الآية ٥٢ من سورة الواقعة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 56 الواقعة > الآية ٥٢ من سورة الواقعة

لَـَٔاكِلُونَ مِن شَجَرٍۢ مِّن زَقُّومٍۢ ٥٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 64 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٢ من سورة الواقعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٢ من سورة الواقعة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

"ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون" وذلك أنهم يقبضون ويسجرون حتى يأكلوا من شجر الزقوم حتى يملأوا منها بطونهم.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

(لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ) ، وفي قراءة عبد الله ( لآكِلُونَ مِنْ شجرة مِنْ زَقُّومٍ ) على واحدة، فمعنى شجر وشجرة واحد، لأنك إذا قلت أخذت من الشاء، فإن نويت واحدة أو أكثرّ من ذلك، فهو جائز.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وهو شجر كريه المنظر , كريه الطعم , وهي التي ذكرت في سورة " والصافات " .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ } وهو أقبح الأشجار وأخسها، وأنتنها ريحا، وأبشعها منظرا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"لآكلون من شجر من زقوم".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لآكلون من شجر من زقوم» بيان للشجر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم إنكم أيها الضالون عن طريق الهدى المكذبون بوعيد الله ووعده، لآكلون من شجر من زقوم، وهو من أقبح الشجر، فمالئون منها بطونكم؛ لشدة الجوع، فشاربون عليه ماء متناهيًا في الحرارة لا يَرْوي ظمأ، فشاربون منه بكثرة، كشرب الإبل العطاش التي لا تَرْوى لداء يصيبها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

و ( مِن ) فى قوله : ( مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ ) ابتدائية ، وفى قوله : ( مِّن زَقُّومٍ ) بيانية .وشجر الزقوم : لا وجود له فى الدنيا ، وإنما يخلقه الله - تعالى - فى النار كما يخلق غيره من أصناف العذاب ، كالحيات والعقارب .وقيل : هو شجر سام ، متى مسه جسد إنسان ، تورم هذا الإنسان ومات ويوجد هذا الشجر فى الأراضى المجدبة المجاورة للصحراء .والزقوم من التزقم ، وهو ابتلاع الشىء الكريه ، بمشقة شديدة .والمعنى : ثم قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل التقريع والتبكيت : إنكم أيها الضالون عن الحق .

المكذبون بالبعث والجزاء ، لآكلون يوم القيامة من شجر ، هو شجر الزقوم ، الذى هو أخبث الشجر وأبشعه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في تفسير الآيات مسائل: المسألة الأولى: الخطاب مع من؟

نقول: قال بعض المفسرين مع أهل مكة، والظاهر أنه عام مع كل ضال مكذب وقد تقدم مثل هذا في مواضع، وهو تمام كلام النبي صلى الله عليه وسلم كأنه تعالى قال لنبيه: قل إن الأولين والآخرين لمجموعون ثم إنكم تعذبون بهذه الأنواع من العذاب.

المسألة الثانية: قال هاهنا: ﴿ الضالون المكذبون ﴾ بتقديم الضال وقال في آخر السورة: ﴿ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضالين  ﴾ بتقديم المكذبين، فهل بينهما فرق؟

قلت: نعم، وذلك أن المراد من الضالين هاهنا هم الذين صدر منهم الإصرار على الحنث العظيم، فضلوا في سبيل الله ولم يصلوا إليه ولم يوحدوه، وذلك ضلال عظيم، ثم كذبوا رسله وقالوا: ﴿ أَءذَا مِتْنَا ﴾ فكذبوا بالحشر، فقال: ﴿ أَيُّهَا الضالون ﴾ الذين أشركتم: ﴿ المكذبون ﴾ الذين أنكرتم الحشر لتأكلون ما تكرهون، وأما هناك فقال لهم: ﴿ أَيُّهَا المكذبون ﴾ الذين كذبتم بالحشر: ﴿ الضالون ﴾ في طريق الخلاص الذين لا يهتدون إلى النعيم، وفيه وجه آخر وهو أن الخطاب هنا مع الكفار فقال: يا أيها الذين ضللتم أولاً وكذبتم ثانياً، والخطاب في آخر السورة مع محمد صلى الله عليه وسلم يبين له حال الأزواج الثلاثة فقال: المقربون في روح وريحان وجنة ونعيم، وأصحاب اليمين في سلام، وأما المكذبون الذين كذبوا فقد ضلوا فقدم تكذيبهم إشارة إلى كرامة محمد صلى الله عليه وسلم حيث بين أن أقوى سبب في عقابهم تكذيبهم والذي يدل على أن الكلام هناك مع محمد صلى الله عليه وسلم قوله: ﴿ فسلام لَّكَ مِنْ أصحاب اليمين  ﴾ .

المسألة الثالثة: ما الزقوم؟

نقول: قد بيناه في موضع آخر واختلف فيه أقوال الناس ومآل الأقوال إلى كون ذلك في الطعم مراً وفي اللمس حاراً، وفي الرائحة منتناً، وفي المنظر أسود لا يكاد آكله يسيغه فيكره على ابتلاعه، والتحقيق اللغوي فيه أن الزقوم لغية عربية دلنا تركيبه على قبحه، وذلك لأن زق لم يجتمع إلا في مهمل أو في مكروه منه مزق، ومنه زمق شعره إذا نتفه، ومنه القزم للدناءة، وأقوى من هذا أن القاف مع كل حرف من الحرفين الباقيين يدل على المكروه في أكثر الأمر، فالقاف مع الميم قمامة وقمقمة، وبالعكس مقامق، الغليظ الصوت والقمقمة هو السور، وأما القاف مع الزاي فالزق رمي الطائر بذرقه، والزقزقة الخفة، وبالعكس القزنوب فينفر الطبع من تركيب الكلمة من حروف اجتماعها دليل الكراهة والقبح، ثم قرن بالأكل فدل على أنه طعام ذو غضة، وأما ما يقال بأن العرب تقول: زقمتني بمعنى أطعمتني الزبد والعسل واللبن، فذلك للمجانة كقولهم: أرشقني بثوب حسن، وأرجمني بكيس من ذهب، وقوله: ﴿ مِن شَجَرٍ ﴾ لابتداء الغاية أي تناولكم منه، وقوله: ﴿ فَمَالِئُونَ مِنْهَا ﴾ زيادة في بيان العذاب أي لا يكتفى منكم بنفس كما الأكل يكتفي من يأكل الشيء لتحلة القسم، بل يلزمون بأن تملأوا منها البطون والهاء عائدة إلى الشجرة، والبطون يحتمل أن يكون المراد منه مقابلة الجمع بالجمع أي يملأ كل واحد منكم بطنه ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد منكم يملأ البطون، والبطون حينئذ تكون بطون الأمعاء، لتخيل وصف المعي في باطن الإنسان له، كيأكل في سبعة أمعاء، فيملأون بطون الأمعاء وغيرها، والأول أظهر، والثاني أدخل في التعذيب والوعيد، قوله: ﴿ فشاربون عَلَيْهِ ﴾ أي عقيب الأكل تجر مرارته وحرارته إلى شرب الماء فيشربون على ذلك المأكول وعلى ذلك الزقوم من الماء الحار، وقد تقدم بيان الحميم، وقوله: ﴿ فشاربون شُرْبَ الهيم ﴾ بيان أيضاً لزيادة العذاب أي لا يكون أمركم أمر من شرب ماءاً حاراً منتناً فيمسك عنه بل يلزمكم أن تشربوا منه مثل ما تشرب الهيم وهي الجمال التي أصابها العطش فتشرب ولا تروى، وهذا البيان في الشرب لزيادة العذاب، وقوله: ﴿ فَمَالِئُونَ مِنْهَا ﴾ في الأكل، فإن قيل: الأهيم إذا شرب الماء الكثير يضره ولكن في الحال يلتذ به، فهل لأهل الجحيم من شرب الحميم الحار في النار لذة؟

قلنا: لا، وإنما ذلك لبيان زيادة العذاب، ووجهه أن يقال: يلزمون بشرب الحميم ولا يكتفي منهم بذلك الشرب بل يلزمون أن يشربوا كما يشرب الجمل الأهيم الذي به الهيام، أو هم إذا شربوا تزداد حرارة الزقوم في جوفهم فيظنون أنه من الزقوم لا من الحميم فيشربون منه شيئاً كثيراً بناء على وهم الري، والقول في الهيم كالقول في البيض، أصله هوم، وهذا من هام يهيم كأنه من العطش يهيم، والهيام ذلك الداء الذي يجعله كالهائم من العطش.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فِى سَمُومٍ ﴾ في حر نار ينفذ في المسام ﴿ وَحَمِيمٍ ﴾ وماء حار متناه في الحرارة ﴿ وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ ﴾ من دخان أسود بهيم ﴿ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ (44) ﴾ نفي لصفتي الظل عنه، يريد: أنه ظل، ولكن لا كسائر الظلال: سماه ظلاً، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى الحر وذلك كرمه ليمحق ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه.

والمعنى أنه ظلّ حارّ ضارّ إلا أنّ للنفي في نحو هذا شأنا ليس للإثبات.

وفيه تهكم بأصحاب المشأمة، وأنهم لا يستأهلون الظل البارد الكريم الذي هو لأضدادهم في الجنة.

وقرئ: ﴿ لا بارد ولا كريم ﴾ بالرفع، أي: لا هو كذلك و ﴿ الحنث ﴾ الذنب العظيم.

ومنه قولهم: بلغ الغلام الحنث، أي: الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم.

ومنه: حنث في يمينه، خلاف برّ فيها.

ويقال: تحنث إذا تأثم وتحرج ﴿ أَوَ ءَابَآؤُنَا ﴾ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف.

فإن قلت: كيف حسن العطف على المضمر في ﴿ لَمَبْعُوثُونَ ﴾ من غير تأكيد بنحن؟

قلت: حسن للفاصل الذي هو الهمزة، كما حسن في قوله تعالى: ﴿ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا ﴾ لفصل (لا) المؤكدة للنفي.

وقرئ: ﴿ أو آباؤنا ﴾ وقرئ: ﴿ لمجمعون ﴾ ﴿ إلى ميقات يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾ إلى ما وقتت به الدنيا من يوم معلوم والإضافة بمعنى من، كخاتم فضة.

والميقات: ماوقت به الشيء، أي: حدّ.

ومنه مواقيت الإحرام: وهي الحدود التي لا يتجاوزها من يريد دخول مكة إلا محرماً ﴿ أَيُّهَا الضآلون ﴾ عن الهدى ﴿ المكذبون ﴾ بالبعث، وهم أهل مكة ومن في مثل حالهم ﴿ مِن شَجَرٍ مّن زَقُّومٍ ﴾ من الأولى لابتداء الغاية، والثانية لبيان الشجر وتفسيره.

وأنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في قوله: (منها) و(عليه) ومن قرأ: ﴿ من شجرة من زقوم ﴾ فقد جعل الضميرين للشجرة، وإنما ذكر الثاني على تأويل الزقوم، لأنه تفسيرها وهي في معناه ﴿ شرب الهيم ﴾ وقرئ: بالحركات الثلاث، فالفتح والضم مصدران.

وعن جعفر الصادق رضي الله عنه: أيام أكل وشرب، بفتح الشين.

وأما المكسور فبمعنى المشروب، أي: ما يشربه الهيم وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء تشرب منه فلا تروى: جمع أهيم وهيماء.

قال ذو الرمّة: فَأَصْبَحْتُ كَالْهَيْمَاءِ لاَ المَاءُ مُبْرِدٌ ** صَدَاهَا وَلاَ يَقْضِي عَلَيْهَا هُيَامُهَا وقيل الهيم: الرمال.

ووجهه أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك، جمع على فعل كسحاب وسحب، ثم خفف وفعل به ما فعل بجمع أبيض.

والمعنى: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرّهم إلى أكل الزقوم الذي هو كالمهل؛ فإذا ملؤا منه البطون يسلط عليهم من العطش ما يضطرّهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم.

فإن قلت: كيف صحّ عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، وصفتان متفقتان، فكان عطفاً للشيء على نفسه؟

قلت: ليستا بمتفقتين، من حيث إنّ كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه: من تناهي الحرارة وقطع الأمعاء أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كما تشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضاً، فكانتا صفتين مختلفتين.

النزل: الرزق الذي يعدّ للنازل تكرماً له.

وفيه تهكم، كما في قوله تعالى: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: 21] وكقول أبي الشعر الضبي.

وَكُنَّا إِذَا الْجَبَّارُ بِالْجَيْشِ ضَافَنَا ** جَعَلْنَا الْقَنَا وَالمُرْهِفَاتِ لَهُ نُزْلاَ وقرئ: ﴿ نزلهم ﴾ بالتخفيف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ ﴾ أيْ بِالبَعْثِ والخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ وأضْرابِهِمْ.

﴿ لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ ﴾ مِنَ الأُولى لِلِابْتِداءِ والثّانِيَةِ لِلْبَيانِ.

﴿ فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ ﴾ مِن شِدَّةِ الجُوعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ} من لابتداء الغاية {مّن زَقُّومٍ} من لبيان الشجر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ إنَّ الأوَّلِينَ ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ القَوْلِ، ( وثُمَّ ) لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أوِ الرُّتْبِيِّ ﴿ المُكَذِّبُونَ ﴾ بِالبَعْثِ، أوْ بِما يَعُمُّهُ وغَيْرُهُ ويَدْخُلُ هو دُخُولًا أوَّلِيًّا لِلسِّياقِ عَلى ما قِيلَ، والخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ وأضْرابِهِمْ ﴿ لآكِلُونَ ﴾ بَعْدَ البَعْثِ والجَمْعِ ودُخُولِ جَهَنَّمَ ﴿ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ ﴾ مِنَ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ والثّانِيَةُ لِبَيانِ الشَّجَرِ وتَفْسِيرِهِ أيْ مُبْتَدِئُونَ لِلْأكْلِ مِن شَجَرٍ هو زَقُّومٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ الأُولى تَبْعِيضِيَّةً ( ومِنَ ) الثّانِيَةِ عَلى حالِها، وجُوِّزَ كَوْنُ ﴿ مِن زَقُّومٍ ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن شَجَرٍ ﴾ فَمِن تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وقِيلَ: الأُولى زائِدَةٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ مِن شَجَرَةٍ فَوَجْهُ التَّأْنِيثِ ظاهِرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ ﴾ أيْ بُطُونَكم مِن شِدَّةِ الجُوعِ فَإنَّهُ الَّذِي اضْطَرَّهم وقَسَرَهم عَلى أكْلِ مِثْلِها مِمّا لا يُؤْكَلُ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَوَجْهُهُ الحَمْلُ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ بِمَعْنى الشَّجَرَةِ، أوِ الأشْجارِ إذا نُظِرَ لِصِدْقِهِ عَلى المُتَعَدِّدِ، وأمّا التَّذْكِيرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَقِيبَ ذَلِكَ بِلا رَيْثٍ ﴿ مِنَ الحَمِيمِ ﴾ أيِ الماءِ الحارِّ في الغايَةِ لِغَلَبَةِ العَطَشِ فَظاهِرٌ لا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، وقالَ بَعْضُهم: التَّأْنِيثُ أوَّلًا بِاعْتِبارِ المَعْنى والتَّذْكِيرُ ثانِيًا بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، فَقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ فِيهِ اعْتِبارَ اللَّفْظِ بَعْدَ اعْتِبارِ المَعْنى عَلى خِلافِ المُتَعارَفِ فَلَوْ أُعِيدَ الضَّمِيرُ المَذْكُورُ عَلى الشَّجَرِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَأْكُولًا لِيَكُونَ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كانَ أوْلى وفِيهِ بَحْثٌ، ووَجْهُهُ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الزَّقُّومِ أوْ عَلى الشَّجَرِ بِاعْتِبارِ أنَّها زَقُّومٌ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّها مَأْكُولٌ، وقِيلَ: هو مُطْلَقًا عائِدٌ عَلى الأكْلِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ الشُّرْبَ عَلَيْهِ لا عَلى تَناوُلِهِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَفْكِيكِ الضَّمائِرِ وكَوْنُهُ مَجازًا شائِعًا وغَيْرَ مُلْبِسٍ لا يَدْفَعُ البُعْدَ فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

عُرُباً يعني: محبات، عاشقات، لأزواجهن، لا يردن غيرهم قرأ حمزة، وعاصم، في إحدى الروايتين عُرُباً بجزم الراء.

والباقون بالضم.

ومعناهما واحد.

وقال أبو عبيد: نقرأ بالضم لأنها أقيس في العربية، لأن واحدتها عَرُوب، وجمعها عرب، مثل صَبُور وصُبُر، وشكور وشكر.

ثم قال: أَتْراباً يعني: مستويات في السن، كأنهن على ميلاد واحد، بنات ثلاث وثلاثين.

وروي عن عكرمة أنه قال: أهل الجنة ميلاد ثلاثين سنة، رجالهم ونساؤهم، قامة أحدهم ستون ذراعاً على قامة أبيهم آدم  ، شباب جرد مكمولون، أحسنهم يرى كالقمر ليلة البدر، وآخرهم كالكوكب الدري في السماء، يبصر وجهه في وجهها، وكبده في كبدها، وفي مخ ساقها، وتبصر هي وجهها في وجهه، وفي كبده وفي مخ ساقه، ولا يبزقون، ولا يتمخطون، وما كان فوق ذلك من الأذى فهو أبعد، لِأَصْحابِ الْيَمِينِ يعني: هذا الذي ذكر كرامة لأصحاب اليمين.

ثم قال عز وجل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني: جماعة من أول هذه الأمة، وجماعة من الآخرين.

فذكر في السابقين أنهم جماعة من الاولين، وقليل من الآخرين، لأن السابق في أخر الأمة قليل، وأما أصحاب اليمين يكون جماعة من أول الأمة، وجماعة من آخر الأمة.

ثم ذكر الصنف الثالث فقال: وَأَصْحابُ الشِّمالِ مَا أَصْحابُ الشِّمالِ يعني: ما لأصحاب الشمال من شدة، وشر، وهوان.

ثم وصف حالهم فقال: فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ والسموم: الزمهرير يقطع الوجوه وسائر الجسوم.

ويقال: السموم: النار الموقدة.

والحميم: الماء الحار الشديد، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ واليحموم الدخان يعني: دخان جهنم أسود لاَّ بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ يعني: لاَّ بارِدٍ شرابهم وَلا كَرِيمٍ منقلبهم.

ثم بين أعمالهم التي استحقوا بها العقوبة بأعمالهم الباطلة فقال: إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ يعني: كانوا في الدنيا متكبرين في ترك أمر الله تعالى.

ويقال: كانوا مشركين وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ يعني: يثبتون على الذنب العظيم، وهو الشرك.

وإنما سمِّي الشرك حنثاً، لأنهم كانوا يحلفون بالله، لاَ يَبْعَثُ الله مَن يموت، وكانوا يصرون على ذلك.

وقال القتبي: الْحِنْثِ الْعَظِيمِ اليمين الغموس.

وقال مجاهد: الذنب العظيم.

وقال ابن عباس: الْحِنْثِ الْعَظِيمِ هو الشرك وَكانُوا يَقُولُونَ مع شركهم أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ يعني: بعد ما صرنا تراباً، وعظاماً باليةً، صرنا أحياء بعد الموت وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ الذين: مضوا قبلنا، وصاروا تراباً.

قال الله تعالى: قل يا محمد قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يعني: الأمم الخالية لَمَجْمُوعُونَ وهذه الأمة لمجموعة إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ في يوم القيامة يجتمعون فيه ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ بالبعث لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ يعني: يملؤون من طلعها البطون، فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ يعني: على إثره يشربون من الحميم فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ يعني: كشرب الهيم، وهي الإبل التي يصيبها داء، فلا تروى من الشراب.

ويقال: الأرض التي أصابتها الشمس وهي أرض سهلة من الرملة.

قرأ نافع، وعاصم، وحمزة شُرْبَ الْهِيمِ بضم الشين.

والباقون: بالنصب.

فمن قرأ بالضم، فهو اسم.

ومن قرأ: بالنصب، فهو المصدر.

ويقال: كلاهما مصدر شربت.

ثم قال: هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ يعني: جزاءهم يوم الجزاء.

ويقال: معناه هو الذي ذكرناه من الزقوم والشراب طعامهم وشربهم يوم الحساب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في سرف، وتخوض، ويُصِرُّونَ معناه: يعتقدون اعتقادا لا ينزعون عنه، والْحِنْثِ:

الإثم، وقال الثعلبيُّ: وَكانُوا يُصِرُّونَ: يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ أي: الذنب، انتهى، ونحوهُ للبخاريِّ، وهو حَسَنٌ نحو ما في الرسالة، قال قتادة وغيره «١» : والمراد بهذا الإثم العظيم: الشركُ، وباقي الآية في استبعادهم للبعث، وقد تقدم بيانه.

ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)

وقوله سبحانه: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ: مخاطبة لكفّار قريش ومن كان في حالهم، ومِنْ في قوله: مِنْ زَقُّومٍ لبيان الجنس، والضمير في مِنْهَا عائد على الشجر، والضمير في عَلَيْهِ عائد على المأكول، والْهِيمِ قال ابن عباس وغيره «٢» :

جمع «أهيم» وهو الجمل الذي أصابه الهُيَامُ- بضم الهاء-، وهو داء مُعْطِشٌ يشرب الجملُ حتى يموتَ أو يسقمَ سَقَماً شديداً، وقال قوم هو: جمع «هائم» وهو أيضاً من هذا المعنى لأَنَّ الجملَ إذا أصابه ذلك الداءُ، هام على/ وجهه وذهب، وقال ابن عباس أيضاً وسفيان الثوري «٣» : الْهِيمِ: الرمال التي لا تُرْوَى من الماء، والنزل أول ما يأكل الضيف، والدِّينِ: الجزاء.

أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢)

أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣)

وقوله سبحانه: أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ الآية: وليس يوجد مفطورٌ، يخفى عليه أَنَّ المَنِيَّ الذي يخرُجُ منه ليس له فيه عمل ولا إرادة ولا قدرة، وقرأ الجمهور: «قَدَّرْنَا» وقرأ ابن كثير وحده «٤» : «قَدَرْنَا» بتخفيف الدال، فيحتمل أَنْ يكونَ المعنى فيهما: قضينا وأثبتنا، ويحتمل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أصْحابُ الشِّمالِ ﴾ قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ مِن حالِهِمْ؛ والمَعْنى: ما لَهُمْ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ الشَّرِّ؟!

ثُمَّ بَيَّنَ لَهم سُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ فَقالَ: "فِي سَمُومٍ" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو حَرُّ النّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ظِلٌّ مِن دُخانٍ.

قالَ الفَرّاءُ: اليَحْمُومُ: الدُّخانُ الأسْوَدُ، "لا بارِدٌ ولا كَرِيمٌ" فَوَجْهُ الكَلامِ الخَفْضُ تَبَعًا لِما قَبْلَهُ، ومِثْلُهُ "زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ" [النُّورِ: ٣٥]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴾ ﴿ لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ ﴾ ، ولَوْ رَفَعْتَ ما بَعْدَ "لا" كانَ صَوابًا، والعَرَبُ تَجْعَلُ الكَرِيمَ تابِعًا لِكُلِّ شَيْءٍ نَفَتْ عَنْهُ فِعْلًا يُنْوى [بِهِ] الذَّمُّ، فَتَقُولُ: ما هَذِهِ الدّارُ بِواسِعَةٍ ولا كَرِيمَةٍ، وما هَذا بِسَمِينٍ ولا كَرِيمٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا بارِدُ المَدْخَلِ ولا كَرِيمُ المَنظَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: في الدُّنْيا "مُتْرَفِينَ" أيْ: مُتَنَعِّمِينَ في تَرْكِ أمْرِ اللَّهِ، فَشَغَلَهم تَرَفُهم عَنِ الِاعْتِبارِ والتَّعَبُّدِ.

﴿ وَكانُوا يُصِرُّونَ ﴾ أيْ: يُقِيمُونَ ﴿ عَلى الحِنْثِ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: الذَّنْبُ العَظِيمُ الَّذِي لا يَتُوبُونَ مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وعَنْ قَتادَةَ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اليَمِينُ الغَمُوسُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

والرّابِعُ: الشِّرْكُ والكُفْرُ بِالبَعْثِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الواوُ مُتَحَرِّكَةٌ لِأنَّها لَيْسَتْ بِواوِ "أوْ" إنَّما هي "وَآباؤُنا"، فَدَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ فَتُرِكَتْ مَفْتُوحَةً.

وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ عامِرٍ: "أوْ آباؤُنا" بِإسْكانِ الواوِ.

وَقَدْ سَبَقَ بَيانُ ما لَمْ يُذْكَرْ ها هُنا [هُودٍ: ١٠٣،الصّافّاتِ: ٦٢، الأنْعامِ: ٧٠ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "شُرْبَ" بِضَمِّ الشِّينِ؛ والباقُونَ بِفَتْحِها.

قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَقُولُ: شَرِبْتُهُ شُرْبًا، وأكْثَرُ أهْلِ نَجْدٍ يَقُولُونَ: شَرْبًا بِالفَتْحِ، أنْشَدَنِي عامَّتُهُمْ: تَكْفِيهِ حَزَّةُ فِلْذٍ إنْ ألَمَّ بِها مِنَ الشِّواءِ ويَكْفِي شَرْبَهُ الغُمَرُ وَزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ قَوْمًا مِن بَنِي سَعْدِ بْنِ تَمِيمٍ يَقُولُونَ: "شِرْبَ الهِيمِ" بِالكَسْرِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: "الشَّرْبُ" المَصْدَرُ، و"الشُّرْبُ" بِالضَّمِّ: الِاسْمُ، قالَ: وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ أيْضًا.

وَفِي "الهِيمِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الإبِلُ العِطاشُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ والعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي الإبِلُ يُصِيبُها داءٌ فَلا تَرْوى مِنَ الماءِ، يُقالُ: بَعِيرٌ أهْيَمُ، وناقَةٌ هَيْماءُ.

والثّانِي: أنَّها الأرْضُ الرَّمْلَةُ الَّتِي لا تَرْوى مِنَ الماءِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهِيمُ: ما لا يَرْوى مِن رَمْلٍ أوْ بَعِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا نُزُلُهُمْ ﴾ أيْ: رِزْقُهم.

ورَواهُ عَبّاسٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "نُزْلُهُمْ" بِسُكُونِ الزّاىِ، أيْ: رِزْقُهم وطَعامُهم.

وفى "الدِّينِ" قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما في "الفاتِحَةِ" .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ المُكَذِّبُونَ ﴾ ﴿ لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ ﴾ ﴿ فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ ﴾ ﴿ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ ﴾ ﴿ فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ ﴾ ﴿ هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِينِ ﴾ ﴿ نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ ﴾ ﴿ أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ ﴾ ﴿ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ ﴾ ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ ﴿ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ إنَّكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن كانَ في حالِهِمْ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن شَجَرٍ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن زَقُّومٍ" لِبَيانِ الجِنْسِ، والضَمِيرُ فِي: "مِنها" عائِدٌ عَلى الشَجَرِ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ أو عَلى الأكْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَآكِلُونَ مِن شَجَرَةٍ" عَلى الإفْرادِ.

و"الهِيمِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ "أهْيَمُ" وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ -بِضَمِّ الهاءِ- وهو داءٌ مُعَطِّشٌ يَشْرَبُ مَعَهُ الجُمَلُ حَتّى يَمُوتَ أو يُسْقَمَ سَقَمًا شَدِيدًا، والأُنْثى هَيْماءُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ هَيْماءَ كَعَيْناءَ وعَيْنَ وبَيْضاءَ وبِيضَ، وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: هو جَمْعُ هايمٌ وهايِمَةٌ، وهَذا أيْضًا مِن هَذا المَعْنى لِأنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ: الهِيمُ هُنا الرِمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وذَلِكَ أنَّ الهُيامَ -بِفَتْحِ الهاءِ- هو الرَمْلُ الدَقُّ الغَمْرُ المُتَراكِمُ، وقالَ ثَعْلَبُ: الهُيامُ: -بِضَمِّ الهاءِ- الرَمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "شَرِبَ الهِيمَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "شِرْبُ الهِيمِ" بِكَسْرِ الشِينِ، ولا خِلافَ أنَّهُ اسْمٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وباقِي السَبْعَةِ: "شُرْبَ الهِيمِ" بِضَمِّ الشِينِ، واخْتُلِفَ فِيهِ - فَقالَ قَوْمٌ: وهو مَصْدَرٌ، وقالَ آخَرُونَ: هو اسْمٌ لِما يُشْرَبُ.

وَ"النُزُلُ": أوَّلُ ما يَأْكُلُ الضَيْفُ، وقَرَأ عَمْرُو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ -: "نُزُلُهُمْ" بِسُكُونِ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، واليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ الزايِ، وهُما بِمَعْنى كالشُغْلِ والشُغُلِ.

و"الدِينُ": الجَزاءُ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ الخالِقُ، وحَضَّ عَلى التَصْدِيقِ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ ساقَ تَعالى الحُجَّةَ المُوحِيَةَ لِلتَّصْدِيقِ، كانَ مُعْتَرِضًا مِنَ الكُفّارِ قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ؟

فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا وكَذا؟

الآياتُ، ولَيْسَ يُوجَدُ مَفْطُورٌ يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ، و"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ ﴾ لَيْسَتِ المُعادَلَةَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الفِعْلَ قَدْ تَكَرَّرَ، وإنَّما المُعادَلَةُ عِنْدَهُ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟

وهَذِهِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ مُعادَلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ.

وأمّا إذا تَغايَرَ الفِعْلانِ فَلَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ إجْماعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُمَنُّونَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو السَمالِ: "تُمَنُّونَ" بِفَتْحِ التاءِ، ويُقالُ: "أمْنى الرَجُلُ ومَنّى" بِمَعْنًى واحِدٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "نَحْنُ قَدَّرْنا" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ كُثَيِّرٌ وحْدَهُ: "نَحْنُ قَدَرْنا" بِتَخْفِيفِ الدالِّ، والمَعْنى فِيهِما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: قَضَيْنا وأثْبَتْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: سَوَّيْنا وعَدَلْنا التَقَدُّمُ والتَأخُّرُ، أيْ: جَعَلْنا المَوْتَ رُتَبًا، لَيْسَ يَمُوتُ العالَمُ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَعْدُوهُ أحَدٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ، أيْ: تَمُوتُ طائِفَةٌ ونُبْدِلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ عَلى تَبْدِيلِكم إنْ أرَدْناهُ، وإنْ نُنْشِئْكم بِأوصافٍ لا يَصِلُها عَمَلُكم ولا تُحِيطُ بِها فِكَرُكُمْ، قالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: تَأوَّلَ الحَسَنُ هَذا لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ، وجاءَتْ لِفَظَّةُ السَبْقِ هُنا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ  : « "فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تَغْلِبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكُمْ"».

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "النَشْأةُ" بِسُكُونِ الشِينِ، وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو الأشْهَبِ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "النَشاءَةَ" بِفَتْحِها وبِالمَدِّ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: أشارَ إلى خَلْقِ آدَمَ ووَقَفَ عَلَيْهِ لِأنَّكَ لا تَجِدُ أحَدًا يُنْكِرُ أنَّهُ مِن وُلِدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ مِن طِينٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أرادَ بِالنَشْأةِ الأُولى نَشْأةَ إنْسانٍ في طُفُولَتِهِ، فَيَعْلَمُ المَرْءُ نَشْأتَهُ كَيْفَ كانَتْ بِما يَرى مِن نَشْأةِ غَيْرِهِ.

ثُمَّ حَضَّضَ تَعالى عَلى التَذَكُّرِ والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" مُشَدَّدَةَ الذالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا من جملة ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم.

و ﴿ ثم ﴾ للترتيب الرتبي فإن في التصريح بتفصيل جزائهم في ذلك اليوم ما هو أعظم وقعاً في النفوس من التعريض الإِجمالي بالوعيد الذي استفيد من قوله: ﴿ إن الأولين والآخرين لمجموعون ﴾ [الواقعة: 49، 50].

وهذا التراخي الرتبي مثل الذي في قوله تعالى: ﴿ قل بلى وربي لتبعثن ثم لَتُنَبّؤنَّ بما عملتم ﴾ [التغابن: 7] بمنزلة الاعتراض بين جملة ﴿ إن الأولين والآخرين ﴾ [الواقعة: 49] وجملة: ﴿ خلقناكم فلولا تصدقون ﴾ [الواقعة: 57].

والخطاب موجه للمقول إليهم ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم فليس في هذا الخطاب التفات كما قد يتوهم، وفي ندائهم بهذين الوصفين إيماء إلى أنهما سبب ما لحقهم من الجزاء السَّيّئ، ووصفهم بأنهم: ضالون مكذّبون، ناظر إلى قولهم: ﴿ أئذا متنا وكنا تراباً ﴾ [الواقعة: 47] الخ.

وقدم وصف ﴿ الضالون ﴾ على وصف ﴿ المكذبون ﴾ مراعاة لترتيب الحصول لأنهم ضلّوا عن الحق فكذبوا بالبعث ليحذروا من الضلال ويتدبروا في دلائل البعث وذلك مقتضى خطابهم بهذا الإنذار بالعذاب المتوقع.

وشجر الزقوم: من شجر العذاب، تقدم في سورة الدخان.

والحميم: الماء الشديد الغليان، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ لهم شراب من حميم ﴾ في سورة الأنعام (70) وتقدم قريباً في هذه السورة.

والمقصود من قوله: ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ تفظيع حالهم في جزائهم على ما كانوا عليه من الترف في الدنيا بملء بطونهم بالطعام والشراب ملْئاً أنساهم إقبالهم عليه وشرْبهم من التفكرَ في مصيرهم.

وقد زيد تفظيعاً بالتشبيه في قوله: ﴿ فشاربون شرب الهيم ﴾ ، كما سيأتي، وإعادة فعل (شاربون) للتأكيد وتكرير استحضار تلك الصورة الفظيعة.

ومعنى ﴿ شاربون عليه ﴾ يجوز أن يكون (على) فيه للاستعلاء، أي شاربون فوقه الحميم، ويجوز مع ذلك استفادة معنى (مع) من حرف (على) تعجيباً من فظاعة حالهم، أي يشربون هذا الماء المحرق مع ما طعموه من شجر الزقوم الموصوفة في آية أخرى بأنها ﴿ يغلي في البطون كغَلي الحميم ﴾ [الدخان: 45، 46] فيفيد أنهم يتجرعونه ولا يستطيعون امتناعاً.

و ﴿ مِن ﴾ الداخلة على ﴿ شجر ﴾ ابتدائية، أي آكلون أكلاً يؤخذ من شجر الزقوم، و ﴿ من ﴾ الثانية الداخلة على ﴿ زقوم ﴾ بيانية لأن الشجر هو المسمى بالزقوم.

وتأنيث ضمير الشجر في قوله: ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ لأن ضمائر الجمع لغير العاقل تأتي مؤنثة غالباً.

وأما ضمير ﴿ عليه ﴾ فإنما جاء بصيغة المذكر لأنه عائد على الأكل المستفاد من قوله: ﴿ لآكلون ﴾ ، أي على ذلك الأكل بتأويل المصدر باسم المفعول مثل الخلق بمعنى المخلوق.

والهِيم: جمع أهيم، وهو البعير الذي أصابه الهُيام بضم الهاء، وهو داء يصيب الإِبل يورثها حُمى في الأمعاء فلا تزال تشرب ولا تروَى، أي شاربون من الحميم شرباً لا ينقطع فهو مستمرة آلامه.

وقرأ نافع وعاصم وحمزة وأبو جعفر ﴿ شُرب ﴾ بضم الشين اسمَ مصدر شرب، وقرأ الباقون بفتح الشين وهو المصدر لشَرِب.

ورويت عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند صححه الحاكم، وخبر الواحد لا يزيد المتواترَ قُوة فكلتا القراءتين متواتر.

والفاء في قوله: ﴿ فشاربون عليه من الحميم ﴾ عطف على ﴿ لآكلون ﴾ لإِفادة تعقيب أكل الزقوم ب ﴿ شرب الهيم ﴾ دون فترة ولا استراحة.

وإعادة ﴿ فشاربون ﴾ توكيد لفظي لنظيره، وفائدة هذا التوكيد زيادة تقرير ما في هذا الشرب من الأعجوبة وهي أنه مع كراهته يزدادون منه كما ترى الأهيم، فيزيدهم تفظيعاً لأمعائهم لإِفادة التعجيب من حالهم تعجيباً ثانياً بعد الأول، فإن كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه من تناهي الحرارة أمر عجيب، وشربهم له كما تَشرَب الإِبل الهِيم في الإِكثار أمر عجيب أيضاً، فكانتا صفتين مختلفتين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما الدُّخانُ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

الثّانِي: أنَّها نارٌ سَوْداءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا بارِدَ المَدْخَلِ، ولا كَرِيمَ المَخْرَجِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: لا كَرامَةَ فِيهِ لِأهْلِهِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يُرِيدَ لا طَيِّبَ ولا نافِعَ.

﴿ إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُنَعَّمِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مُشْرِكِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ وصْفُهم بِالتَّرَفِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: التِهاؤُهم عَنِ الِاعْتِبارِ وشُغْلُهم عَنِ الِازْدِجارِ.

الثّانِي: لِأنَّ عَذابَ المُتْرَفِ أشَدُّ ألَمًا.

﴿ وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: الذَّنْبُ العَظِيمُ الَّذِي لا يَتُوبُونَ مِنهُ، قالَهُ قَتادَةُ، و مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: هو اليَمِينُ الغَمُوسُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يَكُونَ الحَنْثُ العَظِيمُ نَقْضُ العَهْدِ المُحَصَّنِ بِالكُفْرِ.

﴿ فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الأرْضُ الرَّمْلَةُ الَّتِي لا تُرْوى بِالماءِ، وهي هَيامُ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها الإبِلُ الَّتِي يُواصِلُها الهَيامُ وهو داءٌ يُحْدِثُ عَطَشًا فَلا تَزالُ الإبِلُ تَشْرَبُ الماءَ حَتّى تَمُوتَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ المُلَوَّحِ يُقالُ بِهِ داءُ الهَيامِ أصابَهُ وقَدْ عَلِمَتْ نَفْسِي مَكانَ شِفائِيا الثّالِثُ: أنَّ الهِيمَ الإبِلُ الضَّوالُّ لِأنَّها تَهِيمُ في الأرْضِ لا تَجِدُ ماءً فَإذا وجَدَتْهُ فَلا شَيْءَ أعْظَمُ مِنها شُرْبًا.

الرّابِعُ: أنَّ شُرْبَ الهِيمِ هو أنْ تَمُدَّ الشُّرْبَ مَرَّةً واحِدَةً إلى أنْ تَتَنَفَّسَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، قالَهُ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ، فَوَصَفَ شُرْبَهُمُ الحَمِيمَ بِأنَّهُ كَشُرْبِ الهِيمِ لِأنَّهُ أكْثَرُ شُرْبًا فَكانَ أزْيَدَ عَذابًا.

﴿ هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ ﴾ أيْ طَعامُهم وشَرابُهم يَوْمَ الجَزاءِ، يَعْنِي في جَهَنَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ﴾ قال: ماذا لهم وماذا أعد لهم؟

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وظل من يحموم ﴾ قال: من دخان أسود، وفي لفظ: من دخان جهنم.

وأخرج هناد وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وظل من يحموم ﴾ قال: من دخان جهنم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وظل من يحموم ﴾ قال: من دخان.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ وظل من يحموم ﴾ قال: الدخان.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه قال: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا بارد ولا كريم ﴾ قال: لا بارد المنزل ولا كريم المنظر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك مترفين ﴾ قال: منعمين ﴿ وكانوا يصرون على الحنث العظيم ﴾ قال: على الذنب العظيم.

