الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٤٤ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 92 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٤ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( فلما نسوا ما ذكروا به ) أي : أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم ( فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) أي : فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون ، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم ، عياذا بالله من مكره ; ولهذا قال : ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا ) أي : من الأموال والأولاد والأرزاق ( أخذناهم بغتة ) أي : على غفلة ( فإذا هم مبلسون ) أي : آيسون من كل خير .
قال الوالبي ، عن ابن عباس : المبلس : الآيس .
وقال الحسن البصري : من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به ، فلا رأي له .
ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له ، فلا رأي له ، ثم قرأ : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) قال الحسن : مكر بالقوم ورب الكعبة ; أعطوا حاجتهم ثم أخذوا .
رواه ابن أبي حاتم .
وقال قتادة : بغت القوم أمر الله ، وما أخذ الله قوما قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعيمهم فلا تغتروا بالله ، إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون .
رواه ابن أبي حاتم أيضا .
وقال مالك ، عن الزهري : ( فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) قال : إرخاء الدنيا وسترها .
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن غيلان ، حدثنا رشدين - يعني ابن سعد أبا الحجاج المهري - عن حرملة بن عمران التجيبي ، عن عقبة بن مسلم ، عن عقبة بن عامر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب ، فإنما هو استدراج " .
ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم ، من حديث حرملة وابن لهيعة ، عن عقبة بن مسلم ، عن عقبة بن عامر ، به وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا عراك بن خالد بن يزيد ، حدثني أبي ، عن إبراهيم بن أبي عبلة ، عن عبادة بن الصامت [ رضي الله عنه ] أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : " إن الله [ تبارك وتعالى ] إذا أراد بقوم بقاء - أو : نماء - رزقهم القصد والعفاف ، وإذا أراد الله بقوم اقتطاعا فتح لهم - أو فتح عليهم - باب خيانة " ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) كما قال : ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين )
القول في تأويل قوله : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فلما نسوا ما ذكروا به "، فلما تركوا العمل بما أمرناهم به على ألسن رسلنا، (40) كالذي:- 13226 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " فلما نسوا ما ذكروا به "، يعني: تركوا ما ذكروا به.
13227 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: " نسوا ما ذكروا به "، قال: ما دعاهم الله إليه ورسله, أبوْه وردُّوه عليهم.
* * * =" فتحنا عليهم أبوابَ كل شيء "، يقول: بدلنا مكان البأساء الرخاء والسعة في العيش، ومكان الضراء الصحة والسلامة في الأبدان والأجسام، استدراجًا منَّا لهم، كالذي:- 13228 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى = وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل = ، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " فتحنا عليهم أبواب كل شيء " ، قال: رخاء الدنيا ويُسْرها، على القرون الأولى.
13229 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " فتحنا عليهم أبواب كل شيء "، قال: يعني الرخاء وسعة الرزق .
13230 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط .
عن السدي قوله: " فتحنا عليهم أبواب كل شيء "، يقول: من الرزق.
* * * فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: " فتحنا عليهم أبوابَ كل شيء " ، وقد علمت أن بابَ الرحمة وباب التوبة [لم يفتحا لهم], لم تفتح لهم أبواب أخر غيرهما كثيرة؟
(41) قيل: إن معنى ذلك على غير الوجه الذي ظننتَ من معناه, وإنما معنى ذلك: فتحنا عليهم، استدراجًا منا لهم، أبوابَ كل ما كنا سددنا عليهم بابه، عند أخذنا إياهم بالبأساء والضراء ليتضرعوا, إذ لم يتضرعوا وتركوا أمر الله تعالى ذكره، لأنّ آخر هذا الكلام مردودٌ على أوله.
وذلك كما قال تعالى ذكره في موضع آخر من كتابه: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ، [سورة الأعراف: 94-95] ، ففتح الله على القوم الذين ذكر في هذه الآية [أنهم نسوا ما] ذكرهم، (42) بقوله: " فلما نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء " ، هو تبديله لهم مكانَ السيئة التي كانوا فيها في حال امتحانه إياهم، من ضيق العيش إلى الرخاء والسعة, ومن الضر في الأجسام إلى الصحة والعافية, وهو " فتح أبواب كل شيء " كان أغلق بابه عليهم، مما جرى ذكره قبل قوله: " فتحنا عليهم أبواب كل شيء "، فردّ قوله: " فتحنا عليهم أبواب كل شيء "، عليه.
* * * ويعني تعالى بقوله: " حتى إذا فرحوا بما أوتوا " ، يقول: حتى إذا فرح هؤلاء المكذّبون رسلهم بفتحنا عليهم أبوابَ السَّعة في المعيشة، والصحة في الأجسام، كالذي:- 13231 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " حتى إذا فرحوا بما أوتوا " ، من الرزق .
13232 - حدثنا الحارث قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، سمعت عبد الرحمن بن مهدي يحدّث، عن حماد بن زيد قال: كان رجل يقول: رَحم الله رجلا تلا هذه الآية، ثم فكر فيها ماذا أريد بها: " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ".
13233 - حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا ابن أبي رجاء رجل من أهل الشعر, عن عبد الله بن المبارك, عن محمد بن النضر الحارثي في قوله : " أخذناهم بغتة "، قال: أُمهلوا عشرين سنة.
(43) * * * ويعني تعالى ذكره بقوله: " أخذناهم بغتة " ، أتيناهم بالعذاب فجأة، وهم غارُّون لا يشعرون أن ذلك كائن، ولا هو بهم حالٌّ، (44) كما:- 13234 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج: " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة " ، قال: أعجبَ ما كانت إليهم، وأغَرَّها لهم.
(45) 13235 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي" أخذناهم بغتة " ، يقول: أخذهم العذابُ بغتةً .
13236 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " أخذناهم بغتة " ، قال: فجأة آمنين.
* * * وأما قوله: " فإذا هم مبلسون "، فإنهم هالكون, منقطعة حججهم, نادمون على ما سلف منهم من تكذيبهم رسلَهم، كالذي:- 13237- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط, عن السدي: " فإذا هم مبلسون "، قال: فإذا هم مهلكون، متغيِّر حالهم.
13238 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شيخ, عن مجاهد: " فإذا هم مبلسون "، قال: الاكتئاب.
(46) 13239 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: " فإذا هم مبلسون " ، قال: " المبلس " الذي قد نـزل به الشرّ الذي لا يدفعه.
والمبلس أشد من المستكين, وقرأ: فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ، [سورة المؤمنون: 76] .
وكان أول مرة فيه معاتبة وبقيّة.
(47) وقرأ قول الله: " أخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون " = فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ، حتى بلغ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، ثم جاء أمرٌ ليس فيه بقية.
(48) وقرأ: " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون "، فجاء أمر ليس فيه بقية.
وكان الأوّل، لو أنهم تضرعوا كُشف عنهم .
13240 - حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا بقية بن الوليد, عن أبي شريح ضبارة بن مالك, عن أبي الصلت, عن حرملة أبي عبد الرحمن, عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيت الله يعطي عبدَه في دنياه, إنما هو استدراج.
ثم تلا هذه الآية: " فلما نسوا ما ذكِّروا به " إلى قوله: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
(49) 13241- وحدثت بهذا الحديث عن محمد بن حرب, عن ابن لهيعة, عن عقبة بن مسلم, عن عقبة بن عامر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وإذا رأيت الله تعالى ذكره يعطي العبادَ ما يسألون على معاصيهم إياه, فإنما ذلك استدراج منه لهم!
ثم تلا " فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء " الآية.
* * * وأصل " الإبلاس " في كلام العرب، عند بعضهم: الحزن على الشيء والندم عليه = وعند بعضهم: انقطاع الحجة، والسكوت عند انقطاع الحجة = وعند بعضهم: الخشوع = وقالوا: هو المخذول المتروك, ومنه قول العجاج: يَـا صَـاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا ? قَــالَ: نَعَــمْ!
أَعْرِفُــه!
وَأَبْلَسَـا (50) فتأويل قوله: " وأبلسا "، عند الذين زعموا أن " الإبلاس "، انقطاع الحجة والسكوت عنده, بمعنى: أنه لم يُحِرْ جوابًا.
(51) وتأوَّله الآخرون بمعنى الخشوع, وترك أهله إياه مقيمًا بمكانه.
والآخرون بمعنى الحزن والندم.
يقال منه: " أبلس الرجل إبلاسًا ", ومنه قيل: لإبليس " إبليس ".
(52) * * * --------------- (40) انظر تفسير"النسيان" فيما سلف 2: 9 ، 473 - 480/5 : 164/6 : 132 ، 133 - 135/10 : 129.
= وانظر تفسير"التذكير" فيما سلف 10: 130 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك.
(41) في المطبوعة والمخطوطة: "أن باب الرحمة وباب التوبة لم يفتح لهم وأبواب أخر غيره كثيرة" إلا أن المخطوطة ليس فيها إلا"أبواب أخر" بغير واو ، ورجحت أنه سقط من الكلام ما أثبته ، وأن صوابه ما صححت من ضمائره.
(42) هذه الزيادة بين القوسين ، يقتضيها السياق.
(43) الأثر: 13233 -"ابن أبي رجاء" ، لم أعرفه ، وكان في المطبوعة: "من أهل الثغر" ، وحذف"رجل" ، وأثبت ما في المخطوطة.
و"محمد بن النضر الحارثي" ، أبو عبد الرحمن العابد ، مترجم في الكبير1/1/252 ، وابن أبي حاتم 4/1/110 ، وحلية الأولياء 8: 217 ، وصفة الصفوة 3: 93.
وهذا الخبر رواه أبو نعيم في الحلية 8: 220 من طريق أبي بكر بن مالك ، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أحمد بن إبراهيم ، عن محمد بن منبه ، ابن أخت ابن المبارك ، عن عبد الله بن المبارك.
فأخشى أن يكون"ابن أبي رجاء" هو"محمد بن منبه" ابن أخت بن المبارك.
وعسى أن توجد ترجمته"محمد بن منبه" ، فيعرف منها ما نجهل ، ويصحح ما في المخطوطة أهو"رجل من أهل الشعر" ، أم"من أهل الثغر" ، كما في المطبوعة.
(44) انظر تفسير"بغتة" فيما سلف ص: 325.
(45) في المطبوعة: "وأعزها لهم" (بالعين والزاي) والصواب"أغرها" ، من"الغرور" و"الغرة" (بالغين والراء المهملة).
(46) في المطبوعة: "فإذا هم مبلسون قال: فإذا هم مهلكون" ، لا أدري من أين جاء بهذا.
والذي في المخطوطة هو ما أثبت ، إلا أنه غير منقوط ، فرجحت قراءته كما أثبته.
وسيأتي أن معنى"الإبلاس" ، الحزن والندم.
(47) في المطبوعة: "معاتبة وتقية" ، ولا معنى لذلك هنا ، وفي المخطوطة: "ولقية" وصواب قراءتها ما أثبت.
و"البقية" ، الإبقاء عليهم.
(48) في المخطوطة والمطبوعة هنا في الموضعين : تقية" ، وهو خطأ ، انظر التعليق السالف.
(49) الأثران: 13240 ، 13241 -"سعيد بن عمرو السكوني" ، مضى برقم: 5563 ، 6521.
و"بقية بن الوليد الحمصي" ، مضى مرارًا ، أولها رقم: 152 ، وآخرها: 9224.
وهو ثقة ، ولكنهم نعوا عليه التدليس.
و"ضبارة بن مالك" نسب إلى جده هو"ضبارة بن عبد الله بن مالك بن أبي السليك الحضري الألهاني" ، "أبو شريح الحمصي" ، ويقال أيضًا"ضبارة بن أبي السليك" ، ذكره ابن حبان في الثقات وقال: "يعتبر حديثه من رواية الثقات عنه".
وذكره ابن عدي في الكامل وساق له ستة أحاديث مناكير.
مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/343 ، وابن أبي حاتم 2/1/471.
و"أبو الصلت" ، مذكور في ترجمة"ضبارة" في التهذيب ، وموصوف بأنه"الشامي" ، ولم أجد له ذكرًا فيما بين يدي من كتب التراجم.
وأما "حرملة ، أبو عبد الرحمن" ، فهذا مشكل ، فإن"حرملة بن عمران بن قراد التجيبي المصري" ، كنيته"أبو حفص" ، لم أجد له كنية غيرها.
ولا أستخير أن يكون ذلك خطأ من ناسخ ، فأخشى أن تكون"أبو عبد الرحمن" ، كنية أخرى له.
وهو ثقة ، كان من أولى الألباب.
مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/64 ، وابن أبي حاتم 1/2/273.و"عقبة بن مسلم التجيبي المصري" ، إمام المسجد العتيق ، مصري تابعي ثقة.
مترجم في التهذيب.
و"عقبة بن عامر الجهني" ، قديم الهجرة والسابقة والصحبة.
وكان عالمًا فقهيًا فصيح اللسان ، شاعرًا ، كاتبًا ، وهو أحد من جمع القرآن.
وهذا الخبر سيرويه أبو جعفر بعد من طريق ابن لهيعة ، عن عقبة بن مسلم ، ورواه أحمد في مسنده 4: 145 ، من طريق يحيى بن غيلان ، عن رشدين بن سعد ، عن حرملة بن عمران ، عن عقبة بن مسلم ، عن عقبة بن عامر ، بمثله.
وخرجه الهيثمي في مجمع الزاوئد 7: 20 ، ونسبه لأحمد والطبراني ، ولم يذكر في إسناده شيئًا من صحة أو ضعف.
وذكره ابن كثير في تفسيره 3: 311 من رواية أحمد ، وأشار إلى طريق ابن جرير ، وابن أبي حاتم.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 12 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب.
(50) مضى البيت وتخريجه وتفسيره فيما سلف 1: 509 ، ولم أشر هناك إلى مجيئه في التفسير في هذا الموضع ثم في 21: 18 (بولاق) ، وأزيد أنه في مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 192 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 335.
(51) هو الفراء في معاني القرآن 1: 335 .
(52) انظر ما قاله أبو جعفر في تفسير"إبليس" فيما سلف 1: 509 ، 510.
قوله تعالى : فلما نسوا ما ذكروا به يقال : لم ذموا على النسيان وليس من فعلهم ؟
فالجواب : أن نسوا بمعنى تركوا ما ذكروا به ، عن ابن عباس وابن جريج ، وهو قول أبي علي ; وذلك لأن التارك للشيء إعراضا عنه قد صيره بمنزلة ما قد نسي ، كما يقال : تركه .
في النسي .جواب آخر : وهو أنهم تعرضوا للنسيان فجاز الذم لذلك ; كما جاز الذم على التعرض لسخط الله عز وجل وعقابه .
فتحنا عليهم أبواب كل شيء أي : من النعم والخيرات ، أي : كثرنا لهم ذلك .
والتقدير عند أهل العربية : فتحنا عليهم أبواب كل شيء كان مغلقا عنهم .
حتى إذا فرحوا بما أوتوا معناه بطروا وأشروا وأعجبوا وظنوا أن ذلك العطاء لا يبيد ، وأنه دال على رضاء الله عز وجل عنهم أخذناهم بغتة أي استأصلناهم وسطونا بهم .
و ( بغتة ) معناه فجأة ، وهي الأخذ على غرة ومن غير تقدم أمارة ; فإذا أخذ الإنسان وهو غار غافل فقد أخذ بغتة ، وأنكى شيء ما يفجأ من البغت .
وقد قيل : إن التذكير الذي سلف - فأعرضوا عنه - قام مقام الإمارة .
والله أعلم .
و ( بغتة ) مصدر في موضع الحال لا يقاس عليه عند سيبويه كما تقدم ; فكان ذلك استدراجا من الله تعالى كما قال : وأملي لهم إن كيدي متين نعوذ بالله من سخطه ومكره .
قال بعض العلماء : رحم الله عبدا تدبر هذه الآية حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة .
وقال محمد بن النضر الحارثي : أمهل هؤلاء القوم عشرين سنة .
وروى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا رأيتم الله تعالى يعطي العباد ما يشاءون على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم ثم تلا ( فلما نسوا ما ذكروا به ) الآية كلها .
وقال الحسن : والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مكر له فيها إلا كان قد نقص عمله ، وعجز رأيه .
وما أمسكها الله عن عبد فلم يظن أنه خير له فيها إلا كان قد نقص عمله ، وعجز رأيه .
وفي الخبر أن الله تعالى أوحى إلى موسى صلى الله عليه وسلم : إذا رأيت الفقر مقبلا إليك فقل مرحبا بشعار الصالحين وإذا رأيت الغنى مقبلا إليك فقل : ذنب عجلت عقوبته .قوله تعالى : فإذا هم مبلسون المبلس الباهت الحزين الآيس من الخير الذي لا يحير جوابا لشدة ما نزل به من سوء الحال ; قال العجاج :[ ص: 334 ]يا صاح هل تعرف رسما مكرسا قال نعم أعرفه وأبلساأي : تحير لهول ما رأى ، ومن ذلك اشتق اسم إبليس ; أبلس الرجل سكت ، وأبلست الناقة وهي مبلاس إذا لم ترغ من شدة الضبعة ; ضبعت الناقة تضبع ضبعة وضبعا إذا أرادت الفحل .
{ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } من الدنيا ولذاتها وغفلاتها.
{ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ } أي: آيسون من كل خير، وهذا أشد ما يكون من العذاب، أن يؤخذوا على غرة، وغفلة وطمأنينة، ليكون أشد لعقوبتهم، وأعظم لمصيبتهم.
( فلما نسوا ما ذكروا به ) تركوا ما وعظوا وأمروا به ، ( فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) قرأ أبو جعفر ، " فتحنا " بالتشديد ، في كل القرآن ، وقرأ ابن عامر ، كذلك ، إذا كان عقيبه جمع والباقون بالتخفيف ، وهذا فتح استدراج ومكر ، أي : بدلنا مكان البلاء والشدة الرخاء والصحة ، ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا ) وهذا فرح بطر مثل فرح قارون بما أصاب من الدنيا ، ( أخذناهم بغتة ) فجأة آمن ما كانوا ، وأعجب ما كانت الدنيا إليهم ، ( فإذا هم مبلسون ) آيسون من كل خير ، وقال أبو عبيدة : المبلس النادم الحزين ، وأصل الإبلاس : الإطراق من الحزن والندم ، وروى عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته ، فإنما ذلك استدراج ) ، ثم تلا " فلما نسوا ما ذكروا به " الآية .
«فلما نسوا» تركوا «ما ذكروا» وُعظوا وخوفوا «به» من البأساء والضراء فلم يتعظوا «فتحنا» بالتخفيف والتشديد «عليهم أبواب كلِّ شيء» من النعم استدراجا لهم «حتى إذا فرحوا بما أوتوا» فرح بطر «أخذناهم» بالعذاب «بغتة» فجأة «فإذا هم مبلسون» آيسون من كل خير.
فلما تركوا العمل بأوامر الله تعالى معرضين عنها، فتحنا عليهم أبواب كل شيء من الرزق فأبدلناهم بالبأساء رخاءً في العيش، وبالضراء صحة في الأجسام؛ استدراجا منا لهم، حتى إذا بطروا، وأعجبوا بما أعطيناهم من الخير والنعمة أخذناهم بالعذاب فجأة، فإذا هم آيسون منقطعون من كل خير.
ثم بين - سبحانه - أنه قد ابتلاهم بالنعم بعد أن عالجهم بالشدائد فلم يرتدعوا فقال - تعالى - :{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } .والمعنى : فلما أعرضوا عن النذر والعظات التى وجهها إليهم الرسل ، فتحنا عليهم أبواب كل شىء من الرزق وأسباب القوة والجاه .
حتى إذا اغتروا وبطروا بما أوتوا من ذلك أخذناهم بغتة فإذا هم متحسرون يائسون من النجاة .ولفاء فى قوله - تعالى - { فَلَمَّا نَسُواْ } لتفصيل ما كان منهم .
وبيان ما ترتب على كفرهم من عواقب قريبة وأخرى بعيدة .والمراد بالنسيان هنا : الإعراض والترك .
أى : تركوا الإهتداء بما جاء به الرسل حتى نسوه أو جعلوه كالمنسى فى عدم الاعتبار والاتعاظ به لإصرارهم على كفرهم ، وجمودهم على تقليد من قبلهم .والتعبير بقوله - تعالى - { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } يرسم صورة بليغة لإقبال الدنيا عليهم من جميع أقطارها بجميع ألوان نعمها ، وبكل قوتها وإغرائها ، فهو اختبار لهم بالنعمة بعد أن ابتلاهم بالبأساء والضراء .وعبر - سبحانه - عن إعطائهم النعمة بقوله : { بِمَآ أوتوا } بالبناء للمجهول لأنهم يحسبون أن ذلك بعلمهم وقدرتهم وحدهم ، كما قال قارون من قبل { إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي } وأضاف - سبحانه - الأخذ إلى ذاته فى قوله { أَخَذْنَاهُمْ } لأنهم كانوا لا ينكرون ذلك ، بل كانوا ينسبون الخلق والإيجاد إلى الله - تعالى - .وكان الأخذ بغتة ليكون أشد عليهم وأفظع هولا ، أى أخذناهم بعذاب الاستئصال حال كوننا مباغتين لهم .
أو حال كونهم مبغوتين ، فقد فجأهم العذاب على غرة بدون إمهال .وإذا فى قوله { فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } فجائية ، والمبلس : الباهت الحزين البائس من الخير ، الذى لا يحير جواباً لشدة ما نزل به من سوء الحال .روى الإمام أحمد بسنده عن عقبة بن عامر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " وإذا رأيت الله يعطى العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج " ، ثم تلا قوله - تعالى - { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ } .
.
الاية .
اعلم أن هذا الكلام من تمام القصة الأولى فبيّن الله تعالى أنه أخذهم أولاً بالبأساء والضراء لكي يتضرعوا ثم بيّن في هذه الآية أنهم لما نسوا ما ذكروا به من البأساء والضراء فتحنا عليهم أبواب كل شيء، ونقلناهم من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء وأنواع الآلاء والنعماء، والمقصود أنه تعالى عاملهم بتسليط المكاره والشدائد عليهم تارة فلم ينتفعوا به، فنقلهم من تلك الحالة إلى ضدها وهو فتح أبواب الخيرات عليهم وتسهيل موجبات المسرات والسعادات لديهم فلم ينتفعوا به أيضاً.
وهذا كما يفعله الأب المشفق بولده يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى طلباً لصلاحه حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الخير والنعم، لم يزيدوا على الفرح والبطر من غير انتداب لشكر ولا إقدام على اعتذار وتوبة، فلا جرم أخذناهم بغتة.
واعلم أن قوله: ﴿ فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ معناه فتحنا عليهم كل شيء كان مغلقاً عنهم من الخير، ﴿ حتى إذا فرحوا ﴾ أي إذا ظنوا أن الذي نزل بهم من البأساء والضراء ما كان على سبيل الانتقام من الله.
ولما فتح الله عليهم أبواب الخيرات ظنوا أن ذلك باستحقاقهم، فعند ذلك ظهر أن قلوبهم قست وماتت وأنه لا يرجى لها انتباه بطريق من الطرق، لا جرم فاجأهم الله بالعذاب من حيث لا يشعرون.
قال الحسن: في هذه الآية مكر بالقوم ورب الكعبة، وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيت الله يعطي على المعاصي فإن ذلك استدراج من الله تعالى» ثم قرأ هذه الآية.
قال أهل المعاني: وإنما أخذوا في حال الرخاء والراحة ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية وقوله: ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ أي آيسون من كل خير.
قال الفرّاء: المبلس الذي انقطع رجاؤه، ولذلك قيل للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس.
وقال الزجاج: المبلس الشديد الحسرة الحزين، والابلاس في اللغة يكون بمعنى اليأس من النجاة عند ورود الهلكة، ويكون بمعنى انقطاع الحجة، ويكون بمعنى الحيرة بما يرد على النفس من البلية وهذه المعاني متقاربة.
ثم قال تعالى: ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا ﴾ الدابر التابع للشيء من خلفه كالولد للوالد يقال: دبر فلان القوم يدبرهم دبوراً ودبراً إذا كان آخرهم.
قال أُمية بن أبي الصلت: فاستؤصلوا بعذاب حص دابرهم *** فما استطاعوا له صرفا ولا نتصروا وقال أبو عبيدة: دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم.
وقال الأصمعي الدابر الأصل يقال قطع الله دابره أي أذهب الله أصله.
وقوله: ﴿ والحمد لله ربّ العالمين ﴾ فيه وجوه: الأول.
معناه أنه تعالى حمد نفسه على أن قطع دابرهم واستأصل شأفتهم لأن ذلك كان جارياً مجرى النعمة العظيمة على أولئك الرسل في إزالة شرهم عن أولئك الأنبياء.
والثاني: أنه تعالى لما علم قسوة قلوبهم لزم أن يقال: إنه كلما ازدادت مدة حياتهم ازدادت أنواع كفرهم ومعاصيهم، فكانوا يستوجبون به مريد العقاب والعذاب فكان إفناؤهم وإماتتهم في تلك الحالة موجباً أن لا يصيروا مستوجبين لتلك الزيادات من العقاب فكان ذلك جارياً مجرى الانعام عليهم.
والثالث: أن يكون هذا الحمد والثناء إنما حصل على وجود إنعام الله عليهم في أن كلفهم وأزال العذر والعلة عنهم ودبرهم بكل الوجوه الممكنة في التدبير الحسن، وذلك بأن أخذهم أولاً بالبأساء والضراء، ثم نقلهم إلى الآلاء والنعماء، وأمهلهم وبعث الأنبياء والرسل إليهم، فلما لم يزدادوا إلا انهماكاً في الغي والكفر، أفناهم الله وطهر وجه الأرض من شرهم، فكان قوله: ﴿ والحمد الله ربّ العالمين ﴾ على تلك النعم الكثيرة المتقدمة.
<div class="verse-tafsir"
البأساء، والضراء: البؤس، والضر.
وقيل: البأساء: القحط والجوع.
والضراء: المرض ونقصان الأموال والأنفس.
والمعنى: ولقد أرسلنا إليهم الرسل فكذبوهم فأخذناهم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾ يتذللون ويتخشعون لربهم ويتوبون عن ذنوبهم ﴿ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ﴾ معناه: نفي التّضرع، كأنه قيل: فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا.
ولكنه جاء بلولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوة قلوبهم، وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ ﴾ من البأساء والضراء: أي تركوا الاتعاظ به ولم ينفع فيهم ولم يزجرهم ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَيْء ﴾ من الصحة والسعة وصنوف النعمة، ليزاوج عليهم بين نوبتي الضراء والسراء، كما يفعل الأب المشفق بولده يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى، طلباً لصلاحه ﴿ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ ﴾ من الخير والنعم، لم يزيدوا على الفرح والبطر، من غير انتداب لشكر ولا تصدّ لتوبة واعتذار ﴿ أخذناهم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ ﴾ واجمون، متحسرون آيسون ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ القوم ﴾ آخرهم لم يترك منهم أحد، قد استؤصلت شأفتهم ﴿ والحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة، وأنه من أجلّ النعم وأجزل القسم.
وقرئ: ﴿ فَتَحْنَا ﴾ بالتشديد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ ولَمْ يَتَّعِظُوا بِهِ.
﴿ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِن أنْواعِ النِّعَمِ مُراوَحَةً عَلَيْهِمْ بَيْنَ نَوْبَتِي الضَّرّاءِ والسَّرّاءِ، وامْتِحانًا لَهم بِالشِّدَّةِ والرَّخاءِ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلْعِلَّةِ، أوْ مَكْرًا بِهِمْ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «مَكْرٌ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ».» .
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «فَتَحْنا» بِالتَّشْدِيدِ في جَمِيعِ القُرْآنِ ووافَقَهُ يَعْقُوبُ فِيما عَدا هَذا، والَّذِي في «الأعْرافِ» .
﴿ حَتّى إذا فَرِحُوا ﴾ أُعْجِبُوا ﴿ بِما أُوتُوا ﴾ مِنَ النِّعَمِ ولَمْ يَزِيدُوا غَيْرَ البَطَرِ والِاشْتِغالِ بِالنِّعَمِ عَنِ المُنْعِمِ والقِيامِ بِحَقِّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
﴿ أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ ﴾ مُتَحَسِّرُونَ آيِسُونَ.
﴿ فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ آخِرُهم بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ مِن دَبَرَهُ دَبْرًا ودُبُورًا إذا تَبِعَهُ.
﴿ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ عَلى إهْلاكِهِمْ فَإنَّ هَلاكَ الكُفّارِ والعُصاةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَخْلِيصٌ لِأهْلِ الأرْضِ مِن شُؤْمِ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ، نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ يَحِقُّ أنْ يُحْمَدَ عَلَيْها.
<div class="verse-tafsir"
{فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} من البأساء والضراء أي تركوا الاتعاظ به ولم يزجرهم {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أبواب كُلِّ شَيْءٍ} من الصحة والسعة وصنوف النعمة فَتَحْنَا شامي {حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ} من الخير والنعمة {أخذناهم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} آيسون متحسرون وأصله الإطراق حزناً لما أصابه أو ندماً على ما فاته وإذا للمفاجأة
﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ أيْ تَرَكُوا ما دَعاهُمُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِ ورَدُّوهُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَتَّعِظُوا بِهِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُمُ انْهَمَكُوا في مَعاصِيهِمْ ولَمْ يَتَّعِظُوا بِما نالَهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ فَلَمّا لَمْ يَتَّعِظُوا ﴿ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ كالرَّخاءِ وسَعَةِ الرِّزْقِ مَكْرًا بِهِمْ واسْتِدْراجًا لَهُمْ فَقَدْ رَوى أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ مِن حَدِيثِ عَقَبَةَ بْنِ عامِرٍ مَرْفُوعًا ”إذا رَأيْتَ اللَّهَ تَعالى يُعْطِي العَبْدَ في الدُّنْيا وهو مُقِيمٌ عَلى مَعاصِيهِ فَإنَّما هو اسْتِدْراجٌ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ (فَلَمّا نَسُوا) الآيَةَ وما بَعْدَها“، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ الآيَةَ قالَ: ”مُكِرَ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ أُعْطُوا حاجَتَهم ثُمَّ أُخِذُوا“ وقِيلَ: المُرادُ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلْعِلَّةِ، والظّاهِرُ أنَّ (فَتَحْنا) جَوابٌ لِـ (ما) لِأنَّ فِيها سَواءً قِيلَ بِحَرْفِيَّتِها أوِ اسْمِيَّتِها مَعْنى الشَّرْطِ واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا يَظْهَرُ وجْهُ سَبَبِيَّةِ النِّسْيانِ لِفَتْحِ أبْوابِ الخَيْرِ، وأُجِيبَ بِأنَّ النِّسْيانَ سَبَبُ الِاسْتِدْراجِ المُتَوَقِّفِ عَلى فَتْحِ أبْوابِ الخَيْرِ، وسَبَبِيَّةُ شَيْءٍ لِآخَرَ تَسْتَلْزِمُ سَبَبِيَّتَهُ لِما يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ.
أوْ يُقالُ إنَّ الجَوابَ ما ذُكِرَ بِاعْتِبارِ مَآلِهِ ومُحَصِّلِهِ وهو ألْزَمْناهُمُ الحُجَّةَ ونَحْوَهُ، وتَسَبُّبُهُ عَنْهُ ظاهِرٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْهُ بِاعْتِبارِ غايَتِهِ وهو أخْذُهم بَغْتَةً.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ (فَتَّحْنا) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ ﴿ حَتّى إذا فَرِحُوا ﴾ فَرَحَ بَطَرٍ ﴿ بِما أُوتُوا ﴾ مِنَ النِّعَمِ ولَمْ يَقُومُوا بِحَقِّ المُنْعِمِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ أخَذْناهُمْ ﴾ عاقَبْناهم وأنْزَلْنا بِهِمُ العَذابَ ﴿ بَغْتَةً ﴾ أيْ فَجْأةً لِيَكُونَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ وأفْظَعَ هَوْلًا، وهي نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ أيْ مُباغَتِينَ أوْ مَبْغُوتِينَ أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ بَغَتْناهم بَغْتَةً ﴿ فَإذا هم مُبْلِسُونَ ﴾ 44 - أيْ آيِسُونَ مِنَ النَّجاةِ والرَّحْمَةِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وقالَ البَلْخِيُّ: أذِلَّةٌ خاضِعُونَ، وعَنِ السُّدِّيِّ: الإبْلاسُ تَغَيُّرُ الوَجْهِ ومِنهُ سُمِّيَ إبْلِيسُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَكَّسَ وجْهَهُ وغَيْرَهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ هو بِمَعْنى الِاكْتِئابِ وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ لِلْإبْلاسِ ثَلاثَةُ مَعانِي في اللُّغَةِ الحُزْنُ، والحَسْرَةُ، واليَأْسُ وهي مَعانٍ مُتَقارِبَةٌ.
وقالَ الرّاغِبُ: هو الحُزْنُ المُعْتَرِضُ مِن شِدَّةِ اليَأْسِ، ولَمّا كانَ المُبْلَسُ كَثِيرًا ما يَلْزَمُ السُّكُوتَ ويَنْسى ما يَعْنِيهِ قِيلَ: أبْلَسَ فَلانٌ إذا سَكَتَ وإذا انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ و(إذا) هي الفُجائِيَّةُ وهي ظَرْفُ مَكانٍ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ.
وعَنْ جَماعَةٍ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّها حَرْفٌ؛ وعَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلِينِ النّاصِبُ لَها خَبَرُ المُبْتَدَإ أيْ أبْلَسُوا في مَكانِ إقامَتِهِمْ أوْ في زَمانِها <div class="verse-tafsir"
فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ يعني: الأمم الخالية حين لم يعتبروا بالشدة ولم يرجعوا: فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من النعم والخصب ويقال: إن الله تعالى يبتلي العوام بالشدة، فإذا أنعم عليهم يكون استدراجاً.
وأما الخواص فيبتليهم بالنعمة والرخاء فيعرفون ويعدّون ذلك بلاء.
كما روي في الخبر: أن الله تعالى أوحى إلى موسى بن عمران إذا رأيت الفقر مقبلاً إليك فقل: مرحباً بشعار الصالحين.
وإذا رأيت الغنى مقبلاً إليك فقل: ذنب عجلت عقوبته فهؤلاء الذين أرسل إليهم، ابتلاهم الله تعالى بالشدة، فلم يعتبروا ولم يرجعوا، فتح عليهم أبواب كل خير عقوبة لهم لكي يعتبروا فيها.
قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثنا أبو عتبة قال: حدثنا محمد بن حمير عن شهاب بن خراش عن حرملة عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله : «إذا رَأَيْتَ الله يُعْطِي عَبْداً مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعْصِيَةٍ مِمَّا يُحِبَّ فإنَّمَا ذلك مِنْهُ اسْتِدْرَاج» .
ثم قرأ رسول الله فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ الآية.
وقال الحسن: والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مكر له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه.
وما أمسكها الله تعالى عن عبد فلم يظن أنه قد خير له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه.
فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ يعني: تركوا ما وعظوا به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ يعني: أرسلنا عليهم كل خير.
ويقال: فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الرزق قرأ ابن عامر: فَتَحْنَا بالتشديد على معنى المبالغة.
والباقون بالتخفيف حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من أنواع الخير فأعجبهم ما هم فيه أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً يعني: أصبناهم بالعذاب فجأة فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ يعني: آيسين من كل خير.
وقال مجاهد: الإبلاس: الفضيحة.
وقال الفراء: المبلس: المنقطع بالحجة.
وقال الزجاج: المبلس: الشديد الحسرة والآيس الحزين.
وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير.
ومعناه: فلما فتحنا عليهم أبواب كل شيء، ونسوا ما ذكروا به أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون.
ثم قال عز وجل: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: قُطع أصلهم فلم يبق منهم أحد وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على هلاك أعدائه واستئصالهم ويقال: الحمد لله الذي ينتقم من أعدائه، ولا ينتقم منه أحد.
ويقال: هذا تعليم ليحمدوه سبحانه على إهلاك الظالمين.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ في الكلام حَذْفٌ، تقديره: فكذبوا فأخذناهم؟
أي: تابعناهم بالبَأْسَاءِ الآية، والبأساء المَصَائِبُ في الأموال، والضراء في الأَبْدَانِ.
هذا قول الأكثر.
وقيل: قد يُوضَعُ كل واحد بَدَلَ الآخر، والتضرُّعُ التذلل، والاستكانة، ومعنى الآية توعد الكفار، وضرب المثل لهم، وفَلَوْ لا تحضيض، وهي التي تلي الفِعْلَ بمعنى:
«هلا» وهذا على جِهَةِ المعاتبة لِمُذْنِبٍ غائب، وإظهار سوء فعله مع تَحَسُّرِ ما عليه.
قلت: أي: مع تَحَسُّرٍ ما، باعتبار حالة البَشَرِ.
وقوله سبحانه: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ...
الآية عبر عن الترك بالنّسيان، وفَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي: من النِّعَمِ الدنيوية بعد الذي أَصَابَهُمْ من البَأْسَاءِ والضراء، وفَرِحُوا معناه: بطروا، / وأعجِبوا، وظنوا أن ذَلِكَ لا يَبيدُ، وأنه دَالٌّ على رضا اللَّه عنهم، وهو اسْتِدْرَاجٌ من اللَّه تعالى.
وقد رُوِيَ عن بعض العلماء: رحم اللَّه عبداً تَدَبَّر هذه الآية حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً.
وروى عقبة بن عامر أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: إذا رأيت اللَّه- تعالى- يعطي العِبَادَ ما يشاءون على مَعَاصيهم، فذلك اسْتِدْرَاجٌ ثم تلا: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ...
الآية «١» كلها، وأَخَذْناهُمْ في هذا المَوْضِعِ معناه: استأصلناهم بَغْتَةً أي: فجأة، والمبلس الحَزِينُ الباهت اليَائِسُ من الخَيْرِ الذي لا يَحِيرُ جَوَاباً لشدة ما نَزَلَ به من سوء الحال.
وقوله تعالى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ ...
الآية.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَرَكُوا ما وعَظُوا بِهِ.
﴿ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يُرِيدُ رَخاءَ الدُّنْيا وسُرُورَها.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ: فَتْحنا بِالتَّشْدِيدِ هُنا وفي [الأعْرافِ]، وفي [الأنْبِياءِ]: فَتَحْت وفي [القَمَرِ]: ﴿ فَتَحْنا ﴾ والجُمْهُورُ عَلى تَخْفِيفِهِنَّ.
قالَ الزَّجّاجُ: أبْوابُ كُلِّ شَيْءٍ كانَ مُغْلَقًا عَنْهم مِنَ الخَيْرِ، حَتّى إذا ظَنُّوا أنَّ ما كانَ نَزَلَ بِهِمْ، لَمْ يَكُنِ انْتِقامًا، وما فُتِحَ عَلَيْهِمْ بِاسْتِحْقاقِهِمْ، أخَذْناهم بَغْتَةً، أيْ: فاجَأهم عَذابُنا.
وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ التَّأْكِيدُ، كَقَوْلِ القائِلِ: أكَلْنا عِنْدَ فُلانٍ كُلَّ شَيْءٍ، وكُنّا عِنْدَهُ في كُلِّ سُرُورٍ، يُرِيدُ بِهَذا العُمُومِ تَكْثِيرُ ما يَصِفُهُ والإطْنابُ فِيهِ، كَقَوْلِهِ ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
وقالَ الحَسَنُ: مَن وسِعَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَ أنَّهُ لَمْ يُمْكَرْ بِهِ، فَلا رَأْيَ لَهُ؛ ومَن قُتِّرَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَ أنَّهُ يُنْظَرُ لَهُ، فَلا رَأْيَ لَهُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ، وقالَ: مُكِرَ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ، أعْطَوْا حاجاتِهِمْ ثُمَّ أُخِذُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا هم مُبْلِسُونَ ﴾ في المُبْلِسِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الآَيِسُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: الآَيِسُ مِن كُلِّ خَيْرٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: المُبْلِسُ: اليائِسُ المُنْقَطِعُ رَجاؤُهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لَلَّذِي يَسْكُتُ عِنْدَ انْقِطاعِ حُجَّتِهِ، فَلا يَكُونُ عِنْدَهُ جَوابٌ: قَدْ أبْلَسَ قالَ العَجّاجُ: يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكَرَّسًا قالَ نَعَمْ أعْرِفُهُ وأبْلَسا أيْ: لَمْ يُحِرْ جَوابًا.
وقِيلَ: المُكَرِّسُ: الَّذِي قَدْ بَعَرَتْ فِيهِ الإبِلُ، وبَوَّلَتْ، فَيَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
والثّانِي: أنَّهُ المُفْتَضِحُ.
قالَ مُجاهِدٌ: الإبْلاسُ: الفَضِيحَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المُهْلِكُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ المَجْهُودُ المَكْرُوبُ الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِ مِنَ الشَّرِّ ما لا يَسْتَطِيعُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ الحَزِينُ النّادِمُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِرُؤْبَةَ وحَضَرَتْ يَوْمَ الخَمِيسَ الأخْماسُ ∗∗∗ وفي الوُجُوهِ صُفْرَةٌ وإبْلاسٌ.
أيِ اكْتِئابٌ، وكُسُوفٌ، وحُزْنٌ.
وَقالَ الزَّجّاجُ: هو الشَّدِيدُ الحَسْرَةَ، الحَزِينُ، اليائِسُ.
وقالَ في مَوْضِعٍ آَخَرَ: المُبْلِسُ: السّاكِتُ المُتَحَيِّرُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ ﴾ ﴿ فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ ﴾ ﴿ فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ فِي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَكَذَّبُوا فَأخَذْناهُمْ"؛ ومَعْناهُ: "لازَمْناهُمْ؛ وتابَعْناهُمُ الشَيْءَ بَعْدَ الشَيْءِ".
و"اَلْبَأْساءُ": اَلْمَصائِبُ في الأمْوالِ؛ و"اَلضَّرّاءُ": في الأبْدانِ؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِ؛ وقِيلَ: قَدْ يُوضَعُ كُلُّ واحِدٍ بَدَلَ الآخَرِ؛ ويُؤَدِّبُ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ ومِن هُنالِكَ أدَّبَ العُبّادُ نُفُوسَهم بِالبَأْساءِ؛ في تَفْرِيقِ المالِ؛ والضَرّاءِ؛ في الحَمْلِ عَلى البَدَنِ؛ في جُوعٍ؛ وعُرْيٍ.
والتَرَجِّي في "لَعَلَّ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ إنَّما هو عَلى مُعْتَقَدِ البَشَرِ؛ أيْ: "لَوْ رَأى أحَدٌ ذَلِكَ لَرَجا تَضَرُّعَهم بِسَبَبِهِ"؛ و"اَلتَّضَرُّعُ": اَلتَّذَلُّلُ؛ والِاسْتِكانَةُ؛ وفي المَثَلِ: "إنَّ الحُمّى أضْرَعَتْنِي لَكَ"؛ ومَعْنى الآيَةِ تَوَعُّدُ الكُفّارِ؛ وضَرْبُ المَثَلِ لَهُمْ؛ و"فَلَوْلا"؛ تَحْضِيضٌ؛ وهي الَّتِي تَلِي الفِعْلَ بِمَعْنى "هَلّا"؛ وهَذا عَلى جِهَةِ المُعاتَبَةِ لِمُذْنِبٍ غائِبٍ؛ وإظْهارِ سُوءِ فِعْلِهِ؛ مَعَ تَحَسُّرٍ ما عَلَيْهِ؛ والمَعْنى: "إذا جاءَهم أوائِلُ البَأْسِ؛ وعَلاماتُهُ؛ وهو تَرَدُّدُ البَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ و"قَسَتْ"؛ مَعْناهُ: صَلُبَتْ؛ وهي عِبارَةٌ عَنِ الكُفْرِ؛ ونَسَبَ التَزْيِينَ إلى الشَيْطانِ؛ وقَدْ قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ ؛ لِأنَّ تَسَبُّبَ الشَيْطانِ ووَسْوَسَتَهُ؛ تَجْلِبُ حُسْنَ الكُفْرِ في قُلُوبِهِمْ؛ وذَلِكَ المَجْلُوبُ؛ اللهُ يَخْلُقُهُ؛ فَإنْ نُسِبَ إلى اللهِ تَعالى فَبِأنَّهُ خالِقُهُ؛ وإلى الشَيْطانِ فَبِأنَّهُ مُسَبِّبُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلَمّا نَسُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ عَبَّرَ عَنِ التَرْكِ بِالنِسْيانِ؛ إذا بَلَغَ وُجُوهَ التَرْكِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ نِسْيانٌ؛ وزَوالُ المَتْرُوكِ عَنِ الذِهْنِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ: "فَتَّحْنا"؛ بِتَشْدِيدِ التاءِ؛ و"كُلِّ شَيْءٍ"؛ مَعْناهُ: "مِمّا كانَ سُدَّ عَلَيْهِمْ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ مِنَ النِعَمِ الدُنْيَوِيَّةِ"؛ فَهو عُمُومٌ مَعْناهُ خُصُوصٌ؛ و"فَرِحُوا"؛ مَعْناهُ: بَطَرُوا؛ وأشَرُوا؛ وأُعْجِبُوا؛ وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ لا يَبِيدُ؛ وأنَّهُ دالٌّ عَلى رِضا اللهِ تَعالى عنهُمْ"؛ وهو اسْتِدْراجٌ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ وقَدْ رُوِيَ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: "رَحِمَ اللهُ عَبْدًا تَدَبَّرَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً ﴾ "؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَضْرِ الحارِثِيِّ: "أُمْهِلَ القَوْمُ عِشْرِينَ سَنَةً"؛ ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "إذا رَأيْتُمُ اللهَ تَعالى يُعْطِي العِبادَ ما يَشاؤُونَ عَلى مَعاصِيهِمْ؛ فَذَلِكَ اسْتِدْراجٌ"؛» ثُمَّ تَلا ﴿ فَلَمّا نَسُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ كُلَّها.
و"أخَذْناهُمْ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ مَعْناهُ: اِسْتَأْصَلْناهُمْ؛ وسَطَوْنا بِهِمْ؛ و"بَغْتَةً"؛ مَعْناهُ: فَجْأةً؛ والعامِلُ فِيهِ: "أخَذْناهُمْ"؛ وهو مَصْدَرٌ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لا يُقاسُ عَلَيْهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ و"اَلْمُبْلِسُ": اَلْحَزِينُ؛ الباهِتُ؛ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ؛ الَّذِي لا يُحِيرُ جَوابًا؛ لِشِدَّةِ ما نَزَلَ بِهِ مِن سُوءِ الحالِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "اَلدّابِرُ": آخِرُ الأمْرِ؛ الَّذِي يَدْبُرُهُ؛ أيْ: يَأْتِي مِن خَلْفِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَأُهْلِكُوا بِعَذابٍ حَصَّ دابِرَهم ∗∗∗ فَما اسْتَطاعُوا لَهُ دَفْعًا ولا انْتَصَرُوا وقَوْلُ الآخَرِ: وقَدْ زَعَمَتْ عُلْيا بَغِيضٍ ولِفُّها ∗∗∗ ∗∗∗ بِأنِّي وحِيدٌ قَدْ تَقَطَّعَ دابِرِي وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِ شَأْفَتِهِمْ؛ ومَحْوِ آثارِهِمْ؛ كَأنَّهم ورَدُوا العَذابَ حَتّى ورَدَ آخِرُهُمُ الَّذِي دَبَرَهُمْ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "فَقَطَعَ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ والطاءِ؛ "دابِرَ"؛ بِالنَصْبِ.
وحَسُنَ الحَمْدُ عَقِبَ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِجَمالِ الأفْعالِ المُتَقَدِّمَةِ؛ في أنْ أرْسَلَ تَعالى الرُسُلَ؛ وتَلَطَّفَ في الأخْذِ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ لِيُتَضَرَّعَ إلَيْهِ؛ فَيَرْحَمَ؛ ويُنْعِمَ؛ وقَطَعَ في آخِرِ الأمْرِ دابِرَ ظُلْمِهِمْ؛ وذَلِكَ حَسَنٌ في نَفْسِهِ؛ ونِعْمَةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ فَحَسُنَ الحَمْدُ بِعَقِبِ هَذِهِ الأفْعالِ؛ وبِحَمْدِ اللهِ تَعالى يَنْبَغِي أنْ يُخْتَمَ كُلُّ فِعْلٍ؛ وكُلُّ مَقالَةٍ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ.
<div class="verse-tafsir"
لمّا أنذرهم بتوقّع العذاب أعقبه بالاستشهاد على وقوع العذاب بأمم من قبل، ليَعلَم هؤلاء أنّ تلك سنة الله في الذين ظلموا بالشرك.
وهذا الخبر مستعمل في إنذار السامعين من المشركين على طريقة التعريض، وهم المخاطبون بالقول المأمور به في الجملة التي قبلها.
فجملة: ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ عطف على جملة: ﴿ قل أرأيتكم ﴾ [الأنعام: 40]، والواو لعطف الجمل، فتكون استئنافية إذ كانت المعطوف عليها استئنافاً.
وافتتحت هذه الجملة بلام القسم و(قد) لتوكيد مضمون الجملة، وهو المفرّع بالفاء في قوله: ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضرّاء ﴾ .
نزّل السامعون المعرّض بإنذارهم منزلة من ينكرون أن يكون ما أصاب الأمم الذين من قبلهم عقاباً من الله تعالى على إعراضهم.
وقوله: ﴿ فأخذناهم ﴾ عطف على ﴿ أرسلنا ﴾ باعتبار ما يؤذن به وصف ﴿ مِنْ قبلك ﴾ من معاملة أممهم إيّاهم بمثل ما عاملك به قومك، فيدلّ العطف على محذوف تقديره: فكذّبوهم.
ولمّا كان أخذهم بالبأساء والضرّاء مقارناً لزمن وجود رسلهم بين ظهرانيهم كان الموقع لفاء العطف للإشارة إلى أنّ ذلك كان بمرأى رسلهم وقبل انقراضهم ليكون إشارة إلى أنّ الله أيّد رسله ونصرهم في حياتهم؛ لأنّ أخذ الأمم بالعقاب فيه حكمتان: إحداهما: زجرهم عن التكذيب، والثانية: إكرام الرسل بالتأييد بمرأى من المكذّبين.
وفيه تكرمة للنبيء صلى الله عليه وسلم بإيذانه بأنّ الله ناصره على مكذّبيه.
ومعنى ﴿ أخذناهم ﴾ أصبناهم إصابة تمكّن.
وتقدّم تفسير الأخذ عند قوله تعالى: ﴿ أخذتْه العزّة بالإثم ﴾ في سورة [البقرة: 206].
وقد ذكر متعلّق الأخذ هنا لأنّه أخْذ بشيء خاصّ بخلاف الآتي بُعيد هذا.
والبأساء والضرّاء تقدّماً عند قوله تعالى: ﴿ والصابرين في البأساء والضرّاء ﴾ في سورة [البقرة: 177].
وقد فسّر البأساء بالجوع والضرّاء بالمرض، وهو تخصيص لا وجه له، لأنّ ما أصاب الأمم من العذاب كان أصنافاً كثيرة.
ولعلّ من فسَّره بذلك اعتبر ما أصاب قريشاً بدعوة النبي.
و (لَعلّ) للترّجي.
جُعل علّة لابتداء أخذهم بالبأساء والضرّاء قبل الاستئصال.
ومعنى يتضرّعون} يتذلّلون لأنّ الضراعة التذلّل والتخشّع، وهو هنا كناية عن الاعتراف بالذنب والتوبة منه، وهي الإيمان بالرسل.
والمراد: أنّ الله قدّم لهم عذاباً هيّناً قبل العذاب الأكبر، كما قال: ﴿ ولنذيقنّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلّهم يرجعون ﴾ [السجدة: 21] وهذا من فرط رحمته الممازجة لمقتضى حكمته؛ وفيه إنذار لقريش بأنّهم سيصيبهم البأساء والضرّاء قبل الاستئصال، وهو استئصال السيف.
وإنّما اختار الله أن يكون استئصالهم بالسيف إظهاراً لكون نصر الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم كان بيده ويد المصدّقين به.
وذلك أوقع على العرب، ولذلك روعي حال المقصودين بالإنذار وهم حاضرون.
فنزّل جميع الأمم منزلتهم، فقال: ﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا ﴾ ، فإنّ (لولا) هنا حرف توبيخ لدخولها على جملة فعلية ماضوية واحدة، فليست (لولا) حرفَ امتناع لوجود.
والتوبيخ إنّما يليق بالحاضرين دون المنقرضين لفوات المقصود.
ففي هذا التنزيل إيماء إلى مساواة الحالين وتوبيخ للحاضرين بالمهمّ من العبرة لبقاء زمن التدارك قطعاً لمعذرهم.
ويجوز أن تجعل (لولا) هنا للتّمنّي على طريقة المجاز المرسل، ويكون التّمنّي كناية عن الإخبار بمحبّة الله الأمر المتمنّى فيكون من بناء المجاز على المجاز، فتكون هذه المحبّة هي ما عبّر عنه بالفرح في الحديث «الله أفرح بتوبة عبده» الحديث.
وتقديم الظرف المضاف مع جملته على عامله في قوله ﴿ إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا ﴾ للاهتمام بمضمون جملته، وأنّه زمن يحقّ أن يكون باعثاً على الإسراع بالتضرّع ممّا حصل فيه من البأس.
والبأس تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وحين البأس ﴾ في سورة [البقرة: 177].
والمراد به هنا الشدّة على العدوّ وغلبته.
ومجيء البأس: مجيء أثره، فإنّ ما أصابهم من البأساء والضرّاء أثر من آثار قوّة قدرة الله تعالى وغلبه عليهم.
والمجيء مستعار للحدوث والحصول بعد أن لم يكن تشبيهاً لحدوث الشيء بوصول القادم من مكان آخر بتنقّل الخطوات.
ولمّا دلّ التوبيخ أو التمنّي على انتفاء وقوع الشيء عطف عليه ب (لَكِنْ) عطفاً على معنى الكلام، لأنّ التضرّع ينشأ عن لين القلب فكان نفيه المفاد بحرف التوبيخ ناشئاً عن ضدّ اللين وهو القساوة، فعطف بلكن}.
والمعنى: ولكن اعتراهم ما في خلقتهم من المكابرة وعدم الرجوع عن الباطل كأنّ قلوبهم لا تتأثّر فشبّهت بالشيء القاسي.
والقسوة: الصلابة.
وقد وجد الشيطان من طباعهم عوناً على نفث مراده فيهم فحسّن لهم تلك القساوة وأغراهم بالاستمرار على آثامهم وأعمالهم.
ومن هنا يظهر أنّ الضلال ينشأ عن استعداد الله في خلقة النفس.
والتزيين: جعل الشيء زَيْنا.
وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ زيّن للناس حبّ الشهوات ﴾ في سورة [آل عمران: 14].
وقوله: فلمّا نسوا ما ذُكِّروا به } عطف على جملة ﴿ قست قلوبهم وزيّن لهم الشيطان ﴾ .
والنسيان هنا بمعنى الإعراض، كما تقدّم آنفاً في قوله: ﴿ وتَنسون ما تشركون ﴾ [الأنعام: 41].
وظاهرٌ تفرّع الترك عن قسوة القلوب وتزيين الشيطان لهم أعمالهم.
و(ما) موصولة ماصْدَقُها البأساء والضرّاء، أي لمّا انصرفوا عن الفطنة بذلك ولم يهتدوا إلى تدارك أمرهم.
ومعنى ﴿ ذُكِّروا به ﴾ أنّ الله ذكّرهم عقابه العظيم بما قدّم إليهم من البأساء والضرّاء.
و(لمَّا) حرف شرط يدلّ على اقتران وجود جوابه بوجود شرطه، وليس فيه معنى السببية مثل بقية أدوات الشرط.
وقوله: ﴿ فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء ﴾ جواب ﴿ لمّا ﴾ والفتح ضدّ الغلق، فالغلق: سد الفرجة التي يمكن الاجتياز منها إلى ما وراءها بباب ونحوه، بخلاف إقامة الحائط فلا تسمّى غلقاً.
والفتح: جعْل الشيء الحاجز غيرَ حاجز وقابلاً للحجز، كالباب حين يفتح.
ولكون معنى الفتح والغلق نسبيين بعضهما من الآخر قيل للآلة التي يمسك بها الحاجز ويفتح بها مِفتاحاً ومِغْلاقاً، وإنّما يعقل الفتح بعد تعقّل الغلق، ولذلك كان قوله تعالى: ﴿ فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ مقتضياً أنّ الأبواب المراد ها هنا كانت مغلقة وقت أن أخذوا بالبأساء والضرّاء، فعلم أنّها أبواب الخير لأنّها التي لا تجتمع مع البأساء والضرّاء.
فالفتح هنا استعارة لإزالة ما يؤلم ويغمّ كقوله: ﴿ ولو أنّ أهل القُرى آمنوا واتَّقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ﴾ [الأعراف: 96].
ومنه تسمية النصر فتحنا لأنّه إزالة غمّ القهر.
وقد جُعل الإعراض عمَّا ذُكّروا به وقتاً لفتح أبواب الخير، لأنّ المعنى أنّهم لمّا أعرضوا عن الاتِّعاظ بنُذر العذاب رفعنا عنهم العذاب وفتحنا عليهم أبواب الخير، كما صُرّح به في قوله تعالى: ﴿ وما أرسلنا في قرية من نبّيء إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضرّاء لعلّهم يضرّعون ثمّ بدّلنا مكان السيّئة الحسنة حتّى عفوا وقالوا قد مسّ آباءنا الضرّاء والسرّاء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ﴾ [الأعراف: 94، 95].
وقرأ الجمهور ﴿ فتحنا ﴾ بتخفيف المثنّاة الفوقية.
وقرأه ابن عامر، وأبو جعفر ورُويس عن يعقوب بتشديدها للمبالغة في الفتح بكثرته كما أفاده قوله ﴿ أبوابَ كلّ شيء ﴾ .
ولفظ (كلّ) هنا مستعمل في معنى الكثرة، كما في قول النابغة: بها كلّ ذيَّال وخنساء ترعوي *** إلى كلّ رجّاف من الرمل فارد أو استعمل في معناه الحقيقي؛ على أنَّه عامّ مخصوص، أي أبواب كل شيء يبتغونه، وقد علم أنّ المراد بكلّ شيء جميع الأشياء من الخير خاصّة بقرينة قوله: ﴿ حتى إذا فرحوا ﴾ وبقرينة مقابلة هذا بقوله: ﴿ أخذنا أهلها بالبأساء والضرّاء ﴾ [الأعراف: 79]، فهنالك وصف مقدّر، أي كلّ شيء صالح، كقوله تعالى: ﴿ يأخذ كلّ سفينة غصبا ﴾ [الكهف: 79] أي صالحة.
و ﴿ حتّى ﴾ في قوله: ﴿ حتَّى إذا فرحوا ﴾ ابتدائية.
ومعنى الفرح هنا هو الازدهاء والبطر بالنعمة ونسيان المنعم، كما في قوله تعالى: ﴿ إذ قال له قومه لا تفرح إنّ الله لا يحبّ الفرحين ﴾ [القصص: 76].
قال الراغب: ولم يرخّص في الفرح إلاّ في قوله تعالى: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ﴾ [يونس: 58].
و(إذا) ظرف زمان للماضي.
ومراد الله تعالى من هذا هو الإمهال لهم لعلّهم يتذكّرون الله ويوحّدونه فتطهر نفوسهم، فابتلاهم الله بالضرّ والخير ليستقصي لهم سببي التذكّر والخوف، لأنّ من النفوس نفوساً تقودها الشدّة ونفوساً يقودها اللين.
ومعنى الأخذ هنا الإهلاك.
ولذلك لم يذكر له متعلِّق كما ذكر في قوله آنفاً ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضرّاء ﴾ للدلالة على أنَّه أخذ لا هوادة فيه.
والبغتة فعلة من البغْت وهو الفُجأة، أي حصول الشيء على غير ترقّب عند من حصل له وهي تستلزم الخفاء.
فلذلك قوبلت بالجهرة في الآية الآتية.
وهنا يصحّ أن يكون مؤوّلاً باسم الفاعل منصوباً على الحال من الضمير المرفوع، أي مباغتين لهم، أو مؤوّلاً باسم المفعول على أنَّه حال من الضمير المنصوب، أي مبغوتين، ﴿ وكذلك أخذ ربّك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ﴾ [هود: 102].
وقوله: ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ (إذا] فجائية.
وهي ظرف مكان عند سيبويه، وحرف عند نحاة الكوفة.
والمبلسون اليائسون من الخير المتحيّرون، وهو من الإبلاس، وهو الوجوم والسكوت عند طلب العفو يأساً من الاستجابة.
وجملة ﴿ فقطع دابر القوم ﴾ معطوفة على جملة ﴿ أخذناهم ﴾ ، أي فأخذناهم أخذ الاستئصال.
فلم يُبق فيهم أحداً.
والدابر اسم فاعل من دَبَره من باب كَتَب، إذا مشى من ورائه.
والمصدر الدبور بضم الدال، ودابر الناس آخرهم، وذلك مشتقّ من الدُبُر، وهو الوراء، قال تعالى: ﴿ واتَّبِع أدبارهم ﴾ [الحجر: 65].
وقطع الدابر كناية عن ذهاب الجميع لأنّ المستأصل يبدأ بما يليه ويذهب يستأصل إلى أن يبلغ آخره وهو دَابره، وهذا ممّا جرى مجرى المثل، وقد تكرّر في القرآن، كقوله: ﴿ أنّ دابر هؤلاء مَقطوع مصبحين ﴾ [الحجر: 66].
والمراد بالذين ظلموا المشركون، فإنّ الشرك أعظم الظلم، لأنَّه اعتداء على حقّ الله تعالى على عباده في أن يعترفوا له بالربوبية وحده، وأنّ الشرك يستتبع مظالم عدّة لأنّ أصحاب الشرك لا يؤمنون بشرع يزع الناس عن الظلم.
وجملة: ﴿ والحمد لله ربّ العالمين ﴾ يجوز أن تكون معطوفة على جملة: ﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ﴾ بما اتَّصل بها.
عطف غرض على غرض.
ويجوز أن تكون اعتراضاً تذييلياً فتكون الواو اعتراضية.
وأيَّاً ما كان موقعها ففي المراد منها اعتبارات ثلاثة: أحدها: أن تكون تلقيناً للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يحمدوا الله على نصره رسلَه وأولياءهم وإهلاك الظالمين، لأنّ ذلك النصر نعمة بإزالة فساد كان في الأرض، ولأنّ في تذكير الله الناس به إيماء إلى ترقّب الإسوة بما حصل لمن قبلهم أن يترقَّبوا نصر الله كما نصر المؤمنين من قبلهم؛ فيكون ﴿ الحمد لله ﴾ مصدراً بدلاً من فعله، عُدل عن نصبه وتنكيره إلى رفعه وتعريفه للدلالة على معنى الدوام والثبات، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ الحمد لله ﴾ في سورة [الفاتحة: 2].
﴿ ثانيها ﴾ : أن يكون ﴿ الحمد لله ﴾ كناية عن كون ما ذكر قبله نعمة من نعم الله تعالى لأنّ من لوازم الحمد أن يكون على نعمة، فكأنّه قيل: فقطع دابر القوم الذين ظلموا.
وتلك نعمة من نعم الله تقتضي حمده.
ثالثها: أن يكون إنشاءَ حمد لله تعالى من قِبَل جلاله مستعملاً في التعجيب من معاملة الله تعالى إيّاهم وتدريجهم في درجات الإمهال إلى أن حقّ عليهم العذاب.
ويجوز أن يكون إنشاءَ الله تعالى ثناء على نفسه، تعريضاً بالامتنان على الرسول والمسلمين.
واللام في ﴿ الحمد ﴾ للجنس، أي وجنس الحمد كلّه الذي منه الحمد على نعمة إهلاك الظالمين.
وفي ذلك كلّه تنبيه على أنَّه يحقّ الحمد لله عند هلاك الظلمة، لأنّ هلاكهم صلاح للناس، والصلاح أعظم النعم، وشكر النعمة واجب.
وهذا الحمد شكر لأنّه مقابل نعمة.
وإنّما كان هلاكهم صلاحاً لأنّ الظلم تغيير للحقوق وإبطال للعمل بالشريعة، فإذا تغير الحقّ والصلاح جاء الدمار والفوضى وافتتن الناس في حياتهم فإذا هلك الظالمون عاد العدل، وهو ميزان قوام العالم.
أخرج أحمد بن حنبل عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحبّ فإنّما هو استدراح ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فلمّا نسُوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتّى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ربّ العالمين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهم تَرَكُوا ما ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ.
﴿ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يَعْنِي مِن نِعَمِ الدُّنْيا وسَعَةِ الرِّزْقِ.
وَفي إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَكُونَ إنْعامُهُ عَلَيْهِمْ داعِيًا إلى إيمانِهِمْ.
والثّانِي: لِيَكُونَ اسْتِدْراجًا وبَلْوى، وقَدْ رَوى ابْنُ لَهِيعَةَ بِإسْنادِهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: «إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُعْطِي العِبادَ ما يَشاءُونَ عَلى مَعاصِيهِمْ إيّاهُ فَإنَّما ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنهُ ثُمَّ تَلا: ﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ » ﴿ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا ﴾ يَعْنِي مِنَ النِّعَمْ فَلَمْ يُؤْمِنُوا.
﴿ أخَذْناهم بَغْتَةً ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعْجِيلُ العَذابِ المُهْلِكِ جَزاءً لِأمْرَيْنِ.
أحَدُهُما: لِكُفْرِهِمْ بِهِ.
والثّانِي: لِكُفْرِهِمْ بِنِعَمِهِ.
والوَجْهُ الثّانِي: هو سُرْعَةُ المَوْتِ عِنْدَ الغَفْلَةِ عَنْهُ بِالنِّعَمِ قَطْعًا لِلَذَّةِ، وتَعْذِيبًا لِلْحَسْرَةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا هم مُبْلِسُونَ ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الإبْلاسَ: الإياسُ قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: مَلِكٌ إذا حَلَّ العُفاةُ بِبابِهِ غَبِطُوا وأنْجَحَ مِنهُمُ المُسْتَبْلِسُ يَعْنِي الآيِسَ.
والثّانِي: أنَّهُ الحُزْنُ والنَّدَمُ.
والثّالِثُ: الخُشُوعُ.
والرّابِعُ: الخِذْلانُ.
والخامِسُ: السُّكُوتُ وانْقِطاعُ الحُجَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: ؎ يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكَرَّسًا ∗∗∗ قالَ نَعَمْ أعْرِفُهُ وأبْلَسا <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به ﴾ قال: يعني تركوا ما ذكروا به.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به ﴾ قال: ما دعاهم الله إليه ورسله أبوه وردوه عليهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ قال: رخاء الدنيا ويسرها على القرون الأولى.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ قال: يعني الرخاء وسعة الرزق.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ﴾ قال: من الرزق ﴿ أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ﴾ قال: مهلكون متغير حالهم ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا ﴾ يقول: قطع أصل الذين ظلموا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن النضر الحارثي في قوله: ﴿ أخذناهم بغتة ﴾ قال: أمهلوا عشرين سنة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ قال: المبلس المجهود المكروب الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه، والمبلس أشد من المستكبر، وفي قوله: ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا ﴾ قال: استؤصلوا.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ قال: الاكتئاب.
وفي لفظ قال: آيسون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: الإِبلاس تغيير الوجوه، وإنما سمي إبليس لأن الله نكس وجهه وغيره.
وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني في الكبير وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد في الدنيا وهو مقيم على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج» ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء....
﴾ الآية، والآية التي بعدها.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تبارك وتعالى إذا أراد بقوم بقاء أو نماء رزقهم القصد والعفاف، وإذا أراد بقوم اقتطاعاً فتح لهم أو فتح عليهم باب خيانة ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ﴾ » وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال: من وسع عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له، ثم قرأ ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ الآية.
وقال الحسن: مكر بالقوم ورب الكعبة، أعطوا حاجاتهم ثم أخذوا.
وأخرج ابن المنذر عن جعفر قال: أوحى الله إلى داود، خفني على كل حال، وأخوف ما تكون عند تظاهر النعم عليك، لا أصرعك عندها، ثم لا أنظر إليك.
وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي حازم قال: إذا رأيت الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره.
قال: وكل نعمة لا تقرب من الله عز وجل فهي بلية.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ﴾ قال: بغت القوم أمر الله، ما أخذ الله قوماً قط إلا عند سلوتهم وغرتهم ونعيمهم، فلا تغتروا بالله فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال: إن البعوضة تحيا ما جاعت فإذا شبعت ماتت، وكذلك ابن آدم إذا امتلأ من الدنيا أخذه الله عند ذلك، ثم تلا ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ﴾ .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا ﴾ قال: قطع أصلهم واستؤصلوا من ورائهم.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول زهير وهو يقول: القائد الخيل منكوباً دوابرها ** محكومة بحكام العدو الأنفا <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ قال ابن عباس: (تركوا ما وعظوا به) (١) (٢) وقال أصحاب اللغة: (وإنما كان النسيان بمعنى الترك؛ لأن التارك للشيء إعراضًا قد صيره بمنزلة ما قد نُسي) (٣) وقوله تعالى: ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ قال ابن عباس: (بركات من السماء والأرض، يريد النعمة والسرور) (٤) وقال مقاتل: ( ﴿ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ من الخير بعد التفسير الذي كانوا فيه) (٥) (٦) ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ كان مغلقًا عنهم من الخير، ﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا ﴾ أي: حتى إذا ظنوا أنه ما كان نزل بهم لم يكن انتقامًا من الله، وأنهم لما فتح عليهم ظنوا أن ذلك باستحقاقهم ﴿ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾ أي: فاجأهم عذابنا من حيث لا يشعرون) (٧) (٨) وقال : "إذا رأيت الله يعطي على المعاصي فإن ذلك استدراج من الله" ثم تلا هذه الآية (٩) قال أهل المعاني: (إنما أخذوا في حال الرخاء ليكون أشد لتحسرهم علي ما فاتهم من حال السلامة والعافية والتصرف في ضروب اللذة إلى حال البلية والنقمة) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ قال ابن عباس: (آيسون من كل خير) (١١) (١٢) وقال الفراء: (المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه، ولذلك قيل للذي يسكت عند إنقطاع حجته أو لا يكون عنده جواب: [قد] (١٣) (١٤) قال العجاج: يا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا ...
قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُه وأَبْلَسَا (١٥) أي لم يُحر إليَّ جوابًا) (١٦) وقال الزجاج: (المبلس: الشديد الحسرة اليائس الحزين) (١٧) (١٨) (١٩) وقال ابن الأنباري: (في قوله ﴿ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ عم وجمع تأكيدًا وتشديدًا.
كما يقول القائل: أكلنا عند فلان كل شيء وكنا عنده في كل سرور.
يريد بهذا العموم تكثير ما يصفه والإطناب فيه ومثله قوله تعالى: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ (٢٠) (١) ذكره المؤلف في "الوسيط" 1/ 37، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 39، وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 193، وابن أبي حاتم 4/ 1290 بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (يعني: تركوا ما ذكروا به).
وانظر: "الدر المنثور" 3/ 22.
(٢) "تفسيرمقاتل" 1/ 561.
(٣) انظر: "العين" 7/ 304، و"تهذيب اللغة" 4/ 3565، و"الصحاح" 6/ 2508، و"مقاييس اللغة" 5/ 421، و"المفردات" ص 803، و"اللسان" 7/ 4416 (نسى).
(٤) قال الواحدي في "الوسيط" 1/ 37: (قال ابن عباس ومقاتل والسدي: رخاء الدنيا وبسرها وسرورها) ا.
هـ.
وجاء في "تنوير المقباس" 2/ 19 ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ من الزهرة والخصب والنعيم) ا.
هـ وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 193 بأسانيد جيدة عن مجاهد قال: (رخاء الدنيا ويسرها على القرون الأولى)، وعن قتادة قال: (يعني الرخاء وسعة الرزق)، وعن السدي قال: (يقول من الرزق)، واللفظ عام يشمل الجميع.
(٥) "تفسيرمقاتل" 1/ 561.
(٦) هنا حصل اضطراب في ترتيب نسخة (ش) حيث وقع ص 100 ب في ص 119 ب.
(٧) "معاني الزجاج" 2/ 248، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 424: (التقدير عند أهل اللغة: فتحنا عليهم أبواب كل شيء مغلقًا عنهم.
ا.
هـ.
وانظر: "معاني الفراء" 1/ 335.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1291 بسند ضعيف، وذكره أكثرهم.
انظر: "الوسيط" 1/ 38، وابن الجوزي 3/ 39، والرازي 12/ 226، وابن كثير 2/ 149، والبيضاوي 1/ 301، و"الفتح السماوي" للمناوي 2/ 605، وفيه (أن البيضاوي جعله من قول النبي وقال السيوطي: لم أقف عليه مرفوعًا ، وإنما هو من قول الحسن).
ا.
هـ.
(٩) أخرجه أحمد في "المسند" 4/ 145، و"الزهد" ص 18، وابن أبي الدنيا في "كتاب الشكر" ص 80، رقم (32)، والطبري 7/ 195، والدولابي في "الكنى" 1/ 217، وابن أبي حاتم 4/ 1291، والطبراني في "الكبير" 17/ 331، رقم (913)، والواحدي في "الوسيط" 1/ 38، من طرق جيدة يقوي بعضها بعضا، وصححه أبو حيان في "البحر" 4/ 130، وحسنه محقق مرويات أحمد في "التفسير" 2/ 103، وقال الألباني في "الصحيحة" 1/ 5/ 13، رقم (414): (هو عندي صحيح بالمتابعة) ا.
هـ.
وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 149، و"مجمع الزوائد" 7/ 20، 10/ 245، و"الدر المنثور" 3/ 22.
(١٠) ذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 226.
(١١) "تنوير المقباس" 2/ 19، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 39، وابن الجوزي 3/ 39، وابن كثير 2/ 149، وروى أبو عبيد ص 95، وابن حسنون ص 36، والوزان ص 6 أ، كلهم في اللغات في القرآن، بسند جيد عنه قال: (آيسون بلغة كنانة)، وفي "البحر" 4/ 131، عنه قال: (متحيرون).
(١٢) "تفسيرمقاتل" 1/ 561.
(١٣) لفظ: (قد) ساقط من (ش).
(١٤) في (ش): (أبليس)، وهو تحريف.
(١٥) "ديوانه" 1/ 185، و"مجاز القرآن" 1/ 192، و"الكامل" للمبرد 2/ 191، والطبري 7/ 195، 11/ 363، و"تهذيب اللغة" 1/ 385، و"الصحاح" 3/ 909، والماوردي 2/ 114، وابن الجوزي 3/ 40، والقرطبي 6/ 427، و"اللسان" 1/ 343 (بلس) وص 7/ 3854 (كرس)، والمكرس، بكسر فسكون: المتلبد من آثار الأبوال والأبعار حتى صار طرائق بعضه على بعض.
وأبلس: سكت.
(١٦) "معاني الفراء" 1/ 330، والرجز فيه غير منسوب.
(١٧) "معاني الزجاج" 2/ 249.
(١٨) انظر: "العين" 7/ 262، و"الجمهرة" 1/ 340، و"تهذيب اللغة" 1/ 385، و"الصحاح" 3/ 909، و"مقاييس اللغة" 1/ 300، و"مجمل اللغة" 1/ 135، و"المفردات" ص 143، و"اللسان" 1/ 343 (بلس).
(١٩) هذا معنى كلام الطبري في "تفسيره" 7/ 195، والسجستاني في "نزهة القلوب" ص 422، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 192، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 136، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 164، وذكر مثل كلام الواحدي الرازي في "تفسيره" 12/ 226.
(٢٠) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 39.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فأخذناهم بالبأسآء والضرآء ﴾ كان ذلك على وجه التخفيف والتأديب ﴿ فلولا ﴾ هذا عرض وتحضيض وفيه دليل على نفع التضرع حين الشدائد ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ ﴾ الآية: أي لما تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من الشدائد، فتح عليهم أبواب الرزق والنعم ليشكروا عليها فلم يشكروا فأخذهم الله ﴿ مُّبْلِسُونَ ﴾ آيسون من الخير.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أرأيتكم ﴾ وبابه بتليين الهمزة: أبو جعفر ونافع وحمزة في الوقف ﴿ أريتكم ﴾ وبابه بغير همز: عليّ: الباقون: ﴿ أرأيتكم ﴾ بالتحقيق ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد وابن عامر ﴿ به انظر ﴾ بضم الهاء روى الأصفهاني عن ورش.
الوقوف: ﴿ أمثالكم ﴾ ط ﴿ يحشرون ﴾ ه ﴿ في الظلمات ﴾ ط ﴿ يضلله ﴾ ط لابتداء شرط آخر ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ج لأن جواب "إن" منتظر محذوف تقديره إن كنتم صادقين فأجيبوا مع اتحاد الكلام ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تشركون ﴾ ه ﴿ يتضرعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ط ﴿ مبلسون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يأتيكم به ﴾ ط ﴿ يصدفون ﴾ ه ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ج ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ إني ملك ﴾ ج للابتداء بالنفي مع اتحاد القائل والمقول ﴿ إلى ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه.
التفسير: لما بين أن إنزال سائر المعجزات لو كان مصلحة لهم لفعل ذلك، أكده بما يؤذن أن آثار فضله وإحسانه ولطفه وامتنانه واصلة إلى جميع الحيوانات، فلو كانت مصلحة المكلفين في إظهار تلك المعجزات القاهرة الملجئة لم يخل بذلك ألبتة، وفيه أيضاً مزيد تقرير لأمر البعث وأنه حاصل لجميع الحيوان فضلاً عن الإنسان.
فإن الحيوان إما أن يكون بحيث يدب أو يكون بحيث يطير.
وإنما خص من الدواب ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء أو في الماء، لأن رعاية مصالح الأدون تستلزم رعاية مصالح الأشرف، ويمكن أن يقال: إن الماء أيضاً من جملة الأرض لأنهما جميعاً ككرة واحدة.
قال علماء المعاني: إنما وصف الدابة بكونها في الأرض والطائر بجناحيه ليعلم أنهما باقيان على عمومهما إذ بينهما بخواص الجنسين، ولولا ذلك لاحتمل أن يقدّر فيهما صفة نحو ترتع أو تصيد فتخصصا، أو لأوهم أن المراد بهما غير الجنسين المتعارفين لقوله بعده ﴿ إلا أمم أمثالكم ﴾ وقد يقول الرجل لعبده طِرْ في حاجتي والمراد الإسراع.
قال الحماسي: طاروا إليه زرافات ووحدانا *** وقيل: ذكر ﴿ يطير بجناحيه ﴾ ليخرج عنه الملائكة ذوو الأجنحة، فإن المراد ذكر من هو أدون حالاً.
وقيل: إن الوصف للتأكيد كقولهم: نعجة أنثى.
وكما يقال: مشيت إليه برجلي.
وإنما جمع الأمم مع أنه أفرد الدابة والطائر، لأن النكرة المستغرقة في معنى الجمع.
قال الفراء: كل صنف من البهائم أمة.
وفي الحديث "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها" ثم ما وجه المماثلة بين البشر والدابة والطائر؟
نقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال: يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني كقوله ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ ﴿ كل قد علم صلاته وتسبيحه ﴾ وعن أبي الدرداء: أبهمت عقول البهائم إلا عن معرفة الإله وطلب الرزق.
ومعرفة الذكر والأنثى.
وهذا قول طائفة عظيمة من المفسرين.
وقيل: وجه المماثلة كونها جماعات وكونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضاً ويأنس بعضها ببعض ويتوالد بعضها من بعض.
وضعف بأن هذا أمر معلوم مشاهد لا فائدة في الإخبار عنه.
وقيل: هو أنه دبرها وخلقها وتكفل برزقها وأحصى أحوالها وما يجري عليها من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة.
دليله قوله عقيبه ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ .
وقيل: هو أنها تحشر يوم القيامة ويوصل إليها حقوقها وقد جاء في الحديث "يقتص للجماء من القرناء" ولكن قوله بعد ذلك ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ يصير كالمكرر.
وعن سفيان بن عيينة: ما في الأرض من آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم.
فمنهم من يقدم إقدام الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوّس كفعال الطاووس، ومنهم من يشبه الخنزير لو ألقي إليه الطعام الطيب تركه وإذا قام عن رجيعه لعب فيه، وكذلك نجد من الأدميين من يسمع خمسين كلمة من الحكمة لا يحفظ واحدة وإن أخطأت مرة واحدة حفظها، ولم يجلس مجلساً إلا زاد فيه.
واعلم يا أخي أنك تعاشر البهائم والسباع فبالغ في الحذر والاحتراز.
وذهب أهل التناسخ إلى أن الأرواح البشرية إن كانت سعيدة مطيعة لله موصوفة بالمعارف الحقة موسومة بالأخلاق الفاضلة فإنها بعد موتها تنتقل إلى أبدان الملوك، وربما قالوا إنها تصل إلى مخالطة عالم الملائكة.
وإن كانت شقية جاهلة فإنها تنقل إلى أبدان الحيوانات، وكلما كانت أكثر شقاء فإنها تنتقل إلى بدن حيوان أخس وأكثر تعباً وعناء.
قالوا: وذلك لأن لفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات الذاتية.
ثم زعموا أن الله أرسل إلى كل جنس منها رسولاً من جنسها لقوله ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ﴾ واستشهدوا بقصة النمل وحديث الهدهد ونحو ذلك.
وفي تعداد مذاهب أرباب التناسخ طول والله أعلم بحقيقة الحال.
﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ "من" مزيدة للاستغراق أي ما تركنا وما أغفلنا شيئاً قط.
وقيل: للتبعيض أي ما أهملنا فيه بعض شيء يحتاج المكلف إلى معرفته.
والكتاب اللوح المحفوظ المشتمل على جميع أحوال العالم على التفصيل.
وقيل: القرآن لأنه هو الذي تسبق إليه الأذهان فيما بين أهل الإيمان، وأورد عليه أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب والحساب ولا تفاصيل كثير من العلوم ولا حاصل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع.
وأجيب بأن لفظ التفريط لا يستعمل إلا فيما يجب أن يفعل، والمحتاج إليه إنما هو الأصول والقوانين لا الفروع التي لا تضبط ولا تتناهى.
وما من علم إلا وفي القرآن أصله ومنه شرفه وفضله كقوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ﴾ للطب.
وقوله ﴿ وهو أسرع الحاسبين ﴾ للحساب.
وكقوله ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ للأخلاق.
وأما تفاصيل علم الفروع فذكر العلماء أن السنة والإجماع والقياس كلها مستندة إلى الكتاب كقوله ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ وكقوله ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ وكقوله: ﴿ فاعتبروا ﴾ وقيل: إن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، لأن الأصل براءة الذمة عن التكاليف كلها وشغل الذمة لا بد فيه من دليل منفصل، وكل حكم لم يكن مذكوراً في القرآن بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام لم يكن ذلك تكليفاً أو يكون باقياً على أصل الإباحة والله أعلم.
أما قوله ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ فللعقلاء فيه قولان: الأوّل قول الأشاعرة إنه يحشر الدواب والطيور لا لأن إيصال العوض إليهن واجب بل مجرد الإرادة والمشيئة ومقتضى الإلهية.
الثاني قول المعتزلة لن يحشر الطيور والبهائم إلا لإيصال الأعواض إليها، لأن إيصال الآلام إليها من غير سبق جناية لا يحسن إلا للعوض.
وفرع القاضي على ذلك فقال: كل حيوان استحق العوض على الله بما لحقه من الآلام وكان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا فإنه يجب على الله حشره في الآخرة ليوفر عليه ذلك العوض، والذي لا يكون كذلك لا يكون كذلك فإنه لا يجب حشره عقلاً إلا أن السمع ورد بحشر الكل فيقطع بذلك.
فرع آخر: كل حيوان أذن الله في ذبحه فالعوض له على الله تعالى، وكذا الذي أذن في قتله في كونه مؤذياً أو ألمه بمرض أو سخره للإنسان لأجل حمل الاثقال، وأما إذا ظلمها الناس فالعوض على الظالم، وكذا إذا ظلم بعضها بعضاً، ولو ذبح المأكول لغير مأكله.
فالعوض على الذابح ولهذا ورد النهى عن ذبح الحيوان لغير مأكله والمراد من العوض منافع عظيمة بلغت في الجلالة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة وعلمت أنه لا سبيل إلى تحصيل تلك المنافع إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح لرضيت به.
فرع آخر: مذهب القاضي وأكثر المعتزلة أن العوض منقطع وبعد ذلك تصير تراباً وحينئذ ﴿ يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ﴾ وقال أبو القاسم البلخي: يجب دوام العوض لأنه لا يمكن قطع ذلك العوض إلا بإماتة تلك البهيمة، وإماتتها توجب الألم، وذلك الألم يوجب عوضاً آخر وهلم جراً إلى ما لا نهاية له.
وأجيب بالمنع من أن الإماتة لا يمكن تحصيلها إلا بالإيلام.
فرع آخر: البهيمة إذا استحقت عوضاً على بهيمة أخرى: فإن كانت البهيمة الظالمة قد استحقت عوضاً على الله فإنه يوصل ذلك العوض إلى المظلوم وإلا فإنه تعالى يتكفل بذلك العوض، وهذا القدر يكفي في أحكام الأعواض بحسب المقام وهو أعلم.
ولما ذكر من خلائقه وآثار قدرته ما ينادي على عظمته ويشهد لربوبيته وينبهعلى رحمته الكاملة وعنايته الشاملة قال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا صم ﴾ لا يسمعون كلام الله البتة ﴿ وبكم ﴾ لا ينطقون بالحق خابطون ﴿ في الظلمات ﴾ ظلمة الكفر وظلمة الشكوك وظلمة الحيرة والضلالة.
ثم بين أن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان كلها بمشيئته وإرادته وتسخيره وتدبيره فقال ﴿ من يشأ الله يضلله ومن يِشأ يجعله على صراط مستقيم ﴾ والجبائي أوّل الآية بأن المراد أنهم كذلك في الآخرة كقوله ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً ﴾ وأنهم شبهوا بمن حاله كذا، أو هو محمول على الشتم والإهانة، وأما قوله ﴿ من يشأ الله يضلله ﴾ أي عن طريق الجنة ولا يشاء الإضلال إلا لمن يستحق عقوبته كما أنه لا يشاء الهدي إلا للمؤمنين.
أو المراد بالإضلال منع الألطاف لأنهم ليسوا من أهلها وبالهداية منحها لأنهم من أهلها.
ثم بين غاية جهالة الكفار وأنهم مع جحودهم يفزعون إلى الله في البليات فقال ﴿ قل أرأيتكم ﴾ هو منقول من رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت كأنه قيل: أبصرته وشاهدت حاله العجيبة أو أعرفتها أخبرني عنها فلا يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة بشيء.
فهذا من باب إيقاع السبب على المسبب لأن الإخبار إنما يكون بعد المشاهدة أو العرفان.
أما إعرابه فالتاء ضمير الفاعل، والكاف للخطاب.
فالتاء يكون بلفظ واحد في التثنية والجمع والتأنيث.
وتختلف هذه المعاني على الكاف نحو: أرأيتك أرأيتكما أرأيتكم أرأيتكن.
والتاء في جميع ذلك مفتوحة والكاف حرف خطاب وليست اسماً وإلا لكانت إما مجرورة ولا جار، وإما مرفوعة وليست الكاف من ضمائر المرفوع ولا رافع أيضاً لأن التاء فاعل ولا يكون لفعل فاعلان، وإما منصوبة وهو باطل من وجوه: أحدها أن هذا الفعل قد يتعدى إلى مفعولين نحو أرأيتك زيداً ما شأنه.
فلو جعلت الكاف مفعولاً لكان ثالثاً.
وثانيها لو كان مفعولاً لكان هو الثاني في المعنى وليس المعنى على ذلك إذ ليس الغرض أرأيت نفسك بل أرأيت غيرك ولذلك قلت: أرأيتك زيداً، وزيد غير المخاطب ولا هو بدل منه.
وثالثها لو كان منصوباً على أنه مفعول لظهرت علامة التثنية والجمع والتأنيث في التاء نحو: أرأيتماكما وأرأيتموكم وأرأيتموكن.
وقد ذهب الفراء إلى أنه اسم مضمر منصوب في معنى المرفوع ويجوز تصريف التاء.
فأما مفعولا أرأيت في الآية فقيل: هما محذوفان تقديره أرأيتكم عبادتكم الأصنام هل تنفعكم عند مجيء الساعة؟
ودل عليه قوله ﴿ أغير الله تدعون ﴾ وقيل: لا يحتاج ههنا إلى المفعول لأن الشرط وجوابه قد حصلا معنى المفعول وأما جواب الشرط فما دل عليه الاستفهام في قوله ﴿ أغير الله ﴾ تقديره أرأيتكم الساعة دعوتم الله وحاصل الآية قل يا محمد لهؤلاء الكفار أرأيتكم إن أتاكم العذاب في الدنيا أو عند قيام الساعة، أتخصون آلهتكم بالدعوة أم تدعون الله دونها ﴿ بل إياه تدعون ﴾ بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة فيكشف ما تدعونه إلى كشفه إن شاء لأن قوارع الساعة لا تكشف عن المشركين.
وعلى هذا يكون قوله ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ باقياً على إطلاقه لكن في الدنيا، ولو علقت المشيئة بكشف العذاب في الدنيا كان قوله ﴿ ادعوني أستجب ﴾ أيضاً مقيداً بالمشيئة ﴿ وتنسون ما تشركون ﴾ قال ابن عباس: تتركون الأصنام ولا تدعونها لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع، ويجوز أن يراد لا تذكرون الأصنام في ذلك الوقت لأن أذهانكم مغمورة بذكر الله وحده، والمقصود من الآية تبكيت الكفار كأنه قيل: إذا كنتم ترجعون عند نزول الشدائد إلى الله لا إلى الأصنام فلم تقدمون عبادتها؟
وفيه أن مبنى الدين على الحجة والدليل لا على محض التقليد.
ثم سلى النبي بأن أعلمه أنه قد أرسل قبله إلى أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا وأصروا على كفرهم خلاف الأقوام المذكورين الذين يفزعون إلى الله في الشدائد.
ويحتمل أن يقال: إن حكم الطائفتين واحد لأن التضرع واللجأ إلى الله إزالة البلية لا على سبيل الإخلاص غير معتبر.
وفي الآية محذوف تقديره: ﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلاً ﴾ فخالفوهم ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضراء ﴾ وحسن الحذف لكونه مفهوماً.
والبأساء والضراء البؤس والضر.
أو البأساء القحط والجوع، والضراء الأمراض والأوجاع والرزايا ﴿ لعلهم يتضرعون ﴾ يتذللون ويتخشعون وأصله الانقياد وترك التمرد.
ضرع الرجل ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف.
احتج الجبائي بالآية على أنه تعالى إنما أرسل الرسل إليهم وسلط هذه البأساء والضراء عليهم إرادة أن يتضرعوا ويؤمنوا، فهو يريد الإيمان والطاعة من الكل.
وأجيب بأن الترجي في حقه محال فإنهم يحملونه على الإرادة، ونحن نحمله على أنه يعاملهم معاملة المترجي.
فالترجيح على أن الفسق وتزيين الشيطان وكل ما يفرضونه لا بد أن ينتهي إلى خلق الله وتكوينه.
أما قوله ﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ فمعناه نفي التضرع كأنه قيل: فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا.
ولكنه جاء بلولا التحضيضية ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا العناد والقسوة والإعجاب، ثم بين أنه لما لم ينجع فيهم المواعظ والزواجر نقلهم من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء ففتح أبواب الخيرات عليهم وسهل موجبات المسرات لديهم كما يفعله الأب المشفق لولده، يخاشنه تارة ويلاينه أخرى.
ومعنى ﴿ كل شيء ﴾ أي كل شيء كان مغلقاً عنهم من الخير ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ﴾ أي ظنوا أن ذلك باستحقاقهم ولم يزيدوا إلا بطراً وترفهاً ﴿ أخذناهم بغتة ﴾ قال الحسن: مكر بالقوم ورب الكعبة.
وقال "إذا رأيت الله يعطي العاصي فإن ذلك استدراج من الله " .
قال العلماء: وإنما أخذوا في حال الراحة والرخاء ليكون أشد لتحسرهم على ما فات من السلامة والعطاء ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ آيسون من كل خير.
وقال الفراء: المبلس الذي انقطع رجاؤه.
ويقال للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس.
وقال الزجاج: المبلس الشديد الحسرة الحزين.
"وإذا" ههنا للمفاجأة وهي ظرف مكان "وهم" مبتدأ و ﴿ مبلسون ﴾ خبره وهو العامل في "إذا" ﴿ فقطع دابر القوم ﴾ الدابر للشيء من خلفه كالولد للوالد.
دبر فلان القوم يدبرهم دبوراً ودبراً إذا كان أخرهم.
أبو عبيدة: دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم.
الاصمعي: منهم أحداً واستأصلهم لأن ذلك جارٍ مجرى النعمة على أولئك الرسل، أو على أولئك الهالكين كيلا يزيدوا كفراً وعناداً فيزدادوا عذاباً وعقاباً، أو حمد على ما أنعم عليهم قبل ذلك وهو أن كلفهم وأزال عنهم الأعذار والعلل وبعث الأنبياء والرسل وأخذهم بالبأساء.
والضراء ثم نقلهم إلى الآلاء والنعماء إلا أنهم لم يزدادوا إلا انهماكاً في الغي والضلال فطهر وجه الأرض من شركهم.
وفيه إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك كل ظالم فإن ذلك من جملة آلاء الله ، ثم عاد إلى الدلالة على وجود الصانع الحكيم المختار وبيان وحدته فقال ﴿ قل أرأيتم إن أخذ الله ﴾ وتقرير ذلك أن أشرف أعضاء الإنسان هو السمع والبصر والقلب كما عدّدنا منافعها في أوائل الكتاب، ولا ريب أن القادر على تحصيل قواها فيه وصرفها عن الآفات والمخافات ليس إلا الله وحده، ومعنى أخذ السمع والبصر تعطيل منافعهما، ومعنى الختم على القلب إزالة العقل حتى يصير كالمجانين.
قال ابن عباس: إنه الطبع أو الإماتة حتى لا يعقل الهدى والصلاح ﴿ يأتيكم به ﴾ أي بذلك الذي أخذ من السمع والبصر والقلب، فوضع الضمير موضع اسم الإشارة بناء على أن الضمير المذكور بحكم الاستعمال يلزم أن يكون لذي عقل ولو فرضاً.
والأحسن أن يقال: إنه ذكر أشياء متعددة فوجب أن يعود الضمير إلى جميعها مؤنثاً إذ لا ترجيح، وحيث لم يكن الضمير مؤنثاً علم أنه أراد المذكور مطلقاً فتعين أم يشار إليه بذلك.
ثم إنه أقام الضمير المذكور مقامه أو يعود إلى ما أخذ وختم عليه وصح من غير التكلف المذكور بحكم التغليب ﴿ انظر ﴾ يا محمداً وكل من له أهلية النظر ﴿ كيف نصرف الآيات ﴾ نوردها على الوجوه المختلفة المتكاثرة بحيث يكون كل واحد منها يقوّي ما قبله في الإيصال إلى المطلوب.
ومعنى "ثم" التفاوت بين الحالين و ﴿ يصدفون ﴾ أي يعرضون.
ويقال: امرأة صدوف للتي تعرض وجهها عليك ثم تصدف أي تعرض.
والصدف ميل في الحافر إلى الشق الوحشي.
وصدف الدرة غشاؤها لميل فيه، قال الكعبي: لو خلق الله فيهم الإعراض والصد لم ينكر ذلك عليهم.
وقالت الأشاعرة: لولا منع الله لنجع فيهم الدلائل القاطعة للأعذار.
ثم عمم الدليل بقوله ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم ﴾ والمعنى أنه لا دافع لنوع من أنواع العذاب إلا الله سبحان فوجب أن لا يكون معبوداً إلا هو.
ثم العذاب المفروض إما أن يجيء من غير سبق أمارة تدل على ذلك وهو البغتة وأكثر ما يكون ذلك بالليل، أو مع سبق أمارة وهو الجهرة وأكثره بالنهار ولهذا قال الحسن: معناه ليلاً أو نهاراً.
أما قوله ﴿ هل يهلك إلا القوم الظالمون ﴾ أي لا يهلك مع قوله ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ فمعناه أن الهلاك بالحقيقة وهو هلاك التعذيب والسخط مختص بالظالمين الأشرار لأن الأخيار وإن عمهم العذاب إلا أنهم يستفيدون بذلك ثواباً جزيلاً، فهو لهم بلاء في الظاهر وآلاء في الحقيقة خلاف الظلمة فإنهم يخسرون الدنيا والآخرة ومثله قوله "إن أمر المؤمن خير كله إن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له وإن أصابته سراء فشكر كان خيراً له" واعلم أنه ذكر ههنا ﴿ أرأيتكم ﴾ مرتين فزاد خطاباً واحداً، لأن عذاب الاستئصال ما عليه من مزيد فناسب زيادة الخطاب لأجل التأكيد، وفيما بينهما قال ﴿ أرأيتم ﴾ حيث لم يكن كذلك، وكذلك في يونس، ثم ذكر أن الأنبياء والرسل بعثوا للتبشير والإنذار فقط ولا قدرة لهم على إظهار الآيات.
وإنزال المعجزات التي اقترحوها في قوله ﴿ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ﴾ وأن ذلك مفوّض إلى مشيئة الله وحكمته فقال ﴿ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ﴾ بالثواب على الطاعات ﴿ ومنذرين ﴾ بالعقاب على المعاصي.
فمن قبل قولهم وأتى بالإيمان الذي هو من أفعال القلب والعمل الصالح الذي هو من أفعال البدن ﴿ فلا خوف عليهم والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب ﴾ ومعنى المس التقاء الشيئين من غير فصل.
قال في الكشاف: جعل العذاب ماساً كأنه حي يفعل بهم ما يرد من الآلام وفيه نظر، لأن المس ليس من خواص الأحياء، نعم إنه من خواص الأجسام، فلو ادعيت المبالغة من هذا الوجه لم يكن بعيداً.
قال القاضي: إنه علل عذاب الكافرين بكونهم فاسقين فيكون كل فاسق كافراً.
وأقول: هذا من باب إيهام العكس ولا يلزم العكس، فإن كل كافر فاسق ولا يلزم العكس.
ثم أمر نبيه أن ينفي عن نفسه أموراً ثلاثة فقال ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ﴾ وهي جمع خزانة للمكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي ﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ قال في الكشاف: محله النصل عطفاً على محل قوله ﴿ عندي خزائن الله ﴾ لأنه من جملة المقول أي لا أقول لكم ذاك ولا هذا.
قلت: ويحتمل أن يكون عطفاً على ﴿ لا أقول ﴾ أي قل لا أعلم الغيب فيكون فيه دلالة على أن الغيب بالاستقلال لا يعلمه إلا الله بخلاف كون خزائن الله عنده وكونه ملكاً فإن النبي يحتمل أن يكون له هذه المقامات ولكن لا يظهرها.
واختلف المفسرون في فائدة نفي هذه الأمور فقيل: المراد إظهار التواضع والخضوع لله والاعتراف بعبوديته حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح .
وقيل: المقصود إبداء العجز والضعف وأنه لا يستقل بإيجاد المعجزات التي كانوا يقترحونها كقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ إلى قوله ﴿ هل كنت إلا بشراً رسولاً ﴾ وقيل: أي لا أدّعي سوى النبوّة والرسالة ولا أدّعي الإلهية ولا الملكية وإنما زيد ههنا ﴿ لكم ﴾ بخلاف سورة هود حيث قال ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ لأنه تقدم ذكر لكم في قوله ﴿ إني لكم نذير ﴾ فاكتفى بذلك.
قال الجبائي: في الآية دلالة على أن الملك أفضل إذ المراد لا أدّعي فوق منزلتي.
قال القاضي: إن كان الغرض التواضع فالأقرب أن ذلك يدل على أن الملك أفضل، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة لم يدل على أفضلية الملائكة.
﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إلي ﴾ قيل: هذا النص يدل على أنه لم يحكم من تلقاء نفسه بالاجتهاد في شيء من الأحكام، ولا يجوز لأحد من أمته أن يعمل إلا بالوحي النازل عليه لقوله ﴿ فاتبعوه ﴾ فلا يجوز العمل بالقياس، وأكد هذا الحكم بقوله ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ وذلك أن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى، والعمل بمقتضى الوحي يقوم عمل البصير.
ثم قال ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ تنبيهاً على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين.
وأجيب بأن أصل الاجتهاد والقياس إذا كان بالوحي لم يلزم الضلالة، والآية مثل للضال والمهتدي أو لمن ادعى المستقيم وهو النبوة والمحال وهو الإلهية والملكية ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ فلا تكونوا ضالين كالعميان، أو فتعلموا أني ما ادعيت سوى ما يليق بالبشر والله أعلم وأحكم.
التأويل: ﴿ وما من دابة ﴾ تدب في أرض البشرية وتتحرك من الحواس والجوارح والنفس وصفاتها ﴿ إلا أمم أمثالكم ﴾ في السؤال عن أقوالهم وأحوالهم كقوله ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا ﴾ ﴿ ما فرطنا ﴾ ما تركنا في القرآن من شيء يحتاج إليه الإنسان ظاهره وباطنه، ذاته وصفاته في السير إلى الله من الأوامر والنواهي والندب والآداب.
﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ ههنا بالسير وجذبات العناية، أو هناك بالسلاسل والأغلال يسحبون في النار في نار القطيعة على وجوههم لأن من شأنهم التكذيب كما قال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ بدلائلنا الموصلة إلينا ﴿ صم ﴾ آذان قلوبهم عن استماع الحق ﴿ بكم ﴾ ألسنة أحوالهم عن إجابة دعوة الحق في ظلمات صفات البشرية والأخلاق الذميمة ﴿ بل إياه تدعون ﴾ لأن رجوعه إلى ربه مركوز في روحانيته.
﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم ﴾ أي أرسلنا إليهم نعمة الصحة والكفاف والأمن فشغلوا بها عنا، فأرسلنا إليهم بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة ندعوهم بها إلينا فلم يهتدوا ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضراء ﴾ التي هي موجبة للإلجاء.
﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ وعلموا أن حقائق ألطافنا مدرجة في دقائق صور قهرنا، وتحققوا أن درر محبتنا مستودعة في أصداف شدائد بأسنا، فاستقبلوها بصدق الإلتجاء وحسن التضرع في الدعاء.
﴿ فلما نسوا ﴾ بسبب القساوة ﴿ ما ذكروا به ﴾ من معارضة البأساء والضراء فإنها تذكر أيام الرخاء وتعرّف قدر الصحة والنعماء وتؤدي إلى رؤية المنعم ﴿ فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهر بالنعم الظاهرة من الماء والجاه والقبول وأمثالها، ولأرباب الباطن بالنعم الباطنة من فتوحات الغيب وأشباهها ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ﴾ وظنوا أنهم قد استغنوا عن صحبة الشيخ وتعليم تصرفاته فشرعوا في الطلب على وفق هواهم ﴿ أخذناهم بغتة ﴾ بفقد الأحوال والاشتغال بالقال ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ متحيرون في تيه الغرور.
والحمد لله على إظهار اللطف لأربابه والقهر لأصحابه ليعلم أن الكل بقدر كما قال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية إلا القوم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم بصرف استعداد عبودية المولى في عبادة الهوى.
فأما من ابتلي بعذاب الله من الآفات والمخافات والأمراض ونحوها ابتلاء فتاب ورجع فهو غيرها لك على الحقيقة ﴿ قل لا أقول لكم ﴾ لم يقل ليس ﴿ عندي خزائن الله ﴾ ليعلم أن خزائن الله وهي العلم بحقائق الأشياء وماهياتها عنده بإراءة ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ﴾ وباستجابة دعائه في قوله "أرنا الأشياء كما هي" ولكنه يكلم الناس على قدر عقولهم.
﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ أي لا أقول لكم هذا مع أنه كان يخبرهم عما مضى وعما سيكون بإعلام الحق، وقد قال في قصة ليلة المعراج "نظرت خلفي نظرة علمت ما كان وما سيكون" ﴿ ولا أقول لكم إني ملك ﴾ وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل: تقدم فقال: لو دنوت أنملة لاحترقت ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ ﴾ أن أخبرهم وقل معهم ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ فلا يستوي مع الأعمى كلام البصير فكيف أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه وأنا به بصير.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ ﴾ .
الذي وعدكم في الدنيا أنه يأتيكم.
﴿ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ ﴾ .
لأنه كان وعدهم أن يأتيهم العذاب، أو كان يعدهم أن تقوم الساعة، فقال: ﴿ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ ﴾ : في رفع ذلك، وكشفه عنكم.
﴿ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴾ أن معه شركاء وآلهة.
أو ﴿ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴾ : أن ما تعبدون شفعاؤكم عند الله، أو تقربكم عبادتكم إياها إلى الله.
وقوله - - ﴿ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ ﴾ .
يحتمل: حقيقة الدعاء عند نزول البلاء.
ويحتمل: العبادة، أي: أغير الله تعبدون على رجاء الشفاعة لكم، وقد رأيتم أنها لم تشفع لكم عند نزول البلايا، ثم أخبر أنهم لا يدعون غير الله في دفع ذلك وكشفه عنهم، وأخبر أنهم إلى الله يتضرعون في دفع ذلك عنهم، وهو ما ذكر - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ وكقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ﴾ .
وكقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ : ذكر هذا - والله أعلم - أنكم إذا مسكم الشدائد والبلايا لا تضرعون إلى الذين تشركون في عبادته وألوهيته، فكيف أشركتم أولئك في ربوبيته في غير الشدائد والبلايا، ﴿ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴾ ، أي: تتركون ما تشركون بالله من الآلهة؛ فلا تدعونهم أن يكشفوا عنكم؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَٰهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: البأساء: الشدائد التي تصيبهم من العدو، والضراء: ما يحل بهم من البلاء والسقم السماوي.
وقال بعضهم: البأساء: هو ما يحل بهم من الفقر والقحط والشدة.
وعن ابن عباس - - قال: [قوله] ﴿ فَأَخَذْنَٰهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ ﴾ : الزمانة والخوف، ﴿ وَٱلضَّرَّآءِ ﴾ : البلاء والجوع.
﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾ .
أي: ابتلاهم بهذا، أو امتحنهم لعلهم يتضرعون، ويرجعون عما هم عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ﴾ .
يذكر في ظاهر هذا أنه قد أصابهم البلاء والشدة، ولم يتضرعوا ولكن قست قلوبهم، ويذكر في غيره من الآيات أنه إذا أصابهم البلاء والشدائد تضرعوا ورجعوا عما كانوا عليه؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ ﴾ وغيرهما من الآيات.
لكن يحتمل هذا وجوهاً: أن هذا كان في قوم، والأول كان في قوم آخرين، وذلك أن الكفرة كانوا على أحوال ومنازل: منهم من كان على حال، فإذا أصابه خير اطمأن به، وإذا زال عنه وتحول تغير؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...
﴾ الآية [الحج: 11].
ومنهم من يتضرع ويلين قلبه إذا أصابه الشدة والبلاء، وعند السعة والنعمة قاسي القلب معاند؛ وهو كقوله: ﴿ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ...
﴾ إلى آخر الآية [العنكبوت: 65]؛ وكقوله - -: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ .
ومنهم: من كان فرحاً عند الرحمة [والنعمة]، وعند الشدة والبلاء كفوراً حزيناً؛ كقوله - -: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴾ .
ومنهم: من كان لا يخضع ولا يتضرع في الأحوال كلها، لا عند الشدة والبلاء، ولا عند الرخاء والنعمة، ويقولون: إن مثل هذا يصيب غيرنا، وقد كان أصاب آباءنا، [وهم] كانوا أهل الخير والصلاح؛ وهو كقوله: ﴿ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ ﴾ : كانوا على أحوال مختلفة، ومنازل متفرقة؛ فيشبه أن يكون قوله: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ : في القوم الذين لم يتضرعوا عند إصابتهم الشدائد والبلايا.
وجائز أن يكونوا تضرعوا عند حلول الشدائد، فإذا انقطع ذلك وارتفع، عادوا إلى ما كانوا من قبل؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ ؛ ويشبه أن يكون قوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ : فيما بينهم وبين ربهم، وهذا فيما بينهم، وبين الرسل؛ لأن الرسل كانوا يدعونهم إلى أن يقروا، ويصدقوهم فيما يقولون لهم ويخبرون، فتكبروا عليهم، وأقروا لله وتضرعوا إليه، تكبروا عليهم ولم يتكبروا على الله.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ﴾ : في الأمم السالفة إخبار منه أنهم لم يتضرعوا.
ويحتمل قوله أيضاً: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ﴾ وجهين: أحدهما: أنهم لم يتضرعوا إذ جاءهم بأس الله، ولكن عاندوا وثبتوا على ما كانوا عليه.
والثاني: تضرعوا عند نزول بأسه؛ لكن إذا ذهب ذلك وزال عادوا إلى ما كانوا، فيصير كأنه قال: فلولا لزموا التضرع إذ جاءهم بأسنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: زين لهم صنيعهم الذي صنعوا، ويقولون: إن هذا كان يصيب أهل الخير، ويصيب آباءنا وهم كانوا أهل خير وصلاح.
أو زين لهم الشيطان ما كانوا يعملون من الشرك والتكذيب، ويقول لهم: إن الذي أنتم عليه حق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ﴾ يحتمل: ابتداء ترك، أي: تركوا الإجابة إلى ما دعوا وتركوا ما أمروا به.
ويحتمل: نسوا ما ذكروا به من الشدائد والبلايا.
﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل أبواب كل شيء مما يحتاجون إليه، ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾ .
ويحتمل: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ﴾ ، أي: تركوا ما وعظوا به، يعني: بالأمم الخالية لما دعاهم الرسل فكذبوهم ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: أنزلنا عليهم أبواب كل شيء من أنواع الخير بعد الضر والشدة الذي كان نزل بهم.
﴿ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم [المبلس]: الآيس من كل خير.
قال القتبي: المبلس: الآيس الملقي بيديه.
وقال أبو عوسجة: المبلس: هو الحزين المغتم الآيس من الرحمة وغيرها من الخير.
وقال الفراء: المبلس هو المنقطع الحجة، وقيل: لذلك سُمي إبليس لعنه الله إبليس لما أيس من رحمة الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ .
قيل: استؤصل القوم الذين ظلموا بالهلاك جميعاً، والظلم هاهنا: هو الشرك.
وقيل: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ ، أي: أصلهم.
وقيل: دابر القوم، أي: آخرهم.
وكله واحد، وذلك أنه إذا هلك آخرهم وقطعوا، فقد استؤصلوا.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ ، أي: قطع افتخارهم وتكبرهم الذي كانوا يفتخرون به ويتكبرون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
الحمد في هذا الموضع على أثر ذلك الهلاك يخرج على وجوه، وإلا الحمد إنما يذكر على أثر ذكر الكرامة والنعمة، لكن هاهنا وإن كان نقمة وإهلاكاً فيكون للأولياء كرامة ونعمة؛ لأن هلاك العدو يعد من أعظم الكرامة والنعمة من الله، فإذا كان في ذلك شر للأعداء والانتقام فيكون خيراً للأولياء وكرامة، وما من شيء يكون شرا لأحد إلا ويجوز أن يكون في ذلك خير لآخر، فيكون الحمد في الحاصل في الخير والنعمة.
والثاني: أنه يجوز أن يكون في الهلاك نفسه الحمد إذا كان الهلاك بالظلم؛ لأنه هلاك بحق إذ لله أن يهلكهم، ولم يكن الهلاك على الظلم خارجاً عن الحكمة، فيحمد عز وجل في كل فعل: حكمةٍ.
والثالث: يقول: ﴿ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ على إظهار حججه بهلاكهم.
<div class="verse-tafsir"
فلما تركوا ما وُعِظُوا به من شدة الفقر والمرض، ولم يعملوا بأوامر الله، استدرجناهم بفتح أبواب الرزق عليهمُ وإغنائهم بعد الفقر، وصححنا أجسامهم بعد المرض حتى إذا أصابهم البَطَرُ، واستولى عليهم الإعجاب بما متعوا به جاءهم عذابنا فجأة، فإذا هم متحيرون يائسون مما يأملون.
من فوائد الآيات تشبيه الكفار بالموتى؛ لأن الحياة الحقيقية هي حياة القلب بقَبوله الحق واتباعه طريق الهداية.
من حكمة الله تعالى في الابتلاء: إنزال البلاء على المخالفين من أجل تليين قلوبهم وردِّهم إلى ربهم.
وجود النعم والأموال بأيدي أهل الضلال لا يدل على محبة الله لهم، وإنما هو استدراج وابتلاء لهم ولغيرهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.DlL9j"