الإسلام > القرآن > سور > سورة 68 القلم > الآية ١٢ من سورة القلم
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 49 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٢ من سورة القلم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
أي يمنع ما عليه وما لديه من الخير "معتد" في تناول ما أحل الله له يتجاوز فيها الحد المشروع "أثيم" أي يتناول المحرمات.
وقوله: (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ ).
يقول تعالى ذكره: بخيل بالمال ضنين به عن الحقوق.
وقوله: (مُعْتَدٍ ) يقول: معتد على الناس (أَثِيمٍ ) : ذي إثم بربه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: (مُعْتَدٍ ) في عمله (أَثِيمٍ ) بربه.
مناع للخير أي للمال أن ينفق في وجوهه .
وقال ابن عباس : يمنع عن الإسلام ولده وعشيرته .
وقال الحسن : يقول لهم من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبدا .معتد ؛ أي على الناس في الظلم ، متجاوز للحد ، صاحب باطل .أثيم أي ذي إثم ، ومعناه أثوم ، فهو فعيل بمعنى فعول .
{ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ } الذي يلزمه القيام به من النفقات الواجبة والكفارات والزكوات وغير ذلك، { مُعْتَدٍ } على الخلق في ظلمهم، في الدماء والأموال والأعراض { أَثِيمٍ } أي: كثير الإثم والذنوب المتعلقة في حق الله تعالى
( مناع للخير ) بخيل بالمال .
قال ابن عباس : " مناع للخير " أي للإسلام يمنع ولده وعشيرته عن الإسلام يقول : لئن دخل واحد منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبدا ( معتد ) ظلوم يتعدى الحق ( أثيم ) فاجر .
«مناع للخير» بخيل بالمال عن الحقوق «معتد» ظالم «أثيم» آثم.
ولا تطع -أيها الرسول- كلَّ إنسانٍ كثير الحلف كذاب حقير، مغتاب للناس، يمشي بينهم بالنميمة، وينقل حديث بعضهم إلى بعض على وجه الإفساد بينهم، بخيل بالمال ضنين به عن الحق، شديد المنع للخير، متجاوز حدَّه في العدوان على الناس وتناول المحرمات، كثير الآثام، شديد في كفره، فاحش لئيم، منسوب لغير أبيه.
ومن أجل أنه كان صاحب مال وبنين طغى وتكبر عن الحق، فإذا قرأ عليه أحد آيات القرآن كذَّب بها، وقال: هذا أباطيل الأولين وخرافاتهم.
وهذه الآيات وإن نزلت في بعض المشركين كالوليد بن المغيرة، إلا أن فيها تحذيرًا للمسلم من موافقة من اتصف بهذه الصفات الذميمة.
( مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ) أى : هو شديد المنع لكل ما فيه خير ، ولكل من يستحقه ، خصوصا إذا كان من يستحقه من المؤمنين .ثم هو بعد ذلك ( مُعْتَدٍ ) أى : كثير العدوان على الناس ( أَثِيمٍ ) أى : مبالغ فى ارتكابه للآثام ، لا يترك سيئة دون أن يرتكبها .وقد جاءت صفات الذم السابقة بصيغة المبالغة ، للإِشعار برسوخه فيها ، وباقترافه لها بسرعة وشدة .
اعلم أنه تعالى لما ذكر ما عليه الكفار في أمر الرسول ونسبته إلى الجنون مع الذي أنعم الله به عليه من الكمال في أمر الدين والخلق، أتبعه بما يدعوه إلى التشدد مع قومه وقوى قلبه بذلك مع قلة العدد وكثرة الكفار، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل فقال: ﴿ فَلاَ تُطِعِ المكذبين ﴾ يعني رؤساء أهل مكة، وذلك أنهم دعوه إلى دين آبائه فنهاه الله أن يطيعهم، وهذا من الله إلهاب وتهييج التشدد في مخالفتهم.
ثم قال: <div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ ﴾ بالمجانين على الحقيقة، وهم الذين ضلوا عن سبيله ﴿ وَهُوَ أَعْلَمُ ﴾ بالعقلاء وهم المهتدون.
أو يكون وعيداً ووعداً، وأنه أعلم بجزاء الفريقين ﴿ فَلاَ تُطِعِ المكذبين ﴾ تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم، وكانوا قد أرادوه على أن يعبد الله مدة، وآلهتهم مدة، ويكفوا عنه غوائلهم ﴿ لَوْ تُدْهِنُ ﴾ لو تلين وتصانع ﴿ فَيُدْهِنُونَ ﴾ فإن قلت: لم رفع ﴿ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ولم ينصب بإضمار (أن) وهو جواب التمني؟
قلت: قد عدل به إلى طريق آخر: وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي: فهم يدهنون، كقوله تعالى: ﴿ فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ ﴾ [الجن: 13] على معنى: ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذٍ.
أو ودوا إدهانك فهم الآن يدهنون؛ لطمعهم في إدهانك.
قال سيبويه: وزعم هرون أنها في بعض المصاحف ودوا لو تدهن فيدهنوا.
<div class="verse-tafsir"
.
فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ تَهْيِيجٌ لِلتَّصْمِيمِ عَلى مُعاصاتِهِمْ.
﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ ﴾ تُلايِنُهم بِأنْ تَدَعَ نَهْيَهم عَنِ الشِّرْكِ، أوْ تُوافِقَهم فِيهِ أحْيانًا.
﴿ فَيُدْهِنُونَ ﴾ فَيُلايِنُونَكَ بِتَرْكِ الطَّعْنِ والمُوافَقَةِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ أيْ ودُّوا التَّداهُنَ وتَمَنَّوْهُ لَكِنَّهم أخَّرُوا ادِّهانَهم حَتّى تُدْهِنَ، أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَهم يُدْهِنُونَ حِينَئِذٍ، أوْ ودُّوا ادِّهانَكَ فَهُمُ الآنَ يُدْهِنُونَ طَمَعًا فِيهِ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ «فَيُدْهِنُوا» عَلى أنَّهُ جَوابُ التَّمَنِّي.
<div class="verse-tafsir"
{مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ} بخيل والخير المال أو مناع أهله
من الخير وهو الإسلام والمراد الوليد بن المغيرة عند الجمهنور وكان يقول لبنيه العشرة من أسلم منكم منعته رفدي {مُعْتَدٍ} مجاوز في الظلم حده {أَثِيمٍ} كثير الآثام
﴿ ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ ﴾ كَثِيرِ الحَلِفِ في الحَقِّ والباطِلِ وكَفى بِهَذا مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ لِأنَّهُ جَعَلَ فاتِحَةَ المَثالِبِ وأساسَ الباقِي، وهو يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اسْتِشْعارِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو أُمُّ كُلِّ شَرٍّ عَقْدًا وعَمَلًا، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ كَثْرَةَ الحَلِفِ مَذْمُومَةٌ ولَوْ في الحَقِّ لِما فِيها مِنَ الجُرْأةِ عَلى اسْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وهَذا النَّهْيُ لِلتَّهْيِيجِ والإلْهابِ أيْضًا أيْ دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ طاعَةِ كُلِّ حَلّافٍ ﴿ مَهِينٍ ﴾ حَقِيرِ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ.
وقالَ الرُّمّانِيُّ: المَهِينُ الوَضِيعُ لِإكْثارِهِ مِنَ القَبِيحِ مِنَ المَهانَةِ وهي القِلَّةُ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: هو المِكْثارُ في الشَّرِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الكَذّابُ ﴿ هَمّازٍ ﴾ عَيّابٍ طَعّانٍ قالَ أبُو حَيّانٍ: هو مِنَ الهَمْزِ وأصْلُهُ في اللُّغَةِ الضَّرْبُ طَعْنًا بِاليَدِ أوْ بِالعَصا ونَحْوِها، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلَّذِي يَنالُ بِلِسانِهِ قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وبِعَيْنِهِ وإشارَتِهِ ( مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ نَقّالٍ ) لِلْحَدِيثِ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ عَلى وجْهِ الإفْسادِ بَيْنَهُمْ، فَإنَّ النَّمِيمَ والنَّمِيمَةَ مَصْدَرانِ بِمَعْنى السِّعايَةِ والإفْسادِ.
وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةٍ يُرِيدُونَ بِهِ الجِنْسَ وأصْلُ النَّمِيمَةِ الهَمْسُ والحَرَكَةُ الخَفِيفَةُ، ومِنهُ أسْكَتَ اللَّهُ تَعالى نامَّتَهُ أيْ ما يَنِمُّ عَلَيْهِ مِن حَرَكَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
وهي اثنان وخمسون آية مكية قوله تبارك وتعالى: ن وَالْقَلَمِ.
قرأ الكسائي، ونافع، وعاصم في إحدى الروايتين بالإِدغام، والباقون بإظهار النون، وهما لغتان ومعناهما واحد.
قال ابن عباس: هي السمكة التي تحت الأرضين.
وروى الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ القَلَمَ فَقَالَ اكْتُبْ، قَالَ بِمَا أَكْتُبُ؟
قَالَ: اكْتُبِ القَدَرَ فَيَجْرِي بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى قِيامِ السَّاعَةِ.
ثم خلق النون يعني: السمكة، فدحا الأرض عليها فارتفع بخار الماء، ففتق منه السموات، فاضطربت النون فمادت الأرض، فأثبتت بالجبال.
وإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة.
وقال سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة: النون: الدواة، وقال قتادة: الدواة والقلم: ما قام لله وبه لإصلاح عيش خلقه، والله يعلم ما يصلح خلقه.
ويقال: النون: افتتاح اسم الله تعالى، وهو النون.
ويقال: هو آخر اسمه من الرحمن، وهذا قسم أقسم الله تعالى بالنون والقلم، وجواب القسم مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، فذلك قوله: ن.
وَما يَسْطُرُونَ يكتُب الحفظة من أعمال بني آدم ويقال: وَما يَسْطُرُونَ يعني: تكتب الحفظة في اللوح المحفوظ.
مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ يعني: ما أنت بحمد الله تعالى بمجنون مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ كما يزعمون، وذلك أن أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) [العلق: 1] إلى قوله: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5) [العلق: 5] وعلمه جبريل الصلاة، فقال أهل مكة: جن محمد .
وكان النبي يفر من الشاعر والمجنون.
فلما نسبوه إلى الجنون، شق ذلك عليه، فنزل: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ.
ويقال: بل أنت رسول الله تعالى.
ثم قال: وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ يعني: غير مقطوع، ويقال: غير محسوب، ويقال: لا يمن عليك.
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ يعني: على خلق حسن وقال مقاتل: يعني: على دين الإسلام، وقال عطية: يعني: على آداب القرآن.
ثم قال: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ يعني: سترى ويرون ويقال فستعلم ويعلمون بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ يعني: إذا نزل بهم العذاب تعلمون أيكم المفتون، يعني: بأيكم المجنون ويقال الباء زيادة، ومعناه أيكم المفتون يعني أيكم المجنون، وقال قتادة: يعني: أيكم أولى بالسلطة، وقال أبو عبيدة: أيكم المجنون والباء زيادة، واحتج بقول القائل: نضرب بالسيف، ونرجو بالفرج يعني: نرجو الفرج.
<div class="verse-tafsir"
خير كلّه، وقال ع: «إنَّ المؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ، صَائِمِ النَّهَارِ» وَجَاءَ في حُسْنِ الخُلُقِ آثارٌ كثيرةٌ مَنَعَنَا مِنْ جَلْبِها خَشْيَةُ الإطَالةِ، وقد رَوَى الترمذيُّ عَنْ أبي هريرةَ قال: «سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ؟
فقَال: تَقْوَى اللَّهِ وحُسْنُ الخُلُقِ، وسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ/ النَّارَ؟
فَقَالَ: الفَمُ وَالْفَرْجُ» «١» ، قَالَ أبو عيسى:
هذَا حديثٌ صحيحٌ غَرِيبٌ، انتهى، ورَوى الترمذيّ عن أبي الدرداء أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلَ في مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ من خُلُقٍ حَسَنٍ، وإنَّ اللَّهَ لَيَبْغَضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ» «٢» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، انتهى، قَال أبو عمر في «التمهيد» :
قال الله- عز وجل- لنبيه صلّى الله عليه وسلّم: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قَال المفسرونَ: كان خلقُهُ مَا قَالَ اللَّهُ سبحانَه: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩] انتهى.
وقَوْلهُ تعالى: فَسَتُبْصِرُ أي: أنْتَ وأمَّتكَ، وَيُبْصِرُونَ أي: هم، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ قال الأخفش: والعاملُ في الجملةِ المسْتَفْهَمُ عَنْها الإبصَارُ، وأمّا البَاءُ فقال أبو عبيدةَ معمر وقتادةُ: هي زائدةٌ والمعنى: أيكم المفتونُ «٣» ، قال الثعلبيّ: المفْتُونُ المَجْنُونُ الذي فَتَنَهُ الشيطانُ، انتهى.
وقوله تعالى: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ يعني: قريشاً، وذلك أنهم قَالُوا في بعضِ الأوْقَاتِ للنبي صلّى الله عليه وسلّم: لَوْ عَبَدْتَ آلهتَنَا وعَظَّمْتَها لَعَبَدْنَا إلهك وعظمناه، وودّوا أن يداهنهم النبي صلّى الله عليه وسلّم ويميلَ إلى مَا قالوا، فَيمِيلُوا هُمْ أيضاً إلى قَولهِ ودِينِهِ، والإدْهَانُ الملايَنَةُ فيما لاَ
يَحِلُّ، والمُدَارَاةُ الملاينة فيما يحل.
وقوله: فَيُدْهِنُونَ معطوفٌ وليس بجَوابٍ، لأنَّه لَوْ كَانَ لَنُصِبَ، والحلاّفُ المردِّد لِحَلفِهِ الذي قد كثرَ منه، والمُهينُ الضَّعِيفُ الرأيِ، والعَقْلِ قاله مجاهد «١» ، وقال ابن عباس: المهينُ الكذَّابُ «٢» ، والهمَّازُ الذي يَقَعُ في النّاسِ بلسَانِه «٣» ، قال منذر بن سعيد:
وبعَيْنِهِ وإشارَتِه، / والنَّمِيمُ مَصْدَرٌ كالنَّمِيمَةِ، وهو نَقْلَ مَا يَسْمَعُ مما يسوءُ ويُحَرِّشُ النفوسَ، قال أبو عمر بن عبد البر في كتابهِ المسمّى ب «بهجة المجالس» قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ كَفَّ عَنْ أعْرَاضِ المُسْلِمِينَ لِسَانَه أقَالَه اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَثَرَتَه» «٤» ، وقال- عليه الصَّلاةُ والسّلام-:
«شراركم أيّها الناس المشّاءون بالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، البَاغُونَ لأَهْلِ البِرِّ العثرات» «٥» انتهى، وروى حذيفة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ» «٦» ، وهو النَّمَّامُ، وذَهَبَ كثيرٌ مِنَ المفسِّرِينَ إلى أنَّ هذهِ الأوْصَافَ هي أجْنَاس لَمْ يُرَدْ بها رجلٌ بعينهِ، وقالت طائفة: بَلْ نزلت في معيَّنٍ، واختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو الوليدُ بن المغيرة،
سُورَةُ القَلَمِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ إلّا ما حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّ فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنّا بَلَوْناهُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: "ن" قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ: "ن والقَلَمِ" النُّونُ في آخِرِ الهِجاءِ مِن نُونٍ ظاهِرَةٍ عِنْدَ الواوِ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءُ.
ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ كانَ لا يُبِينُ النُّونَ مِن "نُونٍ" .
وبِها قَرَأ الكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ: "نُونِ والقَلَمِ" بِكَسْرِ النُّونِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو نُهَيْكٍ: "نُ والقَلَمِ" بِرَفْعِ النُّونِ.
وَفِي مَعْنى نُونِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الدَّواةُ.
رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: « "أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ، وهي الدَّواةُ"» وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ آخِرُ حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الحُوتُ الَّذِي عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ أبِي ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ لَوْحٌ مِن نُورٍ، قالَهُ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ.
والخامِسُ: أنَّهُ افْتِتاحُ اسْمِهِ "نَصِيرٍ"، و"ناصِرٍ"، قالَهُ عَطاءٌ.
والسّادِسُ: أنَّهُ قَسَمٌ بِنُصْرَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
والسّابِعُ: أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، قالَهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ.
وَفِي "القَلَمِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَكْتُبُ بِهِ النّاسُ.
وإنَّما أقْسَمَ بِهِ، لِأنَّ كُتُبَهُ إنَّما تُكْتَبُ() و"يَسْطُرُونَ" بِمَعْنى: يَكْتُبُونَ.
وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ.
وفِيما أرادُوا بِما يَكْتُبُونَهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الذِّكْرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أعْمالُ بَنِي آدَمَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم جَمِيعُ الكَتَبَةِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِإنْعامِ رَبِّكَ عَلَيْكَ بِالإيمانِ والنُّبُوَّةِ بِمَجْنُونٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ: إنَّكَ لَمَجْنُونٌ.
وتَأْوِيلُهُ: فارَقَكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ لَكَ ﴾ بِصَبْرِكَ عَلى افْتِرائِهِمْ عَلَيْكَ، ونِسْبَتِهِمْ إيّاكَ إلى الجُنُونِ ﴿ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ ولا مَنقُوصٍ، ﴿ وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: دِينُ الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أدَبُ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: الطَّبْعُ الكَرِيمُ.
وحَقِيقَةُ "الخُلُقِ" ما يَأْخُذُ بِهِ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِنَ الآدابِ، فَسُمِّيَ خُلُقًا، لِأنَّهُ يَصِيرُ كالخِلْقَةِ في صاحِبِهِ.
فَأمّا ما طُبِعَ عَلَيْهِ فَيُسَمّى: "الخِيمَ" فَيَكُونُ الخِيمُ: الطَّبْعَ الغَرِيزِيَّ، والخُلُقُ: الطَّبْعُ المُتَكَلَّفُ.
هَذا قَوْلُ الماوَرْدِيِّ.
وقَدْ «سُئِلَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ.» تَعْنِي: كانَ عَلى ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ.
وهَذا وعِيدٌ لَهم بِالعَذابِ.
والمَعْنى: سَتَرى ويَرَوْنَ إذا نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ بِبَدْرٍ "بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ" وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الضّالُّ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: المَجْنُونُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والمَعْنى: الَّذِي قَدْ فُتِنَ بِالجُنُونِ.
والرّابِعُ: المُعَذَّبُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي الباءِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وأنْشَدُوا: نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ الفَلَجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ والثّانِي: أنَّها أصْلِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ كَوْنُها لَغْوًا بِجائِزٍ في العَرَبِيَّةِ في قَوْلِ أحَدٍ مِن أهْلِها.
وَفِي الكَلامِ قَوْلانِ لِلنَّحْوِيِّينَ.
أحَدُهُما: أنَّ المَفْتُون ها هُنا: الفُتُونُ.
والمَصادِرُ تَجِيءُ عَلى المَفْعُولِ.
تَقُولُ العَرَبُ لَيْسَ: هَذا مَعْقُودَ رَأْيٍ، أيْ: عَقْدَ رَأْيٍ، وتَقُولُ: دَعْهُ إلى مَيْسُورِهِ، أيْ: يُسْرِهِ.
والمَعْنى: بِأيِّكُمُ الجُنُونُ.
والثّانِي: بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ بِالفِرْقَةِ الَّتِي أنْتَ فِيها، أمْ بِفِرْقَةِ الكُفّارِ؟
فَيَكُونُ المَعْنى: في أيِّ الفِرْقَتَيْنِ المَجْنُونُ.
وقَدْ ذَكَرَ الفَرّاءُ نَحْوَ ما شَرَحَهُ الزَّجّاجُ.
وقَدْ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِي أيٍّ المَفْتُونُ" .
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ عالِمٌ بِالفَرِيقَيْنِ بِما بَعْدَ هَذا.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ [سُورَةِ القَلَمِ] وهِيَ مَكِّيَّةٌ، ولا خِلافَ فِيها بَيْنَ أحَدٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ ﴾ ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ ﴿ وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ ﴾ ﴿ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ "ن" حَرْفٌ مَقَطَّعٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، فَيَدْخُلُهُ مِنَ الِاخْتِلافِ ما يَدْخُلُ أوائِلَ السُورِ، ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ مِنَ الأقْوالِ بِأنْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: "ن" اسْمُ الحُوتِ الأعْظَمِ الَّذِي عَلَيْهِ الأرْضُونَ السَبْعُ فِيما يُرْوى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَحّاكُ: "ن" اسْمٌ لِلدَّواةِ، فَهَذا إمّا أنْ يَكُونَ لُغَةً لِبَعْضِ العَرَبِ أو تَكُونُ لَفْظَةً أعْجَمِيَّةً، قالَ الشاعِرُ: إذا ما الشَوْقُ بَرَّحَ بِي إلَيْهِمْ..
ألْقَتِ النُونُ بِالدَمْعِ السُجُومِ فَمَن قالَ بِأنَّهُ اسْمُ الحُوتِ جَعَلَ "القَلَمَ" القَلَمَ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ تَعالى وأمَرَهُ فَكَتَبَ الكائِناتِ، وجَعَلَ الضَمِيرَ في "يَسْطُرُونَ" لِلْمَلائِكَةِ، ومَن قالَ بِأنَّ"ن" اسْمٌ لِلدَّواةِ جَعَلَ "القَلَمَ" هو المُتَعارَفُ بِأيْدِي الناسِ، نَصَّ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، وجَعَلَ الضَمِيرَ في ﴿ يَسْطُرُونَ ﴾ لِلنّاسِ، فَجاءَ القَسَمُ -عَلى هَذا- بِمَجْمُوعِ أمْرِ الكِتابِ الَّذِي هو قِوامٌ لِلْعُلُومِ والمَعارِفِ وأُمُورِ الدُنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ القَلَمَ أخُو اللِسانِ ومَطِيَّةُ الفَطِنَةِ ونِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى عامَّةٌ، ورَوى مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "ن لَوْحٌ مِن نُورٍ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: "ن" حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الرَحْمَنِ، وقالُوا: إنَّهُ تَقَطَّعَ في القُرْآنِ إلى "الر" و"حم" و"ن".
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِخِلافٍ-: "نُونَ" بِالنُصْبِ، والمَعْنى: اذْكُرْ نُونَ، وهَذا يَقْوى مَعَ أنْ يَكُونُ اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَهو مُؤَنَّثٌ سُمِّيَ بِهِ مُؤَنَّثٌ، فَفِيهِ تَأْنِيثٌ وتَعْرِيفٌ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ، وانْصَرَفَ "نُوحٌ" لِأنَّ الخِفَّةَ بِكَوْنِهِ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ غَلَبَتْ عَلى عِلَّةِ العُجْمَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والحَسَنُ: "نُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وهَذا كَما تَقُولُ في القَسَمِ: اللهُ، وكَما قالُوا: "جَيْرِ"، وقِيلَ: كُسِرَتْ لِاجْتِماعِ الساكِنِينَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "نُونْ" بِسُكُونِ النُونِ، وهَذا عَلى أنَّهُ حَرْفٌ مُنْفَصِلٌ فَحَقُّهُ الوُقُوفُ عَلَيْهِ، وقَرَأ قَوْمٌ مِنهُمُ الكِسائِيُّ: "ن والقَلَمِ" بِالإدْغامِ دُونَ غُنَّةٍ، وقَرَأ آخَرُونَ بِإدْغامٍ وبِغُنَّةٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ بِالإخْفاءِ بَيْنَ الإدْغامِ والإظْهارِ، و"يَسْطُرُونَ" مَعْناهُ: يَكْتُبُونَ سُطُورًا، فَإنْ أرادَ اللهُ تَعالى المَلائِكَةَ فَهو كَتْبُ الأعْمالِ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ، وإنْ أرادَ تَعالى بَنِي آدَمَ، فَهي الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ والعُلُومُ وما جَرى مَجْراها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ هو جَوابُ القَسَمِ، و"ما" هاهُنا عامِلَةٌ لَها اسْمٌ وخَبَرٌ، وكَذَلِكَ هي مَتى دَخَلَتِ الباءُ في الخَبَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِنِعْمَةِ رَبِّكَ" اعْتِراضٌ، كَما تقُولُ لْإنْسانٍ: أنْتَ -بِحَمْدِ اللهِ- فاضِلٌ.
وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قُرَيْشًا رَمَتْ رَسُولَ اللهِ بِالجُنُونِ، وهو سَتْرُ العَقْلِ، بِمَعْنى أنَّ كَلامَهُ خَطَأٌ كَكَلامِ المَجْنُونِ، فَنَفى اللهُ تَعالى ذَلِكَ عنهُ، وأخْبَرَهُ بِأنَّ لَهُ الأجْرَ، وبِأنَّهُ عَلى الخُلُقِ العَظِيمِ تَشْرِيفًا لَهُ ومَدْحًا.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "مَمْنُونٍ"، فَقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو الواهِنُ المُنْقَطِعُ، يُقالُ: "حَبْلٌ مَمْنُون"، أيْ: ضَعِيفٌ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ، أيْ: لا يُكَدِّرُهُ مَن بِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: غَيْرُ مُسَرَّدٍ ولا مَحْسُوبٍ مُحَصِّلٍ، أيْ: بِغَيْرِ حِسابٍ، «وَسُئِلَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عن خُلُقِ رَسُولِ اللهِ فَقالَتْ: "خَلَقَهُ القُرْآنُ"» أى آدابُهُ وأوامِرُهُ، وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الخُلُقُ العَظِيمُ أدَبُ القُرْآنِ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَنِ الخُلُقِ بِالدِينِ والشَرْعِ، وذَلِكَ لا مَحالَةَ رَأْسُ الخُلُقِ ووَكِيدُهُ، أما إنّ الظاهِرَ مِنَ الآيَةِ أنَّ الخَلْقَ هو الَّذِي يُضادُّ مَقْصِدَ الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ: "مَجْنُونٌ" أيْ: غَيْرُ مُحَصَّلٍ لِما يَقُولُ، وإنَّما مَدْحُهُ تَعالى بِكَرَمِ السَجِيَّةِ وبَراعَةِ القَرِيحَةِ والمَلَكَةِ الجَمِيلَةِ وجَوْدَةِ الضَرائِبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ"،» وقالَ جُنَيْدُ: "سُمِّيَ خُلُقُهُ عَظِيمًا إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ هِمَّةً سِوى اللهُ تَعالى، عاشَرَ الخَلْقَ بِخُلُقِهِ وزايَلَهم بِقَلْبِهِ، فَكانَ ظاهِرُهُ مَعَ الخَلْقِ وباطِنُهُ مَعَ الحَقِّ"، وفي وصِيَّةِ بَعْضِ الحُكَماءِ" "عَلَيْكَ بِالتَخَلُّقِ مَعَ الخَلْقِ، وبِالصِدْقِ مَعَ الحَقِّ، وحُسْنِ الخَلْقِ خَيْرٌ كُلُّهُ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكَ بِحُسْنِ خَلْقِهِ دَرَجَةَ قائِمِ اللَيْلِ صائِمِ النَهارِ"،» وقالَ: « "ما شَيْءٌ أثْقَلُ في المِيزانِ مِن خُلُقٍ حَسَنٍ"،» وَقالَ: « "أحَبَّكم إلى اللهِ أحْسَنُكم أخْلاقًا"،» والعَدْلُ والإحْسانُ والعَفْوُ والصِلَةُ مِنَ الخُلُقِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَتُبْصِرُ" أيْ: أنْتِ وأُمَّتُكِ، و"يُبْصِرُونَ" أيْ: هُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ" فَقالَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ: الكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَيُبْصِرُونَ"، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى: "بِأييِّكُمُ المَفْتُونُ"، وقالَ الأخْفَشُ: بَلِ الإبْصارُ عامِلٌ في الجُمْلَةِ المُسْتَفْهَمِ عنها، في مَعْناها، وأمّا الباءُ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ، وقَتادَةَ: هي زائِدَةٌ، والمَعْنى: أيُّكُمُ المَفْتُونُ؟
وقالَ الحَسَنُ، والضَحّاكُ: "المَفْتُونُ" بِمَعْنى الفِتْنَةِ، كَما قالُوا: "ما لَهُ مَعْقُولٌ" أيْ: عَقْلٌ، وكَما قالُوا: "اقْبَلْ مَيْسُورَهِ ودَعْ مَعْسُورَهُ"، فالمَعْنى: بِأيِّكُمُ هي الفِتْنَةُ والفَسادُ الَّذِي سَمَّوْهُ جُنُونًا؟
وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: بِأيِّكُمُ فُتِنَ المَفْتُونُ؟
وقالَ الأخْفَشُ، المَعْنى: بِأيِّكُمُ فِتْنَةُ المَفْتُونِ؟
ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ، والفَرّاءُ: الباءُ بِمَعْنى "فِي" أيْ: في أيِّ فَرِيقٍ مِنكُمُ النَوْعُ المَفْتُونُ؟
وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ قَلِيلُ التَكَلُّفِ، ولا نَقُولُ إنَّ حَرْفًا بِمَعْنى حَرْفٍ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ هَذا المَعْنى يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ بـ "فِي" وبِالباءِ أيْضًا.
وقَرَأ ابْنُ أبى عَبْلَةَ: "فِي أيِّكُمُ المَفْتُونُ".
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ، والعامِلُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِمَن ضَلَّ ﴾ هو "أعْلَمُ"، وقَدْ قَوّاهُ حَرْفُ الجَرِّ فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارِ فِعْلٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ يُرِيدُ قُرَيْشًا، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا في بَعْضِ الأوقاتِ لِرَسُولِ اللهِ : لَوْ عَبَدْتَ آلِهَتَنا وعَظَّمْتَها لَعَبَدْنا إلَهَكَ وعَظَّمْناهُ، ووَدُّوا أنْ يُداهِنَهم رَسُولُ اللهِ ويَمِيلُ إلى ما قالُوا فَيَمِيلُوا هم أيْضًا إلى قَوْلِهِ ودِينِهِ، و"الِادِّهانُ": المُلايَنَةُ فِيما لا يَحِلُّ، والمُداراةُ: المُلايَنَةُ فِيما يَحِلُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَيُدْهِنُونَ" مَعْطُوفٌ ولَيْسَ بِجَوابٍ؛ لِأنَّهُ كانَ لَنُصِبَ.
و"الحَلّافُ": المُرَدِّدُ لِحَلِفِهِ الَّذِي قَدْ كَثُرَ مِنهُ، و"المَهِينُ": الضَعِيفُ العَقْلِ والرَأْيِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وهو مِن "مَهِنَ" إذا ضَعُفَ، والمِيمُ فاءُ الفِعْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَهِينُ: الكَذّابُ.
و"الهَمّازُ": الَّذِي يَقَعُ في الناسِ، وأصْلُ الهَمْزِ في اللُغَةِ الضَرْبُ طَعْنًا بِاليَدِ أو بِالعَصا أو نَحْوِهِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلَّذِي يَنالُ بِلِسانِهِ، قالَ مُنْذِرٌ: وبِعَيْنِهِ وإشارَتِهِ، وسُمِّيَتِ الهَمْزَةَ لِأنَّ في النُطْقِ بِها حِدَّةً وعَجَلَةً فَشُبِّهَتْ بِالهَمْزِ بِاليَدِ، وقِيلَ لِبَعْضِ الأعْرابِ: أتَهْمِزُ الفَأْرَةَ؟
قالَ: الهِرَّةُ تَهْمِزُها، وقِيلَ لِآخَرَ: أتَهْمِزُ إسْرائِيلَ؟
فَقالَ: إنِّي إذًا لَرَجُلُ سُوءٍ.
و"النَمِيمُ" مَصْدَرٌ كالنَمِيمَةِ، وهو نَقْلُ ما يَسْمَعُ مِمّا يَسُوءُ ويَحْرِشُ النُفُوسَ، ورَوى حُذَيْفَةُ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتّاتٌ"،» وهو النَمّامُ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأوصافَ هي أجْناسٌ لَمْ يُرَدْ بِها رَجُلٌ بِعَيْنِهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ نَزَلَتْ في مُعَيَّنٍ، واخْتُلِفَ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ غِناهُ وأنَّهُ أشْهَرُهم بِالمالِ والبَنِينَ، وقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: هو الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ كانَتْ لَهُ هِنَةٌ في حَلْقِهِ كَزَنَمَةَ الشاةِ، وأيْضًا فَكانَ مِن ثَقِيفٍ مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: هو أبُو جَهْلٍ، وذَكَرَ النِقّاشُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وظاهِرُ اللَفْظَةِ عُمُومُ مَن بِهَذِهِ الصِفَّةِ، والمُخاطَبَةُ بِهَذا المَعْنى مُسْتَمِرَّةٌ باقِي الزَمانِ لا سِيَّما لِوُلاةِ الأُمُورِ.
<div class="verse-tafsir"
هذه مذمة خامسة.
﴿ منّاع ﴾ : شديد المنع.
والخير: المال، أي شحيح، والخير من أسماء المال قال تعالى: ﴿ وإِنه لحُب الخير لشديد ﴾ [العاديات: 8] وقال: ﴿ إنْ تَرَكَ خَيْراً ﴾ [البقرة: 180]، وقد روعي تماثل الصيغة في هذه الصفات الأربع وهي ﴿ حَلاّففٍ، هَمّازٍ، مشَّاءٍ، منَّاعٍ ﴾ وهو ضرب من محسن الموازنة.
والمراد بمنع الخير: منعه عمن أسلَمَ من ذويهم وأقاربهم، يقول الواحد منهم لمن أسلم من أهله أو مواليه: من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبداً، وهذه شنشنة عرفوا بها من بعد، قال الله تعالى في شأن المنافقين ﴿ هم الذين يقولون لا تنفقوا على مَن عند رسول الله حتى ينفضّوا ﴾ [المنافقون: 7].
وأيضاً فمِن منععِ الخير ما كان أهل الجاهلية يعطون العطاء للفخر والسمعة فلا يعطون الضعفاء وإنما يعطون في المجامع والقبائل قال تعالى: ﴿ ولا يَحُضّون على طعام المسكين ﴾ [الفجر: 18].
قيل: كان الوليد بن المغيرة ينفق في الحج في كل حجة عشرين ألفاً يطعم أهلَ مِنى، ولا يعطي المسكين درهماً واحداً.
هما مذمتان سادسة وسابعة قرن بينهما لمناسبة الخصوص والعموم.
والاعتداء: مبالغة في العُدوان فالافتعال فيه للدلالة على الشدة.
والأثيم: كثير الإِثم، وهو فعيل من أمثلة المبالغة قال تعالى: ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ [الدخان: 4344].
والمراد بالإِثم هنا ما يعد خطيئة وفساداً عند أهل العقول والمروءة وفي الأديان المعروفة.
قال أبو حيان: وجاءت هذه الصفات صفات مبالغة ونوسب فيها فجاء ﴿ حَلاّف ﴾ [القلم: 10] وبعده ﴿ مَهين ﴾ [القلم: 10] لأن النون فيها تواخخِ مع الميم، أي ميم ﴿ أثيم ﴾ ، ثم جاء ﴿ همَّاز مشّاء ﴾ [القلم: 11] بصفتي المبالغة، ثم جاء ﴿ منّاع للخَير معتد أثيم ﴾ صفات مبالغة ا ه.
يريد أن الافتعال في ﴿ معتدِ ﴾ للمبالغة.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ القَلَمِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ " ﴿ سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ ﴾ " مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ مَدَنِيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ ﴿ يَكْتُبُونَ ﴾ مَكِّيٌّ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ مَدَنِيٌّ، وباقِي السُّورَةِ مَكِّيٌّ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ن ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ النُّونَ الحُوتُ الَّذِي عَلَيْهِ الأرْضُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ مِن رِوايَةِ أبِي الضُّحى عَنْهُ، وقَدْ رَفَعَهُ.
الثّانِي: أنَّ النُّونَ الدَّواةُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ .
الثّالِثُ: أنَّهُ حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الرَّحْمَنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ عَنْهُ.
الرّابِعُ: هو لَوْحٌ مِن نُورٍ، رَواهُ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ .
الخامِسُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ السُّورَةِ، وهو مَأْثُورٌ.
السّادِسُ: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، ولِلَّهِ تَعالى أنْ يُقْسِمَ بِما يَشاءُ، قالَهُ قَتادَةُ.
السّابِعُ: أنَّهُ حَرْفٌ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ.
الثّامِنُ: أنَّ نُونْ بِالفارِسِيَّةِ أيذون كُنْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: إنْ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ نَقْلٌ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: تَكْوِينُ الأفْعالِ والقَلَمُ وما يَسْطُرُونَ، فَنَزَلَ الأقْوالُ جَمِيعًا في قَسَمِهِ بَيْنَ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ، وهَذا أعَمُّ قِسْمَةٍ.
وَيَحْتَمِلُ عاشِرًا: أنْ يُرِيدَ بِالنُّونِ النَّفْسَ لِأنَّ الخِطابَ مُتَوَجِّهٌ إلَيْها بِغَيْرِ عَيْنِها بِأوَّلِ حُرُوفِها، والمُرادُ بِالقَلَمِ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ لَها وعَلَيْها مِن سَعادَةٍ وشَقاءٍ، لِأنَّهُ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
أمّا ﴿ والقَلَمِ ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القَلَمُ الَّذِي يَكْتُبُونَ بِهِ لِأنَّهُ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ ومَنفَعَةٌ لَهم، فَأقْسَمَ بِما أنْعَمَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ القَلَمُ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ الذِّكْرُ عَلى اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو مِن نُورٍ، طُولُهُ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ وَما يَسْطُرُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وما يَعْلَمُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: وما يَكْتُبُونَ، يَعْنِي مِنَ الذِّكْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ الكاتِبُونَ يَكْتُبُونَ أعْمالَ النّاسِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ كانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ أنَّهُ مَجْنُونٌ بِهِ شَيْطانٌ، وهو قَوْلُهم: ﴿ يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبًا لِقَوْلِهِمْ: ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ أيْ بِرَحْمَةِ رَبِّكَ، والنِّعْمَةُ ها هُنا الرَّحْمَةُ.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّ النِّعْمَةَ ها هُنا قَسَمٌ، وتَقْدِيرُهُ: ما أنْتَ ونِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، لِأنَّ الواوَ والباءَ مِن حُرُوفِ القَسَمِ.
وَتَأوَّلَهُ الكَلْبِيُّ عَلى غَيْرِ ظاهِرِهِ، فَقالَ: مَعْناهُ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمُخْفِقٍ.
﴿ وَإنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: غَيْرُ مَحْسُوبٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ مِنَ الأذى، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ألا تَكُونُ كَإسْماعِيلَ إنَّ لَهُ رَأْيًا أصِيلًا وأْجْرًا غَيْرَ مَمْنُونِ وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: غَيْرُ مُقَدَّرٍ وهو الفَضْلُ، لِأنَّ الجَزاءَ مُقَدَّرٌ، والفَضْلَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ.
﴿ وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أدَبُ القُرْآنِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الثّانِي: دِينُ الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ.
الثّالِثُ: عَلى طَبْعٍ كَرِيمٍ، وهو الظّاهِرُ.
وَحَقِيقَةُ الخُلُقِ في اللُّغَةِ هو ما يَأْخُذُ بِهِ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِنَ الآدابِ سُمِّيَ خُلُقًا لِأنَّهُ يَصِيرُ كالخِلْقَةِ فِيهِ، فَأمّا ما طُبِعَ عَلَيْهِ مِنَ الآدابِ فَهو الخِيمُ فَيَكُونُ الخُلُقُ الطَّبْعَ المُتَكَلَّفَ، والخِيمُ هو الطَّبْعُ الغَرِيزِيُّ، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ الأعْشى في شِعْرِهِ فَقالَ: وإذا ذُو الفُضُولِ ضَنَّ عَلى المَوْ ∗∗∗ لى وعادَتْ لِخِيمِها الأخْلاقُ ايْ رَجَعَتِ الأخْلاقُ إلى طِباعِها.
﴿ فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَسَتَرى ويَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَتَبَيَّنُ الحَقُّ والباطِلُ.
الثّانِي: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ مَعْناهُ فَسَتَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي المَجْنُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: الضّالُّ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: المُعَذَّبُ مِن قَوْلِ العَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا أحَمَيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ ﴾ أيْ يُعَذَّبُونَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات والخطيب في تاريخه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: إن أول شيء خلق الله القلم، فقال له اكتب، فقال: يا رب وما أكتب؟
قال: اكتب القدر، فجرى من ذلك اليوم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طوي الكتاب وارتفع القلم، وكان عرشه على الماء، فارتفع بخار الماء ففتقت منه السموات ثم خلق النور فبسطت الأرض عليه، والأرض على ظهر النون، فاضطرب النون، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة، ثم قرأ ابن عباس ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ .
وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما خلق الله القلم والحوت قال: اكتب قال: ما أكتب؟
قال: كل شيء كائن إلى يوم القيامة، ثم قرأ ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ فالنون الحوت والقلم القلم» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن مردويه عن عبادة بن الصامت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد» .
وأخرج ابن جرير عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ قال: لوح من نور وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون وهي الدواة، وخلق القلم، فقال: اكتب قال: ما أكتب؟
قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
وأخرج الرافعي في تاريخ قزوين من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النون اللوح المحفوظ والقلم من نور ساطع» .
وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول شيء خلق الله القلم، ثم خلق النون، وهي الدواة، ثم قال له: اكتب قال: وما أكتب؟
قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، من عمل أو أثر أو رزق، فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، وذلك قوله: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ ثم ختم على في القلم فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة، ثم خلق الله العقل، فقال: وعزتي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ن والقلم ﴾ قال: ن الدواة والقلم القلم.
وأخرج عن ابن عباس قوله: ﴿ ن ﴾ أشباه هذا قسم الله، وهي من أسماء الله.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة والحسن في قوله: ﴿ ن ﴾ قالا: الدواة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ن ﴾ قال: هو الحوت الذي عليه الأرض.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: الحوت الذي تحت الأرض السابعة، والقلم الذي كتب به الذكر.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم فأخذه بيمينه، وكلتا يديه يمين، وخلق النون، وهي الدواة، وخلق اللوح، فكتب فيه، ثم خلق السموات، فكتب ما يكون من حينئذ في الدنيا إلى أن تكون الساعة من خلق مخلوق أو عمل معمول بر أو فجور، وكل رزق حلال أو حرام رطب أو يابس.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: القلم نعمة من الله عظيمة لولا القلم ما قام دين ولم يصلح عيش، والله أعلم بما يصلح خلقه.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ قال: خلق الله القلم فقال: أجره فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم خلق الحوت وهو النون، فكبس عليها الأرض ثم قال: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ن والقلم ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النون السمكة التي عليها قرار الأرضين، والقلم الذي خط به ربنا عز وجل القدر خيره وشره ونفعه وضره ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: الكرام الكاتبون» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: وما يكتبون.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وقتادة مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما يسطرون ﴾ قال: وما يعملون.
قوله تعالى: ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾ الآية.
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم إنه لمجنون به شيطان، فنزلت ﴿ ما أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن لك لأجراً غير ممنون ﴾ قال: غير محسوب.
قوله تعالى: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .
أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والواحدي عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك، فلذلك أنزل الله تعالى ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة فقلت يا أم المؤمنين: أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي الدرداء قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه.
وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن شقيق العقيلي قال: أتيت عائشة فسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان أحسن الناس خلقاً، كان خلقه القرآن.
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن مردويه عن أبي عبدالله الجدلي قال: قلت لعائشة: كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قالت: لم يكن فاحشاً ولا متفاحشاً ولا سخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.
وأخرج ابن مردويه عن زينب بنت يزيد بن وسق قالت: كنت عند عائشة إذ جاءها نساء أهل الشام، فقلن يا أم المؤمنين: أخبرينا عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كان خلقه القرآن وكان أشد الناس حياء من العواتق في خدرها.
وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عطية العوفي في قوله: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: على أدب القرآن.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: القرآن.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: الدين.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ قال: الإِسلام.
واخرج عبد بن حميد عن ابن ابزى وسعيد بن جبير قالا: على دين عظيم.
وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ثابت عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سنة ما قال لي قط ألا فعلت هذا أو لم فعلت هذا.
قال ثابت: فقلت يا أبا حمزة إنه كما قال الله تعالى: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ .
وأخرج الخرائطي عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثمان سنين فما لامني على شيء يوماً من الأيام فإن لامني لائم قال: دعوه فإنه لو قضى شيء لكان.
وأخرج ابن سعد عن ميمونة قالت: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة من عندي فأغلقت دونه الباب، فجاء يستفتح الباب، فأبيت أن أفتح له، فقال: أقسمت عليك إلا فتحت ليفقلت له: تذهب إلى أزواجك في ليلتي قال: ما فعلت، ولكن وجدت حقناً من بولي» .
قوله تعالى: ﴿ فستبصر ويبصرون ﴾ الآيات.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون ﴾ قال: تعلم ويعلمون يوم القيامة ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: الشيطان كانوا يقولون: إنه شيطان إنه مجنون.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ يقول: يتبين لكم المفتون.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ يقول: بأيكم المجنون.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير وابن أبزى ﴿ بأيكم المفتون ﴾ بأيكم المجنون.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: بأيكم المجنون.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: المجنون.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: الشيطان.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال: أيكم أولى بالشيطان.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن ﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾ قال: أيكم أولى بالشيطان فكانوا أولى بالشيطان منه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: لو ترخص لهم فيرخصون.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ يقول: لو تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالئونك.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: ودوا لو يدهن نبي الله عن هذا الأمر فيدهنوا عنه.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ قال: لو تكفر فيكفرون.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ هذا ثناء على خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن» تعني التأدب بآدابه وامتثال أوامره، وعبر ابن عباس عن الخلق بالدين والشرع وذلك رأس الخلق، وتفصيل ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع كل فضيلة، وحاز كل خصلة جميلة، فمن ذلك شرف النسب ووفور العقل وصحة الفهم، وكثرة العلم، وشدّة الحياء، وكثرة العبادة والسخاء والصدق والشجاعة والصبر والشكر والمروءة والتودد والاقتصاد والزهد والتواضع والشفقة والعدل والعفو وكظم الغيظ وصلة الرحم وحسن المعاشرة وحسن التدبير وفصاحة اللسان وقوة الحواس وحسن الصورة وغير ذلك، حسبما ورد في أخباره وسيره صلى الله عليه وسلم ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ، وقال الجنيد: سمى خلقه عظيماً، لأنه لم تكن له همة سوى الله عز وجل: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ المفتون ﴾ قيل: إن المفتون هنا بمعنى المجنون، ويحتمل غير ذلك من معاني الفتنة، والخطاب في قوله: ﴿ فَسَتُبْصِرُ ﴾ للنبي صلى الله وعليه وسلم وفي قوله: ﴿ وَيُبْصِرُونَ ﴾ لكفار قريش، واختلف في الباء التي في قوله: ﴿ بِأَييِّكُمُ ﴾ على أربعة أقوال: الأول أنها زائدة، الثاني أنها غير زائدة والمعنى بأيكم الفتنة، فأوقع المفتون موقع الفتنة كقولهم: ماله معقول أي عقل، الثالث أن الباء بمعنى في والمعنى في أي فريق منكم المفتون واستحسن ابن عطية هذا، الرابع: أن المعنى بأيكم فتنة المفتون ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
<div class="verse-tafsir"
[قوله - عز وجل -: ﴿ نۤ ﴾ ]، اختلف في تأويل نون: فمنهم من يقول: هو الحوت؛ كقوله: ﴿ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً ﴾ فنسبه إلى النون وهو الحوت؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ .
ومنهم من يقول: "النون" هو الدواة، فتأويل هذا على جهة الموافقة؛ لأنه ذكر القلم وما يسطر به، فلم يبق [هاهنا سوى] الدواة؛ فحمله على الدواة؛ لأجل الموافقة، لا أن يكون فيه معنى يدل على إرادة الدواة منه، والله أعلم.
ومنهم من يقول: هي فارسية معربة "أنون كن"، أي: اصنع ما شئت، يقال هذا عند الإياس: أن المرء إذا أيس عن آخر قال له: اصنع ما شئت إذن.
ومنهم من يقول: هو من الحروف المقطعة، ويشبه أن يكون كذلك؛ لأنه ذكر القلم وما يسطر على آثره، وإنما يكتب بالقلم ويسطر الحروف المعجمة، فأخبر - - عظيم صنيعه ولطفه بإنشائه هذه الحروف وخلقه القلم وما يسطر عليه؛ حيث يوصل بها إلى معرفة الحكمة وكل ما يكون به المصلحة من الدين والدنيا، بل جعل قوام الدين والدنيا بها.
ومنهم من يجعل كل حرف من الحروف المعجمة اسما من أسماء الله ، أو افتتاح اسم من أسمائه، وكذلك يروى عن بعض الصحابة - م - أنه قال ذلك.
فإن كان النون اسما من أسماء الله ، فالقسم به قسم بالله ، وإن كان على غيره من الوجوه التي ذكرناها، فالقسم جار بما به قوام سائر الخلق ومصالحهم، وقد ذكرنا أن القسم لتأكيد ما يقصد من الأمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ .
فموضع القسم هذا أقسم بما ذكر ﴿ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ : [ما أنت بما أنعم الله عليك بمجنون؛ وهذا] يحتمل أوجهاً: أحدها: أي: نعمة ربك حفظتك عن الجنون؛ فنفى عنه الجنون بقوله: ما أنت بما أنعم الله عليك بمجنون، وهذا كما يقال: ما أنت بحمد الله بمجنون، يراد به نفي الجنون.
والثاني: أنك لست ممن خدعته النعمة واغتر بها حتى شغلته عن العمل بما له وعليه، والمجنون في النعمة هو الذي غرته النعم وألهته عن التزود للمعاد.
أو ما أنت بغافل عن نعمة [السيد، وهو الرب -] بل تذكرها وتشكر الله عليها، والمجنون من غفل عن النعمة وأعرض عن شكرها.
ثم الكفرة كانوا ينسبونه إلى الجنون: إما لما كان يغشى؛ لثقل الوحي، فكانوا ينسبونه لهذا، وإما لما رأوا أنه خاطر بنفسه وروحه حيث خالف أهل الأرض، وفيها الجبابرة والفراعنة، وانتصب لمعاداتهم، ومن قام بخلاف من لا طاقة له معه وانتصب لمعاداته، فذلك منه في الشاهد جنون، فأجاب الله للفريقين جميعاً: أما للأول بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ ﴾ .
أي: كيف تنسبونه إلى الجنون وعند الإفاقة من تلك الغشية يأتيهم بحكمة وموعظة يعجز حكماء الجن والإنس عن إتيان مثله، وليس ذلك من علم المجانين، ولا مما يمكن تحصيله في حال الجنون؛ لأن المجنون إذا أفاق من غشيته، تكلم بكلام لا يعبأ بمثله، ولا يكترث له.
وأجاب لمن كان نسبه إلى الجنون؛ لما خاطر بروحه ونفسه بقوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ ، فأخبر أن الذي حمله على المخاطرة بروحه وجسده هو أنه مأمور بالتبليغ والنذارة، فهو يقوم بما أمر، وإن أدى ذلك إلى إتلاف النفس، ثم - بحمد الله - لم يتهيأ للفراعنة أن يقتلوه ولا تمكنوا من المكر به، بل أظفره الله عليهم حتى قتلهم ورد كيدهم في نحورهم؛ فصار الوجه الذي استدلوا به على جنونه آية رسالته ودلالة نبوته، والله الهادي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ .
قال الحسن: أي: لا يمن عليك المنة التي تؤذيك، ولكن يمن عليك منة رحمة وكرامة، والمن المؤذي كما ذكر - عز وجل -: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ ﴾ ، فليس لأحد عليك منة تؤذيك.
وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ أي: غير مقطوع، أي: إن أجرك غير مقدر بالأعمال حتى يجري بقدر الأعمال، فإذا انقطعت الأعمال انقطع الأجر وانقرض، بل يتتابع عليك ويدر، يقال في الكلام: مننت الحبل، أي: قطعته.
وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ أي: غير محسوب، أي: لا نحسب عليك النعم؛ فتفنى بفناء الحساب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ .
خلقه العظيم: هو القرآن، ومعناه ما أدبه القرآن؛ وذلك كقوله: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ \[المؤمنون: 96\]؛ وكقوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، فأخذه بالعفو وأمره بالعرف، وإعراضه عن الجاهلين، ودفعه السيئة بالتي هي أحسن، وخفضه الجناح للمؤمنين - من أعظم الخُلُق.
وتخلق بهذا كله بما أدبه القرآن، والله أعلم.
وقال بعضهم: الخلق العظيم: هو الإسلام، والإسلام هو الاستسلام والانقياد لأمر الله ، وقد استسلم لذلك، وسلم الناس من لسانه ويده، ومن كل أنواع الأذى، وذلك من أعظم الخلق.
والأصل أن رسول الله كلف معاملة أعداء الله ومعاملة أولياء الله وأنصاره، وكلف أن يرفض الدنيا ويتزهد فيها، وكلف معاملة الصغير والكبير والعالم والجاهل والجن والإنس، وكلف معاملة نسائه، ومن كلف المعاملة مع هؤلاء، لم يقم بها إلا بخلق عظيم، ورزقه الله خلقاً عظيماً حتى احتمل المعاملة، وقام معهم بحسن العشرة، وحتى عوتب على عظيم خلقه بقوله: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ ، وبقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ﴾ ، وقال: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ ﴾ وقال: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ ، فالذي حمله على هذه المشقة والكلفة العظيمة حسن خلقه وفضل شفقته ورحمته، فعظم خلقه أن خلقه جاوز قوى نفسه حتى ضعفت نفسه عن احتماله وكادت تهلك فيه، وغيره من الخلائق تقصر أخلاقهم عن قوى أنفسهم، وأنفسهم: تحتمل أضعاف ما هم عليه من الخلق وتضيق أخلاقهم عن ذلك، فهذا الذي ذكرنا هو النهاية في العظم، وبالله التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
كثير المنع للخير، معتدٍ على الناس في أموالهم وأعراضهم وأنفسهم، كثير الآثام والمعاصي.
<div class="verse-tafsir" id="91.EKPgD"