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي رضي الله عنه ﴿ وكانوا يصرون على الحنث العظيم ﴾ قال: هي الكبائر.

وأخرج ابن عدي والشيرازي في الألقاب والحاكم وصححه وابن مردويه والخطيب في تالي التلخيص وابن عساكر في تاريخه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الواقعة ﴿ فشاربون شرب الهيم ﴾ بفتح الشين من شرب.

وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ شرب الهيم ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ شرب الهيم ﴾ قال: الإِبل العطاش.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عزوجل: ﴿ فشاربون شرب الهيم ﴾ قال: الإِبل يأخذها داء يقال له الهيم، فلا تروى من الماء، فشبه الله تعالى شرب أهل النار من الحميم بمنزلة الإِبل الهيم، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: أجزت إلى معارفها بشعب ** واطلاح من العبديّ هيم وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي مجلز رضي الله عنه ﴿ فشاربون شرب الهيم ﴾ قال: كان المراض تمص الماء مصّاً ولا تروى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ فشاربون شرب الهيم ﴾ قال: الإِبل المراض تمصّ الماء مصّاً ولا تروى.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فشاربون شرب الهيم ﴾ قال: ضراب الإِبل دواب لا تروى.

وأخرج سفيان بن عيينة في جامعه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فشاربون شرب الهيم ﴾ قال: هيام الأرض يعني الرمال.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: ﴿ الهيم ﴾ الإِبل العطاش.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ شرب الهيم ﴾ قال: الإِبل الهيم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ شرب الهيم ﴾ قال: داء يأخذ فإذا أخذها لم ترو.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ شرب الهيم ﴾ برفع الشين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَيُّهَا الضآلون المكذبون ﴾ خِطاب لكفار قريش وسائر الكفار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ينزفون ﴾ من باب الأفعال: عاصم وحمزة وخلف.

الباقون: بفتح الزاء ﴿ حور عين ﴾ بجرهما: يزيد وعلي وحمزة ﴿ عرباً ﴾ بالسكون: حمزة وخلف ويحيى وحماد وإسماعيل ﴿ أئذا أئنا ﴾ كما في "الرعد" إلا ابن عامر فإنه تابع عاصماً، وإلا يزيد فإنه تابع قالون ﴿ شرب ﴾ بضم الشين: أبو جعفر نافع وعاصم وحمزة وسهل.

الباقون: بالفتح وكلاهما مصدر ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ﴿ أئنا لمغرمون ﴾ بهمزتين: أبو بكر وحماد.

الآخرون: بهمزة واحدة مكسورة على الخبر.

﴿ بموقع ﴾ على الوحدة: حمزة وعلي وخلف.

﴿ تكذبون ﴾ بالتخفيف: المفضل ﴿ فروح ﴾ بضم الراء: قتيبة ويعقوب.

الوقوف: ﴿ الواقعة ﴾ ه لا بناء على أن العامل في الظرف هو ليس ولو كان منصوباً بإضمار "أذكر" أو كان الجواب محذوفاً أي إذا وقعت الواقعة كان كيت وكيت صح الوقف ﴿ كاذبة ﴾ ه م لئلا يصير ما بعدها صفة ﴿ رافعة ﴾ ه لا لتعلق الظرف بخافضة أو لكونه بدلاً من الأول ﴿ رجاً ﴾ ه لا ﴿ بساً ﴾ ه ﴿ منبثاً ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الميمنة ﴾ ه ط لتناهي استفهام التعجب ﴿ ما أصحاب المشأمة ﴾ ه ط ﴿ السابقون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ السابقون ﴾ تأكيد والجملة بعده خبر ﴿ المقربون ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعده خبر مبتدأ محذوف أي هم ﴿ جنات النعيم ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ موضونة ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ مخلدون ﴾ ه لا ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ ولا ينزفون ﴾ ه لا ﴿ يتخيرون ﴾ ه لا ﴿ يشتهون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع ﴿ المكنون ﴾ ه ج ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ تأثيماً ﴾ ه لا ﴿ سلاماً ﴾ ه ط ﴿ وما أصحاب اليمين ﴾ ه ط ﴿ مخضود ﴾ ه لا ﴿ منضود ﴾ ه لا ﴿ ممدود ﴾ ه لا ﴿ مسكوب ﴾ ه لا ﴿ كثيرة ﴾ ه لا ﴿ ممنوعة ﴾ ه لا ﴿ مرفوعة ﴾ ه ط ﴿ إنشاء ﴾ ه لا ﴿ أبكاراً ﴾ ه لا ﴿ أتراباً ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ط ﴿ ما أصحاب الشمال ﴾ ه ط ﴿ وحميم ﴾ ه لا ﴿ يحموم ﴾ ه لا ﴿ ولا كريم ﴾ ه ﴿ مترفين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ والآخرين ﴾ ه لا ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ المكذبون ﴾ ه لا ﴿ زقوم ﴾ ه لا ﴿ البطون ﴾ ه ج والوقف أجوز ﴿ الحميم ﴾ ه ج ﴿ الهيم ﴾ ه ط ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تصدقون ﴾ ه ﴿ تمنون ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ﴿ بمسبوقين ﴾ ه لا ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ تحرثون ﴾ ه ط ﴿ الزارعون ﴾ ه ﴿ تفكهون ﴾ ه ﴿ لمغرمون ﴾ ه لا ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ المنزلون ﴾ ه ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تورون ﴾ ه ط ﴿ المنشؤن ﴾ ه ﴿ للمقوين ﴾ ه ج ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ النجوم ﴾ ه لا ﴿ عظيم ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ المطهرون ﴾ ه ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ مدهنون ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ الحلقوم ﴾ ه لا ﴿ تنظرون ﴾ ه لا ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ مدينين ﴾ ه لا ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه لا ﴿ نعيم ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه لا ﴿ الظالين ﴾ ه لا ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ جحيم ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ ألعظيم ﴾ ه.

التفسير: ﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ نظير قولك حدثت الحادثة "وكانت الكائنة" وهي القيامة التي تقع لا محالة.

يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله.

واللام في ﴿ لوقعتها ﴾ للوقت أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله لأن الإيمان حينئذ بما هو غائب الآن ضروري إلا أنه غير نافع لأنه إيمان اليأس.

ويجوز أن يراد ليس لها وقتئذ نفس تكذبها وتقول لها لم تكوني لأن إنكار المحسوس غير معقول.

وجوز جار الله أن يكون من قولهم "كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم" إذا شجعته على مباشرته.

وقالت له: إنك تطيقه.

فيكون المراد أن القيامة واقعة لا تطاق شدة وفظاعة وأن الأنفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور.

وقيل: هي مصدر كالعافية فيؤل المعنى إلى الأول.

وقال في الكشاف: هو بمعنى التكذيب من قولهم "حمل على قرنه فما كذب" أي فما جبن وما تثبط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من طاقته له.

والحال من هذا التوجيه أنها إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد ﴿ خافضة رافعة ﴾ أي هي تخفض أقواماً وترفع آخرين إما لأن الواقعات العظام تكون كذلك كما قال: وما إن طبنا جبن ولكن *** منايات ودولة آخرينا وإما لإن للأشقياء الدركات وللسعداء الدرجات وإما لأن زلزلة الساعة تزيل الأشياء عن مقارها فتنثر الكواكب وتسير الجبال في الجو يؤيده قوله ﴿ إذا رجت الأرض ﴾ أي حركت تحريكاً عنيفاً حتى ينهدم كل بناء عليها ﴿ وبست الجبال بساً ﴾ أي فتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها ﴿ فكانت ﴾ أي صارت غباراً متفرقاً.

ثم ذكر أحوال الناس يومئذ قائلاً ﴿ وكنتم ﴾ لفظ الماضي لتحقق الوقوع ﴿ أزواجاً ﴾ أي أصنافاً ﴿ ثلاثة ﴾ ثم فصلها فقال ﴿ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ﴾ وهو تعجب من شأنهم كقولك "زيد ما زيد" سموا بذلك لأنهم يؤتون صحائفهم بأيمانهم، أو لأنهم أهل المنزلة السنية من قولهم "فلان مني باليمين" إذا وصفته بالرفعة عندك وذلك لتيمنهم بالميامن دون الشمائل وتبركهم بالسانح دون البارح، ولعل اشتقاق اليمين من اليمن والشمال من الشؤم، والسعداء ميامين على أنفسهم والأشقياء مشائيهم عليها.

روي أهل الجنة يؤخذ بهم إلى جانب اليمين وأهل النار يؤخذ بهمفي الشمال ﴿ والسابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه من التوحيد والإخلاص والطاعة ﴿ هم السابقون ﴾ عرف الخبر للمبالغة كقوله "وشعري شعري" يريد والسابقون من عرف حالهم وبلغك وصفهم، وعلى هذا يحسن الوقف ﴿ السابقون ﴾ ﴿ أولئك المقربون ﴾ إلى مقامات لا يكشف المقال عنها من الجمال والعارفون يقولون لهم إنهم أهل الله، وفي لفظ السبق إشار إلى ذلك ﴿ في جنات النعيم ﴾ إخفاء حالهم وبيان محل إجسادهم أو هي الجنة الروحانية النورانية ﴿ ثلة من الأولين ﴾ أي جماعة كثيرة من لدن آدم إلى أول زمان نبينا  .

قال أهل الاشتقاق: أصل الثلة من الثل وهو الكسر كما أن الأمة من الأم وهو الشج كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم، ثم اشتق الإمام منه إذ به يحصل الأمة المقتدية به.

﴿ وقليل من الآخرين ﴾ أي من هذه الأمة.

قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي  وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ههنا ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ وفيما بعده قال ﴿ وثلة من الآخرين ﴾ والجواب أن الثلتين في آية أصحاب اليمين هما جميعاً من أمة محمد  .

جواب آخر وهو أن يقال: الخطاب في قوله ﴿ وكنتم أزواجاً ﴾ لأمة محمد  والأولون منهم هم الصحابة والتابعون كقوله { ﴿ والسابقون الأولون  ﴾ والآخرون منهم هم الذين يلونهم إلى يوم الدين، ولا ريب أن السابقين يكونون في الأولين أكثر منهم في الآخرين.

وأما أصحاب اليمين فيوجدون في كلا القبيلين كثيراً وعلى هذا يكون الترتيب المذكور ساقطاً ولا نسخ لإمكان اجتماع مضموني الخبرين في الواقع.

قال الزجاج وهو قول مجاهد والضحاك يعني جماعة ممن تبع النبي  وعاينه وجماعة ممن آمن به وكان بعده.

وروى الواحدي في تفسيره بإسناده عن ابن عباس أن النبي  قال " " جميع الثلتين من أمتي " " وأجاب بعضهم بأنه لما نزلت الآية الأولى شق على المسلمين فمازال رسول الله  يراجع ربه حتى نزلت ﴿ ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ﴾ وزيفت هذه الرواية بظهور ورود الآية الأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين، وبأن النسخ لا يتضح بل لا يصح في الأخبار، وبأن الآية الأولى لا توجب الحزن ولكنها تقتضي الفرح من حيث إنه إذا كان السابقون في هذه الأمة موجودين وإن كانوا قليلين وقد صح أنه لا نبي بعد محمد رسول الله  لزم أن يكون بعض الأمة مع محمد  سابقين فيكونون في درجة الأنبياء والرسل الماضين، ولعل في قوله "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" إشارة إلى هذا.

وأقول: عندي أن الجواب الصحيح هو أن السابقين في الأمم الماضية يجب أن يكونوا أكثر لأن فيض الله  المقدر للنوع الإنساني إذا وزع على أشخاص أقل يكون نصيب كل منهم أوفر مما لو قسم على أشخاص أكثر، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة وعسى أن يكون هذا سبباً لخاتمة نبينا  أما أصحاب اليمين وهم أهل الجنة كما قلنا فإنهم كثيرون من هذه الأمة لأنهم كل من آمن بالله ورسوله وعمل صالحاً هذا ما سنح في الوقت والله  أعلم بمراده.

ثم وصف حال المقربين بقوله ﴿ على سرر موضونة ﴾ قال المفسرون: أي منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت وقد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع أي استقروا على السرر ﴿ متكئين ﴾ وقوله ﴿ ولدان مخلدون ﴾ أي غلمان لا يهرمون ولا يغيرون قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد.

قال: ويقال مخلدون مقرطون من الخلدة وهو القرط.

وقيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها.

قال جار الله: روي هذا عن علي  .

والحسن قال الحديث "أولاد الكفار خدام أهل الجنة" " والأكواب الأقداح المستديرة الأفواه ولا آذان لها ولا عري، والأباريق ذوات الخراطيم الواحد إبريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه.

والباقي مفسر في "الصافات" إلى قوله ﴿ مما يتخيرون ﴾ أي يختارون تخيرت الشيء أخذت خيره، قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلاً بين يديه على ما اشتهى.

ومن قرأ ﴿ وحور عين ﴾ بالرفع فمعناه ولهم أو عندهم حور.

ومن خفضهما فعلى العطف المعنوي أي يكرمون أو يتنعمون بأكواب وبكذا وكذا.

والكاف في قوله ﴿ كأمثال ﴾ للمبالغة في التشبيه.

قوله ﴿ جزاء ﴾ مفعول له أي يفعل بهم ذلك لأجل الجزاء.

قوله ﴿ ولا تأثيماً ﴾ أي لا يقول بعضهم لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم.

وانتصب ﴿ سلاماً ﴾ على البدل من ﴿ قليلاً ﴾ أو على أنه مفعول به أي لا يسمعون يها إلا أن يقولوا سلاماً عقيبه سلام.

ثم عجب من شأن أصحاب اليمين.

والسدر شجر النبق والمخضود الذي لا شوك له كأنه خضد شوكه.

وقال مجاهد: هو من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب كأنه من كثرة ثمره ثنى أغصانه والطلح شجر الموز أو أم غيلان كثير النور طيب الرائحة وعن السدي: شجر يشبه طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل.

وفي الكشاف أن علياً  أنكره وقال: ما شأن الطلح إنما هو طلع وقرأ قوله ﴿ لها طلع نضيد ﴾ فقيل: أو نحولها؟

قال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول قال: وعن ابن عباس نحوه.

قلت: وفي هذه الرواية نظر لا يخفى.

والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره فليست له ساق بارزة ﴿ وظل ممدود ﴾ أي ممتد منبسط كظلي الطلوع والغروب لا يتقلص.

ويحتمل أن يراد أنه دائم باقٍ لا يزول ولا تنسخه الشمس، والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع إنه ممدود.

والمسكوب المصبوب يسكب لهم أين شاؤا وكيف شاؤا، أو يسكبه الله في مجاريه من غير انقطاع، أو أراد أنه يجري على الأرض في خير أخدود ﴿ لا مقطوعة ﴾ في بعض الأوقات ﴿ ولا ممنوعة ﴾ عن طالبيها بنحو حظيرة أو لبذل ثمن كما هو شأن البساتين والفواكه في الدنيا ﴿ مرفوعة ﴾ أي نضدت حتى ارتفعت أو مرفوعة على الأسرة قاله علي  .

وقيل: هي النساء المرفوعة على الأرائك.

والمرأة يكنى عنها بالفراش يدل على هذا قوله ﴿ إنا أنشأناهن ﴾ وعلى التفسير الأول جعل ذكر الفرش وهي المضاجع دليلاً عليهن.

ومعنى الإنشاء أنه ابتدأ خلقهن من غير ولادة أو أعاد خلقهن إنشاء.

روى الضحاك عن ابن عباس أنهن نساؤنا العجز الشمط يخلقهن الله بعد الكبر والهرم ﴿ أبكاراً عرباً ﴾ جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل ﴿ أتراباً ﴾ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين كأزواجهن كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً من غير وجع.

وقوله ﴿ لأصحاب اليمين ﴾ متعلق بأنشأنا وجعلنا.

ثم عجب من أصحاب الشمال.

ومعنى ﴿ في سموم ﴾ في حر نار ينفذ في المسام.

والحميم الماء الكثير الحرارة.

واليحموم الدخان الأسود "يفعول" من الأحم وهو الأسود.

ثم نعت الظل بأنه حار ضار لا منفعة فيه ولا روح لمن يأوي إليه.

قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر.

قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعاً لكل شيء ينوي به المدح في الإثبات أو الذم في النفي تقول: هو سمين كريم وما هذه الدار بواسعة ولا بكريمة.

ثم ذكر أعمالهم الموجبة لهذا العقاب فقال ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك ﴾ أي في الدنيا ﴿ مترفين ﴾ متنعمين متكبرين عن التوحيد والطاعة والإخلاص ﴿ وكانوا يصرون على الحنث ﴾ وهو الذنب الكبير ووصفه بالعظم مبالغة على مبالغة تقول: بلغ الغلام الخنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم وحنث في يمينه خلاف بر فيها.

وخص جمع من المفسرين فقالوا.أعني به الشرك.

وعن الشعبي: هو اليمين الغموس وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون يدل عليه ما بعده وقد مر مثله في "الصافات".

واعلم أنه  ذكر في تفصيل الأزواج الثلاثة نسقاً عجيباً وأسلوباً غريباً.

وذلك أنه لم يورد في التفصيل إلا ذكر صنفين.

أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة.

ثم بعدما عجب منهما بين حال الثلاثة السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأقول وبالله التوفيق: هذا كلام موجز معجز فيه لطائف خلت التفاسير عنها منها: أنه طوى ذكر السابقين في أصحاب الميمنة لأن كلاً من السابقين ومن أصحاب اليمين أصحاب اليمن والبركة كما أن أصحاب الشمال أهل الشؤم والنكد، وكأن في هذا الطي إشارة إلى الحديث القدسي "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنها أن ذكر السابقين وقع في الوسط باعتبار وخير الأمور أوسطها، وفي الأول باعتبار والأشراف بالتقديم أولى، وفي الآخر باعتبار ليكون إشارة إلى قوله  " "نحن الآخرون السابقون " ومنها أن مفهوم السابق متعلق بمسبوق، فما لم يعرف ذات المسبوق لم يحسن ذكر السابق من حيث هو سابق.

فهذا ما سنح للخاطر وسمح به والله  أعلم بمراده.

ثم أمر نبيه  بأن يقرر لهم ما شكوا فيه فقال ﴿ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ﴾ أي ينتهي أمر جميعهم إلى وقت ﴿ يوم معلوم ﴾ عند الله وفيه رجوع إلى أول السورة.

ولما كرر ذكر المعاد بعبارات شتى ذكر طرفاً من حال المكذبين المعاصرين ومن ضاهاهم فقال ﴿ ثم إنكم أيها الضالون ﴾ عن الهدى ﴿ المكذبون ﴾ بالبعث ﴿ لآكلون ﴾ أي في السموم المذكور ﴿ من شجر ﴾ هو للابتداء ﴿ من زقوم ﴾ هو للبيان ﴿ فمالئون منها البطون ﴾ آنت الضمير بتأويل الشجرة قال جار الله: عطف الشاربين على الشاربين لاختلافهما اعتباراً وذلك أن شرب الماء المتناهي الحرارة عجيب وشربه كشرب الهيم أعجب.

والهيم الإبل التي بها الهيام وإذا شربت فلا تروى واحدها أهيم والمؤنث هيماء وزنه "فعل" كبيض.

وجوز أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك كسحاب وسحب.

ثم خفف وفعل به ما فعل بنحو جمع أبيض والمعنى أنه يسلط عليهم الجوع حتى يضطروا إلى أكل الزقوم.

ثم يسلط عليهم العطش إلى أن يضطروا إلى شرب الحمم كالإبل الهيم ﴿ نحن خلقناكم فلولا تصدقون ﴾ بالبعث بعد الخلق فإن من قدر على البدء كان على الإعادة أقدر.

ثم برهن أنه لا خالق إلا هو فقال ﴿ أفرأيتم ما تمنون ﴾ أي تقذفونه في الأرحام.

يقال: أمنى النطفة ومناها وقد مر في قوله ﴿ من نطفة إذا تمنى  ﴾ ﴿ أءنتم تخلقونه ﴾ تقدّرونه وتصورونه.

ووجه الاستدلال أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في جميع الأعضاء ولهذا تشترك كل الأعضاء في لذة الوقاع ويجب اغتسال كلها لحصول الانحلال عنها جميعاً.

فالذي قدر على جمع تلك الأغذية في بدن الإنسان ثم على جمع تلك الأجزاء الطلية في أوعيتها ثم على تمكينها في الرحم إلى أن تتكون إنساناً كاملاً يقدر على جمعها بعد تفريقها بالموت المقدر بينهم بحيث لا يفوته شيء منها وإلى هذا أشار بقوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل ﴾ أي نحن قادرون على ذلك لا يغلبنا عليه أحد.

يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه.

والأمثال جمع المثل أي على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق و ﴿ فيما لا تعلمون ﴾ أي في خلق ما لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يريد بيان قدرته على إنشائنا في جملة خلق تماثلنا أو خلق لا تماثلنا.

وجوز جار الله أن يكون جمع مثل بفتحتين والمعنى إنا قادرون على تغيير صفاتكم التي أنتم عليها وإنشاء صفات لا تعلمونها.

ثم ذكرهم النشأة الأولى ليكون تذكيراً بعد تذكير فقال ﴿ ولقد علمتم ﴾ الآية.

ثم دل على كمال عنايته ورحمته ببريته مع دليل آخر على قدرته قائلاً ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ من الطعام أي تبذرون حبه ﴿ أءنتم تزرعونه ﴾ أي تجعلونه بحيث يكون نباتاً كاملاً يستحق اسم الزرع.

وفي الكشاف عن رسول الله  " لا يقولن أحد زرعت وليقل حرثت " والحطام ما تحطم وتكسر من الحشيش اليابس.

وقوله ﴿ فظلتم ﴾ أصله فظللتم حذفت إحدى اللامين للتخفيف وهو مما جاء مستعملاً غير مقس عليه.

ومعنى ﴿ تفكهون ﴾ تعجبون كأنه تكلف الفكاهة.

وعن الحسن: تندمون على الإنفاق عليه التعب فيه أو على المعاصي التي تكون سبباً لذلك.

من قرأ ﴿ أنا ﴾ بالخبر فواضح ويحسن تقدير القول أو لا بد منه، ومن قرأ بالاستفهام فللتعجب ولا بد من تقدير القول أيضاً.

ومعنى ﴿ لمغرمون ﴾ لمهلكون من الغرام الهلاك لهلاك الرزق، أو من الغرامة أي لملزمون غرامة ما أنفقنا ﴿ بل نحن ﴾ قوم ﴿ محرومون ﴾ لا حظ لنا ولو كنا مجدودين لما جرى علينا ما جرى ورفضوا العجب من حالهم، ثم أسندوا ذلك إلى ما كتب عليهم في الأزل من الإدبار وسوء القضاء نعوذ الله منهما.

ثم ذكر دليلاً آخر مع كونه نعمة أخرى وهو إنزال الماء من المزن وهو السحاب الأبيض خاصة.

والأجاج الماء الملح اكتفى باللام الأولى في جواب "لو" عن إشاعة الثانية وهي ثابتة في المعنى لأن "لو" شرطية غير واضحة ليس إلا أن الثاني امتنع لامتناع الأول وهذا أمر وهمي فاحتيج في الربط إلى اللام التوكيدي.

ويمكن أن يقال: إن المطعوم مقدم على أمر المشروب والوعيد بفقده أشد وأصعب فلهذا خصت آية المطعوم باللام المفيدة للتأكيد.

وإنما ختم الآية بقوله ﴿ فلولا تشكرون ﴾ لأنه وصف الماء بقوله ﴿ الذي تشربون ﴾ ولم يصف المطعوم بالأكل أو لأنه قال ﴿ أءنتم أنزلتموه من المزن ﴾ وهذا لا عمل للآدمي فيه أصلاً بخلاف الحرث أو لأن الشرب من تمام الأكل فيعود الشكر إلى النعمتين جميعاً ثم عد نعمة أخرى من قبيل ما مر.

ومعنى ﴿ تورون ﴾ تقدحونها وتستخرجونها من الشجر وقد سبق ذكرها في آخر "يس".

وأعلم أنه  بدأ في هذه الدلائل بذكر خلق الإنسان لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم.

ثم أعقبه بذكر ما فيه قوام الناس وقيام معايشهم وهو الحب، ثم أتبعه الماء الذي به يتم العجين، ثم ختم بالنار التي بها يحصل الخبز، وذكر عقيب كل واحد ما يأتي عليه ويفسده فقال في الأولى ﴿ نحن قدرنا بينكم الموت ﴾ وفي الثانية ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ وفي الثالثة ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ولم يقل في الرابعة ما يفسدها بل قال ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ تتعظون بها ولا تنسون نار جهنم كما روي عن رسول الله  "ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء من سبعين جزءاً من جهنم " ﴿ ومتاعاً ﴾ وسبب تمتع ومنفعة ﴿ للمقوين ﴾ للذين ينزلون القواء وهي القفر أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام في السفر من أقوى الرجل إذا لم يأكل شيئاً من أيام.

وفي نسق هذه الآيات بشارة للمؤمنين وذلك أنه  بدأ بالوعيد الشديد وهو تغيير ذات الإنسان بالكلية في قوله ﴿ وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ﴾ ثم ترك ذلك المقام إلى أسهل منه وهو تغير قوته ذاتاً فقال ﴿ لو نشاء لجعلناه حطاماً ﴾ ثم عقبه بأسهل وهو تغيير مشروبه نعتاً لا ذاتاً ولهذا حذف اللام في قوله ﴿ لو نشاء جعلناه أجاجاً ﴾ ويحتمل عندي أن يكون سبب حذف اللام هو كون "لو" بمعنى "أن" وذلك أن الماء باقٍ ههنا فيكون التعليق حقيقة بخلاف الزرع فإنه بعد أن حصد صار التعليق المذكور وهمياً فافهم.

ثم ختم بتذكير النار وفيه وعد من وجه ووعيد من وجه.

أما الأول فلأنه لم يبين ما يفسدها كما قلنا يدل على أن الختم وقع على الرأفة والرحمة.

وأما الثاني فلأن عدم ذكر مفسدها يدل على بقائها في الآخرة.

وفي قوله ﴿ تذكرة ﴾ إشارة إلى ما قلنا.

ثم أمر بإحداث التسبيح بذكره أو بذكر اسمه العظيم تنزيهاً له عما يقول الكافرون به وبنعمته وبقدرته على البعث، ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ فلا أقسم ﴾ أي فأقسم والعرب تزيد لا قبل فعل أقسم كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه فيفيد التأكيد.

ومواقع النجوم مساقطعها ومغاربها ولا ريب أن لأواخر الليل خواص شريفة ولهذا قال  ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ وعن سفيان الثوري: إن لله  ريحاً تهب وقت الأسحار وتحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار.

وقوله ﴿ وأنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾ اعتراض فيه اعتراض.

ومواقعها منازلها ومسايرها في أبراجها أو هي أوقات نزول نجوم القرآن الكريم الحسن المرضي من بين جنس الكتب.

أو كرمه نفعه للمكلفين.

أو هو كرامته على الله عز وجل ﴿ في كتاب مكنون ﴾ مستوراً على من أراد الله تعالى اطلاعه على أسراره من ملائكته المقربين وهو اللوح ﴿ لا يمسه ﴾ إن كان الضمير للكتاب فالمعنى أنه لا يصل إلى ما فيه ﴿ إلا ﴾ عبيده ﴿ المطهرون ﴾ من الأدناس الجسمية وهم الكروبيون، وإن كان للقرآن فالمراد أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة الباطنة والظاهرة، فلا يمسه كافر ولا جنب ولا محدث.

ومن الناس من حرم قراءة القرآن عند الحدث الأصغر أيضاً.

وعن ابن عباس في رواية وهو مذهب الإمامية إباحة قراءته في الجناية إلا في أربع سور فيها سجدة التلاوة لأن سجدتها واجبة عندهم.

ثم وبخ المتهاونين بشأن القرآن فقال ﴿ أفبهذا الحديث ﴾ أي بالقرآن أو بهذا الكلام الدال على حقيقة القرآن ﴿ أنتم مدهنون ﴾ متهاونون من أدهن في الأمر إذا لان جانبه ولا يتصلب فيه ﴿ وتجعلون رزقكم ﴾ أي شكر رزقكم ﴿ أنكم تكذبون ﴾ بالبعث وبما دل عليه القرآن، ومن أظلم ممن وضع التكذيب موضع الشكر كأنه عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو ذكر تعداد النعم من قوله ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ إلى قوله ﴿ للمقوين ﴾ وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم الأمطار إليها يعني وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله عز وجل وتنسبونه إلى النجوم.

ثم زاد في توبيخ الإنسان على جحد أفعال الله وآياته.

وترتيب الآية بالنظر إلى أصل المعنى هو أن يقال: فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فزاد في الكلام توكيدات منها تكرير ﴿ فلولا ﴾ التحضيضية لطول الفصل كما كرر قوله ﴿ فلا تحسبنهم ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون  ﴾ ومنها تقديم الظرف وهو قوله ﴿ إذا بلغت الحلقوم ﴾ أي النفس.

وإنما أضمرت للعلم بها كقوله ﴿ ما ترك على ظهرها  ﴾ وإنما قدم الظرف للعناية فإنه لا وقت لكون الإنسان أحوج إلى التصرف والتدبير منه، ولأنه أراد أن يرتب الاعتراضات عليه.

ومنها زيادة الجمل المعترضة وهي قوله ﴿ وأنتم ﴾ يا أهل الميت ﴿ حينئذ تنظرون ﴾ إليه ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ﴾ بالقدرة والعلم أو بملائكة الموت ﴿ ولكن لا تبصرون ﴾ لا بالبصر ولا بالبصيرة.

ومعنى مدينين مربوبين مملوكين مقهورين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم.

ومنها قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ فإنه شرط زائد على شرط أي إن كنتم صادقين إن كنتم غير مدينين فارجعوا أرواحكم إلى أبدانكم متمنعين عن الموت، والحلقوم الحلق وهو مجرى النفس، والواو والميم زائدان، ووزنه "فعلوم" ويمكن أن يقال: إن فعل ﴿ فلولا ﴾ الأول محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى تكذبون مدة حياتكم جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم.

فلولا تكذبون وقت الموت وأنتم في ذلك الوقت تعلمون الأحوال وتشاهدونها؟

ويحتمل أن يكون معنى مدينين مقيمين من مدن إذا أقام، والمعنى إن كنتم على ما تزعمون من أنكم لا تبقون في العذاب إلا أياماً معدودة فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة.

ويجوز أن يكون من الدين بمعنى الجزاء والمعنى يؤول إلى الأول لأن الجزاء نوع من القهر والتسخير.

ويحتمل عندي أن يكون الضمير في ﴿ ترجعونها ﴾ عائداً إلى ملائكة الموت بدليل قوله ﴿ ونحن أقرب ﴾ والمعنى فلولا تردون عن ميتكم ملائكة الموت إن كنتم غير مقهورين تحت قدرتنا وإرادتنا.

وحين بين أن لا قدرة لهم على رجع الحياة والنفس إلى البدن وأنهم مجزيون في دار الإقامة فصل حال المكلف بعد الموت قائلاً ﴿ فأما إن كان ﴾ المتوفى ﴿ من المقربين ﴾ أي من السابقين من الأزواج الثلاثة ﴿ فروح ﴾ أي فله استراحة وهذا أمر يعم الروح والبدن ﴿ وريحان ﴾ أي رزق وهذا للبدن ﴿ وجنة نعيم ﴾ وهذا للروح يتنعم بلقاء المليك المقتدر.

ويروى أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك ﴾ أيها النبي ﴿ من أصحاب اليمين ﴾ أي أنت سالم من شفاعتهم.

هذا قول كثير من المفسرين.

وقال جار الله: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين كقوله ﴿ وتحيتهم فيها سلام  ﴾ ﴿ إن هذا ﴾ القرآن أو الذي أنزل في هذه السورة ﴿ لهو حق اليقين ﴾ أي الحق الثابت من اليقين وهو علم يحصل به ثلج الصدر ويسمى ببرد اليقين.

وقد يسمى العلم الحاصل بالبرهان فالإضافة بمعنى "من" كقولك "خاتم فضة" وهذا في الحقيقة لا يفيد سوى التأكيد كقولك "حق الحق".

"وصواب الصواب" أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه.

أو المراد هذا هو اليقين حقاً لا اليقين الذي يظن أنه يقين ولا يكون كذلك في نفس الأمر.

هذا ما قاله أكثر المفسرين.

وقيل: الإضافة كما في قولنا "جانب الغربي" و "مسجد الجامع" أي حق الأمر اليقين.

ويحتمل أن تكون الإضافة كما في قولنا "حق النبي أن يصلي عليه" و "حق المال أن تؤدى زكاته" ومنه قوله  " "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " أي إلا بحق هذه الكلمة.

ومن حقها أداء الزكاة والصلاة فكذلك حق اليقين الاعتراف بما قال الله  في شأن الأزواج الثلاثة.

وعلى هذا يحتمل أن يكون اليقين بمعنى الموت كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وقال أهل اليقين: للعلم ثلاث مراتب: أولها علم اليقين وهو مرتبة البرهان، وثانيها عين اليقين وهو أن يرى المعلوم عياناً فليس الخبر كالمعاينة، وثالثها حق اليقين وهو أن يصير العالم والمعلوم والعلم واحداً.

ولعله لا يعرف حق هذه المرتبة إلا من وصل إليها كما أن طعم العسل لا يعرفه إلأ من ذاقه بشرط أن لا يكون مزاجه ومذاقه فاسدين.

روى جمع من المفسرين أن عثمان بن عفان دخل على ابن مسعود في مرضه الذي مات فيه فقال له: ما تشتكي؟

قال: ذنوبي.

قال: ما تشتهي؟

قال:رحمة ربي.

قال: أفلا ندعو الطبيب؟

قال: الطبيب أمرضني.

قال: افلا نأمر بعطائك؟

قال: لا حاجة لي فيه.

قال: تدفعه إلى بناتك.

قال: لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله  يقول "من قرأ سورة الواقعة كل يوم لم تصبه فاقة أبداً"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ ﴾ ، وذكر في أصحاب اليمين مثله من التعجب، وأخبر عما يكرمهم ويعطيهم من أنواع النعم، وذكر أصحاب الشمال، وذكر على إثره ما أعد لهم من العذاب والهوان بقوله: ﴿ سَمُومٍ وَحَمِيمٍ...

﴾ الآية، ثم ذكر في أول السورة أصحاب الميمنة والمشأمة، ولم يذكر لهم الثواب ولا العذاب؛ وذلك - والله أعلم - لأن في ذكر الميمنة والمشأمة دلالة ما لهم؛ لأن الميمنة من اليمن، والمشأمة من الشؤم، ففي ذكر ذلك بيان [ما] لهم من الكرامات، وما لأولئك من العقوبات، وليس في ذكر اليمين والشمال بيان العقاب؛ فذكر على أثر ذلك؛ ليعرف ما لكل فريق من الجزاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ﴾ قيل: السموم: هو قيح جهنم، والحميم: هو الذي قد انتهى حره غايته.

وقيل: السموم: هو حر النار.

وقيل: هو ريح باردة.

وقيل: ريح حارة.

وأصله: أنه لما أصابهم السموم، اشتد بهم العطش، فعند ذلك يشربون الحميم؛ رجاء أن يسكن به عطشهم، ويذهب ذلك عنهم، فلا يزداد لهم بذلك إلا شدة عطش على ما كان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ ﴾ قيل: هو دخان أسود.

وقال بعضهم: اليحموم: هو من الحميم.

وقال أبو بكر: أي: ظل من بخار يجعل اليحموم بخارا.

ثم الظل الذي هاهنا يحتمل أن يكون هو الظل الذي ذكر في قوله: ﴿ ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ  ﴾ ، وقوله: لهم ظلل من النار.

وقيل: هو السرادق من النار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ ﴾ ﴿ لاَّ بَارِدٍ ﴾ ؛ لأنه من النار ﴿ وَلاَ كَرِيمٍ ﴾ ؛ لأنه لهوانهم ليس للكرامة.

وقال الحسن وقتادة: ﴿ لاَّ بَارِدٍ ﴾ المنزل، ﴿ وَلاَ كَرِيمٍ ﴾ المنظر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ﴾ أي: هذا الجزاء لهم؛ لأنهم كانوا يقولون في الدنيا: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ ، وإنما قال ذلك مترفوهم دون السفلة والأتباع؛ لقوله  : ﴿ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل : ﴿ وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ ، أي: على الإثم العظيم، وهو الشرك.

وقيل: الحنث العظيم.

الكبائر، والإصرار: هو الإدامة عليها.

وقال بعضهم: يصرون على أنهم يقسمون ويحنثون فيه؛ كقوله  : ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ  ﴾ أقسموا: أنهم لا يبعثون، فحنثوا في ذلك؛ لأنه  أخبر أنهم يبعثون؛ حيث قال: ﴿ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً  ﴾ .

ويحتمل أن يكون قسمهم ما ذكر: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا  ﴾ وقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ ، وقد جاءهم النذير، فلم يكونوا أهدى، وجاءتهم الآيات، فلم يؤمنوا بها؛ فحنثوا فيها، فإن كان قسمهم بأنهم لا يبعثون حنثوا حين فراغهم من اليمين؛ لأنهم أيسوا عن ذلك.

وفيه دلالة لصحة مذهب أصحابنا: أن من حلف: للمس السماء، أنه يحنث عند فراغه من اليمين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا ﴾ قالوا هذا على الاستهزاء والاستبعاد للبعث؛ ألا ترى أنه أجابهم، فقال: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .

ثم قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: يجمع الأولين والآخرين في التخليق؛ أي: جمع بين الأولين والآخرين في التخليق؛ حيث خلق الآخرين على إثر الأولين، وإلا لم يكونوا وقتما قال: ﴿ لَمَجْمُوعُونَ ﴾ ؛ إذ الآخرون لم يكونوا مخلوقين بعد.

والثاني: مجموعون في الأرض، أي: في القبور ﴿ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ ﴾ بآيات الله الدالة على توحيده، ورسله، والبعث.

وقوله: ﴿ لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ ﴾ ، أخبر أن المكذبين يكونون آكلين من شجر الزقوم؛ فيكون كما أخبر.

ثم شجرة الزقوم: هي التي ذكر ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ  طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ  ﴾ ، وقد ذكرنا تأويله في موضعه.

وقوله: ﴿ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ﴾ يخبر أن ليس لهم مما يأكلون ويشربون إلا امتلاء البطون، لا يدفع عنهم ما يأكلون من الزقوم وغيره الجوع، ولا ما يشربون من الحميم العطش عنهم، بل يزداد لهم بذلك جوع وعطش على ما كان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ ﴾ قيل: الهيم: هو إبل يأخذه الداء، فيشرب حتى يملأ البطن، فلا يروى أبدا؛ للداء الذي فيه؛ فعلى ذلك أهل النار يشربون ويأكلون حتى تمتلئ بطونهم، فلا يروون ولا يشبعون، والله أعلم.

وقيل: الهيم: الإبل الذي يهيم في الأرض ولا يرد الماء أياما، ثم إذا ورد الماء فيشرب، فتمتلئ بطنه حتى يهلك؛ لامتلاء البطن؛ وهو قول الأصم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ ﴾ ، أي: الذي ذكر غذاؤهم ورزقهم يوم الدين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لآكلون يوم القيامة من ثمرِ شجرِ الزَّقُّوم، وهو شرّ ثمر وأخبثه.

<div class="verse-tafsir" id="91.V1E03"

مزيد من التفاسير لسورة الواقعة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد