الآية ١٦ من سورة الجاثية

الإسلام > القرآن > سور > سورة 45 الجاثية > الآية ١٦ من سورة الجاثية

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 62 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦ من سورة الجاثية: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة الجاثية عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يذكر تعالى ما أنعم به على بني إسرائيل من إنزال الكتب عليهم وإرسال الرسل إليهم ، وجعله الملك فيهم ; ولهذا قال : ( ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات ) أي : من المآكل والمشارب ، ( وفضلناهم على العالمين ) أي : في زمانهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) يقول تعالى ذكره ( وَلَقَدْ آتَيْنَا ) يا محمد ( بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ) يعني التوراة والإنجيل، (والحُكْمَ) يعني الفهم بالكتاب, والعلم بالسنن التي لم تنـزل فى الكتاب، ( وَالنُّبُوَّةَ ) يقول: وجعلنا منهم أنبياء ورسُلا إلى الخلق، ( وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ) يقول: وأطعمناهم من طيبات أرزاقنا, وذلك ما أطعمهم من المنّ والسلوى ( وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) يقول: وفضلناهم على عالمي أهل زمانهم في أيام فرعون وعهده في ناحيتهم بمصر والشام.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب يعني التوراة .

والحكم والنبوة ؛ الحكم : الفهم في الكتاب .

وقيل : الحكم على الناس والقضاء .

والنبوة يعني الأنبياء من وقت يوسف - عليه السلام - إلى زمن عيسى عليه السلام .

ورزقناهم من الطيبات أي الحلال من الأقوات والثمار والأطعمة التي كانت بالشام .

وقيل : يعني المن والسلوى في التيه .

وفضلناهم على العالمين أي على عالمي زمانهم .

على ما تقدم في ( الدخان ) بيانه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ولقد أنعمنا على بني إسرائيل نعما لم تحصل لغيرهم من الناس، وآتيناهم { الكتاب } أي: التوراة والإنجيل { والحكم } بين الناس { والنبوة } التي امتازوا بها وصارت النبوة في ذرية إبراهيم عليه السلام، أكثرهم من بني إسرائيل، { وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } من المآكل والمشارب والملابس وإنزال المن والسلوى عليهم { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } أي: على الخلق بهذه النعم ويخرج من هذا العموم اللفظي هذه الأمة فإنهم خير أمة أخرجت للناس.

والسياق يدل على أن المراد غير هذه الأمة فإن الله يقص علينا ما امتن به على بني إسرائيل وميزهم عن غيرهم، وأيضا فإن الفضائل التي فاق بها بنو إسرائيل من الكتاب والحكم والنبوة وغيرها من النعوت قد حصلت كلها لهذه الأمة، وزادت عليهم هذه الأمة فضائل كثيرة فهذه الشريعة شريعة بني إسرائيل جزء منها، فإن هذا الكتاب مهيمن على سائر الكتب السابقة، ومحمد صلى الله عليه وسلم مصدق لجميع المرسلين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب ) التوراة ( والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات ) الحلالات ، يعني المن والسلوى ( وفضلناهم على العالمين ) أي عالمي زمانهم ، قال ابن عباس لم يكن أحد من العالمين في زمانهم أكرم على الله ولا أحب إليه منهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب» التوراة «والحكم» به بين الناس «والنبوة» لموسى وهارون منهم «ورزقناهم من الطيبات» الحلالات كالمنّ والسلوى «وفضلناهم على العالمين» عالمي زمانهم العقلاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد آتينا بني إسرائيل التوراة والإنجيل والحكم بما فيهما، وجعلنا أكثر الأنبياء من ذرية إبراهيم عليه السلام فيهم، ورزقناهم من الطيبات من الأقوات والثمار والأطعمة، وفضَّلناهم على عالمي زمانهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعم الله - سبحانه - على بنى إسرائيل ، وعن موقفهم منها ، وأمرت النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يتمسك بالشريعة التى أنزلها الله - سبحانه - عليه .

.

فقال : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا بني إِسْرَائِيلَ .

.

.

وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) .والمراد بإسرائيل : يعقوب عليه السلام - وببنيه : ذريته من بعده .

والمراد بالكتاب : التوراة - أو جنس الكتاب فيشمل التوراة والإِنجيل والزبور .أى : والله لقد أعطينا بنى إسرائيل ( الكتاب ) ليكون هداية لهم ، وآتيناهم - أيضا - ( والحكم ) أى : الفقه والفهم للأحكام حتى يتمكنوا من القضاء بين الناس ، وأعطيناهم كذلك ( النبوة ) بأن جعلنا عددا كبيرا من الأنبياء فيهم ومنهم .وهكذا منحهم - سبحانه - نعما عظمى تتعلق بدينهم ، أما النعم التى تتعلق بدنياهم فقد بينها - سبحانه - فى قوله : ( وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات ) أى : ورزقناهم من المطاعم والمشارب الطيبات التى جعلناها حلالا لهم .وقوله : ( وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين ) بيان لنعمة أخرى .

وللمفسرين فى معنى هذه الجملة اتجاهان : أحدهما : أن المقصود بها فضلناهم على العالمين بأمور معينة حيث جعلنا عددا من الأنبياء منهم ، وأنزلنا المن والسلوى عليهم .قال الآلوسى : قوله : ( وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين ) حيث آتيناهم ما لم نؤت غيرهم من فلق البحر ، وإظلال الغمام ، ونظائرهما ، فالمراد تفضيلهم على العالمين مطلقا من بعض الوجوه ، لا من كلهان ولا من جهة المرتبة والثواب فلا ينافى ذلك تفضيل أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - عليهم من وجه آخر ، ومن جهة المرتبة والثواب .والثانى : أن المقصود بها : فضلناهم على عالمى زمانهم .قال الإِمام الرازى ، ما ملخصه : فإن قيل إن تفضيلهم على العالمين ، يقتضى تفضيلهم على أمة - محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا باطل ، فكيف الجواب؟قلنا : الجواب من وجه أقربها إلى الصواب أن المراد : فضلتكم على عالمى زمانكم ، وذلك لأن الشخص الذى سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود ، لم يكن من جملة العالمين حال عدمه ، وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لم تكن موجودة فى ذلك الوقت ، فلا يلزم من كون بنى إسرائيل أفضل العالمين فى ذلك الوقت ، أنهم أفضل من الأمة الإِسلامية .وقال الشيخ الشنقيطى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين ) .ذكر - سبحانه - فى هذه الآية أنه فضل بنى إسرائيل على العالمين ، كما ذكر ذلك فى آيات أخرى .

.

ولكن الله - تعالى - بين أن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خير من بنى إسرائيل ، وأكرم على الله ، كما صرح بذلك فى قوله : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) فخير صيغة تفضيل ، والآية نص صريح فى أنهم خير من جميع الأمم ، بنى إسرائيل وغيرهم .ويؤيد ذلك من حديث معاوية بن حيدة القشيرى ، " أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال فى أمته : أنتم توفون سبعين أمة ، أنتم خيرها وأكرمها على الله " ، وقد رواه عنه الإِمام أحمد والترمذى وابن ماجه والحاكم وهو حديث مشهور .واعلم أن ما ذكرنا من كون الأمة الإِسلامية أفضل من بنى إسرائيل وغيرهم لا يعراض ما ورد من آيات فى تفضيل بنى إسرائيل .لأن ذلك التفضيل الوارد فى بنى إسرائيل ، ذكر فيهم حال عدم وجود أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - والمعلوم فى حال عدمه ليس بشئ حتى يفضل على غيره ، أو يفضل غيره عليه .ولكنه - تعالى - بعد وجد الأمة الإِسلامية صرح بأنها خير الأمم ، فثبت أن كل ما جاء فى القرآن من تفضيل بنى إسرائيل ، إنما يراد به ذكر أحوال سابقة .وهذا الاتجاه الثانى هو الذى نرجحه ، لأن المقصود بالآية الكريمة وأمثالها تذكير بنى إسرائيل المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - بنعم الله عليهم وعلى آبائهم ، حتى يكشروه عليها .ومن مظاهر هذا الشكر - بل على رأسه - إيمانهم بما جاءهم به النبى - صلى الله عليه وسلم - .

ولكن بنى إسرائيل لم يقابوا تلك النعم بالشكر ، بل قابلوا بالجحود والحسد للنبى - صلى الله عليه وسلم - على ما آتاه الله - تعالى - من فضله ، فكانت نتيجة ذلك أن لعنهم الله وغضب عليهم ، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت .ولقد سبق أن قلنا عند تفسيرنا لقوله - تعالى - فى سورة البقرة : ( وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين ) والعبرة التى نستخلصها من هذه الآية وأمثالها : أن الله - تعالى - فضل بنى إسرائيل على غيرهم من الأمم السابقة على الأمة الإِسلامية ، ومنحهم الكثير من النعم ولكنهم لم يقابلوا ذلك بالشكر .

.

فسلب الله عنهم ما حباهم به من نعم .

ووصفهم فى كتابه بنقض العهد ، وقسوة القلب .وهذا مصير كل أمة بدلت نعمة الله كفرا ، لأن الميزان عند الله للتقوى والفعل الصالح ، وليس للجنس أو اللون أو النسب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى بيّن أنه أنعم بنعم كثيرة على بني إسرائيل، مع أنه حصل بينهم الاختلاف على سبيل البغي والحسد: والمقصود أن يبين أن طريقة قومه كطريقة من تقدم.

