفكّر عَمَلاً من الأعمال؟

قال: نعم، هو اليقين.

﴿ والخلق ﴾ بمعنى كيفية أثر الخلق، أو المخلوقات التي في السماء والأرض، فالإضافة إمّا على معنى اللام، وإمّا على معنى (في).

وقوله: ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلاً ﴾ وما بعده جملة واقعة موقع الحال على تقدير قَوْلٍ: أي يتفكّرون قائلين: ربّنا إلخ لأنّ هذا الكلام أريد به حكاية قولهم بدليل ما بعده من الدعاء.

فإن قلت: كيف تواطأ الجمع من أولي الألباب على قول هذا التنزيه والدعاء عند التفكّر مع اختلاف تفكيرهم وتأثّرهم ومقاصدهم.

قلت: يحتمل أنّهم تلقَّوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يلازمونه عند التفكّر وعقبَه، ويحتمل أنّ الله ألهمهم إيّاه فصار هجيراهم مثلَ قوله تعالى: ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا ﴾ [البقرة: 285] الآيات.

ويدلّ لذلك حديث ابن عباس في «الصحيح» قال: " بتّ عند خالتي ميمونة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح النوم عن وجهه ثم قرأ العشر الآيات من سورة آل عمران " إلى آخر الحديث.

ويجوز عندي أن يكون قوله: ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلاً ﴾ حكاية لتفكّرهم في نفوسهم، فهو كلام النفس يشترك فيه جميع المتفكّرين لاستوائهم في صحّة التفكّر لأنّه تنقل من معنى إلى متفرّع عنه، وقد استوى أولو الألباب المتحدّث عنهم هنا في إدراك هذه المعاني، فأوّل التفكّر أنتج لهم أنّ المخلوقات لم تخلق باطلاً، ثم تفرّع عنه تنزيه الله وسؤاله أن يقيهم عذاب النار، لأنّهم رأوا في المخلوقات طائعاً وعاصياً، فعلموا أنّ وراء هذا العالم ثَواباً وعقاباً، فاستعاذوا أن يكونوا ممّن حقّت عليه كلمة العذاب.

وتوسّلوا إلى ذلك بأنّهم بذَلوا غاية مقدورهم في طلب النجاة إذ استجابوا لمنادي الإيمان وهو الرسول عليه الصلاة والسلام، وسألوا غفران الذنوب، وتكفير السيئات، والموتَ على البر إلى آخره...

فلا يكاد أحد من أولي الألباب يخلو من هذه التفكّرات وربّما زاد عليها، ولمّا نزلت هذه الآية وشاعت بينهم، اهتدى لهذا التفكير من لم يكن انتبه له من قبل فصار شائعاً بين المسلمين بمعانيه وألفاظه.

ومعنى ﴿ ما خلقتَ هذا باطلاً ﴾ أي خلقاً باطلاً، أو ما خلقت هذا في حال أنّه باطل، فهي حال لازمة الذكر في النفي وإن كانت فضلة في الإثبات، كقوله: ﴿ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ﴾ [الدخان: 38] فالمقصود نفي عقائد من يفضي اعتقادهم إلى أنّ هذا الخلق باطل أو خلي عن الحكمة، والعرب تبني صيغة النفي على اعتبار سبق الإثبات كثيراً.

وجيء بفاء التعقيب في حكاية قولهم: ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ لأنّه ترتّبَ على العلم بأنّ هذا الخلق حقّ، ومن جملة الحقّ أن لا يستوي الصالح والطالح، والمطيع والعاصي، فعلموا أنّ لكلّ مستقرّاً مناسباً فسألوا أن يكونوا من أهل الخير المجنّبين عذاب النار.

وقولهم: ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ مسوق مساق التعليل لسؤال الوقاية من النار، كما توذن به (إنّ) المستعملة لإرادة الاهتمام إذ لا مقام للتأكيد هنا.

والخزي مصدر خزِيَ يَخْزَى بمعنى ذلّ وهان بمرأى من الناس، وأخزاه أذلّه على رؤوس الأشهاد، ووجه تعليل طلب الوقاية من النار بأنّ دخولها خزي بعد الإشارة إلى موجب ذلك الطلب بقولهم: ﴿ عذاب النار ﴾ أنّ النار مع ما فيها من العذاب الأليم فيها قهر للمعذَّب وإهانة علنية، وذلك معنى مستقرّ في نفوس الناس، ومنه قول إبراهيم عليه السلام: ﴿ ولا تخزني يومَ يبعثون ﴾ [بالشعراء: 87] وذلك لظهور وجه الربط بين الشرط والجزاء، أي من يدخل النار فقد أخزيته.

والخزي لا تطيقه الأنفس، فلا حاجة إلى تأويل تأوّلوه على معنى فقَد أخزيته خزياً عظيماً.

ونظّره صاحب «الكشاف» بقول رُعاة العرب: «من أدْرَكَ مَرْعَى الصَّمَّان فقد أدرك» أي فقد أدرك مرعى مخصباً لئلاّ يكون معنى الجزاء ضروري الحصول من الشرط فلا تظهر فائدة للتعليق بالشرط، لأنّه يخلي الكلام عن الفائدة حينئذ.

وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى: ﴿ فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز ﴾ [آل عمران: 185].

ولأجل هذا أعقبوه بما في الطباع التفادي به عن الخزي والمذلّة بالهرع إلى أحلافهم وأنصارهم، فعلموا أن لا نصير في الآخرة للظالم فزادوا بذلك تأكيداً للحرص على الاستعاذة من عذاب النار إذ قالوا: ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ أي لأهل النار من أنصار تدفع عنهم الخزي.

وقوله تعالى: ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ﴾ أرادوا به النبي محمداً صلى الله عليه وسلم والمنادي، الذي يرفع صوته بالكلام.

والنداء: رفع الصوت بالكلام رفعاً قوياً لأجل الإسماع وهو مشتقّ من النداء بكسر النون وبضمّها وهو الصوت المرتفع.

يقال: هو أندى صوتاً أي أرفعُ، فأصل النداء الجهر بالصوت والصياح به، ومنه سمّي دعاء الشخص شخصاً ليقبل إليه نداء، لأنّ من شأنه أن يرفع الصوت به؛ ولذلك جعلوا له حروفاً ممدودة مثل (يا) و(آ) و(أيا) و(هيا).

ومنه سمّي الأذان نداء، وأطلق هنا على المبالغة في الإسماع والدعوة وإن لم يكن في ذلك رفع صوت، ويطلق النداء على طلب الإقبال بالذات أو بالفَهم بحروف معلومة كقوله تعالى: ﴿ وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾ [فصلت: 104، 105] ويجوز أن يكون هو المراد هنا لأنّ النبي يدعو الناس بنحو: يأيّها الناس ويا بَني فلان ويا أمّة محمد ونحو ذلك، وسيأتي تفسير معاني النداء عند قوله تعالى: ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة ﴾ في سورة [الأعراف: 43].

واللام لام العلّة، أي لأجل الإيمان بالله.

و (أن) في أن آمنوا} تفسيرية لما في فعل (يُنادي) من معنى القول دون حروفه.

وجاءوا بفاء التعقيب في (فآمنّا): للدلالة على المبادرة والسبق إلى الإيمان، وذلك دليل سلامة فطرتهم من الخطأ والمكابرة، وقد توسّموا أن تكون مُبادرتهم لإجابة دعوة الإسلام مشكورة عند الله تعالى، فلذلك فرّعوا عليه قولهم: ﴿ فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ لأنّهم لمّا بذلوا كلّ ما في وسعهم من اتّباع الدين كانوا حقيقين بترجّي المغفرة.

والغَفْر والتكفير متقاربان في المادة المشتقيْن منها إلاّ أنّه شاع الغفر والغفران في العفو عن الذنب والتكفير في تعويض الذنب بعوض، فكأنّ العوض كفّر الذنب أي ستره، ومنه سمّيت كفّارة الإفطار في رمضان.

وكفّارة الحنث في اليمين إلاّ أنهم أرادوا بالذنوب ما كان قاصراً على ذواتهم، ولذلك طلبوا مغفرته، وأرادوا من السيّئات ما كان فيه حقّ الناس، فلذلك سألوا تكفيرها عنهم.

وقيل هو مجرّد تأكيد، وهو حسن، وقيل أرادوا من الذنوب الكبائر ومن السيّئات الصغائر لأنّ اجتناب الكبائر يكفّر الصغائر، بناء على أنّ الذنب أدلّ على الإثم من السيئة.

وسألوا الوفاة مع الأبرار، أي أن يموتوا على حالة البِرّ، بأن يلازمهم البرّ إلى الممات وأن لا يرتدّوا على أدبارهم، فإذا ماتوا كذلك ماتوا من جملة الأبرار.

فالمعية هنا معية اعتبارية، وهي المشاركة في الحالة الكاملة، والمعية مع الأبرار أبلغ في الاتّصاف بالدلالة، لأنّه برّ يرجى دوامه وتزايدُه لِكون صاحبه ضمن جمع يزيدونه إقبالاً على البرّ بلسان المقال ولسان الحال.

ولمّا سألوا أسباب المثوبة في الدنيا والآخرة ترقّوا في السؤال إلى طلب تحقيق المثوبة، فقالوا: ﴿ وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ .

وتحتمل كلمة (على) أن تكون لتعدية فعل الوعد، ومعناها التعليل فيكون الرسل هم الموعود عليهم، ومعنى الوعد على الرسل أنّه وعد على تصديقهم فتعيّن تقدير مضاف، وتحتمل أن تكون (على) ظرفاً مستقرّاً، أي وعداً كائناً على رُسلك أي، منزلاً عليهم، ومتعلَّق الجار في مثله كونٌ غير عامّ بل هو كون خاصّ، ولا ضير في ذلك إذا قامت القرينة، ومعنى (على) حينئذ الاستعلاء المجازي، أو تجعل (على) ظرفاً مستقرّاً حالاً ﴿ ممّا وعدتنا ﴾ أيضاً، بتقدير كون عامّ لكن مع تقدير مضاف إلى رسلك، أي على ألْسِنَةِ رسلك.

والموعود على ألسنة الرسل أو على التصديق بهم الأظهر أنّه ثواب الآخرة وثواب الدنيا: لقوله تعالى: ﴿ فآتاهم اللَّه ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ﴾ [آل عمران: 148] وقوله: ﴿ وعد اللَّه الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ﴾ [النور: 55] الآية، وقوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ [الأنبياء: 105].

