الإسلام > القرآن > سور > سورة 30 الروم > الآية ٤٣ من سورة الروم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 53 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٣ من سورة الروم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى آمرا عباده بالمبادرة إلى الاستقامة في طاعته ، والمبادرة إلى الخيرات : ( فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ) أي : يوم القيامة ، إذا أراد كونه فلا راد له ، ( يومئذ يصدعون ) أي : يتفرقون ، ففريق في الجنة وفريق في السعير; ولهذا قال :
القول في تأويل قوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) يقول تعالى ذكره: فوجِّه وجْهَك يا محمد، نحو الوجه الذي وجَّهك إليه ربك (للدّين القَيِّمِ) لطاعة ربك، والمِلةِ المستقيمةِ التي لا اعوجاج فيها عن الحقِّ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ) يقول تعالى ذكره: من قبل مجيء يوم من أيام الله لا مردّ له لمجيئه؛ لأن الله قد قضى بمجيئه فهو لا محالة جاء (يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) يقول: يوم يجيء ذلك اليوم يصدّع الناسُ، يقول: يتفرّق الناس فرقتين من قولهم: صَدَعتُ الغنم صدعتين: إذا فرقتها فرقتين: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: (فَأقِمْ وَجْهَكَ للدِينِ القَيِّمِ) الإسلام ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ) فريق في الجنة، وفريق في السعير.
حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: (يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) يقول: يتفرّقون.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (يَصَّدَّعُونَ) قال: يتفرّقون إلى الجنة، وإلى النار.
قوله تعالى : فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون .قوله تعالى : فأقم وجهك للدين القيم قال الزجاج : أي أقم قصدك ، واجعل جهتك اتباع الدين القيم ; يعني الإسلام .
وقيل : المعنى أوضح الحق وبالغ في الإعذار ، واشتغل بما أنت فيه ولا تحزن عليهم .
من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله أي لا يرده الله عنهم ، فإذا لم يرده لم يتهيأ لأحد دفعه .
ويجوز عند غير سيبويه لا مرد له وذلك عند سيبويه بعيد ، إلا أن يكون في الكلام عطف .
والمراد يوم القيامة .
يومئذ يصدعون قال ابن عباس : معناه يتفرقون .
وقال الشاعر [ تميم بن نويرة ] :وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعاأي لن يتفرقا ; نظيره قوله تعالى : يومئذ يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير .
[ ص: 40 ] والأصل يتصدعون ; ويقال : تصدع القوم إذا تفرقوا ; ومنه اشتق الصداع ؛ لأنه يفرق شعب الرأس .
أي: أقبل بقلبك وتوجه بوجهك واسع ببدنك لإقامة الدين القيم المستقيم، فنفذ أوامره ونواهيه بجد واجتهاد وقم بوظائفه الظاهرة والباطنة.
وبادر زمانك وحياتك وشبابك، { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ } وهو يوم القيامة الذي إذا جاء لا يمكن رده ولا يرجأ العاملون أن يستأنفوا العمل بل فرغ من الأعمال لم يبق إلا جزاء العمال.
{ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } أي: يتفرقون عن ذلك اليوم ويصدرون أشتاتا متفاوتين لِيُرَوْا أعمالهم.
( فأقم وجهك للدين القيم ) المستقيم وهو دين الإسلام ( من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ) يعني : يوم القيامة ، لا يقدر أحد على رده من الله ( يومئذ يصدعون ) أي : يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير .
«فأقم وجهك للدين القيِّم» دين الإسلام «من قبل أن يأتي يوم لا مردَّ له من الله» هو يوم القيامة «يومئذ يصَّدَّعون» فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد: يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار.
فوجِّه وجهك -أيها الرسول- نحو الدين المستقيم، وهو الإسلام، منفذًا أوامره مجتنبًا نواهيه، واستمسك به من قبل مجيء يوم القيامة، فإذا جاء ذلك اليوم الذي لا يقدر أحد على ردِّه تفرقت الخلائق أشتاتًا متفاوتين؛ ليُروا أعمالهم.
ثم أكد - سبحانه ما سبق أن أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم من ثبات على الحق فقال : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ القيم .
.
.
) أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - من سوء عاقبة الأشرار ، وحسن عاقبة الأخيار .
فاثبت على هذا الدين القويم ، الذى أوحيناه إليك ، ولا تتحول عن إلى جهة ما .( مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله ) أى : اثبت على هذا الدين القيم ، من قبل أن يأتى يوم القيامة ، الذى لا يقدر أحد على ردِّه أو دفع عذابه إلا الله - تعالى وحده .ثم بين - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم فقال : ( يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ) .أى : يتفرقون .
وأصله يتصدعون ، فقلبت تاؤه صاداً وأدغمت ، والتصدع التفرق : يقال : تصدع القوم إذا تفرقوا ، ومنه قول الشاعر :وكنا كندْمانَىْ جَذِيمةَ حقبة ...
من الدهر حتى قيل لن يتصدعاأى : لن يتفرقا .والمعنى : اثبت على هذا الدين ، من قبل أن يأى يوم القيامة ، الذى يتفرق فيه الناس إلى فريقين
لما نهى الكافر عما هو عليه، أمر المؤمن بما هو عليه وخاطب النبي عليه السلام ليعلم المؤمن فضيلة ما هو مكلف به فإنه أمر به أشرف الأنبياء، وللمؤمنين في التكليف مقام الأنبياء كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله أمر عباده المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين» وقد ذكرنا معناه، وقوله: ﴿ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله ﴾ يحتمل وجهين: الأول: أن يكون قوله: ﴿ مِنَ الله ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ يَأْتِىَ ﴾ والثاني: أن يكون المراد ﴿ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله ﴾ أي الله لا يرد وغيره عاجز عن رده فلابد من وقوعه ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ أي يتفرقون.
ثم أشار إلى التفرق بقوله: ﴿ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالحا فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال: ﴿ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالحا ﴾ ولم يقل ومن آمن وذلك لأن العمل الصالح به يكمل الإيمان فذكره تحريضاً للمكلف عليه، وأما الكفر إذا جاء فلا زنة للعمل معه، ووجه آخر: وهو أن الكفر قسمان: أحدهما: فعل وهو الإشراك والقول به، والثاني: ترك وهو عدم النظر والإيمان فالعاقل البالغ إذا كان في مدينة الرسول ولم يأت بالإيمان فهو كافر سواء قال بالشرك أو لم يقل، لكن الإيمان لابد معه من العمل الصالح، فإن الاعتقاد الحق عمل القلب، وقول لا إله إلا الله عمل اللسان وشيء منه لابد منه.
المسألة الثانية: قال: ﴿ فَعَلَيْهِ ﴾ فوحد الكناية وقال: ﴿ فَلأَنفُسِهِمْ ﴾ جمعها إشارة إلى أن الرحمة أعم من الغضب فتشمله وأهله وذريته، أما الغضب فمسبوق بالرحمة، لازم لمن أساء.
المسألة الثالثة: قال: ﴿ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ ولم يبين وقال في المؤمن ﴿ فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ تحقيقاً لكمال الرحمة فإنه عند الخير بين وفصل بشارة، وعند غيره أشار إليه إشارة.
<div class="verse-tafsir"
القيم: البليغ الاستقامة الذي لا يتأتى فيه عوج ﴿ مِنَ الله ﴾ إمّا أن يتعلق بيأتي، فيكون المعنى: من قبل أن يأتي من الله يوم لا يردّه أحد، كقوله تعالى: ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا ﴾ [الأنبياء: 40] أو بمردّ، على معنى: لا يردّه هو بعد أن يجيء به، ولا ردّ له من جهته.
والمردّ: مصدر بمعنى الردّ ﴿ يَصَّدَّعُونَ ﴾ يتصدّعون: أي يتفرقون، كقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ [الروم: 14] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ ﴾ البَلِيغِ الِاسْتِقامَةِ.
﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ ﴾ لا يَقْدِرُ أنْ يَرُدَّهُ أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يَأْتِيَ )، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ( مَرَدَّ ) لِأنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى مَعْنى لا يَرُدُّهُ اللَّهُ لِتَعَلُّقِ إرادَتِهِ القَدِيمَةِ بِمَجِيئِهِ.
﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ يَتَصَدَّعُونَ أيْ يَتَفَرَّقُونَ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ كَما قالَ: <div class="verse-tafsir"
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ القيم} البليغ الاستقامة الذي لا يتأتى فيه عوج {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ} هو مصدر بمعنى الرد {مِنَ الله} يتعلق بيأتي والمعنى من قبل أن يأتي من الله يوم لا يرده أحد كقوله تعالى فلا يستطعون ردها أو بمرد على معنى لا يرده هو بعد أن يجيء به ولا رد له من جهته {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} يتصدعون أي يتفرقون
ثم أشار إلى غناه عنهم فقال
﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ ﴾ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَأقِمْ، وتَمامُ الكَلامِ فِيما هُنا يُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِن اللَّهِ ﴾ جُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَرَدٍّ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرَّدِّ، والمَعْنى لا يَرُدُّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ يَجِيءَ بِهِ، ولا رَدَّ لَهُ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَيُفِيدُ انْتِفاءَ رَدِّ غَيْرِهِ تَعالى لَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ تَنْوِينُ ( يَوْمٌ ) لِمُشابَهَتِهِ لِلْمُضافِ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما قالَهُ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ مِن أنَّهُ قَدْ يُعامَلُ الشَّبِيهُ بِالمُضافِ مُعامَلَتَهُ فَيُتْرَكُ تَنْوِينُهُ، وحُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ»» وتَفْصِيلُهُ في شَرْحِهِ، وبَعْضُهم جَعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ( مَرَدَّ )، أيْ لا يُرَدُّ مِن جِهَتِهِ تَعالى، أيْ لا يَرُدُّهُ هو عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: هو خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ هو أيِ الرَّدُّ المَنفِيُّ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابُ سُؤالٍ تَقْدِيرُهُ: مِمَّنْ ذَلِكَ الرَّدُّ المَنفِيُّ؟
وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ الواقِعِ خَبَرًا لِلا، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِالنَّفْيِ أوْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةَ اليَوْمِ، وجَوَّزَ كَثِيرٌ تَعَلُّقَهُ بِيَأْتِي، أيْ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَرُدَّهُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ المُتَبادِرِ مِنَ اللَّفْظِ والمَعْنى، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلُ الفائِدَةِ، وارْتَضاهُ الطِّيبِيُّ فَقالَ: هَذا الوَجْهُ أبْلَغُ لِإطْلاقِ الرَّدِّ وتَفْخِيمِ اليَوْمِ، وإنَّ إتْيانَهُ مِن جِهَةِ عَظِيمٍ قادِرٍ ذِي سُلْطانٍ قاهِرٍ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ قَلِيلَ الفائِدَةِ.
نَعَمْ، إنَّ فِيهِ الفَصْلَ المُلْبِسَ، وحالُ سائِرِ الأوْجُهِ لا يَخْفى عَلى ذِي تَمْيِيزٍ، ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ يَأْتِي ﴿ يَصَّدَّعُونَ ﴾ أصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ فَقُلِبَتْ تاؤُهُ صادًا، وأُدْغِمَتْ، والتَّصَدُّعُ في الأصْلِ تَفَرُّقُ أجْزاءِ الأوانِي، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مُطْلَقِ التَّفَرُّقِ، أيْ يَتَفَرَّقُونَ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، وقِيلَ: يَتَفَرَّقُونَ تَفَرُّقَ الأشْخاصِ عَلى ما ورَدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ ﴾ ، لا تَفَرُّقَ الفَرِيقَيْنِ، فَإنَّ المُبالَغَةَ في التَّفَرُّقِ المُسْتَفادَةَ مِن ( يَصَّدَّعُونَ ) إنَّما تُناسِبُ الأوَّلَ، ورُجِّحَ الثّانِي بِأنَّهُ المُناسِبُ لِلسِّياقِ والسِّباقِ، إذِ الكَلامُ في المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، فَما ذُكِرَ بَيانٌ لِتَبايُنِهِمْ في الدّارَيْنِ، ويَكْفِي لِلْمُبالَغَةِ شِدَّةُ بُعْدِ ما بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ حِسًّا ومَعْنًى، وهو تَفْسِيرٌ رَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني: قحط المطر، ونقص الثمار للناس والدواب.
يعني: نقص النبات في البر للدواب والوحوش وفي البحر يعني: القرى والأرضين ينقصان الثمار والزرع.
سمى القرى والمدائن بحراً لما يجري فيها من الأنهار.
ويقال: البحر نفسه لأنه إذا لم يكن مطر، فإنه لا يخرج منه اللؤلؤ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ أي: بما عملوا من المعاصي.
ويقال: من أذنب ذنباً فجميع الخلق من الإنس والجن، والدواب والوحوش، والطير والذر، خصماؤه يوم القيامة، لأنه يمنع المطر بالمعصية، فيضرّ بأهل البر والبحر.
وروي عن ثقيف الزاهد أنه قال: من أكل الحرام، فقد خان جميع الناس، حيث لا يستجاب دعاؤه.
ويقال: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني: ظهرت المعاصي في البر والبحر بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ يعني: بكسب الناس.
فأول فساد البر كان من قابيل حيث قتل أخاه هابيل، وأول فساد البحر كان من جلندا حيث كان يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً.
وقال عطية العوفي: ظهور الفساد قحوط المطر.
قيل له: هذا فساد البر فما فساد البحر؟
قال: إذا قلّ المطر قلّ الغوص.
وقال قتادة ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني: امتلأت الضلالة والظلم في الأرض.
وروي عن أبي العالية أنه قال البر: الأعضاء والبحر: القلوب يعني: ظهر الفساد في الناس في الأعضاء وفي القلوب.
ثم قال: لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا يعني: يعذبهم ببعض ذنوبهم في الدنيا، ويّدخر البعض في الآخرة.
والذوق إنما هو كناية عن التعذيب.
فكأنه يقول: يعذبهم بالجوع والقحط في الدنيا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي: لكي يرجعوا عن الكفر.
قرأ ابن كثير: لِنُذِيقَهُمْ بالنون أي: لنذيقهم نحن.
وقرأ الباقون: بالياء يعني: ليذيقهم الله عز وجل.
ثمّ خوّفهم فقال عز وجل: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي: سافروا فيها فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ يعني: كيف كان آخر أمر من كان قبلهم كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ فيعتبروا بذلك.
والنظر على وجهين.
يقال: نظر إليه إذا نظر بعينه، ونظر فيه إذا تفكر بقلبه.
وهاهنا قال: فَانْظُرُوا ولم يقل فيه، ولا إليه.
فهو على الأمرين جميعا.
ثم قال عز وجل: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ يعني: أخلص دينك الإسلام القيم.
يعني: المستقيم.
ويقال: أقبل بوجهك إليه.
ويقال: اثبت عليه.
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يعني: يوم القيامة لا يقدر أحد أن يرد ذلك اليوم من الله.
ويقال: يعني: ذلك اليوم من الله.
ويقال: لا خلف لذلك الوعد من الله يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ يعني: يتصدعون.
فأدغم التاء في الصاد وشدد.
يعني: يتفرقون فريق فى الجنة، وفريق في السعير.
ثم قال عز وجل: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ يعني: جزاء كفره وعقوبته وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً يعني: وحّده وعمل بالطاعة بعد التوحيد فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ قال مقاتل: أي يقدمون.
وقال مجاهد.
يعني: لأنفسهم يفرشون في القبر.
ويقال: في الجنة.
ويقال: فلأنفسهم يعملون ويستعدون.
قوله عز وجل: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ينصرف إلى قوله يصدعون.
يعني: يتفرقون لكي يجزي الذين آمنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ يعني: من رزقه.
ويقال: من ثوابه.
ويقال: بفضله إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكافِرِينَ بتوحيد الله عز وجل.
ويقال: لا يرضى دين الكافرين.
<div class="verse-tafsir"
فِطْرَتَ اللَّهِ ...
الآية، إلى الْقَيِّمُ فذكرُ الأبوين إنما هما مثالٌ للعَوارِض التي هي كثيرةُ.
وقال البخاريُّ: فِطْرَةُ اللهِ: هِيَ الإسْلاَمُ «١» ، انتهى.
وقوله تعالى: لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ يحتمل أنْ يريدَ بها هذه الفطرةَ، ويحتمل أن يريدَ بها الإنحاء على الكفرة اعترض به أثناء الكلام كأنه يقول: أقم وجهَك للدين الذي من صفته كذا وكذا، فإنَّ هؤلاءِ الكفرة قد خلق الله لهم الكفر، ولا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، أي: أنهم لا يفلحون، وقيل غيرُ هذا، وقال البخاري: لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي:
لدين الله، وخُلُق الأولين: دينهم.
انتهى.
والْقَيِّمُ بناءُ مبَالَغَةٍ مِنَ القيام الذي هو بمعنى الاستقامة، ومُنِيبِينَ يحتمل أنْ يكونَ حالاً من قوله فَطَرَ النَّاسَ لا سِيَّمَا عَلى رَأْي مَنْ رَأَى أَنَّ ذلكَ خصوصٌ في المؤمنين، ويحتمل أن يكون حالا من قوله فَأَقِمْ وَجْهَكَ وجمعه: لأن الخطاب بإقامة الوجه هو للنبي/ صلى الله عليه وسلّم ولأمته نظيرها قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ٦٦ ب إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: ١] .
والمشركون المشار إليهم في هذه الآية: هم اليهودُ والنصارى قاله قتادة «٢» ، وقيل غير هذا.
فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)
وقوله تعالى: وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ...
الآية، ابتداءُ إنحاءٍ على عَبَدَةِ الأَصْنَام.
قال ع «١» : ويلحق من هذه الألفاظ شيءٌ للمؤمنين إذا جاءهم فَرَجٌ بعد شدة فعلقوا ذلك بمخلوقين، أو بحذق آرائهم، وغير ذلك لأن فيه قلة شكر للَّه تعالى ويسمى تَشْرَيكاً مجَازاً.
والسلطانُ هنا البرهانُ من رسولٍ أو كتابٍ، ونحوه.
وقوله تعالى: فَهُوَ يَتَكَلَّمُ معناه فهو يُظْهِر حجتَهم، ويغلبُ مذهبَهم، وينطق بشركهم.
ثم قال تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها ...
الآية، وكل أحد يأخذ من هذه الخُلُقِ بقسطِ، فالمقل والمكثر، إلا من ربطتِ الشريعةُ جأشَه، ونَهَجَتِ السنة سبيلَه، وتأدَّب بآداب الله، فصبر عند الضراء وشكر عند السراء، ولم يَبْطُرْ عند النِّعْمَةِ، ولا قنط عند الابتلاءِ، والقَنَطُ: اليأسُ الصريحُ.
ثم ذكر تعالى الأمر الذي من اعتبره لم يَيْأْسْ من رَّوْح اللهِ- وهو أنه سبحانه يَخُصُّ من يشاء من عبادهِ بِبَسْطِ الرزق، ويقدر على من يشاء منهم.
فينبغي لكلِ عَبْدٍ أنْ يكونَ راجياً ما عند ربه.
ثم أمر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أمراً تَدْخُلُ فيه أمته- على جهة الندب- بإيتاء ذي القربى حقَّه من صلة المالِ، وحسنِ المعاشرة ولين القول، قال الحسن «٢» : حقه المواساةُ في اليُسْر، وقولٌ مَيْسُورٌ في العُسْرِ.
قال ع «٣» : ومعظمُ ما قُصِدَ أمر المعونة بالمال.
وقرأ الجمهور: وَما آتَيْتُمْ بمعنى: أعطيتم، وقرأ ابن كثير «١» بغير مد، بمعنى:
وما فعلتم، وأجمعوا على المد في قوله وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ والربا: الزيادة.
قال ابن عباس «٢» وغيره: هذه الآية نزلتُ في هباتِ الثَّوابِ.
قال ع «٣» : وما جَرَى مَجْرَاها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه كالسِّلمِ وغيرِه، فهو وإن كانَ لاَ إثْمَ فيه فَلا أجْرَ فيه ولاَ زيادة عند الله تعالى، وما أعْطَى الإنسانُ تَنْمِيَةً لِمالهِ وتطهيراً يريدُ بذلك وَجْهَ اللَّه تعالى فذلك هُو الذي يُجَازَى به أضعَافاً مضَاعَفَةً على ما شاء الله له.
وقرأ جمهور السبعةِ «ليربوا» بإسناد الفِعل إلى الربا، وقرأ «٤» نافعٌ وحدَه «لِتُرْبُوا» وباقي الآية بيِّن.
ثم ذكر تعالى- على جهة العبرة- ما ظهرَ من الفسَادِ بسبب المعَاصي، قال مجاهد: البَرُّ البلاد البعيدة من البحر، والبحرُ السواحلُ والمدنُ التي على ضِفَّة البحرِ «٥» ، وظهورُ الفساد فيهما: هو بارتفاعِ البركاتِ، ووقوعِ الرزايا، وحدوثِ الفتنِ.
وتغلب العدوِّ، وهذه الثلاثةُ توجَد في البر والبحر، قال ابن عباس: الفسادُ في البحر:
انقطاع صَيْدِه بذَنَوب بني آدم «٦» ، وقلما توجد أمة فاضلةٌ مُطِيعَةٌ مُسْتَقِيمَةُ الأعمال إلا يدفعُ الله عنها هذه الأمور، والأمرُ بالعكس في المعاصي، وبطر النعمة ليذيقهم عاقبة بعض ما عملوا ويعفوا عن كثير.
ولَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، أي: يتوبون ويراجعونَ بصائَرهم فِي طاعةِ ربهِم ثم حذَّر- تعالى- من يومِ القيامةِ تحذيراً يَعُمُّ العالمَ وإياهُمُ المقصد بقوله فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ الآية وَلاَ مَرَدَّ لَهُ: معناه:
لَيْسَ فِيه رُجُوعٌ لِعَمَلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُريد/ لاَ يَردُّهُ رَادٌّ.
وهذا ظاهر بحسب اللفظ ٦٧ أويَصَّدَّعُونَ: معناه: يَتَفَرَّقُونَ بعد جمعهم إلى الجنةِ وإلى النار.
ثم ذكر تعالى من آياته أشياءَ وهي ما في الرِّيحِ من المنافِع وذلك أنها بشرى بالمطر ويُلَقَّحُ بها الشجر، وغير ذلك،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ في هَذا الفَسادِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: نُقْصانُ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ارْتِكابُ المَعاصِي، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: الشِّرْكُ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: قَحْطُ المَطَرِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
فَأمّا البَرُّ.
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: البَرُّ: البَرِّيَّةُ الَّتِي لَيْسَ عِنْدَها نَهْرٌ.
وَفِي البَحْرِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ ما كانَ مِنَ المَدائِنِ والقُرى عَلى شَطِّ نَهْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: لا أقُولُ: بَحْرُكم هَذا، ولَكِنْ كُلُّ قَرْيَةٍ عامِرَةٍ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالبَرِّ: أهْلُ البَوادِي، وبِالبَحْرِ: أهْلُ القُرى.
وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالبَحْرِ: مُدُنُ البَحْرِ عَلى الأنْهارِ، وكُلُّ ذِي ماءٍ فَهو بَحْرٌ.
والثّانِي: أنَّ البَحْرَ: الماءُ المَعْرُوفُ.
قالَ مُجاهِدٌ: ظُهُورُ الفَسادِ في البَرِّ: قَتْلُ ابْنِ آدَمَ أخاهُ، وفي البَحْرِ: مَلِكٌ جائِرٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا.
وقِيلَ لِعَطِيَّةَ: أيُّ فَسادٍ في البَحْرِ؟
فَقالَ: إذا قَلَّ المَطَرُ قَلَّ الغَوْصُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ ﴾ أيْ: بِما عَمِلُوا مِنَ المَعاصِي ﴿ لِيُذِيقَهُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ورُوحٌ [عَنْ يَعْقُوبَ]، وقُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: " لِنُذِيقَهم " بِالنُّونِ ﴿ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾ أيْ: جَزاءَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ؛ فالقَحْطُ جَزاءٌ، ونُقْصانُ البَرَكَةِ جَزاءٌ، ووُقُوعُ المَعْصِيَةِ مِنهم جَزاءٌ مُعَجَّلٌ لِمَعاصِيهِمْ أيْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ أُذِيقُوا الجَزاءَ.
ثُمَّ في مَعْنى رُجُوعِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَرْجِعُونَ عَنِ المَعاصِي، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والثّانِي: يَرْجِعُونَ إلى الحَقِّ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدَهُمْ؛ فالمَعْنى: لَعَلَّهُ يَرْجِعُ مَن بَعْدَهُمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ﴾ أيْ: سافِرُوا ﴿ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ ﴾ أيِ: الَّذِينَ كانُوا قَبْلَكُمْ؛ والمَعْنى: انْظُرُوا إلى مَساكِنِهِمْ وآثارِهِمْ ﴿ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ ﴾ المَعْنى: فَأُهْلِكُوا بِشِرْكِهِمْ.
﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ ﴾ أيْ: أقِمْ قَصْدَكَ لِاتِّباعِ الدِّينِ ﴿ القَيِّمِ ﴾ وهو الإسْلامُ المُسْتَقِيمُ ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِن اللَّهِ ﴾ يَعْنِي [يَوْمَ] القِيامَةِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّ ذَلِكَ اليَوْمِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَضى كَوْنَهُ ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ أيْ: يَتَفَرَّقُونَ إلى الجَنَّةِ والنّارِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِن اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ ﴿ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ وأمْرٌ لَهم بِالِاعْتِبارِ فِيمَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ وبِسُوءِ عَواقِبِهِمْ بِكُفْرِهِمْ وإشْراكِهِمْ، ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِإقامَةِ وجْهِهِ، والمَعْنى: اجْعَلْ قَصْدَكَ ومَسْعاكَ لِلدِّينِ، أيْ لِطَرِيقِهِ ولِأعْمالِهِ واعْتِقاداتِهِ.
و"القَيِّمُ" أصْلُهُ: قَيُّومٌ، اجْتَمَعَتِ الياءُ والواوُ وسَبَقَتِ الياءُ وهي ساكِنَةٌ فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الأُولى في الثانِيَةِ.
ثُمَّ حَذَّرَهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن يَوْمِ القِيامَةِ تَحْذِيرًا يَعُمُّ العالَمَ، وإيّاهُمُ القَصْدَ، وَ"لا مَرَدَّ لَهُ" مَعْناهُ: لَيْسَ فِيهِ رُجُوعٌ لِعَمَلٍ ولا رَغْبَةٍ، ولا عنهُ مُرْتَحَلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لا يَرُدُّهُ رادٌّ حَتّى لا يَقَعَ، وهَذا ظاهِرٌ بِحَسْبِ اللَفْظِ، و"يَصَّدَّعُونَ" مَعْناهُ: يَتَفَرَّقُونَ بَعْدَ جَمْعِهِمْ، وهَذا هو التَصَدُّعُ، ومَعْنى "يَتَفَرَّقُونَ": إلى الجَنَّةِ وإلى النارِ.
ثُمَّ قَسَّمَ الفَرِيقَيْنِ بِأحْكامٍ تَلْحَقُهم مِن أعْمالٍ في الدُنْيا، ثُمَّ عَبَّرَ عَنِ الكَفْرِ بِـ"عَلَيْهِ"، وهي تُعْطِي الثِقَلَ والمَشَقَّةَ، وعَنِ العَمَلِ الصالِحِ بِاللامِ الَّتِي هي لامُ المِلْكِ، و"يَمْهَدُونَ" مَعْناهُ يُوَطِّئُونَ ويُهَيِّئُونَ، وهي اسْتِعارَةٌ مَنقُولَةٌ مِنَ الفُرُشِ ونَحْوِها إلى الأحْوالِ والمَراتِبِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا التَمْهِيدُ هو لِلْقَبْرِ.
<div class="verse-tafsir"
تفرع على الإنذار والتحذير من عواقب الشرك تثبيتُ الرسول صلى الله عليه وسلم على شريعته، ووعد بأن يأتيه النصر كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيَك اليقين ﴾ [الحجر: 99]، مع التعريض بالإرشاد إلى الخلاص من الشرك باتباع الدّين القيّم، أي الحق.
وهذا تأكيد للأمر بإقامة الوجه للدين في قوله ﴿ فأقم وجهك للدّين حنيفاً ﴾ [الروم: 30]، فإن ذلك لما فُرع على قوله ﴿ أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ﴾ [الروم: 9]، وما اتصل من تسلسل الحجج والمواعظ فُرع أيضاً نظيره هذا على قوله ﴿ قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل ﴾ [الروم: 42] وقد تقدم الكلام على نظير قوله ﴿ فأقم وجهك للدّين ﴾ وعلى معنى إقامة الوجه عند قوله ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفاً ﴾ [الروم: 30].
و ﴿ القيّم ﴾ بوزن فَيْعل، وهي زنة تدل على قوة ما تصَاغ منه، أي: الشديد القيام، والقيام هنا مجاز في الإصابة لأن الصواب يشبَّه بالقيام، وضده يشبه بالعِوج، وقد جمعهما قوله تعالى ﴿ ولم يجعل له عِوَجاً قيِّماً ﴾ [الكهف: 1، 2] فوصف الإسلام في الآية السابقة بالحنيف والفطرة ووصف هنا بالقيّم.
وبين ﴿ أقم ﴾ و ﴿ القيم ﴾ محسن الجناس.
والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر إعراضٌ عن صريح خطاب المشركين.
والمقصود التعريض بأنهم حَرموا أنفسهم من اتباع هذا الدين العظيم الذي فيه النجاة.
يؤخذ هذا التعريض من أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالدوام على الإسلام ومن قوله عقب ذلك ﴿ يومئذ يصَّدَّعون ﴾ الآية.
والمردّ: مصدر ميمي من الردّ وهو الدفع، و ﴿ له ﴾ يتعلق به، و ﴿ من الله ﴾ متعلق ب ﴿ يأتي ﴾ و ﴿ من ﴾ ابتدائية.
والمراد (باليوم) يوم عذاب في الدنيا وأنه إذا جاء لا يردّه عن المجازَيْن به رادّ لأنه آت من الله.
والظاهر أن المراد به يوم بدر.
و ﴿ يصدعون ﴾ أصله يَتصَدَّعون فقلبت التاء صاداً لتقارب مخرجيهما لتأتي التخفيف بالإدغام.
والتصدع: مطاوع الصدع، وحقيقة الصدع: الكسر والشق، ومنه تصدع القدح.
والمراد باليوم: يوم الحشر.
والتصدع: التفرق والتمايز.
ويكون ضمير الجمع عائداً إلى جميع الناس، أي يومئذ يفترق المؤمنون من الكافرين على نحو قوله تعالى ﴿ ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرّقون فأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يُحْبَرون وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآمرة فأولئك في العذاب محضرون ﴾ [الروم: 14 16].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أقِمْ وجْهَكَ لِلتَّوْحِيدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: اسْتَقِمْ لِلدِّينِ المُسْتَقِيمِ بِصاحِبِهِ إلى الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ يَتَفَرَّقُونَ قالَ الشّاعِرُ وكُنّا كَنَدْمانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنَ الدَّهْرِ حَتّى قِيلَ لَهُ يَتَصَدَّعا أيْ لَنْ يَتَفَرَّقا.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنَّهُ ما يُصَدِّعُهم يَوْمَ القِيامَةِ مِن أهْوالٍ.
وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَتَفَرَّقُونَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: يَتَفَرَّقُ المُشْرِكُونَ وآلِهَتُهم في النّارِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
قَوْلُهُ: ﴿ فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُسَوُّونَ المَضاجِعَ في القُبُورِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: يُوَطِّئُونَ في الدُّنْيا بِالقُرْآنِ وفي الآخِرَةِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأقم وجهك للدين القيم ﴾ قال: الإِسلام ﴿ من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ يومئذ يصدعون ﴾ قال: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يومئذ يصدعون ﴾ قال: يتفرقون.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يومئذ يصدعون ﴾ يومئذ يتفرقون.
وقرأ ﴿ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون، وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون ﴾ قال: هذا حين يصدعون يتفرقون إلى الجنة والنار.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في عذاب القبر عن مجاهد في قوله: ﴿ فلأنفسهم يمهدون ﴾ قال: يسوّون المضاجع في القبر.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ﴾ قال: بالمطر ﴿ وليذيقكم من رحمته ﴾ قال: المطر ﴿ ولتجري الفلك بأمره ﴾ قال: السفن في البحار ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ قال: التجارة في السفن.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ ﴾ قال أبو إسحاق: أقم قَصدك، واجعل جهتَك اتباع الدين القيم (١) ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ﴾ يعني: يوم القيامة لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم (٢) ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ أي: يتفرقون بعد الحساب، إلى الجنة والنار.
قاله مقاتل (٣) ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ وقد مر (٤) ﴿ يَصَّدَّعُونَ ﴾ : يتصدعون، أي: يتفرقون، تقول العرب: صدَعتُ غنمي صِدْعَتين، أي: فَرَقْتُها فِرقتين (٥) (١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 188.
(٢) "تفسير مقاتل" 80 أ.
(٣) "تفسير مقاتل" 80 أ.
والزجاج، "معاني القرآن" 4/ 188.
(٤) الآية 14، من هذه السورة.
(٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 325، وليس فيه: يتصدعون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَّ مَرَدَّ لَهُ ﴾ أي لا رجوع له ولابد من وقوعه ﴿ مِنَ الله ﴾ يتعلق بقوله: ﴿ يَأْتِيَ ﴾ أو بقوله لا مردّ له أي لا يرده الله ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ من الصدع وهو الفرقة أي يتفرقون: ﴿ فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير ﴾ [الشورى: 7] ﴿ فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ أي يوطنون وهو استعارة من تمهيد الفراش ونحوه، والمعنى أنهم يعملون ما ينتفعون به في الآخرة ﴿ لِيَجْزِيَ ﴾ يتعلق بيمهدون أو يصدعون، أو بمحذوف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ آتيتم من رباً ﴾ مقصوراً: ابن كثير ﴿ لتربوا ﴾ بضم التاء وسكون الواو على الجمع: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لنذيقهم ﴾ بالنون: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ يرسل الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ كسفاً ﴾ بالسكون: يزيد وابن ذكوان ﴿ آثار ﴾ على الجمع: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ ضعف ﴾ وما بعده بفتح الضاد: حمزة وعاصم غير للفضل.
الباقون: بالضم وهو اختيار خلف وحفص ﴿ لا ينفع ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم.
والآخرون: بتاء التأنيث ﴿ لا يستخفنك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس عن يعقوب.
الوقوف: ﴿ يشركون ﴾ ه لا وقد يوقف على توهم لام الأمر ﴿ آتيناهم ﴾ ط للعدول إلى الخطاب وابتداء أمر التهديد ﴿ فتمتعوا ﴾ قف لاستئناف التهديد ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج ط فصلاً بين النقيضين ﴿ يقنطون ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ج ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ وابن السبيل ﴾ ط ﴿ وجه الله ﴾ ز ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ج ط لعطف جملتي الشرط ﴿ المضعفون ﴾ ه ﴿ يحييكم ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ يصدّعون ﴾ ه ﴿ كفره ﴾ ج لما مر ﴿ يمهدون ﴾ ه لا وقد يوقف على جعل اللام للقسم وحذف نون التأكيد ﴿ من فضله ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ أجرموا ﴾ ط وقيل: يوقف على ﴿ حقاً ﴾ أي وكان الانتقام حقاً.
ثم ابتداً علينا أي واجب علينا ﴿ نصر المؤمنين ﴾ ه ﴿ خلاله ﴾ ط ج للشرط مع الفاء ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ لمبلسين ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ الموتى ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع العدول عن بيان الإحياء إلى بيان القدرة ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ ضلالتهم ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ وشيبة ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ج ط لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول ﴿ القدير ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ غير ساعة ﴾ ط ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ يوم البعث ﴾ ز لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول ﴿ لا تعلمون ﴾ 5 ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ط ﴿ مبطلون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ لا يوقنون ﴾ ه.
التفسير: لما بين التوحيد بالدلائل وبالمثل بين أنه أمر وجداني يعرفونه في حال الضر والبلاء وإن كانوا ينكرونه في حال الرحمة والرخاء، وفي لفظي المس والإذاقة دليل على أن الإِنسان قليل الصبر في حالتي الضراء والسراء.
وإنما قال ﴿ إذا فريق منهم ﴾ ولم يقل "إذا هم يشركون" كما قال في آخر "العنكبوت"، لأن الكلام هناك مع أهل الشرك وههنا مع الناس كلهم وليس كل الناس كذلك.
ثم استفهم على سبيل الإِنكار قائلاً ﴿ أم أنزلنا ﴾ كأنه قال: إذا تقررت الحجج المذكورة فماذا يقولون، أيتبعون أهواءهم بغير علم أم لهم دليل على ما يقولون؟
وإسناد التكلم إلى الدليل مجاز كما تقول: نطقت الحال بكذا.
و"ما" في قوله ﴿ بما كانوا ﴾ مصدرية والضمير في ﴿ به ﴾ لله أو موصولة والضمير لها اي بالأمر الذي بسببه يشركون، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ذا سلطان وهو الملك فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه ﴿ يشركون ﴾ وحين ذكر الشرك الظاهر أتبعه ذكر الخفي وهو أن تكون عبادة الله للدنيا فإذا أتاه بهواه رضي، وإذا منع وعسر سخط وقنط، والرحمة المطر والصحة والأمن وأمثالها، والسيئة أضداد ذلك.
وإنما لم يذكر سبب الرحمة ليعلم أنها بفضله وذكر سبب السيئة وهو شؤم معاصيهم ليدل على عدله.
والفرح بالنعمة مذموم إذا كان مع قطع النظر عن المنعم، فإذا كان مع ملاحظة المنعم فمحمود بل الفرح الكلي يجب أن يكون بالمنعم.
والقنوط من رحمة الله أيضاً مذموم كما مر في قوله ﴿ إنه لا ييأس من روح الله غلا القوم الكافرون ﴾ ثم اشار بقوله ﴿ أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ﴾ إلى أن الكل من الله فيجب أن يكون نظر المحقق في الحالين على الله.
ففي حالة الرحمة يشتغل بالشكر، وفي حالة الضراء لا ينسب الله إلى عدم القدرة وإلى عدم العناية بحال العبد بل يشتغل بالتوبة والإنابة إلى أوان الفرج والنصر، وهذه مرتبة المؤمن الموحد فلذلك قال ﴿ إن في ذلك لايات لقوم يؤمنون ﴾ ولا يخفى أن بسط الرزق مما يشاهد ويرى فلذلك قال ﴿ أولم يروا ﴾ وقال في "الزمر" ﴿ أولم يعلموا ﴾ مناسبة لما قبله وهو ﴿ أوتيته على علم ﴾ وقوله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ قال جار الله: لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت ايديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك قائلاً ﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ الآية.
وأقول: لما بين كيفية التعظيم لأمر الله أشار إلى الشفقة على خلق الله قائلاً ﴿ فآت ﴾ أيها المكلف أو النبي والأمة يتبعونه لا محالة كما مر في قوله ﴿ فأقم وجهك ﴾ وفيه أن الله إذا بسط الرزق فلا ينقص بالإِنفاق، وإذا ضيق لم يزدد بالإمساك، فينبغي أن لا يتوقف الإنسان في الإحسان.
وفي تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر دلالة على أنهم أولى بالإشفاق عليهم من سائر الأصناف.
وإنما قال ﴿ ذا القربى ﴾ ولم يقل "القريب" ليكون نصاً في معناه ولا يشتبه بالقرب المكاني، وفيه أن القرابة أمر له دوام بخلاف المسكنة وكونه من ابناء السبيل.
وفي قوله ﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ دون أن يقول "فآت هذه الأصناف حقوقهم" تشريف لذوي القرابة حيث جعل الصنفين الآخرين تابعاً لهم على الإطلاق.
فإنه إذا قال الملك: خل فلاناً يدخل وفلاناً أيضاً كان أدخل في التعظيم من أن يقول: خل فلاناً وفلاناً يدخلان ﴿ ذلك ﴾ الإيتاء ﴿ خير ﴾ في نفسه أو خير من المنع ﴿ للذين يريدون وجه الله ﴾ أي ذاته أو جهة قربته فإن من أنفق ألوفاً رياء وسمعة لم ينل درجة من أنفق رغيفاً لوجه الله ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ كقوله في أول "البقرة" لأن قوله ﴿ فأقم وجهك ﴾ إشارة إلى الإيمان بالغيب وغيره أو إلى إقامة الصلاة، وقوله ﴿ وآت ذا القربى ﴾ أمر بالزكاة بل بالصدقة المطلقة.
وفي قوله ﴿ يريدون وجه الله ﴾ إشارة إلى الاعتراف بالمعاد.
ثم أراد أن يعظم شأن الصدقة فضم إلى ذلك تقبيح أمر الربا استطراداً.
فمن قرأ ممدوداً فظاهر، ومن قرأ مقصوراً فهو من الإتيان أي وما غشيتموه أو أصبتموه من إعطاء ربا ليربو أي ليزيد في أموال أكلة الربا، وفي القراءة الأخرى ليزيد في أموالهم ﴿ فلا يربو ﴾ فلا يزكو ولا ينمو ﴿ عند الله ﴾ لأنه يمحق بركتها نظيره ما مر في آخر البقرة ﴿ يمحق الله الربا ويربى الصدقات ﴾ قيل: نزلت في ثقيف وكانوا يرابون.
وقيل: نزلت في الهبة أو الإهداء لأجل عوض زائد، فبين الله أن ذلك لا يوجب الثواب عند الله وإن كان مباحاً.
وفي الحديث "الجانب المستغزر يثاب عن هبته" أي الرجل الغريب إذا أهدى شيئاً فإنه ينبغي أن يزاد في عوضه.
قال جار الله: في قوله ﴿ فأولئك ﴾ التفات حسن كأنه قال ذلك لخواصه ولملائكته وهو أمدح لهم من أن يقول "فأنتم المضعفون" أي ذوو الإضعاف من الحسنات نظيره المقوي والموسر لذوي القوة واليسار، ولارابط محذوف أي هم المضعفون به.
وجوز في الكشاف أن يراد فمؤتوه أولئك هم المضعفون.
قالت العلماء: أراد الإضعاف في الثواب لا في المقدار، فليس من أعطى رغيفاً فإن الله يعطيه عشرة أرغفة، وإنما المراد أن الرغيف الواحد لو اقتضى أن يكون ثوابه قصراً في الجنة فإن الله يعطيه عشرة قصور تفضلاً.
ثم عاد إلى بيان التوحيد مرة أخرى بتذكير الخلق والرزق والإماتة والإحياء بعدها نظراً إلى الدلائل، ثم طلب منهم الإنصاف بقوله ﴿ هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ﴾ قال جار الله: "من" الأولى والثانية والثالثة كل واحدة منهن مستقلة بتأكيد لتعجيز شركائهم وتجهيل عبدتهم.
قلت: الأولى للتبعيض كأنه أقام فعل البعض مقام فعل الكل توسعة على الخصم، والثالثة لتأكيد الاستفهام، والمتوسطة للابتداء ولكنه يفيد أنه رضي منهم بشيء واحد من تلك الأشياء للتوسعة المذكورة أيضاً.
ثم بين أن الشرك وسائر المعاصي سبب ظهور الفساد في البر والبحر وذلك لقلة المنافع وكثرة المضار ومحق البركات من كل شيء.
وفسره ابن عباس بإجداب البر وانقطاع مادة البحر وتموجه بمائه، وعن الحسن: المراد بالبحر مدن البحر وقراه التي على سواحله، وقال عكرمة: العرب تسمي الأمصار بحاراً ﴿ لنذيقهم ﴾ وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن نعاقبهم بجميعها في الآخرة إرادة أن يرجعوا عماهم عليه، وجوز جار الله أن يراد ظهر الشر والمعاصي في الأرض براً وبحراً بكسب الناس.
وعلى هذا فاللام في قوله ﴿ لنذيقهم ﴾ لام العاقبة.
ثم أمرهم بالنظر في حال أشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم كقوم نوح وعاد وثمود ﴿ كان أكثرهم مشركين ﴾ فيه إشارة إلى أن بعضهم كانوا مرتكبي ما دون الشرك من المعاصي ولكنهم شاركوا المشركين في الهلاك تغليظاً عليهم.
أو هو كقوله ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ أو المراد أن أهل الشرك كانوا أكثر من أهل سائر الأديان الباطلة كالمعطلة والمجسمة ونحوهم.
خاطب نبيه وبتبعيته أمته بقوله ﴿ فأقم ﴾ كأنه قال: وإذ قد ظهر فساد سائر الملل والنحل ﴿ فاقم وجهك للدين ﴾ البليغ الاستقامة ﴿ من قبل أن يأتي ﴾ من الله ﴿ يوم ﴾ لا يرده راد.
ويجوز أن يتعلق قوله ﴿ من الله ﴾ بقوله ﴿ لا مردّ ﴾ أي لا راد له من جهة الله فلا يقدر غيره على رده فلا دافع له أصلاً ﴿ يومئذ يصدّعون ﴾ أي يتصدعون والتصدع التفرق.
ثم بين وجه تفرق الناس بقوله ﴿ من كفر فعليه كفره ﴾ اي وبال كفره عليه لا على غيره ﴿ ومن عمل صالحاً ﴾ أي آمن وعمل صالحاً لأن العمل الصالح لا يتصور إلا بعد الإِيمان، على أن الإِيمان، أيضاً عمل صالح قلبي ولساني وسيصرح به في قوله ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ ومعنى ﴿ يمهدون ﴾ يوطؤن كما يسوّي الراقد مضجعه وجوز جار الله أن يراد فعلى أنفسهم يشفقون من قولهم: في المشفق أم فرشت فأنامت.
وذلك ان الإشفاق يلزمه التمهيد عرفاً وعادة.
ثم بين غاية التمهيد بقوله ﴿ ليجزي ﴾ وقوله ﴿ من فضله ﴾ عند أهل السنة ظاهر: وحمله المعتزلة على شبه الكناية لأن الفضل تبع للثواب فلا يكون إلا بعد حصول ما هو تبع له، أو الفضل بمعنى العطاء والثواب.
وفي قوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ وعيد عظيم لهم لأنه إذا لم يحبهم أرحم الراحمين فلا يتصور لهم خلاص من عذابه ولا مناص ولا رحمة من جهته ولا نعمة، وفيه تعريض بأنه يحب المؤمنين ولا وعد أعظم من هذا ولا شرف فوق ذلك.
قال جار الله: تكرير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح.
وقوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس.
قلت: يشبه أن يكون مراده أنه ذكر الكافر أولاً ثم المؤمن، وفي الآية الثانية قرر أولاً أمر المؤمن ثم أردفه بتقرير أمر الكافر.
أو أراد أن قوله ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ دل بصريحه على ثواب المؤمن وبتعريضه على حرمان الكافر، وقوله ﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ دل بصريحه على حرمان الكافر وبتعريضه على ثواب المؤمن.
فالأول طرد والثاني عكس وكل منهما مقرر للآخر.
وحين ذكر ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح وبين أنه من دلائل الوحدانية بقوله ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح ﴾ ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح لما مر من أن الكريم لا يذكر، لإحسانه سبباً ويذكر لأضراره سبباً.
ومن قرأ على التوحيد فللدلالة على الجنس، ومن قرأ على الجمع فإما لأنه أراد الجنوب والشمال والصبا وهي رياح الرحمة دون الدبور التي هي للعذاب، وإما لأن أكثر الرياح نافعة والضارة كالسموم قليلة جداً لا تهب إلا حيناً، وإما لأن الرياح إذا اجتمعت وتزاحمت وتراكمت حتى صارت ريحاً واحداً أضرت بالأشجار والأبنية وقلعتها وإذا تفرقت وصارت رياحاً اعتدلت ونفعت.
قوله ﴿ مبشرات ﴾ أي بالمطر كقوله ﴿ بشراً بين يدي رحمته ﴾ وقيل: أي بتصحيح الأهوية وإصلاح الأبدان.
وقوله ﴿ وليذيقكم ﴾ إما معطوف على ما قبله معنى كأنه قيل: ليبشركم وليذيقكم بعض رحمته لأن راحات الدنيا زائلة لا محالة، وإما معطوف على محذوف أي وليكون كذا وكذا أرسلناها.
وفي قوله ﴿ بأمره ﴾ إشارة إلى أن مجرد هبوب الريح لا يكفي في جريان الفلك ولكنها تجري بإذن الله وجعله الريح على اعتدال وقوام.
وفي قوله ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ دلالة على أن ركوب البحر لأجل التجارة جائز.
وفي قوله ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ إشارة إلى أن نعم الله يجب أن تقابل بالشكر.
وإنما بنى الكلام في هذه الآية على الخطاب بخلاف قوله ﴿ ليذيقهم بعض الذي عملوا يرجعون ﴾ تشريفاً لأهل الرحمة، ورحمة الله قريب من المحسنين فكان من حقهم أن يخاطبوا ثم أشار إلى أصل النبوة مع تسلية النبي بقوله ﴿ ولقد ارسلنا ﴾ واختصر الكلام فدل بذكر عاقبة الفريقين المجرم والمؤمن عليهما، فعاقبة المجرمين الذين لم يصدِّقوا رسلهم الإنتقام منهم، وعاقبة الذين صدَّقوهم النصر والظفر على الأعداء.
وفي قوله ﴿ حقاً علينا ﴾ تعظيم لأهل الإيمان ورفع في شأنهم وإلا فلا يجب لأحد على الله شيء.
ثم أراد أن يشير إلى الأصل الثالث وهو المعاد فمهد لذلك مقدمة منتزعة مما تقدم ذكره وهو بيان إرسال الرياح لأجل إحداث السحاب الماطر المبسوطة بعضها على الاتصال والمتفرق بعضها كسفاً اي قطعاً.
وقوله ﴿ فترى الودق ﴾ أي المطر يخرج من خلاله قد مر في النور.
ثم ذكر في ضمن ذلك عجز الإنسان وقلة ثباته وتوكله وقوله ﴿ من قبله ﴾ مكرر للتأكيد ومعناه الدلالة على أن عهدهم بالمطر تطاول فاستحكم بأسهم وتحقق إبلاسهم.
وقيل: اراد أنهم من قبل نزول المطر، أو من قبل ما ذكرنا من إرسال الريح وبسط السحاب كانوا مبلسين، وذلك أن عند رؤية السحب وهبوب الرياح قد يرجى المطر فلا يتحقق الإبلاس.
ثم صرح بالمقصود قائلاً ﴿ إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء ﴾ من الإبداء والإعادة ﴿ قدير ﴾ .
ثم أكد تزلزل الإنسان وتذبذبه وأنه بأدنى سبب يكفر بنعمة الله فقال ﴿ ولئن أرسلنا ريحاً ﴾ ضارة باردة أو حارة ﴿ فرأوه ﴾ اي رأوا أثر الرحمة وهو النبات.
ومن قرأ آثار فالضمير عائد إلى المعنى لأن آثار الرحمة النبات أيضاً واسم النبات يقع على القليل والكثير، وإنما قال ﴿ مصفراً ﴾ ولم يقل "أصفر" لأن تلك الصفرة حادثة.
وقيل: فرأوا السحاب مصفراً لأنه إذا كان كذلك لم يمطر.
ثم زاد في تسلية رسوله بقوله ﴿ فإنك لا تسمع الموتى ﴾ إلى قوله ﴿ فهم مسلمون ﴾ وقد مر في آخر النمل.
ثم أعاد من دلائل التوحيد دليلاً آخر من الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر أحواله وأطواره وتقلبه من ضعف الطفولية إلى قوة الشباب والكهولة ومنها إلى ضعف الهرم.
وفي قوله ﴿ خلقكم من ضعف ﴾ إشارة إلى أن أساس أمر الإنسان الضعف كقوله ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ وقيل: من ضعف اي من نطفة.
وهذا الترديد في الأطوار المختلفة أظهر دليل على وجود الصانع العليم القدير.
وقوله ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ كقوله في دليل الآفاق ﴿ فيبسطه في السماء كيف يشاء ﴾ والكل إشارة إلى بطلان القول بالطبيعة المستقلة.
ثم عاد إلى ذكر المعاد وأحوال القيامة، وذكر أن الكفار يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في القبور أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث، وأن أهل العلم والإيمان وهم الملائكة والأنبياء وغيرهم حالهم بالعكس.
وذلك أن الموعود بوعد إذا ضرب له أجل يستكثر الأجل ويريد تعجيله، والموعود بوعيد إذا ضرب له أجل يستقل المدة ويريد تأخيرها.
ومعنى ﴿ يؤفكون ﴾ يصرفون عن الصدق والتحقيق أي هكذا كان أمرهم في الدنيا مبيناً على الظن الكاذب وكانوا يصرون بمثله.
ويحتمل أن يكونوا ناسين أو كاذبين.
ومعنى في كتاب الله في اللوح والمحفوظ أو في علمه وقضائه، أو فيما كتب وأوجب.
وفيه رد قول الكفار وإلاع لهم على مصدوقية الحال.
قال جار الله: في الحديث "ما بين فناء الدنيا إلى وقت البعث أربعون" قالوا: لا نعلم أهي أربعون سنة أو أربعون الف سنة.
وذلك وقت يفنون فيه وينقطع عذابهم.
والفاء في قوله ﴿ فهذا يوم البعث ﴾ جواب شرط يدل عليه الكلام كأنه قيل: إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث وبه تبين بطلان قولكم ﴿ ولكنكم كنتم لا تعلمون ﴾ أنه حق.
ثم بين أن ذلك اليوم لا يقبل فيه عذر من أهل الشرك وسائر أنواع الظلم ﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ أي لا يطلب منهم الرضا فلا يقال لهم ارضوا ربكم بتوبة وطاعة، وقد مر في "النحل".
ثم بين أن القرآن مشحون بقصص وأخبار كلها كالمثل في غرابتها وحسن مواقعها، وأن الرسول مهما جاءهم بدليل أنكروه لأن الذي اجترأ على العناد في دليل واحد، والأغلب أن يتجرأ على أمثاله وهذا نتيجة الطبع والخذلان، فلا علاج في مثل هذه القضية إلا بالصبر وتحمل أعباء الرسالة إلى إنجاز وعد الله بالنصرة وإعلاء الدين.
ومعنى ﴿ لا يستخفنك ﴾ لا يحملنك على الخفة والقلق قوم شاكون فأمثال هذه الأفعال والأقوال لا تستبعد من أهل الريب والضلال أمر أن لا يضجر ويشتغل بالدعاء إلى الحق حتى يأتي أوان النصر والظفر والله المستعان.
قوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ .
ولم تكونوا شيئاً، وأنتم تعلمون ذلك.
﴿ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾ .
وأنتم تعلمون ذلك أن [لا يقدِّر] الأرزاق لكم غيره.
﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ .
وأنتم تعلمون ألا يملك أحد غيره ذلك؛ فعلى ذلك يملك إحياءكم ولا يملك أحد ممن تعبدون دونه من الأصنام ذلك؛ فكيف تعبدون دونه.
وقوله: ﴿ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: هؤلاء الذين تعبدون شركاؤكم فيما ذكر من الخلق والرزق فكيف تعبدون وتتخذون آلهة دونه؟!
والثاني: هل من شركائكم الذين أشركتموها في عبادة الله وألوهيته تملك ما ذكر، يقول: لا تملك شيئاً مما ذكر، على علم منكم أنها لا تملك ذلك، فيقول: فكيف تشركونها في ألوهيته؟
ثم نزه نفسه وبرأها عن جميع العيوب التي وصفه الملحدون، فقال: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .
لأن حرف ﴿ سُبْحَانَ ﴾ حرف تنزيه عن جميع العيوب، والتعالي: هو وصف وتبرئة عن أن يغلبه شيء أو يقهره؛ هو من العلو، متعال عن أن يغلبه شيء أو يقهره.
وقوله: ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قوله: ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ ، وهو الشرك والكفر، ﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ﴾ من الأمور التي كانوا يتعاطون من قطع الطريق، والسرق، والظلم، وأنواع أعمال السوء التي يتعاطونها، ذلك هو سبب شركهم وكفرهم بالله، وبذلك كان شركهم وكفرهم ذلك كان يغطي قلوبهم؛ حتى لا تتجلى قلوبهم للإيمان؛ كقوله: ﴿ كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ...
﴾ الآية [التوبة: 77] ونحوه؛ فإن كان هذا فهو على حقيقة تقديم الأيدي والكسب.
والثاني: أن يكون ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ﴾ هو القحط وقلة الأمطار والأنزال والضيق، وقوله: ﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ﴾ هو شركهم وكفرهم وتعاطيهم ما لا يحل، أي: ذلك القحط والضيق وقلة الأنزال والشدائد لهم؛ لشركهم وكفرهم وأعمالهم التي اختاروها، ويكون ذكر كسب الأيدي على المجاز لا على الحقيقة؛ ولكن لما باليد يكتسب وباليد يقدم، ذكر اليد؛ كقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ﴾ ، ولعله لم يقدم شيئاً، لكنه ذكر أنه ظهر الشرك والكفر بحقيقة كسب الأيدي من أعمال السوء التي ذكرنا، ذلك كان يمنعهم عن الإيمان وكشف الغطاء عن قلوبهم.
وفي التأويل الآخر: الفساد الذي ظهر هو القحط وقلة الأمطار والأنزال والضيق؛ ﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ ﴾ : هو الشرك والكفر وتعاطي ما لا يحل، لا على حقيقة كسب الأيدي؛ ولكن لما ذكرنا.
ثم اختلف في قوله: ﴿ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ : قال بعضهم: البر: هو المفاوز التي لا ماء فيها، والبحر: القرى والأمصار.
وقال بعضهم: أما البر فأهل العمود، والبحر: هم أهل القرى والريف.
وقال بعضهم: البر: قتل ابن آدم وأخاه، والبحر: ﴿ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ﴾ .
وجائز أن يكون لا على حقيقة إرادة البر والبحر؛ ولكن على إرادة الأحوال نفسها، على ما ذكرنا من القحط والضيق وقلة الأنزال؛ بما كسبت أيدي الناس من الشرك والكفر.
﴿ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ ﴾ .
وهو الشرك، هذا أشبه.
وعن الحسن قال: (أفسدهم الله في بر الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة؛ لعلهم يرجع من كان بعدهم ويتعظون بهم).
وقتادة يقول: لعل راجعاً يرجع، لعل تائباً يتوب، لعل مستغيثاً يستغيث، وأصله: لكي يلزمهم الرجوع والتوبة عما عملوا، وينبههم عن ذلك كله.
وقال بعضهم: ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ ، أي: أجدب البر وانقطعت مادة البحر؛ بذنوب الناس.
قال أبو عوسجة: الربا من الربو مثل ما يصنع أصحاب الربا، ﴿ لِّيَرْبُوَاْ ﴾ ، أي: ليزيد ويكثر؛ يقال: ربا ماله، أي: كثر.
والقتبي: يقول: أي: يزيدكم من أموال الناس من زكاة وصدقة.
وقوله: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ ﴾ .
قد ذكرنا في غير موضع: أنه ليس على حقيقة الأمر بالسير في الأرض؛ ولكن كأنه يقول: لو سرتم في الأرض ونظرتم لرأيتم عاقبة من كان قبلكم من المشركين، وهكذا في الرسل وما حل بهم؛ فينبهكم ويمنعكم عن تكذيب الرسل والشرك بالله.
أو أن يكون هو على الأمر بالفكر والنظر والاعتبار؛ كأنه يقول: تفكروا واعتبروا فيما سرتم في الأرض، وانظروا إلى ماذا صار عاقبة مكذبي الرسل من قبل؛ فينزل بكم بالتكذيب ما نزل بأولئك؟
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ ﴾ .
قد ذكرناه فيما تقدم في قوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ .
وقوله: ﴿ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم من الله.
ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: لا مرد له من الله، أي: لا يردون من ذلك اليوم إلى ابتداء المحنة؛ كقولهم: ﴿ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ ﴾ الآية [الأنعام: 27]، وقولهم: ﴿ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ ﴾ ، ثم أخبر عنهم فقال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ ، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لا يردون إلى ما يسألون الرد.
والثاني: ﴿ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لا إقالة لهم من الله ولا عفو ولا توبة إذا أتاهم ذلك اليوم؛ كقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا...
﴾ الآية [الأنعام: 158].
وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ .
أي: يتفرقون؛ كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ ، هو يوم الافتراق، ويوم الجمع، ويوم الفصل على اختلاف الأحوال والأوقات، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ .
أي: من كفر فعليه كفره وعليه ضرر كفره، ومن آمن وعمل صالحاً، فله ثواب إيمانه، وله منفعة عمله؛ لأنه - عز وجل - إنما امتحنهم بأنواع ما امتحن لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، لا لحاجة أو لمنفعة له، وكذلك قوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ ﴾ الآية [الإسراء: 7]، وهو ما ذكرنا أنه إنما أمرهم ونهاهم وامتحنهم؛ لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، لا لحاجة أو لمنفعة لنفسه؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَمْهَدُونَ ﴾ ، قال بعضهم: يفترشون.
وقال أبو عوسجة والقتبي: فلأنفسهم يعملون ويوطئون، وهو من المهاد، والمهاد في الأصل: الفراش.
وقوله: ﴿ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ ﴾ .
هذا يدل أن الثواب والجزاء سبيل وجوبه الفضل في الحكمة؛ لما سبق من الله إليهم نعم ما لم يتهيأ لهم القيام بشكر واحدة منها، فضلا أن يقوموا للكل؛ فإذا كان كذلك صار الثواب والجزاء وجوبه الفضل لا الاستحقاق والاستيجاب وأما العقوبات فوجوبها الاستحقاق؛ إذ في الحكمة وجوبها؛ لذلك افترقا.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ أي: يجزيهم في الآخرة بالخيرات التي عملوها في الدنيا، وذلك من فضله به نالوا ذلك وبفضله، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فأقم -أيها الرسول- وجهك لدين الإسلام المستقيم الذي لا اعوجاج فيه من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي إذا جاء لا راد له، في ذلك اليوم يتفرق الناس: فريق في الجنة مُنَعَّمون، وفريق في النار معذبون.
<div class="verse-tafsir" id="91.Jwk4e"