الإسلام > القرآن > سور > سورة 38 ص > الآية ١٦ من سورة ص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 148 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦ من سورة ص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) هذا إنكار من الله على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب ، فإن القط هو الكتاب وقيل : هو الحظ والنصيب .
قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن وغير واحد : سألوا تعجيل العذاب - زاد قتادة كما قالوا : ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) [ الأنفال : 32 ] وقيل : سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة إن كانت موجودة أن يلقوا ذاك في الدنيا .
وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب .
وقال ابن جرير : سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو الشر في الدنيا وهذا الذي قاله جيد ، وعليه يدور كلام الضحاك وإسماعيل بن أبي خالد والله أعلم .
وقوله ( وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ) يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون بالله من قريش: يا ربنا عجل لنا كتبنا قبل يوم القيامة.
والقطّ في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة; ومنه قول الأعشى: وَلا المَلِــكُ النُّعْمَــانُ يَـوْمَ لَقِيتُـهُ بِنِعْمَتِــهِ يُعْطِــي القُطُـوطَ وَيـأْفِقُ (11) يعني بالقُطوط: جمع القط, وهي الكتب بالجوائز.
واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أراد هؤلاء المشركون بمسألتهم تعجيل القطّ لهم, فقال بعضهم: إنما سألوا ربهم تعجيل حظهم من العذاب الذي أعد لهم في الآخرة في الدنيا, كما قال بعضهم: إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ .
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا ) يقول: العذاب.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ) قال: سألوا الله أن يعجل لهم العذاب قبل يوم القيامة.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزّة, عن مجاهد, في قوله ( لَنَا قِطَّنَا ) قال: عذابنا.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا ) قال: عذابنا.
حدثني بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ) أي نصيبنا حظنا من العذاب قبل يوم القيامة, قال: قد قال ذلك أبو جهل: اللهمّ إن كان ما يقول محمد حقا فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ ...
الآية.
وقال آخرون: بل إنما سألوا ربهم تعجيل أنصبائهم ومنازلهم من الجنة حتى يروها فيعلموا حقيقة ما يعدهم محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فيؤمنوا حينئذ به ويصدّقوه.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله ( عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا ) قالوا: أرنا منازلنا في الجنة حتى نتابعك.
وقال آخرون: مسألتهم نصيبهم من الجنة, ولكنهم سألوا تعجيله لهم في الدنيا.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ثابت الحدّاد, قال: سمعت سعيد بن جُبَير يقول في قوله ( عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ) قال: نصيبنا من الجنة.
وقال آخرون: بل سألوا ربهم تعجيل الرزق.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمر بن عليّ, قال: ثنا أشعث السجستاني, قال: ثنا شعبة, عن إسماعيل بن أبي خالد في قوله ( عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا ) قال: رزقنا.
وقال آخرون: سألوا أن يعجل لهم كتبهم التي قال قال الله فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ في الدنيا, لينظروا بأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم؟
ولينظروا من أهل الجنة هم, أم من أهل النار قبل يوم القيامة استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن القوم سألوا ربهم تعجيل صِكاكهم بحظوظهم من الخير أو الشر الذي وعد الله عباده أن يؤتيهموها في الآخرة قبل يوم القيامة في الدنيا استهزاء بوعيد الله.
وإنما قلنا إن ذلك كذلك, لأن القطّ هو ما وصفت من الكتب بالجوائز والحظوظ, وقد أخبر الله عن هؤلاء المشركين أنهم سألوه تعجيل ذلك لهم, ثم أتبع ذلك قوله لنبيه: اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ فكان معلوما بذلك أن مسألتهم ما سألوا النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لو لم تكن على وجه الاستهزاء منهم لم يكن بالذي يتبع الأمر بالصبر عليه, ولكن لما كان ذلك استهزاء, وكان فيه لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أذى, أمره الله بالصبر عليه حتى يأتيه قضاؤه فيهم, ولما لم يكن في قوله ( عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا ) بيان أيّ القطوط إرادتهم, لم يكن لما توجيه ذلك إلى أنه معني به القطوط ببعض معاني الخير أو الشرّ, فلذلك قلنا إن مسألتهم كانت بما ذكرت من حظوظهم من الخير والشر.
------------------------ الهوامش: (11) البيت للأعمش ميمون بن قيس (ديوان طبع القاهرة ص 33) من قصيدة يمدح بها المحلق بن خنثم بن شداد بن ربيعة.
وفيه"بأمته" في مكان"بنعمته" .
والقطوط : جمع قط بكسر القاف ، وهو الصك بالجائزة ، ويأفق كيضرب يفضل بعض الناس في الجوائز على بعض وهو من شواهد أبي عبيدة في (مجاز القرآن ، الورقة 2131) قال في قوله تعالى :" ربنا عجل لنا قطنا" القط : الكتاب قال الأعشى :"ولا الملك" البيت القطوط : الكتب بالجوائز يأفق يفضل ويعلو .
يقال : ناقة أفقة ، وفرس آفق إذا فضله على غيره.
قوله تعالى : وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب قال مجاهد : عذابنا .
وكذا قال قتادة : نصيبنا من العذاب .
الحسن : نصيبنا من الجنة لنتنعم به في الدنيا .
وقال سعيد بن جبير .
ومعروف في اللغة أن يقال للنصيب قط ، وللكتاب المكتوب بالجائزة قط .
قال الفراء : القط في كلام العرب الحظ والنصيب .
ومنه قيل للصك قط .
وقال أبو عبيدة والكسائي : القط الكتاب بالجوائز ، والجمع القطوط ، قال الأعشى :ولا الملك النعمان يوم لقيته بغبطته يعطي القطوط ويأفقيعني كتب الجوائز .
ويروى : بأمته بدل بغبطته ، أي : بنعمته وحاله الجليلة ، ويأفق : يصلح .
ويقال : في جمع قط أيضا قططة ، وفي القليل أقط وأقطاط .
ذكره النحاس .
وقال السدي : سألوا أن يمثل لهم منازلهم من الجنة ليعلموا حقيقة ما يوعدون به .
وقال إسماعيل بن أبي خالد : المعنى عجل لنا أرزاقنا .
وقيل : معناه عجل لنا ما يكفينا ، من قولهم : قطني ، أي : يكفيني .
وقيل : إنهم قالوا ذلك استعجالا لكتبهم التي يعطونها بأيمانهم وشمائلهم حين تلي [ ص: 142 ] عليهم بذلك القرآن .
وهو قوله تعالى : فأما من أوتي كتابه بيمينه وأما من أوتي كتابه وراء ظهره وأصل القط القط وهو القطع ، ومنه قط القلم ، فالقط اسم للقطعة من الشيء كالقسم والقسم ، فأطلق على النصيب والكتاب والرزق لقطعه عن غيره ، إلا أنه في الكتاب أكثر استعمالا وأقوى حقيقة .
قال أمية بن أبي الصلت :قوم لهم ساحة العراق وما يجبى إليه والقط والقلمقبل يوم الحساب أي قبل يوم القيامة في الدنيا إن كان الأمر كما يقول محمد .
وكل هذا استهزاء منهم .
أي: قال هؤلاء المكذبون، من جهلهم ومعاندتهم الحق، مستعجلين للعذاب: { رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا } أي: قسطنا وما قسم لنا من العذاب عاجلا { قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ } ولَجُّوا في هذا القول، وزعموا أنك يا محمد، إن كنت صادقا، فعلامة صدقك أن تأتينا بالعذاب
( وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) قال سعيد بن جبير عن ابن عباس : يعني كتابنا ، و " القط " الصحيفة التي أحصت كل شيء .
قال الكلبي : لما نزلت في الحاقة : " فأما من أوتي كتابه بيمينه " ( الحاقة - 19 ) ، " وأما من أوتي كتابه بشماله " ( الحاقة - 25 ) قالوا استهزاء : عجل لنا كتابنا في الدنيا قبل يوم الحساب .
وقال سعيد بن جبير : يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول .
وقال الحسن ، وقتادة ، ومجاهد ، والسدي : يعني عقوبتنا ونصيبنا من العذاب .
وقال عطاء : قاله النضر بن الحارث ، وهو قوله : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء " ( الأنفال : 32 ) .
وعن مجاهد قال : " قطنا " حسابنا ، ويقال لكتاب الحساب قط .
وقال أبو عبيدة والكسائي : " القط " : الكتاب بالجوائز .
«وقالوا» لما نزل (فأما من أوتي كتابه بيمينه) الخ «ربنا عجل لنا قطنا» أي كتاب أعمالنا «قبل يوم الحساب» قالوا ذلك استهزاء.
وقالوا: ربنا عجِّل لنا نصيبنا من العذاب في الدينا قبل يوم القيامة، وكان هذا استهزاءً منهم.
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة ، ببيان ما جبل عليه هؤلاء المشركون من جهالات وسفاهات ، حيث تعجلوا العقاب قبل وقوعه بهم ، فقال - تعالى - : ( وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب ) .والقطُّ : النصيب والقطعة من الشئ .
مأخوذ من قط الشئ إذا قطعه وفصله عن غيره .
فهم قد أطلقوا القطعة من العذاب على عذابهم ، باعتبار أنها مقتطعة من العذاب الكلى المعد لهم ولغيرهم .أى : وقال هؤلاء المشركون الجاهلون يا ربنا ( عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ) أى عجل لنا نصيبنا من العذاب الذى توعدتنا به ، ولا تؤخره إلى يوم الحساب .وتصدير دعائهم بنداء الله - تعالى - بصفة الربوبية ، يشعر بشدة استهزائهم بهذا العذاب الذى توعدهم الله - تعالى - به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم .ونسب - سبحانه - القول إليهم جميعا من أن القائل هو النضر بن الحارث ، أو أبو جهل .
.
لأنهم قد رضوا بهذا القول ، ولم يعترضوا على قائله .وقيل المراد بقوله - تعالى - : ( عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا .
.
) أى : صحائف أعمالنا لننظر فيها قبل يوم الحساب .وقيل المراد به : نصيبهم من الجنة أى : عجل لنا نصيبنا من الجنة التى وعد رسولك بها أتباعه ، وأعطنا هذا النصيب فى الدنيا قبل يوم الحساب لأننا لا نؤمن بوقوعه .وعلى جميع الأقوال ، فالمراد بيان أنهم قوم قد بلغ بهم التطاول والغرور منتهاه ، حيث استهزءوا بيوم الحساب ، وطلبوا تعجيل نزول العذاب بهم فى الدنيا ، بعد أن سمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن عقوبتهم مؤجلة إلى الآخرة .قال - تعالى - : ( وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) وقال - سبحانه - : ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ).
قوله تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوتاد * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وأصحاب الأيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأحزاب * إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرسل فَحَقَّ عِقَابِ * وَمَا يَنظُرُ هَؤُلآء إِلاَّ صَيْحَةً واحدة مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الجواب عن شبهة القوم أنهم إنما توانوا وتكاسلوا في النظر والاستدلال، لأجل أنهم لم ينزل بهم العذاب، بيَّن تعالى في هذه الآية أن أقوام سائر الأنبياء هكذا كانوا ثم بالآخرة نزل ذلك العقاب، والمقصود منه تخويف أولئك الكفار الذين كانوا يكذبون الرسول في إخباره عن نزول العقاب عليهم، فذكر الله ستة أصناف منهم أولهم قوم نوح عليه السلام ولما كذبوا نوحاً أهلكهم الله بالغرق والطوفان والثاني: عاد قوم هود لما كذبوه أهلكهم الله بالريح والثالث: فرعون لما كذب موسى أهلكه الله مع قومه بالغرق والرابع: ثمود قوم صالح لما كذبوه فأهلكوا بالصيحة والخامس: قوم لوط كذبوه بالخسف والسادس: أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب كذبوه فأهلكوا بعذاب يوم الظلة، قالوا: وإنما وصف الله فرعون بكونه ذا الأوتاد لوجوه: الأول: أن أصل هذه الكلمة من ثبات البيت المطنب بأوتاده، ثم استعير لإثبات العز والملك قال الشاعر: ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة *** في ظل ملك ثابت الأوتاد قال القاضي حمل الكلام على هذا الوجه أولى لأنه لما وصف بتكذيب الرسل، فيجب فيما وصف به أن يكون تفخيماً لأمر ملكه ليكون الزجر بما ورد من قبل الله تعالى عليه من الهلاك مع قوة أمره أبلغ والثاني: أنه كان ينصب الخشب في الهواء وكان يمد يدي المعذب ورجليه إلى تلك الخشب الأربع، ويضرب على كل واحد من هذه الأعضاء وتداً، ويتركه معلقاً في الهواء إلى أن يموت والثالث: أنه كان يمد المعذب بين أربعة أوتاد في الأرض ويرسل عليه العقارب والحيات والرابع: قال قتادة كانت أوتاداً وأرساناً وملاعب يلعب بها عنده والخامس: أن عساكره كانوا كثيرين، وكانوا كثيري الأهبة عظيمي النعم، وكانوا يكثرون من الأوتاد لأجل الخيام فعرف بها والسادس: ذو الأوتاد والجموع الكثيرة، وسميت الجموع أوتاداً لأنهم يقرون أمره ويشدون مملكته كما يقوي الوتد البناء.
وأما الإيكة فهي الغيضة الملتفة.
ثم قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ الأحزاب ﴾ وفيه أقوال الأول: أن هؤلاء الذين ذكرناهم من الأمم هم الذين تحزبوا على أنبيائهم فأهلكناهم، فكذلك نفعل بقومك، لأنه تعالى بيَّن بقوله: ﴿ جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ﴾ أن قوم محمد صلى الله عليه وسلم جند من الأحزاب، أي من جنس الأحزاب المتقدمين، فلما ذكر أنه عامل الأحزاب المتقدمين بالإهلاك كان ذلك تخويفاً شديداً لقوم محمد صلى الله عليه وسلم الثاني: أن معنى قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ الأحزاب ﴾ مبالغة لوصفهم بالقوة والكثرة، كما يقال فلان هو الرجل، والمعنى أن حال أولئك الأحزاب مع كمال قوتهم لما كان هو الهلاك والبوار، فكيف حال هؤلاء الضعفاء المساكين.
واعلم أن هؤلاء الأقوام إن صدقوا بهذه الأخبار فهو تحذير، وإن لم يصدقوا بها فهو تحذير أيضاً، لأن آثار هذه الوقائع باقية وهو يفيد الظن القوي فيحذرون، ولأن ذكر ذلك على سبيل التكرير يوجب الحذر أيضاً ثم قال: ﴿ إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرسل فَحَقَّ عِقَابِ ﴾ أي كل هذه الطوائف لما كذبوا أنبياءهم في الترغيب والترهيب، لا جرم نزل العقاب عليهم وإن كان ذلك بعد حين، والمقصود منه زجر السامعين، ثم بين تعالى أن هؤلاء المكذبين وإن تأخر هلاكهم فكأنه واقع بهم فقال: ﴿ وَمَا يَنظُرُ هَؤُلآء إِلاَّ صَيْحَةً واحدة مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ وفي تفسير هذه الصيحة قولان الأول: أن يكون المراد عذاباً يفجؤهم ويجيئهم دفعة واحدة، كما يقال صاح الزمان بهم إذا هلكوا قال الشاعر: صاح الزمان بآل برمك صيحة *** خروا لشدتها على الأذقان ويشبه أن يكون أصل ذلك من الغارة إذا عافصت القوم فوقعت الصيحة فيهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ الآية والقول الثاني: أن هذه الصيحة هي صيحة النفخة الأولى في الصور، كما قال تعالى في سورة يس: ﴿ مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ ﴾ والمعنى أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا فهو معد لهم يوم القيامة، فكأنهم بذلك العذاب وقد جاءهم فجعلهم منتظرين لها على معنى قربها منهم، كالرجل الذي ينتظر الشيء فهو ماد الطرف إليه يطمع كل ساعة في حضوره، ثم إنه سبحانه وصف هذه الصيحة فقال: ﴿ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ قرأ حمزة والكسائي ﴿ فَوَاقٍ ﴾ بضم الفاء، والباقون بفتحها، قال الكسائي والفراء وأبو عبيدة والأخفش: هما لغتان من فواق الناقة.
وهو ما بين حلبتي الناقة وأصله من الرجوع، يقال أفاق من مرضه، أي رجع إلى الصحة، فالزمان الحاصل بين الحلبتين لعود اللبن إلى الضرع يسمى فواقاً بالفتح وبالضم، كقولك قصاص الشعر وقصاصه، قال الواحدي: والفواق والفواق إسمان من الأفاقة، والأفاقة معناها الرجوع والسكون كأفاقة المريض، إلا أن الفواق بالفتح يجوز أن يقام مقام المصدر، والفواق بالضم اسم لذلك الزمان الذي يعود فيه اللبن إلى الضرع، وروى الواحدي في البسيط عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الفزع، قال فيمدها ويطولها وهي التي يقول: ﴿ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ ثم قال الواحدي: وهذا يحتمل معنيين أحدهما: ما لها سكون والثاني: ما لها رجوع، والمعنى ما تسكن تلك الصيحة ولا ترجع إلى السكون، ويقال لكل من بقي على حالة واحدة، إنه لا يفيق منه ولا يستفيق، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب * اصبر على مَا يَقُولُونَ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودُ ذَا الأيد إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ .
اعلم أنا ذكرنا في تفسير قوله: ﴿ وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ وَقَالَ الكافرون هذا ساحر كَذَّابٌ ﴾ أن القوم إنما تعجبوا لشبهات ثلاثة أولها: تتعلق بالإلهيات، وهو قوله: ﴿ أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا ﴾ والثانية: تتعلق بالنبوات، وهو قوله: ﴿ أأنزل عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا ﴾ والثالثة: تتعلق بالمعادة، وهو قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب ﴾ وذلك لأن القوم كانوا في نهاية الإنكار للقول بالحشر والنشر، فكانوا يستدلون بفساد القول بالحشر والنشر على فساد نبوته، والقط القطعة من الشيء لأنه قطع منه من قطه إذا قطعه ويقال لصحيفة الجائزة قط، ولما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد المؤمنين بالجنة، قالوا على سبيل الاستهزاء: عجل لنا نصيبنا من الجنة، أو عجل لنا صحيفة أعمالنا حتى ننظر فيها.
واعلم أن الكفار لما بالغوا في السفاهة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قالوا: إنه ساحر كذاب وقالوا له على سبيل الاستهزاء: ﴿ عَجّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ أمره الله بالصبر على سفاهتهم، فقال: ﴿ اصبر على مَا يَقُولُونَ ﴾ فإن قيل.
أي تعلق بين قوله: ﴿ اصبر على مَا يَقُولُونَ ﴾ وبيّن قوله: ﴿ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودُ ﴾ ؟
قلنا بيان هذا التعلق من وجوه: الأول: كأنه قيل إن كنت قد شاهدت من هؤلاء الجهال جراءتهم على الله وإنكارهم الحشر والنشر، فاذكر قصة داود حتى تعرف شدة خوفه من الله تعالى ومن يوم الحشر، فإن بقدر ما يزداد أحد الضدين شرفاً يزداد الضد الآخر نقصاناً والثاني: كأنه قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم لا يضيق صدرك بسبب إنكارهم لقولك ودينك، فإنهم إذا خالفوك فالأكابر، من الأنبياء وافقوك والثالث: أن للناس في قصة داود قولين: منهم من قال إنها تدل على ذنبه، ومنهم من قال إنها لا تدل عليه فمن قال بالأول كان وجه المناسبة فيه كأنه قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم إن حزنك ليس إلا، لأن الكفار يكذبونك، وأما حزن داود فكان بسبب وقوعه في ذلك الذنب ولا شك أن حزنه أشد، فتأمل في قصة داود وما كان فيه من الحزن العظيم حتى يخف عليك ما أنت فيه من الحزن ومن قال بالثاني قال الخصمان اللذان دخلا على داود كانا من البشر، وإنما دخلا عليه لقصد قتله فخاف منهما داود، ومع ذلك لم يتعرض لإيذائهما ولا دعا عليهما بسوء بل استغفر لهما على ما سيجيء تقرير هذه الطريقة فلا جرم أمر الله تعالى محمداً عليه السلام بأن يقتدي به في حسن الخلق والخامس: أن قريشاً إنما كذبوا محمداً عليه السلام واستخفوا به لقولهم في أكثر الأمر إنه يتيم فقير، ثم إنه تعالى قص على محمد كمال مملكة داود، ثم بين أنه مع ذلك ما سلم من الأحزان والغموم، ليعلم أن الخلاص عن الحزن لا سبيل إليه في الدنيا والسادس: أن قوله تعالى: ﴿ اصبر على مَا يَقُولُونَ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودُ ﴾ غير مقتصر على داود فقط بل ذكر عقيب قصة داود قصص سائر الأنبياء فكأنه قال: ﴿ اصبر على مَا يَقُولُونَ ﴾ واعتبر بحال سائر الأنبياء ليعلمه أن كل واحد منهم كان مشغولاً بهم خاص وحزن خاص، فحينئذٍ يعلم أن الدنيا لا تنفك عن الهموم والأحزان، وأن استحقاق الدرجات العالية عند الله لا يحصل إلا بتحمل المشاق والمتاعب في الدنيا، وهذه وجوه ذكرناها في هذا المقام وهاهنا وجه آخر أقوى وأحسن من كل ما تقدم، وسيجيء ذكره إن شاء الله تعالى عند الانتهاء إلى تفسير قوله: ﴿ كتاب أنزلناه إِلَيْكَ مبارك ليدبروا آياته ﴾ واعلم أنه تعالى ذكر بعد ذلك حال تسعة من الأنبياء فذكر حال ثلاثة منهم على التفصيل وحال ستة آخرين على الإجمال.
فالقصة الأولى: قصة داود، واعلم أن مجامع ما ذكره الله تعالى في هذه القصة ثلاثة أنواع من الكلام فالأول: تفصيل ما آتى الله داود من الصفات التي توجب سعادة الآخرة والدنيا والثاني: شرح تلك الواقعة التي وقعت له من أمر الخصمين والثالث: استخلاف الله تعالى إياه بعد وقوع تلك الواقعة أما النوع الأول: وهو شرح الصفات التي آتاها الله داود من الصفات الموجبة لكمال السعادة فهي عشرة الأول: قوله لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ اصبر على مَا يَقُولُونَ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودُ ﴾ فأمر محمداً صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره بأن يقتدي في الصبر على طاعة الله بداود وذلك تشريف عظيم وإكرام لداود حيث أمر الله أفضل الخلق محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي به في مكارم الأخلاق والثاني: أنه قال في حقه: ﴿ عَبْدَنَا دَاوُودُ ﴾ فوصفه بكونه عبداً له وعبر عن نفسه بصيغة الجمع الدالة على نهاية التعظيم، وذلك غاية التشريف، ألا ترى أنه سبحانه وتعالى لما أراد أن يشرف محمداً عليه السلام ليلة المعراج قال: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ ﴾ فهاهنا يدل على ذلك التشريف لداود فكان ذلك دليلاً على علو درجته أيضاً، فإن وصف الله تعالى الأنبياء بعبوديته مشعر بأنهم قد حققوا معنى العبودية بسبب الاجتهاد في الطاعة والثالث: قوله: ﴿ ذَا الأيد ﴾ أي ذا القوة على أداء الطاعة والاحترازعن المعاصي، وذلك لأنه تعالى لما مدحه بالقوة وجب أن تكون تلك القوة موجبة للمدح، والقوة التي توجب المدح العظيم ليست إلا القوة على فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ﴿ والأيد ﴾ المذكور هاهنا كالقوة المذكورة في قوله: ﴿ يايحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلّ شَيء مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَيء فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾ أي باجتهاد في أداء الأمانة وتشدد في القيام بالدعوة وترك إظهار الوهن والضعف والأيد والقوة سواء ومنه قوله تعالى: ﴿ هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وأيدناه بِرُوحِ القدس ﴾ وقال: ﴿ والسماء بنيناها بأييد ﴾ وعن قتادة أعطى قوة في العبادة وفقهاً في الدين، وكان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر الرابع: قوله: ﴿ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ أي أن داود كان رجاعاً في أموره كلها إلى طاعتي والأواب فعال من آب إذا رجع كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ﴾ وفعال بناء المبالغة كما يقال قتال وضراب فإنه أبلغ من قاتل وضارب الخامس: قوله تعالى: ﴿ إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبّحْنَ بالعشى والإشراق ﴾ ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ ياجبال أَوّبِى مَعَهُ والطير ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: وفيه وجوه: الأول: أن الله سبحانه خلق في جسم الجبل حياة وعقلاً وقدرة ومنطقاً وحينئذٍ صار الجبل مسبحاً لله تعالى ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ فإن معناه أنه تعالى خلق في الجبل عقلاً وفهماً، ثم خلق فيه رؤية الله تعالى فكذا هاهنا الثاني: في التأويل ما رواه القفال في تفسيره أنه يجوز أن يقال إن داود عليه السلام قد أوتي من شدة الصوت وحسنه ما كان له في الجبال دوي حسن، وما يصغي الطير إليه لحسنه فيكون دوي الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤه إليه تسبيحاً، وذكر محمد بن إسحاق أن الله تعالى لم يعط أحداً من خلقه مثل صوت داود حتى أنه كان إذا قرأ الزبور دنت منه الوحوش حتى يأخذ بأعناقها الثالث: أن الله سبحانه سخر الجبال حتى أنها كانت تسير إلى حيث يريده داود وجعل ذلك السير تسبيحاً لأنه كان يدل على كمال قدرة الله تعالى وحكمته.
البحث الثاني: قال صاحب الكشاف ﴿ يُسَبّحْنَ ﴾ في معنى مسبحات، فإن قالوا هل من فرق بين يسبحن ومسبحات قلنا نعم، فإن صيغة الفعل تدل على الحدوث والتجدد، وصيغة الاسم على الدوام على ما بينه عبد القاهر النحوي في كتاب دلائل الإعجاز، إذا ثبت هذا فنقول قوله: ﴿ يُسَبّحْنَ ﴾ يدل على حدوث التسبيح من الجبال شيئاً بعد شيء وحالاً بعد حال وكان السامع حاضر تلك الجبال يسمعها تسبح.
البحث الثالث: قال الزجاج يقال شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا أضاءت وقيل هما بمعنى، والأول أكثر تقول العرب شرقت الشمس والماء يشرق.
البحث الرابع: احتجوا على شرعية صلاة الضحى بهذه الآية، عن أم هانئ قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى، وقال: «يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق» وعن طاووس عن ابن عباس قال: هل تجدون ذكر صلاة الضحى في القرآن؟
قالوا لا، فقرأ إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق وقال كان يصليها داود عليه السلام وقال لم يزل في نفسي شيء من صلاة الضحى حتى وجدتها في قوله: ﴿ يُسَبّحْنَ بالعشى والإشراق ﴾ .
الصفة السادسة: من صفات داود عليه السلام قوله تعالى: ﴿ والطير مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قوله: ﴿ والطير ﴾ معطوفة على الجبال والتقدير وسخرنا الطير محشورة، قال ابن عباس رضي الله عنهما كان داود إذا سبح جاوبته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه، واجتماعها إليه هو حشرها فيكون على هذا التقدير حاشرها هو الله ﴿ فَإن قِيلَ ﴾ كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنه لا عقل لها، قلنا لا يبعد أن يقال إن الله تعالى كان يخلق لها عقلاً حتى تعرف الله فتسبحه حينئذٍ، وكل ذلك كان معجزة لداود عليه السلام.
البحث الثاني: قال صاحب الكشاف قوله: ﴿ مَحْشُورَةً ﴾ في مقابلة ﴿ يُسَبّحْنَ ﴾ إلا أنه ليس في الحشر مثل ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئاً بعد شيء، فلا جرم جيء به اسماً لا فعلاً، وذلك أنه لو قيل وسخرنا الطير محشورة يسبحن على تقدير أن الحشر وجد من حاشرها جملة واحدة دل على القدر المذكور، والله أعلم.
البحث الثالث: قرئ ﴿ والطير مَحْشُورَةً ﴾ بالرفع.
الصفة السابعة: من صفات داود عليه السلام، قوله تعالى: ﴿ كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ﴾ ومعناه كل واحد من الجبال والطير أواب أي رجاع، أي كلما رجع داود إلى التسبيح جاوبته، فهذه الأشياء أيضاً كانت ترجع إلى تسبيحاتها، والفرق بين هذه الصفة وبين ما قبلها أن فيما سبق علمنا أن الجبال والطير سبحت مع تسبيح داود عليه السلام، وبهذا اللفظ فهمنا دوام تلك الموافقة وقيل الضمير في قوله: ﴿ كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ﴾ لله تعالى أي كل من داود والجبال والطير لله أواب أي مسبح مرجع للتسبيح.
الصفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ ﴾ أي قويناه وقال تعالى: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ﴾ وقيل شددنا على المبالغة، وأما الأسباب الموجبة لحصول هذا الشد فكثيرة، وهي إما الأسباب الدنيوية أو الدينية، أما الأول فذكروا فيه وجهين: الأول: روى الواحدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يحرسه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل، فإذا أصبح قيل ارجعوا فقد رضي عنكم نبي الله، وزاد آخرون فذكروا أربعين ألفاً.
قالوا وكان أشد ملوك الأرض سلطاناً، وعن عكرمة عن ابن عباس أن رجلاً ادعى عند داود على رجل أخذ منه بقرة فأنكر المدعى عليه، فقال داود للمدعي أقم البينة فلم يقمها، فرأى داود في منامه.
أن الله يأمره أن يقتل المدعي عليه فثبت داود وقال هو منام فأتاه الوحي بعد ذلك بأن تقتله فاحضره وأعلمه أن الله أمره بقتله، فقال المدعى عليه صدق الله إني كنت قتلت أبا هذا الرجل غيلة فقتله داود.
فهذه الواقعة شددت ملكه، وأما الأسباب الدينية الموجبة لهذا الشد فهي الصبر والتأمل التام والاحتياط الكامل.
الصفة التاسعة: قوله: ﴿ وآتيناه الحكمة ﴾ واعلم أنه تعالى قال: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ واعلم أن الفضائل على ثلاثة أقسام النفسانية والبدنية والخارجية، والفضائل النفسانية محصورة في قسمين العلم والعمل، أما العلم فهو أن تصير النفس بالتصورات الحقيقية والتصديقات النفسانية بمقتضى الطاقة البشرية، وأما العمل فهو أن يكون الإنسان آتياً بالعمل الأصلح الأصوب بمصالح الدنيا والآخرة، فهذا هو الحكمة وإنما سمي هذا بالحكمة لأن اشتقاق الحكمة من إحكام الأمور وتقويتها وتبعيدها عن أسباب الرخاوة والضعف، والاعتقادات الصائبة الصحيحة لا تقبل النسخ والنقض فكانت في غاية الإحكام، وأما الأعمال المطابقة لمصالح الدنيا والآخرة فإنها واجبة الرعاية ولا تقبل النقض والنسخ، فلهذا السبب سمينا تلك المعارف وهذه الأعمال بالحكمة.
الصفة العاشرة: قوله: ﴿ وَفَصل الخطاب ﴾ واعلم أن أجسام هذا العالم على ثلاثة أقسام أحدهما: ما تكون خالية عن الإدراك والشعور وهي الجمادات والنباتات.
وثانيها: التي يحصل لها إدراك وشعور ولكنها لا تقدر على تعريف غيرها الأحوال التي عرفوها في الأكثر وهذا القسم هو جملة الحيوانات سوى الإنسان.
وثالثها: الذي يحصل له إدراك وشعور ويحصل عنده قدرة على تعريف غيره الأحوال المعلومة له، وذلك هو الإنسان وقدرته على تعريف الغير الأحوال المعلومة عنده بالنطق والخطاب، ثم إن الناس مختلفون في مراتب القدرة على التعبير عما في الضمير، فمنهم من يتعذر عليه إيراد الكلام المرتب المنتظم بل يكون مختلط الكلام مضطرب القول، ومنهم من يتعذر عليه الترتيب من بعض الوجوه، ومنهم من يكون قادراً على ضبط المعنى والتعبير عنه إلى أقصى الغايات، وكل من كانت هذه القدرة في حقه أكمل كانت الآثار الصادرة عن النفس النطقية في حقه أكمل، وكل من كانت تلك القدرة في حقه أقل كانت تلك الآثار أضعف، ولما بيّن الله تعالى كمال حال جوهر النفس النطقية التي لداود بقوله: ﴿ وآتيناهُ الحكمة ﴾ أردفه ببيان كمال حاله في النطق واللفظ والعبارة فقال وفصل الخطاب وهذا الترتيب في غاية الجلالة، ومن المفسرين من فسر ذلك بأن داود أول من قال في كلامه أما بعد، وأقول حقاً إن الذين يتبعون أمثال هذه الكلمات فقد حرموا الوقوف على معاني كلام الله تعالى حرماناً عظيماً، والله أعلم، وقول من قال المراد معرفة الأمور التي بها يفصل بين الخصوم وهو طلب البينة واليمين فبعيد أيضاً، لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادراً على التعبير عن كل ما يخطر بالبال ويحضر في الخيال، بحيث لا يختلط شيء بشيء، وبحيث ينفصل كل مقام عن مقام، وهذا معنى عام يتناول جميع الأقسام، والله أعلم، وهاهنا آخر الكلام في الصفات العشرة التي ذكرها الله تعالى في مدح داود عليه السلام.
<div class="verse-tafsir"
القط: القسط من الشيء؛ لأنه قطعة منه، من قطه إذا قطعه.
ويقال: لصحيفة الجائزة: قط، لأنها قطعة من القرطاس، وقد فسر بهما قوله تعالى: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ أي نصيبنا من العذاب الذي وعدته، كقوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ العذاب ﴾ [الحج: 47] وقيل: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد الله المؤمنين بالجنة؛ فقالوا على سبيل الهزء: عجل لنا نصيبنا منها.
أو عجل لنا صحيفة أعمالنا ننظر فيها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ ﴾ وما يَنْتَظِرُ قَوْمُكَ أوِ الأحْزابُ فَإنَّهم كالحُضُورِ لِاسْتِحْضارِهِمْ بِالذِّكْرِ، أوْ حُضُورِهِمْ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ﴾ هي النَّفْخَةُ الأُولى.
﴿ ما لَها مِن فَواقٍ ﴾ مِن تَوَقُّفِ مِقْدارِ فَواقٍ وهو ما بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، أوْ رُجُوعٍ وتَرْدادٍ فَإنَّهُ فِيهِ يَرْجِعُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ.
﴿ وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ﴾ قِسْطَنا مِنَ العَذابِ الَّذِي تُوعِدُنا بِهِ، أوِ الجَنَّةِ الَّتِي تُعِدُّها لِلْمُؤْمِنِينَ وهو مِن قَطَّهُ إذا قَطَعَهُ، وقِيلَ لِصَحِيفَةِ الجائِزَةِ: قِطٌّ لِأنَّها قِطْعَةٌ مِنَ القِرْطاسِ وقَدْ فُسِّرَ بِها أيْ: عَجِّلْ لَنا صَحِيفَةَ أعْمالِنا لِلنَّظَرِ فِيها.
﴿ قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ ﴾ اسْتَعْجَلُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً.
<div class="verse-tafsir"
{وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا} حظنا من الجنة لأنه عليه السلام ذكر وعد الله المؤمنين الجنة فقالوا على سبيل الهزء عجل لنا نصيبنا منها أو نصيبنا من العذاب الذى وعدته كقوله ويستعجلونك بالعذاب وأصل القط القسط من الشيء لأنه قطعة منه من قطه إذا قطعه ويقال لصحيفة الجائزة قط لأنها قطعة من القرطاس {قَبْلَ يوم الحساب}
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ ﴾ حِكايَةٌ لِما قالُوهُ عِنْدَ سَماعِهِمْ بِتَأْخِيرِ عِقابِهِمْ إلى الآخِرَةِ، أيْ قالُوا بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِسْطَنا، ونَصِيبَنا مِنَ العَذابِ الَّذِي تُوعِدُنا بِهِ، ولا تُؤَخِّرْهُ إلى يَوْمِ الحِسابِ الَّذِي مَبْدَؤُهُ الصَّيْحَةُ المَذْكُورَةُ، وتَصْدِيرُ دُعائِهِمْ بِالنِّداءِ المَذْكُورِ لِلْإمْعانِ في الِاسْتِهْزاءِ، كَأنَّهم يَدْعُونَ ذَلِكَ بِكَمالِ الرَّغْبَةِ والِابْتِهالِ، والقائِلُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كَلَدَةَ، وهو الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿ سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ﴾ وأبُو جَهْلٍ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وعَلى القَوْلَيْنِ الباقُونَ راضُونَ، فَلِذا جِيءَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ، والقِطُّ القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ مِن قَطَّهُ إذا قَطَعَهُ، ويُقالُ لِصَحِيفَةِ الجائِزَةِ قِطٌّ، لِأنَّها قِطْعَةٌ مِنَ القِرْطاسِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ بِنِعْمَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويُطْلِقُ قِيلَ: وهو في ذَلِكَ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، وقَدْ فَسَّرَهُ بِها هَنا أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ، أيْ عَجِّلْ لَنا صَحِيفَةَ أعْمالِنا، لِنَنْظُرَ فِيها، وهي رِوايَةٌ عَنِ الحَسَنِ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهم أرادُوا نَصِيبَهم مِنَ الجَنَّةِ.
ورُوِيَ هَذا أيْضًا عَنْ قَتادَةَ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وذَلِكَ أنَّهم سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ يَذْكُرُ وعْدَ اللَّهِ تَعالى المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ: عَجِّلْ لَنا نَصِيبَنا مِنها لِنَتَنَعَّمَ بِهِ في الدُّنْيا.
قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أقْوى التَّفاسِيرِ أنَّهم سَألُوا أنْ يُعَجَّلَ لَهُمُ النَّعِيمُ الَّذِي كانَ يَعِدُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَن آمَنَ لِقَوْلِهِمْ رَبَّنا، ولَوْ كانَ عَلى ما يَحْمِلُهُ أهْلُ التَّأْوِيلِ مِن سُؤالِ العَذابِ أوِ الكِتابِ اسْتِهْزاءً لَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ، ولَمْ يَسْألُوا رَبَّهُمْ، وفِيهِ بَحْثٌ يُعْلَمُ مِمّا مَرَّ آنِفًا.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: جُنْدٌ مَّا هُنالِكَ يعني: جند عند ذلك، وما زائدة.
يعني: حين أرادوا قتل النبيّ مَهْزُومٌ يعني: مغلوب مِنَ الْأَحْزابِ يعني: من الكفار.
وقال مقاتل: فأخبر الله تعالى بهزيمتهم ببدر.
وقال الكلبي: يعني: عند ذلك إن أرادوه مَهْزُومٌ مغلوب.
ثم قال عز وجل: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ يعني: من قبل أهل مكة قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ يعني: ذو ملك ثابت، شديد دائم ويقال: ذو بناء محكم.
ويقال: يعني: في عز ثابت.
والعرب تقول: فلان في عز ثابت الأوتاد.
يريدون دائم شديد، وأصل هذا أن بيوت العرب تثبت بأوتاد.
ويقال: هي أوتاد كانت لفرعون يعذب بها، وكان إذا غضب على أحد شدّه بأربعة أوتاد.
ثم قال: وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ يعني: الغيضة وهم قوم شعيب- - أُولئِكَ الْأَحْزابُ يعني: الكفار، سموا أحزاباً لأنهم تحزبوا على أنبيائهم.
أي: تجمعوا، وأخبر في الابتداء أن مشركي قريش، حزب من هؤلاء الأحزاب إِنْ كُلٌّ يعني: ما كل إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ يعني: وجب عذابي عليهم.
قوله عز وجل: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ يعني: قومك إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً يعني: النفخة الأولى مَّا لَها مِنْ فَواقٍ يعني: من نظرة، ومن رجعة.
قرأ حمزة والكسائي فَواقٍ بضم الفاء.
وقرأ الباقون: بالنصب.
ومعناهما واحد.
يسمى ما بين حلبتي الناقة فَواقٍ لأن اللبن يعود إلى الضرع.
وكذلك إفاقة المريض يعني: يرجع إلى الصحة.
فقال: مَّا لَها مِنْ فَواقٍ يعني: من رجوع.
وقال أبو عبيدة: من فتحها أراد ما لها من راحة ولا إفاقة يذهب بها إلى إفاقة المريض، ومن ضمها جعلها من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين، يعني: ما لها من انتظار.
وقال القتبي: الفُواق والفَواق واحد، وهو ما بين الحلبتين.
ثم قال تعالى: وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قال ابن عباس وذلك أن رسول الله قال لقريش: «مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالله أُعْطِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ» .
فقالوا: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا يعني: صحيفتنا، وكتابنا في الدنيا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ والقط في اللغة الصحيفة المكتوبة.
ويقال: لما نزل قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [الحاقة: 19] فقالوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا هذا الكتاب قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ استهزاء.
ثم عزّى نبيه فقال عز وجل: اصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ من التكذيب وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ يعني: ذا القوة على العبادة إِنَّهُ أَوَّابٌ يعني: مقبل على طاعة الله عز وجل.
وقال مقاتل: أَوَّابٌ يعني: مطيع.
قوله عز وجل: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يعني: ذلّلنا الجبال يُسَبِّحْنَ مع داود- - بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ يعني: في آخر النهار، وأوله.
وروى طاوس أن ابن عباس قال لأصحابه: هل تجدون صلاة الضحى في القرآن؟
قالوا: لا.
قال: بلى.
قوله: يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ كانت صلاة الضحى يصليها داود- -.
ثم قال عز وجل: وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً يعني: مجموعة كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ يعني: مطيع.
وقال عمرو بن شرحبيل: الأواب بلغة الحبشة المسيح.
وقال الكلبي: المقبل على طاعة الله تعالى.
قوله عز وجل: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ يعني: قوّينا حراسه.
قال مقاتل والكلبي: كان يحرسه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل.
ويقال: قوينا ملكه، وأثبتناه، وحفظناه عليه.
وروي في الخبر أن غلاماً استعدى على رجل، وادعى عليه بقراً فأنكر المدعى عليه، وقد كان لطمه لطمة حين ادعى عليه، فسأل داود من الغلام البينة، فلم يقمها، فرأى داود في منامه أن الله عز وجل يأمره أن يقتل المدعى عليه، ويسلم البقر إلى الغلام.
فقال داود: هو منام ثم أتاه الوحي بذلك، فأخبر بذلك بنو إسرائيل، فجزعت بنو إسرائيل وقالوا: رجل لطم غلاماً لطمة فقتله بذلك.
فقال داود- -: هذا أمر الله تعالى به، فسكتوا.
ثم أحضر الرجل فأخبره أن الله تعالى أمره بقتله.
فقال الرجل: صدقت يا نبي الله: إني قتلت أباه غيلة، وأخذت البقر، فقتله داود، فعظمت هيبته، وشدد ملكه.
فلما رأى الناس ذلك جلّ أمره في أعينهم، وقالوا: إنه يقضي بوحي الله تعالى، ثم إن الله تعالى أرخى سلسلة من السماء، وأمره بأن يقضي بها بين الناس، فمن كان على الحق يأخذ السلسلة، ومن كان ظالماً لا يقدر على أخذ السلسلة.
وقد كان غصب رجل من رجل لؤلؤاً، فجعل اللؤلؤ في جوف عصاً له، ثم خاصمه المدعي إلى داود- - فقال المدعي: إن هذا أخذ مني لؤلؤاً، وإني لصادق في مقالتي.
فجاء، وأخذ السلسلة، ثم قال المدعى عليه: خذ مني العصا، فأخذ عصاه، وقال: إني قد دفعت إليه اللؤلؤ، وإني لصادق في مقالتي، فجاء وأخذ السلسلة.
فتحير داود- - في ذلك، فرفعت السلسلة، وأمره بأن يقضي بالبينات والأيمان، فذلك قوله عز وجل: وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ يعني: الفهم، والعلم.
ويقال: يعني: النبوة وَفَصْلَ الْخِطابِ يعني: القضاء بالبينات، والأيمان.
وقال قتادة، والحسن وَفَصْلَ الْخِطابِ يعني: البينة على الطالب، واليمين على المطلوب.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ أي: ينتظرُ، إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً قال قتادة:
تَوَعَّدَهُمْ سُبْحَانَهُ بصيحةِ القِيَامَةِ والنفخِ في الصُّور «١» ، قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وقد رُوِيَ هذا التفسيرُ مرفوعاً، وقالتْ طائِفَةٌ: تَوَعَّدَهُمْ اللَّهُ بِصَيْحَةٍ يُهْلَكُونَ بِهَا في الدنيا، مَّا لَها مِنْ فَواقٍ قرأ الجمهورُ- بفتح الفاءِ-، وقَرأ حمزةُ والكسائي «فُوَاق» - بِضم الفاء «٢» -، قال ابن عباس:
هما بمعنًى، أي: ما لَها من انْقِطَاعٍ وَعَوْدَةٍ، بَلْ هِي مُتَّصِلَةٌ حتى تُهْلِكَهُمْ «٣» ، ومنه: فُوَاقُ الحَلْبِ، وهُوَ المُهْلَةُ التي بَيْنَ «الشُّخْبَيْنِ» ، وقال ابن زَيْدٍ وغيرُهُ: المعنى مُخْتَلِفٌ «٤» ، فالضَّمُّ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَعْنَى فُوَاقِ النَّاقَةِ، والفتحُ بِمَعْنَى الإفَاقَةِ، أيْ: لا يُفِيقُونَ فيها كما يُفِيقُ المَرِيضُ، والمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، والْقِطُّ: الحَظُّ والنصيبُ، والْقِطُّ أَيْضاً الصَّكُّ والكتابُ من السُّلْطَانِ بِصِلة، ونحوهِ، واختلِف في الْقِطِّ هُنَا، ما أرادوا به؟
فقال ابن جُبَيْر: أرادوا به:
عَجَّلْ لَنَا نَصِيبَنَا من الخَيْرِ والنَّعيمِ في دُنْيَانا «٥» ، وقال أبو العالية: أرادوا عَجِّل لنا صُحُفَنَا بأيمانِنا «٦» وذلك لمَّا سَمِعُوا في القرآن أَنَّ الصُحُفَ تعطى يوم القيامةِ بالأيْمَانِ والشَّمائِل، وقال ابن عباس وغَيره: أرادوا ضِدَّ هَذَا من العذابِ ونحوهِ «٧» ، وهذا نظيرُ قولهم فَأَمْطِرْ
عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال: ٣٢] قال ع «١» : وعلى كل تأويل، فكَلاَمُهُم خَرَجَ عَلى جِهَةِ الاستخفاف والهزء.
وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ أَي: فَتَأَسَّ به ولاَ تَلْتَفِتْ إلى هؤلاءِ، «والأيْدِ» القُوَّةُ في الدين والشرع والصَّدْعُ به، وال أَوَّابٌ الرَّجَّاعُ إلى طَاعةِ اللَّهِ، وقاله مجاهد وابن زيد «٢» وفسَّره السُّدِّيُّ: بالمسبّح «٣» ، وتسبيح الجبال هنا حقيقة، والْإِشْراقِ: ضياءُ الشَّمْسِ وارتفاعُها، وفي هذين الوَقْتَيْنِ كانت صلاَةُ بنِي إسرائيل، قال الثعلبيُّ: وليس الإشْرَاقُ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وإنما هو صَفَاؤُها وضوءها، انتهى.
قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٤» : قال [ابن عباس] «٥» : ما كنتُ أعْلَمُ صلاةَ الضحى في القرآن حتى سمعتُ اللَّهَ تعالى يقول: يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ «٦» قال ابن العربي «٧» : أما صلاةُ الضحى فَهِي في هذه الآيةِ نافلةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، ولا ينبغي أنْ تصلى حتى تتبينَ الشمسُ طَالعةً قَدْ أشْرَقَ نُورُهَا، وفي صلاةِ الضحى أحاديثُ أُصُولُهَا ثلاثةٌ: الأولُ حديثُ أبي ذَرٍّ وغيره عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «يُصْبِحُ على كُلِّ سلامى مِنِ ابن آدَمَ صَدَقَةٌ تَسْليمُهُ على مَنْ لَقِيَ صَدَقَةٌ، وأَمْرُهُ بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، ونَهْيُهُ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وإمَاطَتُهُ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وبُضْعُهُ أهْلَهُ صَدَقَةٌ، ويجزىء مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَكْعَتَانِ من الضّحى» «٨» .
الثَّانِي: حديثُ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الجهنيّ عن أبيه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ قَعَدَ في مُصَلاَّهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ، حتى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيْ الضحى لاَ يَقُولُ إلاَّ خَيْراً، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وإنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ البَحْرِ» «١» .
الثالثُ: حَدِيثُ أمّ هانىء أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صلى يَوْمَ الفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ «٢» ، انْتَهَى.
ت: وَرَوَى أبو عيسى/ الترمذيُّ وغَيْرُهُ عن أَنَسٍ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«مَنْ صَلَّى الفَجْرَ في جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ تعالى، حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ، كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وعُمْرَةٍ تَامَّةٍ» «٣» ، قَالَ الترمذيُّ: حديثٌ حَسَنٌ، انتهى.
قال الشَّيْخُ أَبو الحَسَنِ بْنُ بَطَّالٍ في شرحه للبُخَارِيِّ: وعن زيدِ بْنِ أسْلَمَ قَال: سمعتُ عَبد اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يقولُ لأبي ذَرٍّ: أوْصِنِي يَا عَمُّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى الضحى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغافِلِينَ، وَمَنْ صلى أَرْبَعَاً، كتب من
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ﴾ في سَبَبِ قَوْلِهِمْ هَذا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ لَهم ما في الجَنَّةِ، قالُوا هَذا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ.
.
.
﴾ الآَياتُ [الحاقَّةِ: ١٩ ٣٧]، قالَتْ قُرَيْشٌ: زَعَمْتَ يا مُحَمَّدُ أنّا نُؤْتى كُتُبَنا بِشَمائِلِنا؟!
فَعَجِّلْ لَنا قِطَّنا، يَقُولُونَ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لَهُ، قالَهُ أبُو العالِيَةَ، ومُقاتِلٌ.
وَفِي المُرادِ بِالقِطِّ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الصَّحِيفَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ الفَرّاءُ: القِطُّ فِي كَلامِ العَرَبِ: الصَّكُ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القِطُّ: الكِتابُ، والقُطُوطُ: الكُتُبُ بِالجَوائِزِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّ القِطَّ: الحِسابُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ القَضاءُ، قالَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والمَعْنى أنَّهم لَمّا وُعِدُوا بِالقَضاءِ بَيْنَهُمْ، سَألُوا ذَلِكَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ النَّصِيبُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.، [قالَ الزَّجّاجُ: القِطُّ: النَّصِيبُ، وأصْلُهُ: الصَّحِيفَةُ يُكْتَبُ لِلْإنْسانِ فِيها شَيْءٌ يَصِلُ إلَيْهِ، واشْتِقاقُهُ مِن قَطَطْتُ، أيْ: قَطَعْتُ، فالنَّصِيبُ: هو القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ.
ثُمَّ في هَذا القَوْلِ لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم سَألُوهُ نَصِيبَهم مِنَ الجَنَّةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ] .
والثّانِي: سَألُوهُ نَصِيبَهم مِنَ العَذابِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وعَلى جَمِيعِ الأقْوالِ، إنَّما سَألُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً لِتَكْذِيبِهِمْ بِالقِيامَةِ.
﴿ اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ أيْ: مِن تَكْذِيبِهِمْ وأذاهُمْ؛ وفي هَذا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أمَرَ بِالصَّبْرِ، سُلُوكًا لِطَرِيقِ أُولِي العَزْمِ، وهَذا مُحْكَمٌ.
والثّانِي: أنَّهُ مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ فِيما زَعَمَ الكَلْبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ﴾ في وجْهِ المُناسَبَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: "اصْبِرْ" وبَيْنَ قَوْلِهِ: "واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أمَرَ أنْ يَتَقَوّى عَلى الصَّبْرِ بِذِكْرِ قُوَّةِ داوُدَ عَلى العِبادَةِ والطّاعَةِ والثّانِي: أنَّ المَعْنى: عَرَّفَهم أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ -مَعَ طاعَتِهِمْ- كانُوا خائِفِينَ مِنِّي، هَذا داوُدُ مَعَ قُوَّتِهِ عَلى العِبادَةِ، لَمْ يَزَلْ باكِيًا مُسْتَغْفِرًا، فَكَيْفَ حالُهم مَعَ أفْعالِهِمْ؟!
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ ذا الأيْدِ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي القُوَّةُ في العِبادَةِ.
وفي "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : « "أحَبُّ الصِّيامِ إلى اللَّهِ صِيامُ داوُدَ، كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، وأحَبُّ الصَّلاةِ إلى اللَّهِ صَلاةُ داوُدَ، كانَ يَنامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ويَقُومُ ثُلُثَهُ ويَنامُ سُدُسَهُ" .» وَفِي الأوّابِ أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٢٥] .
﴿ إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا تَسْبِيحَ الجِبالِ مَعَهُ في [الأنْبِياءِ: ٧٩]، وذَكَرْنا مَعْنى العَشِيِّ في مَواضِعَ مِمّا تَقَدَّمَ [آَلِ عِمْرانَ: ٤١، الأنْعامِ: ٥٣]، وذَكَرْنا مَعْنى الإشْراقِ في [الحِجْرِ: ٧٣] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ مُشْرِقِينَ ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: الإشْراقُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ [وَإضاءَتُها] .
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: طَلَبْتُ صَلاةَ الضُّحى، فَلَمْ أجِدْها إلّا في هَذِهِ الآَيَةِ.
وقَدْ ذَكَرْنا عَنْهُ أنَّ صَلاةَ الضُّحى مَذْكُورَةٌ في [النُّورِ: ٣٦] في قَوْلِهِ: ﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والطَّيْرَ مَحْشُورَةً ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو الجَوْزاءِ والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والطَّيْرُ مَحْشُورَةٌ" بِالرَّفْعِ فِيهِما، أيْ: مَجْمُوعَةٌ إلَيْهِ، تُسَبِّحُ اللَّهَ مَعَهُ ﴿ كُلٌّ لَهُ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى داوُدَ، أيْ: كُلٌّ لِداوُدَ ﴿ أوّابٌ ﴾ أيْ: رِجاعٌ إلى طاعَتِهِ وأمْرِهِ، والمَعْنى: كُلٌّ لَهُ مُطِيعٌ بِالتَّسْبِيحِ مَعَهُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: [أنَّها] تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، فالمَعْنى: كُلُّ مُسَبِّحِ لِلَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَشَدَدْنا مُلْكَهُ ﴾ أيْ: قَوَّيْناهُ.
وفي ما شَدَّ بِهِ مُلْكَهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الحَرَسُ والجُنُودُ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ يَحْرُسُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ ألْفَ رَجُلٍ.
والثّانِي: أنَّهُ هَيْبَةٌ أُلْقِيَتْ لَهُ في قُلُوبِ النّاسِ؛ وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْناهُ الحِكْمَةَ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ أقَوْالٍ أحَدُها: أنَّها الفَهْمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: الصَّوابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: السُّنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَفِي فَصْلِ الخِطابِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: عِلْمُ القَضاءِ والعَدْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحُسْنُ.
والثّانِي: بَيانُ الكَلامِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّهُ البَيانُ الكافِي في كُلِّ غَرَضٍ مَقْصُودٍ.
والثّالِثُ: قَوْلُ: "أمّا بَعْدُ"، وهو أوَّلُ مَن تَكَلَّمَ بِها، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، والشَّعْبِيُّ.
والرّابِعُ: تَكْلِيفُ المُدَّعِي البَيِّنَةَ، والمُدَّعى عَلَيْهِ اليَمِينَ، قالَهُ شُرَيْحٌ، وقَتادَةُ؛ وهو قَوْلٌ حَسَنٌ، لِأنَّ الخُصُومَةَ إنَّما تُفْصَلُ بِهَذا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ ﴾ ﴿ وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ ﴾ ﴿ اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ ﴾ ﴿ إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ ﴾ ﴿ والطَيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوّابٌ ﴾ ﴿ وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ ﴾ ﴿ "يَنْظُرُ" ﴾ بِمَعْنى: يَنْتَظِرُ، وهَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ، صَدَّقَهُ الوُجُودُ، فالصَيْحَةُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عِبارَةٌ عن جَمِيعِ ما نابَهم مِن قَتْلٍ وأسْرٍ وغَلَبَةٍ، وهَذا كَما تَقُولُ: صاحَ فِيهِمُ الدَهْرُ، وقالَ قَتادَةُ: تَوَعَّدَهم بِصَيْحَةِ القِيامَةِ والنَفْخِ في الصُورِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: رُوِيَ هَذا التَفْسِيرُ مَرْفُوعًا إلى النَبِيِّ .
وقالَتْ طائِفَةٌ: تَوَعَّدَهم تَعالى بِصَيْحَةٍ يُهْلَكُونَ بِها في الدُنْيا، وعَلى هَذَيْنَ التَأْوِيلَيْنِ فَمَعْنى الكَلامِ أنَّهم بِمَدْرَجِ عُقُوبَةٍ، وتَحْتَ أمْرٍ خَطِيرٍ، ما يَنْتَظِرُونَ فِيهِ إلّا الهَلَكَةَ، ولَيْسَ مَعْناهُ التَوَعُّدُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ يَنْتَظِرُهُ مُحَمَّدٌ فِيهِ كالتَأْوِيلِ الأوَّلِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فَواقٍ" ﴾ بِفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "فُواقٍ" بِضَمِّ الفاءِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ: ما لَها مِنَ انْقِطاعٍ وعَوْدَةٍ، بَلْ هي مُتَّصِلَةٌ حَتّى مَهْلِكَهُمْ، ومِنهُ: "فَواقُ الحَلْبَةِ": المُهْلَةُ الَّتِي بَيْنَ الشَخْبَتَيْنِ، وجَعَلُوهُ مِثْلَ قَصاصِ الشِعْرِ وقُصاصِهِ، وغَيْرُ ذَلِكَ، ومِنهُ الحَدِيثُ عَنِ النَبِيِّ : « "مَن رابَطَ فَوْقَ ناقَةٍ حَرَّمَ اللهُ جَسَدَهُ عَلى النارِ".» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، ومُؤَرِّجٌ، والفَرّاءُ: المَعْنى مُخْتَلِفٌ، الضَمُّ كَما تَقَدَّمَ مِن مَعْنى فَواقٍ، والفَتْحُ بِمَعْنى الإفاقَةِ، أيْ: ما يَكُونُ لَهم بَعْدَ هَذِهِ الصَيْحَةِ إفاقَةٌ ولا اسْتِراحَةٌ، فَفَواقٌ مِثْلَ جَوابٌ، مِن أجابَ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ عنهم أنَّهم قالُوا: ﴿ رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ ﴾ ، والقِطُّ: الحَظُّ والنَصِيبُ، والقِطُّ أيْضًا: الصَكُّ والكِتابُ مِنَ السُلْطانِ بِصِلَةٍ ونَحْوُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ولا المَلِكُ النُعْمانُ يَوْمَ لَقِيتَهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ وَهُوَ مِن، قَطَطْتُ، أيْ: قَطَعْتُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "القِطِّ" هُنا، ما أرادُوا بِهِ؟
فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أرادُوا بِهِ: عَجِّلْ لَنا نَصِيبَنا مِنَ الخَيْرِ والنَعِيمِ في دُنْيانا، وقالَ أبُو العالِيَةِ، والكَلْبِيُّ: أرادُوا: عَجِّلْ لَنا صُحُفَنا بِأيْمانِنا، وذَلِكَ لَمّا سَمِعُوا في القُرْآنِ أنَّ الصُحُفَ تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ قالُوا ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: أرادُوا ضِدَّ هَذا مِنَ العَذابِ ونَحْوِهُ، فَهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: ﴿ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَماءِ ﴾ .
وقالَ السُدِّيُّ: المَعْنى: أرِنا مَنازِلَنا في الجَنَّةِ حَتّى نُتابِعَكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وعَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ، فَكَلامُهم خَرَجَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ والهَزْءِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما عُلِمَ مِن كُفْرِهِمْ واسْتَمَرَّ، ولَفْظُ الآيَةِ يُعْطِي إقْرارًا بِيَوْمِ الحِسابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ ، أيْ: مِن هَذِهِ الأقاوِيلِ الَّتِي يُرِيدُونَ بِها الِاسْتِخْفافَ، ولا تَلْتَفِتْ إلَيْها، ﴿ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ ﴾ في الدِينِ والصَدْعِ بِهِ، فَتَأسَّ بِهِ وتَأيَّدْ كَما تَأيَّدَ، و"الأيْدِ": القُوَّةُ، وهي في داوُدَ مُتَضَمِّنَةٌ قُوَّةَ البَدَنِ وقُوَّتَهَ عَلى الطاعَةِ.
و"الأوّابُ": الرَجّاعُ إلى طاعَةِ اللهِ تَعالى، وقالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ، وفَسَّرَهُ السُدِّيُّ بِالمُسَبِّحِ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ : « "الزُرْقَةُ يُمْنٌ"،» وكانَ داوُدُ أزْرَقَ، وأخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عَمّا وهَبَ لِداوُدَ مِنَ الكَرامَةِ في أنْ سَخَّرَ الجِبالَ مَعَهُ تُسَبِّحُ، وظاهِرُ الآيَةِ عُمُومُ الجِبالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي الجِبالُ الَّتِي كانَ فِيها وعِنْدَها، وتَسْبِيحُ الجِبالِ هُنا حَقِيقَةٌ.
و"الإشْراقُ": وقْتُ ضِياءِ الشَمْسِ وارْتِفاعِها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ"، أيِ: ادْخُلْ في الشُرُوقِ.
وُفي هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ كانَتْ صَلاةُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: صَلاةُ الضُحى عِنْدَنا هي صَلاةُ الإشْراقِ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "والطَيْرَ" ﴾ عَطْفٌ عَلى "الجِبالَ"، أيْ: وسَخَّرْنا الطَيْرَ، و"مَحْشُورَةً" نَصْبٌ عَلى الحالِ، ومَعْناهُ: مَجْمُوعَةٌ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [والطَيْرُ مَحْشُورَةٌ] بِالرَفْعِ فِيهِما، والضَمِيرُ في "لَهُ" قالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، فـَ "كُلٌّ" عَلى هَذا يُرادُ بِهِ:داوُدُ، والجِبالُ، والطَيْرُ.
وقالَتْ فِرَقٌ: هو عائِدٌ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"كُلٌّ": الجِبالُ والطَيْرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَشَدَدْنا مُلْكَهُ ﴾ عِبارَةٌ عامَّةٌ لِجَمِيعِ ما وهَبَهُ اللهُ تَعالى مِن قُوَّةٍ وخَيْرٍ ونِعْمَةٍ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ أشْياءَ دُونَ أشْياءَ، فَقالَ السُدِّيُّ ؛ بِالجُنُودِ، وقالَ آخَرُونَ: بِهَيْبَةٍ جَعَلَها اللهُ تَعالى لَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَشَدَدْنا" ﴾ بِتَخْفِيفِ الدالِّ الأُولى، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: (شَدَّدْنا) بِشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ.
و ﴿ الحِكْمَةَ ﴾ : الفَهْمُ في الدِينِ وجَوْدَةُ النَظَرِ، هَذا قَوْلُ فِرْقَةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِـ (الحِكْمَةِ) النُبُوَّةَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الحِكْمَةُ؛ العِلْمُ الَّذِي لا تَرُدُّهُ العُقُولُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللهُ: هِيَ عَقائِدُ البُرْهانِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "فَصْلِ الخِطابِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: هو فَصْلُ القَضاءِ بَيْنَ الناسِ بِالحَقِّ وإصابَتُهُ وفَهْمُهُ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وَشُرَيْحٌ، والشَعْبِيُّ: هو إيجابُ اليَمِينِ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ، والبَيِّنَةِ عَلى المُدَّعِي، وقالَ زِيادٌ، والشَعْبِيُّ أيْضًا: أرادَ قَوْلَ: "أمّا بَعْدُ"، فَإنَّهُ أوَّلُ مَن قالَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ والَّذِي يُعْطِيهِ لَفْظُ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى آتاهُ أنَّهُ كانَ إذا خاطَبَ في نازِلَةٍ فَصَّلَ المَعْنى وأوضَحَهُ، وبَيَّنَهُ، لا يَأْخُذُهُ في ذَلِكَ حَصَرٌ ولا ضَعْفٌ، وهَذِهِ صِفَةٌ قَلِيلٌ مَن يُدْرِكُها، فَكانَ كَلامُهُ عَلَيْهِ السَلامُ فَصْلًا، وقَدْ قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في صِفَةِ القُرْآنَ: ﴿ إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ ، ويَزِيدُ مُحَمَّدٌ عَلى هَذِهِ الدَرَجَةِ بِالإيجازِ في العِبارَةِ، وجَمْعِ المَعانِي الكَثِيرَةِ في اللَفْظِ اليَسِيرِ، وهَذا هو الَّذِي تَخَصَّصَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِهِ في قَوْلِهِ: « "وَأُعْطِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ"،» فَإنَّها في الخِلالِ الَّتِي لَمْ يُؤْتَها أحَدٌ قَبْلَهُ، وذِكْرُ "جَوامِعِ الكَلِمِ" مَعْدُودٌ ومُسَلَّمٌ لَهُ .
<div class="verse-tafsir"
حكاية حالة استخفافهم بالبعث والجزاء وتكذيبهم ذلك، وتكذيبهم بوعيد القرآن إياهم فلمّا هدّدهم القرآن بعذاب الله قالوا: ربّنا عجل لنا نصيبنا من العذاب في الدنيا قبل يوم الحساب إظهاراً لعدم اكتراثهم بالوعيد وتكذيبه، لئلا يظن المسلمون أن استخفافهم بالوعيد لأنهم لا يؤمنون بالبعث فأبانوا لهم أنهم لا يصدّقون النبي صلى الله عليه وسلم في كل وعيد حتى الوعيد بعذاب الدنيا الذي يعتقدون أنه في تصرف الله.
فالقول هذا قالوه على وجه الاستهزاء وحكي عنهم هنا إظهاراً لرقاعتهم وتصلبهم في الكفر.
وهذا الأصل الثالث من أصول كفرهم المتقدم ذكرها وهو إنكار البعث والجزاء فهو عطف على ﴿ وقال الكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كذَّابٌ ﴾ [ص: 4] فذكر قولهم: ﴿ أجعل الآلِهَةَ إلها واحِداً ﴾ [ص: 5]، ثم ذكر قولهم: ﴿ أءُنزِلَ عليهِ الذِكرُ مِن بينِنَا ﴾ [ص: 8] وما عقبه من عواقب مثل ذلك القول، أفضى القول إلى أصلهم الثالث.
قيل: قائل ذلك النضر بن الحارث، وقيل: أبو جهل والقوم حاضرون راضون فأسند القول إلى الجميع.
والقط: هو القسط من الشيء، ويطلق على قِطعة من الوَرق أو الرقّ أو الثوب التي يكتب فيها العَطاء لأحد ولذلك يفسر بالصكّ، وقد قال المتلمس في صحيفة عمرو بن هند التي أعطاه إياها إلى عامله بالبحرين يوهمه أنه أمر بالعطاء وإنما هي أمر بقتله وعرف المتلمس ما تحتوي عليه فألقاها في النهر وقال في صحيفته المضروب بها المثل: وألقيتُها بالثني من جنب كافر *** كذلك يلقى كل قِطَ مضلِّل فالقط يطلق على ما يكتب فيه عطاء أو عقاب، والأكثر أنه ورقة العطاء، قال الأعشى: ولا الملك النعمان يوماً لقيتُه *** بأُمته يعطي القُطوط ويَأْفق ولهذا قال الحسن: إنما عَنوا عجّل لنا النعيم الذي وعدتَنا به على الإِيمان حتى نراه الآن فنُوقِن.
وعلى تسليم اختصاص القطّ بصكّ العطاء لا يكون ذلك مانعاً من قصدهم تعجيل العقاب بأن يكونوا سموا الحظ من العقاب قِطًّا على طريق التهكم، كما قال عمرو بن كلثوم إذ جعل القتال قِرى: قريناكم فعجلنا قِراكم *** قُبيل الصبح مِرْدَاة طحونا فيكونون قد أدمجوا تهكماً في تهكم إغراقاً في التهكم.
وتسميتهم ﴿ يَوممِ الحسابِ ﴾ أيضاً من التهكم لأنهم لا يؤمنون بالحساب.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ ﴾ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ القَوْمَ بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ، واخْتَلَفَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ في تَأْنِيثِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ يَجُوزُ فِيهِ التَّأْنِيثُ والتَّذْكِيرُ.
الثّانِي: أنَّهُ مُذَكَّرُ اللَّفْظِ لا يَجُوزُ تَأْنِيثُهُ إلّا أنْ يَقَعَ المَعْنى عَلى العَشِيرَةِ فَيُغَلَّبُ في اللَّفْظِ حُكْمُ المَعْنى المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ كَلا إنَّها تَذْكِرَةٌ ﴾ ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ ولَمْ يَقُلْ ذَكَرَها لِأنَّهُ لَمّا كانَ المُضْمَرُ فِيهِ مَذْكُورًا ذَكَّرَهُ وإنْ كانَ اللَّفْظُ مُقْتَضِيًا لِلتَّأْنِيثِ.
﴿ وَعادٌ ﴾ وهم قَوْمُ هُودٍ كانُوا بِالأحْقافِ مِن أرْضِ اليَمَنِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانُوا أصْحابَ أصْنامٍ يَعْبُدُونَها، وكانَتْ ثَلاثَةً يُقالُ لِأحَدِها هَدَرُ ولِلْآخَرِ صَمُورُ ولِلْآخَرِ الهَنا، فَأمَرَهم هُودٌ أنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ ولا يَجْعَلُوا مَعَهُ إلَهًا غَيْرَهُ ويَكُفُّوا عَنْ ظُلْمِ النّاسِ ولَمْ يَأْمُرْهم إلّا بِذَلِكَ.
﴿ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ ﴾ وفي تَسْمِيَتِهِ بِذِي الأوْتادِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ كَثِيرَ البُنْيانِ، والبُنْيانُ يُسَمّى أوْتادًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَتْ لَهُ مَلاعِبُ مِن أوْتادٍ يَلْعَبُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.
الثّالِثُ: لِأنَّهُ كانَ يُعَذِّبُ النّاسَ بِالأوْتادِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ يُرِيدُ ثابِتَ المُلْكِ شَدِيدَ القُوَّةِ كَثُبُوتِ ما يُشَجُّ بِالأوْتادِ كَما قالَ الأسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ: ولَقَدْ غَنَوْا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ ﴿ وَثَمُودُ ﴾ وهم عَرَبٌ وحَكى مُقاتِلٌ أنَّ عادًا وثَمُودَ أبْناءُ عَمٍّ، وكانَتْ مَنازِلُ ثَمُودَ بِالحِجْرِ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ مِنها وادِي القُرى، بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ صالِحًا، واخْتُلْفَ في إيمانِهِمْ بِهِ، فَذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهم آمَنُوا ثُمَّ ماتَ فَرَجَعُوا بَعْدَهُ عَنِ الإيمانِ فَأحْياهُ اللَّهُ تَعالى وبَعَثَهُ إلَيْهِمْ وأعْلَمَهم أنَّهُ صالِحٌ فَكَذَّبُوهُ وقالُوا قَدْ ماتَ صالِحٌ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ فَأتاهُمُ اللَّهُ النّاقَةَ، فَكَفَرُوا وعَقَرُوها، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ.
وَقالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَ صالِحًا شابًّا فَدَعاهم حَتّى صارَ شَيْخًا، فَعَقَرُوا النّاقَةَ ولَمْ يُؤْمِنُوا حَتّى هَلَكُوا.
﴿ وَقَوْمُ لُوطٍ ﴾ لَمْ يُؤْمِنُوا حَتّى أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
قالَ مُجاهِدٌ: وكانُوا أرْبَعَمِائَةَ ألْفِ بَيْتٍ في كُلِّ بَيْتٍ عَشَرَةٌ.
وَقالَ عَطاءٌ ما مِن أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا يَقُومُ مَعَهُ يَوْمَ القِيامَةِ قَوْمٌ مِن أُمَّتِهِ إلّا آلَ لُوطٍ فَإنَّهُ يَقُومُ القِيامَةَ وحْدَهُ.
﴿ وَأصْحابُ الأيْكَةِ ﴾ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا.
وَفي ﴿ الأيْكَةِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الغَيْضَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ المُلْتَفُّ مِنَ النَّبْعِ والسِّدْرِ قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ.
قالَ قَتادَةُ: بُعِثَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ مِنَ النّاسِ إلى أصْحابِ الأيْكَةِ وإلى مَدْيَنَ، وعُذِّبَتا بِعَذابَيْنِ.
﴿ أُولَئِكَ الأحْزابُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أحْزابٌ عَلى الأنْبِياءِ بِالعَداوَةِ.
الثّانِي: أحْزابُ الشَّياطِينِ بِالمُوالاةِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ هَذِهِ الأُمَّةِ.
﴿ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ﴾ يَعْنِي النَّفْخَةَ الأُولى.
﴿ ما لَها مِن فَواقٍ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الفاءِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، واخْتُلِفَ في الضَّمِّ والفَتْحِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِالفَتْحِ مِنَ الإفاضَةِ وبِالضَّمِّ فُواقُ النّاقَةِ وهو قَدْرُ ما بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ تَقْدِيرًا لِلْمُدَّةِ.
الثّانِي: مَعْناهُما واحِدٌ، وفي تَأْوِيلِهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ ما لَها مِن تَرْدادٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ما لَها مِن حَبْسٍ، قالَهُ حَمْزَةُ بْنُ إسْماعِيلَ.
الثّالِثُ: مِن رُجُوعٍ إلى الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
الرّابِعُ: مِن رَحْمَةٍ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الخامِسُ: ما لَها مِن راحَةٍ، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ.
السّادِسُ: ما لَها مِن تَأْخِيرٍ لِسُرْعَتِها قالَ الكَلْبِيُّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: إذا ماتَتْ عَنِ الدُّنْيا حَياتِي ∗∗∗ فَيا لَيْتَ القِيامَةُ عَنْ فَواقِ السّابِعُ: ما لَهم بَعْدَها مِن إقامَةٍ، وهو بِمَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ﴾ الآيَةَ.
فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْنى ذَلِكَ عَجِّلْ لَنا حَظَّنا مِنَ الجَنَّةِ الَّتِي وعَدْتَنا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: عَجِّلْ لَنا نَصِيبَنا مِنَ العَذابِ الَّذِي وعَدْتَنا اسْتِهْزاءً مِنهم بِذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: عَجِّلْ لَنا رِزْقَنا، قالَهُ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ.
الرّابِعُ: أرِنا مَنازِلَنا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: عَجِّلْ لَنا في الدُّنْيا كِتابَنا في الآخِرَةِ وهو قَوْلُهُ ﴿ فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ ﴿ وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ ﴾ اسْتِهْزِاَءً مِنهم بِذَلِكَ.
وَأصْلُ القِطِّ القَطْعُ، ومِنهُ قَطَّ القَلَمَ وقَوْلُهم ما رَأيْتُهُ قَطُّ أيْ قَطَعَ الدَّهْرُ بَيْنِي وبَيْنَهُ وأُطْلِقَ عَلى النَّصِيبِ والكِتابِ والرَّزْقِ لِقَطْعِهِ مِن غَيْرِهِ إلّا أنَّهُ في الكِتابِ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا وأقْوى حَقِيقَةً، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: قَوْمٌ لَهم ساحَةُ العِراقِ وما ∗∗∗ يُجْبى إلَيْهِ والقَطُّ والقَلَحُ وَفِيهِ لِمَن قالَ بِهَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلى كُلِّ كِتابٍ يُتَوَثَّقُ بِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالكِتابِ الَّذِي فِيهِ عَطِيَّةٌ وصِلَةٌ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ فقال الكافرون هذا ساحر كذاب، أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب ﴾ قال: عجب المشركون أن دعوا إلى الله وحده، وقالوا: إنه لا يسع حاجتنا جميعاً إله واحد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مجلز قال: قال رجل يوم بدر ما هم إلا النساء.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل هم الملأ وتلا ﴿ وانطلق الملأ منهم ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وانطلق الملأ منهم..
﴾ قال: نزلت حين انطلق أشراف قريش إلى أبي طالب يكلموه في النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وانطلق الملأ منهم ﴾ قال: أبو جهل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا ﴾ قال: هو عقبة بن أبي معيط.
وفي قوله: ﴿ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ﴾ قال: النصرانية قالوا: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرتنا به النصارى.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب ﴿ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ﴾ قال: ملة عيسى عليه السلام.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ﴾ قال: النصرانية.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ﴾ قال: النصرانية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ﴾ أي في ديننا هذا، ولا في زماننا هذا ﴿ إن هذا إلا اختلاق ﴾ قال: قالوا إن هذا إلا شيء يخلقه.
وفي قوله: ﴿ أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب ﴾ قال: لا والله ما عندهم منها شيء، ولكن الله يختص برحمته من يشاء ﴿ أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب ﴾ قال: في السماء.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فليرتقوا في الأسباب ﴾ قال: في السماء.
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: ﴿ الأسباب ﴾ أدق من الشعر، وأحدّ من الحديد، وهو بكل مكان، غير أنه لا يرى.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فليرتقوا في الأسباب ﴾ قال: طرق السماء أبوابها.
وفي قوله: ﴿ جند ما هنالك ﴾ قال: قريش ﴿ من الأحزاب ﴾ قال: القرون الماضية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ﴾ قال: وعده الله وهو بمكة أنه سيهزم له جند المشركين، فجاء تأويلها يوم بدر.
وفي قوله: ﴿ وفرعون ذو الأوتاد ﴾ قال: كانت له أوتاد، وارسان، وملاعب يلعب له عليها.
وفي قوله: ﴿ إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب ﴾ قال: هؤلاء كلهم قد كذبوا الرسل فحق عليهم عقاب ﴿ وما ينظر هؤلاء ﴾ يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ إلا صيحة واحدة ﴾ يعني الساعة ﴿ ما لها من فواق ﴾ يعني ما لها من رجوع، ولا مثوبة، ولا ارتداد ﴿ وقالوا ربنا عجل لنا قطنا ﴾ أي نصيبنا حظنا من العذاب ﴿ قبل يوم ﴾ القيامة قد كان قال ذلك أبو جهل: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً ﴿ فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليم ﴾ [ الأنفال: 32] .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما لها من فواق ﴾ قال: رجوع ﴿ وقالوا ربنا عجل لنا قطنا ﴾ قال: عذابنا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما لها من فواق ﴾ قال: من رجعة ﴿ وقالوا ربنا عجل لنا قطنا ﴾ قال: سألوا الله أن يعجل لهم.
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى ﴿ عجل لنا قطنا ﴾ قال: القط الجزاء.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت الأعشى وهو يقول: ولا الملك النعمان يوم لقيته ** بنعمة يعطيني القطوط ويطلق وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ عجل لنا قطنا ﴾ قال: عقوبتنا.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ عجل لنا قطنا ﴾ قال: كتابنا.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ عجل لنا قطنا ﴾ قال: حظنا.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقالوا ربنا عجل لنا قطنا ﴾ قال: هو النضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة أخو بني عبد الدار، وهو الذي قال: ﴿ سأل سائل بعذاب واقع ﴾ [ المعارج: 1] قال: سأل بعذاب هو واقع به، فكان الذي سأل أن قال: ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [ الأنفال: 32] قال عطاء رضي الله عنه: لقد نزلت فيه بضع عشرة آية من كتاب الله.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الزبير بن عدي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ عجل لنا قطنا ﴾ قال: نصيبنا من الجنة.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ القط في اللغة له معنيان: أحدها: الكتاب، والآخر: النصيب، وفي معناه هنا ثلاثة أقوال: أحدهما نصيبنا من الخير: أي دعو أن يعجله الله لهم في الدنيا والآخر: نصيبهم من العذاب، فهو كقولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء ﴾ [الأنفال: 32].
الثالث: صحائف أعمالنا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أو أنزل ﴾ بالواو مثل ﴿ أونبئكم ﴾ في آل عمران ﴿ عذابي ﴾ و ﴿ عقابي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والسرندي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل ﴿ أيكة ﴾ مذكور في "الشعراء" ﴿ من فواق ﴾ بضم الفاء: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالفتح ﴿ ولي نعجة ﴾ بفتح الياء: حفص والأعشى والبرجمي ﴿ فتناه ﴾ بتخفيف النون على أنه مثنى والضمير للخصمين: عباس ﴿ لتدبروا ﴾ بحذف إحدى التاءين على أنه خطاب: يزيد والأعشى والبرجمي.
الباقون: على الغيبة وإدغام تاء التفعل في الدال ﴿ إني أحببت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو من بعدي بالفتح ابو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ والرياح ﴾ مجموعة: يزيد.
الوقوف: ﴿ ذي الذكر ﴾ ط ﴿ وشقاق ﴾ ه ﴿ مناص ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ز لتصريح ذكر الكافرين مع إمكان الاكتفاء بالضمير وقد اتفقت الجملتان ﴿ كذاب ﴾ ج للاستفهام واتحاد العامل ﴿ واحداً ﴾ ج لمثل ما مر ﴿ عجاب ﴾ ه ﴿ آلهتكم ﴾ ج لما مر ﴿ يراد ﴾ ج ه لذلك ﴿ الآخرة ﴾ ج لذلك ﴿ اختلاق ﴾ ه ج لما قلنا ﴿ من بيننا ﴾ ط ﴿ من ذكري ﴾ ه لعطف الجملتين المختلفتين والابتداء بالتهديد ﴿ عذاب ﴾ ه لأن "أم" بمعنى ألف استفهام إنكار ﴿ الوهاب ﴾ ه ج "أم" تصلح ابتداء إنكار ﴿ الأسباب ﴾ ه ﴿ الأحزاب ﴾ ه ﴿ الأوتاد ﴾ ه لا ﴿ الأيكة ﴾ ط ﴿ الأحزاب ﴾ ه ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ فواق ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الأيد ﴾ ج للابتداء بإِن ولاحتمال التعليل ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ والإشراق ﴾ ه ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ الخطاب ﴾ ه ﴿ الخصم ﴾ م لأن "إذ" ليس بظرف للإتيان ولتناهي الاستفهام إلى الأمر أي اذكر إذ تسوّروا ﴿ المحراب ﴾ ه لا لأن "إذ" بدل من الأولى ﴿ لا تخف ﴾ ج لحق الحذف أي نحن خصمان مع اتحاد المقول ﴿ الصراط ﴾ ه ﴿ في الخطاب ﴾ ه ﴿ نعاجه ﴾ ج ﴿ ما هم ﴾ ط ﴿ وأناب ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ مآب ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ الأولى ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ باطلاً ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ج للابتداء بالتهديد مع فاء التعقيب ﴿ النار ﴾ ه ج لأن "أم" لاستفهام إنكار.
﴿ كالفجار ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ سليمان ﴾ ط ﴿ العبد ﴾ ط ﴿ أوّاب ﴾ ه لا والأصح الوقف والتقدير: اذكر إذ فإِن أوْبَهُ غير مقيد بل مطلق الجياد ه لا للعطف ﴿ ربي ﴾ ج لاحتمال أن "حتى" للابتداء وأن تكون لانتهاء الحب أي آثرت حب الخير حتى توارت ﴿ بالحجاب ﴾ 5 لحق الحذف تقديره: قال ردّوها عليّ فطفق.
﴿ والأعناق ﴾ ه ﴿ أناب ﴾ ه ﴿ بعدي ﴾ لا لاحتمال أن يكون التقدير فإنك ﴿ الوهاب ﴾ ه ﴿ اصاب ﴾ ه ﴿ وغوّاص ﴾ ه ﴿ الأصفاد ﴾ ه ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ مآب ﴾ ه.
التفسير:عن ابن عباس أن ﴿ ص ﴾ بحر عليه عرش الرحمن.
وعن سعيد بن جبير: بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين.
وقيل: صدق محمد في كل ما أخبر به عن الله.
وقيل: صدّ الكفار عن قبول هذا الدين.
وقيل: صدّ محمد قلوب العباد.
وقيل: هو من المصاداة المعارضة ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت في الجبال يؤيده قراءة من قرأ ﴿ ص ﴾ بالكسر، معناه عارض القرآن بعملك فاعمل بأوارمه وانته عن نواهيه.
والذكر الشرف والشهرة أو الموعظة، وجواب القسم محذوف كأنه قيل: إنه المعجز وإن إلهكم لواحد.
ويجوز إن كان ﴿ ص ﴾ اسم السورة أن يراد هذه ص، والقرآن يعني هذه السورة هي التي أعجزت العرب بحق القرآن كما تخبر عن هذا حاتم والله، تريد هذا هو المشهور بالسخاء والله.
ثم بين أن الكفار في استكبار عن الإذعان للحق وفي مخالفة الله ورسوله.
ومعنى "بل" ترك كلام والأخذ في كلام آخر.
ولئن سلم أنه للمغايرة الكلية فالكلام الأول هو كون محمد صادقاً في تبليغ الرسالة، أو كون القرآن، أو هذه السورة معجزاً، والحكم المذكور بد "بل" هو المعازة والمشاقة في كونه كذلك فحصل المطلوب.
ثم خوف الكفار بقوله ﴿ كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات ﴾ أي رفعوا اصواتهم بالدعاء والاستغاثة لأن نداء من نزل به العذاب لا يكون إلا كذلك.
وعن الحسن: فنادوا بالتوبة كقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ﴾ ولهذا قال ﴿ ولات حين مناص ﴾ أي لم يكن ذلك الوقت وقت فرار من العذاب أو حين نداء ينجي.
قال سيبويه والخليل: التاء في "لات" زائدة مثلها في "ربت" و"ثمت" وهي المشبهة بليس، وقد تغير حكمها بزيادة التاء حيث لا تدخل إلا على الأحيان ولم يبرز إلا اسمها أو خبرها وتقدير الآية: ليس الحين حين مناص.
ولو رفع لكان تقديره وليس حين مناص حاصلاً لهم.
وقال الأخفش: إنها "لا" النافية للجنس زيدت عليها التاء وخصت بنفي الأحيان كأنه قيل: اصل "لات" ليس قلبت الياء ألفاً والسين تاء.
وقيل: التاء قد تلحق بحين كقوله: العاطفون تحين ما من عاطف *** والمطعمون زمان ما من مطعم وإلى هذا ذهب أبو عبيدة.
وتأكد هذا الرأي عنده حين رأى التاء في المصحف متصلاً بحين.
وضعف بعد تسليم أنه في الإمام كذلك بأن خط المصحف غير مقيس عليه.
أما الوقف على ﴿ لات ﴾ فعند الكوفيين بالهاء قياساً على الأسماء، وعند البصريين بالتاء قياساً على الأفعال.
والمناص مصدر ناص ينوص إذا هرب ونجا أو فات.
قال ابن عباس: لما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص أي اهربوا وخذوا حذركم فأنزل الله ﴿ ولات حين مناص ﴾ .
ثم حكى شر صنيعهم وسوء مقالتهم في حق النبي قائلاً ﴿ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ﴾ أي من جنس البشر.
ثم سجل عليهم بالكفر بوضع الظاهر موضع المضمر قائلاً ﴿ وقال الكافرون هذا ساحر ﴾ في إظهار خوارق العادات ﴿ كذاب ﴾ على الله.
وإنما قيل في سورة ق ﴿ فقال الكافرون ﴾ بالفاء لأن القول هناك شيء عجيب وهو نتيجة العجب فاتصل الكلامان لفظاً ومعنى: وأما ههنا فلم يتصل إلا معنى ﴿ أجعل الآلهة ﴾ أي صيرها وحكم عليها بالوحدة ﴿ إن هذا لشيء عجاب ﴾ بليغ في العجب.
يروى أنه لما أسلم عمر بن الخطاب شق ذلك على قريش وفرح المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الأشراف والرؤساء: امشوا إلى أبي طالب فأتوه وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك.
فدعا أبو طالب النبي وقال له: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألون السواء فلا تمل كل الميل على قومك.
فقال: ماذا يسألونني؟
فقالوا: ارفضنا وارفض آلهتنا وندعك وإلهك.
فقال : أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم فقال له أبو جهل: والله لنعطينكها وعشر أمثالها.
فقال : قولوا لا إله إلا الله.
فنفروا من ذلك وقالوا: ﴿ أجعل الآلهة إلهاً واحداً ﴾ كيف يسع الخلق كلهم إله واحد فأنزل الله هذه الآيات.
يعني من أول السورة إلى قوله ﴿ كذبت قبلهم ﴾ ﴿ وانطلق الملأ منهم ﴾ أي نهضوا من ذلك المجلس و ﴿ أن ﴾ مفسرة أي ﴿ امشوا ﴾ من غير أن يتلفظوا به ﴿ واصبروا على ﴾ عبادة ﴿ آلهتكم ﴾ .
قال النحويون: الانطلاق ههنا مضمن معنى القول لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم.
وقيل: وانطلق الملأ منهم وقالوا لغيرهم امشوا.
وقيل: انطلقوا بأن امشوا أي بهذا القول.
وليس المراد بالمشي السير إنما المراد المضيّ على الأمر.
وقيل: امشوا واتركوا محمداً .
وقيل: هي من مشت الماشية إذا كثر نسلها مشاء ومنه الماشية للتفاؤل.
وفي تهذيب اللغة عن الأزهري: مشى الرجل إذا استغنى فيكون هذا دعاء لهم بالبركة ﴿ إن هذا ﴾ الأمر وهو استعلاء محمد ﴿ لشيء يراد ﴾ أي حكم الله به فلا حيلة في دفعه ولا ينفع إلا الصبر أو إنه لشيء من نوائب الدهر اريد بنا فلا انفكاك لنا منه، أو إن دينكم لشيء يراد أن يؤخذ منكم.
وقيل: إن عبادة الأصنام لشيء نريده ونحتاج إليه.
وقيل: إن هذا الاستعلاء والترفع لشيء يريده كل أحد وكل ذي همة وقريب منه قول القفال: إن هذه كلمة تذكر للتحذير والتخويف معناها إنه ليس غرض محمد من هذا القول تقرير الدين ولكن غرضه أن يستولي علينا ويحكم في أموالنا وأولادنا بما يريد.
﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ أي بقول محمد ﴿ في الملة الآخرة ﴾ فيما أدركنا عليه آباءنا أو في ملة عيسى التي هي آخر الملل، لأن النصارى مثلثة غير موحدة.
قال جار الله: يجوز أن يكون التقدير ما سمعنا بهذا كائناً في الملة الآخرة فيكون الظرف حالاً من هذا لا متعلقاً بـ ﴿ سمعنا ﴾ والمعنى أنا لم نسمع من أهل الكتاب ولا الكهان أنه يحدث في الملة الآخرة توحيد الله.
﴿ إن هذا إلا اختلاق ﴾ كذب اختلقه من عنده.
ثم أظهروا الحسد وما كان يغلي به صدورهم قائلين ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴾ وذلك أنهم ظنوا أن الشرف بالمال والجاه فقط نظيره في القمر ﴿ أألقي الذكر عليه من بيننا ﴾ إلا أنه استعمل هناك الإلقاء لأن أذكارهم كانت صحفاً مكتوبة وألواحاً مسطورة.
وقدم الظرف ههنا لشدّة العناية ولزيادة غيظهم وحمقهم فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ بل هم في شك من ذكري ﴾ اي من دلائلي التي لو نظروا فيها لزال الشك عنهم، فالقاطع لا يساوي المشكوك.
وقيل: أراد أنهم لا يكذبونك ولكنهم جحدوا آياتي.
ثم قال ﴿ بل لما يذوقوا عذاب ﴾ أي لو ذاقوا لأقبلوا على أداء المأمورات والانتهاء عن المنهيات.
وقيل: أراد أن النبي كان يخوّفهم بالعذاب لو أصروا على الكفر.
ثم إنهم أصروا ولم ينزل عليهم العذاب فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه فلا جرم لا يزول ذلك الشك إلا بنزول العذاب.
ثم أجاب عن شبهتهم بوجه آخر وهو قوله ﴿ أم عندهم خزائن رحمة ربك ﴾ والمراد أن النبوة من جملة النعمة المخزونة عنده يعطيها من يشاء من عباده.
ثم خصص بعد التعميم قائلاً ﴿ أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما ﴾ ولا ريب أن هذه الأشياء بعض خزائن الله وإذا كانوا عاجزين عن البعض فعن الكل أولى.
ثم تهكم بهم بقوله ﴿ فليرتقوا ﴾ اي فإن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق وقسمة الرحمة فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوسل بها إلى المقصود.
وقيل: أسباب السموات أبوابها والمعنى إن ادّعوا ملك السموات وأنهم يعلمون ما يجري فيها فليرتقوا إليها.
قال بعض حكماء الإسلام: في الأسباب إشارة إلى أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب حوادث العالم السفلي.
ثم حقر أمرهم بقوله ﴿ جند مّا ﴾ وهو خبر مبتدأ محذوف و"ما" مزيدة للاستعظام جارية مجرى الصفة أي هم جند من الجنود.
ثم خصص الوصف بقوله ﴿ من الأحزاب ﴾ أي ما هم إلا جند من الكفار المتحزبين على رسل الله مهزوم مكسور عما قريب فلا تبال بهم.
قال قتادة ﴿ هنالك ﴾ إشارة إلى يوم بدر.
وقيل: يوم الخندق.
وقيل: فتح مكة فإن مكة هي الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات.
وقال أهل البيان: هي إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم كقولك لمن ينتدب لأمر "ليس من أهله" "لست هنالك".
ثم مثل حالهم بحال من قبلهم من الأمم المكذبة وقصصهم مذكورة مراراً.
والذي يختص بالمقام هو أنه وصف فرعون بذي الأوتاد فعن قتادة أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب بها عنده.
وقال المبرد: بنى أبنية طويلة صارت كالأوتاد لبقائها.
وقيل: هي أوتاد أربعة كان يعذب الناس بها على الأرض أو على رؤوس أخشاب أربعة.
وقيل: اراد كثرة أوتاد خيام معسكره.
وقيل: أراد ذو جموع كثيرة فبالجمعية يشتد الملك كما يشتد البناء بالأوتاد وهذا قريب.
وقول أهل البيان إن أصل هذه الكلمة من ثبات البيت المطنب بأوتاد، ثم استعير لثبات العز والملك والمقصود على الوجود كلها.
وصف فرعون بالشدة والقوة ونفاذ الأمر ليعلم أنه تتعالى أهلك من كان هذه صفته فكيف بمن هو دونه.
قال أبو البقاء: قوله ﴿ أولئك الأحزاب ﴾ مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون خبراً والمبتدأ من قوله وعاد أو من ثمود أو من قوم لوط، قلت: ويحتمل أن يكون ﴿ الأحزاب ﴾ صفة ﴿ أولئك ﴾ و ﴿ أولئك ﴾ بدلاً من مجموع المعطوفات والمعطوف عليه.
قال جار الله: قصد بهذه الإشارة الإعلام بأن هذه الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم وآباؤهم الذين وجد منهم التكذيب.
لقد ذكر تكذيبهم أوّلاً في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء بالجملة الاستثنائية أعني قوله ﴿ إن كل إلا كذب الرسل ﴾ فبين أن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل لأنهم إذا كذبوا واحداً منهم فقد كذبوا جميعهم ﴿ فحق ﴾ أي ثبت أو وجب لذلك عقابى إياهم في الدنيا ثم في الآخرة وذلك قوله ﴿ وما ينظر هؤلاء ﴾ المذكورون.
وقيل: أهل مكة: ﴿ إلا صيحة واحدة ﴾ وهي النفخة الأولى ﴿ ما لها من ﴾ توقف مقدار ﴿ فواق ﴾ وهو بالفتح والضم زمان ما بين حلبتي الحالب.
عن النبي "العيادة قدر فواق الناقة" ومعنى الآية إذا جاء وقتها لم يمهل هذا القدر.
وقيل: الفواق بالفتح الإفاقة أي ما لها من رجوع وترداد لأن الواحدة تكفي أمرهم وما لها رجوع إلى الحالة الأولى بل تبقى ممتدة إلى أن يهلك كلهم واعلم أن القوم إنما تعجبوا لشبهات ثلاث وقعت لهم: أولاها في الإلهيات وهو قولهم ﴿ أجعل الآلهة إلهاً واحداً ﴾ والثانية في النبوات وهي قولهم ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴾ والثالثة تتعلق بالمعاد وهي قولهم ﴿ ربنا عجل لنا قطناً ﴾ وهو القطعة من الشيء لأنه قطع منه من قطة إذا قطعه.
والقط أيضاً صحيفة الجائزة ونحوها لأنها قطعة من القرطاس استعجلوا نصيبهم من العذاب الموعود، أو من اللذات العاجلة، أو من صحيفة الأعمال، كل ذلك استهزاء منهم فلذلك أمره بالصبر على ما يقولون.
قال جار الله: أراد اصبر على أذاهم وصن نفسك أن تزل فيما كلفت من مخابراتهم.
﴿ واذكر ﴾ أخاك ﴿ داود ﴾ كيف زل تلك الزلة اليسيرة فعوتب عليها ونسب إلى البغي، أو اصبر وعظم أثر أمر معصية الله في أعينهمم بذكر قصة داود وما أورثته زلته من البكاء الدائم والحزن الواصب.
وقال غيره: اصبر على اذى قومك فإنك مبتلى بذلك كما صبر سائر الأنبياء على ما ابتلاهم به.
ثم عدّهم وبدأ بداود وذلك أنه تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحق ويعقوب فأوحى الله إليه أنهم وجدوها بالصبر على البلايا فسأل الابتلاء.
ثم إن الدنيا لا تنفك من الهموم والأحزان واستحقاق الدرجات بقدر الصبر على البليات.
ثم إن مجامع ما ذكر الله في قصة داود ثلاثة أنواع من الكلام: الأول: تفصيل ما آتاه الله من الفضائل.
الثاني: شرح الواقعة التي وقعت له.
والثالث: استخلاف الله إياه بعد ذلك.
والأول عشرة أصناف: أحدها ذكر نبينا إياه ليقتدي به في الصبر وسائر اصول الأخلاق.
وثانيها تسميته بالعبد مضافاً إلى صيغة جمع التكلم للتعظيم والعبودية الصحيحة الجامعة لكمالات الممكنات كما سبق مراراً.
ويمكن أن يكون التلفظ بذكر اسمه العلم أيضاً تشريفاً له.
وثالثها قوله ﴿ ذا الأيد ﴾ ذا القوة في الحروب وعلى الطاعات وعن المعاصي وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً وهو أشد الصوم ويقوم نصف الليل.
ويحتمل أن يكون الياء محذوفاً اكتفاء بالكسر فيكون جميع اليد بمعنى النعمة لأن الله أنعم عليه ما لم ينعم على غيره.
رابعها قوله ﴿ إنه أوّاب ﴾ أي رجاع ي الأمور كلها إلى طاعة الله ومرضاته من آب يؤب.
خامسها تسبيح الجبال معه وقوله ﴿ يسبحن ﴾ حال والإشراق وقت إضاءة الشمس وهو بعد شروقها عند الضحى.
يقال شرقت الشمس ولما تشرق.
واستدل به ابن عباس على وجود صلاة الضحى في القرآن لما روى عن أم هانئ: دخل علينا رسول الله فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى وقال: يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق.
قال ابن عباس: وكانت صلاة يصليها داود ويحتمل أن يكون معنى الإشراق الدخول في وقت الشروق فيراد وقت صلاة الفجر لانتهائه بالشروق قاله جار الله.
سادسها قوله ﴿ والطير محشورة ﴾ أي وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية.
قال ابن عباس: كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح واجتمعت إليه الطير فسبحت فذلك حشرها وقد مر ذكر هذه المعجزة في "الأنبياء" وفي "سبأ".
قال أهل البيان: قوله ﴿ محشورة ﴾ في مقابلة قوله ﴿ يسبحن ﴾ ولكنه اختير الفعل في أحد الموضعين والاسم في الآخر لأنه أريد في الأول الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئاً بعد شيء وحالاً بعد حال حتى كأن السامع يتصوّرها بتلك الحالة، وأما الحاشر فهو الله وحشر الطيور جملة واحدة أدل على القدرة له .
سابعها قوله ﴿ كلّ له أوّاب ﴾ أي كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود مسبح مرجع للتسبيح.
وقيل: الضمير لله أي كل من داود والجبال والطير لله مسبح رجاع إلى فعله مرة بعد مرة، وهذا الوصف كالتأكيد للوصف الذي يتقدّمه وهذا أخص لأنه أدل على الواقعة.
ثامنها قوله ﴿ وشددنا ملكه ﴾ أي قوّيناه بالجنود والأعوان وبسائر الأسباب فكان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف حرس، وزاد بعضهم فقال أربعون الفاً.
وقيل: نصرناه بالهيبة، وسببه أن غلاماً ادّعى على رجل بقرة فأنكر المدّعى عليه ولطم الغلام لطمة فسأل داود من الغلام البينة فعجز فرأى داود في المنام أن الله يأمره أن يقتل المدعى عليه ويسلم البقرة إلى الغلام.
فقال داود: هذا منام فـأتاه الوحي بذلك في اليقظة فأخبر بذلك بني إسرائيل فجزعوا وقالوا: أتقتل رجلاً بلطمة؟
فقال داود: هذا أمر الله فسكتوا.
ثم أحضر الرجل وأخبره إن الله أمره بقتله فقال الرجل: صدقت يا نبيّ الله إني قتلت أباه غيلة وأخذت البقرة، فقتله داود وعظمت هيبته واشتدّ ملكه وقالوا: إنه يقضي بالوحي من السماء.
تاسعها قوله ﴿ وآتيناه الحكمة ﴾ وقد مر معناها مراراً وأنها منحصرة في قسمين: الأول العلم بالتصوّرات الحقيقية والتصديقات اليقينية بمقتضى الطاقة البشرية، والثاني العمل بالأخلاق الفاضلة المفضية إلى السعادة الباقية.
وخصصها بعضهم بالعلم بالنبوّة والفهم أو بالزبور والشرائع.
عاشرها فصل الخطاب وهو القدرة على ضبط المعاني والتعبير عنها بأقصى الغايات حتى يكون كاملاً مكملاً فهماً مفهماً.
قال جار الله: الفصل بمعنى المفصول ومعناه البين من الكلام الملخص الذي لا يلتبس ولا يختلك بغيره.
قلت: ومن ذلك أن لا يخطئ صاحبه مظان الفصل والوصل كما تذكره في الوقوف.
وعن عليّ أنه قال: البينة على المدّعي واليمين على من أنكر.
فالفصل بمعنى الفاصل كالصوم والصحب ويندرج فيه جميع كلامه في الأقضية والحكومات وتدابير الملك والمشورات.
يروى أنه علق لأجله سلسلة من السماء وأمره أن يقضي بها بين الناس، فمن كان على الحق يأخذ السلسلة، ومن كان على الباطل لا يقدر على أخذها.
ثم إن رجلاً غصب من آخر لؤلؤه وجعلها في جوف عصاً له ثم خاصمه المدّعي إلى داود فقال المدعي: إن هذا أخذ مني لؤلؤة ولم يردّها عليّ وإني صادق في مقالتي، فجاء وأخذ السلسلة فتحير داود في ذلك فرفعت السلسلة وأمره أن يقضي بالبينة واليمين وهو فصل الخطب.
وقيل: هو قوله "أما بعد" وهو أوّل من تكلم به.
وقيل: هو أنه إذا تكلم في الحكم فصل وكل هذه الأقوال تخصيصات من غير دليل والأقوى ما قدمناه.
ثم إنه لما مدحه بالوجوه العشرة أردفه بذكر واقعته قائلاً ﴿ وهل أتاك ﴾ يا محمد ﴿ نبأ الخصم ﴾ أي ما أتاك خبرهم وقد أتاك الآن.
وفائدة هذا الاستفهام التنبيه على جلالة القصة المستفهم عنها ليكون أدعى إلى الإصغاء لها.
وللناس في هذه الواقعة ثلاثة آقوال أقواها تقريرها على وجه لا يدل على صدور ذنب عن نبيّ الله، وثانيها التقرير على وجه يدل على صدور الصغيرة عن نبيّ الله، وثالثها التقرير على وجه يدل على صدور الكبيرة عنه، وأضعفها التقرير على وجه يدل على الكبيرة.
ويختلف تفسير بعض الألفاظ بحسب اختلاف بعض المذاهب فلنفسر كلاً منها على حدة.
وأما المشترك بين الأقوال فلا نفسره إلا مرة.
القول الأوّل: يروى أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبيّ الله داود - وكان له يوم يخلو بنفسه ويشتغل بطاعة ربه - فانتهضوا الفرصة في ذلك وتسوّروا المحراب أي تصعدوا غرفته من سوره.
وفي قوله ﴿ إذ دخلوا عليه ﴾ إشارة إلى أنهم بعد التسوّر نزلوا عليه.
قال الفراء: قد يجاء بإذ مرتين ويكون معناهما كالواحد كقولك "ضربتك إذ دخلت عليّ إذ اجترأت عليّ" مع أنه يكون وقت الدخول ووقت الاجتراء واحداً.
وحين رآهما قد دخلا عليه لا من الطريق المعتاد علم أنهم إنما دخلوا عليه للشر.
﴿ ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان ﴾ أي نحن خصمان والخصم في الأصل مصدر فلهذا لم يجمعه أوّلاً نظراً إلى أصله، وثناه ثانياً بتأويل شخصان أو فريقان خصمان، وجمع المائر في قوله ﴿ إذ تسوّروا ﴾ ﴿ إذ دخلوا ﴾ ﴿ ففزع منهم ﴾ ﴿ قالوا لا تخف ﴾ بناء على أن أقل الجمع اثنان، أو على أن صحب كل منهما من جملتهما.
والأوّل أظهر لأن القائلين كانا اثنين بالاتفاق ﴿ بغى بعضنا على بعض ﴾ أي بغى أحدنا على الآخر وتعدّى حدّ العدالة.
ثم قرروا مقصودهم بثلاث عبارات متلازمة إحداها ﴿ فاحكم بيننا بالحق ﴾ أي بالعدل الذي هو حكم الله فينا.
والثانية ﴿ ولا تشطط ﴾ وهو نهي عن الباطل بإلزام الحق والشط البعد.
شط وأشط لغتان، أرادوا لا تجر فالجور البعد عن الحق.
والثالثة ﴿ واهدنا إلى سواء الصراط ﴾ أي وسطه وهو مثل لمحض الحق وصدقه.
وحين اخبروا عن وقوع الخصومة مجملاً شرعوا في التفصيل فقال أحدهما مشيراً إلى الآخر ﴿ إن هذا ﴾ وقوله ﴿ أخي ﴾ أي في الدين أو الخلطة أو النسب خبر أو بدل والخبر ﴿ له تسع وتسعون نعجة ﴾ وهي أنثى من الضأن ﴿ ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها ﴾ أي ملكنيها فأكفلها كما أكفل ما تحت يدي ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ أي غلبني في المخاطبة فكان تكلمه أبين وبطشه اشدّ ﴿ قال ﴾ داود ﴿ لقد ظلمك بسؤال نعجتك ﴾ أضاف المصدر إلى المفعول الثاني وحذف الفاعل والمفعول الأوّل أي بسؤاله إياك نعجتك.
وليس السؤال ههنا سؤال خضوع وتفضل وإنما هو سؤال مطالبة ومعازة.
و ﴿ إلى ﴾ متعلقة بفعل دل عليه السؤال تقديره بسؤال أي ليضمها إلى نعاجه، أو ضمن السؤال معنى الإضافة كأنه قيل: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب ﴿ وإن كثيراً من الخلطاء ﴾ الشركاء الذين خلطوا أموالهم واطلع بسبب ذلك بعضهم على أحوال البعض ﴿ ليبغي بعضهم على بعض ﴾ وقد تغلب الخلطة في الماشية.
والشافعي يعتبرها في باب الزكاة إذا ااتحد الفحل والراعي والمراح والمسقى وموضع الحلب، فإن كانت للخليطين أرعبون شاة فعليهما شاة.
وعند أبي حنيفة لا شي عليهما وإن كانت لأحدهما واحدة وللآخر تسع وتسعون فعلى الأوّل أداء جزء من مائة جزء من شاة واحدة وعلى الآخر الباقي.
هذا عند الشافعي، وعند أبي حنيفة لا شيء على ذي النعجة.
ثم بين أن أكثر الخلطاء موسوم بسمة الظلم إلا المؤمنين وإنهم لقليل.
"وما" في قوله ﴿ وقليل ما هم ﴾ مزيدة للإبهام، وفيه تعجيب من قلتهم.
وقال ابن عيسى: هي موصولة أي وقليل الذين هم كذلك.
قصد نبيّ الله بذكر حال الخطاء في هذا المقام الموعظة الحسنة والترغيب في اختيار عادة الخلطاء الصلحاء لا التي عليها أكثرهم من الظلم والاعتداء، وفيه تسلية للمظلوم عما جرى عليه من خليطه وإن له في أكثر الخلطاء اسوة ﴿ وظن داود إنما فتناه ﴾ اي ابتليناه وذلك أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطاناً شديد القوّة وقد فزع منهم.
ثم إنه مع ذلك عفا عنهم دخل قلبه شيء من العجب فحمله على الابتلاء ﴿ فاستغفر ربه ﴾ من تلك الحالة ﴿ وأناب ﴾ إلى الله واعترف بأن إقدامه على تلك الخلة لم يكن إلا بتوفيق الله.
﴿ فغفرنا له ذلك ﴾ الخاطر أو لعله هم بإيذاء القوم.
ثم تذكر أنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم، ثم استغفر من تلك الهمة.
أو لعل القوم تابوا إلى الله وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم فاستغفر لأجلهم متضرعاً إلى الله فغفر ذنبهم بسبب شفاعته ودعائه.
﴿ و ﴾ معنى ﴿ خرّ راكعاً ﴾ سقط ساجداً.
قال الحسن: لأنه لا يكون ساجداً حتى يركع، أو المراد أن خرّ للسجود مصلياً لأن الركوع قد يعبر به عن الصلاة.
ومذهب الشافعي أن هذا الموضع ليس فيه سجدة التلاوة لأنه توبة نبيّ فلا توجب على غيره سجدة التلاوة ولا تستحب أيضاً.
ومذهب أبي حنيفة بخلافه.
وجوز مع ذلك أن يكون الركوع بدل السجود هذا تمام تقرير القول الأوّل.
ولا يرد عليه إلا أن داود كان أرفع منزلة من أن يتسور عليه بعض آحاد الرعية في حال تعبده أو يتجاسر عليه بقوله ﴿ لا تخف ﴾ ﴿ ولا تشطط ﴾ وأنه كيف سارع إلى تصديق أحد الخصمين على ظلم الآخر قبل استماع كلامه والأول استبعاد محض؟
وأجيب عن الثاني بأنه ما قال ذلك إلا بعد اعتراف صاحبه لكنه لم يذكر في القرآن، ومما يؤيد هذا القول ختم ذكر الواقعة بقوله: ﴿ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ﴾ والزلفى القربة، والمآب الحسن الجنة.
قال مالك بن دينار: إذا كان يوم القيامة يؤتى بمنبر رفيع ويوضع في الجنة يقال: يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا - وحاصل التفسير على هذا القول إن الخصمين كانا من الإنس وكانت الخصومة بينهما على الحقيقة، وكانا خليطين في الغنم، أو كان الخلطة خلطة الصدقة، أو الجوار وكان أحدهما موسراً وله نسوان كثيرة من الحرائر والسرائر.
والعرب تشبه المرأة بالنعجة والظبية، والثاني معسراً ما له إلا امرأة واحدة واستنزله عنها، وكانت الأنصار يواسون المهاجرين بمثل ذلك كما كانوا يقاسمونهم أموالهم ومنازلهم وما كان ذنب داود إلا خطرة أو همة.
القول الثاني: إن أهل زمان داود كان يسأل بعضهم بعضاً أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته فاتفق أن نظر داود وقع على امرأة رجل يقال له أوريا فأحبها فسأله النزول عنها فاستحيا ففعل فتزوجها وهي أم سليمان.
فقيل له: إن مع عظم منزلتك وارتفاع مرتبتك وكثرة نسائك لم يكن لك أن تسأل رجلاً ليس له امرأة واحدة النزول لك، كان الواجب عليك مغالبة هواك والصبر على ما امتحنت به.
وقيل: خطبها أوريا ثم خطبها داود فآثره أهلها وكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه، وعلى هذا يجوز أن يكون الخطاب في قوله ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ من الخطبة أي غالبني في خطبتها حيث زوّجها دوني.
وعلى هذا القول يجوز أن يكون الخصمان من الإنس كما مر.
وحين وافق حالهما حال داود تنبه فاستغفر.
وأن يكونا ملكين بعثهما الله ليتنبه على خطئه فيتداركه بالاستغفار ويرد على هذا أن الملكين لو قالا نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فكذب والملائكة لا يكذبون ولا يأمرهم الله بالكذب.
والجواب أن التقدير ما تقول خصمان قالا بغى بعضنا على بعض.
أو أرادوا: ارأيت لو كنا خصمين بغى بعضنا على بعض ألست تحكم بيننا، ثم صوروا المسألة ومثلوا قصته بقصة رجل له نعجة واحدة ولخليطه تسع وتسعون فأراد صاحبه تتمة المائة وحاجه في ذلك محاجة حريص على بلوغ مراده.
وعن الحسن: لم يكن لداود تسع وتسعون امرأة وإنما هذا مثل.
القول الثالث: وهو المشهور عند الجمهور أن داود جزأ زمانه أربعة أجزاء: يوماً للعبادة، ويوماً للاشتغال بخواص أموره، ويوماً يجمع بني إسرائيل للوعظ والتذكير فجاءه الشيطان يوم العبادة والباب مغلق في صورة حمامة من ذهب فمد يده ليأخذها لابن صغير له فطارت إلى قريب منه، وهكذا مرة ثانية وثالثة إلى أن وقعت في كوة فتبعها فوقع بصره على امرأة جميلة تغتسل فنقضت شعرها فغطى جسدها فوقع في نفسه منها ما شغله عن الصلاة، فنزل من محرابه ولبست المرأة ثيابها وخرجت إلى بيتها، فخرج داود حتى عرف بيتها وسألها من أنت؟
فأخبرته فقال لها: هل لك زوج؟
فقالت: نعم.
قال: أين هو؟
قالت: في جند كذا فرجع وكتب إلى أمير جيشه إذا جاءك كتابي هذا فقدم فلاناً في أول التابوت وكان من يتقدم على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يفتح الله على يده أو يستشهد ففتح الله على يده وسلم.
فأمر برده مرة ثانية وثالثة حتى قتل، فأتاه خبر قتله فلم يحزن كما كان يحزن على الشهداء، وتزوّج امرأته فبعث الله إليه ملكين في صورة إنسانين فطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته ومنعهما الحرس فتسوّرا عليه المحراب فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان ففزع منهما، وحين وجد قصتهما مطابقة لحاله علم أنه مبتلى من الله.
يروى أنهما قالا حينئذ حكم على نفسه.
وقيل: ضحكا وغابا فعلم أن الله ابتلاه بذنبه.
ولا يخفى أن ذنبه بهذا التفسير والتقرير كبيرة لأنه يدل على الإفراط في العشق وعلى السعي في قتل النفس المسلمة بغير حق.
فيروى أنه سجد أربعين ليلة لم يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة ولم يذق طعاماً ولا شراباً حتى أوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإني قد غفرت لك.
ويروى أن جبرائيل قال له اذهب إلى أوريا وهو زوج المرأة واستحل منه فإنك تسمع صوته موضع كذا، فأتاه، واستحل منه فقال: أنت في حل.
قال: فلما رجع قال له جبرائيل: هل أخبرته بجرمك؟
فقال: لا قال: فإنك لم تعمل شيئاً فارجع وأخبره بالذي صنعت.
فرجع داود فأخبره بذلك فقال: أنا خصمك يوم القيامة فرجع مغتماً وبكى أربعين يوماً.
فأتاه جبريل وقال: إن الله يقول: أنا أستوهبك من عبدي فيهبك لي وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء فسرى عنه وكان حزيناً في عمره باكياً على خطيئته.
وروي أنه نقش خطيئته على كفه حتى لا ينساها.
والمحققون كعلي وابن عباس وابن مسعود وغيرهم ينكرون القصة على هذا الوجه.
روى سعيد بن المسيب والحرث بن الأعور أن علي بن أبي طالب قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وهو حد الفرية على الأنبياء.
قلت: لا يخفى أن الأحوط السكوت عما لا يرجع إلى طائل، بل يحتمل أن يعود إلى قائله لوم عاجل وعقاب آجل.
ومن الدلائل القوية التي اعتمد عليها فخر الدين الرازي في ضعف هذه الرواية قوله عقيب ذكر الواقعة ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ﴾ فمن البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دم أخيه المسلم بغير حق وبانتزاع زوجته منه ثم يقال: إنا فوضنا الخلافة إليه.
وعندي أن ذلك عليه لا له لقوله ﴿ فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ﴾ الخ فكأنه قيل له: إنا جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله وفي سياسة المدن، أو تخلفنا كما يقال "السلطان ظل الله في الأرض" فاللائق بهذا المنصب السعي لإصلاح حال المسلمين وحفظ فروجهم ودمائهم وأموالهم لا السعي في تحصيل هوى النفس بأي وجه يمكن، فإن صاحبه المصر عليه ضال معرض عن إعداد الزاد ليوم المعاد.
يحكى عن بعض خلفاء بني مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز أو الزهري: هل سمعت ما بلغنا؟
قال: وما هو؟
قال: بلغنا أن الخليفة لا يجري عليه القلم ولا يكتب عليه معصية.
فقال: يا أمير المؤمنين، الخلفاء أفضل أم الأنبياء ثم تلا هذه الآية.
وحين تمم واقعة داود ونصحه وما فرض عليه في شأن الاستخلاف أشار إلى أن الأمور الدنيوية التابعة للحركات السماوية ليست واقعة على الجزاف، وبمقتضى الطبائع، ولكن لها غاية صحيحة فأجمل هذا المعنى أوّلاً بقوله ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق هذه الأشياء بلا غاية ﴿ ظن الذين كفروا ﴾ لأنهم بإنكارهم البعث جحدوا الجزاء الذي هو غاية التكليف ﴿ فويل للذين كفروا من النار ﴾ لأنهم بهذه العقيدة وقعوا في نار البعد والقطيعة فلم يستدلوا بالآفاق والأنفس على الصانع نظيره ما مر في آخر "آل عمران" ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار ﴾ ثم صرح بالغاية قائلاً ﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.
"وأم" منقطعة بمعنى بل والهمزة للإنكار والمراد أنه لم بطل الجزاء كما زعموا لاستوت حال الطائفتين المتقي المصلح للأرض بتهذيب الأخلاق وتدبير المنزل والسياسة المدنية على وفق العقل والشرع، والفاجر المفسد في الأرض بهدم النواميس وتتبع الشهوات وهتك الحرمات، ومن سوى بينهم كان إلى السفه أقرب منه إلى الحكمة، ولا ينافي هذا إمكان التسوية من حيث المالكية.
وحين ذكر هذه المعاني اللطيفة والقواعد الشريفة منّ على رسوله بقوله ﴿ كتاب ﴾ اي هذا كتاب ﴿ أنزلناه إليك مبارك ﴾ كثير المنافع والفوائد ﴿ ليدّبروا آياته ﴾ ليتأملوا فيها ويستنبطوا الأسرار والحقائق منها فمن حفظ حروفه وضيع حدوده كان مثله كمثل معلق اللؤلؤ والجواهر على الخنازير.
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : يقال في وجه النظم إن العقلاء قالوا: من ابتلى بخصم جاهل مصر متعصب وجب عليه أن يقطع الكلام معه ويخوض في كلام آخر أجنبي حتى إذا اشتغل خاطره بالكلام الأجنبي أدرج في أثنائه مقدمة مناسبة للمطلوب الأول، فإن ذلك المتعصب قد يسلم هذه المقدمة فإذا سلمها فحينئذ يتمسك بها في إثبات المطلوب الأول فيصير الخصم ساكتاً مفحماً.
وإذ قد عرفت هذا فنقول: إن الكفار قد بلغوا في إنكار الحشر إلى حيث قالوا على سبيل الاستهزاء ﴿ ربنا عجل لنا قطعنا قبل يوم الحساب ﴾ فقال تعالى: يا محمد ﴿ اصبر على ما يقولون ﴾ واقطع الكلام معهم في هذه المسألة واشرع في كلام آخر أجنبي في الظاهر وهو قصة داود إلى قوله ﴿ إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ﴾ فكل من سمع هذا قال: نعم ما فعل حيث أمره بالحكم الحق كأنه قال: أيها المكلف إني لا آمرك مع أني رب العالمين إلا بالحق فههنا الخصم يقول: نعم ما فعل حيث لم يقض إلا بالحق، فعند هذا يلتزم صحة القول بالحشر وإلاّ لزم التسوية بين من أصلح واتقى ومن افسد وفجر وذلك ضدّ الحكمة.
وحين ذكر هذه الطريقة الدقيقة في إلزام المنكرين وإفحامهم وصف القرآن بالبركة والإفادة والإرشاد، لأن هذه اللطائف لا تستفاد إلا منه.
وبعد تتميم قصة داود شرع في قصة ابنه سليمان ومدحه بقوله ﴿ نعم العبد ﴾ أي هو فحذف المخصوص للعلم به.
وفي قوله ﴿ إنه أوّاب ﴾ كما مر في قصة داود إشارة إلى أنه كان شبيهاً بالأب في الفضيلة والكمال فلذلك استويا في جهة المدح.
وفي القصة واقعتان يمكن تقرير كل منهما كما في واقعة أبيه على وجه لا يقدح في الصعمة وهو المختار عند المحققين، وعلى وجه دون ذلك وهو الأشهر فلنفسر كلاً منهما بالوجهين بتوفيق الله .
أما الأوّل من الواقعة الأولى فقوله ﴿ إذ عرض عليه بالعشي الصافنات ﴾ وهي جمع صافن وهو الذي يقوم على ثلاث قوائم وعلى طرف الرابعة وهو نعت جيد للخيل.
قيل: الصافن الذي يجمع بين يديه.
وفي الحديث "من سرّه أن يقوم الناس له صفوفاً فليتبوّأ مقعده من النار" أي واقفين مثل خدم الجبابرة.
و ﴿ الجياد ﴾ جمع جواد وهو جيد الجري يعني إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة من مواقفها على أحسن الأشكال.
وإذا أجريت كانت سراعاً في جريها، فإذا طلبت لحقت، وإذا طلبت لم تلحق.
يروى أن رباط الخيل كان مندوباً في شرعهم كما في شرعنا.
ثم إن سليمان سلام الله عليه احتاج إلى الغزو فجلس بعد صلاة الظهر على كرسيه وأمر بإحضار الخيل، وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا وحظ النفس وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله ﴿ إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي ﴾ سمى الخيل خيراً لتعلق الخير بها كما جاء في الحديث "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة" أي آثرت حب الخير ولزمته لأن ربي أمرني بارتباطها ولم يصدر حب هذه المحبة الشديدة إلا عن ذكر الله وأمره.
والضمير في قوله ﴿ حتى توارت ﴾ للخيل أي ما زالت تعرض عليه ويأمر بإعدائها وسيرها إلى أن غابت عن بصره، ثم قال ﴿ ردّوها عليّ ﴾ أي أمر الرائضين بان يردوا الخيل عليه، فلما عادت عليه طفق يمسح مسحاً بوسقها وأعناقها تشريفاً لها وإظهاراً لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدوّ، أو لأنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها، أو أراد إظهار أنه بلغ في اختبار أمور المملكة إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه.
وقيل: مسح الغبار عن أعناقها وسوقها بيده.
وقيل: وسم أعناقهن وارجلهن فجعلهن في سبيل الله.
وأما الوجه الآخر في هذه الواقعة فما روي أن سليمان غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس.
وقيل: ورثها من ابيه وكان أبوه اصابها من العمالقة.
وقيل: أخرجها الشياطين من مرج من المروج أو من البحر وكانت ذوات أجنحة.
فقعد يوماً بعد الظهر واستعرضها فلم يزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وذلك قوله ﴿ حتى توارت ﴾ أي الشمس بدليل ذكر العشي ﴿ بالحجاب ﴾ حجاب الأفق.
وقيل: حتى توارت الخيل بحجاب الليل وغفل عن العصر، أو عن ورد من الذكر كان له وقت العشي فقال ﴿ إني أحببت حب الخير ﴾ وهو متضمن معنى فعل يتعدى بعن أي أنبت حب الخير عن ذكر ربي وجعلت حبها مغنياً عن ذكر ربي فاغتم لما فاته فاستردها وعقرها تقرباً لله وذلك قوله ﴿ فطفق مسحاً ﴾ قال جار الله: أي يمسح بالسيف سوقها وأعناقها فقلب لأمن الإلباس كقولهم "عرضت الناقة على الحوض" قال الراوي: قربها إلا مائة فما في ايدي الناس من الجياد فمن نسلها، وحين عقرها أبدله الله خيراً منها وهي الريح تجري بأمره.
وقيل: الضمير في ﴿ ردّوها ﴾ للشمس والخطاب للملائكة تضرع إلى الله فرد الله عليه الشمس فصلى العصر.
ومحل القدح في هذه الرواية هو نسبة سليمان إلى حب الدنيا حتى غفل عن الصلاة وضم بعضهم إلى ذلك أن قطع أعناق الخيل وعرقبة أرجلها منهي عنه.
وقد روي عن النبي أنه نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله.
وأجيب بأنه فعل ذلك لأنها منعته عن الصلاة أو لأنه ذبحها للفقراء والمساكين، قال الزجاج: لم يفعل ذلك إلا وقد أباحه الله له وما أباح الله فليس بمنهي.
قال الإمام فخر الدين الرازي: إن الكفار لما بلغوا في الإيذاء والسفاهة إلى حيث قالوا ﴿ ربنا عجل لنا قطنا ﴾ قال لنبيه: اصبر يا محمد على ما يقولون وذاكر عبدنا داود.
ثم ذكر عقيبه قصة سليمان، وهذا الكلام إنما يكون لائقاً لو قلنا إن سليمان أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة وصبر على طاعة الله وأعرض عن الشهوات، فأما لو كان المقصود أنه أقدم على الكبيرة لم يكن ذكره مناسباً.
هذا تمام الكلام في الواقعة الأولى.
وأما الثانية وإليها الإشارة بقوله.
﴿ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ فالمحققون يروونه على وجوه: أحدها: أن سليمان ولد له ابن بعد أن ملك عشرين سنة فقالت الشياطين: إن عاش لم نتخلص من البلاء والتسخير فسبيلنا أن نقتله أو نخبله، فعلم بذلك سليمان فأمر السحاب أن يحفظه ويغذوه خوفاً من مضرة الشياطين، فما راعه إلا أن ألقي على كرسيه ميتاً فتنبه على خطئه في أن لم يتوكل فيه على ربه فاستغفر ربه وأناب.
وثانيها روي عن النبي "أن سليمان قال ذات ليلة: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة.
وفي رواية على مائة وفي رواية على ألف- كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل: إن شاء الله.
فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل.
والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعين فذلك قوله {ولقد فتنا سليمان" .
وثالثها قال أبو مسلم: مرض سليمان مرضاً شديداً امتحنه الله به حتى صار جسداً على كرسيه ملقي كما جاء في الحديث "لحم على وضم وجسد بلا روح" لأن الجسد يطلق في الأكثر على ما لا روح له.
﴿ ثم أناب ﴾ أي رجع إلى حالة الصحة.
والمشهور عند الجمهور أن الجسد الملقى على كرسيه كان شيطاناً جلس على سرير ملكه اربعين يوماً، وذلك أن ملكه كان في خاتمة فأخذ شيطاناً يقال له آصف وقال: كيف تفتنون الناس؟
قال: أرني خاتمك أخبرك.
فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر فذهب ملكه وقعد آصف على كرسيه.
وعن علي أنه قال: بينما سليمان جالس على شاطئ البحر وهو يعبث بخاتمه إذ سقط في البحر.
وقيل: إنه وطئ امرأة في الحيض فذلك ذنبه.
وقال في الكشاف: وغيره حكوا أن سليمان بلغه خبر صيدون وهي مدينة في بعض الجزائر وأن بها ملكاً عظيم الشأن.
فخرج إليه تحمله الريح حتى أناخ بها جنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وأصاب بنتاً له اسمها جرادة من أحسن الناس وجهاً، فاصطفاها لنفسه وأسلمت وأحبها وكانت لا يرقأ دمعها حزنا على أبيها.
فأمر الشياطين فمثلوا لها صورة ابيها فكستها مثل كسوته وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدون لها كعادتهن في ملكه، فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وكانت له أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها، فوضعه عندها يوماً فأتاها الشيطان صاحب البحر وهو الذي دل سليمان على الماس حين أمر ببناء بيت المقدس.
واسمه صخر - على صورة سليمان فقال: يا أمينة أعطيني خاتمي فتختم به وجلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير والجن والإنس.
وغير سليمان عن هيئته فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته فعرف أن الخطيئة قد أدركته، فكان يدور على البيوت يتكفف وإذا قال: أنا سليمان.
حثوا عليه التراب وسبوه فمكث على ذلك أربعين يوماً عدد ما عبد الوثن في بيته.
وكان ذلك الشيطان يقضي بين الناس ويتمكن من جميع ملكه إلا نساءه.
وقيل: من جميع ملكه ونسائه وما يدع امرأة في دمها ولا يغتسل من جنابة، فلما أراد الله أن يرد الملك إليه أنكر علماء بني إسرائيل قضية قضاها الشيطان فأحضروا التوراة، فلما قرؤها فرّ الشيطان وألقى الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فصادها صائد ووهبها لسليمان وأعطاها على أجره عمله يوماً فأخرج من بطنها الخاتم ﴿ ثم أناب ﴾ أي رجع على ملكه أو ثاب ووقع ساجداً.
ثم إن سليمان ظفر بالشيطان فجعله في تابوت وسده بالنحاس وألقاه في البحر.
والعلماء المتقنون أبوا قبول هذه الرواية وقالوا: إنها من أباطيل اليهود، والشياطين لا يتمكنون من مثل هذه الأفاعيل وإلا ارتفع الأمان عن الشرائع والأديان، وكيف يسلطهم الله على آحاد عباده فضلاً عن أنبيائه حتى يغيروا أحكامهم ويفجروا بنسائهم.
وأما اتخاذ التماثيل فيجوز أن تختلف فيه الشرائع والسجود للصورة إذا كان بغير إذنه فلا عتب عليه.
وحكى الثعلبي هذه القصة بوجه أقرب إلى القبول وهو أن سليمان لما افتتن بأخذ التمثال في بيته سقط الخاتم من يده فأخذه سليمان فأعاده إلى يده فسقط، فلما رآه لا يثبت في اليد أيقن بالفتنة فقال له آصف: إنك لمفتون فتب إلى الله واشتغل بالعبادة وأنا أقوم مقامك إلى أن يتوب الله عليك.
فقام آصف في ملكه أربعة عشر يوماً وهو الجسد الذي ألقي على كرسيه، فردّ الله إليه ملكه وأثبت الخاتم في يده.
وعن سعيد بن المسيب أن سليمان احتجب عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله إليه: يا سليمان احتجبت عن عبادي وما أنصفت مظلوماً عن ظالم، ثم ذكر القصة وأخذ الشيطان الخاتم ورجوعه إليه.
ثم حكى الله أن سليمان قال ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً ﴾ قدم المغفرة على طلب الملك كما هو دأب الصالحين تقديماً لأمر الدين على أمر الدنيا، ولأن الاستغفار يجر الرزق فإن الإنسان قلما ينفك عن ترك الأولى فإذا زال عنه شؤم ذلك ببركة الاستغفار انفتح عليه أبواب الخيرات.
والذين حملوا الفتنة على صدور الذنب عنه فوجوب الاستغفار عندهم واضح وحملوا قوله ﴿ لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ على أنه سأل ملكاً لا يقدر الشيطان على أن تقوم مقامه.
والأوّلون ذهبوا إلى أنه لم يقل ذلك حسداً وإنما قصد به أن يكون معجزة له، ومن شرط المعجز أن لا يقدر غيره على معارضته ولا سيما أمته الذين بعث إليهم ولهذا قال بعضهم: أراد غيري ممن بعثت إليهم ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة.
وحقيقة لا ينبغي لا ينفعل من بغيت الشيء طلبته أي لا يصير مطلوباً لأنه سماوي فوق طوق البشر، أو قصد أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق فإذا كان ملكه آية كان ثوابه على الصبر عنه غاية ونهاية، أو أراد أن يظهر للخلق أن حصول الدنيا لا يمنع من خدمة المولى، وأن ملك سليمان إذا كان عرضة للفناء فالأولى بالعاقل أن يشتغل بالعبودية ولا يلتفت إلى الدنيا وما فيها.
وقيل: إنه لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا زائلة منتقلة إلى الغير بإرث ونحوه فطلب ملكاً لا يتصور انتقاله إلى الغير وهو ملك الدين والحكمة.
وقال أهل البيان: لم يقصد بذلك إلا عظم الملك وسعته كما تقول لفلان: ما ليس لأحد من الفضل والمال.
وربما كان للناس أمثال ذلك.
والأقوى هو الأوّل بدليل قوله عقيبه ﴿ فسخرنا له الريح ﴾ ﴿ والشياطين ﴾ .
ولا ريب أن هذا معجزة وملك عجيب دال على نبوّته ويؤيده ما جاء في الحديث "أردت أن أربطه - يعني الشيطان - على سارية من سواري المسجد إلا أني تذكرت دعوة أخي سليمان" والضمير في ﴿ بأمره ﴾ لسليمان.
وقيل: لله.
والرخاء الرخوة اللينة ولا ينافي هذا وصفها بالعصوف في الأنبياء فلعلها تختلف باختلاف الأحوال والأوقات، أو هي طيبة في نفسها ولكنها عاصفة بالإضافة إلى الرياح المعهودة.
ومعنى أصاب قصد واراد من إصابة السهم.
وقوله ﴿ والشياطين ﴾ معطوف على ﴿ الريح ﴾ وقوله ﴿ كل بناء وغواص ﴾ بدل الكل من الشياطين.
كانوا يبنون لأجله الأبنية الرفيعة ويستخرجون اللؤلؤ من البحر وهو أوّل من استخراج الدر من البحر ﴿ وآخرين ﴾ عطف على الشياطين أو على كل داخل في حكم البدل، وكان يقرن مردة الشياطين بعضهم مع بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد.
والصفد القيد والعطاء لأنه ارتباط للمنعم عليه ومنه قول عليّ : من برك فقد أسرك *** ومن جفاك فقد أطلقك وقيل: حقيقته التفويض على الخير والشر.
قال الجبائي: إن الشيطان كان كثيف الجسم في زمن سليمان ويشاهده الناس.
ثم إنه لما توفي سليمان أمات الله ذلك الجنس وخلق نوعاً آخر لطيف الجسم بحيث لا يرى ولا يقوى على الأعمال الشاقة.
قلت: هذا إخبار بالغيب إلا أن تكون رواية صحيحة.
ولم لا يجوز أن تكون أجسامهم لطيفة بمعنى عدم اللون ولكنها صلبة بمعنى أنها لا تقبل التمزق والتفرق.
﴿ هذا عطاؤنا ﴾ أي قلنا لسيلمان هذا الملك عطاؤنا والإضافة للتعظيم.
وقوله: ﴿ بغير حساب ﴾ يتعلق بالعطاء يعني أنه جم كثير لا يدخل تحت الضبط والحصر فأعط منه ما شئت أو أمسك مفوّضاً إليك زمام التصرف فيه.
ويجوز أن يتعلق بالأمرين أي ليس عليك في ذلك حرج ولا تحاسب على ما تعطي وتمنع يوم القيامة.
عن الحسن: أن الله لم يعط أحداً عطية إلا جعل عليه فيها حساباً سوى سليمان فإنه أعطاه عطية هنيئة إن أعطى أجر وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة.
ويحتمل أن يراد هذا التسخير تسخير الشياطين عطاؤنا فامنن على من شئت منهم الإطلاق، أو أمسك منشئت منهم بالوثاق، فأنت في سعة من ذلك لا تحاسب في إطلاق من أطلقت وحبس من حبست وحين فرغ من تعداد النعم الدنيوية أردفه بما أنعم به عليه في الآخرة قائلاً: ﴿ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ﴾ كما في قصة داود وفيه أن ثوابه كفء ثواب أبيه كما أن سيرته سيرة أبيه.
التأويل بصاد صمديته في الأزل وصانعيته في الوسط وصبوريته إلى الأبد.
أقسم بالقرآن ذي الذكر لأن القرآن قانون معالجات القلوب وأعظم مرض القلب من نسيان الله فأعظم علاجه ذكر الله.
ثم أشار غلى انحراف مزاج الكفار بمرض نسيان الله من اللين والسلامة إلىالغلظ والقساوة، ومن التواضع إلى التكبر، ومن الوفاق إلى الخلاف، ومن التصديق إلى التكذيب، ومن التوحيد غلى تكثير الآلهة.
وفي قوله ﴿ واصبروا على آلهتكم ﴾ إشارة إلى أن الكفار إذا تواصوا فيما بينهم بالصير والثبات فالمؤمنون أولى بالثبات على قدم الصدق في طلب المحبوب الحقيقي ﴿ إن هذا لشيء يراد ﴾ في الأزل من المقبول والمردود.
﴿ بل لما يذوقوا عذاب ﴾ لأنهم في النوم فإذا ماتوا انتبهوا وأحسوا بالألم فعاينوا الأمر حين لا ينفع العيان، ويزول الشك في يوم لا يجدي البرهان.
﴿ عجل لنا قطنا ﴾ النفوس الخبيثة تميل بطبعها إلى السفليات العاجلة كما أن النفوس الكريمة تميل بطبعها إلى العلويات الباقية، ولكل من الصنفين جذبة بالخاصية إلى شكله كجذب المغناطيس الحديد.
﴿ له تسع وتسعون نعجة ﴾ هن آثار فيوض الصفات الربانية بحسب الأسماء التسعة والتسعين، فلكل منها مظهر في عالم الملك والخلق ﴿ ولي نعجة واحدة ﴾ هو ذات الله وحده ﴿ فقال أكفلنيها ﴾ أي صيرني أجمع بين الله وبين ما سواه.
ثم ههنا أسار كثيرة تفهمها إن شاء الله.
﴿ وظن داود أنما فتناه ﴾ امتحناه بالجمع بين الدين والدنيا ﴿ فاستغفر ﴾ للحق ﴿ ربه ﴾ ﴿ راكعاً وأناب ﴾ إلى الله معرضاً عما سواه.
وهذا التأويل مما خطر ببالي أرجو أن يكون مضاهياً للحق: ﴿ إنا جعلناك خليفة ﴾ فيه أن الخلافة عطاء من الله وأنها مخصوصة بالإنسان خلق مستعدّاً لها بالقوة، وفيه أن الجعلية تتعلق بعالم المعنى كما أن الخلقية تتعلق بعالم المعنى كما أن الخلقية تتعلق بعالم الصورة.
﴿ الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ﴾ ﴿ فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً ﴾ ووجه الخلافة هو أن الروح الإنساني أوّل فيض بذاته وصفاته فذاته من ذات الله بلا واسطة، وصفاته من صفاته بلا واسطة فخلق لخليفة منزلاً صالحاً وهو قالبه، وأعد له عرشاً هو القلب ليكون محل استوائه، ونصب له خادماً وهو النفس، فلو بقي الإنسان على فطرة الله لكان روحه مستفيضاً من الله فائضاً لخلافة الحق على عرش القلب، والقلب فائض لخلافة الروح على خادمه النفس، والنفس فائضه لخلافة القلب على القالب، والقالب فائض لخلافة النفس على الدنيا، وهي أرض الله فلا يجري شيء من الأمور إلا على نهج الحق.
﴿ ووهبنا لداود ﴾ الروح ﴿ سليمان ﴾ اقلب ﴿ إذ عرض عليه بالعشي ﴾ وهو بعد زوال شمس التجلي ﴿ الصافنات الجياد ﴾ وهي مركب الصفات البشرية.
وفي قوله ﴿ فطفق مسحاً ﴾ إشارة إلى أن كل محبوب سوى الله إذا حجبك عنه لحظة يلزمك أن تقتله بسيف "لا إله إلا الله" وإليه الإشارة بقوله ثانياً ﴿ ولقد فتنا سليمان والقينا على كرسيه ﴾ صدره شيئاً من الشهوات الجسدانية فافتتن به فتاب ورجع إلى الحضرة.
فإن قيل: قوله ﴿ لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ هل يتناول نبينا ؟
قلنا: يتناوله بالصورة لا بالمعنى: فإن الذي كان مطلوب سليمان من تزكية النفس عن محبة الدنيا مع القدرة عليها، ومن تحلية القلوب بعلوّ الهمة وبذل المال والجاه وإفشاء العدل والنصفة وغير ذلك كان حاصلاً للنبي من غير زحمة مباشرة صورة الملك والافتنان به عزة ودلالاً ولهذا قال في حديث تسلطه على الشيطان "ذكرت دعوة أخي سليمان فتركته" وكان يعرض عليه مقاليد الخزائن فيقول: "الفقر فخري" على أن صورة الملك أيضاً مما سيحصل لبعض أمته كما قال "وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها" <div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم أن حرف الاستفهام من الله يخرج على الإيجاب والإلزام مما لو كان ذلك من مستفهم حقيقة يتضمن الجواب له، فقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴾ جواب لقولهم: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ﴾ فجوابه لهم ليس عندهم رحمة ربك حتى يختاروا الرسالة والنبوة لأنفسهم أو لمن شاءوا هم؛ كقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ كانوا لا يرون وضع الرسالة إلا فيمان كانت له أموال وله سعة في الدنيا وفضل مال، فيذكر أن [ليس] عندهم خزائن ربك حتى يجعلوا الرسالة والنبوة فيمن شاءوا هم واختاروا لذلك، قال الله - عز وجل -: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ ، أي: لا يملكون قسمة رحمة ربك، بل ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا...
﴾ الآية [الزخرف: 32] يخبر أنهم على ما لا يملكون توسيع المعيشة على من ضيق عليه ورفع من وضع؛ فعلى ذلك ليس إليهم اختيار النبوة والرسالة لمن شاءوا واختاروا، بل اختيار ذلك إلى الله - عز وجل - فقالوا: أئذا كنا أحق بهذا في الدنيا فنحن أيضاً أحق بالرسالة والنبوة على ما [نحن] أحق في الدنيا بالسعة والفضل فيها، بل لو عرفوا أن ما نالوا من السعة في الدنيا وفضل الأموال إنما نالوا ذلك برحمة الله وفضله لا بحق كان لهم على الله، فلو عرفوا، كانوا لا ينكرون وضع الرسالة فيمن اختار الله - عز وجل - وضعها فيمن شاء، وعلى ذلك قول المعتزلة: إنهم لا يريدون لله أن يفعل بأحد شيئاً إلا ما هو أصلح له في الدين، وأنه لو فعل ما ليس بأصلح له في الدين، كان جائراً ظالماً، فيرون حفظ الأصلح له حقّاً كما رأى أولئك الكفرة السعة والأموال حقّاً على الله، فرأوا أنفسهم أحق أيضاً بالرسالة والنبوة من رسول الله .
ثم إن المعتزلة يقولون في ألم الصغار: إن ليس لله أن يؤلمهم إلا بعوض يجعل لهم بإزاء ذلك الألم عوضاً يرضون هم بذلك؛ إذ جعلوا أنفسهم له حقيقة حيث لم يجعلوا لله الإيلام إلا بالعوض، ومن أخذ حقّاً لغير لا يأخذه إلا ببدل وعوض برضاء ذلك الغير، فهذا تناقض في قولهم: إن على الله حفظ الأصلح للخلق في دينهم حيث لم يجعلوا له ذلك إلا بعوض يجعل لهم، والله أعلم.
ودل اتفاق القول، إنه وهاب، على أن ما ينال من خير أو سعة أو فضل إنما ينال برحمة وفضل لا بحق عليه؛ لأن من أدى حقا عليه لا يقال: إنه وهاب، ولا يسمى: وهاباً، على ما أعطى من أعطى، إنما أعطاه تفضلا منه ورحمة لا حقّاً كان عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ .
هو مثل الأول، أي: لهم ملك السماوات والأرض؛ ليملكوا ما شاءوا من الأمور ويختاروا وضع الرسالة فيمن شاءوا هم، أي: ليس لهم ملك السماوات والأرض؛ فيملكوا ما يذكرون ويختارون [ما] قالوا، بل نملك ذلك، وإلينا ذلك، فعند ذلك يقال: ﴿ فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ ﴾ .
ثم اختلف في الأسباب التي ذكر: قال بعضهم: السبب ما بين السماء والأرض، وكذلك ما بين كل سماءين سبب، والأسباب جماعة.
وقال بعضهم: الأسباب: طرق السماء.
وقال بعضهم: هي الأبواب التي في السماء تفتح للوحي.
ومعناه - والله أعلم - أي: فليرتقوا في الأسباب إن كانوا صادقين بأن محمداً كذاب، وأنه ساحر، وأنه اختلقه من تلقاء نفسه، أي: يفتح له أبواب السماء فليستمعوا إلى الوحي حتى يوحي الله - عز وجل - للنبي ؛ لقولهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ ﴾ .
أو أن يكون معناه - والله أعلم -: أن يرتقوا [إلى] ملك فينزل فيخبر أن محمداً كاذب فيما يدعى لقولهم: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ ﴾ .
قال بعضهم: حرف ﴿ مَّا هُنَالِكَ ﴾ صلة كأنه قال - عز وجل -: ﴿ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ ﴾ .
وقال بعضهم: جند بل هنالك مهزوم من الأحزاب.
وجائز أن يكون على تحقيق ﴿ مَّا ﴾ فيه، أي: جند ما يهزم هنالك من الأحزاب، لا كل الأجناد، وهو الجند الذين خرجوا عليه بالمباهلة، وهم الذين قالوا: اللهم انصر أينا أوصل رحما وأنفع مالا وأخير للخلق فغلبوا هم وقهروا.
وقال عامة أهل التأويل: هو الجند الذي قتل ببدر، والله أعلم.
ثم في الآية وجوه ثلاثة من الدلالة: أحدها: الأمن له عن أن يصلوا إلى قتله وإهلاكه على الآحاد والأفراد؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ .
وفيه الأمن له عن أن يصلوا إلى قتله وإهلاكه على الجمع والاجتماع عليه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ﴾ أخبر - عز وجل - أنهم يهزمون جميعاً.
وفيه بشارة له أنهم يهزمون في ضعفه وقلة أعوانه وأنصاره مع كثرة أولئك وعدتهم.
ففي الوجوه الثلاثة التي ذكرنا دلالة رسالته حيث أخبر بما ذكر؛ فكان على ما أخبر دل أنه بالله عرف ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ ﴾ .
حيث تحزبوا عليه قال بعضهم: إنه ساحر، وقال بعضهم: إنه كذاب، وإنه مفتر، وإنه مجنون على ما تحزبوا عليه، وتفرقت قلوبهم فيه وتلونت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ ﴾ أي: الفرق.
وقوله: ﴿ إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ﴾ .
يذكر هؤلاء الأحزاب الذين كادوا لرسول الله، ويخبرهم عن صنيعهم ومعاملتهم الرسل لوجهين: أحدهما: كيفية معاملة الرسل - عليهم السلام - أولئك الكفرة مع تكذيبهم إياهم وسوء معاملتهم وصنيعهم مع الرسل وأنواع البلايا التي كانت منهم إليهم أن كيف عاملوهم وصبروا على أذاهم؛ ليعامل هو قومه مثل معاملتهم قومهم، ويصبر على أذاهم كما صبر أولئك على أذى قومهم، مثل معاملتهم قومهم وسوء صنيعهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ .
والثاني: يذكر هذا لأهل مكة ويحذرهم ما نزل بالأمم المتقدمة بتكذيبهم الرسل وعنادهم وتمردهم معهم؛ ليحذروا تكذيبهم محمداً وألا يعاملوه كما عامل أولئك رسلهم، فينزل بهم كما نزل بأولئك من العذاب والإهلاك، والله أعلم.
﴿ فَحَقَّ عِقَابِ ﴾ .
قال بعضهم: أي: وجب عليهم عقاب، لكن قوله - عز وجل -: ﴿ فَحَقَّ عِقَابِ ﴾ أي: نزل بهم العقاب ووقع عليهم، وإلا كان العذاب واجباً على الكفار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ ﴾ .
قال بعضهم: إن فرعون كان إذا غضب على أحد من قومه مده بأوتاد فيعاقبه بها ويعذبه، والله أعلم.
وقال بعضهم: ﴿ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ ﴾ ، أي: ذي البناء المحكم.
وقال بعضهم: كانت له أوتاد وأرسان، أي: جبال وتلاعيب يلاعبون بها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ .
يخبر - عز وجل - رسوله صلى عليه وسلم ويؤيسه عن إيمانهم أنهم لا يؤمنون إلا عند وقوع العذاب بهم حتى لا ينفعهم الإيمان؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ ﴾ .
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ﴾ يحتمل أن يكون سمى نفس العذاب: صيحة.
وجائز أن يكون ذكر صيحة؛ لما أن العذاب إذا نزل بهم ووقع عليهم يصيحون، فسمى ذلك: صيحة؛ لصياحهم.
أو أن يكون ذلك إذا نزل بهم كان فيه صياح، وصوت الشيء الهائل العظيم الشديد إذا هو وقع ومال إلى الأرض، كان فيه صياح وصوت حتى يفزع الناس منه؛ فعلى ذلك الصيحة التي ذكر يحتمل ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ .
قال أبو عبيدة: من فتحها أراد: ما لها من راحة ولا إقامة، كأنه ذهب إلى إفاقة المريض من علته.
ومن ضمها جعلها من فواق الناقة وهو ما بين الحلبتين، ويريد ﴿ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ : انتظار ومكث.
قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ ، أي: من انقطاع؛ إذ هي دائمة أبداً لا تنقطع به.
وقال الكسائي: الفواق: بالنصب والرفع لغتان، وهو من فواق الناقة بين الحلبتين والرضعتين.
وقال عامة أهل التأويل: ﴿ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ ، أي: من مرد ومرجع وقرار.
وقال بعضهم: هو مد البصر، يقول: هي أقرب من ذلك، كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ ، والله أعلم.
وأصل الفواق: كأنه من العود والرجوع كعود اللبن إلى الضرع بعد ما حلب مرة، والله أعلم.
ذكر عن الحسن في قوله - عز وجل -: ﴿ صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ ﴾ يقول: حارث القرآن بقلبك وهو من قول العرب: صادته الدابة إذا كانت امتنعت فأطعمها حتى ذلت ولانت.
وقال أبو عوسجة: ﴿ صۤ ﴾ : هو أشد كلام وهو شبه قسم، والصاد في غير هذا الموضع العطشان، وقوم صادون.
ثم اختلف في موضع القسم على ما ذكر: قال الكسائي: من القسم في القرآن ما هو ظاهر لا يخفى، ومنه غامض: فمن ظاهره قوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ ﴾ ، وجوابه قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ .
ومن غامضه: ﴿ صۤ ﴾ قال بعض الناس: موضع قسمه قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ ﴾ ، والله أعلم.
لا أراه شيئاً لحال الكلام ولما قص من القصص ما لا يكون ذلك قسمه.
ولكن قسمه - والله أعلم - عندي: ﴿ صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ ﴾ ، ثم اعترض: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا ﴾ القسم هاهنا بـ ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا ﴾ ، ولكن لما اعترض: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ صار قوله ردا عليه وجواباً له؛ وهو غريب ظريف غامض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذِي ٱلذِّكْرِ ﴾ .
قال بعضهم: ذي الشرف، أي: من أوتيه شرف، وقيل: ذي الشأن، وقيل: ذي الذكر، فيه ذكر ما يؤتى وما يتقى، وذكر من كان قبله من الأمم الخالية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ .
قيل: في تكبر وتكذيب، وقيل: في حمية وخلاف، وقيل: في غفلة، ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ .
قال بعضهم: أي: هربهم في غير وقت الهرب، و ﴿ مَنَاصٍ ﴾ : مهرب، وناص ينوص نوصاً: وهو المنجى والغوث.
وقال القتبي: ﴿ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ أي: لا حين هرب؛ على ما قال أبو عوسجة، وقال: النوص: التأخر في الكلام، والنوص: المتقدم، وأصله ما ذكرنا: أن ذلك الوقت ليس هو وقت المهرب، ولا وقت المنجى ولا وقت الغوث على ما تقدم ذكره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ عُجَابٌ ﴾ بلغة قوم: عجب.
وقال الكسائي: العُجَاب والعِجَاب والعجيب والعجب كلها لغات واحدة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ عُجَابٌ ﴾ هو يكثر للعجب كما يقال: كبار وكبار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ ﴾ .
أي: الأشراف منهم، وقالوا: للأتباع على ما ذكرنا ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ﴾ ، قال بعضهم: قوله: ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ ﴾ إلى أبي طالب واثبتوا على عبادة آلهتكم ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ﴾ : قال بعضهم: بقبول إسلام وذلك كان حين أسلم عمر - - بشيء أي لأمر يراد، فمشوا إلى أبي طالب، وقالوا له ما ذكرنا فيما تقدم والقصة طويلة.
وقال بعضهم: ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ ﴾ أي: امضوا وارجعوا إلى عبادة آلهتكم واصبروا عليها.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ ﴾ من عند محمد واصبروا على عبادة آلهتكم ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾ بأهل مكة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ ﴾ .
يعنون.
عبادة إله واحد وترك عبادة آلهة في الملة الآخرة.
قال عامة أهل التأويل: ﴿ ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ ﴾ : النصرانية واليهودية كليهما.
وقال بعضهم: يعنون: ﴿ ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ ﴾ الملة التي هم عليها، وآثارهم، يقولون: ما سمعنا عبادة إله واحد وترك عبادة الآلهة في الدين [الذى] نحن وآباؤنا عليه ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ﴾ أي: ما هذا ﴿ إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ ﴾ من نفسه، وقالوا: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ﴾ يعنون: النبوة والكتاب والوحي، وهو أفقرنا وأصغرنا ونحن أكثر سنا وأعظم شرفاً، يقول الله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي ﴾ بأنه لم ينزل عليه ﴿ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ﴾ ؛ وهو قول مقاتل، ثم قال: ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴾ ، أي: يحتمل نعمة ربك، أي: بأيديهم مفاتيح الرحمة والنبوة والرسالة فيضعونها حيث شاءوا، أي: ليست تلك بأيديهم ولكنها بيد الله، العزيز في ملكه الوهاب يهب النبوة والرسالة لمن يشاء ويضعها فيمن يشاء.
ثم قال - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ ، أي: ليس لهم ذلك، ولكن - عز وجل - يوحي الرسالة إلى من يشاء ويختار لها من يشاء.
ثم قال: ﴿ فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ ﴾ ، أي: الأبواب التي في السماء إن كانوا صادقين بأن محمدا اختلقه من تلقاء نفسه، أي: فليستمعوا إلى الوحي حين يوحي الله إلى النبي محمد بقول أولئك.
وقال بعضهم: السبب: ما بين السماء والأرض أصلب من الحديد وأدق من الشعر يعرج به الملائكة وهو المعراج يبصره الميت إذا خرجت روحه.
وقال بعضهم: ﴿ فَلْيَرْتَقُواْ ﴾ أي: فليصعدوا في طرقها؛ فيعلموا علم ذلك أنزل عليه الذكر أو لم ينزل؟
والله أعلم.
والارتقاء: الصعود.
أو أن يقول: ارتقوا أنتم السبب الذي ارتقى محمد وأتوا بمثل الذي أتى به محمد أنه ليس برسول.
أو أن يقول: ائتوا أنتم بالذي أتى به محمد من الدين والأسباب؛ حتى تختصوا بالنبوة والرسالة كما اختص محمد .
وقوله - عز وجل -: ﴿ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ ﴾ .
قال: وعد الله - عز وجل -: نبيه أنه سيهزم جند المشركين، فقال عامة أهل التأويل: جاء تأويلها يوم بدر، وقد ذكرنا تأويله فيما تقدم، والله أعلم.
والأحزاب: الذين تحزبوا عليه، أي: تفرقوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ أي: كتابنا؛ وذلك أن النبي كان يوعدهم أنهم يؤتون كتابهم بشمالهم فيه أعمالهم التي عملوها في الدنيا في الآخرة، فعند ذلك قالوا له: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ ؛ أي: كتابنا الذي توعدنا أنه يعطى بشمالنا، قالوا ذلك استهزاء به وتكذيباً له.
وقال بعضهم: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ أي: نصيبنا وحظنا من العذاب الذي توعدنا به وتحذرنا يوم الحساب قبل يوم الحساب، قالوا ذلك استهزاء به وتكذيباً له؛ ولذلك قال له على أثر ذلك: ﴿ ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ يصبره ويعزيه على ما يقولون؛ ليصبر على ذلك، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ ليس على سؤال العذاب والكتاب الذي حمله عامة أهل التأويل عليه، ولكنه سؤال السعة والنصيب في الدنيا، ويكون ذلك في قوم لا يؤمنون بالآخرة سألوا ما وعدوا من النعيم في الآخرة والسعة في الدنيا، وذلك أشبه لأنهم سألوا ربهم أن يجعل ذلك لهم، فلو كان على ما يحمله أهل التأويل من سؤال العذاب والكتاب على الاستهزاء بالرسول والتكذيب له، لسألوا الرسول ذلك، ولم يسألوا ربهم ذلك؛ فدل ذلك على أنه أشبه وأقرب، والله أعلم.
ويكون قوله - عز وجل -: ﴿ ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ على ما تقدم من قولهم: إنه ساحر [و] إنه كذاب، وإنه اختلق هذا القرآن من ذات نفسه ونحوه، ويؤيد ذلك قول سعيد بن جبير قال: ذكرت لهم الجنة فاشتهوا ما فيها، فقالوا: ﴿ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ أي: نصيبنا من الجنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ﴾ .
يحتمل قوله - عز وجل - لرسوله : ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ﴾ وجوهاً: أحدها: أن اذكر نبأ داود، ونبأ من ذكر في هذه السورة من قوله: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ ﴾ ﴿ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ ، ومن ذكرهم - عليهم السلام - وعلى محمد في هذه السورة، أي: اذكر نبأهم الذي لم يكن لتعرفه أنت ولا قومك من قبل هذا، لعلهم يصدقونك ويؤمنون بك؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .
والثاني: قوله - عز جل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ﴾ ، أي: اذكر صبر هؤلاء على أذى قومهم وتكذيبهم إياهم؛ لتصبر على أذى قومك وتكذيبهم إياك كما صبر أولئك؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ .
والثالث: اذكر داود ومن ذكر من الأنبياء، أي: اذكر لهم المصدقين وما يكون لهم من الكرامات والثواب، كما ذكرت لهم المكذبين وما نزل بهم من العذاب، لعلهم يرجعون ويصدقونك؛ ليعلموا من هلك منهم بم هلك؟
أو ليعلموا أن في أوائلهم المصدقين له والمؤمنين، فكيف اتبعتم المكذبين منهم دون المصدقين؟!
والله أعلم.
ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا ﴾ ، أي: اذكر جهد داود وجهد من ذكر من هؤلاء في العبادة والدين وأمثال ذلك يحتمل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: ﴿ ذَا ٱلأَيْدِ ﴾ ، أي: القوة على العبادة.
وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ ذَا ٱلأَيْدِ ﴾ في أمر الله، [أو] في أمر الدين؛ لأنه ألين له الحديد حتى كان يتخذ منه الدروع وغيرها من الأسلحة، وسخر له الطير والجبال حتى كان يسبح معهم بالعشي والإشراق، وحتى كان يستعمل ما اتخذ الحديد فيمن شاء من أمر الدين من المحاربة مع الأعداء والدرء عن أهل الإسلام والدفع عنهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ أَوَّابٌ ﴾ مطيع لله، مقبل على طاعته.
وقال بعضهم: ﴿ أَوَّابٌ ﴾ ، أي: مسبح لله، ذكر أنه كان كثير التسبيح؛ وكذلك قال - عز وجل - ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ ﴾ ، أي: سبحي معه، هذا محتمل.
وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَّابٌ ﴾ ، أي: رَجَّاع إلى الله، يرجع إليه في كل أمر وإليه يفزع في كل نائبة وحادثة.
وقال بعضهم: ﴿ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ ، أي: ذا الإحسان والعمل الصالح ﴿ أَوَّابٌ ﴾ ، أي: تواب.
وقتادة يقول: ذا القوة في العبادة، وذا الفقه في الإسلام، وذا البصر في الدين.
وقال أبو عوسجة: ﴿ قِطَّنَا ﴾ ، أي: كتابنا، يقال: قططت - أي: كتبت - أقط قطا، فأنا قاط، والكتاب مقطوط، والقط - أيضاً -: القطع، يقال: قططت أظفارى، والقط: الدهر، ويقال: قطي: أي: حسبي، وقطك أي: [حسبك].
قال القتبي: القط: الصحيفة المكتوبة، وهي الصك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ ﴾ .
هو على التقديم والتـأخير كأنه قال - عز وجل -: ﴿ إنا سخرنا الجبال يسبحن ﴾ ، أخبر أنه سخر الجبال والطير وما ذكر لداود كي يطعنه ويسبحن معه، وفيه لطف من الله - عز وجل -: في هذه الأشياء والخصوصية لداود في ذلك؛ حيث صير الجبال والطير بحيث يقفن وقت تسبيح داود معه على ما أخبر عز وجل.
وفيه أن الله - عز وجل - حيث صير الجبال مع شدتها وصلابتها بحيث تعرف وقت تسبيح داود، وتعرف تسبيحه وتسمعه وتلين له، فجائز أن يجعل قلب الكافر بحيث يلين ويخضع لله بلطفه؛ إذ قلبه ليس أشد قسوة وصلابة من الجبال، فإذا جعل لطفه فيها لانت وخضعت؛ فعلى ذلك إذا جعل ذلك اللطف في قلب الكافر لا يحتمل ألا بلين ولا يخضع؛ إذ هو ليس بأصلب وأشد من الجبال التي ذكرنا، والله أعلم.
وأما الخصوصية له: فإن الله - عز وجل - جعل بكل من الرسل خصوصية في شيء، لم يجعل مثل تلك الخصوصية لآخر في ذلك الشيء بعينه بلطفه، وخصوصية داود: ما ذكر من تسخير ما ذكر له من الجبال والطير والتسبيح معه، وما ذكر من إلانة الحديد له وغير ذلك من الأشياء، وخصوصية سليمان ما ذكر من تسخير الرياح له وحملها إياه حيث شاء إلى ما شاء مسيرة شهر بغدوة ومسيرة شهر بعشية، حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ ، وما ذكر من فهم نطق الطير والنطق معه وفهمه تسبيحا ونحو ذلك كثير، ومثل هذا ما قد جعل لرسول الله حيث ذكر أنه أخذ أحجارا فسبحن في يده حتى سمع ذلك من حضره، وما ذكر أن أصابعه يسبحن ونحوه كثير، فلكل منهم خصوصية في شيء ليست تلك لغيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً ﴾ .
أي: مجموعة مسخرة، أي: سخرت له الطير أيضاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ﴾ .
قال بعضهم: كل له مطيع.
وقال بعضهم: كل له مسبح، فإن كان قوله - عز وجل -: ﴿ كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ﴾ ، أي: مطيع، فهو يحتمل مطيع لداود، وإن كان الأواب هو المسبح، فهو لا يحتمل لداود، لكن لله تبارك وتعالى، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ ﴾ جائز أن يكون لا على إرادة حقيقة العشي والإشراق، ولكن على إرادة التسبيح معه في كل وقت؛ فيكون العشي كناية عن الليل والإشراق كناية عن النهار، يخبر أنهن يسبحن في كل وقت من الليل والنهار، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون يسبحن في العشيات والغدوات خاصة؛ كقوله - عز وجل - لرسول الله حيث قال: ﴿ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ ﴾ ، والله أعلم.
ثم جائز أن يكون ما ذكر من تسبيح هذه الأشياء صلاة ﴿ يُسَبِّحْنَ ﴾ أي: يصلين لله؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ ﴾ ، ثم قال - عز وجل -: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ دل أن لها صلاة، والله أعلم.
ومن الناس من يقول: تسبيح هذه الأشياء التي ذكر هو تسبيح خلقة لا تسبيح نطق وكلام، لكن لو كان على هذا، لكان لا معنى لذكر تسبيحهن مع داود - - إذ ذا مع داود وغيره في كل وقت؛ دل أنه على تسبيح النطق، وإن كان على الصلاة، فهو ألا يجوز الصلاة لأحد حتى تشرق الشمس وترتفع؛ حيث ذكر إشراق الشمس، والله أعلم.
ثم من الناس من حمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلإِشْرَاقِ ﴾ على صلاة الضحى، وهو قول ابن عباس - ما - ذكر عنه أنه سأل أم هانئ عن صلاة الضحى: هل كان رسول الله فعل في بيتها؟
فأخبرته أنه فعل، قال ابن عباس - ما -: وقلت: أي: صلاة الإشراق، وهذه صلاة الإشراق، يعني: صلاة الضحى، والله أعلم.
وسميت صلاة الضحى: صلاة الأوابين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل في قوله: ﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ ﴾ : لأنه كان يحرسه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألفاً من بني إسرائيل، لكن ليس فيما ذكروا كثير شد الملك وتقويته إنما هو وصف ضعف إلا أن يعنوا بما ذكروا: كثرة أعوانه وأنصاره وفضل أتباعه وحواشيه؛ فعند ذلك يحتمل ما ذكروا، فأما في نفس ما ذكروا من الحرس له والحفظ، فليس فيه كثير شد ولا فضل منقبة.
وجائز أن يكون غير هذا أشبه له وأولى بما ذكر ملكه، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: شد ملكه بما ذكر من إلانة الحديد، حتى كان يتخذ منه لباساً من الدروع وغيرها منه أسباب الحرب والتأهب لها وما يصلح للقتال ما لم يعط مثله لأحد سواه، فينقطع بذلك طمع المنازعين له في ذلك والراغبين في ملكه، ويأمن هو بذلك ذهابه، فهو شد ملكه، والله أعلم.
والثاني: شد ملكه بما ذكر من تسخير الجبال له والطير والتسبيح معه، وما ذكر من طاعة هذه الأشياء له والخضوع لأمره، فمن بلغ أمر ملكه هذا المبلغ الذي وصف من طاعة من ذكره والتسخير له وعبادته لله وطاعته لربه في نفسه حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ لم يقصد أحد من ملوك الأرض قصده ولا طمع في زوال ملكه إليه بحال، وهذا أشبه أن يجعل تأويل شد ملكه الذي ذكر - والله أعلم - مما قاله أهل التأويل.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ ﴾ أي: النبوة ﴿ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ ﴾ ، أي: البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، لكن ليس فيما ذكروا من جعل البينة على المدعي وجعل اليمين على المنكر كثير منقبة وخصوصية؛ إذ قد أعطينا نحن مثله، وقد ذكر على الخصوصية له.
ثم جائز أن يكون ما ذكر من الحكمة أنه آتاها له: إحكام أمره فيما بينه وبين ربه: العبادة له - أي: لله - والطاعة له في كل وقت؛ على ما وصفه حين قال: ﴿ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ ، أي: ذا القوة والجهد في العبادة لله والطاعة له فيهم، وإنزال كل منهم منزلة وتأليف قلوب بعضهم من بعض، وجمعهم على دين واحد، ومذهب واحد حتى لم يقع تنازع ولا خلاف في الدين، والله أعلم.
وعلى ذلك يخرج قوله - عز وجل -: ﴿ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ ﴾ ، أي: قطع الخصومات فيما بينهم على التأليف والتلطف وإيصال كل إلى حقه من غير أن يقع بينهم خشونة أو ضغينة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ ﴾ .
قال بعضهم: ما ذكرنا من القضاء بين الخصوم بالبينة على المدعي واليمين على المنكر، وليس في ذلك كثير منقبة ولا خصوصية.
وقال بعضهم: هو "أما بعد" وهذا أيضاً ليس بشيء، والأصل فيه ما ذكرنا، والله أعلم.
والخطاب: هو الخصومة؛ قال أبو معاذ: الخطاب: كالجدال والخصام، تقول: خاطبته [خطاباً و] مخاطبة و[جادلته] جدالاً ومجادلة فكل "فاعل" له مصدران: فعال ومفاعلة.
وقال أبو عوسجة: الفصل: القضاء، والخطاب: الخصومة، تقول: خاطبت الرجل، أي: خاصمته.
والإشراق: هو طلوع الشمس ووقوعها في كل ناحية بنورها؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ ﴾ .
قد ذكرنا في غير موضع أن حرف الاستفهام من الله - عز وجل - يخرج على الإيجاب، أو على التقرير والتنبيه.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ ﴾ على وجهين: أحدهما: أي: قد أتاك نبأ الخصم فتفكر فيه كيف ابتلاه الله - عز وجل - وفتنه [على] ما ذكر؟!
والثاني: قوله - عز وجل -: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ ﴾ أتاك وأرسل إليك نبأه وخبره: أن كيف ابتلاه وفتنه؟!
وعلى هذا يجوز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ﴾ ، أي: اذكر ما قربه هو، أو اذكر متقربه إياه، أو اذكر خصومة الخصمين إليه، أو اذكر ما أعطى هو من الحكمة والحكم وفصل الخطاب.
ثم قوله: ﴿ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ ﴾ هو حرف التوحيد والوحدان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ ﴾ .
حرف الجماعة؛ وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ ﴾ ذكره بالجماعة؛ وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ﴾ ذكر بحرف الجماعة، وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لاَ تَخَفْ ﴾ ، ثم ذكر بحرف التثنية حيث قال - عز وجل -: ﴿ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ ذكر بعضه بحرف الوحدان والإفراد وبعضه بحرف التثنية وهي قصة واحدة.
وقال بعضهم: أما قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْخَصْمِ ﴾ فهو مصدر، والمصدر للجمع والفرد والتثنية واحد، وأما قوله - -: ﴿ تَسَوَّرُواْ ﴾ و ﴿ دَخَلُواْ ﴾ و ﴿ قَالُواْ ﴾ ، ونحوه قد يقال للاثنين ذلك؛ لأن الاثنين جماعة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ ، والقلوب جماعة، وإنما هو قلبان، وذلك كثير في القرآن، وذلك جائز في اللغة شائع فيها.
وعندنا جائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ تَسَوَّرُواْ ﴾ و ﴿ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ ﴾ و ﴿ قَالُواْ لاَ تَخَفْ ﴾ ونحوه: أن كان مع الخصمين الملكين ملائكة سواهم شهود على دعواهما وخصومتهما تسوروا معهما ودخلوا معهما عليه فلما فزع منهم ﴿ قَالُواْ لاَ تَخَفْ ﴾ وإن كان الذي تخاصم بين يديه اثنان؛ لما لا يحتمل أن يقول داود لأحد الخصمين: ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ﴾ ، ينسبه إلى الظلم ويصفه بالبغي بلا شهود يشهدون، إلا أن يكون من الآخر إقرار على ما يدعي عليه، فإذا كان كذلك فيشبه أن يكون ما ذكرنا أنه كان مع الملكين ملائكة آخرون شهود يشهدون على ذلك، وأن حاصل الخصومة لاثنين منهم، وفيما أضيف الفعل إلى الجماعة كانوا جماعة في التسور والدخول عليه والقول منهم: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ ، وفيما أضيف إلى الاثنين اثنين كانا في الخصومة، والله أعلم.
ثم فيه من الكلام والقول حيث قالا: ﴿ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ ، و ﴿ إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ ﴾ ، ونحوه من الكلام والقول الذي كان منهما كيف حققا ذلك وقطعاه أنهما خصمان ولم يكونا في الحقيقة خصمين وإن لهذا كذا وكذا نعجة ولهذا واحدة، ولم يكن في الحقيقة ذلك، وأن هذا بغى على هذا ونحو ذلك من الخصومات التي جرت بينهما، ولم يكن ذلك كذلك في الحقيقة، كيف قالا ذلك وحققاه وهم ملائكة والملائكة لا يحتمل أن يكذبوا قط، أو يرسلهم الله ليكذبوا؟!
لكنه - والله أعلم - على التقرير والتمثيل، أي: لو كان لأحدهما كذا كذا نعجة وللآخر واحدة فغلب صاحب النعاج الكثيرة على صاحب النعجة الواحدة فأخذها، أليس يكون ظالماً أو يكون باغياً؟!
ليس على التحقيق، ولكن لما ذكرنا يقرران عنده الزلة ويمثلان به القضية، [لا] أن كانت له على ما يقوله أهل التـأويل ويقررونه، وقد ذكر الله - عز وجل - أشياء كثيرة على التمثيل والتقرير على تقرير أشياء غفلوا عنها وسهوا فيها ليتقرر ذلك عندهم؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون خصومة هؤلاء الملائكة عند داود - - وما كان منهم من القول والخصومة ليتقرر ما كان منه من الهفوة والزلة ليعرف ذلك ويرجع عنه، والله أعلم.
ثم قول أهل التأويل: إن طائراً وقع بين يديه قريباً منه فنظر إليه وصار معجبا به، فهم أن يأخذه وارتفع إلى كوة المحراب فصعد ليأخذه فوقع بصره على امرأة فأعجبته، فإن هذا يحتمل أن يكون، وأما قولهم: أدام النظر أما هذا فإنه لا يحتمل أن يكون مثل داود أو نبي من الأنبياء - عليهم السلام - أنه يديم النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، وأما الأول من الذهاب لطلب ذلك الطائر والنظر إليه أنه من أين؟
وإلى ماذا؟
فذلك يحتمل أن يكون، ثم هو يكون معذوراً في الصعود إلى الكوة والارتفاع للنظر إلى الطائر؛ لما كان الطيور حشرت له وسخرت في التسبيح معه والطاعة له، فجائز أن يكون له البحث والفحص عن حال ذلك الطائر على ما أخبر عن سليمان حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ ﴾ فإذا كان ما ذكرنا: هو في الصعود إلى الكوة والارتفاع إلى ذلك معذوراً، لكن وقع بصره عليها بلا قصد منه ولا علم بحالها ومال قلبه إليها لحسنها وجمالها، وذلك ما يكون بلا تكلف ولا صنع، وذلك مما لا يملك دفعه؛ نحو ما كان من ميل قلب رسول الله إلى امرأة زيد [و]وعد لها نكاحها حيث قال - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ﴾ وما ذكر من بعث زوجها إلى القتال ليقتل فهذا أيضاً غير محتمل، لكن يحتمل بعثه إياه ليجاهد أعداء الله وكان ذلك فرضاً عليه، فصار مقتولا فيه من غير أن يتوهم منه أنه قصد قتله وإهلاكه، والله أعلم.
فإن قيل: كيف عوتب كل هذا العتاب، حتى بعث إليه الملائكة بالخصومة عنده والتمثيل لما ذكر وتقرير ذلك عنده، ثم أخبر أنه غفر له بعد طول المدة، إن كان معذوراً في ذلك غير مؤاخذ به؟!
قيل: إن الأنبياء - صلوات الله عليهم - أجمعين كانوا يؤاخذون بأدنى شيء كان منهم ما لا يؤاخذ غيرهم بذلك، بل يعدّ ذلك منهم من أرفع الخصال وأجلها نحو ما عوتب يونس - - في خروجه من بين قومه؛ ليسلم دينه أو نفسه، لكنه خرج بلا إذن كان له من الله؛ فعوتب لذلك؛ فعلى ذلك داود - - إنما فعل بلا إذن من الله عز وجل، والله أعلم.
ثم في بعث الملائكة إليه فيما ذكر وجوه من الحكمة وأنواع من الفائدة: أحدها: جواز الحجاب والحرس له، حيث دخلوا عليه من غير الباب.
والثاني: رفع الحجاب عن الخصوم لا على وقت حاجة نفسه حيث دخلوا من غير الباب للخصومة بلا إذن منه.
والثالث: قدرة الملائكة على التصور بصورة البشر مع كون النفس الكثيفة موجودة معهم، وذلك يرد على الفلاسفة مذهبهم أن النفس الروحانية خلقت منتشرة متحركة في كل حال، لكن الجسد الذي جعل يمنعها عن ذلك، فإذا نام ذلك الجسد أو مات ذهبت تلك النفس حيث شاءت إلى حاجتها؛ ألا ترى أن الملائكة قد تسوروا عليه بصورة البشر، واختصموا إليه خصومة البشر؟!
دل على أنه ليس على ما وصفوا هم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ ﴾ .
قال بعضهم: صعدوا، وأصل التسور: هو الدخول من العلو والارتفاع وهو النزول من السور وهو الحائط المشرف المرتفع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ﴾ .
لما خاف دخول الوهن في ملكه؛ إذ دخلوا بلا إذن من غير الباب.
أو خاف؛ لما ظن أنهم لصوص مكابرون.
أو لما عرف أنهم ملائكة جاءوا بأمر عظيم ونحوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُشْطِطْ ﴾ .
أي: لا تجر.
وقوله: ﴿ أَكْفِلْنِيهَا ﴾ .
قال بعضهم: أعطينيها.
وقال بعضهم يقال: أكفلته، أي: أعطيته؛ وهو قول أبي عوسجة.
وقال بعضهم: أي: ضمها إلى، واجعلني كافلها؛ وهو قول القتبي.
وقوله: ﴿ وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ ﴾ .
قال بعضهم: غلبني في الخصومة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ .
ثم استثنى: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ، أي: الذين آمنوا، واعتقدوا في إيمانهم الأعمال الصالحات، فإنهم لا يبغون بعضهم على بعض، ثم أخبر أن من آمن واعتقد في إيمانه العمل الصالح، أي: من اتقى من المؤمنين قليل و[من] ترك البغي قليل منهم، وهذه الآية شديدة صعبة على ما ذكرنا.
وفيه أن المؤمن الذي اعتقد في إيمانه العمل الصالح وترك البغي على غيره - قليل في كل زمان ودهر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ﴾ .
أي: علم داود وأيقن أن خصومة الملكين عنده فيما اختصما فيه محنة له، هو الممتحن بها، لا أنهما كانا ممتحنين بذلك؛ فاستغفر ربه إذ أيقن بذلك أنه هو الممتحن بذلك لا غيره، والله أعلم.
ثم فسر أهل التأويل الظن هاهنا: الإيقان، أي: أيقن، وكأن الإيقان هو علم يستفاد بالأسباب، على ما استفاد داود - - علما بخصومة الملكين عنده؛ ولذلك لا يضاف الإيقان إلى الله أنه أيقن كذا لأنه علم يستفاد بالأسباب، وهو عالم بذاته لا بسبب، وأما العلم فإنه قد يستفاد بسبب وبغير [سبب]؛ لذلك أضيف إليه حرف العلم ولم يضف حرف الإيقان، والله أعلم.
فإن قيل: ما الحكمة في ذكر زلات الرسل - عليهم السلام - والأصفياء في الكتاب، وهو وصف نفسه أنه غفور وأنه ستور، وقد أمرنا لنستر على من ارتكب شيئاً من ذلك وبالغفران والعفو، فكيف ذكر هو زلات أنبيائه وأصفيائه حتى نقرأ زلاتهم في المساجد والمكاتب بأعلى صوت إلى يوم التناد، وما الحكمة في ذكر ذلك؟!
قال الشيخ أبو منصور محمد بن محمد الفقيه - -: يخرج ذكر زلات الأنبياء - عليهم السلام - في القرآن وترك الستر عليهم على وجوه: أحدها: ذكرها؛ ليكون ذلك آية لرسالة محمد ؛ لأن قلوب الخلق وأنفسهم لا يحتمل ذكر مساوئ الآباء والأجداد، وكذلك لا تحتمل قلوبهم ذكر مساوئ أنفسهم، فإذا ذكر رسول الله ذلك؛ دل أنه على أمر من الله - عز وجل - يذكر ذلك؛ ليعلم الناس أنه رسول الله ، وأنه عن أمر منه ذكر ذلك، والله أعلم.
والثاني: ذكر زلاتهم امتحاناً منه عباده أن كيف يعاملون رسلهم بعد ما عرفوا منهم الزلات وأظهر عنهم العثرات؟
وكيف ينظرون بعين الرحمة والرأفة؟
يمتحنهم بذلك على ما امتحنهم بسائر أنواع المحن.
والثالث: ذكر زلاتهم ليعلموا - أعني: الخلق - كيف عاملوا ربهم عند ارتكابهم الزلات والعثرات؟
فيعاملون ربهم عند ارتكابهم ذلك على ما عامله الرسل بالبكاء والتضرع والفزع إليه والتوبة على ذلك، والله أعلم.
أو أن يكون ذكرها؛ ليعلم أن ارتكاب الصغائر لا يزيل الولاية ولا يخرجه من الإيمان، وذلك على الخوارج بقولهم: إن من ارتكب صغيرة أو كبيرة خرج من الإيمان.
أو أن يكون ذلك؛ ليعلم أن الصغيرة ليست بمغفورة، ولكن له أن يعذب عليها، وليس على ما قالت المعتزلة أن ليس لله أن يعذب أحداً على الصغيرة، والله أعلم.
وزلات الأنبياء - عليهم السلام - في قلوب الناس، فخافوا عليها، فلولا أنهم عرفوا أن لله أن يعذبهم عليها وإلا لم يخافوا منها كل ما ذكر منهم، يذكر عن الحسن أن داود جزأ الدهر أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لعباد بني إسرائيل: [يذكرهم] ويذكرونه، ويبكيهم ويبكونه، فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب به ذنباً؟
فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك، قال: فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، فأكب على الزبور يقرأها فابتلي بما ذكروا، قال: ولذلك سمي: أواباً، والله أعلم.
وابن عباس وهؤلاء قالوا: "إنه كان له تسع وتسعون امرأة، فكان يكون عند كل امرأة يوماً فإذا كان رأس المائة يفرغ للعبادة، ففي ذلك اليوم أصابه ما أصابه".
وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: ﴿ وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ ﴾ أي: غالبني في الكلام، أراد إذا تكلم أن يكون أبين مني، وإذا دعا ودعوت كان أكثر مني أو ما قلت أن يكون أعرض، على ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ ﴾ .
أي: زلته التي كانت منه وعثرته، وما يقول أهل التأويل: ربه أوحى إليه: أني قد غفرت لك، لكن لا بد أن يتعلق بك أوريَّا في رءوس الخلائق، ثم أستوهبك منه أو عوض كذا - فذلك مما لا نقول به ولا نعلم ذلك، ولا يصح ذلك، ولا يستقيم على ما ذكرنا نحن: أنه لم يكن منه أوريَّا ما يلحقه ما يذكرون، إنما أمره بمجاهدة أعداء الله وكان له أن يأمر، إلا أنه عوتب؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا يعاتبون بأدنى شيء كان منهم، ويعيرون على ذلك؛ لذلك كان ما ذكرنا، وقد عرفنا أنه كان منه شيء عوتب عليه، ثم علمنا أن ربه غفر له بقوله - عز وجل -: ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ ﴾ ، فأما ما سوى ذلك الذي ذكره أهل التأويل فلا نعرفه، فإن صح شيء منه يقال به، وإلا الترك أولى به وأسلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ ﴾ .
يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ ﴾ في باقي عمره، أي: له في باقي عمره ما يزلفه لدينا، ويقربه عندنا، والله أعلم.
أو أن يكون له زلفى عنده في الآخرة، أي: له كرامة ومنزلة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
يحتمل قوله: في جملة أهل الأرض من الرسل والأنبياء والملوك وغيرهم على الشريف والوضيع، والله أعلم.
ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ في الرسل خاصة، وكلا التأويلين يرجعان إلى واحد، إلا أن أحدهما يرجع إلى العامة منهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ ﴾ .
ثم لم ينهه عن هوى النفس، ولكن نهاه عن اتباع هواها أن النفس قد تهوى في الحكم بغير حق حيث قال: ﴿ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ ﴾ ؛ لأن النفس أنشئت على الهوى والميل إلى اللذات والشهوات وعلى ذلك طبعت وبنيت؛ فيكون في هواها إلى ما تهوى مدفوعاً غير مالك ولا قادر على دفعه؛ لذلك لم ينه عن هواها ولكن نهاه عن اتباع هواها، ويقدر على منعها بالعقل وردها إلى اتباع الحق؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .
ذكر أنه لو اتبع هواها أضله عن سبيله، ولا كل هوى إذا اتبعه المرء، أضله عن سبيله، لكنه إذا اتبعه في شيء بعد شيء يحمله على الإضلال عن سبيله؛ إذ من ضل عن سبيله إنما يضل لاتباعه هواه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ ﴾ : أخبر أن من اتخذ إلها دونه إنما اتخذه بهواه لا بحجة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ ﴾ .
أي: تركوا الأعمال التي تعمل ليوم الحساب.
أو ﴿ بِمَا نَسُواْ ﴾ أي: بما تركوا الإيمان به والإقرار، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقالوا مستهزئين: يا ربنا، عجل لنا نصيبنا من العذاب في الحياة الدنيا قبل يوم القيامة.
من فوائد الآيات أقسم الله عز وجل بالقرآن العظيم، فالواجب تَلقِّيه بالإيمان والتصديق، والإقبال على استخراج معانيه.
غلبت المقاييس المادية في أذهان المشركين برغبتهم نزول الوحي على السادة والكبراء.
سبب إعراض الكفار عن الإيمان: التكبر والتجبر والاستعلاء عن اتباع الحق.
<div class="verse-tafsir" id="91.ObdQX"