والمراد بالرسل في قوله: ﴿ على رسلك ﴾ خصوص محمد صلى الله عليه وسلم أطلق عليه وصف «رسل» تعظيماً لقوله تعالى: ﴿ فلا تحسبن اللَّه مخلف وعده رسله ﴾ [إبراهيم: 47].

ومنه قوله تعالى: ﴿ وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ﴾ [الفرقان: 37].

فإن قلتَ: إذا كانوا عالمين بأنّ الله وعدهم ذلك وبأنَّه لا يخلف الميعاد فما فائدة سُؤالهم ذلك في دعائهم؟

قلت: له وجوه: أحدها: أنّهم سألوا ذلك ليكون حصوله أمارة على حصول قُبول الأعمال التي وعد الله عليها بما سألوه فقد يظنّون أنفسهم آتين بما يبلّغهم تلك المرتبة ويخشون لعلّهم قد خلطوا أعمالهم الصالحة بما يبطلها، ولعلّ هذا هو السبب في مجيء الواو في قولهم: ﴿ وآتنا ما وعدتنا ﴾ دون الفاء إذ جعلوه دعوة مستقلّة لتتحقّق ويتحقّق سببها، ولم يجعلوها نتيجة فعل مقطوع بحصوله.

ويدلّ لصحّة هذا التأويل قوله بعدُ: ﴿ فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم ﴾ [آل عمران: 195] مع أنّهم لم يطلبوا هنا عدم إضاعة أعمالهم.

الثاني: قال في «الكشّاف»: أرادوا طلب التوفيق إلى أسباب ما وعدهم الله على رسله.

فالكلام مستعمل كناية عن سبب ذلك من التوفيق للأعمال الموعود عليها.

الثالث: قال فيه ما حاصله: أن يكون هذا من باب الأدب مع الله حتّى لا يظهروا بمظهر المستحقّ لتحصيل الموعود به تذلّلاً، أي كسؤال الرسل عليهم السلام المغفرة وقد علموا أنّ الله غفر لهم.

الرابع: أجاب القرافي في الفرق (273) بأنّهم سألوا ذلك لأنّ حصوله مشروط بالوفاة على الإيمان، وقد يؤيّد هذا بأنّهم قدّموا قبله قولهم: ﴿ وتوقنا مع الأبرار ﴾ لكن هذا الجواب يقتضي قصر الموعود به على ثواب الآخرة، وأعادوا سؤال النجاة من خزي يوم القيامة لشدّته عليهم.

الخامس: أنّ الموعود الذي سألوه هو النصر على العدوّ خاصّة، فالدعاء بقولهم: ﴿ وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ مقصود منه تعجيل ذلك لهم، يعني أنّ الوعد كان لمجموع الأمّة، فكلّ واحد إذا دعا بهذا فإنّما يعني أن يجعله الله ممَّن يرى مصداق وعد الله تعالى خشية أن يفوتهم.

وهذا كقول خبّاب بن الأرتّ: هاجرنا مع النبي نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله فمِنَّا مَن أيْنَعَتْ له ثمرته فهو يهدبُها، ومنَّا من مات لم يأكُل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحُد، فلم نجد له ما نكفّنه إلاّ بُردة» إلخ.

وقد ابتدأوا دعاءهم وخلّلوه بندائه تعالى: خمس مرات إظهار للحاجة إلى إقبال الله عليهم.

وعن جعفر بن محمد رضي الله عنه «مَن حَزبه أمر فقال: يا ربّ خمس مرات أنجاه الله ممّا يخاف وأعطاه ما أراد»، واقرأوا: ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً ﴾ إلى قوله: ﴿ إنك لا تخلف الميعاد ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا ﴾ في المُنادِي قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: لَيْسَ كُلُّ النّاسِ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ  .

والثّانِي: أنَّهُ النَّبِيُّ  ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وابْنِ زَيْدٍ.

﴿ يُنادِي لِلإيمانِ ﴾ أيْ إلى الإيمانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا  ﴾ بِمَعْنى إلى هَذا.

وَمِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ وشَدَّها بِالرّاسِياتِ الثُّبَّتِ يَعْنِي أوْحى إلَيْها كَما قالَ تَعالى: ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها  ﴾ أيْ إلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى مُنْجِزٌ وعْدَهُ فَما مَعْنى هَذا الدُّعاءِ والطَّلَبِ؟

فَفي ذَلِكَ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ المَقْصُودَ بِهِ، مَعَ العِلْمِ بِإنْجازِ وعْدِهِ، الخُضُوعُ لَهُ بِالدُّعاءِ والطَّلَبِ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ يَدْعُو إلى التَّمَسُّكِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ اجْعَلْنا مِمَّنْ وعَدْتَهُ ثَوابَكَ.

والرّابِعُ: يَعْنِي عَجِّلْ إلَيْنا إنْجازَ وعْدِكَ وتَقْدِيمَ نَصْرِكَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء وابن عباس أنهما كانا يقولان: اسم الله الأكبر رب رب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس في قوله: ﴿ من تُدخل النار فقد أخزيته ﴾ قال: من تخلد.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ قال: هذه خاصة لمن لا يخرج منها.

وأخرج ابن جرير والحاكم عن عمرو بن دينار قال: قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة فانتهيت إليه أنا وعطاء فقلت ﴿ وما هم بخارجين من النار ﴾ [ البقرة: 167] قال: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم الكفار.

قلت لجابر: فقوله: ﴿ إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ قال: وما أخزاه حين أحرقه بالنار، وإن دون ذلك خزياً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: ﴿ منادياً ينادي للإيمان ﴾ قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد.

مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخطيب في المتفق والمفترق عن محمد بن كعب القرظي ﴿ سمعنا منادياً ينادي للإيمان ﴾ قال: هو القرآن ليس كل الناس يسمع النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: سمعوا دعوة من الله فأجابوها، وأحسنوا فيها: وصبروا عليها.

ينبئكم الله عن مؤمن الأنس كيف قال، وعن مؤمن الجن كيف قال.

فأما مؤمن الجن فقال: ﴿ إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً ﴾ [ الجن: 1] .

وأما مؤمن الأنس فقال: ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ قال: ستنجزون موعد الله على رسله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولا تخزنا يوم القيامة ﴾ قال: لا تفضحنا ﴿ إنك لا تخلف الميعاد ﴾ قال: ميعاد من قال لا إله إلا الله ﴿ فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم ﴾ قال: أهل لا إله إلا الله أهل التوحيد والإخلاص لا أخزيهم يوم القيامة.

وأخرج أبو يعلى عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العار والتخزية يبلغ من ابن آدم يوم القيامة في المقام بين يدي الله ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار» .

وأخرج أبو بكر الشافعي في رباعياته عن أبي قرصافة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم لا تخزنا يوم القيامة، ولا تفضحنا يوم اللقاء» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه قال: إذا فرغ أحدكم من التشهد في الصلاة فليقل: اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبادك الصالحون، وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبادك الصالحون ﴿ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ﴾ [ البقرة: 201] ربنا إننا آمنا ﴿ فاغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ﴾ إلى قوله: ﴿ إنك لا تخلف الميعاد ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال: كان يستحب أن يدعو في المكتوبة بدعاء القرآن.

وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين أنه سئل عن الدعاء في الصلاة فقال: كان أحب دعائهم ما وافق القرآن.

وأخرج أحمد وابن أبي حاتم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عسقلان أحد العروسين يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفاً لا حساب عليهم، ويبعث منها خمسون ألفاً شهداء وفوداً إلى الله وبها صفوف الشهداء، رؤوسهم تقطر في أيديهم تثج أوداجهم دماً يقولون ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك..

إنك لا تخلف الميعاد ﴾ فيقول: صدق عبيدي.

اغسلوهم بنهر البيضة فيخرجون منه بيضاً، فيسرحون في الجنة حيث شاؤوا» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ ﴾ الآية.

قالوا: معناه: على ألسُنِ رُسُلِك.

فهو من باب حذف المضاف (١) وقال الكَلْبيُّ -عن ابن عباس- (٢) ومعنى الدعاء -ههنا- مع العِلْم أنه مُنْجِزٌ وَعْدَهُ لا محالة-: التَّعَبُدُ؛ لمَا في ذلك من الخُضُوع لله، وإظهار الحاجة إليه؛ وذلك أن (الدعاء مُخُّ العِبَادةِ) (٣) ومثلُهُ -مِمَّا لا يجوز غيرُه، وقد تعبدنا بالدعاء به-: قولُهُ (٤) (٥) ﴿ قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ  ﴾ (٦) وقيل (٧) فمعنى (آتِنَا ذلك): اجعلنا مِنْ أهلِهِ.

وقيل (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُخْزِنَا ﴾ قد ذكرنا معاني (الإخزاء)، عند قوله: ﴿ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  ﴾ .

(١) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 213، و"بحر العلوم" 1/ 324، و"تفسير الثعلبي" 3/ 173 أ، و"زاد المسير" 1/ 529.

(٢) لم أقف على مصدر قوله.

(٣) هذا نص حديث، أخرجه بهذا اللفظ: الترمذي في "السنن" 5/ 456 رقم (3371).

كتاب: الدعاء.

باب: (من فضل الدعاء)، عن أنس بن مالك، من طريق ابن لهيعة، وقال الترمذي: (حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة).

وورد بلفظ: (الدعاء هو العبادة)، أخرجه: الترمذي في "السنن" رقم (2969) == كتاب: "التفسير": باب (من سورة البقرة).

وقال: (حسن صحيح)، رقم (3247) كتاب: التفسير.

باب (ومن سورة المؤمن)، رقم (3372) كتاب: الدعاء.

باب: (ما جاء في فضل الدعاء).

وأحمد في "المسند" 4/ 271، والحاكم في "المستدرك" 1/ 491.

وقال: (صحيح الإسناد)، ووافقه الذهبي.

وابن ماجه في "السنن" رقم (3828) كتاب: الدعاء باب (فضل الدعاء).

وأبو داود في "السنن" رقم (1479) كتاب: الصلاة باب (الدعاء).

وابن حبان في صحيحه - انظر: "الإحسان" 3/ 172 رقم: (890).

وابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 21 - 22 رقم (29158).

والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (714)، والطيالسي في "مسنده" 2/ 146 (838)، والبغوي في "شرح السنة" 5/ 184 رقم (1384).

(٤) في (ج): (وقوله).

(٥) (تعالى): ليست في (ج).

(٦) وانظر: "روح المعاني" 4/ 167.

(٧) ذكر معنى هذا القول: الطبري في "تفسيره" 4/ 214، والثعلبيُّ في "تفسيره" 3/ 173 أ، ولم ينسباه لقائل.

(٨) ممن قال به: ابن جريج.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 213، 214، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 843.

واختاره الطبري في: "تفسيره" 4/ 214.

وقال الآلوسي: (وكلام أبي القاسم البلخي يشير إلى هذا أيضًا) "روح المعاني" 4/ 167.

(٩) (الواو): زيادة من (ج).

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَمِعْنَا مُنَادِياً ﴾ هو النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ ﴾ أي على ألسنة رسلك ﴿ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى ﴾ من لبيان الجنس، وقيل زائدة لتقدّم النفي ﴿ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ﴾ النساء والرجال سواء في الأجور والخيرات ﴿ وَأُخْرِجُواْ مِن ديارهم ﴾ هم المهاجرون آذاهم المشركون بمكة حتى خرجوا منها ﴿ ثَوَاباً ﴾ منصوباً على المصدرية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الأبرار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة غير خلاد ورجاء.

والكسائي والنجاري عن ورش، وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

وكذلك كل ما تكرر فيه الراء غير ابن مجاهد والنقاش في جميع القرآن.

﴿ وقتلوا وقاتلوا ﴾ حمزة وعلي وخلف، وقرأ ابن كثير وابن عامر ﴿ وقتلوا ﴾ مشدداً.

الباقون: ﴿ وقاتلوا وقتلوا ﴾ مخففاً.

﴿ لا يغرنك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس.

الباقون بالتشديد ﴿ نزلاً ﴾ حيث كان بالاختلاس عباس.

الوقوف: ﴿ الألباب ﴾ ج لاحتمال الذين صفة أو مستأنفاً نصباً أو رفعاً على المدح بتقدير أعني الذين أو هم الذين والوصل أشهر.

﴿ والأرض ﴾ ج لحق المحذوف أي يقولون ربنا.

﴿ باطلاً ﴾ ج للابتداء بسبحانك تعظيماًَ وإلا فالقول متحد وفاء التعقيب متعقب.

﴿ النار ﴾ ه ﴿ أخزيته ﴾ ط ﴿ أنصار ﴾ ه ﴿ فآمنا ﴾ قف قتيل: والوصل أولى لأن كلمة ﴿ ربنا ﴾ تكرار لمزيد الابتهال، وقوله: ﴿ فاغفر لنا ﴾ معطوف على ﴿ آمنا ﴾ أي إذا آمنا فاغفر.

﴿ الأبرار ﴾ ه ج للآية وللعطف.

﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ أنثى ﴾ ج لاتحاد الكلام وإلا فبعضكم مبتدأ ﴿ من بعض ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ز لأن ﴿ ثواباً ﴾ مفعول له أو مصدر.

﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ الثواب ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ه ط لأن التقدير لهم متاع أو ذلك متاع.

﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ للأبرار ﴾ ه ﴿ لله ﴾ لا لأن ما بعده حال آخر ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه.

التفسير: إنه لما طال الكلام في تقرير القصص والأحكام عاد إلى ما هو الغرض / الأصلي من هذا الكتاب الكريم وهو جذب القلوب والإسرار بذكر ما يدل على التوحيد والكبرياء، عن ابن عمر "قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله  .

فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجب.

أتاني في ليلتي فدخل في لحافي، حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال: يا عائشة، هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي؟

فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك قد أذنت لك.

فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقوية، ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه فقد بلت الأرض.

فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

فقال: يا بلال، أفلا أكون عبداً شكوراً؟

ثم قال: وما لي لا أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" .

وعن علي "أن النبي  كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ " واعلم أنه ذكر في سورة البقرة أن في خلق السموات والأرض إلى أن عد ثمانية دلائل، وههنا اقتصر منها على الثلاثة الأول تنبيهاً على أن العارف بعد استكمال المعرفة لا بد له من تقليل الدلائل ليكمل له الاستغراق في معرفة المدلول، فإن البصيرة إذا التفتت إلى معقول عسر عليها الالتفات إلى آخر كالبصر إذا حدّق إلى مرئي امتنع تحديقه نحو آخر، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ فاخلع نعليك  ﴾ يعني المقدمتين اللتين وصلت بهما إلى النتيجة وهو وادي قدس الوحدانية.

وإنما وقع الاقتصار على الدلائل السماوية لأنها أقهر وأبهر، والعجائب فيها أكثر، وانتقال النفس منها إلى عظمة الله أيسر.

وإنما قال في تلك السورة ﴿ لآيات لقوم يعقلون  ﴾ وفي هذه السورة ﴿ لآيات لأولي الألباب ﴾ لأن العقل له ظاهر ولب، ففي أول الأمر يكون عقلاً وفي كمال الحال يكون لباً.

وباقي التفسير قد مرهناك.

ثم بعد دلائل الإلهية ذكر وظائف العبودية وهي أن يكون باللسان وسائر الأركان وبالجنان مع الرحمن.

فقوله: ﴿ الذين يذكرون الله ﴾ إشارة إلى عبودية اللسان.

وقوله: ﴿ قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ﴾ وهو في موضع حال آخر أي معتمدين على الجنب إشارة إلى عبودية سائر الجوارح والأركان.

والمراد أنهم ذاكرون في أغلب أحوالهم كما قال  : " من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله " وقيل: المراد بالذكر ههنا الصلاة أي يصلون في حال القيام فإن عجزوا ففي حال القعود، فإن عجزوا ففي حال الاعتماد.

وهذا موافق لمذهب الشافعي في ترتيب صلاة المريض العاجز ويوافق بحثاً طبياً، وهو أن الاستلقاء يمنع من استكمال الفكر والتدبر بخلاف الاضطجاع على الجنب.

والصلاة إذا كانت عن فكر وتدبر كانت أولى، ولأن الاستغراق في النوم يكون في هيئة الاستلقاء أكثر فذاك وضع الغافلين.

وقال أبو حنيفة: بل يصلي مستلقياً إن عجز عن القعود حتى لو وجد خفة قعد.

وقوله: ﴿ ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴾ إشارة إلى عمل الجنان.

وقد عرفت معنى الفكر في البحث الخامس من تفسير قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء  ﴾ وإنما لم يقل و "يتفكرون في الله" كما قال: ﴿ يذكرون الله ﴾ لقوله  : " تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق" " والسبب فيه أن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة وإنما يمكن على نعت المخالفة، فإنا نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها، وبإمكانها على وجوبه، وبافتقارها على غناه.

فالفكر في المخلوقات ممكن وفي الخالق غير ممكن، كيف وإن الفكر ترتيب المقدمات على وجه متنج، والمقدمة لها موضوع ومحمول لا بد من تصورهما، وتصوره  محال لأن تصور الشيء عبارة عن حصول صورته في النفس، فتكون الصورة محاطة والنفس محيطة بها، ولا يحيط بالواجب شيء ألا إنه بكل شيء محيط، لكنه إذا تفكر في مخلوقاته ولا سيما السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وإلى الأرض مع ما عليها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان، عرف أوّلاً أن لها رباً وصانعاً فيقول: ﴿ ربنا ﴾ .

ثم يعترف بأن في كل من ذلك حكماً ومقاصد وفوائد لا يحيط بتفاصيلها إلا موجدها فيقول: ﴿ ما خلقت هذا باطلاً ﴾ ثم إذا قاس أحوال هذه المصنوعات إلى صانعها علم أن ذاته  منزه عن مشابهة شيء من هذه المصنوعات فيعلم أنه ليس بجوهر ولا عرض ولا مركب ولا مؤلف ولا في حيز وجهة فيقول: ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك عما لا يليق بلك من مناسبة الجواهر والأعراض.

ثم إذا بلغ من الاستغراق في بحار العظمة والجلال هذا المبلغ وجد نفسه ذرة من ذرات الكائنات واقعة في حضيض عالم البشرية محاطة بالطبائع والأركان، فيتضرع إلى خالق السموات والأرض أن يخلصه من قيد العناصر ويعرج به من الأرض ويقيه عذاب كرة النار ويوصله إلى معارج السموات وذلك قوله ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ ، ثم ذكر سبب الاستعاذة من النار بقوله: ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ أي أبلغت في إخزائه نظيره قوله: ﴿ فقد فاز  ﴾ وفي كلامهم: من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك.

ثم توسل إلى ما سأل بالإيمان بمحمد  وذلك قوله: ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ﴾ الآية.

فهذا بيان وجه النظم في هذه الكلمات والآيات على وجه / " "ألقى في روعي " والله أعلم بأسرار كلامه.

عن النبي  : " "بينما رجل مستلق على فراشه إذا رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أن لك رباً وخالقاً اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له " وعنه  : " لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض" قالوا: وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله الذي هو عمل القلب لأن أحداً لا يقدر على أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض.

وعنه  : " "لا عبادة كالتفكر" وهذا إشارة إلى لفظ الخلق على أنه بمعنى المخلوق أو إلى السموات والأرض بتأويل المخلوق.

وفي كلمة ﴿ هذا ﴾ ضرب من التعظيم كأنه لعظم شأنه معقود به الهمم حتى صار حاضراً في خزانة الخيال.

و ﴿ باطلاً ﴾ نصب على المصدر أي خلقاً باطلاً أو على الحال، وقيل.

بنزع الخافض أي بالباطل أو للباطل.

قالت المعتزلة: فيه دليل على أن كل ما يفعله الله  فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبد ولأجل حكمة وغاية.

وقوله: ﴿ سبحانك ﴾ جملة معترضة تنزيهاً له من العبث وأن يخلق شيئاً بغير حكمة.

فوجه النظم في قوله: ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ أن الحكمة في خلق الأرض والسموات أن يجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفته ووجوب طاعته واجتناب معصيته، والنار جزاء من عصى ولم يطع.

وقالت الأشاعرة: الدليل الدال على أن أحد طرفي الممكن لا يترجح إلا بمرجح عام، وذلك المرجح لا بد أن ينتهي إلى الله  ، فإذن الخير والشر والأفعال كلها بقضاء الله وقدره، فلا يمكن أن تعلل أفعال الله بمصالح العباد بل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء.

والباطل في اللغة الذاهب الزائل.

الذي لا يكون له قوّة ولا صلابة فيكون بصدد التلاشي والاضمحلال.

والمراد أن خلقهما خلق محكم متقن كقوله: ﴿ وبنينا فوقكم سبعاً شداداً  ﴾ ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ ومعنى ﴿ سبحانك ﴾ أنك وإن خلقتهما في غاية شدة التركيب وبصدد البقاء إلا أنك غني عن الاحتياج إليهما، منزه عن الانتفاع بهما.

ثم لما وصف ذاته  بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة فقال ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ واحتج حكماء الإسلام بالآية على أنه  خلق الأفلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة، وجعلها بحيث يحصل من حركتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع قطان العالم السفلي.

قالوا: لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة، ولا يمكن أن تقصر منافعها على الاستدلال بها على الصانع لأن كل ذرة من ذرات الهواء والماء يشاركها في ذلك، فلا تبقى لخصوصياتها فائدة وهو خلاف النص.

وناقشهم المتكلمون في ذلك وقالوا: إن الفلكيات أسباب للأرضيات على مجرى / العادة لا على سبيل الحقيقة.

والإنصاف في هذا المقام أن وجود الوسائط لا ينافي استناد الكل إلى مسبب الأسباب، وأن كون أفعال الله  مستتبعة لمصالح العباد لا ينافي جريان الأمور كلها بقضائه وقدره.

ثم إنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك ما يدل على عظم ذلك العقاب وهو الإخزاء ليدل على شدة إخلاصهم وجدهم في الهرب من ذلك فيكون أقرب إلى الاستجابة، كما أنهم قدموا الثناء على الله بقولهم: ﴿ سبحانك ﴾ على الطلب ليكون أقرب إلى الأدب وأحرى بالإجابة، وكل ذلك تعليم من الله  عباده في حسن الطلب.

قال الواحدي: الإخزاء جاء لمعان متقاربة.

عن الزجاج: أخزى الله العدوّ أي أبعده.

وقيل: أهانه.

وقيل: فضحه.

وقيل: أهلكه.

وقال ابن الأنباري: الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة أو بوقوع في بلاء.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن لأنه إذا دخل النار فقد أخزاه الله والمؤمن لا يخزى لقوله: ﴿ يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ﴾ وأجيب بأنه لا يلزم من أن لا يكون من آمن وهو مع النبي  مخزي أن لا يكون غيره وهو مؤمن مخزي.

وأيضاً الآية ليست على عمومها لقوله: ﴿ وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا  ﴾ فثبت أن كل من دخل النار فإنه ليس بمخزي.

وعن سعيد بن المسيب والثوري أن هذا في حق الكفار الذين أدخلوا النار للخلود.

وأيضاً إنه مخزي حال دخوله وإن كانت عاقبته الخروج.

وقوله: ﴿ يوم لا يخزي  ﴾ نفى الخزي على الإطلاق والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة وهي نفي الخزي المخلد.

ويحتمل أن يقال: الإخزاء مشترك بين التخجيل وبين الإهلاك، وإذا كان المثبت هو الأول والمنفي هو الثاني لم يلزم التنافي.

واحتجت المرجئة بالآية على أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار لأنه مؤمن لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص  ﴾ ولقوله: ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ والمؤمن لا يخزى لقوله: ﴿ يوم لا يخزي الله النبي  ﴾ والمدخل في النار مخزي بهذه الآية.

والمقدمات بأسرها يدخلها المنع.

أما الأولى فباحتمال أن لا يسمى بعد القتل مؤمناً وإن كان قبله مؤمناً، وأما الأخريان فبخصوص المحمول وجزئيه الموضوع كما تقرر آنفاً.

وقد يتمسك حكماء الإسلام بهذا في أن العذاب الروحاني أشد لأنه بين سبب الاستعاذة بالإخزاء الذي هو التخجيل وهو أمر نفساني.

وقد يتمسك المعتزلة بقوله: ﴿ وما للظالمين ﴾ أي الداخلين في النار ﴿ من أنصار ﴾ أي في نفي الشفاعة للفساق لأنها نوع نصرة، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع.

والجواب أن الظالم على الإطلاق هو الكافر لقوله: ﴿ والكافرون هم الظالمون ﴾ في [البقرة:254] وأيضاً لا تأثير للشفاعة إلا بإذن الله فيؤول معنى الآية إلى أن الأمر يومئذٍ لله.

وعلى هذا ففائدة تخصيص الظالمين بهذا الحكم أنه وعد المتقين الفوز فلهم هذه الحجة بخلاف الفساق.

وأيضاً أدلة الشفاعة مخصصة لعموم الآية.

قالوا: الفاسق لا يخرج من النار وإلا كان مخرجه ناصراً له.

وعورض بالآيات الدالة على العفو ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي ﴾ تقول: سمعت رجلاً يتكلم بكذا فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع اكتفاء بما وصفته به، أو جعلته حالاً عنه.

والمنادي عند الأكثرين هو رسول الله  ﴿ ادع إلى سبيل ربك  ﴾ ﴿ أدعوا إلى الله  ﴾ ﴿ وداعياً إلى الله  ﴾ وقيل: القرآن كما نسب إليه الهداية في قوله: ﴿ إن هذا القرآن يهدي  ﴾ كأنه يدعو إلى نفسه وينادي بما فيه من الدلائل كما قيل في جهنم ﴿ تدعو من أدبر وتولى  ﴾ والفصحاء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ لدلالة تصاريفه قال: يا واضع الميت في قبره *** خاطبك الدهر فلم تسمع ويقال: ينادي إلى كذا ولكذا ودعاه إليه وله وهداه للطريق وإليه فيقام كل من اللام و"إلى" مقام الأخرى نظراً إلى وقوع معنى الانتهاء والاختصاص معاً.

وقال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير أي سمعنا منادياً للإيمان ينادي كما يقال: جاء مناد للأمير فنادى بكذا.

وقيل: معناه لأجل الإيمان.

ولهذا الغرض فسر بقوله: ﴿ أن آمنوا ﴾ و"أن" مفسرة أو مخففة معناه أي آمنوا أو بأن آمنوا والفائدة في الجمع بين المنادي وينادي للإيمان هي فائدة الإطلاق ثم التقييد والإجمال ثم التفصيل من رفع شأن المطلق والمجمل، وكونه حينئذٍ أوقع في النفس وأعز.

﴿ فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ﴾ أصل الغفر والتكفير كلاهما الستر والتعطية.

وأما الذنوب والسيئات فقيل: هما واحد والتكرار للتأكيد والإلحاح، إن الله يحب الملحين في الدعاء.

وقيل: الأوّل الكبائر والثاني الصغائر.

وقيل: الأوّل أريد به ما تقدم منهم، والثاني المستأنف.

وقيل: الأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية وذنباً، والثاني ما أتى به مع الجهل بكونه ذنباً ﴿ وتوفنا مع الأبرار ﴾ أي معدودين منهم ومن أتباعهم أو مشاركين لهم في الثواب أو على مثل أعمالهم ودرجاتهم كقول الرجل: أنا مع الشافعي في هذه المسألة أي مساوٍ له في ذلك الاعتقاد.

احتجت الأشاعرة بالآية على أن العفو غير مشروط بالتوبة لأنهم طلبوا المغفرة بدون ذكر التوبة بل بدون التوبة بدلالة فاء التعقيب في ﴿ فاغفر ﴾ بعد قولهم: ﴿ آمنا ﴾ ثم إنه  أجابهم إلى ذلك بقوله: ﴿ فاستجاب لهم ﴾ ويعلم منه ثبوت شفاعة النبي  لأصحاب الكبائر بالطريق الأولى.

﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا / على رسلك ﴾ أي على تصديق رسلك لأنها مذكورة عقيب ذكر المنادي للإيمان وهو الرسول، وعقيب قوله: ﴿ آمنا ﴾ وهو التصديق، فتكون على صلة للوعد كقولك: وعد الله الجنة على الطاعة.

ويحتمل أن يتعلق بمحذوف أي ما وعدتنا منزلاً على رسلك أو محمولاً على رسلك لأن الرسل يحملون ذلك فإنما عليه ما حمل.

وقيل: على ألسنة رسلك والمتعلق كما ذكر والموعود هو الثواب.

وقيل: النصر على الأعداء.

وإنما دعوا الله بإنجاز ما وعد مع علمهم بأنه لا يخلف الميعاد كما صرحوا به في آخر الأدعية، لأن معظم الغرض من الدعاء إظهار سميا العبودية.

أو المراد وفقنا للأعمال التي بها نصير أهلاً لوعدك، واعصمنا عما بها نكون أهلاً لإخزانك، أو طلبوا تعجيل النصرة على الأعداء.

أو المراد احفظ علينا أسباب إنجاز الميعاد.

وقيل: فيه دليل على أنهم طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق.

ثم إن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم فلهذا ختموا الأدعية بقولهم ﴿ ولا تخزنا يوم القيامة ﴾ لأن التخجيل والتفضيح يكدّر صفو كل منٍّ وعطاء.

والحاصل من هذه الآيات أنهم نظروا في المصنوع فعرفوا منه الصانع فقالوا: ﴿ ربنا ﴾ ثم تفكروا في عجيب خلقه وبديع شكله فعرفوا أن صانعه حكيم لا تخلو أفعاله من الفوائد والغايات وإن لم يكن مستكملاً بها فقالوا: ﴿ ما خلقت هذا باطلاً ﴾ ثم تأملوا في غاية الغايات ونهاية الحركات فوجدوها الإنسان المكلف على ألسنة الرسل، ووجدوا عاقبة التكليف الجنة أو النار فتضرعوا إلى معبودهم في توفيق الوصول إلى الجنة والخلاص من النار، ولأن دفع الضرر أهم من جلب المنفعة فجعلوا أول دعائهم وآخره الاستعاذة من العذاب، ولأن العذاب الروحاني عند العقلاء أشد من العذاب الجسماني فلا جرم وقع الختم على الاستعاذة من الإخزاء، اللهم شاركنا في هذا الدعاء واجعلنا من السعداء المتفكرين في ملكوت الأرض والسماء إنك واهب العطاء وكاشف الغطاء.

عن جعفر الصادق: من حزبه أمر فقال خمس مرات "ربنا" أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد لأن الله  حكى عنهم في هذه الآيات أنهم قالوا خمس مرات "ربنا" ثم قال: ﴿ فاستجاب لهم ربهم ﴾ أي أجابهم ﴿ أني ﴾ أي بأني ﴿ لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ﴾ "من" في ﴿ منكم ﴾ للتبعيض.

لأن كل عامل فرد من أفراد المخاطبين وفي "من" ذكر للتبيين لأن العامل إما ذكر وإما أنثى وإضاعة العمل عبارة عن إضاعة ثوابه ﴿ بعضكم من بعض ﴾ أي يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد، فكل واحد منكم من الآخر أي من أصله.

أو المراد بعضكم كأنه من البعض الآخر لفرط اتصالكم واتحادكم كما يقال: فلان مني أي على خلقي وسيرتي.

قال  : " "من غشنا فليس منا " وقيل: المراد وصلة الإسلام.

وهذه جملة معترضة بيّن بها شركة النساء مع / الرجال فيما يرجع إلى استحقاق الثواب على العمل.

روي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت.

ثم فصل عمل العامل منهم تفخيماً لشأن العمل وتنويهاً بذكره فقال: ﴿ فالذين هاجروا ﴾ أوطانهم مع الرسول  أو بعده باختيارهم ﴿ وأخرجوا من ديارهم ﴾ ألجأهم الكفار إلى الخروج ﴿ وأوذوا في سبيلي ﴾ يريد طريق الدين ﴿ وقاتلوا وقتلوا ﴾ من قرأ بالتشديد فللتكثير وتكرر القتل فيهم.

وقيل: أي قطعوا.

ومن قرأ ﴿ قتلوا وقاتلوا ﴾ فإما لأن الواو لا تفيد الترتيب والترتيب الطبيعي: قاتلوا حتى قتلوا.

وإما من قولهم: قتلنا ورب الكعبة إذا ظهرت أمارات القتل وإذا قتل قومه وعشيرته.

وإما بإضمار "قد" أي قتلوا وقد قاتلوا ﴿ لأكفرنّ ﴾ جواب للقسم المقدر ﴿ عنهم سيئاتهم ﴾ وهو الذي طلبوه بقولهم: ﴿ ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ﴾ ﴿ ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ وهو الذي طلبوه بقولهم ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ ﴿ ثوباً من عند الله ﴾ وهو الذي طلبوه من الثواب المقرون بالتعظيم بقولهم: ﴿ ولا تخزنا يوم القيامة ﴾ أي ثوباً يختص به وبقدرته وبفضله لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه.يقول الرجل: عندي ما تريد أنا مختص به وبملكه وإن لم يكن بحضرته.

و ﴿ ثواباً ﴾ نصب على المصدر المؤكد أي إثابة أو تثويباً من عنده لأن قوله: ﴿ لأكفرن ﴾ ﴿ ولأدخلنهم ﴾ في معنى لأثيبنهم.

وقال الكسائي: هو منصوب على القطع أي على الحال.

وقال الفراء: نصب على التفسير كقولك: هو لك هبة أوبيعاً أو صدقة.

ثم ختم بقوله: ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ لأنه القادر على كل المقدورات، العالم بكل المعلومات، القاضي جميع الحاجات.

وفي تعليقه حسن الإثابة على احتمال المشاق في دينه والصبر على صعوبة تكاليفه دليل على أن حكمة الله  اقتصت نوط الثواب والجنة بالعمل حتى لا يتكل الناس على فضله بالكلية، ولا يهملوا جانب العمل رأساً.

عن الحسن: أخبر الله  أنه استجاب لهم إلا أنه أتبع ذلك رافع الدعاء وما يستجاب به، فلا بد له من تقديمه بين يدي الدعاء يعني قوله: ﴿ والعمل الصالح يرفعه  ﴾ ثم إنه  لما وعد المؤمنين الثواب العظيم وكانوا في الدنيا في غاية الفقر والشدة، والكفار كانوا في التنعم، أراد أن يسليهم ويصبرهم فقال: ﴿ لا يغرنك ﴾ والخطاب لكل مكلف يسمعه أي لا يغرنك أيها السامع أو للرسول والمراد الأمة.

قال قتادة: والله ما غرّوا نبي الله حتى قبضه الله وله.

والمراد هو فلعل السبب في عدم اغتراره هو تواتر أمثال هذه الآيات عليه.

قيل: إن مشركي مكة كانوا يتجرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت.

وقيل: كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال فنزلت.

والمراد بتقلبهم / تبسطهم وتصرفهم في المكاسب والمزارع والمتاجر ذلك التقلب أو الكسب والربح ﴿ متاع قليل ﴾ في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة، أو في جنب ما وعد الله المؤمنين من الثواب، أو هو قليل في نفسه إذ لا نسبة لمدته إلى ما بين أمدي الأزل والأبد، ومع قلته سبب للوقوع في نار جهنم أبد الآبدين.

والنعمة القليلة إذا كانت سبباً للمضرة العظيمة لم تكن في الحقيقة نعمة ولهذا استدرك وقال ﴿ لكن الذين اتقوا ﴾ الآية، ويدخل في التقوى الأوامر والنواهي.

والنزل ما يعدّ للضيف ويعجل، ومن هنا تمسك به بعض الأصحاب في الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلاَ فلا بد من شيء آخر يكون اصلاً بالنسبة إليها، قلت: يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وما عند الله باق  ﴾ إشارة إليه وهو مقام العندية والقرب الذي لا يوازيه شيء من نعيم الجنة.

وقيل: المعنى وما عند الله من الكثير الدائم خير للأبرار مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل، وانتصاب ﴿ نزلاً ﴾ على الحال من ﴿ جنات ﴾ لتخصيصها بالوصف، والعامل معنى الاستقرار في لهم، أو هو مصدر مؤكد كأنه قيل: رزقاً أو عطاء، أو نصب على التفسير كما قلنا في ﴿ ثواباً ﴾ .

ثم إنه  لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار بين حال مؤمني أهل الكتاب كلهم فقال: ﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ وهذا قول مجاهد.

وقال ابن جريج وابن زيد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه.

وقيل: في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى  فأسلموا.

وعن جابر بن عبد الله وأنس وابن عباس وقتادة: "نزلت في النجاشي لما مات نعاه جبريل إلى رسول الله  في اليوم الذي مات فيه فقال رسول الله  للأصحاب: اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم.

قالوا: ومن هو؟

قال: النجاشي: فخرج رسول الله  إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له، وقال لأصحابه: استغفروا له.

فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه، فأنزل الله هذه الآية" .

واللام في ﴿ لمن يؤمن ﴾ لام الابتداء الذي يدخل على خبر "إن" أو على اسمه عند الفصل كما في الآية.

والمراد ﴿ بما أنزل إليكم ﴾ القرآن ﴿ وما أنزل إليهم ﴾ الكتابان و ﴿ خاشعين لله ﴾ حال من فاعل يؤمن لأن "من" في معنى الجمع فحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى ﴿ لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً ﴾ كما يفعله من لم يسلم من أحبارهم ورؤسائهم ﴿ أولئك لهم أجرهم عند ربهم ﴾ ولا يخفى فخامة شأن هذا الوعد حسبما أشار إليه بقوله: ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ لأنه عالم بجميع المعلومات قادر على كل المقدورات فيعلم ويعطي ما لكل أحد من جزاء الحسنات والسيئات.

أو المراد سرعة موعد حسابه / فتكون فيه بشارة بسرعة حصول الأجر.

ثم ختم السورة بآية جامعة لأسباب سعادة الدارين، وذلك أن أحوال الإنسان قسمان: الأول ما يتعلق به وحده فأمر فيه بالصبر ويندرج فيه الصبر على مشقة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، والصبر على أداء الواجبات والمندوبات والاحتراز عن المنهيات، والصبر على شدائد الدنيا وآفاتها ومخاوفها.

الثاني ما يتعلق بالمشاركة مع أهل المنزل أو المدينة فأمر فيه بالمصابرة، ويدخل فيه تحمل الأخلاق الرديئة من الأقارب والأجانب، وترك الانتقام منهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد مع أعداء الدين بالحجة وبالسيف وباللسان أو بالسنان.

ثم إنه لا بد للإنسان في تكلف أقسام بالصبر والمصابرة من قهر القوى النفسانية البهيمية والسبعية الباعثة على أضداد ذلك، فأمر بالمرابطة من الربط الشدّ.

فكل من صبر على أمر فقد ربط قلبه عليه وألزم نفسه إياه.

ثم لا بد في جميع الأعمال والأقوال من ملاحظة جانب الحق حتى يكون معتداً بها، فلهذا أمر بتقوى الله.

ثم لما تمت وظائف العبودية ختم الكلام على وظيفة الربوبية وهو رجاء الفلاح منه، فظهر أن هذه الآية مشتملة على كنوز الحكم والمعارف وجامعة لآداب الدين والدنيا.

ثم إنها على اختصارها كالإعادة لما تقدم في هذه السورة من الأصول.

وهي: تقرير التوحيد والعدل والنبوّة والمعاد.

ومن الفروع كأحكام الحج والزكاة والجهاد.

وعن الحسن ﴿ اصبروا ﴾ على دينكم فلا تتركوه بسبب الفقر والجوع ﴿ وصابروا ﴾ عدوّكم فلا تفشلوا بسبب ما أصابكم يوم أحد.وقال الفراء: اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم، فلا ينبغي أن يكونوا أصبر منكم.

وقال الأصم: لما كثرت تكاليف الله  في هذه السورة أمرهم بالصبر عليها.

ولما كثر ترغيب الله  في الجهاد فيها أمرهم بالمصابرة مع الأعداء.

أما البرابطة ففيها قولان: أحدهما أن يربط هؤلاء خيولهم في الثغور ويربط أولئك أيضاً خيولهم بحيث يكون كل واحد من الخصمين مستعداً لقتال الآخر قال  : ﴿ ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوكم  ﴾ وعن النبي  : " من رابط يوماَ وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة " وثانيهما أنها انتظار الصلاة بعد الصلاة لما روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: "لم يكن في زمن رسول الله  غزو يرابط فيه، ولكن انظار الصلاة خلق الصلاة" .

وفي حديث أبي هريرة ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة ثم قال: فذلك الرباط ثلاث مرات والله أعلم.

التأويل: / إن في خلق سموات القلوب وأطوارها، وخلق أرض النفوس وقرارها، واختلاف ليل البشرية وصفاتها، ونهار الروحانية وأنوارها، لآيات لأولي الألباب.الذين عبروا بقدمي الذكر والفكر عن قشر الوجود الجسماني، ووصلوا إلى لب الوجود الروحاني، فشاهدوا بعيون البصائر ونواظر الضمائر أن لهم وللعالم إلهاً قادراً حياً عليماً سميعاً بصيراً متكلماً مريداً باقياً.

وإنما نالوا هذه المراتب لأنهم يذكرون الله في جميع الأحوال بالظاهر والباطن، ويتفكرون في خلق المصنوعات من البسائط والمركبات، ويقولون ما خلقت هذا باطلاً أي خلقته إظهاراً للحق على الخلق، ووسيلة للخلق إلى الحق.

سبحانك تنزيهاً للحق عن الشبه بالخلق، ﴿ فقنا ﴾ باعد عنا عذاب نار قهرك والبعد عنك، ففيها كل الخزى والندامة والغواية والضلالة.

ثم أخبر عن شرط العبودية في استجلاب فضل الربوبية بقوله: ﴿ ربنا إننا سمعنا ﴾ من هاتف الحق في الغيب بالسمع الحقيقي مناديا ﴿ فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ أي كما أسمعتنا النداء بالإرادة القديمة لا بسعي منا قبل أن تخلقنا.

فاغفر لنا بفضلك ورحمتك.

﴿ لا أضيع عمل عامل منكم ﴾ بالظاهر والباطن ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ على قدر همتكم ورجوليتكم ﴿ فالذين هاجروا ﴾ عن الأوطان والأوطار والأعمال السيئة والأخلاق الذميمة ﴿ وأخرجوا من ديارهم ﴾ من معاملات الطبيعة وديارها إلى عالم الحقيقة بسطوات تجلي صفات الربوبية ﴿ وأوذا في ﴾ طلبي بأنواع البلاء ﴿ وقاتلوا ﴾ مع النفس ﴿ وقتلوا ﴾ بسيف الصدق ﴿ لأكفرن عنهم ﴾ سيئات وجودهم ﴿ ولأدخلنهم جنات ﴾ الوصول فيها أشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص والهدى والقناعة والعفة والمروءة والفتوّة والمجاهدة والشوق والذوق والرغبة والرهبة والوفاء والطلب والمحبة والحياء والكرم والشجاعة والعلم والحلم والعزة والقدرة والهمة وغيرها من المقامات والأخلاق ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ أنهار العناية ﴿ ثواباً ﴾ من مقام العندية ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ لايكون عند الجنة وغيرها ﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ من علماء الظاهر علماء متقين يكون إيمانه من نتيجة نور الله الذي دخل قلبه، و ﴿ يؤمن بما أنزل إليكم ﴾ من الواردات والإلهامات والكشوف ﴿ وما أنزل إليهم ﴾ من الخواطر الرحمانية ﴿ خاشعين لله ﴾ كما قال  : "إذا تجلى الله لشيء خضع له" ﴿ لا يشترون ﴾ بما أوتوا من العلم والحكمة عرض الدنيا ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ يوصلهم إلى مقام العندية قبل وفاتهم ﴿ اصبروا ﴾ على جهاد النفس بالرياضات ﴿ وصابروا ﴾ في مراقبة القلب عند الابتلاءات ﴿ ورابطوا ﴾ الأرواح للوصل بالله ﴿ واتقوا الله ﴾ في الالتفات إلى ما سواه ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ فتفوزوا بالبقاء بالله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ : في الآية وجوه.

أحدها: أنه خلق السماوات والأرض للبشر ولمنافعهم، لا أنه خلقهما لأنفسهما: لا منفعة لهما بخلقه إياهما؛ حتى يكون خلقه لأنفسهما؛ إذ خلق الشيء لا لمنفعة أحد أو للفناء خاصة - عَبَثٌ، فإذا كان ما ذكرنا أنه لا منفعة لهما في خلقهما - دل أنه إنما خلقهما لمنافع البشر، وسخرهما لهم، ثم جعل منافع السماء مع بُعْدِها من الأرض متصلة بمنافع الأرض؛ حتى لا تقوم منافع هذا إلا بمنافع الآخر؛ فيصيرهما كالمتصلين؛ لاتصال المنافع مع بعد ما بينهما؛ فدل هذا أن الذي أنشأهما واحد.

وكذلك: ﴿ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ : هما مختلفان: أحدهما ظلام والآخر نور، يُفْنِيان الأعمار ويقربان الآجال، وليس بينهما في رأي العين تشابُهٌ ولا تشاكل؛ إذ أحدهما نور والآخر ظلام، وهما متضادان، لكن خلقهما لمنافع البشر، والمقصود بخلقهم بنو آدم لا أنفسُهُم، على ما ذكرنا أنْ لا منفعة لهم في خلقهم، ثم صيَّرهما مع اختلافهما وتضادهما كالشكلين؛ لاتصال منافع بعضها ببعض؛ دل أن منشئهما واحد، وأنه عليم حكيم؛ حيث جمع من المتضادين المختلفين وصيَّرهما كالشكلين؛ وهما لعلم وحكمة وتدبير صارا كذلك.

وفهيما دلالة البعث؛ لأنهما يَفنيان حتى لا يبقى من الليل أثر حتى يجيء النهار، فيذهب النهار أيضا حتى لا يبقى من النهار أثر، فيجيء آخر، لا يزالان كذلك، فإذا كان قادراً على خلق الليل وإنشائه من غير أثر بقي من النهار؛ وكذلك قادر على إنشاء النهار من غير أن بقي من الليل أثر ظلام - لقادر على أن ينشئ الخلق ثانياً ويحييهم، وإن فَنُوا وهلكوا ولم يبق منهم أثر؛ فإذا كان ما ذكرنا من خلق السماوات والأرض وما فيهما لمنافع البشر، وهو المقصود من خلقهما لا غيرهم من الخلائق؛ لما ركب فيهم من العقول والبصر الذي بهما يميزون بين المنافع والمضار، وبين الخبيث والطيب، وبين الحسن والقبيح، ولم يركب ذلك في غيرهم من الخلائق - لابدَّ من أمر ونهي: يأمر بأشياء، وينهى عن أشياء؛ يمتحنهم على ذلك؛ إذ هم أهل التمييز والفهم والبصر؛ فإذا كان ما ذكرنا، لا بد - أيضاً - من دار أخرى للجزاء، يُكْرَمُ المطيع له فيها والولي، و يُعَاقَبُ العدو فيها والعاصي، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ ﴾ : يحتمل هذا لما جعل الله -  - على العبد في كل حالٍ نعمةً ليست تلك في غيرها من الأحوال، نحو: أن جعل القيام نعمة في قضاء حوائجه وتقلبه في تلك الحال، وجعل القعود راحة له عند الإعياء، وكذلك الأضطجاع؛ فاستأداهم بالشكر له في كل نعمة على حال من تلك الأحوال، ومدحهم على ذلك إذا فعلوا.

ويحتمل: أن يكون -  - أمرهم أن يذكروه في كل حال: في حال الرخاء والشدة، وفي الضراء والسراء، لا في حال دون حال، على ما يفعله بعض خلقه: يذكرونه في حال الشدَّة والضراء، ولا يذكرونه في حال الرخاء واليسر، ويذكرونه في حال الرخاء واليسر، ولا يذكرونه في حال الشدة والبلاء، فمدح المؤمنين أنهم يذكرونه في كل حال، لا على ما يفعله أهل الشرك [على إرادة نفس القيام]، ونفس القعود والاضطجاع؛ ولكن على كل حال وفي كل وقت، والله أعلم.

وقيل: إنه جاء في رخصة صلاة المريض: يصلِّي قائماً إن استطاع، وإلا فقاعداً إن لم يستطع، وإلا فمضطجعاً، وكذلك روي عن ابن مسعود -  - أنه قال ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ إذ في خلقهما دليل وحدانيته، وشهادة ربوبيته.

﴿ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ﴾ : أي: عبثاً، ولكنَّ خَلْقَهُمْ دَلِيلٌ على وحدانيتك، وشاهد على ربوبيتك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ : هو للتبرئة، والتنزيه: هو إبعاده عن العيب، وتبريئه منه، وتطهيره عما يقول الكفار، وهو حرف يقدم عند حاجات ترفع إليه، ودعوات يدعى بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ : قيل: أَذْلَلْتَهُ وفضحتَهُ وأهنتَه.

﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ : أي: مانع يمنع عنهم العذاب ويدفع، ويحتمل الأنصار: الأعوان، أي: ليس لهم أعوان يعينونهم في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على حقيقة السمع أن سمعنوا منادياً يدعوهم إلى الإيمان، وهو رسول الله  أو القرآن، كلاهما يدعوان الخلق إلى الإيمان بالله.

ويحتمل قوله: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ ، أي: عقلنا، وعَقْلُ كُلِّ أحد يدعو إلى التوحيد والإيمان به.

وقيل: سمعوا دعوة الله فأجابوها، وصبروا عليها.

وعن ابن عباس -  -: المنادى: محمد  ، ثم قرأ: ﴿ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ...

﴾ الآية [الأنعام: 19].

وعن غيره: المنادى هو القرآن، ويدعوهم ﴿ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ ﴾ .

[وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآمَنَّا رَبَّنَا ﴾ فيه دلالة أن الإيمان ليس هو جميع الطاعات، على ما يقول بعض الناس؛ ولكنه فرد تصديق؛ لأنه لما قال لهم: آمنوا بربكم لم يطلبوا التفسير، ولا قالوا: كم أشياء تكون؟!، ولكن أجابوه إجابة موجزة، فقالوا: ﴿ فَآمَنَّا رَبَّنَا ﴾ ].

ثم فيه دلالة أن لا ثُنَيَّا في الإيمان؛ لأنهم أطلقوا القول في الإخبار عن إيمانهم من غير ذكر حرف الثنيا؛ دلَّ أن الإيمان مما لا يحتمل الثنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا ﴾ : قيل: قولهم: ﴿ فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ : التي كانت فيما مضى من عمرنا، ﴿ وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا ﴾ ، أي: اعصمنا فيما بقى من عمرنا، أو: وفقنا للحسنات التي تكفر سيئاتنا؛ لما قد يلزم العبدَ التكفيرُ لما أساء.

وقيل: المغفرة والتكفير كلاهما سواء؛ لأن المغفرة هي الستر، وكذلك التكفير؛ ولذلك سُمِّى الحراثون: كفاراً؛ لسترهم البذر في الأرض؛ وكذلك الكافر سمى كافراً؛ لستره الحق بالباطل، ولستره جميع ما أنعم الله عليه بتوجيه الشكر إلى غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ ﴾ ، أي: توفنا واجعلنا مع الأبرار.

ويحتمل: وتوفنا من الأبرار وفي الأبرار.

ثم اختلف في البَرِّ: قيل: هو الذي لا يؤذي أحداً، وقيل: الأبرار: الأخيار.

ويحتمل: توفنا على ما عليه توفيت الأبرار، وتوفنا وإنَّا أبرارٌ.

والبر: الطاعة، والتقوى: ترك المعصية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ : قيل فيه وجهين: قيل: وآتنا ما وعدتنا على ألسن رسلك، على إضمار "ألسن" كقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً  ﴾ وقيل: ﴿ مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ ، أي: ما جعلت عليهم من الاستغفار للمؤمنين؛ كقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ ، وكقوله إبراهيم -  -: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ  ﴾ ، وكقول نوح -  -: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ .

ثم بيننا وبين المعتزلة كلام في الآية: قالت المعتزلة: يجوز الدعاء والسؤال عنه بما قد أعطى، وما عليه أن يعطي نحو ما ذكر من السؤال بما وعد، وما وعد لا شك أنه يعطي، وأنه لا يخلف المعياد، ونحو قوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ  ﴾ وهو لا يحكم بالجور.

وأما عندنا: أن السؤال عما عليه أن يعطي - يخرج مخرج الدعاء له ربنا لا تَجُرْ ولا تَظْلم، إن هذا لا يقال إلا لمن يخاف الجور منه والظلم؛ إذ يعلم أن ذلك عليه، والسؤال عما قد أعطى محال؛ لأنه يخرج مخرج كتمان ما أعطى، أو ليس عنده ما يعطيهم؛ فيخرج مخرج السخرية به؛ لذلك بطل السؤال، والله أعلم.

ثم تأويل الآية عندنا على وجوه: أحدها: قوله: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ ، يحتمل أن يكون الوعد منه لرسله باستغفار الرسل، إذا كان من المؤمنين استغفار وسؤال؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ...

﴾ الآية [النساء: 64]: وعد لهم المغفرة لهم باستغفار الرسول؛ إذا كان منهم استغفار وسؤال، يقول: اجعل دعائي دعاء من جاء إلى النبي  مستغفراً فاستغفر له، وكقوله - أيضاً -: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً  ﴾ .

والثاني: يحتمل أن يكون الوعد: لهم إذا ماتوا على ذلك، فالدعاء كان منهم، والسؤال: أنه إذا أماتهم يميتهم على الإيمان، على ما كانوا أحياء، والمغفرة والرحمة حينئذ تكون لهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ  ﴾ فله كذا، ولم يقل: من عمل بها فله كذا، ولكن ذكر مجيئه بها، فعلى ذلك الأوَّل، والله أعلم.

ثم يحتمل ما ذكرنا، والله أعلم.

وفيما ذكر من تأويل الآية في الابتداء كفاية من ذلك، والله أعلم.

والثالث: يدعو؛ ليجعلهم من الجملة الذين كان لهم الوعد؛ إذ الوعد غير مُبَيَّنٍ لمن هو؛ فسألوا أن يجعلهم في تلك الجملة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ربنا وأعطنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك، من الهداية والنصر في الدنيا، ولا تفضحنا يوم القيامة بدخول النار، إنك - يا ربنا - كريم لا تُخْلف وعدك.

من فوائد الآيات من صفات علماء السوء من أهل الكتاب: كَتْم العلم، واتباع الهوى، والفرح بمدح الناس مع سوء سرائرهم وأفعالهم.

التفكر في خلق الله تعالى في السماوات والأرض وتعاقب الأزمان يورث اليقين بعظمة الله وكمال الخضوع له -عَزَّ وَجَلَّ-.

دعاء الله وخضوع القلب له تعالى من أكمل مظاهر العبودية.

<div class="verse-tafsir" id="91.QZQlV"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

وجه اتصال الآية الأولى بما قبلها أنها جاءت بعد أفاعيل أهل الكتاب وغيرهم مع المؤمنين، فهي تدل على أن أولئك المجادلين لو كانوا يتفكرون في خلق السماوات والأرض لكفوا من غرورهم ولعلموا أنه يليق بحكمته تعالى أن يرسل إلى الناس رسولًا من أنفسهم، ولكنه جعل الآية مطلقة موجهة إلى أولي الألباب ليطلق النظر لكل عاقل.

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ﴾ السماوات ما علاك مما تراه فوقك، والأرض ما تعيش عليه، والخلق التقدير والترتيب لا الإيجاد من العدم كما اصطلح عليه في علم الكلام فذلك لا يتضمن معنى النظام والإتقان وهو ما هي عليه الواقع ونفس الأمر، وبعد ما ذكر خلق السماوات والأرض لفت العقول إلى أمر مما يكون في الأرض وهو اختلاف الليل والنهار، فإن هذا الاختلاف قائم بنظام في طول الليل والنهار وقصرهما وتعاقبهما وهذا أمر عظيم سواء كان سببه ما كانوا يعتقدون من أنه حادث من حركة الشمس، أو ما يعتقدون الآن من أن سببه حركة الأرض تحت الشمس ومن الحكم في ذلك ما نراه في أجسامنا وعقولنا من تأثير حرارة الشمس ورطوبة الليل وكذا في تربية الحيوانات والنبات وغير ذلك، ولو كان الليل سرمدًا والنهار سرمدًا لفاتت.

وهذه الآيات تظهر لكل أحد على قدر علمه وفهمه وجودة فكره، فأما علماء الهيئة فإنهم يعرفون من نظامها ما يدهش العقل، وأما سائر الناس فحسبهم هذه المناظر البديعية والأجرام الرفيعة وما فيها من الحسن والروعة، وخص أولي الألباب بالذكر مع أن كل الناس أولي ألباب لأن من اللب ما لا فائدة فيه كلب الجوز ونحوه إذا كان عفنا، وكذا تفسد ألباب بعض الناس وتعفن فهي لا تهتدي إلى الاستفادة من آيات الله في خلق السماوات والأرض وغيرهما، وإنما سمي العقل لبًا لأن؛ اللب هو محل الحياة من الشيء وخاصته وفائدته، وإنما حياة الإنسان الخاصة به هي حياته العقلية، وكل عقل متمكن من الاستفادة من النظر في هذه الآيات والاستدلال بها على قدرة الله وحكمته ولكن بعضهم لا ينظر ولا يتفكر وإنما العقل الذي ينظر ويستفيد ويهتدي هو الذي وصف أصحابه بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ  ﴾ والذكر في الآية على عمومه لا يخص بالصلاة والمراد بالذكر ذكر القلوب وهو إحضار الله تعالى في النفس وتذكر حكمه وفضله ونعمه في حال القيام والقعود والاضطجاع، وهذه الحالات الثلاث التي لا يخلو العبد عنها تكون فيها السماوات والأرض معه لا يتفارقان.

والآيات الإلهية لا تظهر من السماوات والأرض إلا لأهل الذكر فكأين من عالم يقضي ليله في رصد الكواكب فيعرف منها ما لا يعرف الناس، ويعرف من نظامها وسننها وشرائعها ما لا يعرف الناس، وهو يتلذذ بذلك العلم ولكنه مع هذا لا تظهر له هذه الآيات لأنه منصرف عنها بالكلية.

ثم إن ذكر الله تعالى لا يكفي في الاهتداء إلى الآيات ولكن يشترط مع الذكر التفكير فيها فلابد من الجمع بين الذكر والفكر، فقد يذكر المؤمن بالله ربه ولا يتفكر في بديع صنعه وأسرار خليقته، وبذلك قال: ﴿ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار  ﴾ أي مع التفكير في خالقهما، أما الذين يشتغلون بعلم ما في السماوات والأرض وهم غافلون عن خالقهما، ذاهلون عن ذكره يمتعون عقولهم بلذة العلم ولكن أرواحهم تبقى محرومة من لذة الذكر ومعرفة الله  ، فمثلهم كمثل من يطبخ طعامًا شهيًا يغذي جسده ولكنه لا يرقى به عقله.

هذا حكاية لقول هؤلاء الذين يجمعون بين تفكرهم وذكر الله  ويستنبطون من اقترانهما الدلائل على حكمه الله وإحاطة علمه سبحانه بدقائق الأكوان التي تربط الإنسان بربه حق الربط، وقد اكتفى بحكاية مناجاتهم لربهم عن بيان نتائج ذكرهم وفكرهم، فطي هذه وذكر تلك من إيجاز القرآن البديع وفيه تعلم المؤمنين كيف يخاطبون الله تعالى عندما يهتدون إلى شيء من معاني إحسانه وكرمه وبدائع خلقه، كأنه يقول هذا هو شأن المؤمن الذاكر المتفكر يتوجه إلى الله في هذه الأحوال، بمثل هذا الثناء والدعاء والابتهال، وكون هذا ضربًا من ضروب التعليم والارشاد، لا يمنع أن بعض المؤمنين قد نظروا وذكروا وفكروا ثم قالوا هذا أو ما يؤدي معناه فذكر الله حالهم وابتهالهم، ولم يذكر قصتهم وأسماءهم، لأجل أن يكونوا قدوة لنا في عملهم، وأسوة في سيرتهم، أي لا في ذواتهم وأشخاصهم، إذ لا فرق في هذا بيننا وبينهم.

أما معنى كون هذا الخلق لا يكون باطلًا فمعناه أن هذا الإبداع في الخلق والاتقان للصنع لا يمكن أن يكون من العبث والباطل ولا يمكن أن يفعله الحكيم العليم لهذه الحياة الفنانية فقط، كما أن الإنسان الذي أوتي العقل الذي يفهم هذه الحكم، ودقائق هذا الصنع، كلما ازداد تفكيرًا ازداد علمًا، حتى إنه لا حد يُعْرف لفهمه وعلمه ولا يمكن أن يكون وجد ليعيش قليلًا ثم يذهب سدى، ويتلاشى فيكون باطلًا، بل لا بد أن يكون باستعداده الذي لا نهاية له قد خلق ليحيا حياة لا نهاية لها، وهي الحياة الآخرة التي يرى كل عامل فيها جزاء عمله، ولهذا وصل الثناء بهذا الدعاء، ومعناه جنبنا السيئات، ووفقنا للأعمال الصالحات، حتى يكون ذلك وقاية لنا من عذاب النار، وهذه هي نتيجة فكر المؤمن.

ثم إنهم بعد أن يصلوا بالفكر مع الذكر إلى بقاء العالم واستمراره لأن نظامه البديع لا يمكن أن يجعله العليم الحكيم باطلًا، وبعد أن يدعوا ربهم أن يقيهم دخول النار في الحياة الثانية، يتوجهون إليه قائلين: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  ﴾ أي إنهم ينظرون إلى هيبة ذلك الرب العلي العظيم الذي خلق تلك الأكوان المملوءة بالأسرار والحكم والدلائل على قدرته وعزته فيعلمون أنه لا يمكن لأحد أن ينتصر عليه، وأن من عاداه فلا ملجأ ولا منجا له منه إلا إليه، فيقرون بأن من أدخله ناره فقد أخزاه أي أذله وأهانه.

﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ  ﴾ وصف من يدخلون النار بالظالمين تشنيعًا لأعمالهم وبيانًا لعلة دخولهم وهو جورهم وميلهم عن طريق الحق، فالظالم هنا هو الذي يتنكب الطريق المستقيم لا الكافر خاصة كما قال المفسرين فإن هذا التخصيص لا حاجة إليه، ولا دليل عليه، وإنما سببه ولوع الماس بإخراج أنفسهم من كل وعيد يذكر في كتابهم، وحمله بالتأويل والتحريف على غيرهم، كذلك فعل السابقون، واتبع سننهم اللاحقون، فكل ظالم يؤخذ بظلمه، ويعاقب على قدره، ولا يجد له نصيرًا يحميه من أثر ذنبه.

ثم إنهم بعد التعبير عما أثمره الفكر والذكر من معرفة الله تعالى وخشيته ودعائه عبروا عما أفادهم السمع من وصول دعوة الرسول إليهم واستجابتهم له وما يترتب على ذلك فقالوا: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا  ﴾ المنادي للإيمان هو الرسول، وذكره بوصف المنادي تفخيمًا لشأن هذا النداء، وذكر استجابتهم بالعطف بالفاء لبيان أنهم بعد الذكر والفكر والوصول منها إلى تلك النتيجة الحميدة لم يتلبثوا بالإيمان الذي يدعوهم إليه الانبياء كما تلبث قوم واستكبر آخرون، بل بادروا وسارعوا إليه لأنهم إنما يدعونهم إلى ما اهتدوا إليه مع زيادة صالحة تزيدهم معرفة بالله تعالى وبصيرة في عالم الغيب والحياة الآخرة اللتين دلهم الدليل على ثبوتها دلالة مجملة مبهمة، والأنبياء يزيدونها ويوحيه الله إليهم بيانًا وتفصيلًا.

وعلى هذا التفسير يكون المراد بالآيات بيان أنه كان في كل أمة أولو ألباب هذا شأنهم مع أنبيائهم ويصح أن يكون المراد بالمنادي نبينا  خاصة.

وسماع النداء يشمل من سمع منه مباشرة في عصره ومن وصلت إليه دعوته بعده ويتحمل أن يكون قولهم فآمنا مرادًا به إيمان جديد غير الإيمان الذي استفادوه من التفكر والذكر وهو الإيمان التفصيلي الذي أشرنا إليه آنفًا، ويحتمل أن يكون سمعوا دعوة الرسول أولًا وآمنوا به ثم نظروا وذكروا وتفكروا فاهتدوا إلى ما اهتدوا إليه من الدلائل التي تدعم إيمانهم فذكروا النتيجة، ثم اعترفوا بالوسيلة، ولا ينافي ذلك تاخير هذه عن تلك في العبارة كما هو ظاهر.

﴿ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا  ﴾ تفيد الفاء في قوله ﴿ فَاغْفِرْ  ﴾ اتصال هذا الدعاء بما قبله وكون الإيمان سببًا له، والمراد بالإيمان الإذعان للرسل في النفس والعمل، لا دعوى الإيمان باللسان مع خلو القلب من الاذعان الباعث على العمل، ولأجل هذا اسشعروا الخوف من الهفوات والسيئات فطلبوا المغفرة والتفكير.

وقال بعض المفسرين إن المراد بالذنوب هنا الكبائر وبالسيئات الصغائر.

وعندي أن الذنوب هي التقصير في عبادة الله تعالى وكل معاملة بين العبد وربه، والسيئات هي التقصير في حقوق العباد ومعاملة الناس بعضهم بعضًا، فالذنب معناه الخطيئة، وأما السيئة فهي ما يسوء فاشتقاقها من الإساءة يشعر بما قلناه، وغفر الذنوب عبارة عن سترها وعدم العقوبة عليها البتة، وتكفير السيئات عبارة عن حطها وإسقاطها فكل من الطلبين مناسب لما ذكرنا من المعنيين ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ  ﴾ أي أمتنا على حالتهم وطريقتهم، يقال: أنا مع فلان أي على رأيه وسيرته ومذهبه في عمله، والأبرار هم المحسنون في أعمالهم.

﴿ رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ  ﴾ ، على رسلك معناه لأجل رسلك، أي لأجل اتباعهم والإيمان بهم.

فالكاف للتعليل، واستشكل البعض هذا السؤال منهم مع إيمانهم بأن الله لا يخلف الميعاد، والمختار عندي في الجواب عنه أن هؤلاء قوم هداهم النظر والفكر إلى معرفة الله تعالى واستشعار عظمته وسلطانه، وإلى ضعف أنفسهم عن القيام بما يجب من شكره، والقيام بحقوقه وحقوق خلقه، فطلبوا المغفرة والتفكير والعناية الإلهية التي تبلغهم ما وعد الله من استجابوا للرسل ونصروهم وأحسنوا اتباعهم.

﴿ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ  ﴾ أي لا تذلنا.

﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى  ﴾ استجاب دعاءهم لصدقهم في الإيمان والذكر والفكر والتقديس والتنزيه، والوصول إلى معرفة الحياة الآخرة، وصدق الرسل وإيمانهم بهم وشعورهم بعد ذلك كله بأنهم ضعفاء مقصرون في الشكر محتاجون مغفرته لهم وفضله عليهم وإحسانه بهم بإيتائهم ما وعدهم، ولكن هذه الاستجابة لم تكن بعين ما طلبوا كما طلبوا ولذلك صورها وبيّن كيفيتها، وهذا التصوير لحكمة عالية وهي أن الاستجابة ليست إلا توفية كل عامل جزاء عمله لينبههم بذكر العمل والعامل، إلى أن العبرة في الظن بالنجاة من العذاب والفوز بحسن الثواب إنما هي بإحسان العمل والإخلاص فيه، فإن الإنسان قد تغشه نفسه فيظن أنه محسن وليس بمحسن وأنه مخلص وما هو بمخلص، وأن حوله وقوته قد فنيا في حول الله وقوته وأنه لا يريد إلا وجهه تعالى في كل حركة وسكون، ويكون في الواقع ونفس الأمر مغرورًا مرائيًا.

وذكر أن الذكر والأنثى متساويان عند الله تعالى في الجزاء متى تساويا في العمل حتى لا يغتر الرجل بقوته ورياسته على المرأة فيظن أنه أقرب إلى الله منها، ولا تسيء المرأة الظن بنفسها فتتوهم أن جعل الرجل رئيسًا عليها يقتضي أن يكون أرفع منزلة عند الله تعالى منها، وقد بيّن تعالى علة هذه المساواة بقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ  ﴾ فالرجل مولود من المرأة والمرأة مولودة من الرجل فلا فرق بينهما في البشرية، ولا تفاضل بينهما إلا بالأعمال، أي وما تترتب عليه الأعمال ويترتب هو عليها من العلوم والأخلاق.

لم يكتف بربط الجزاء بالعمل حتى يبين أن العمل الذي يستحقون به ما طلبوا من تكفير السيئات ودخول الجنة فقال: ﴿ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ  ﴾ ذكر الإخراج من الديار بعد الهجرة من باب التفصيل بعد الإجمال، فالهجرة إنما كانت وتكون بالإخراج من الديار، وتستتبع ما ذكر في قوله: ﴿ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا  ﴾ من الإيذاء والقتال، وقرئ وقتلوا بتشديد التاء للمبالغة فمن لم يحتمل القتل بل والتقتيل في سبيل الله تعالى ويبذل محجته لله  فلا يطمعن بهذه المثوبة المؤكدة في قوله: ﴿ لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ  ﴾ ومثل هذه الآية الآيات الكثيرة الواردة في صفحات المؤمنين كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا  ﴾ إلخ، وقوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ إلخ، وقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ  الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ  ﴾ الآيات، وقوله: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا  ﴾ الآيات، وقوله: ﴿ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا  ﴾ الآيات، وقوله: ﴿ وَالْعَصْرِ  ﴾ إلخ السورة وغير ذلك.

هكذا يذكر الله تعالى صفات المؤمنين لينبهنا إلى أن نرجع إلى أنفسنا ونمتحنها بهذه الأعمال والصفات، فإن رأيناها تحتمل الإيذاء في سبيل الله حتى القتل فلنبشرها بالصدق منها، والرضوان منه تعالى، وإلا فعلينا أن نسعى لتحصيل هذه المرتبة التي لا ينجي عنده غيرها.

وإنما كلف الله المؤمنين الصادقين الموقنين المخلصين هذا التكليف الشاق لأن قيام الحق مرتبط به وإنما سعادتهم -من حيث هم مؤمنون- بقيام الحق وتأييده، والحق في كل زمان ومكان محتاج إلى أهله لينصروه على أهل الباطل الذين يقاومونه.

والحق والباطل يتصارعان دائمًا ولكل منهما حزب ينصره فيجب على أنصار الحق أن لا يفشلوا ولا ينهزموا، بل عليهم أن يثبتوا ويصبروا، حتى تكون كلمته العليا، وكلمة الباطل هي السفلى.

وانظر إلى حال المؤمنين اليوم تجدهم يتعللون بأن هذه الآيات نزلت في أناس مخصوصين كأنهم يترقبون أن يستجيب الله لهم ويعطيهم ما وعد المؤمنين من غير أن يقوموا بعمل مما أمر به المؤمنين، ولا أن يتصفوا بوصف مما وصفهم به من حيث هم مؤمنون وما علق عليه وعده بمثوبتهم، بل وإن اتصفوا بضده وهو ما توعد عليه بالعذاب الشديد، وهذا منتهى الغرور.

﴿ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ  ﴾ إن هذا تأكيد لما قبله من كون الثواب من عند الله ليبين أن هذا الجزاء بمحض الفضل والكرم الإلهي وأنه يقع بإرادته واختياره تعالى وإن كان جزاء على عمل.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله