الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٠ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 64 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون ) هذا تسلية لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - في تكذيب من كذبه من قومه ، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة .
القول في تأويل قوله : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم، مسليًّا عنه بوعيده المستهزئين به عقوبةَ ما يلقى منهم من أذىَ الاستهزاء به، والاستخفاف في ذات الله: هَوِّنْ عليك، يا محمد، ما أنت لاقٍ من هؤلاء المستهزئين بك، المستخفِّين بحقك فيّ وفي طاعتي, وامضِ لما أمرتك به من الدُّعاء إلى توحيدي والإقرار بي والإذعان لطاعتي، فإنهم إن تمادوا في غيِّهم، وأصَرُّوا على المقام على كفرهم, نسلك بهم سبيلَ أسلافهم من سائر الأمم من غيرهم، من تعجيل النقمة لهم، وحلول المَثُلاثِ بهم.
فقد استهزأت أمم من قبلك برسلٍ أرسلتهم إليهم بمثل الذي أرسلتك به إلى قومك, وفعلوا مثل ما فعل قومُك بك =" فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون " ، يعني بقوله: " فحاق " ، فنـزل وأحاط بالذين هزئوا من رسلهم =" ما كانوا به يستهزئون " ، يقول: العذابُ الذي كانوا يهزءون به، وينكرون أن يكون واقعًا بهم على ما أنذرتهم رسلهم .
* * * يقال منه: " حاق بهم هذا الأمر يَحِيقُ بهم حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقَانًا " .
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 13094- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فحاق بالذين سخروا منهم " ، من الرسل =" ما كانوا به يستهزئون " ، يقول: وقع بهم العذاب الذي استهزءوا به .
ثم قال مؤنسا لنبيه عليه الصلاة والسلام ومعزيا : ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق أي : نزل بأممهم من العذاب ما أهلكوا به جزاء استهزائهم بأنبيائهم .
حاق بالشيء يحيق حيقا وحيوقا وحيقانا نزل ; قال الله تعالى : ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله .
و ( ما ) في قوله : ما كانوا بمعنى الذي ، وقيل : بمعنى المصدر ، أي : حاق بهم عاقبة استهزائهم .
يقول تعالى مسليا لرسوله ومصبرا، ومتهددا أعداءه ومتوعدا.
{ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ } لما جاءوا أممهم بالبينات، كذبوهم واستهزأوا بهم وبما جاءوا به.
فأهلكهم الله بذلك الكفر والتكذيب، ووفى لهم من العذاب أكمل نصيب.
{ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } فاحذروا -أيها المكذبون- أن تستمروا على تكذيبكم، فيصيبكم ما أصابهم.
( ولقد استهزئ برسل من قبلك ) كما استهزئ بك يا محمد يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ( فحاق ) قال الربيع [ بن أنس ] فنزل ، وقال عطاء : حل ، وقال الضحاك : أحاط ، ( بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون ) أي : جزاء استهزائهم من العذاب والنقمة .
«ولقد استُهزئ برسل من قبلك» فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم «فحاق» نزل «بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون» وهو العذاب فكذا يحيق بمن استهزأ بك.
ولمَّا كان طلبهم إنزال الملك على سبيل الاستهزاء بمحمد صلى الله عليه وسلم بيَّن الله تعالى له أن الاستهزاء بالرسل عليهم السلام ليس أمرا حادثا، بل قد وقع من الكفار السابقين مع أنبيائهم، فأحاط بهم العذاب الذي كانوا يهزؤون به وينكرون وقوعه.
وبهذين الجوابين الحكيمين يكون القرآن الكريم قد دحض شبهات أولئك الجاحدين ، وبين أن الحكمة تقتضى أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم ، قال تعالى : - { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى } ثم أخذ القرآن فى تسلية النبى صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه فقال :{ وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } .والمعنى : لا تحزن يا محمد لما أصابك من قومك ، فإن من شأن الدعاة إلى الحق المجاهدين فى سبيله أن ينالهم الأذى من أعدائهم ، ولقد أوذى من سبقك من الرسل الكرام ، وسخر الساخرون منهم ، فصبروا على ذلك ، وجاءهم فى النهاية نصرنا الذى وعدناهم به .
أما أعداؤهم الذين استهزأوا بهم ، فقد أخذناهم أخذ عزيز مقتدر { فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } فالآية الكريمة تهدف إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والترويح عن نفسه ، وتبشيره بحسن العقابة وتثبيت قلبه حتى لا يتأثر أو يضعف أمام سفه المشركين وتطاولهم عليه .والاستهزاء بالشىء : الاستهانة به ، والاستهزاء بالشخص احتقاره وعدم الاهتمام بأمره .
وتنكير الرسل للتكثير والتعظيم ، والفاء فى قوله { فَحَاقَ } للسببية ، أى : بسبب هذا الاستهزاء برسل الله الكرام ، أحاط العذاب بأولئك المستهزئين فأهلكهم .وقال - سبحانه - { فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ } ولم يقل بالساخرين ، للإشارة إلى أن ما أصابهم من عذاب لم يكن تجنباً عليهم ، وإنما كان بسبب سخريتهم برسل الله والاستخفاف بهم؛ لأن التعبير بالموصول يفيد أن لاصلة هى علة الحكم .وفى قوله - تعالى - : { فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } مجاز علاقته السببية ، لأن الذى حاق بهم هو العذاب المسبب عن الاستهزاء ، ففيه إطلاق السبب وإرادة المسبب ، وذلك يفيد أن العذاب ملازم لهذه السخرية لا ينفك عنها ، فحيثما وجد التطاول على أولياء الله والدعاة إلى دينه ، وجد معه عذاب الله وسخطه على المتطاولين والمستهزئين .
اعلم أن بعض الأقوام الذين كانوا يقولون إن رسول الله يجب أن يكون ملكاً من الملائكة كانوا يقولون هذا الكلام على سبيل الاستهزاء، وكان يضيق قلب الرسول عند سماعه فذكر ذلك ليصير سبباً للتخفيف عن القلب لأن أحداً ما يخفف عن القلب المشاركة في سبب المحنة والغم.
فكأنه قيل له إن هذه الأنواع الكثيرة من سوء الأدب التي يعاملونك بها قد كانت موجودة في سائر القرون مع أنبيائهم، فلست أنت فريداً في هذا الطريق.
وقوله: ﴿ فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ ﴾ الآية ونظيره قوله: ﴿ وَلاَ يَحِيقُ المكر السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ﴾ وفي تفسيره وجوه كثيرة لأهل اللغة وهي بأسرها متقاربة.
قال النضر: وجب عليهم.
قال الليث (الحيق) ما حاق بالإنسان من مكر أو سوء يعمله فنزل ذلك به، يقول أحاق الله بهم مكرهم وحاق بهم مكرهم، وقال الفرّاء (حاق بهم) عاد عليهم، وقيل (حاق بهم) حل بهم ذلك.
وقال الزجاج حاق أي أحاط.
قال الأزهري: فسّر الزجاج (حاق) بمعنى أحاط وكان مأخذه من الحوق وهو ما استدار بالكمرة.
وفي الآية بحث آخر وهو أن لفظة (ما) في قوله: ﴿ مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ فيها قولان: الأول: أن المراد به القرآن والشرع وهو ما جاء به محمد عليه السلام.
وعلى هذا التقدير فتصير هذه الآية من باب حذف المضاف، والتقدير فحاق بهم عقاب ما كانوا به يستهزؤن.
والقول الثاني: أن المراد به أنهم كانوا يستهزؤن بالعذاب الذي كان يخوفهم الرسول بنزوله وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى هذا الإضمار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدِ استهزئ ﴾ تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يلقى من قومه ﴿ فَحَاقَ ﴾ بهم فأحاط بهم الشيء الذي كانوا يستهزؤن به وهو الحق، حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ عَمّا يَرى مِن قَوْمِهِ.
﴿ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ فَأحاطَ بِهِمُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ حَيْثُ أُهْلِكُوا لِأجْلِهِ، أوْ فَنَزَلَ بِهِمْ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ.
﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ كَيْفَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ كَيْ تَعْتَبِرُوا، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا ﴾ أنَّ السَّيْرَ ثَمَّةَ لِأجْلِ النَّظَرِ ولا كَذَلِكَ ها هُنا، ولِذَلِكَ قِيلَ مَعْناهُ إباحَةُ السَّيْرِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها وإيجابِ النَّظَرِ في آثارِ الهالِكِينَ.
<div class="verse-tafsir"
ثم سلى نبيه على ما أصابه من استهزاء قومه بقوله {ولقد استهزئ بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ ما كانوا به يستهزؤون} فاحاط بهم الشئ الذى كانوا يستهزءون به وهو الحق حيث أهلكوا من أجل استهزائهم ومنهم متعلق بسخروا كقوله فيسخرون منهم والضمير للرسل والدال
الأنعام (١١ _ ١٤)
مكسورة عند أبى عمرو وعاصم لالتقاء الساكنين وضمها غيرهما إتباعاً لضم التاء
﴿ ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ عَمّا يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِمْ أيْ أنَّكَ لَسْتَ أوَّلَ رَسُولٍ اسْتَهْزَأ بِهِ قَوْمُهُ فَكَمْ وكَمْ مِن رَسُولٍ جَلِيلِ الشَّأْنِ فُعِلَ مَعَهُ ذَلِكَ فالتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، و(مِن) ابْتِداءٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ (رُسُلٍ) والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ مِنَ الِاعْتِناءِ ما لا يَخْفى.
وكَوْنُ التَّسْلِيَةِ بِهَذا المِقْدارِ مِمّا خَفِيَ عَلى بَعْضِ الفُضَلاءِ وهو ظاهِرٌ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ التَّسْلِيَةَ بِهِ وبِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ 1 - لِأنَّهُ مُتَضَمِّنٌ أنَّ مَنِ اسْتَهْزَأ بِالرُّسُلِ عُوقِبَ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعُقُوبَةِ مَنِ اسْتَهْزَأ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ أصَرَّ عَلى ذَلِكَ (وحاقَ) بِمَعْنى أحاطَ كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وفَسَّرَهُ الفَرّاءُ بِعادَ عَلَيْهِ وبالُ أمْرِهِ، وقِيلَ: حَلَّ واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ، وقِيلَ: نَزَلَ وهو قَرِيبٌ مِن سابِقِهِ ومَعْناهُ يَدُورُ عَلى الإحاطَةِ والشُّمُولِ ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا في السِّرِّ كَما قالَ: فَأوْطَأ جُرْدَ الخَيْلِ عُقْرَ دِيارِهِمْ وحاقَ بِهِمْ مِن بَأْسِ ضَرْبَةٍ حائِقُ وقالَ الرّاغِبُ: أصْلُهُ ”حَقَّ“ فَأُبْدِلَ مِن أحَدِ حَرْفَيِ التَّضْعِيفِ حَرْفُ عِلَّةٍ كَتَظَنَّنْتُ وتَظَنَّيْتُ أوْ هو مِثْلُ ذَمَّةٌ وذامَةٌ، والمَعْرُوفُ في اللُّغَةِ ما اخْتارَهُ الزَّجّاجُ وقالَ الأزْهَرِيُّ: جَعَلَ أبُو إسْحاقَ (حاقَ) بِمَعْنى أحاطَ وكَأنَّهُ جَعَلَ مادَّتَهُ مِنَ الحُوقِ بِالضَّمِّ وهو ما أحاطَ بِالكَمَرَةِ مِن حُرُوفِها.
وقَدْ يُفْتَحُ كَما في القامُوسِ وجُعِلَ أحَدُ مَعانِي الحَوْقِ بِالفَتْحِ الإحاطَةِ؛ وفِيهِ أيْضًا حاقَ بِهِ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا بِفَتْحِ الياءِ أحاطَ بِهِ كَأحاقَ وفِيهِ السَّيْفُ حاكَ وبِهِمُ الأمْرُ لَزِمَهم ووَجَبَ عَلَيْهِمْ ونَزَلَ، وأحاقَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ مَكْرَهُمْ، والحَيْقُ ما يَشْتَمِلُ عَلى الإنْسانِ مِن مَكْرُوهٍ فَعَلَهُ.
وظاهِرُهُ أنَّ حاقَ يائِيٌّ وعَلَيْهِ غالِبُ أهْلِ اللُّغَةِ وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ كَلامِ الأزْهَرِيِّ مِن أنَّهُ واوِيٌّ.
و(مِنهُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (سَخِرُوا) والضَّمِيرِ المُرْسَلِ.
ويُقالُ: سَخِرُوا مِنهُ وبِهِ كَهَزِأ مِنهُ وبِهِ فَهُما مُتَّحِدانِ مَعْنًى واسْتِعْمالًا.
وقِيلَ: السُّخْرِيَةُ والِاسْتِهْزاءُ بِمَعْنًى لَكِنَّ الأوَّلَ قَدْ يَتَعَدّى بِمِن والباءِ.
وفي الدُّرِّ المَصُونِ لا يُقالُ إلّا اسْتَهْزَأ بِهِ ولا يَتَعَدّى بِمِن.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ والجارُّ والمَجْرُورُ حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (سَخِرُوا) ورُدَّ بِأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ فَحاقَ بِالَّذِينِ سَخِرُوا كائِنِينَ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ ولا فائِدَةَ لِهَذِهِ الحالِ لِانْفِهامِها مِن سَخِرُوا وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاسْتِهْزاءَ والسُّخْرِيَةَ بِمَعْنًى ولَيْسَ بِلازِمٍ فَلَعَلَّ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ يَجْعَلُ الِاسْتِهْزاءَ بِمَعْنى طَلَبِ الهُزْءِ فَيَصِحُّ بَيانُهُ ولا يَكُونُ في النَّظْمِ تَكْرارٌ.
فَعَنِ الرّاغِبِ الِاسْتِهْزاءُ وارْتِيادُ الهُزْءِ وإنْ كانَ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ تَعاطِي الهُزْءِ كالِاسْتِجابَةِ في كَوْنِها ارْتِيادًا لِلْإجابَةِ وإنْ كانَ قَدْ يَجْرِي مَجْرى الإجابَةِ وجُوِّزَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى أُمَمِ الرُّسُلِ ونُسِبَ إلى الحَوْفِيِّ.
ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ في قُوَّةِ المَذْكُورِ.
و(بِالَّذِينِ) مُتَعَلِّقٌ بِحاقَ وتَقْدِيمُهُ عَلى فاعِلِهِ وهو (ما) لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ لُحُوقِ الشَّرِّ بِهِمْ.
وهي إمّا مَصْدَرِيَّةٌ، وضَمِيرُ بِهِ لِلرَّسُولِ الَّذِي في ضِمْنِ الرُّسُلِ.
وإمّا مَوْصُولَةٌ والضَّمِيرُ لَها والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ فَأحاطَ بِهِمْ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ أوْ وبالُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِؤُنَ بِهِ.
وقَدْ يُقالُ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، وفي الكَلامِ إطْلاقُ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ لِأنَّ المُحِيطَ بِهِمْ هو العَذابُ ونَحْوَهُ لا الِاسْتِهْزاءُ ولا المُسْتَهْزَأُ بِهِ لَكِنْ وُضِعَ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ مُبالَغَةً وقِيلَ:أنَّ المُرادَ مِنَ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِؤُنَ هو العَذابُ الَّذِي كانَ الرُّسُلُ يُخَوِّفُونَهم إيّاهُ فَلا حاجَةَ إلى ارْتِكابِ التَّجَوُّزِ السّابِقِ أوِ الحَذْفِ.
وقَدِ اخْتارَ ذَلِكَ الإمامُ الواحِدِيُّ.
والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُسْتَهْزَإ بِهِ هو العَذابُ بَلِ السِّياقُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُسْتَهْزَأ بِهِمُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَدْفَعُهُ أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَلْزِمٌ لِاسْتِهْزائِهِمْ بِما جاءُوا بِهِ وتَوَعَّدُوا قَوْمَهم بِنُزُولِهِ وإنَّ مِثْلَهُ لِظُهُورِهِ لا يَحْتاجُ إلى قَرِينَةٍ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ (حاقَ بِهِمْ) كِنايَةً عَنْ إهْلاكِهِمْ وإسْنادُهُ إلى ما أُسْنِدَ إلَيْهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ مِن قَبِيلِ: أقْدَمَنِي بَلَدَكَ حَقٌّ لِي عَلى فُلانٍ إذْ مِنَ المَعْلُومِ مِن مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ أنَّ المُهْلِكَ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى فَإسْنادُهُ إلى غَيْرِهِ لا يَكُونُ إلّا مَجازًا.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَيْقَ الإحاطَةُ ونِسْبَتَها إلى العَذابِ لا شُبْهَةَ في أنَّها حَقِيقَةً ولا داعِيَ إلى تَفْسِيرِهِ بِالإهْلاكِ وارْتِكابِ المَجازِ العَقْلِيِّ، ولَعَلَّ مُرادَ مَن فَسَّرَ بِذَلِكَ بَيانُ مُؤَدّى الكَلامِ ومَجْمُوعِ مَعْناهُ.
نَعَمْ إذا قُلْنا: أنَّ الإحاطَةَ إنَّما تَكُونُ لِلْأجْسامِ دُونَ المَعانِي فَلا بُدَّ مِنَ ارْتِكابِ تَجُوُّزٍ في الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ إسْنادِها إلى العَذابِ لَكِنْ لا عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ هَذا الزَّعْمُ كَما لا يَخْفى.
وفي جَمْعِ (كانُوا يَسْتَهْزِؤُنَ) ما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ في أمْثالِهِ.
و(بِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ.
وتَقْدِيمُهُ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ <div class="verse-tafsir"
وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ ذلك أن النضر بن الحارث وعبد الله بن أمية وغيرهما قالوا لرسول الله : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تنزل علينا كتاباً من السماء.
قال الله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ يقول: مكتوباً في صحيفة فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ يقول: عاينوه وأخذوه بأيديهم ما يصدقونه لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: يقول الذين كفروا: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ولا يؤمنون به وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ من السماء فيكون معه نذيراً.
فقال الله تعالى: وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً من السماء لَقُضِيَ الْأَمْرُ يعني لهلكوا إذا عاينوا الملك، ولم يؤمنوا، ولم يصدقوا ولنزل العذاب بهم ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ يعني: لا ينتظر بهم حتى يعذبوا.
ويقال: لو نزل الملك لنزل بإهلاكهم.
ويقال: لو أنزلنا ملكاً لا يستطيعون النظر إليه فيموتوا.
ثم قال: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً يعني: لو أنزلنا ملكاً بالنبوة لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يعني: لأنزلناه على شبه رجل، على صورة آدمي.
ألا ترى أنهم حين جاءوا إلى إبراهيم- - جاءوا على صورة الضيفان.
وعلى داود- - مثل خصمين.
وكان جبريل- - ينزل على رسول الله على صورة دحية الكلبي.
ثم قال: وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ مَّا يَلْبِسُونَ يعني لو نزل الملك على أشباه الآدميين لا يزول عنهم الاشتباه.
والتلبس وروى بعضهم عن ابن عامر أنه قرأ: مَّا يَلْبِسُونَ بنصب الباء يعني: جعلنا عليه من الثياب ما يلبسونه على أنفسهم.
ظنوا أنه آدمي.
والقراءة المعروفة: بالكسر.
يقال: لبس يلبس إذا لبس الثوب.
ولبس يلبس: إذا خلط الأمر.
وقال القتبي: وَلَلَبَسْنا يعني: أضللناهم بما ضلوا به مِن قَبْلِ أَن يبعث الملك.
ثم قال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ يا محمد كما استهزأ بك قومك في أمر العذاب فَحاقَ بِالَّذِينَ يقول: وجب ونزل بالذين سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ بالرسل.
ويقال: فَحاقَ أي: رجع.
وقال أهل اللغة: الحيق ما يشتمل على الإنسان من مكروه فَعَلَتْه نفسه.
كقوله: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43] وقال الضحاك: كان النبيّ جالساً في المسجد الحرام مع المستضعفين من المؤمنين بلال بن رباح وصهيب بن سنان وعمار بن ياسر وغيرهم.
فمر بهم أبو جهل بن هشام في ملأ من قريش وقال: يزعم محمد أن هؤلاء ملوك أهل الجنة فأنزل الله تعالى عل رسوله هذه الآية ليثبت بها فؤاده، ويصبره على أذاهم فقال: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني: إن سخر أهل مكة من أصحابك فقد فعل ذلك الجهلة برسلهم فجعل الله تعالى دائرة السوء على أهل ذلك الاستهزاء.
ثم أمر المشركين بأن يعتبروا بمن قبلهم وينظروا إلى آثارهم في الأرض فقال: <div class="verse-tafsir"
اللَّه عليهم بقوله: وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ قال ابن عَبَّاسٍ وغيره: في الكلام حَذْفٌ «١» ، تقديره: ولو أنزلنا مَلَكاً، فكذبوه لَقُضِيَ الأمر بعَذَابِهِمْ، ولم يُنْظَرُوا حسبما سَلَفَ في كل أمة اقْتَرَحَتْ بآية، وكذبت بعد أن أُظْهِرَتْ إليها.
وقالت فرقة: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي: لَمَاتُوا من هَوْلِ رؤية المَلَكِ في صورته، ويؤيد هذا التَّأْوِيلَ ما بعده من قوله: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا فإن أَهْلَ التأويل مُجْمِعُونَ أن ذلك لأنهم لم يكونوا يُطِيقُونَ رؤية المَلَكِ في صورته، فإذ قد تَقَعَّدَ أنهم لا يطيقون رُؤْيَةَ المَلَكِ في صورته، فالأولى في قوله: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي: لماتوا لِهَوْلِ رؤيته، ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ، أي: لا يُؤَخَّرُونَ.
ومما يؤيد هذا المعنى الحَدِيثُ الوَارِدُ عن الرجلين اللذين صَعَدَا على الجَبَلِ يوم بَدْرٍ ليريا ما يَكُونُ في حَرْبِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم للمشركين، فَسَمِعَا حِسَّ الملائكة، وقَائِلاً يقول في السحاب: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فانكشف قِنَاعُ قَلْبِ أحدهما، فمات لِهَوْلِ ذلك، فكيف برؤية مَلَكٍ في خِلْقَتِهِ.
وَلَلَبَسْنا أي: لفعلنا لهم/ في ذَلِكَ فِعلاً مُلْبَساً يطرق لهم إلى أن يَلْبَسوا به، وذلك لا يحسن.
قلت: وفي البخاري «٢» : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ: لشبهنا.
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢)
وقوله سبحانه: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ الآية تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم بالأُسْوَةِ في الرسل، وتقوية لنفسه على مُحَاجَّةِ المشركين، وإخبار يَتَضَمَّنُ وعيد مُكَذِّبِيهِ، والمستهزئين به.
وفَحاقَ معناه: نزل، وأحاط، وهي مَخْصُوصَةٌ في الشر يقال: حَاقَ يَحِيقُ حَيْقاً.
وقوله سبحانه: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ حَضٌّ على الاعتبار بآثارَ من مضى ممن
فَعَلَ مِثْلَ فعلهم.
وقوله سبحانه: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ.
قال بعض أَهْلِ التَّأوِيلِ: تَقْدِيرُ الكلام: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السموات والأرض، فإذا تحيروا فلم يُجِيبُوا قل للَّه.
والصحيح من التَّأويل أن اللَّه- عزَّ وَجَلَّ- أمر نبيه- عليه السلام- أن يَقْطَعَهُمْ بهذه الحُجَّةِ، والبرهان القطعي الذي لا مُدَافَعَةَ فيه عندهم، ولا عند أَحَدٍ ليعتقدَ هذا المعتقد الذي بينه وبينهم، ثم يَتَرَكَّب احْتِجَاجُهُ عليه، فكأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لهم: يا أيها الكافرون العَادِلُونَ بربهم لمن ما في السموات والأَرْضِ، ثم سَبَقَهُمْ فقال: للَّه أي لا مُدَافَعَةَ في هذا عندكم، ولا عند أحد.
ثم ابتدأ يخبر عن اللَّه تعالى: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ معناه: قضاها وأَنْفَذَهَا.
وفي هذا المعنى أحاديث صَحِيحَةٌ ففي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مَائَةً جُزْءٍ، فأمسك عنده تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأنْزَلَ في الأَرْضِ جُزْءاً وَاحِداً، فمن ذَلِكَ الجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الخَلاَئِقُ حتى تَرْفَعُ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أن تُصِيبَهُ» «١» .
ولمسلم في طَرِيقٍ آخرُ: «كُلُّ رَحْمَةٍ مِنْهَا طبَاقُ مَا بَيْنِ السَّمَاءِ والأَرْضِ، فإذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بهذه الرَّحْمة» «٢» .
وخرج مسلم، والبخاري، وغيرهما عنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «لما خَلَقَ اللَّه الخَلْقَ كَتَبَ في كِتَابٍ، فهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إن رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» «٣» .
وفي طريق: «سَبَقَتْ غَضَبِي» إلى غير ذلك من الأحاديث.
انتهى.
قال ع «٤» : فما أشقى مَنْ لم تَسَعْهُ هذه الرَّحَمَاتُ.
تغمّدنا الله بفضل منه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا ﴾ أيْ: أحاطَ قالَ الزَّجّاجُ: الحَيْقُ في اللُّغَةِ: ما اشْتَمَلَ عَلى الإنْسانِ مِن مَكْرُوهِ فِعْلِهِ، ومِنهُ: ﴿ وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ ﴾ أيْ: لا تَرْجِعُ عاقِبَةُ مَكْرُوهِهِ إلّا عَلَيْهِمْ.
قالَ السُّدِّيُّ: وقَعَ بِهِمُ العَذابُ الَّذِي اسْتَهْزَؤُوا بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ قُرِئَ: "وَلَقَدُ"؛ بِضَمِّ الدالِ؛ لِلضَّمَّةِ بَعْدَ الساكِنِ الَّذِي بَعْدَ الدالِ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ الدالِ؛ عَلى عُرْفِ الِالتِقاءِ؛ وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالأُسْوَةِ في الرُسُلِ؛ وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ عَلى مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ؛ وإخْبارٌ يَتَضَمَّنُ وعِيدَ مُكَذِّبِيهِ؛ والمُسْتَهْزِئِينَ.
و"فَحاقَ"؛ مَعْناهُ: نَزَلَ؛ وأحاطَ؛ وهي مَخْصُوصَةٌ في الشَرِّ؛ يُقالُ: "حاقَ؛ يَحِيقُ؛ حَيْقًا"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَأوطَأ جُرْدَ الخَيْلِ عُقْرَ دِيارِهِمْ ∗∗∗ وحاقَ بِهِمْ مِن بَأْسِ ضَبَّةَ حائِقُ وقالَ قَوْمٌ: أصْلُ "حاقَ": "حَقَّ"؛ فَبُدِّلَتِ القافُ الواحِدَةُ؛ كَما بُدِّلَتِ النُونُ فِي: "تَظَنَّنْتُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.
و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ ما كانُوا ﴾ ؛ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "اِسْتِهْزاؤُهُمْ"؛ وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنِ العُقُوبَةِ؛ كَما تُهَدِّدُ إنْسانًا؛ فَتَقُولُ: "سَيَلْحَقُكَ عَمَلُكَ"؛ والمَعْنى: عاقِبَتُهُ؛ و"سَخِرُوا"؛ مَعْناهُ: اِسْتَهْزَؤُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ سِيرُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ حَضٌّ عَلى الِاعْتِبارِ بِآثارِ مَن مَضى؛ مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ؛ وقالَ: "كانَ"؛ ولَمْ يَقُلْ: "كانَتْ"؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ العاقِبَةِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ؛ وهي بِمَعْنى: "اَلْآخِرُ"؛ و"اَلْمَآلُ".
ومَعْنى الآيَةِ: "سِيرُوا وتَلَقَّوْا مِمَّنْ سارَ"؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ العِبْرَةِ بِآثارِ مَن مَضى إنَّما يَسْتَنِدُ إلى حِسِّ العَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ﴾ لبيان تفنّنهم في المكابرة والعناد تصلّباً في شركهم وإصراراً عليه، فلا يتركون وسيلة من وسائل التنفير من قبول دعوة الإسلام إلاّ توسّلوا بها.
ومناسبة عطف هذا الكلام على قوله: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ﴾ أنّهم كانوا في قولهم ذلك قاصدين التعجيز والاستهزاء معاً، لأنّهم ما قالوه ألاّ عن يقين منهم أنّ ذلك لا يكون، فابتدئ الردّ عليهم بإبطال ظاهر كلامهم بقوله: ﴿ ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ﴾ .
ثم ثنّى بتهديدهم على ما أرادوه من الاستهزاء، والمقصود مع ذلك تهديدهم بأنّهم سيحيق بهم العذاب وأنّ ذلك سنة الله في كلّ أمّة استهزأت برسول له.
فقوله: ﴿ ولقد استهزئ برسل من قبلك ﴾ يدلّ على جملة مطوية إيجازاً، تقديرها: واستهزأوا بك ولقد استهزأ أمم برسل من قبلك، لأنّ قوله من ﴿ قبلك ﴾ ، لأنّ قوله من ﴿ قبلك ﴾ يؤذن بأنّه قد استهزئ به هو أيضاً وإلاّ لم تكن فائدة في وصف الرسل بأنّهم من قبله لأنّ ذلك معلوم.
وحُذف فاعل الاستهزاء فبنى الفعل إلى المجهول لأنّ المقصود هنا هو ترتّب أثر الاستهزاء لا تعيين المستهزئين.
واللام للقسم، و ﴿ قد ﴾ للتحقيق، وكلاهما يدلّ على تأكيد الخبر.
والمقصود تأكيده باعتبار ما تفرّع عنه، وهو قوله: ﴿ فحاق بالذين سخروا ﴾ الخ، لأنّ حال المشركين حال من يتردّد في أنّ سبب هلاك الأمم السالفة هو الاستهزاء بالرسل، إذ لولا تردّدهم في ذلك لأخذوا الحيطة لأنفسهم مع الرسول عليه الصلاة والسلام، الذي جاءهم فنظروا في دلائل صدقه وما أعرضوا، ليستبرئوا لأنفسهم من عذاب متوقّع، أو نزّلوا منزلة المتردّد إن كانوا يعلمون ذلك لعدم جريهم على موجب علمهم.
واستهزاؤهم له أفانين، منها قولهم: ﴿ لولا أنزل عليه ملك ﴾ .
ومعنى الاستهزاء تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ إنّما نحن مستهزئون في سورة البقرة.
وهو مرادف للسخرية في كلام أئمّة اللغة، فذكر استهزئ ﴾ أولاً لأنّه أشهر، ولمّا أعيد عبّر ب ﴿ سخروا ﴾ ، ولمّا أعيد ثالث مرّة رّجع إلى فعل ﴿ يستهزئون ﴾ ، لأنّه أخفّ من (يسخرون).
وهذا من بديع فصاحة القرآن المعجزة.
و ﴿ سخروا ﴾ بمعنى هزأوا، ويتعدّى إلى المفعول ب ﴿ من ﴾ ، قيل: لا يتعدّى بغيرها.
وقيل: يتعدّى بالباء.
وكذا الخلاف في تعدية هزأ واستهزأ.
والأصحّ أنّ كلا الفعلين يتعدّى بحرف (من) والباء، وأنّ الغالب في (هزأ) أن يتعدّى بالباء، وفي ﴿ سخر ﴾ أن يتعدّى ب ﴿ من ﴾ .
وأصل مادّة ﴿ سخر ﴾ مؤذن بأنّ الفاعل اتّخذ المفعول مسخّراً يتصرف فيه كيف شاء بدون حرمة لشدّة قرب مادّة ﴿ سخر ﴾ المخفّف من مادّة التسخير، أي التطويع فكأنّه حوّله عن حقّ الحرمة الذاتية فاتّخذ منه لنفسه سخرية.
وفعل ﴿ حاق ﴾ اختلف أئمَّة اللغة في معناه.
فقال الزجّاج: هو بمعنى أحاط، وتبعه الزمخشري، وفسّره الفرّاء بمعنى عاد عليه.
وقال الراغب: أصله حقّ، أي بمعنى وجب، فأبدل أحد حرفي التضعيف حرف علّة تخفيفاً، كما قالوا تظنّي في تظنّن، أي وكما قالوا: تقضّى البازي، بمعنى تقضّض.
والأظهر ما قاله أبو إسحاق الزجّاج.
واختير فعل الإحاطة للدلالة على تمكّن ذلك منهم وعدم إفلاته أحداً منهم.
وإنّما جيء بالموصول في قوله: ﴿ بالذين سخروا ﴾ ولم يقل بالساخرين للإيماء إلى تعليل الحكم، وهو قوله ﴿ فحاق ﴾ .
و ﴿ منهم ﴾ يتعلّق ب ﴿ سخروا ﴾ ، والضمير المجرور عائد إلى الرسل، لزيادة تقرير كون العقاب لأجلهم ترفيعاً لشأنهم.
و ﴿ ما ﴾ في قوله: ﴿ ما كانوا به يستهزئون ﴾ موصولة.
والباء في ﴿ به ﴾ لتعدية فعل الاستهزاء.
ووجود الباء مانع من جعل ﴿ ما ﴾ غير موصولة.
وهو ما أطال التردّد فيه الكاتبون.
والمراد ب ﴿ ما كانوا به يستهزئون ﴾ ما أنذرهم الرسل به من سوء العاقبة وحلول العذاب بهم، فحصل بذلك فائدة أخرى، وهي أنّ المستهزئين كانوا يستهزئون بالرسل وخاصّة بما ينذرونهم به من حلول العذاب إن استمّروا على عدم التصديق بما جاءوا به.
فاستهزاؤهم بما أنذروا به جعل ما أنذروا به كالشخص المهزوء به إذا جعلنا الباء للتعدية، أو استهزاؤهم بالرسل بسبب ما أنذروهم به إذا جعلت الباء للسببية.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ ﴾ لِأنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ لَمّا أنْكَرُوا نُزُولَ القُرْآنِ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ لَوْ أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ لَأنْكَرُوهُ وكَفَرُوا بِهِ لِغَلَبَةِ الفَسادِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ ﴾ واسْمُ القِرْطاسِ لا يَنْطَلِقُ إلّا عَلى ما فِيهِ كِتابَةٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ كِتابَةٌ قِيلَ طَرْسٌ ولَمْ يُقَلْ قِرْطاسٌ.
قالَ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سُلْمى بِها أخادِيدُ مِن آثارِ ساكِنِها كَما تَرَدَّدَ في قِرْطاسِهِ القَلَمُ ﴿ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ ﴾ قالَ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِنُزُولِهِ عَلَيْهِمْ.
وَيُحْتَمَلُ بِلَمْسِ اليَدِ دُونَ رُؤْيَةِ العَيْنِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ نُزُولَهُ مَعَ المَلائِكَةِ وهم لا يُرَوْنَ بِالأبْصارِ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ بِاللَّمْسِ دُونَ الرُّؤْيَةِ.
والثّانِي: لِأنَّ المَلْمُوسَ أقْرَبُ مِنَ المَرْئِيِّ.
والثّالِثُ: لِأنَّ السِّحْرَ يُتَخَيَّلُ في المَرْئِيّاتِ، ولا يُتَخَيَّلُ في المَلْمُوساتِ.
﴿ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ تَكْذِيبًا لِلْيَقِينِ بِالعِنادِ، والمُبِينُ: ما دَلَّ عَلى بَيانٍ بِنَفْسِهِ، والبَيِّنُ: ما دَلَّ عَلى بَيانِهِ، فَكانَ المُبِينُ أقْوى مِنَ البَيِّنِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ أيُ مَلَكٌ يَشْهَدُ بِتَصْدِيقِهِ ﴿ وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا فَلَمْ يُؤْمِنُوا لَقُضِيَ الأمْرُ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لَقُضِيَ عَلَيْهِمْ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، لِأنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ كانُوا إذا اقْتَرَحُوا عَلى أنْبِيائِهِمُ الآياتِ فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى الإظْهارِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا اسْتَأْصَلَهم بِالعَذابِ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى لَقُضِيَ الأمْرُ لَقامَتِ السّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ ولا يُؤَخَّرُونَ، يَعْنِي عَنْ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ.
عَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ، وعَنْ قِيامِ السّاعَةِ عَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي.
﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ﴾ يَعْنِي ولَوْ جَعَلْنا مَعَهُ مَلَكًا يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ لَجَعَلْناهُ في صُورَةِ رَجُلٍ.
وَفي وُجُوبِ جَعْلِهِ رَجُلًا وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ المَلائِكَةَ أجْسامُهم رَقِيقَةٌ لا تُرى، فاقْتَضى أنْ يُجْعَلَ رَجُلًا لِكَثافَةِ جِسْمِهِ حَتّى يُرى.
والثّانِي: أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلائِكَةَ عَلى صُوَرِهِمْ، وإذا كانَ في صُورَةِ الرَّجُلِ لَمْ يَعْلَمُوا مَلَكٌ هو أوْ غَيْرُ مَلَكٍ.
﴿ وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ ولَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: لَشَبَهْنا عَلَيْهِمْ ما يَشْبِهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَ الزَّجّاجُ: كَما يُشْبِهُونَ عَلى ضُعَفائِهِمْ واللَّبْسُ في كَلامِهِمْ هو الشَّكُّ ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: أصْدِقْ مَقالَتَهُ واحْذَرْ عَداوَتَهُ ∗∗∗ والبَسْ عَلَيْهِ بِشَكٍّ مِثْلَ ما لَبِسا والثّالِثُ: ولَلَبِسْنا عَلى المَلائِكَةِ مِنَ الثِّيابِ ما يَلْبَسُهُ النّاسُ مِن ثِيابِهِمْ، لِيَكُونُوا عَلى صُوَرِهِمْ وعَلى زِيِّهِمْ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ أيْ أوْجَبَها رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ، وفِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها تَعْرِيضُ خَلْقِهِ لِما أمَرَهم بِهِ مِن عِبادَتِهِ الَّتِي تُفْضِي بِهِمْ إلى جَنَّتِهِ.
والثّانِي: ما أراهم مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ طاعَتِهِ.
والثّالِثُ: إمْهالُهم عَنْ مُعالَجَةِ العَذابِ واسْتِئْصالِهِمْ بِالِانْتِقامِ.
والرّابِعُ: قَبُولُهُ تَوْبَةَ العاصِي والعَفُوُ عَنْ عُقُوبَتِهِ.
﴿ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ وهَذا تَوَعُّدٌ مِنهُ بِالبَعْثِ والجَزاءِ أخَرَجَهُ مَخْرَجَ القَسَمِ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابي أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني بالوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، وأبي جهل بن هشام، فهمزوه واستهزأوا به، فغاظه ذلك، فأنزل الله: ﴿ ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ فحاق بالذين سخروا منهم ﴾ من الرسل ﴿ ما كانوا به يستهزؤون ﴾ يقول: وقع بهم العذاب الذي استهزأوا به.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ الآية.
قال المفسرون (١) وتسلية له عما يرى من تكذيب المشركين إياه واستهزائهم به؛ إذ جعل إسوته في ذلك بالأنبياء الذين كانوا قبله، وتحذير المشركين الذين فعلوا بنبيهم ما فعل من قبلهم من مكذبي الرسل فحل بهم العذاب).
وقوله تعالى: ﴿ فَحَاقَ ﴾ قال النضر (٢) (٣) وقال الليث (٤) (٥) (٦) ﴿ وَحَاقَ بِهِمْ ﴾ هو في كلام العرب عاد عليهم) (٧) قال ابن عباس في رواية (٨) ﴿ فَحَاقَ ﴾ (يريد: فحَلَّ) وقال الربيع (٩) (١٠) وقال الفراء (١١) (١٢) قال الضحاك: ﴿ فَحَاقَ ﴾ : (أي: أحاط) (١٣) ﴿ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ : أي: أحاط بهم العذاب الذي هو جزاء ما كانوا (١٤) (١٥) قال الأزهري: (جعل أبو إسحاق حاق بمعنى أحاط، وكأن مأخذه من الحوق (١٦) (١٧) (١٨) وأكثر المفسرين جعلوا الآية من باب حذف المضاف؛ لأنهم قالوا: نزل وأحاط بهم عقوبة ما كانوا به يستهزئون وجزاء ما كانوا به يستهزئون.
قال الزجاج: ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ﴾ أي: لا يرجع عاقبة مكرهم إلا عليهم) (١٩) ﴿ مَا ﴾ في قوله: ﴿ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ عبارة عن القرآن والشريعة وما جاء به النبي ، وإن جعلت ﴿ مَا ﴾ عبارة عن العذاب الذي كان (٢٠) إن لم يؤمنوا استغنيت عن تقدير حذف المضاف، ويكون المعنى: فحاق بهم الذي كانوا يستهزئون به من العذاب وينكرون وقوعه (٢١) (١) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 153، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 475، والبغوي في "تفسيره" 3/ 131، والزمخشري في "تفسيره" 2/ 7، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 134، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 394، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 141.
(٢) النضر بن شميل المازني، أبو الحسن البصري، توفي سنة 204 هـ تقدمت ترجمته.
(٣) "تهذيب اللغة" 1/ 708.
(٤) الليث بن نصر بن سيار الخراساني، ويقال: الليث بن المظفر بن نصر بن سيار، إمام لغوي، صاحب نحو وغريب وشعر، ومن أصحاب الخليل، ويقال: إنه هو الذي ألف كتاب "العين".
انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 47، و"إنباه الرواة" 3/ 42، == و"معجم الأدباء" 17/ 43، و"إشارة التعيين" ص 277، و"لسان الميزان" 4/ 494، و"البلغة" ص 178.
(٥) "تهذيب اللغة" 1/ 708، وانظر: "العين" 3/ 256 (حاق).
(٦) سلمة بن عاصم البغدادي، أبو محمد، إمام لغوي نحوي، تقدمت ترجمته.
(٧) "معاني الفراء" 3/ 56، وزاد فيه: (وجاء في التفسير نزل بهم).
(٨) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 175 ب والواحدي في "الوسيط" 1/ 13، والبغوي في "تفسيره" 3/ 130 عن عطاء فقط.
(٩) الربيع بن أنس بن زياد البكري البصري نزيل خراسان، تقدمت ترجمته.
(١٠) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 175 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 13، والبغوي في "تفسيره" 3/ 130.
(١١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 13 دون (وحيقانا)، ولم أقف عليه في معناه، ولعله من كتاب المصادر المفقود.
(١٢) انظر: الطبري في "تفسيره" 7/ 154، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 394، و"البحر" 4/ 80، و"الدر المصون" 4/ 546، وفي "القاموس" ص 877.
قال: (حاق به يحيق حيقًا وحيوقًا وحيقانًا أحاط به).
وانظر: "الصحاح" 4/ 1466، و"المجمل" لابن فارس 1/ 259، و"مقاييس اللغة" 2/ 125، و"المفردات" ص 266، و"اللسان" 2/ 1072 (حاق).
(١٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 175 ب، والواحدي في "الوسيط" 1/ 13، والبغوي في "تفسيره" 3/ 130، وأبو حيان في "البحر" 4/ 80.
(١٤) في (ش): (ما كانوا به).
(١٥) "معاني الزجاج" 2/ 231 - 3/ 41، و"تهذيب اللغة" 1/ 708، وفي "معاني الزجاج" 4/ 275 - قال: (يحيق: يحيط).
والأقوال متقاربة، وأكثرهم على أنه بمعنى نزل وأحاط بهم العذاب، قال الرازي 12/ 163: (في تفسيره وجوه كثيرة وهي بأسرها متقاربة) ا.
هـ.
وانظر "مجاز القرآن" 1/ 185، و"تفسير الطبري" 7/ 154، و"معاني النحاس" 2/ 403، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 275، و"الكاشف" 2/ 7، وابن عطية 5/ 134.
(١٦) قال السمين في "الدر" 4/ 546: (حاق ألفه منقلبة عن ياء، بدليل يحيق كباع يبيع، والمصدر حيق وحيوق وحيقان، وزعم أنه من الحوق وهو المستدير بالشيء، وهذا ليس بشيء؛ لاختلاف المادة، إلا أن يراد الاشتقاق الأكبر، وأيضًا هو دعوى جردة من غير دليل) ا.
هـ.
ملخصًا.
ونحوه قال أبو حيان في "البحر" 4/ 80، وانظر: "روح المعاني" 7/ 102.
(١٧) الكمرة، بالفتح: رأس الذكر.
انظر: "القاموس" ص 471.
(١٨) "تهذيب اللغة" 1/ 708 (حاق).
(١٩) "معاني الزجاج" 2/ 231، وفيه: (أي لا ترجع عاقبة مكروهة إلا عليهم) ا.
هـ.
(٢٠) في (أ): (الذي كانوا).
(٢١) انظر: الرازي في "تفسيره" 12/ 163، وذكر قول الواحدي السمين في "الدر" 4/ 6547، و (ما) في قوله: ﴿ مَا كَانُوا ﴾ موصولة ولا حاجة إلى الإضمار والمعنى، نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به وهو ظاهر كلام الطبري في "تفسيره" 7/ 153، والزمخشري 2/ 7، ورجحه أبو حيان 4/ 80، وذكر الألوسي في "روح المعاني" 7/ 102، أن هذا اختيار الواحدي، وقال بعضهم: (ما) مصدرية، والمعنى: نزل بهم عاقبة أو جزاء أو وبال استهزائهم.
"إعراب النحاس" 1/ 537، و"المشكل" 1/ 246، و"البيان" 1/ 314، و"التبيان" ص 323، و"الفريد" 2/ 124.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالُواْ لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ حكاية عن طلب بعض العرب، وروي أن العاصي بن وائل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود والأسود بن عبد يغوث قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لو كان معك ملك ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر ﴾ قال ابن عباس: المعنى؛ لو أنزلنا ملكاً فكفروا بعد ذلك لعجل لهم العذاب، ففي الكلام على هذا حذف، وقضي الأمر على هذا: تعجيل أخذهم، وقيل: المعنى لو أنزلنا ملكاً لماتوا من هول رؤيته، فقضي الأمر على هذا: موتهم ﴿ وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً ﴾ أي لو جعلنا الرسول ملكاً لكان في صورة رجل لأنه لا طاقة لهم على رؤية الملك في صورته ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ﴾ أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ضعفائهم، فإنهم لو رأوا الملك بصورة إنسان قالوا: هذا إنسان وليس بملك ﴿ وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ الآية: إخبار قصد به تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما كان يلقى من قومه ﴿ فَحَاقَ ﴾ أي أحاط بهم، وفي هذا الإخبار تهديد للكفار.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وأنشأنا ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف.
﴿ ولقد استهزىء ﴾ وبابه بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم، وقرأ يزيد والشموني وحمزة في الوقف بغير همز الباقون بغير همز مطلقاً ﴿ فحاق ﴾ بالإمالة حيث كان حمزة.
الوقوف: ﴿ والنور ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ أجلاً ﴾ ط ﴿ تمترون ﴾ ه ﴿ وفي الأرض ﴾ ج وقيل: لا وقف ليصير التقدير وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض وفيه بعد، بل المعنى وهو المستحق للعبودية في أهل السموات وأهل الأرض.
﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ لما جاءهم ﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ مدراراً ﴾ ص لعطف المتفقين ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ عليه ملك ﴾ ط ﴿ لا ينظرون ﴾ ه ﴿ يلبسون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه.
التفسير: عن ابن عباس أن رسول الله قال "نزلت الأنعام جملة واحدة وتنزلت، معها من الملائكة سبعون ألف ملك فملؤا ما بين الأخشبين" فدعا رسول الله الكتاب فكتبوها من ليلتهم سوى آيات معدودات.
وعن أنس أن رسول الله قال "لقد بعث إليّ بها جبريل مع خمسين ملكاً أو خمسين ألف ملك تحفها حتى أقروها في صدري كما يقرّ الماء في الحوض ولقد أعزني الله وإياكم بها عزاً لا يذلنا بعدها أبداً فيها دحض حجج المشركين ووعد من الله لا يخلفه" ولاشتمال هذه السورة على دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد ولنزولها جملة ذهب علماء الكلام إلى أن علم الأصول مع جلالة قدره يجب تعلمه على الفور لا على التراخي بخلاف الأحكام فإنها نزلت كفاء المصالح وبحسب الحوادث والنوازل.
وأعلم أن قوله ﴿ الحمد لله ﴾ مذكور في أوائل سور خمس واختص كل منها بصفة، لكن أعمها صدر فاتحة الكتاب ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ فإن العالم كل موجود سوى الله فكان سائر السور تفاصيل لهذه الجملة.
أثنى الله على نفسه بقوله ﴿ الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ﴾ والثناء على النفس قبيح في الشاهد ففيه دليل على أنه لا يمكن قياس الحق على الخلق، فكما أنه واحد في ذاته فهو واحد في صفاته وأفعاله لا اعتراض لأحد عليه.
والتحقيق فيه أن استحقاق المدح بحسب الفضيلة والكمال ولا يوجد في الممكن صفة كمال إلا وهي مشوبة بالنقص والاختلال أدناه الأفول في أفق الإمكان بخلاف واجب الوجود فإنه لا غاية لكماله ولا نهاية لعظمته وجلاله.
فلا ينبغي أن يمدح إلا هو، ولا أن يثنى إلا عليه، ولا أن يشكر ويحمد إلا له.
ثم الأوصاف الجارية عليه إنما تذكر زيادة في المدح لا لأجل التوضيح والكشف.
أساميا لم تزده معرفة *** وإنما لذة ذكرناها وقد تقدم في الأسماء أن معنى الخلق راجع إلى التقدير والتقدير عائد إلى العلم، فالمراد أنه أوجد السموات والأرض على حسب علمه الأزلي.
قال بعض العلماء: السماء كالدائرة والأرض كالمركز، وحصول الدائرة يوجب تعين المركز ولا ينعكس لإمكان أن يحيط بالمركز الواحد دوائر لا نهاية لها فلهذا ذكر السماء قبل الأرض مع أن ظاهر التنزيل يدل على أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء.
وجمع السموات حقيقة وكذا إفراد الأرض، وقد تجمع الأرض باعتبار الطبقات وسوف يجيء تقرير ذلك في قوله ﴿ ومن الأرض مثلهن ﴾ والمقصود من هذا الوصف إلزام المشركين، وأن تخصيص حجم الفلك بمقدار معين وتخصيص كل من أجزائه بحيز معين وتخصيص الفلك بالحركة والأرض بالسكون مع اشتراكهما في الطبيعة الجسمية، وتخصيص كل حركة بحد معين من السرعة والبطء وبجهة معينة دلائل ظاهرة على وجود فاعل مختار واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله.
وأيضاً إن لحركة كل فلك أوّلاً لأن حقيقة الحركة انتقال من حالة إلى حالة فتقتضي المسبوقية بالغير، وعدم الأولية ينافي المسبوقية بالغير والجمع بينهما محال.
وإذا ثبت أن لكل حركة أوّلاً فاختصاص ابتداء حدوثه بوقت معين يدل على الفاعل المختار وكذا اتصاف بعض الأجسام بالفلكية وبعضها بالعنصرية مع تساوي الكل في تمام الماهية.
وأيضاً إن خارج العالم الجسماني خلاء لا نهاية له كما ثبت في الكلام، فحصول هذا العالم في حيزه الذي حصل فيه دون سائر الأحياز أمر ممكن يحتاج إلى مرجح قادر مختار حكيم يفعل ما يشاء كما يشاء.
هذا إذا نظرنا في ذوات هذه الأجرام، أما إن اعتبرنا منافعها وكيفية تأثير الأثيريات وهي - الآباء - في العنصريات - وهي الأمهات - لتحصيل المواليد الثلاثة: المعادن والنباتات والحيوانات، ارتقينا من ذلك أيضاً إلى وجود صانع قدير وحكيم خبير رتبته أعلى وأجل من رتب الممكنات.
أما قوله ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ فمعناه أحدث وأنشأ، ولهذا اقتصر على مفعول واحد، ولو كان بمعنى "صير" اقتضى مفعولين.
وإنما لم يقل "وخلق" لأنه أراد التضمين أعني إنشاء شيء من شيء كقوله ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ فالنور والظلمة لما تعاقبا صار كأن كل واحد منهما تولد من الآخر.
وقيل: لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، والنور من النار، ولهذا جمع الظلمات إذ لكل حرم ظل والظل ظلمة.
ووحد النور لأن النار واحد وهو منها، والظلمة والنور ههنا هما الأمران المحسوسان بالبصر، لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة والقرينة ذكر السموات والأرض.
وعن ابن عباس أن الظلمة ظلمة الشرك والنفاق، والنور نور الإسلام واليقين، وعلى الأوّل فإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور عبارة عن تلك الكيفية الكاملة القوية، ثم إنها تقبل التناقص قليلاً وتلك المراتب كثيرة، أو لأنه قصد بالنور الجنس.
وعلى الثاني فذلك لأن الحق واحد والباطل أكثر من أن يحصى.
وإنما قدمت الظلمة على النور لأن عدم المحدثات سابق على وجودها، والظلمة عدمية عند من يجعلها عدم النور أو شبيهة بالعدم عند من يجعلها هيئة مضادة للنور.
وقد ورد في الأخبار أن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.وقوله: ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ معطوف على قوله: ﴿ الحمد لله ﴾ والمعنى أنه حقيق بالحمد على ما خلق ثم الذين كفروا يعدلون عن طريق الإنصاف فيكفرون بربهم، أو على ﴿ خلق السموات ﴾ معناه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه ثم هم يعدلون أي يسوّون به ما لا يقدر على شيء من ذلك.
فعلى المعنى الأول يعدلون من العدول، وعلى الثاني هو من العدل.
ومعنى "ثم" ههنا وفي قوله ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ تراخي الرتبة واستبعاد مضموني الجملتين أحدهما عن الآخر.
ثم ذكر دليلاً آخر على إثبات الصانع وعلى صحة المعاد الجسماني فقال ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ أي من آدم لأنه مخلوق من الطين، أو خلقكم من النطفة المتولدة من الأغذية المنتهية إلى العناصر، ولا ريب أن خلق الأغذية المتنوعة من العناصر المتشابهة الأجزاء، ثم توليد النطفة المتشابهة الأجزاء من تلك الأغذية المختلفة، ثم تخليق الأعضاء المختلفة في الصفة والصور واللون والشكل كالقلب والدماغ والكبد والعظام والغضاريف والرباطات والأوتار وغيرها من المادة المتشابهة لا يمكن إلا بتقدير مقدر حكيم ومدبر رحيم.
ثم إن تلك القدرة والحكمة باقية بعد موت الحيوان فيكون قادراً على إعادتها وإعادة الحياة فيها وذلك يدل على صحة القول بالمعاد.
أما قوله ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ فاعلم أن لفظ القضاء قد يرد بمعنى الحكم والأمر ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ﴾ وبمعنى الخبر والإعلام ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل ﴾ وبمعنى صفة الفعل إذا تم ﴿ فقضاهن سبع سموات ﴾ ومنه قولك: قضى فلان حاجة فلان.
والأنسب ههنا هو الأول.
والأجل في اللغة بمعنى الوقت المضروب لانقضاء الأمد.
وأصله من التأخير ومنه الآجل نقيض العاجل.
ثم إن صريح الآية يدل على حصول أجلين لكل إنسان.
فقال أبو مسلم: الأول آجال الماضين لأنهم لما ماتوا صارت آجالهم معلومة، والثاني آجال الباقين لأنها غير معلومة بعد وإنما هي مسماة عند الله .
وقيل: الأول أجل الموت، والثاني أجل القيامة لأنه لا آخر له ولا يعلم أحد كيفية الحال في هذا الأجل إلا الله .
وقيل: الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت، والثاني ما بين الموت والبعث وهو البرزخ.
وقيل: الأول النوم، والثاني الموت.
وقيل: الأول مقدار ما انقضى من عمل كل أحد، والثاني ما بقي من عمره.
وقال حكماء الإسلام: الأول الأجل الطبيعي الذي يمكن بالنسبة إلى المزاج الأول لكل شخص لو بقي مصوناً عن الآفات الخارجية، والثاني الأجل الاخترامي الذي يحصل بسبب من الأسباب الخارجية كالغرق والحرق والقتل واللدغ وغيرها من الأمور المنفصلة.
ومعنى ﴿ مسمى ﴾ أي مذكور اسمه في اللوح المحفوظ.
ومعنى ﴿ عنده ﴾ أي في حكمه وعلمه كما تقول: هذه المسألة عند الشافعي كذا وعند أبي حنيفة كذا.
وارتفع ﴿ أجل ﴾ بالابتداء وجاز ذلك مع تنكيره لمكان وصفه فقارب المعرفة.
وإنما لم يقل "وعنده أجل مسمى" تعظيماً لشأن هذا الأجل فكأنه قيل: وأي أجل مسمى عنده؟
والمرية والامتراء الشك.
ومعنى "ثم" تبعيد الامتراء عن مثل هذه الحجة الباهرة الموجبة للتيقن في أمر المبدأ والمعاد، ثم قرر أنه عالم بجميع المعلومات ردّاً على من زعم أنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع من العاصي ولا تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو فقال ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض ﴾ وزعمت المجسمة بهذا وبنحو قوله ﴿ أم أمنتم من في السماء ﴾ أنه مستقر في السماء قالوا: ويؤكده وقف بعض القراء على السموات والابتداء بقوله ﴿ وفي الأرض يعلم سركم ﴾ أي يعلم سرائركم الموجودة في الأرض.
ولو سلم أن لا وقف فالإجماع حاصل على أنه ليس موجوداً في الأرض، ولا يلزم من ترك العلم بأحد الظاهرين ترك العمل بالظاهر الآخر من دليل.
ونوقض بأنه قال في مواضع ﴿ لله ما في السموات ﴾ فلو كان هو في السماء لزم أن يكون مالكاً لنفسه، ولا يخفى ضعف هذا النقض لأنه مخصوص بالقرينة كقوله ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ وبأنه إما أن يراد كونه في سماء واحدة وهو ترك الظاهر، أو في جميع السموات وهو يقتضي كونه ذا أجزاء أو حصول المتحيز الواحد في مكانين وكلاهما محال.
والحق أنه لا يلزم من استصحاب المكان الافتقار إليه ولا التجسيم والتجزئة وهو دقيق يفهمه من وفق له، وبأنه لو كان موجوداً في السموات لكان محدوداً متناهياً فيكون قابلاً للزيادة والنقصان، فيكون اختصاصه بمقدار معين لمخصص فيكون محدثاً.
ويرد عليه أنه لم لا يجوز أن يكون في السموات وفوقها إلى ما لا يتناهى لا سيما عند من يقول إن وراء هذا العالم خلاء غير متناه، وبأنه لو كان في السموات فإن لم يقدر عل عالم آخر فوقها لزم تعجيزه، وإن قدر فلو فعل لحصل تحت ذلك العالم والقوم ينكرون كونه تحت العالم، والاعتراض أنه لا يلزم من القدرة الإيجاد، وقال غير المجسمة: المراد وهو الله في تدبير السموات والأرض كما يقال: فلان في أمر كذا أي في تدبيره وإصلاحه.
وعلى هذا يكون ﴿ في السموات ﴾ خبراً بعد خبر، ويوقف على اسم الله ثم يبتدأ بما بعد ذلك ويكون المعنى أنه يعلم في السموات والأرض سرائر الملائكة والإنس والجن، أو المراد وهو المعبود فيهما، أو المعروف بالإلهية أو المتوحد بها، أو هو الذي يقال له الله فيهما لا شريك له في هذا الإسم.
والسر من صفات القلوب وهي الدواعي والصوارف، والجهر من أعمال الجوارح، ولأن الأول مقدم على الثاني طبعاً فلا جرم قدم عليه وضعاً.
والجملة أعني قوله ﴿ يعلم سركم وجهركم ﴾ مقررة لما قبلها أو خبر ثالث أو كلام مبتدأ.
﴿ ويعلم ما تكسبون ﴾ الكسب أخص من الأعمال السرية والجهرية لأنه الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو اندفاع ضر ولهذا لا يوصف فعل الله بأنه كسب.
وإفراد الأخص بالذكر بعد الأعم للتقرير والتأكيد، أو لكونه أهم حسن لا يلزم منه عطف الشيء على نفسه.
والمراد أنه عالم بما يستحقه الإنسان على أفعاله من ثواب أو عقاب.
ثم لما فرغ من دلائل التوحيد والمعاد شرع في النبوات فرتب أحوال الكفار مع الأنبياء في ثلاث مراتب: الأولى كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل وذلك قوله ﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم ﴾ "من" الأولى للاستغراق والثانية للتبعيض.
والمراد وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار إلا وهم على حالة الإعراض لقلة تدبرهم وفرط غفلتهم.
الثانية: كونهم مكذبين وهذه شر مما قبلها لأن الإعراض قد يكون للغفلة لا للتكذيب وإذا كذب فقد أعرض وزاد.
قال علماء المعاني: ههنا حذف كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم آية وهو الحق.
قال أنس: هو انشقاق القمر بمكة انفلق فلقتين فذهبت فلقة وبقيت فلقة.
وقيل: هو القرآن الذي تحدّوا به فعجزوا عنه.
وقيل: محمد .
وقيل شرعه.
وقيل: وعده ووعيده وتبشيره وإنذاره.
والأولى الحمل على الكل.
المرتبة الثالثة: كونهم مستهزئين لأن التكذيب إذا انضم معه الاستهزاء كان غاية في الغواية وذلك قوله ﴿ فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا ﴾ أي أخبار الشيء الذي كانوا ﴿ به يستهزؤن ﴾ وهو القرآن وغيره من المعجزات.
وليس المراد نفس الأنباء بل العذاب الذي أنبأ الله به كقوله ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ والحكيم إذا توعد فربما قال: ستعرف نبأ هذا إذا نزل بك ما تحذره.
وذلك أن الغرض من الخبر حصول العلم بالمخبر عنه وذلك إنما يتحقق بعد المعاينة.
ومعنى الآية سيعلمون بأي شيء استهزؤا وأنه لم يكن موضع استهزاء وذلك عند نزول العقاب بهم في الدنيا كيوم بدر وغيره أو في الآخرة.
ثم لما زجرهم عن الإعراض والتكذيب والاستهزاء وأوعدهم على ذلك عاد إلى الموعظة والنصيحة بتذكير أحوال الأمم الماضية والقرون الخالية.
والقرن القوم المقترنون في زمان من الدهر المفترقون بعد ذلك بالموت وذلك الزمان في الأغلب ستون سنة.
وقيل: سبعون.
وقيل: ثمانون.
والأقرب أنه غير مقدر بزمان لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، ولكنه إذا انقضى الأكثر من أهل كل عصر فقد انقضى القرن.
وليس المراد أن يصدّق الكفار محمداً في هذه الأخبار لانهم بصدد التكذيب فسيكذبونه فيها أيضاً، وإنما المراد أن ما يختص بالمتقدمين منهم مشهور بين الناس فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا تلك الحكايات ومجرّد سماعها يكفي في الاعتبار.
ثم وصف تلك القرون بثلاثة أوصاف: الأول: تمكينهم في الأرض.
مكن له في الأرض جعل له مكاناً، ومكنه فيها أثبته، وهما متقاربان ولهذا جمع بينهما في الآية.
والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما آتينا عاداً وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال وأسباب الدنيا.
الثاني: إرسال السماء عليهم مدراراً يعني الغيث أو السحاب أو الخضراء، لأن المطر ينزل من ذلك الصوب والمدرار كثير الدرّدرّ اللين إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير.
ومدراراً نعت المطر ويقال أيضاً سحاب مدراراً إذا تتابع أمطاره.
ومفعال من أبنية المبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث.
الثالث ﴿ وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ﴾ أي من تحت أمكنتهم والمراد أنهم أصحاب البساتين والقصور والمنتزهات.
فإن قيل: الهلاك غير مختص بهم وإنما يجري ذلك على الأنبياء والمؤمنين أيضاً، قلنا: لدفع هذا الإشكال كرر فقال ﴿ فأهلكناهم بذنوبهم ﴾ فإن الإهلاك بسبب المعاصي والآثام لا يكون إلا بالعذاب والإيلام.
ثم نبه بقوله ﴿ وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ﴾ على كمال عزته واستغنائه ونهاية قدرته واستعلائه كقوله ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ﴾ فالبلاد بلاده والعباد عباده بيده التخريب والتعمير وإليه الإعدام والإيجاد.
ثم ان الذين يتمردون عن قبول دعوة الأنبياء طوائف متعددة.
منهم من بالغ في حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها على وفق هواه ومناه لا على قانون الخير والعدل فمنعه ذلك عن التزام التكاليف وهو المذكور في الآية، وفيه أن لذات الدنيا ذاهبة وعذاب الكفر باقٍ، وليس من العقل تحمل العقاب الدائم لأجل اللذات الفانية.
ومنهم من حملته العصبية والعناد على تكذيب معجزات الأنبياء وجعلها من قبيل السخر الذي لا أصل له وهم الذين عنوا بقوله ﴿ ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس ﴾ والمعنى أنه لو نزل الكتاب جملة واحدة في صحيفة واحدة فرأوه ولمسوه وشاهدوه عياناً لطعنوا فيه وقالوا إنه سحر.
وههنا سؤال وهو أن نزول الكتاب من السماء جملة إن لم يكن باب المعجزات لم يكن إنكاره منكراً، وإن كان من قبيل الإعجاز فالملك يقدر على إنزاله من السماء وقبل الإيمان بصدق الرسل لم تكن عصمة الملائكة معلومة، وحينئذ يجوز أن يكون نزول ذلك من قبل بعض الجن والشياطين، أو من بعض الملائكة الذين لم تثبت عصمتهم فلا يكون دليلاً على الصدق.
وأجيب بأن المقصود من الآية ليس بيان الإعجاز، ولكن المراد أنهم إذا لمسوه بأيديهم يقوى الإدراك البصري بالإدراك اللمسي وبلغ الغاية في القوة والظهور.
ثم إن هؤلاء يبقون شاكين في أن ذلك الذي رأوه ولمسوه هل هو موجود أم لا، وذلك يدل على أنهم بلغوا في الجهالة إلى حد السفسطة.
قال القاضي: في الآية دليل على وجوب اللطف لأنه بيَّن أنه إنما لم ينزل هذا الكتاب من حيث إنه لو أنزله لقالوا هذا القول فيفهم منه أنهم لو قبلوه وآمنوا به لأنزله لا محالة، وزيف بأن المفهوم ليس بحجة، ولو سلم فوقوع اللطف لا يدل على وجوبه.
ومن الكفرة من قابل النبوات بإيراد الشبهات والاقتراحات.
قال الكلبي: إن مشركي مكة قالوا: يا محمد والله لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله وذلك قوله ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ﴾ فأجاب الله عن مقترحهم بقوله ﴿ ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون ﴾ ومعنى القضاء الإتمام والإلزام كما مر.
وتقرير الجواب أن إنزال الملك على البشر آية باهرة وحينئذ ربما لم يؤمنوا فيجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال، أو لعلهم إذا شاهدوا الملك زهقت أرواحهم.
ألا ترى أن رسول الله لما رأى جبرائيل على صورته الأصلية غشي عليه؟
وأن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشرة كأضياف إبراهيم ولوط، وكالذين تسوّروا المحراب، وأن جبرائيل تمثل لمريم بشراً سوياً؟
وفائدة ثمَّ أن عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجاة الشدة أفظع من نفس الشدة.
ثم إنهم كانوا يطعنون في نبوة محمد من جهة أخرى وهي أنه بشر مثلهم ويقولون: ﴿ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً ﴾ وتقرير الشبهة أن الرسل إذا كانوا من زمرة الملائكة كانت علومهم أكثر وقدرتهم أشد ومهابتهم أعظم وامتيازهم عن الخلق أكمل والاشتباه في نبوتهم ورسالتهم أقل، والحكيم إذا أراد تحصيل مهم اختار ما هو أسرع إفضاء إلى المطلوب، فأجاب الله عن شبهتهم بقوله ﴿ ولو جعلناه ﴾ أي الرسول ﴿ ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ لأن إنزال الملك آية ظاهرة جارية مجرى الإلجاء وإزالة الاختيار وذلك منافٍ لغرض التكليف، ولأن الجنس إلى الجنس أميل، ولأن البشر لا يطيق رؤية الملك، ولأن طاعات الملك كثيرة فيحقرون طاعات البشر ويستعظمون إقدامهم على المعاصي فلا يصبرون معهم، ولأن إنزال الملك يقوي الشبهة من وجه آخر وذلك أن أيّ معجزة ظهرت عليه قالوا هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القدرة والقوة لفعلنا مثل ما فعلت.
ثم قال ﴿ وللبسنا عليهم ما يلبسون ﴾ لبست الأمر على القوم ألبسه لبساً إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلاً ومنه لبس الثوب لأنه يفيد الستر.
والمعنى إذا جعلنا الملك في صورة البشر كان فعلنا نظيراً لفعلهم في التلبيس، وإنما كان ذلك لبساً لأن الناس يظنونه ملكاً مع أنه ليس بملك، أو يظنونه بشراً مع أنه ليس ببشر وإنما كان فعلهم لبساً لأنهم يخلطون على أنفسهم ويقولون إن البشر لا يصلح للرسالة فلا ينقطع السؤال أبداً ويبقى الأمر في حيز الاشتباه.
وعلى هذا التفسير يكون قوله ﴿ ما يلبسون ﴾ مفعولاً مطلقاً.
ويجوز أن يراد ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ فيكون مفعولاً به يعني أن القوم إذا رأوا الملك في صورة الإنسان اشتبه الأمر عليهم، وإذا كنا قد فعلنا ذلك كان اللبس منسوباً إلينا.
ثم إنه وتعالى سلى رسول الله عما يلقى من قومه بقوله ﴿ ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق ﴾ أي نزل.
وقال الفراء: عاد عليهم والتركيب يدور على الإحاطة ومنه الحوق بالضم ما استدار بالكمرة ﴿ ما كانوا ﴾ أي الشيء الذي كانوا يستهزؤن به وهو الحق الذي جاء به محمد ، أسند الحق إليه حيث أهلكوا لأجل الاستهزاء به.
ويحتمل أن يراد بلفظة "ما" العذاب الذي كان يخوفهم الرسول بنزوله وهم يستهزؤن بذلك، ثم أمر رسوله بأن يقول لهم: لا تغتروا بما وجدتم من زخارف الدنيا وسيروا في الأرض لتشاهدوا آثار الأمم السالفة الذين كذبوا رسلهم ونزل بهم ما نزل فإن الأسفار تورث الاعتبار وتفيد الاستبصار.
واعلم أنه قال ههنا ﴿ ثم انظروا ﴾ وفي موضع آخر ﴿ فانظروا ﴾ فالفاء لمجرد اعتبار ترتيب النظر على السير.
وثم لتباعد ما بين المباح والواجب فإن السير مباح والنظر واجب.
وأيضاً شتان بين السير الصوري بقدم الأشباح وبين السير المعنوي بقدم الأرواح والله أعلم.
التأويل: حمد نفسه القديم الأزلي بكلامه القديم الأزلي على أن خلق سموات القلوب وأرض النفوس وجعل الظلمات.
أي الصفات البهيمية والسبعية في النفوس والنور في القلوب وهو صفاتها الملكية والروحانية، فخص الجعل بالمعاني التي هي من عالم الأمر والخلق بالأعيان لأنها من عالم الصورة، ولهذا لما ذكر صورة آدم قال ﴿ إني خالق بشراً من طين ﴾ وحيث أراد معناه قال ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ ثم بعد هذا الجعل والخلق مال نفوس الكفار بغلبات الظلمات إلى طاغوت الهوى فجعلوه عديلاً لربهم ﴿ ثم قضى أجلاً ﴾ للروح المفارق عن حضرته لأيام فراقه ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ وهو أجل الوصال بعد الفراق بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ يا أهل الوصال كما يمتري أهل الفراق وهذا محال ﴿ وهو الله ﴾ في سموات القلوب وفي أرض النفوس يعلم سر الخلافة الذي أودع فيكم ﴿ وجهركم ﴾ الذي يظهر عنكم ﴿ ويعلم ما تكسبون ﴾ باستعمال الاستعداد السري والجهري في المأمورات والمنهيات في الخير أو الشر ﴿ من آية من آيات ربهم ﴾ في الآفاق وفي أنفسهم مكناهم في طلب الحق من قهر النفس وأسباب الخيرات والطاعات.
وأرسلنا مطر الواردات من سماء القلوب عليهم مدراراً متوالياً، وجعلنا أنهار الحكمة تجري من تحت نظرهم فأهلكنا مع هذه المقدمات أرواحهم بسموم ذنوب طلب الدنيا مالها وجاهها ﴿ وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين ﴾ من الطلاب الصادقين التائبين المستقيمين ﴿ لجعلناه رجلاً ﴾ ليفهموا خطابه ويكون واقفاً على الأحوال البشرية فيعالجهم بما يرى فيه صلاح حالهم كما قال ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ﴾ قل سيروا في أرض النفوس بقدم التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب فتشاهدوا بأنوار الله المودعة فيها عاقبة من هلكوا في بوادي القطيعة إذ ساروا بقدم الطبيعة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ يخبر بشدة تعنتهم أنهم وإن أتوا ما سألوا من الآيات لم يؤمنوا به؛ لأنهم كانوا سألوا رسول الله أن ينزل كتاباً يعاينونه، ويقرءونه، كقوله: ﴿ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ ﴾ وكقوله: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ﴾ ونحوه من الآيات، وقوله: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ ﴾ أي: في صحيفة، مكتوباً، يعلمون أنه لم يكتب في الأرض، ولمسوه بأيديهم، وعاينوه لم يؤمنوا به، ولا صدقوه، وقالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يخبر رسول الله أنهم لا يؤمنون، ويخبره بشدة تعنتهم أنهم لا يؤمنون وإن جئت بكل آية؛ إذ قد أتاهم من الآيات ما إن تأملوا ولم يتعنتوا لدلتهم على ذلك، لكنهم أعرضوا عنها، ولم يتأملوا فيها لتعنتهم، وشدة مكابرتهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ أن مشركي العرب كانوا لا يعرفون الرسل، ولا الكتب، ولا كانوا آمنوا برسول ولا كتاب، فقالوا: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ﴾ ونحوه من السؤال، فيسألون إنزال الملك.
ثم يحتمل سؤالهم إنزال الملك لما لم يكونوا رأوا الرسل يكونون من البشر، وإنما رأوا الرسول إن كان يكون ملكاً، فقالوا: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ ﴾ .
ويحتمل أن يكون سؤالهم إنزال الملك سؤال عناد وتعنت، لا سؤال طلب الرسول من الملائكة، فقال: ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً ﴾ على ما سألوا ﴿ لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ أي أن الملك إذا نزل على إثر سؤال العناد والتعنت ينزل بالعذاب والهلاك، فهذا يبين أن سؤالهم سؤال تعنت وعناد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ ﴾ أي أنهم كانوا يسألون إنزال الملك آية لصدقه - - فقال: ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ ﴾ أي: يهلكون؛ لأن الآيات إذا نزلت على إثر سؤال القوم ثمّ خالفوا تلك الآيات وكذبوها لنزل بهم العذاب والهلاك، وإن جاءت الآيات على غير سؤال، فكذبوها يمهلون، ولا يعذبون عند تكذيبهم إياها، [و] الله أعلم.
وقوله - عزو جل -: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً ﴾ : قيل: آدميّاً بشراً، [و] يحتمل هذا وجوهاً: [أحدها]: أي: لو بعثنا الرسول ملكاً لجعلناه على صورة البشر؛ لأنه لو كان على صورة الملائكة لصعقوا ودهشوا؛ لأنه ليس في وسع البشر رؤية الملك على صورته.
ألا ترى أن جبريل - - إذا نزل على رسول الله لم ينزل على صورته، ولكن كان ينزل على صورة البشر، حتى ذكر أنه كان ينزل عليه على صورة دحية الكلبي، وأنه متى رآه على صورته صعق وتغير حاله، فإذا رأوا ذلك في وجهه قالوا: إنه لمجنون، فقال: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً ﴾ ويكون فيه ما في رسول الله من اللبس به.
والثاني: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً ﴾ ؛ لأنهم لا يعرفون صدقه، فيحتاجون إلى الدلائل، والآيات [التي] تدلهم على أنه ملك، وعلى صدقه، فذلك لا يعرف إلا بالبشر؛ لأنهم [لا يعرفون صدقه].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ...
﴾ الآية.
قالوا: لا يجوز إضافة اللبس إلى الله - - إلا على المجازاة للبس، كالاستهزاء، والمكر، والخداع.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ﴾ أي: لو جعلناه ملكاً للبسنا عليهم ما لبس [أولئك] على صنيعهم؛ حيث قالوا: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 24\] و ﴿ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ﴾ وغير ذلك من الكلام، لكنا لا نفعل حتى لا يكون ذلك لبساً؛ إذ ليس في وسعهم النظر إلى الملك، ولو جعلنا ذلك ملكاً لكان ذلك لبساً.
فإن قال لنا ملحد في قوله: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ [سألوا أن ينزل على رسول الله [ملك] وقال: ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ ] وأنتم تقولون: إنه قد أنزل عليه الملك، وهو أخبر لو أنزل عليه الملك لقضي الأمر، ولم يقض الأمر، كيف لآيات لكم إنما اختار ذلك من نفسه؛ لأن الله أنزل عليه ذلك.
قيل: إنهم إنما سألوا أن ينزل عليهم الملك - وإن لم يذكر في الآية السؤال - لما ذكر في آية أخرى؛ كقولهم: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ﴾ أو سألوا أن تأتيهم الملائكة وتأتيه، قالوا: كيف يخَصُّ هو بإتيان الملائكة دوننا وهو كواحد منا؛ كقوله: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ وهذا جائز أن يكون أسئلة لم تذكر، ويكون في الجواب بيان ذلك، على ما ذكرنا من قبل في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ .
يصبر رسوله على تكذيب قومه ليعلم أنه ليس هو أول مكذب، ولكن قد كذب الرسل الذين من قبلك، ويخبره أنه يلحق هؤلاء بتكذيبك كما لحق أولئك بتكذيبهم الرسل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَحَاقَ ﴾ .
قال أبو عوسجة: "حاق" أي: رجع، يقال: حاق يحيق حيقاً، أي: رجع عليهم.
وقال الكيساني: حاق بهم أي: [أحاط بهم ونزل].
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ ليس على الأمر بالسير في الأرض، ولكن على الاعتبار والتفكر فيما نزل بأولئك بتكذيبهم الرسل؛ لأنه - عز وجل - أراهم آيات عقلية وسمعية، فلم ينفعهم ذلك، فأراد أن يريهم آيات حسية ليمنعهم ذلك عن التكذيب والعناد.
<div class="verse-tafsir"
فإنْ يستهزئ هؤلاء بطلبهم إنزال ملك معك فقد استهزأت أمم من قبلك برسلها، فأحاط بهم العذاب الذي كانوا ينكرونه ويستهزئون به عند تخويفهم منه.
<div class="verse-tafsir" id="91.r0aVP"