واعلم أن النعم على قسمين: نعم الدين، ونعم الدنيا، ونعم الدين أفضل من نعم الدنيا، فلهذا بدأ الله تعالى بذكر نعم الدين، فقال: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا بَنِى إسراءيل الكتاب والحكم والنبوة ﴾ والأقرب أن كل واحد من هذه الثلاثة يجب أن يكون مغايراً لصاحبه، أما الكتاب فهو التوراة، وأما الحكم ففيه وجوه، يجوز أن يكون المراد العلم والحكمة، ويجوز أن يكون المراد العلم بفصل الحكومات، ويجوز أن يكون المراد معرفة أحكام الله تعالى وهو علم الفقه، وأما النبوة فمعلومة، وأما نعم الدنيا فهي المراد من قوله تعالى: ﴿ وَرَزَقناهم مِّنَ الطيبات ﴾ وذلك لأنه تعالى وسع عليهم في الدنيا، فأورثهم أموال قوم فرعون وديارهم ثم أنزل عليهم المن والسلوى، ولما بيّن تعالى أنه أعطاهم من نعم الدين ونعم الدنيا نصيباً وافراً، قال: ﴿ وفضلناهم عَلَى العالمين ﴾ يعني أنهم كانوا أكبر درجة وأرفع منقبة ممن سواهم في وقتهم، فلهذا المعنى قال المفسرون المراد: وفضلناهم عن عالمي زمانهم.

ثم قال تعالى: ﴿ وءاتيناهم بينات مّنَ الأمر ﴾ وفيه وجوه: الأول: أنه آتاهم بينات من الأمر، أي أدلة على أمور الدنيا الثاني: قال ابن عباس: يعني بيّن لهم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يهاجر من تهامة إلى يثرب، ويكون أنصاره أهل يثرب الثالث: المراد ﴿ وءاتيناهم بينات ﴾ أي معجزات قاهرة على صحة نبوتهم، والمراد معجزات موسى عليه السلام.

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَا اختلفوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ وهذا مفسر في سورة ﴿ حمٓ  عٓسٓقٓ  ﴾ والمقصود من ذكر هذا الكلام التعجب من هذه الحالة، لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف، وهاهنا صار مجيء العلم سبباً لحصول الاختلاف، وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم، وإنما المقصود منه طلب الرياسة والتقدم، ثم هاهنا احتمالات يريد أنهم علموا ثم عاندوا، ويجوز أن يريد بالعلم الدلالة التي توصل إلى العلم، والمعنى أنه تعالى وضع الدلائل والبينات التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق، لكنهم على وجه الحسد والعناد اختلفوا وأظهروا النزاع.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضي بَيْنَهم يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ والمرد أنه لا ينبغي أن يغتر المبطل بنعم الدنيا، فإنها وإن ساوت نعم المحق أو زادت عليها، فإنه سيرى في الآخرة ما يسؤوه، وذلك كالزجر لهم، ولما بيّن تعالى أنهم أعرضوا عن الحق لأجل البغي والسحد، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يعدل عن تلك الطريقة، وأن يتمسك بالحق، وأن لا يكون له غرض سوى إظهار الحق وتقرير الصدق، فقال تعالى: ﴿ ثُمَّ جعلناك على شَرِيعَةٍ مّنَ الأمر ﴾ أي على طريقة ومنهاج من أمر الدين، فاتبع شريعتك الثابتة بالدلائل والبينات، ولا تتبع ما لا حجة عليه من أهواء الجهال وأديانهم المبنية على الأهواء والجهل، قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة: ارجع إلى ملة آبائك فهم كانوا أفضل منك وأسن، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الله شَيْئاً ﴾ أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة فصرت مستحقاً للعذاب، فهم لا يقدرون على دفع عذاب الله عنك، ثم بيّن تعالى أن الظالمين يتولى بعضهم بعضاً في الدنيا وفي الآخرة، ولا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثواب وإزالة العقاب، وأما المتقون المهتدون، فالله وليهم وناصرهم وهم موالوه، وما أبين الفرق بين الولايتين، ولما بيّن الله تعالى هذه البيانات الباقية النافعة، قال: ﴿ هذا بصائر لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ وقد فسرناه في آخر سورة الأعراف، والمعنى هذا القرآن بصائر للناس جعل ما فيه من البيانات الشافية، والبينات الكافية بمنزلة البصائر في القلوب، كما جعل في سائر الآيات روحاً وحياة، وهو هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن آمن وأيقن، ولم بيّن الله تعالى الفرق بين الظالمين وبين المتقين من الوجه الذي تقدم، بيّن الفرق بينهما من وجه آخر، فقال: ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: ﴿ أَمْ ﴾ كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفاً على شيء آخر، سواء كان ذلك المعطوف مذكوراً أو مضمراً، والتقدير هاهنا: أفيعلم المشركون هذا، أم يحسبون أنا نتولاهم كما نتولى المتقين؟

البحث الثاني: الاجتراح: الاكتساب، ومنه الجوارح، وفلان جارحة أهله، أي كاسبهم، قال تعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار  ﴾ .

البحث الثالث: قال الكلبي: نزلت هذه الآية في علي وحمزة وأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم، وفي ثلاثة من المشركين: عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء، ولو كان ما تقولون حقاً لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة، كما أنا أفضل حالاً منكم في الدنيا، فأنكر الله عليهم هذا الكلام، وبيّن أنه لا يمكن أن يكون حال لمؤمن المطيع مساوياً لحال الكافر العاصي في درجات الثواب، ومنازل السعادات.

واعلم أن لفظ ﴿ حَسِبَ ﴾ يستدعي مفعولين أحدهما: الضمير المذكور في قوله: ﴿ أَن نَّجْعَلَهُمْ ﴾ والثاني: الكاف في قوله: ﴿ كالذين ءامَنُواْ ﴾ والمعنى أحسب هؤلاء المجترحين أن نجعلهم أمثال الذين آمنوا؟

ونظيره قوله تعالى: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَٰدُ  يَوْمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ  مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ سَوَاء مَّحْيَاهُمْ ومماتهم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ سواء ﴾ بالنصب، والباقون بالرفع، واختيار أبي عبيد النصب، أما وجه القراءة بالرفع، فهو أن قوله: ﴿ مَّحْيَاهُمْ ومماتهم ﴾ مبتدأ والجملة في حكم المفرد في محل النصب على البدل من المفعول الثاني لقوله: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ ﴾ وهو الكاف في قوله: ﴿ كالذين ءامَنُواْ ﴾ ونظيره قوله: ظننت زيداً أبوه منطلق، وأما وجه القراءة بالنصب فقال صاحب الكشاف أجرى سواء مجرى مستوياً، فارتفع محياهم ومماتهم على الفاعلية وكان مفرداً غير جملة، ومن قرأ ﴿ ومماتهم ﴾ بالنصب جعل ﴿ مَّحْيَاهُمْ ومماتهم ﴾ ظرفين كمقدم الحاج، وخفوق النجم، أي سواء في محياهم وفي مماتهم، قال أبو علي من نصب سواء جعل المحيا والممات بدلاً من الضمير المنصوب في نجعلهم فيصير التقدير أن نجعله محياهم ومماتهم سواء، قال ويجوز أن نجعله حالاً ويكون المفعول الثاني هو الكاف في قوله: ﴿ كالذين ﴾ .

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله: ﴿ مَّحْيَاهُمْ ومماتهم ﴾ قال مجاهد عن ابن عباس يعني أحسبوا أن حياتهم ومماتهم كحياة المؤمنين وموتهم، كلا فإنهم يعيشون كافرين ويموتون كافرين والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين، وذلك لأن المؤمن ما دام يكون في الدينا فإنه يكون وليه هو الله وأنصاره المؤمنون وحجة الله معه، والكافر بالضد منه، كما ذكره في قوله: ﴿ وَإِنَّ الظالمين بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ وعند القرب إلى الموت، فإن حال المؤمن ما ذكره في قوله تعالى: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طَيّبِينَ يَقُولُونَ سلام عَلَيْكُمُ ادخلوا الجنة  ﴾ وحال الكافر ما ذكره في قوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ  ﴾ وأما في القيامة فقال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ  ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ  وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ  تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ  ﴾ فهذا هو الإشارة إلى بيان وقوع التفاوت بين الحالتين والوجه الثاني: في تأويل الآية أن يكون المعنى إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة، وذلك لأن المؤمن والكافر قد يستوي محياهم في الصحة والرزق والكفاية بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن، وإنما يظهر الفرق بينهما في الممات والوجه الثالث: في التأويل أن قوله: ﴿ سَوَاء مَّحْيَاهُمْ ومماتهم ﴾ مستأنف على معنى أن محيا المسيئين ومماتهم سواء فكذلك محيا المسحنين ومماتهم، أي كل يموت على حسب ما عاش عليه، ثم إنه تعالى صرح بإنكار تلك التسوية فقال: ﴿ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾ وهو ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الكتاب ﴾ التوراة ﴿ والحكم ﴾ الحكمة والفقه.

أو فصل الخصومات بين الناس؛ لأنّ الملك كان فيهم والنبوّة ﴿ مِّنَ الطيبات ﴾ مما أحل الله لهم وأطاب من الأرزاق ﴿ وفضلناهم عَلَى العالمين ﴾ حيث لم نؤت غيرهم مثل ما آتيناهم ﴿ بينات ﴾ آيات ومعجزات ﴿ مِنَ الأمر ﴾ من أمر الدين، فما وقع بينهم الخلاف في الدين ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ ﴾ ما هو موجب لزوال الخلاف وهو العلم.

وإنما اختلفوا لبغى حدث بينهم، أو لعداوة وحسد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ التَّوْراةَ.

﴿ والحُكْمَ ﴾ والحِكْمَةَ النَّظَرِيَّةَ والعَمَلِيَّةَ أوْ فَصْلَ الخُصُوماتِ.

﴿ والنُّبُوَّةَ ﴾ إذْ كَثُرَ فِيهِمُ الأنْبِياءُ ما لَمْ يَكْثُرُوا في غَيْرِهِمْ.

﴿ وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ مِمّا أحَلَّ اللَّهُ مِنَ اللَّذائِذِ.

﴿ وَفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ ﴾ حَيْثُ آتَيْناهم ما لَمْ نُؤْتِ غَيْرَهم.

﴿ وَآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ أدِلَّةً في أمْرِ الدِّينِ ويَنْدَرِجُ فِيها المُعْجِزاتُ.

وقِيلَ: آياتٍ مِن أمْرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُبَيِّنَةً لِصِدْقِهِ.

﴿ فَما اخْتَلَفُوا ﴾ في ذَلِكَ الأمْرِ.

﴿ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

﴿ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ عَداوَةً وحَسَدًا.

﴿ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ بِالمُؤاخَذَةِ والمُجازاةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب} التوراة {والحكم} الحكمة والفقه أو فصل الخصومات بين الناس لأن الملك كان فيهم {والنبوة} خصها بالذكر لكثرة الأنبياء عليهم السلام فيهم {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات} مما أحل الله لهم وأطاب من الأرزاق {وفضلناهم عَلَى العالمين} على عالمى زمانهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ وهو اَلتَّوْراةُ عَلى أنَّ اَلتَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ لِلْجِنْسِ لِيَشْمَلَ اَلزَّبُورَ والإنْجِيلَ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُ اَلزَّبُورِ أدْعِيَةً ومُناجاةً والإنْجِيلُ أحْكامُهُ قَلِيلَةٌ جِدًّا ومُعْظَمُ أحْكامِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مِنَ اَلتَّوْراةِ لِأنَّ إيتاءَ اَلْكِتابِ مُطْلَقًا مِنَّةٌ ﴿ والحُكْمَ ﴾ اَلْقَضاءَ وفَصْلَ اَلْأُمُورِ بَيْنَ اَلنّاسِ لِأنَّ اَلْمُلْكَ كانَ فِيهِمْ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ، أوِ اَلْفِقْهَ في اَلدِّينِ ويُقالُ: لَمْ يَتَّسِعْ فِقْهُ اَلْأحْكامِ عَلى نَبِيٍّ ما اِتَّسَعَ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، أوِ اَلْحِكَمَ اَلنَّظَرِيَّةَ اَلْأصْلِيَّةَ والعَمَلِيَّةَ اَلْفَرْعِيَّةَ ﴿ والنُّبُوَّةَ ﴾ حَيْثُ كَثُرَ فِيهِمُ اَلْأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ ما لَمْ يَكْثُرْ في غَيْرِهِمْ ﴿ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ اَلْمُسْتَلَذّاتِ اَلْحَلالِ وبِذَلِكَ تَتِمُّ اَلنِّعْمَةُ وذَلِكَ كالمَنِّ والسَّلْوى ﴿ وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ ﴾ حَيْثُ آتَيْناهم ما لَمْ نُؤْتِ غَيْرَهم مِن فَلْقِ اَلْبَحْرِ وإظْلالِ اَلْغَمامِ ونَظائِرِهِما فالمُرادُ تَفْضِيلُهم عَلى اَلْعالَمِينَ مُطْلَقًا مِن بَعْضِ اَلْوُجُوهِ لا مِن كُلِّها ولا مِن جِهَةِ اَلْمَرْتَبَةِ والثَّوابِ فَلا يُنافِي ذَلِكَ تَفْضِيلَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ مِن وجْهٍ آخَرَ ومِن جِهَةِ اَلْمَرْتَبَةِ والثَّوابِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالعالَمِينَ عالَمُو زَمانِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ يعني: ثوابه لنفسه وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها يعني: عقوبته عليها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم.

قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: أولاد يعقوب الْكِتابَ أي: التوراة، والزبور، والإنجيل، لأن موسى وداود وعيسى كانوا في بني إسرائيل وَالْحُكْمَ يعني: الفهم والعلم وَالنُّبُوَّةَ يعني: جعلنا فيهم النبوة، فكان فيهم ألف نبي.

وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ يعني: الحلال من الرزق، وهو المن والسلوى.

ويقال: رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ يعني: أورثناهم أموال فرعون وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ يعني: فضلناهم بالإسلام على عالمي زمانهم.

وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ يعني: الحلال والحرام، وبيان ما كان قبلهم، ثم اختلفوا بعده قوله تعالى: فَمَا اخْتَلَفُوا يعني: في الدين إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي: صفة النبيّ  في كتبهم بَغْياً بَيْنَهُمْ يعني: حسداً منهم، وطلباً للعز والملك.

ويقال: اختلفوا في الدين، فصاروا أحزاباً فيما بينهم، يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من دين بعض.

ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني: يحكم بينهم فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ في الكتاب والدين.

قوله عز وجل: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ يعني: أمرناك وألزمناك وأثبتناك على شريعة.

ويقال: على سنة من الأمر وذلك حين دعوه إلى ملتهم.

ويقال: على شريعة.

يعني: على ملة ومذهب.

وقال قتادة: الشريعة الفرائض والحدود والأحكام.

فَاتَّبِعْها يعني: اثبت عليها.

وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ أي: لا يصدقون بالتوحيد إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يعني: إن تركت الإسلام، إنهم لا يمنعوك من عذاب الله شيئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يعني: بعضهم على دين بعض وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ أي: ناصر الموحدين المخلصين هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ يعني: يبصرهم ما لهم وما عليهم، والواحدة بصيرة يعني: يبين لهم الحلال والحرام.

ويقال: هذا القرآن دلائل للناس.

ويقال: دعوة وكرامة.

ثم قال: وَهُدىً وَرَحْمَةٌ أي: هُدًى من الضلالة، ورحمة من العذاب لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ يعني: يصدقون بالرسل والكتاب، ويوقنون أن الله أنزله نعمة وفضلاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ قال الغَزَّاليُّ في «الإحياء» : الْفِكْرُ والذِّكْرُ أعلى مقامَاتِ الصالحين، وقال- رحمه اللَّه-: اعلم أَنَّ الناظرين بِأنوار البصيرة عَلِمُوا أنْ لا نجاةَ إلاَّ في لقاء اللَّه عزَّ وجلَّ، وأَنَّه لا سبيل إلى اللقاء إلاَّ بأَنْ يَمُوتَ العبد مُحِبًّا للَّه تعالى، وعارِفاً به، وأَنَّ المحبَّةَ والأُنْسَ لا يتحصَّلانِ إلاَّ بدوامِ ذِكْرِ المحبوب، وأَنَّ المعرفة لا تحصل إلاَّ بدوام الفِكْرِ، ولن يتيسَّر دوامُ الذِّكْرِ والفِكْر إلاَّ بوداع الدنيا وشهواتها والاجتزاء منها بقَدْرِ البُلْغَةِ والضَّرُورَةِ، ثم قال: والقرآنُ جامعٌ لفَضْلِ الذِّكْرِ والفِكْرِ والدُّعَاءِ مَهْمَا كان بِتَدَبُّرٍ، انتهى.

وقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ...

الآية، قال أَكْثَرُ النَّاسِ: هذه الآيةُ منسوخٌة بِآية القتال، وقالَتْ فرقةٌ: بل هي مُحْكَمَةٌ قال ع «١» : الآية تتضمَّن الغُفْرَانَ عُمُوماً، فينبغي أَنْ يقال: «إنَّ الأُمور العظام، كالقتل والكُفْرِ مُجَاهَرَةً ونحو ذلك- قد نَسَخَتْ غفرانَهُ، آيةُ السَّيْفِ والجِزْيَةِ، وما أحكمه الشَّرْعُ لا محالة، وأَنَّ الأُمورَ الحقيرةَ كالجَفَاءِ في القول ونحوِ ذلك تحتملُ أنْ تبقى مُحْكَمَةً، وأنْ يكونَ العفْوُ عنها أقربَ إلى التقوى.

وقوله أَيَّامَ اللَّهِ قالت فرقة: معناه: أيام إنعامه، ونَصْرِهِ، وتنعيمه/ في الجنة، وغَيْرُ ذلك، وقال مجاهد: أَيَّامَ اللَّهِ: أيامُ نِقَمِهِ وعَذَابِهِ «٢» ، وباقي الآية بَيِّنٌ.

وقوله سبحانه: فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ...

الآيةُ، قَدْ تَقَدَّم بيان نظيرها في سورة يونس وغيرها.

ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا.

.

.

﴾ \[الآيَةُ\] في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّهم نَزَلُوا في غَزاةِ بَنِي المُصْطَلِقِ عَلى بِئْرٍ يُقالُ لَها: "المُرَيْسِيعُ"، فَأرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي غُلامَةَ لِيَسْتَقِيَ الماءَ، فَأبْطَأ عَلَيْهِ، فَلَمّا أتاهُ قالَ لَهُ: ما حَبَسَكَ؟

قالَ: غُلامُ عُمَرَ، ما تَرَكَ أحَدًا يَسْتَقِي حَتّى مَلَأ قِرَبَ النَّبِيِّ  وقِرَبَ أبِي بَكْرٍ، ومَلَأ لِمَوْلاهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ما مَثَلُنا ومَثَلُ هَؤُلاءِ إلّا كَما قِيلَ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، فَبَلَغَ قَوْلُهُ عُمَرَ، فاشْتَمَلَ سَيْفَهُ يُرِيدُ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: [أنَّها] «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا  ﴾ قالَ يَهُودِيٌّ بِالمَدِينَةِ يُقالُ لَهُ فَنُحاصُ: احْتاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ، فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ، اشْتَمَلَ [عَلى] سَيْفِهِ وخَرَجَ في طَلَبِهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ  في طَلَبِ عُمَرَ، فَلَمّا جاءَ، قالَ: "يا عُمَرُ، ضَعْ سَيْفَكَ" وتَلا عَلَيْهِ الآيَةَ،» رَواهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا في أذًى شَدِيدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرُوا بِالقِتالِ، فَشَكَوا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ القُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ رَجُلًا مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ شَتَمَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَهَمَّ عُمَرُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَمَعْنى الآيَةِ: قُلْ لِلَّذِينِ آمَنُوا: اغْفِرُوا، ولَكِنْ شُبِّهَ بِالشَّرْطِ والجَزاءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ  ﴾ وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا.

وَقَوْلُهُ: ﴿ لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ ﴾ أيْ: لا يَخافُونَ وقائِعَ اللَّهِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَلا يَخافُونَ عِقابَهُ.

وقِيلَ: لا يَدْرُونَ أنْعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، أمْ لا.

وقَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْنى "أيّامِ اللَّهِ" في سُورَةِ [إبْراهِيمَ: ٥] .

* فَصْلٌ وَجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، لِأنَّها تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِالإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ.

واخْتَلَفُوا في ناسِخِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: [أنَّهُ] قَوْلُهُ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ  ﴾ ، رَواهُ مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ في [الأنْفالِ: ٥٧]: ﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ ﴾ ، وقَوْلُهُ في [بَراءَةٍ: ٣٦]: ﴿ وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً ﴾ ، رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: [أنَّهُ] قَوْلُهُ: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا  ﴾ ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ قَوْمًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِنَجْزِيَ" بِالنُّونِ "قَوْمًا" يَعْنِي الكُفّارَ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تُكافِئُوهم أنْتُمْ لِنُكافِئَهم نَحْنُ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [الإسْراءِ: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿ والحُكْمَ ﴾ وهو الفَهْمُ في الكِتابِ، ﴿ وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ يَعْنِي المَنَّ والسَّلْوى ﴿ وَفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ ﴾ أيْ: عالَمِي زَمانِهِمْ.

﴿ وَآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بَيانُ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: العِلْمُ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ  وشَواهِدِ نُبُوَّتِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [آلِ عِمْرانَ: ١٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ دَعَوْا رَسُولَ اللَّهِ  إلى مِلَّةِ آبائِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ عَلى شَرِيعَةٍ ﴾ فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [أيْ] عَلى مِلَّةٍ ومَذْهَبٍ، ومِنهُ يُقالُ: شَرَعَ فُلانٌ في كَذا: إذا أخَذَ فِيهِ، ومِنهُ "مَشارِعُ الماءِ" وهي الفُرَضُ الَّتِي شَرَعَ فِيها الوارِدُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ جَعَلْناكَ بَعْدَ مُوسى عَلى طَرِيقَةٍ مِنَ الأمْرِ، أيْ: مِنَ الدِّينِ ﴿ فاتَّبِعْها ﴾ و ﴿ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ كَفّارُ قُرَيْشٍ.

﴿ إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ ﴾ أيْ: لَنْ يَدْفَعُوا عَنْكَ عَذابَ اللَّهِ إنِ اتَّبَعْتَهُمْ، ﴿ وَإنَّ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ.

﴿ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ ﴾ الشِّرَكَ.

والآيَةُ الَّتِي بَعْدَها [مُفَسَّرَةٌ] في آخِرِ [الأعْرافِ: ٢٠٣] .

﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآخِرَةِ مِثْلَما تُعْطَوْنَ مِنَ الأجْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والِاسْتِفْهامُ هاهُنا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ.

و "اجْتَرَحُوا" بِمَعْنى اكْتَسَبُوا.

﴿ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "سَواءً" نَصْبًا؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِالرَّفْعِ.

فَمَن رَفَعَ، فَعَلى الِابْتِداءِ؛ ومَن نَصَبَ، جَعَلَهُ مَفْعُولًا ثانِيًا، عَلى تَقْدِيرِ: أنْ نَجْعَلَ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً؛ والمَعْنى: إنَّ هَؤُلاءِ يَحْيَوْنَ مُؤْمِنِينَ ويَمُوتُونَ مُؤْمِنِينَ، وهَؤُلاءِ يَحْيَوْنَ كافِرِينَ ويَمُوتُونَ كافِرِينَ؛ وشَتّانَ ماهم في الحالِ والمَآلِ ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ أيْ: بِئْسَ ما يَقْضُونَ.

ثُمَّ ذَكَرَ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ أنَّهُ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ، أيْ: لِلْحَقِّ والجَزاءِ بِالعَدْلِ، لِئَلّا يَظُنَّ الكافِرُ أنَّهُ لا يُجْزى بِكُفْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُبُوَّةَ ورَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ فَما اخْتَلَفُوا إلا مِنَ بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ لَمّا تَقَرَّرَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أنَّ اللهَ يَجْزِي قَوْمًا بِكَسْبِهِمْ ويُعاقِبُهم عَلى ذُنُوبِهِمْ واجْتِرامِهِمْ، أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلِنَفْسِهِ" هي لامُ الحَظِّ، لِأنَّ الحُظُوظَ والمُحابَّ إنَّما تُسْتَعْمَلُ فِيها اللامُ الَّتِي هي كَلامُ المَلِكِ، تَقُولُ: "الأُمُورُ لِزَيْدٍ مُتَأتِّيَةٌ"، ويُسْتَعْمَلُ في ضِدِّ ذَلِكَ "عَلى"، فَتَقُولُ: "الأُمُورُ عَلى فُلانٍ مُسْتَصْعِبَةٌ"، وتَقُولُ: " لِزَيْدٍ مالٌ وعَلَيْهِ دَيْنٌ"، وكَذَلِكَ جاءَ العَمَلُ الصالِحُ في هَذِهِ بِاللامِ والإساءَةِ بِـ "عَلى"، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ ﴾ مَعْناهُ: إلى قَضائِهِ وحُكْمِهِ.

والكِتابَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ هو التَوْراةُ، و"الحُكْمَ" هو السُنَّةُ والفِقْهُ، فَيُقالُ: إنَّهُ لَمْ يَتَّسِعْ فِقْهُ الأحْكامِ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ ما اتَّسَعَ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والنُبُوَّةُ هي ما تُكَرَّرَ فِيهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ ﴾ يَعْنِي: المُسْتَلِذّاتُ الحَلالُ، وبِهَذا تَتِمُّ النِعْمَةُ ويَحْسُنُ تَعْدِيدُها، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى المَنِّ والسَلْوى، وطَيِّباتِ الشامِ بَعْدُ، إذْ هي الأرْضُ المُبارَكَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى الطَيِّباتِ، وتَلْخِيصُ قَوْلِ مالِكٍ والشافِعِيِّ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "عَلى العالَمِينَ" ﴾ يُرِيدُ: عَلى عالَمِ زَمانِهِمْ.

و"البَيِّناتُ مِنَ الأمْرِ": هو الوَحْيُ الَّذِي فُصِّلَتْ لَهم بِهِ الأُمُورُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى خَطَأهم وعَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما اخْتَلَفُوا إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ ، وذَلِكَ أنَّهم لَوِ اخْتَلَفُوا اجْتِهادًا في طَلَبِ صَوابٍ، لَكانَ لَهم عُذْرٌ في الِاخْتِلافِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا بَغْيًا وقَدْ تَبَيَّنُوا الحَقائِقَ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِوَقْفِ أمْرِهم عَلى قَضائِهِ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الوجه أن يكون سَوق خبر بني إسرائيل هنا توطئةً وتمهيداً لقوله بعده ﴿ ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ﴾ [الجاثية: 18] أثار ذلك ما تقدم من قوله: ﴿ ويل لكلّ أفّاك أثيم يسمع آيات الله تُتْلَى عليه ﴾ إلى قوله: ﴿ اتخذها هزؤا ﴾ [الجاثية: 7 9] ثم قوله: ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ [الجاثية: 14] فكان المقصدُ قولَه ﴿ ثم جعلناك على شريعة من الأمر ﴾ [الجاثية: 18] ولذلك عطفت الجملة بحرف ومقتضى ظاهر النظم أن يقع قوله: ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب } الآيتين بعد قوله: ﴿ جعلناك على شريعة من الأمر ﴾ [الجاثية: 18] فيكونَ دليلاً وحجة له فأخرج النظم على خلاف مقتضى الظاهر فجعلت الحجة تمهيداً قصداً للتشويق لما بعده، وليقع ما بعده معطوفاً ب وقد عرف من تورك المشركين على النبي في شأن القرآن ما حكاه الله عنهم في قوله: ﴿ فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثلَ ما أوتي موسى ﴾ [القصص: 48] وقولهم: ﴿ لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة ﴾ [الفرقان: 32]، فمن أجل ذلك وقع هذا بعد قوله: ﴿ ويل لكل أفّاك أثيم إلى قوله: وإذا عَلم من آياتنا شيئاً اتخذها هزؤا ﴾ [الجاثية: 7 9] وقوله: ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ [الجاثية: 14]، فالجملة معطوفة على تلك الجمل.

وأدمج في خلالها ما اختلف فيه بنو إسرائيل على ما دعتهم إليه شريعتهم، لما فيه من تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على مخالفة قومه دعوته تنظيراً في أصل الاختلاف دون أسبابه وعوارضه.

ولما كان في الكلام ما القصد منه التسلية والاعتبار بأحوال الأمم حَسن تأكيد الخبر بلام القسم وحرففِ التحقيق، فمصب هذا التحقيق هو التفريع الذي في قوله: ﴿ فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ﴾ [يونس: 93] تأكيداً للمؤمنين بأن الله يقضي بينهم وبين المشركين كشأنه فيما حدث بين بني إسرائيل.

وقد بُسِط في ذكر النظير في بني إسرائيل من وصف حالهم حينما حدث الاختلاف بينهم، ومن التصريح بالداعي للاختلاف بينهم ما طُوي من مِثللِ بعضِه من حال المشركين حين جاءهم الإسلام فاختلفوا مع أهله إيجازاً في الكلام للاعتماد على ما يفهمه السامعون بطريق المقايسة على أن أكثره قد وقع تفصيله في الآيات السابقة مثل قوله: ﴿ تِلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ﴾ [الجاثية: 6] وقوله هذا هدى [الجاثية: 11] فإن ذلك يقابل قولَه هنا ﴿ ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحُكم والنبوءة ﴾ ومثل قوله: ﴿ وسخَّر لكم ما في السموات وما في الأرض ﴾ [الجاثية: 13] فإنه يقابل قولَه هنا ﴿ ورَزقناهم من الطيبات ﴾ ، ومثل قوله: ﴿ يسمع آيات الله تُتْلَى عليه ثم يُصرّ مستكبراً ﴾ إلى قوله ﴿ لهم عذاب مهين ﴾ [الجاثية: 8، 9] فإنه يقابل قوله هنا ﴿ وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ﴾ ، ومثل قوله: ﴿ ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون ﴾ [الجاثية: 14] فإنه مقابل قوله هنا ﴿ إن ربك يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ .

و ﴿ الكتاب ﴾ : التوراة.

و ﴿ الحكم ﴾ يصح أن يكون بمعنى الحِكمة، أي الفهم في الدّين وعلم محاسن الأخلاق كقوله تعالى: ﴿ وآتيناه الحُكم صبيّاً ﴾ [مريم: 12]، يعني يحيى، ويصح أن يكون بمعنى السيادة، أي أنهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم ولا تحكمهم أمة أخرى كقوله تعالى و ﴿ جَعلَكم ملوكاً ﴾ [المائدة: 20]، و ﴿ النبوءة ﴾ أن يقوم فيهم أنبياء.

ومعنى إيتائهم هذه الأمور الثلاثة: إيجادها في الأمة وإيجاد القائمين بها لأن نفع ذلك عائد على الأمة جمعاء فكان كل فرد من الأمة كمن أوتي تلك الأمور.

وأما رزقهم من الطيبات فبأن يسّر لهم امتلاك بلاد الشام التي تفيض لبناً وعسلاً كما في التوراة في وعد إبراهيم والتي تجبى إليها ثمرات الأرضين المجاورة لها وتَرد عليها سلع الأمم المقابلة لها على سواحل البحر فتزخر مراسيها بمختلف الطعام واللباس والفواكه والثمار والزخارف، وذلك بحُسن موقِععِ البلاد من بين المشرق براً والمغرب بحراً.

و ﴿ الطيبات ﴾ : هي التي تطيب عند الناس وتحسن طعْماً ومنظراً ونفعاً وزينة.

وأما تفضيلهم على العالمين فبأن جمع الله لهم بين استقامة الدّين والخَلق، وبين حكم أنفسهم بأنفسهم، وبث أصول العدل فيهم، وبين حسن العيش والأمن والرخاء، فإن أمماً أخرى كانوا في بحبوحة من العيش ولكن ينقص بعضَها استقامةُ الدّين والخلق، وبعضها عزة حكم النفس وبعضَها الأمن بسبب كثرة الفتن.

والمراد ب ﴿ العالمين ﴾ : أمم زمانهم وكل ذلك إخبار عما مضى من شأن بني إسرائيل في عنفوان أمرهم لا عَمَّا آل إليه أمرهم بعد أن اختلفوا واضمحل ملكهم ونسخت شريعتهم.

و ﴿ بيّنات ﴾ صفة نزلت منزلة الجامد، فالبينة: الحجة الظاهرة، أي آتيناهم حججاً، أي علمناهم بواسطة كتبهم وبواسطة علمائهم حجج الحق والهدى التي من شأنها أن لا تترك للشك والخطإ إلى نفوسهم سبلاً إلا سدتها.

و ﴿ الأمر ﴾ : الشأن كما في قوله: ﴿ وما أمر فرعون برشيدٍ ﴾ [هود: 97] والتعريف في ﴿ الأمر ﴾ للتعظيم، أي من شؤون عظيمة، أي شأن الأمة وما به قوام نظامها إذْ لم يترك موسى والأنبياء من بعده شيئاً مُهماً من مصالحهم إلا وقد وضحوه وبينوه وحذروا من الالتباس فيه.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله ﴿ من الأمر ﴾ بمعنى (في) الظرفيّة فيحصل من هذا أن معنى ﴿ وءاتيناهم بينات من الأمر ﴾ : علمناهم حججاً وعلوماً في أمر دينهم ونظامهم بحيث يكونون على بصيرة في تدبير مجتمعهم وعلى سلامة من مخاطر الخطإ والخطل.

وفُرع على ذلك قولُه ﴿ فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ تفريعَ إدماج لمناسبته للحالة التي أريد تنظيرها.

وتقدير الكلام: فاختلفوا وما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم، فحذف المفرَّع لدلالة ما بعده عليه على طريقة الإيجاز إذ المقصود هو التعجيب من حالهم كيف اختلفوا حينَ لا مظنة للاختلاف إذ كان الاختلاف بينهم بعدما جاءهم العلم المعهود بالذكر آنفاً من الكتاب والحُكم والنبوءة والبينات من الأمر، ولو اختلفوا قبل ذلك لكان لهم عذر في الاختلاف وهذا كقوله تعالى: ﴿ وأضلّه الله على علم ﴾ [الجاثية: 23].

وهذا الكلام كناية عن عدم التعجيب من اختلاف المشركين مع المؤمنين حيث أن المشركين ليسوا على علم ولا هدى ليعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ملطوف به في رسالته.

والبغي: الظلم.

والمراد: أن اختلافهم عن عمد ومكابرة بعضهم لبعض وليس عن غفلة أو تأويل، وهذا الظلم هو ظلم الحسد فإن الحسد من أعظم الظلم، أي فكذلك حال نظرائهم من المشركين ما اختلفوا على النبي صلى الله عليه وسلم إلا بغياً منهم عليه مع علمهم بصدقه بدلالة إعجاز القرآن لفظاً ومعاني.

وانتصب ﴿ بغياً ﴾ إمّا على المفعول لأجله، وإمّا على الحال بتأويل المصدر باسم الفاعل، وعلى كلا الوجهين فالعامل فيه فعل ﴿ اختلفوا ﴾ ، وإن كان منفياً في اللفظ لأن الاستثناء أبطل النفي إذ ما أريد إلا نفي أن يكون الاختلاف في وقت قبل أن يحثهم العلم فلما استفيد ذلك بالاستثناء صار الاختلاف ثابتاً وما عدا ذلك غير منفي.

وجملة ﴿ إن ربّك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن خبرَهم العجيب يثير سؤالاً في نفس سامعه عن جزاء الله إياهم على فعلهم، وهذا جواب فيه إجمال لتهويل ما سيُقضَى به بينهم في الخير والشر لأن الخلاف يقتضي محقّاً ومبطلاً.

ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ ولقد بوَّأنا بني إسرائيل مُبَوّأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربّك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ في سورة يونس (93).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذِكْرُ الرَّسُولِ وشَواهِدُ نُبُوَّتِهِ.

الثّانِي: بَيانُ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ فَما اخْتَلَفُوا إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن بَعْدِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ فَآمَنَ بَعْضُهم وكَفَرَ بَعْضُهم، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: بَعْدَما أعْلَمَهُمُ اللَّهُ ما في التَّوْراةِ.

﴿ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: طَلَبًا لِلرِّسالَةِ وأنَفَةً مِنَ الإذْعانِ لِلصَّوابِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: بَغْيًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  في جُحُودِ ما في كِتابِهِمْ مِن نُبُوَّةٍ وصِفَتِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّهم أرادُوا الدُّنْيا ورَخاءَها فَغَيَّرُوا كِتابَهم وأحَلُّوا فِيهِ ما شاؤُوا وحَرَّمُوا ما شاؤُوا، قالَهُ يَحْيى بْنُ آدَمَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ أيْ عَلى طَرِيقَةٍ مِنَ الدِّينِ كالشَّرِيعَةِ الَّتِي هي طَرِيقٌ إلى الماءِ، ومِنهُ الشّارِعُ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلى القَصْدِ.

وَفي المُرادِ بِالشَّرِيعَةِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، لِأنَّهُ طَرِيقٌ لِلنَّجاةِ.

الثّانِي: أنَّها الفَرائِضُ والحُدُودُ والأمْرُ والنَّهْيُ، قالَهُ قَتادَةُ لِأنَّها طَرِيقٌ إلى الدِّينِ.

الثّالِثُ: أنَّها البَيِّنَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ: لِأنَّها طَرِيقُ الحَقِّ.

الرّابِعُ: السُّنَّةُ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ لِأنَّهُ يَسْتَنُّ بِطَرِيقَةِ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم ﴾ قال: اللب.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ثم جعلناك على شريعة ﴾ قال: على طريقة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ثم جعلناك على شريعة من الأمر ﴾ يقول: على هدى من الأمر وبينة.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ثم جعلناك على شريعة من الأمر ﴾ قال: الشريعة الفرائض والحدود والأمر والنهي.

وأخرج ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وابن سعد، وابن أبي شيبة، وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد، والطبراني عن أبي الضحى رضي الله عنه قال: قرأ تميم الداري رضي الله عنه سورة الجاثية، فلما أتى على هذه الآية ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيئات ﴾ الآية، فلم يزل يكررها ويبكي حتى أصبح وهو عند المقام.

وأخرج ابن أبي شيبة عن بشير مولى الربيع بن خيثم رضي الله عنه قال: قام تميم الداري يصلي فمر بهذه الآية ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيئات ﴾ فلم يزل يرددها حتى أصبح.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سواء محياهم ومماتهم ﴾ قال: المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا والآخرة كافر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الْكِتَابَ ﴾ يعني التوراة ﴿ وَالْحُكْمَ ﴾ يعني الفهم في الكتاب، وقوله: ﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ يعني المنَّ والسلوى، قاله الكلبي ومقاتل (١) ﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ تقدم تفسيره في سورة الدخان، [آية: 32] قال ابن عباس: لم يكن أحد من العالمين في زمان بني إسرائيل أكرم على الله ولا أحب إليه منهم (٢) (١) انظر: "تنوير المقباس" ص 500، و"تفسير مقاتل" 3/ 837.

(٢) ذكر ذلك البغوي في تفسيره 7/ 243، عن ابن عباس، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس.

انظر: 4/ 97.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ عَلَى العالمين ﴾ ذكر في [البقرة: 47] ﴿ بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأمر ﴾ أي معجزات من أمر الدين ﴿ جَعَلْنَاكَ على شَرِيعَةٍ مِّنَ الأمر ﴾ أي ملة ودين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وفي خلقكم ﴾ مدغماً: عباس.

﴿ آيات ﴾ بالنصب في الموضعين: حمزة وعلي ويعقوب ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ﴿ يؤمنون ﴾ على الغيبة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ أليم ﴾ مذكور في "سبأ" ﴿ لنجزي ﴾ بالنون: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف ﴿ ليجزي ﴾ بالياء مبنياً للمفعول ﴿ قوم ﴾ بالرفع: يزيد.

الباقون: مبنياً للفاعل ﴿ قوماً ﴾ سواء بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص وروح وزيد ﴿ غشوة ﴾ بفتح الغين وسكون الشين من غير ألف: حمزة وعلي وخلف 3 ﴿ كل أمة تدعي ﴾ بالنصب على الإبدال من الأول: يعقوب ﴿ الساعة ﴾ بالنصب: حمزة ﴿ لا يخرجون ﴾ من الخروج حمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط ومن نصب، ﴿ آيات ﴾ لم يقف لأنها عطف المفردين على المفردين وهما الخبر واسم أن المفردين ﴿ يوقنون ﴾ ه لا للعطف على ﴿ عاملين ﴾ كما يجيء ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ أثيم ﴾ ه ﴿ يسمعها ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ط ﴿ مهين ﴾ ه ط لأنه لو وصل اشتبه بأنها وصف ﴿ عذاب جهنم ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ أولياء ﴾ ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع العاطف ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ منه ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ج ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ فعليها ﴾ ز لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد القصة ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ من الأمر ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج ﴿ بعض ﴾ ج للتمييز بين الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ قف ومن نصب ﴿ سواء ﴾ لم يقف.

﴿ ومماتهم ﴾ ط ﴿ يحكمون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ غشاوة ﴾ ط ﴿ من بعد الله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ الدهر ﴾ ج لاحتمال الواو الحال ﴿ من علم ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ يظنون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ جاثية ﴾ قف لمن قرأ ﴿ كل ﴾ بالرفع ﴿ كتابها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في رحمته ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ ما الساعة ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بقول الكفار ﴿ بمستيقنين ﴾ ه ﴿ يستهزؤون ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للعدول عن الخطاب إلى الغيبة ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: إعراب أول السورة وتفسيرها كإعراب أول "المؤمن" وتفسيره وقوله ﴿ إن في السموات ﴾ إما أن يكون على ظاهره وآياتها الشمس والقمر والنجوم وحركاتها وأوضاعها وكذا العناصر والمواليد التي في الأرض مما يعجز الحاصر عن إدراك أعدادها، وإما أن يراد إن في خلق السموات والأرض فالآيات تشمل ما عددنا مع زيادة هيئتهما وما يتعلق بتشخيصهما.

استدل الأخفش بالآية الثالثة على جواز العطف على عاملين.

مختلفين وهما في قراءة النصب "أن" وفي أقيمت الواو مقامها فعملت الجر في اختلاف الليل، والنصب في آيات وهما في قراءة الرفع الابتداء وفي.

وخرج لسيبويه في جوابه وجهان: أحدهما أن قوله ﴿ آيات ﴾ تكرار محض للتأكيد فقط من غير حاجة إلى ذكرها كما تقول: إن في الدار زيداً وفي الحجرة زيداً والمسجد زيداً، وأنت تريد أن في الدار زيداً والحجرة والمسجد.

والثاني إضمار في لدلالة الأول عليه، ويحتمل أن ينتصب ﴿ آيات ﴾ على الاختصاص.

ويرتفع بإضمار هي.

وتفسير هذه الآيات قد مر في نظائرها مراراً ولا سيما في أواسط "البقرة" ومما يختص بالمقام أنه خص المؤمنين بالذكر أولاً ثم قال ﴿ لقوم يوقنون ﴾ ثم ﴿ يعقلون ﴾ فما سبب هذا الترتيب؟

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : أراد إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإلا فإن كنتم طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل، وقال جار الله: معناه إن المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح علموا أنها لا بد لها من صانع فآمنوا به وأقروا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال.

وفي خلق ما بث من الدواب على ظهر الأرض، ازدادوا إيماناً وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس، وإذا نظروا في سائر الحوادث كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار التي هي سبب الأرزاق وحياة الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً، عقلوا واستحكم عقلهم وخلص يقينهم.

وأقول: الدلائل المذكورة في هذه الآيات قسمان: نفسية وخارجية.

فالنفسية أولى بالإيقان لأنه لا شيء أقرب إلى الإنسان من نفسه، والخارجية بعضها فلكية وبعضها آثار علوية.

فالفلكية لبعدها عن الإنسان اكتفى فيها بمجرد التصديق، وأما الآثار العلوية فكانت أولى بالنظر والاستدلال لقربها وللإحساس بها فلا جرم خصت بالتعقل والتدبر، وأما تقديم السموات على الأرض فلشمولها ولتقدمها في الوجود.

﴿ تلك ﴾ مبتدأ والتبعيد للتعظيم والمشار إليها الآيات المتقدمة و ﴿ نتلوها ﴾ في محل الحال.

وقوله ﴿ بعد الله وآياته ﴾ كقولهم: أعجبني زيد وكرمه.

وأصله بعد آيات الله.

والمعنى أن من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث سواه.

وقيل: معناه القرآن آخر كتب الله، ومحمد آخر رسله.

فإن لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون ولا كتاب بعده ولا نبي.

ثم أوعد الناس المبالغين في الإثم وقد مر ما في الآية في سورة لقمان.

قوله ﴿ وإذا علم ﴾ أي شعر وأحس بأنه من جملة القرآن المنزل خاض في الاستهزاء، وإذا وقف على آية لها محل في باب الطعن والقدح افترضه وحمله على الوجه الموجب للطعن كافتراض ابن الزبعري في قوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله  ﴾ وإنما أنّث الضمير في قوله ﴿ اتخذها ﴾ لأن الشيء في معنى الآية أو لأنه أراد أن يتخذ جميع الآيات هزواً ولا يقتصر على الاستهزاء بما بلغه.

قوله ﴿ من ورائهم جهنم ﴾ كل ما توارى عنك فهو وراء تقدم أو تأخر، وقد مر في سورة إبراهيم  ﴿ هذا هدى ﴾ أي هذا القرآن كامل في باب الهداية والإرشاد.

ثم ذكر دليلاً آخر على الوحدانية وهو تسخير البحر لبني آدم وقد سبق وجه الدلالة مراراً.

وقوله ﴿ ولتبتغوا ﴾ أي بسبب التجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان أو باستخراج اللحم الطري.

ثم عمم بعد التخصيص وقوله ﴿ منه ﴾ في موضع الحال أي سخر جميع ما في السموات والأرض كائنة منه، يريد أنه أوجدها بقدرته وحكمته ثم سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذه النعم كلها منه.

عن ابن عباس برواية عطاء أن الصحابة نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر - يقال لها المريسيع - فأرسل عبد الله بن أبيّ غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما أتاه قال له: ما حبسك؟

قال: غلام عمر قعد على رأس البئر فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قرب النبي وقرب أبي بكر وملأ لمولاه.

فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله  ﴿ قل للذين آمنوا ﴾ يعني عمر ﴿ يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ لا يتوقعون وقائعه بأعداء الله أو لا يأملون قوة المؤمنين في أيام الله الموعودة لهم، والمراد الصفح والإعراض.

عن عبد الله بن أبي وفي رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس: لما نزلت ﴿ من ذا الذي يقرض الله  ﴾ قال اليهودي فنحاص بن عازوراء: احتاج رب محمد فبلغ ذلك عمر فأخذ سيفه فخرج في طلبه، فجاء جبرائيل وأنزل الآية هذه.

وليس المقصود أن لا تقتلوا ولا تقاتلوا حتى يلزم نسخها بآية القتال كما ذهب إليه كثير من المفسرين، ولكن الأولى أن يحمل على ترك المنازعة في المحقرات وفي أفعالهم الموحشة المؤذية، وإنما أنكر ﴿ قوماً ﴾ مع أنه أراد بقوم الذين آمنوا وهم معارف ليدل على مدحهم والثناء عليهم كأنه قيل: لنجزي قوماً كاملين في الصبر والإغضاء على أذى الأعداء ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه، وقيل: القوم هم الكافرون الكاملون في النفاق.

ثم فصل الجزاء وعمم الحكم بقوله ﴿ من عمل صالحاً ﴾ الآية.

ثم بين أن للمتأخرين من الكفار أسوة بالمتقدمين منهم والكتاب التوراة والحكم بيان الشرائع والبينات من الأمر أدلة أمور الدين.

وقال ابن عباس: يريد أنه تبين لهم من أمر النبي  أنه مهاجر من تهامة إلى يثرب.

وقيل: هي المعجزات القاهرة على صحة نبوة موسى ﴿ فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه احتمالان: أحدهما علموا ثم عاندوا، والثاني جاءهم أسباب المعرفة التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق ولكنهم أظهروا النزاع حسداً.

﴿ ثم جعلناك على شريعة ﴾ أي منهاج وطريقة ﴿ من الأمر ﴾ أمر الدين وقيل: من الأمر الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا.

قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي  وهو بمكة ارجع إلى ملة آبائك وهم كانوا أفضل منك وأسن فزجره الله  عن ذلك بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ إلى آخره أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفعه عنك.

ثم أشار بعد النهي عن اتباع أهوائهم بقوله ﴿ ولا تتبع ﴾ أتباعهم إلى الفرق بين ولاة الظالمين وهم أشكالهم من الظلمة، وبين ولي المتقين وهو الله  .

ومن جملة آثار ولايته وبركة عنايته ﴿ هذا ﴾ القرآن.

وقيل: ما تقدم من اتباع الشريعة وترك طاعة الظالم وجعل القرآن مشاراً إليه أولى لقوله ﴿ بصائر من ربكم ﴾ إلى آخره.

وقد مر في آخر "الأعراف" مثله.

ثم بين الفرق بين الظالمين والمتقين من وجه آخر قائلاً ﴿ أم حسب ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة والآية نظيرة ما سلف في "ص" ﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين  ﴾ والاجتراح الاكتساب.

من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فمعناه مستوياً والظاهر بعده فاعله ويكون انتصابه على البدل من ثاني مفعولي ﴿ نجعل ﴾ وهو الكاف.

من قرأ بالرفع بخبر ﴿ ومحياهم ﴾ مبتدأ والجملة بدل أيضاً لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً.

والمعنى إنكار أن يستوي الفريقان حياة وموتاً، لأن المحسنين عاشوا على الطاعة وإنهم عاشوا على المعصية ومات أولئك على البشرى والرحمة، ومات هؤلاء على الضد.

وقيل: معناه إنكار أن يستويا في الممات كما استووا في الحياة من حيث الصحة والرزق، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن.

فالفرق المقتضي لسعادة المؤمن وشقاوة الكافر إنما يظهر بعد الوفاة.

وقيل: إنه كلام مستأنف، والمراد أن كلاً من الفريقين يموت على حسب ما عاش عليه لقوله  : " كما تعيشون تموتون" وحين أفتى بأن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادات استدل على صحة هذه الدعوى بقوله ﴿ وخلق الله ﴾ الآية.

قال جار الله: ﴿ ولتجزى ﴾ معطوف على ﴿ بالحق ﴾ لأنه في معنى التعليل أي للعدل، أو ليدل بها على قدرته وللجزاء.

ويجوز أن يكون المعلل محذوفاً وهو فعلنا ونحوه.

والحاصل أن الغاية من خلق السماء والأرض كان هو الإنسان الكامل فكيف يترك الله جزاءه وجزاء من هو ضده والتميز بينهما بموجب العدالة.

ثم قرر أسباب ضلال المضلين قائلاً ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ أي يتبع ما تدعو إليه نفسه الأمارة وقد مر في الفرقان ﴿ وأضله الله على علم ﴾ بحالة أنه من أهل الخذلان والقهر، أو على علم الضلال في سابق القضاء، أو على علم بوجوه الهداية وإحاطته بالألطاف المحصلة لها.

وقيل: أراد به المعاند لأن ضلاله عن علم ﴿ فمن يهديه من بعد ﴾ إضلال ﴿ الله ﴾ قال بعض العلماء: قدم السمع على القلب في هذه الآية وبالعكس في "البقرة" لأن كفار مكة كانوا يبغضونه بقلوبهم وما كانوا يستمعون إليه وكفار المدينة، كانوا يلقون إلى الناس أن النبي  شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه.

ففي هذه الصورة على هذا التقدير كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس، وفي الصورة الأولى كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن، فورد ما في كل سورة على ترتيبه.

ثم ذكر من أسباب الضلال سبباً آخر وهو إنكارهم البعث معتقدين أن لا حياة إلاّ هذه.

وليس قولهم الدنيا تسلماً لثانية وإنما هو قول منهم على لسان المقرين وبزعمهم ﴿ نموت ونحيى ﴾ فيه تقديم وتأخير على أن الواو لا توجب الترتيب.

وقيل: يموت الآباء وتحيا الأبناء وحياة الأبناء حياة الآباء، أو يموت بعض، ويحيا بعض، أو أرادوا بكونهم أمواتاً حال كونهم نطفاً، أو هو على مذهب أهل التناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في بدن آخر.

ثم إنهم لم يقنعوا بإنكار المعاد حتى ضموا إليه إنكار المبدأ قائلين ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ اعتقدوا أن تولد الأشخاص وكون الممتزجات وفسادها ليس إلا بسبب مزاوجات الكواكب.

ولا حاجة في هذا الباب إلى مبدىء المبادىء فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ وما لهم بذلك من علم ﴾ أي ليس لهم على ما قالوه دليل وإنما ذكروا ذلك ظناً تخميناً واستبعاداً فلا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى قولهم، لأن الحجة قامت على نقيض ذلك وهي دليل المبدأ والمعاد المذكور مراراً وأطوراً.

وليس قولهم ﴿ ائتوا بآبائنا ﴾ من الحجة في شيء لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال فإنه يمتنع حصوله في الاستقبال بدليل الحادث اليومي الممتنع حصوله في الأمس، فوجه الاستثناء أنه في أسلوب قوله: تحية بينهم ضرب وجيع *** وحين بكتهم وسكتهم صرح بما هو الحق وقال ﴿ قل الله يحييكم ﴾ إلى آخره.

ثم أراد أن يختم السورة بوصف يوم القيامة وما سيجري على الكفار فيه فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ العامل فيه يخسر وقوله ﴿ يومئذ ﴾ بدل من ﴿ يوم ﴾ وفيه تأكيد للحصر المستفاد من تقديم الظرف.

قال ابن عباس: الجاثية المجتمعة للحساب المترقبة لما يعمل بها.

وقيل: باركة جلسة المدعي عند الحاكم.

وقيل: مستوفزاً لا يصيب الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله.

والجثو للكفار خاصة.

وقيل: عام بدليل قوله بعد ذلك ﴿ فأما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين كفروا ﴾ ﴿ تدعى إلى كتابها ﴾ يريد كتاب الحفظة ليقرؤه.

وقال الجاحظ: إلى كتاب نبيها فينظر هل عملوا به أم لا.

ويقال: يا أهل التوراة يا أهل القرآن.

﴿ اليوم تجزون ﴾ بتقدير القول ومما يؤيد القول الأول قوله ﴿ هذا كتابنا ﴾ إلى قوله ﴿ إنا كنا نستنسخ ﴾ أي نأمر بالنسخ.

وإضافة الكتاب تارة إليهم وأخرى إلى الله عز وجل صحيحة لأن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، فأضيف إليهم لأن أعمالهم مثبتة فيه، وأضيف إلى الله  لأنه أمر ملائكته بكتبه.

قوله ﴿ أفلم تكن ﴾ القول فيه مقدر أي فيقال لهم ذلك قوله ﴿ إن نظن إلا ظناً ﴾ قال أبو علي والأخفش: هذا الكلام جار على غير الظاهر لأن كل من يظن فإنه لا يظن إلا الظن، فتأويله أن ينوي به التقديم أي ما نحن إلا نظن ظناً.

وقال المازني: تقديره إن نظن نحن إلا ظناً منكم أي أنتم شاكون فيما تزعمون وما نحن بمستيقنين أنكم لا تظنون.

وقال جار الله: أصله نظن ظناً ومعناه إثبات الظن فحسب.

فأدخل أداة الحصر ليفيد إثبات الظن مع نفي ما سواه وأقول: الظن قد يطلق على ما يقرب من العلم، ولا ريب أن لهذا الرجحان مراتب وكأنهم نفوا كل الظنون إلا الذي لا ثبوت علم فيه وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ وما نحن بمستيقنين ﴾ وباقي السورة واضح مما سلف والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ ﴾ قال أهل التأويل: أي: التوراة.

والإشكال: أنه آتى بني إسرائيل جملة كتباً كثيرة، أمّا التوراة والإنجيل والزبور هي كتب معروفة قد نعرفها، وقد يجوز أن يكون لهم كتب غيرها، فما معنى ذكر الكتاب؟

وما معنى حملهم على أن التوراة [هي المرادة]، إلا أن نقول: يجوز أن يريد بذكر الكتاب: الكتب؛ فإنه أدخل الألف واللام، فيكون لاستغراق الجنس.

ويحتمل أنّه أراد به التوراة، كما قال أهل التأويل؛ إذ يجوز أن يذكر اسم العام ويراد به الخاص، وهو الواحد منهم.

ويحتمل أن تكون التوراة هي الكتاب الذي فيه عامة الأحكام، فإنه قيل: إن الزبور ليس فيه الحكم، إنما فيه التسبيح والتحميد، وكذا الإنجيل ليس فيه إلا أحكام قليلة، فيجوز أن يكون المراد: التوراة لهذا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلْحُكْمَ ﴾ قال بعضهم: ﴿ وَٱلْحُكْمَ ﴾ أي: فهم ما فيه.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلْحُكْمَ ﴾ : فقه ما في الكتاب؛ إذ الحكم الظاهر داخل تحت قوله: ﴿ ٱلْكِتَابَ ﴾ بين بقوله: ﴿ وَٱلْحُكْمَ ﴾ أنه أعطى الحكم الظاهر فيه، والحكم المستخرج منه بالاستنباط والاجتهاد، والله أعلم.

ويحتمل أن يراد بالكتاب: هو ما يتلى فيما بينهم وبين ربهم، والحكم هو ما أمرهم فيه أن يحكموا فيما بين العباد والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنُّبُوَّةَ ﴾ إنما ذكر النبوة؛ لأن النبوة كانت ظاهرة في بني إسرائيل، فإنه ذكر أن في بني إسرائيل كذا كذا رسولا ونبيّاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ قد كان رزقهم [من] الطيبات ما ذكر من المنّ، والسلوى، وغير ذلك من الطيبات، [ما] لا يحصى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ ﴾ قد ذكرنا تفضيلهم على العالمين في موضعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ أي: آيات من الأمر.

وقيل: ﴿ بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ أي: ما بين لهم من الحلال والحرام والشبه، ونبأ ما كان قبلهم، والله أعلم.

ويحتمل ﴿ بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ أي: بيان ما تقع الحاجة إليه من الأمر.

وعندنا ﴿ بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ أي: بينات التكوين ودلالات لما جعل الله لهم في نفس كل أحد من دلالات وحدانيته وألوهيته.

أو ما أقام من الآيات في العالم على التكوين يدل على جعل الألوهية والربوبية له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ على ما ذكرنا من أمر التكوين؛ أي: ما اختلفوا في صرف الألوهية والوحدانية عن الله -  - إلى غيره ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ أي: إلا من بعد ما بين لهم أن الألوهية والربوبية [له] بالدلالة الواضحة والحجة النيرة، وأنّ له الخلق والأمر؛ إلا أنه ذكر العلم وأراد به أسباب العلم ودلائله، والله أعلم.

والثاني: يحتمل قوله -  -: ﴿ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ : أمر المجيء من الأمر والنهي، والتحليل والتحريم، وبيان ما يؤتى و[ما]يتقى، وما لهم وما عليهم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ واختلافهم فيما امتحنوا يتوجه إلى وجوه: أحدها: ما اختلفوا فيما امتحنوا من الدين، أو فيما امتحنوا في اتباع رسول الله  والإجابة له إلى ما يدعوهم إليه والطاعة له.

ويحتمل: اختلافهم الذي ذكر الاختلاف في القرآن، أو فيما امتحنوا من التحليل والتحريم.

ثم يخبر الله -  جل وعلا - أنهم ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بالحق في ذلك والبيان أنه من الله، وأن ما هم عليه باطل مضمحل.

ثم أخبر أن اختلافهم إنما هو لبغي بينهم وحسد، حملهم ذلك على الاختلاف فيما بينهم.

ثم أخبر أنه ﴿ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ .

ثم قوله -  -: ﴿ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: يجزيهم في الآخرة جزاء اختلافهم في الدنيا.

أو ﴿ يَقْضِي ﴾ : أي: يفصل ويبين لهم يوم القيامة الحق من الباطل، والمحق والمبطل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا ﴾ يحتمل أن يكون هذا صلة قوله -  -: ﴿ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ ﴾ كأنّه يقول: وآتيناهم بينات من الأمر، وجعلنا ذلك شريعة لك، فاتبعها أنت وإن لم يتبعوها هم.

والشريعة: هي الملة والمذهب، وهي ما شرع فيه ويذهب إليه؛ كذلك قاله القتبي؛ قال: يقال: شرع فلان في كذا إذا أخذ فيه، ومنه: مشارع الماء: الفُرَض التي يشرع فيها الناس والواردة.

وقال أبو عوسجة: الشريعة: السنة، والله أعلم.

ثم أخبر أن الذي هم عليه إنما هو هوى النفس، فقال - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

يحتمل قوله -  -: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ لما لم يتأملوا فيه ولم يتفكروا ما لو تأملوا وتفكروا فيه لعلموا؛ لأنه قد ذكر في أوّل الآية أنهم إنما اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم؛ أي: جاءهم من دلائل العلم ما لو تأملوا ونظروا فيها لعلموا.

والثاني: نفى عنهم العلم؛ لما لم ينتفعوا بما علموا وما جعل لهم من العلم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً ﴾ أي: لو اتبعت أهواءهم ﴿ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ أي: لم يغنوا أولئك عن دفع ما ينزل بك من عذاب الله شيئاً، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ...

﴾ الآية [الإسراء: 75].

ثم أخبر أن الظالمين بعضهم أولياء بعض بقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ يحتمل ولاية الدين والمذهب؛ أي: بعضهم يوالي بعضاً في الدين.

ويحتمل في غيره؛ أي: يلي بعضهم أمر بعض في الإعانة والنصرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ يحتمل: أي: يلي أمور المتقين.

ويحتمل: ﴿ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: ناصرهم ومعينهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ ﴾ سمى الله -  - هذا القرآن: بصائر، وهو ما يبصر به، ومرة: هدى، وبياناً، ورحمة، ونوراً، ونحوه، وهو هكذا، هو هدى، وبيان، ونور، وبصيرة لمن اتبعه ونظر إليه بعين التعظيم والتبجيل وقبله.

ويحتمل: ﴿ بَصَائِرُ ﴾ : بيان يبين لهم أنه من الله، فيبين لهم الحق من الباطل، ويبين [ما] لهم وما عليهم لمن ذكر ﴿ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراة والفصل بين الناس بحكمها، وجعلنا معظم الأنبياء منهم من ذرية إبراهيم  ، ورزقناهم من أنواع الطيبات، وفضلناهم على عالمي زمانهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.lNx4M"

مزيد من التفاسير لسورة الجاثية

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله