الإسلام > القرآن > سور > سورة 74 المدثر > الآية ١٦ من سورة المدثر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 52 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٦ من سورة المدثر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
أي معاندا وهو الكفر على نعمه بعد العلم.
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا ) قال: جحودا.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا ) قال محمد بن عمرو: معاندا لها.
وقال الحارث: معاندا عنها، مجانبا لها.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد، قوله: ( عَنِيدًا ) قال: معاندا للحقّ مجانبا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا ) كفورا بآيات الله جحودا بها.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ( لآيَاتِنَا عَنِيدًا ) قال: مشاقا، وقيل: عنيدا، وهو من عاند معاندة فهو معاند، كما قيل: عام قابل، وإنما هو مقبل.
و ( كلا ) قطع للرجاء عما كان يطمع فيه من الزيادة فيكون متصلا بالكلام الأول ، وقيل : ( كلا ) بمعنى حقا ويكون ابتداء إنه يعني الوليد كان لآياتنا عنيدا أي معاندا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به ، يقال : عاند فهو عنيد مثل : جالس فهو جليس قاله مجاهد ، وعند يعند بالكسر أي خالف ورد الحق وهو يعرفه فهو عنيد وعاند ، والعاند : البعير الذي يجور عن الطريق ويعدل عن القصد والجمع عند مثل راكع وركع ، وأنشد أبو عبيدة قول الحارثي :[ ص: 69 ]إذا ركبت فاجعلاني وسطا إني كبير لا أطيق العنداوقال أبو صالح : عنيدا معناه مباعدا ; قال الشاعر :أرانا على حال تفرق بيننا نوى غربة إن الفراق عنود قتادة : جاحدا .
مقاتل : معرضا .
ابن عباس : جحودا .
وقيل : إنه المجاهر بعدوانه .
وعن مجاهد أيضا قال : مجانبا للحق معاندا له معرضا عنه .
والمعنى كله متقارب .
والعرب تقول : عند الرجل إذا عتا وجاوز قدره .
والعنود من الإبل : الذي لا يخالط الإبل ، إنما هو في ناحية .
ورجل عنود إذا كان يحل وحده لا يخالط الناس والعنيد من التجبر .
وعرق عاند : إذا لم يرقأ دمه .
كل هذا قياس واحد وقد مضى في سورة ( إبراهيم ) .
وجمع العنيد عند ، مثل رغيف ورغف .
{ كَلَّا } أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك لأنه { كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا } أي: معاندا، عرفها ثم أنكرها، ودعته إلى الحق فلم ينقد لها ولم يكفه أنه أعرض وتولى عنها، بل جعل يحاربها ويسعى في إبطالها.
"كلا"، لا أفعل ولا أزيده، قالوا: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك.
"إنه كان لآياتنا عنيداً"، معانداً.
«كلا» لا أزيده على ذلك «إنه كان لآياتنا» القرآن «عنيدا» معاندا.
دعني -أيها الرسول- أنا والذي خلقته في بطن أمه وحيدًا فريدًا لا مال له ولا ولد، وجعلت له مالا مبسوطًا واسعًا وأولادًا حضورًا معه في "مكة" لا يغيبون عنه، ويسَّرت له سبل العيش تيسيرًا، ثم يأمُل بعد هذا العطاء أن أزيد له في ماله وولده، وقد كفر بي.
ليس الأمر كما يزعم هذا الفاجر الأثيم، لا أزيده على ذلك؛ إنه كان للقرآن وحجج الله على خلقه معاندًا مكذبًا، سأكلفه مشقة من العذاب والإرهاق لا راحة له منها.
(والمراد به الوليد بن المغيرة المعاند للحق المبارز لله ولرسوله بالمحاربة، وهذا جزاء كلِّ من عاند الحق ونابذه).
وقوله : ( إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً ) تعليل للزجر والردع وقطع الرجاء .
أى : كلا لن أمكنه مما يريده ويتمناه .
.
لأنه كان إنسانا شديد المعاندة والإِبطال لآياتنا الدالة على وحدانيتنا ، وعلى صدق رسولنا فيما يبلغه عنا .
ومن مظاهر ذلك أنه وصف رسولنا صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر .
.قال مقاتل : مازال الوليد بعد نزول هذه الآية فى نقص من ماله وولده حتى هلك .
ثم قال تعالى: ﴿ كَلاَّ ﴾ وهو ردع له عن ذلك الطمع الفاسد قال المفسرون ولم يزل الوليد في نقصان بعد قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ حتى افتقر ومات فقيراً.
قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كان لآياتنا عَنِيداً ﴾ إنه تعليل للردع على وجه الاستئناف كأن قائلاً قال: لم لا يزاد؟
فقيل: لأنه كان لآياتنا عنيداً والعنيد في معنى المعاند كالجليس والأكيل والعشير، وفي هذه الآية إشارة إلى أمور كثيرة من صفاته أحدها: أنه كان معانداً في جميع الدلائل الدالة على التوحيد والعدل والقدرة وصحة النبوة وصحة البعث، وكان هو منازعاً في الكل منكراً للكل.
وثانيها: أن كفره كان كفر عناد كان يعرف هذه الأشياء بقلبه إلا أنه كان ينكرها بلسانه وكفر المعاند أفحش أنواع الكفر.
وثالثها: أن قوله: ﴿ إِنَّهُ كان لاياتنا عَنِيداً ﴾ يدل على أنه من قديم الزمان كان على هذه الحرفة والصنعة.
ورابعها: أن قوله: ﴿ إِنَّهُ كان لاياتنا عَنِيداً ﴾ يفيد أن تلك المعاندة كانت منه مختصة بآيات الله تعالى وبيناته، فإن تقديره: إنه كان لآياتنا عنيداً لا لآيات غيرنا، فتخصيصه هذا العناد بآيات الله مع كونه تاركاً للعناد في سائر الأشياء يدل على غاية الخسران.
<div class="verse-tafsir"
والفاء في قوله: ﴿ فَإِذَا نُقِرَ ﴾ للتسبيب، كأنه قال: اصبر على أذاهم فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم، وتلقى فيه عاقبة صبرك عليه.
والفاء في ﴿ فَذَلِكَ ﴾ للجزاء فإن قلت: بم انتصب إذا، وكيف صح أن يقع ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ ظرفاً ليوم عسير؟
قلت: انتصب إذا بما دلّ عليه الجزاء، لأنّ المعنى: فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين، والذي أجاز وقوع ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ ظرفاً ليوم عسير: أنّ المعنى: فذلك وقت النقر وقوع يوم عسير، لأنّ يوم القيامة يأتي ويقع حين ينقر في الناقور.
واختلف في أنها النفخة الأولى أم الثانية.
ويجوز أن يكون يومئذ مبنياً مرفوع المحل، بدلا من ﴿ ذلك ﴾ و ﴿ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴾ خبر، كأنه قيل: فيوم النقر يوم عسير.
فإن قلت: فما فائدة قوله: ﴿ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾ و ﴿ عَسِيرٌ ﴾ مغن عنه؟
قلت: لما قال: ﴿ عَلَى الكافرين ﴾ فقصر العسر عليهم قال: ﴿ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾ ليؤذن بأن لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيراً هيناً، ليجمع بين وعيد الكافرين وزيادة غيظهم وبشارة المؤمنين وتسليتهم ويجوز أن يراد أنه عسير لا يرجى أن يرجع يسيراً، كما يرجى تيسر العسير من أمور الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴾ وبَسَطْتُ لَهُ الرِّياسَةَ والجاهَ العَرِيضَ حَتّى لُقِّبَ رَيْحانَةَ قُرَيْشٍ والوَحِيدُ أيْ بِاسْتِحْقاقِهِ الرِّياسَةَ والتَّقَدُّمَ.
﴿ ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ ﴾ عَلى ما أُوتِيَهُ وهو اسْتِبْعادٌ لِطَمَعِهِ إمّا لِأنَّهُ لا مَزِيدَ عَلى ما أُوتِيَ، أوْ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ ما هو عَلَيْهِ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ ومُعانَدَةِ المُنْعِمِ ولِذَلِكَ قالَ: <div class="verse-tafsir"
{كلا} ردع له وقطع لرجائه أي لا يجمع له بعد اليوم بين الكفر والمزيد من النعم فلم يزل بعد نزول الآية في نقصان من المال والجاه حتى هلك {إِنَّهُ كان لآياتنا عنيدا} معاندا جاحدا وهو تعليل الردع على وجه الاستئناف كان قائلا قال لما لا يزال فقيل إنه جحد آيات المنعم وكفر بذلك نعمته والمكافر لا يستحق المزيد
﴿ ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ ﴾ عَلى ما أدَّيْتُهُ وهو اسْتِبْعادٌ واسْتِنْكارٌ لِطَمَعِهِ وحِرْصِهِ إمّا لِأنَّهُ في غِنًى تامٍّ لا مَزِيدَ عَلى ما أُوتِيَ سِعَةً وكَثْرَةً أوْ لِأنَّهُ مُنافٍ لِما هو عَلَيْهِ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ ومُعانِدَةِ المُنَعِمِ.
وعَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ ( إلّا ) لِي واسْتِعْمالُ ﴿ ثُمَّ ﴾ لِلِاسْتِبْعادِ كَثِيرٌ قِيلَ وهو غَيْرُ التَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ بَلْ عَدُّ الشَّيْءِ بَعِيدًا غَيْرُ مُناسِبٍ لِما عُطِفَ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ تُسِيءُ إلَيَّ ثُمَّ تَرْجُو إحْسانِي.
وكانَ ذَلِكَ لِتَنْزِيلِ البُعْدِ المَعْنَوِيِّ مَنزِلَةَ البُعْدِ الزَّمانِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
وهي ست وخمسون آية مكية قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ يعني: محمدا وقد تدثر بثوبه وأصله المتدثر بثيابه إذا نام فأدغمت التاء في الدال وشددت وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله وهو يحدث عن فترة الوحي فقال رسول الله : في حديثه: «فَبَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي إذْ سَمِعْتُ صَوتاً مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا المَلِكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحراء جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيَ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ فَخَشَيْتُ فَرَجِعْتُ إِلَى أَهْلِي فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَدَثَرُونِي فَنَزَلَ يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ» قُمْ فَأَنْذِرْ يعني: فخوف قومك وادعهم إلى التوحيد ويقال: قُمْ فَأَنْذِرْ يعني: قم فصلِّ لله ويقال: قُمْ فَأَنْذِرْ يعني: خوفهم بالعذاب إن لم يوحدوا يعني: ادعهم من الكفر إلى الإيمان ثم قال عز وجل: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ يعني: فعظمه عما يقولون فيه عبدة الأوثان.
ويقال: فكبر يعني: فكبر للصلاة ثم قال: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ يعني: طهر قلبك بالتوبة عن الذنوب والمعاصي وهذا قول قتادة وقال مقاتل: يعني: قلبك فطهر بالتوبة وكانت العرب تقول للرجل إذا أذنب دنس الثياب وقال الفراء: يعني: ثيابك فقصر.
وقال الزجاج لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة وإن كان طويلاً لا يؤمن أن يصيبه النجاسة ويقال: يعني: لا تقصر فتكون غادراً دنس الثياب وقال مجاهد: وثيابك فطهر يعني: نفسك فطهر ويقال: عملك فأخلص ويقال: ظنك فحسن ثم قال: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ يعني: المأثم فاترك ويقال: الرجز فاهجر يعني: ارفض عبادة الأوثان قرأ عاصم في رواية حفص والرجز بضم الزاء والباقون بكسر الزاء ومعناهما واحد وهم الأوثان يعني: فارفض عبادة الأوثان ويقال: الرجز العذاب كقوله تعالى: رِجْزاً مِنَ السَّماءِ [البقرة: 59] ومعناه كل شيء يحرك إلى عذاب الله تعالى فاتركه ثم قال عز وجل: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ يعني: لا تعط شيئاً قليلاً تطلب به أكثر وأفضل في الدنيا وقال الحسن ولا تمنن تستكثر يعني: ولا تمنن بعملك على ربك تستكثره وقال مجاهد لا تعط مالك رجاء فضل من الثواب في الدنيا وقال الضحاك لا تعط ولتعطى أكثر منه قوله تعالى: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ يعني: اصبر على أمر ربك قال إبراهيم النخعي: اصبر لعظمة ربك وقال مقاتل: ولربك فاصبر يعني: يعزي نبيه ليصبر على أذاهم ويقال: فاصبر نفسك في عبادة ربك فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ يعني: اصبر فعن قريب ينفخ في الصور.
فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ يعني: شديداً على الكافرين غير يسير يعني: غير هين وفي الآية دليل أن ذلك اليوم يكون على المؤمنين هيناً وهذا كقوله تعالى: وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً [الفرقان: 26] لأن الكفار يقطع رجاؤهم في جميع الوجوه.
<div class="verse-tafsir"
وعكرمة وهو فَاعُولُ مِنَ النَّقْرِ «١» ، قال أبو حباب القصاب: أَمَّنَا زُرَارَةُ بنُ أَوْفَى فَلَمَّا بَلَغَ فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ خَرَّ مَيِّتاً، قال الفخر «٢» : قوله تعالى: فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ أي: على الكافرين، لأَنَّهُمْ يُنَاقَشُونَ غَيْرُ يَسِيرٍ أي: بلْ كَثِيرٌ شَدِيدٌ فأمَّا المؤمِنونَ فَإنَّه عليهم يَسِيرٌ لأَنَّهم لا يُنَاقَشُونَ، قال ابن عباس: ولما قال تعالى: عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ دَلَّ على أنه يسيرٌ على المؤمنينَ «٣» ، وهذا هو دليلُ الخِطَابِ، ويحتملُ أَنْ يكونَ إنما وَصَفَه تعالى بالعُسْرِ لأنَّه في نفسِه كذلك للجميع من المؤمنين والكافرين، إلاَّ أَنَّه يكونُ هَوْلُ الكفار فيه أَكْثَرُ وَأَشَدُّ، وعلى هذا القولِ يَحْسُن الوَقْفَ على قوله: يَوْمٌ عَسِيرٌ انتهى.
وقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً الآية، لا خلافَ بَيْنَ المفسرين أن هذه الآيةَ نزلتْ في الوليدِ بن المغيرةِ المخزومي، فَرُوِيَ أنَّه كَانَ يُلَقَّبُ الوحيدَ أي: لأنه لاَ نَظِيرَ له في مالهِ وشَرَفهِ في بيتِه، فَذَكَرَ الوَحِيدَ في جملة النِّعَمِ التي أُعْطِيَ، وإنْ لم يَثْبُتْ هذا فقوله تعالى: خَلَقْتُ وَحِيداً معناه: منفَرِداً قليلاً ذَلِيلاً، والمالُ الممدودُ قال مجاهد وابن جبير: هو ألْفُ دينار «٤» ، وقال سفيان: بلغني أَنَّهُ أربَعة آلافٍ وقاله قتادة «٥» ، وقيل عَشَرَةُ آلافِ دينار، قال ع «٦» : وهذا مَدّ في العدَدِ، وقال عمر بن الخطاب: المالُ الممدودُ:
الرَّيْع المستغَلُّ مُشَاهَرةً «٧» .
وَبَنِينَ شُهُوداً أي حُضُوراً، قيل عشَرَةٌ وقِيلَ ثَلاَثَةُ عَشَرَ، قال الثعلبيُّ/: أسْلَم منهم ثلاثةٌ خَالد بْن الوليدِ، وهِشَام، وعِمَارَة، قالوا: فما زال الوليدُ بَعْد نزولِ هذهِ الآيةِ في نُقْصَانٍ من ماله وولده حتى هلك، انتهى.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُدَّثِّرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ ﴿ قُمْ فَأنْذِرْ ﴾ ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ ﴿ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ ﴿ والرُجْزَ فاهْجُرْ ﴾ ﴿ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ ﴿ وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ ﴾ ﴿ فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ ﴾ ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴾ ﴿ عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في "المُدَّثِّرِ" عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ في [المُزَّمِّلِ]، وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [المُدَّثِّرُ] ومَعْناهُ: المُتَدَثِّرُ بِثِيابِهِ، والدِثارُ: ما يَتَغَطّى الإنْسانُ بِهِ مِنَ الثِيابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ ناداهُ بِالمُدَّثِّرِ؟
فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِما ورَدَ في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِن رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ فَرُعِبَ مِنهُ ورَجَعَ إلى خَدِيجَةَ، قالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ"، ﴾ » وقالَتْ عائِشَةُ، وَقالَ النَخْعِيُّ وقَتادَةُ: نُودِيَ وهو في حالٍ تَدَثُّرٍ فَدُعِي بِحالٍ مِن أحْوالِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَدَّثِرُ في قَطِيفَةٍ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: أيُّها النائِمُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ لِلنُّبُوَّةِ وأثْقالِها.
واخْتَلَفَ الناسُ في أوَّلِ ما نَزَلَ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، فَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وأبُو سَلَمَةَ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو ﴿ "يا أيُّها المُدَّثِّرُ" ﴾ الآياتُ، وقالَ الزُهْرِيُّ والجُمْهُورُ: "هُوَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ"، وهَذا هو الأصَحُّ، وحَدِيثُ صَدْرِ البُخارِيِّ نَصَّ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قُمْ فَأنْذِرْ" بِعْثَةٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، قالَ قَتادَةُ، المَعْنى: أنْذِرْ عَذابَ اللهِ ووَقائِعَهُ بِالأُمَمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ" مَعْناهُ: عَظِّمْهُ بِالعِبادَةِ وبُثَّ شَرْعَهُ، ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ قالَ: بِمَ نَفْتَتِحُ صَلاتَنا؟
فَنَزَلَتْ: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ".
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ "وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ"، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ زَيْدٍ بْنِ أسْلَمَ، والشافِعِيُّ، وجَماعَةٌ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ الثِيابِ حَقِيقَةً، وذَهَبَ الشافِعِيُّ وغَيْرُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إلى وُجُوبِ غَسْلِ النَجاساتِ مِنَ الثِيابِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هَذِهِ الألْفاظُ اسْتِعارَةٌ في تَنْقِيَةِ الأفْعالِ والنَفْسِ وأعْرِضْ وهَذا كَما تَقُولُ: فُلانٌ طاهِرُ الثَوْبِ، ويُقالُ لِلْفاجِرِ: دَنَسُ الثَوْبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ..
لَبِسَتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنِّعُ وقالَ الآخَرُ: لا هُمَّ إنَّ عامِرَ ابْنَ جَهْمِ ∗∗∗ ∗∗∗ أوذَمَ حَجًّا في ثِيابِ دُهْمِ أيْ: دَنَّسَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُما: المَعْنى: ولا تَلْبَسُها عَلى غَدْرَةٍ ولا فُجُورٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: المَعْنى: لا تَلْبَسُها مِن مَكْسَبٍ خَبِيثٍ، وقالَ النَخْعِيُّ: المَعْنى: طَهِّرْها مِنَ الذُنُوبِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وقالَ طاوُسٌ: المَعْنى: قَصَرَها وشَمَّرَها، فَذَلِكَ طُهْرَةٌ لِلثِّيابِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "والرِجْزَ فاهْجُرْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، والأعْرَجُ: و"الرُجْزَ فاهْجُرْ" بِضَمِّ الراءِ، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنى يُرادُ بِهِما الأصْنامُ والأوثانُ، وقِيلَ: لِلْأصْنامِ عُمُومًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والزَهْرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الرِجْزَ": السُخْطُ، فالمَعْنى: اهْجُرْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ ويُوجِبُهُ، وَقالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَعْصِيَةِ رِجْزٌ، ورَوى جابِرٌ أنَّ النَبِيَّ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِالأوثانِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: لا تُعْطِ عَطاءً لِتُعْطى أكْثَرُ مِنهُ، فَكَأنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ: "مَن إذا أعْطى"، قالَ الضَحّاكُ: وهَذا خاصٌّ بِالنَبِيِّ ومُباحٌ لِأُمَّتِهِ لَكِنْ لا أجْرَ لَهم فِيهِ، قالَ مَكِّيٌّ: وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ الناسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَعْنًى أجْنَبِيٌّ مِن مَعْنى هَذِهِ السُورَةِ.
وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ﴿ "وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ": ﴾ لا تَقُلْ: دَعَوْتُ فَلَمْ أُجَبْ ورَوى قَتادَةُ أنَّ المَعْنى: لا تُدْلِ بِعَمَلِكَ، فَفي هَذا التَأْوِيلِ تَحْرِيض عَلى الجِدِّ وتَخْوِيف، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: ولا تَمْنُنْ عَلى الناسِ بِنُبُوءَتِك تَسْتَكْثِرُ بِأجْرٍ أو بِكَسْبٍ تَطْلُبُهُ مِنهُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: عَلى اللهِ تَعالى بِجَدِّكَ تَسْتَكْثِرُ أعْمالَكَ ويَقَعُ لَكَ بِها إعْجابٌ، فَهَذِهِ كُلُّها مِنَ المَنِّ الَّذِي هو تَعْدِيدُ اليَدِ وذِكْرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: ولا تَضْعُفْ تَسْتَكْثِرُ ما حَمَلْناكَ مِن أعْباءِ الرِسالَةِ وتَسْتَكْثِرُ مِنَ الخَيْرِ، فَهَذِهِ مِن قَوْلِهِمْ: "حَبْلٌ مَنِينٌ" أيْ: ضَعِيفٌ.
وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَسْتَكْثِرُ" بِنَصْبِ الراءِ عَلى تَقْدِيرِ "أنَّ" مُضْمَرَةً، وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ الجَزْمَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا تَمْنُنْ فَتَسْتَكْثِرُ" بِالفاءِ العاطِفَةِ والجَزْمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "وَلا تَمْنَّ" بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.
"وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ"، أيْ لِوَجْهِ رَبِّكَ وطَلَبِ رِضاهُ، كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى: عَلى الأدْنى مِنَ الكُفّارِ، وعَلى العِبادَةِ، وعَنِ الشَهَواتِ، وعَلى تَكالِيفِ النُبُوَّةِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وعَلى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ، لَقَدْ حَمَلَ أمْرًا عَظِيمًا.
و"الناقُورِ": الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ، وهو الصُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، وقالَ خِفافُ بْنُ نُدْبَةَ: إذا ناقُورُهم يَوْمًا تَبَدّى ∗∗∗ أجابَ الناسُ مِن شَرْقٍ وغَرْبِ وهُوَ" فاعُولٌ" مِنَ النَقْرِ، وقالَ أبُو حُبابٍ: أمِنّا زُرارَةُ بْنُ أوفى فَلَمّا بَلَغَ " فَإذا نُقِرَ في الناقُورِ" خَرَّ مَيِّتًا، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ قالَ لِأصْحابِهِ: "كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَهُ وحَنى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ بِالنَفْخِ"؟
فَفَزِعَ فَقالُوا: كَيْفَ نَقُولُ يا رَسُولَ اللهِ؟
قالَ: "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللهِ تَوَكَّلْنا".» ويَوْمٌ عَسِيرٌ مَعْناهُ: في عُسْرٍ في الأُمُورِ الجارِيَةِ عَلى الكَفّارِ، فَوَصَفَ اللهُ تَعالى اليَوْمَ بِالعَسِرِ لِكَوْنِهِ ظَرْفَ زَمانٍ لَهُ، وكَذَلِكَ تَجِيءُ صِفَتُهُ بِاليُسْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ "عُسْرٍ" بِغَيْرِ ياءٍ.
<div class="verse-tafsir"
لما جرى ذكر الكافرين في قوله: ﴿ فذلك يومئذٍ يوم عسير على الكافرين ﴾ [المدثر: 9، 10]، وأشير إلى ما يلقاه الرسول صلى الله عليه وسلم من الكافرين بقوله: ﴿ ولربّك فاصبر ﴾ [المدثر: 7] انتقل الكلام إلى ذكر زعيم من زعماء الكافرين ومدبر مطاعنهم في القرآن ودعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله: ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ الخ.
استئناف يؤذن بأن حدثاً كان سبباً لنزول هذه الآية عقبَ الآيات التي قبلها، وذلك حين فشا في مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاوده الوحي بعد فترة وأنه أُمر بالإِنذار ويدل على هذا ما رواه ابن إسحاق أنه اجتمع نفر من قريش فيهم أبو لهب، وأبو سفيان، والوليدُ بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأميةُ بن خلف، والعاصي بنُ وائل، والمُطْعِم بن عَدِي.
فقالوا: إن وفود العرب ستقدِم عليكم في الموسم وهم يتساءلون عن أمر محمد وقد اختلفتم في الأخبار عنه.
فمن قائل يقول: مجنون وآخر يقول: كاهن، وآخر يقول: شاعر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، فسَمُّوا محمد باسم واحد تجتمعون عليه وتسميه العرب به، فقام رجل منهم فقال: شاعر، فقال الوليد بن المغيرة: سمعتُ كلام ابننِ الأبرص (يعني عَبيد بن الأبرص) وأميّة بن أبي الصلت، وعرفتُ الشعر كله، وما يشبه كلام محمد كلام شاعر، فقالوا: كاهن، فقال الوليد: ما هو بزمزمة الكاهن ولا بسجعه.
والكاهن يصدُق ويكذب وما كذب محمد قط، فقام آخر فقال: مجنون، فقال الوليد: لقد عرفنا الجنون فإن المجنون يُخْنَق فما هو بخنقه ولا تَخالُجِه ولا وسوسته، فقالوا: ساحر، قال الوليد: لقد رأينا السُّحَّار وسِحْرهم فما هو بنفثه ولا عَقْده، وانصرف الوليد إلى بيته فدخل عليه أبو جهل فقال: ما لكَ يَا با عَبدِ شمس أصَبَأْتَ؟
فقال الوليد: فكَّرت في أمر محمد وإِن أقربَ القول فيه أن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فقال ابن إسحاق: فأنزل الله في الوليد بن المغيرة قوله: ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ الآيات.
وعن أبي نصر القشيري أنه قال: قيل بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قول كفار مكة: أنتَ ساحر فوجد من ذلك غمّاً وحُمَّ فتدثر بثيابه فقال الله تعالى: ﴿ قم فأنذر ﴾ [المدثر: 2].
وأيّاما كان فقد وقع الاتفاق على أن هذا القول صدر عن الوليد بن المغيرة وأنه المعنِيُّ بقوله تعالى: ﴿ ومن خلقت وحيداً ﴾ فإن كان قول الوليد صدَر منه بعد نزول صدْر هذه السورة فجملة ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً والمناسبة ظاهرة، وإن كان قول الوليد هو سبب نزول السورة، كان متصلاً بقوله: ﴿ ولربّك فاصبر ﴾ [المدثر: 7] على أنه تعليل للأمر بالصبر بأن الله يتولى جزاء هذا القائل، وما بينهما اعتراض، ويؤيد هذا أن ابتداء الوحي كان في رَمضان وأن فترة الوحي دامت أربعين يوماً على الأصح سواء نزل وحي بين بدء الوحي وفترته مدةَ أيام، أوْ لم ينزل بعد بدئه شيء ووقعتْ فترته، فيكون قد أشرف شهر ذي القعدة على الانصرام فتلك مدة اقتراب الموسم فأخذ المشركون في الاستعداد لما يقولونه للوفود إذا استخبروهم خبر النبي صلى الله عليه وسلم وتصدير الجملة بفعل ﴿ ذرني ﴾ إيماء إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مهتماً ومغتماً مما اختلقه الوليد بن المغيرة، فاتصاله بقوله: وتقدم ما في نحو ذَرني } وكَذا، من التهديد والوعيد للمذكور بعد واو المعية، في تفسير قوله تعالى: ﴿ فذَرني ومن يكذّب بهذا الحديث ﴾ في سورة القلم (44).
وجيء بالموصول وصلته في قوله: ومن خلقت وحيداً} لإِدماج تسجيل كفران الوليد النعمة في الوعيد والتهديد.
وانتصب ﴿ وحيداً ﴾ على الحال من ﴿ مَن ﴾ الموصولة.
والوحيد: المنفرد عن غيره في مكان أو حال مما يدل عليه سياق الكلام، أو شهرة أو قصة، وهو فعيل من وحُد من باب كَرُم وعَلِم، إذا انفرد.
وكان الوليد بن المغيرة يلقب في قريش بالوحيد لتوحده وتفرده باجتماع مزايا له لم تجتمع لغيره من طبقته وهي كثْرةُ الولد وسعة المال، ومجده ومجد أبيه مِن قبله، وكان مرجعَ قريش في أمورهم لأنه كان أسنّ من أبي جهل وأبي سفيان، فلما اشتهر بلقب الوحيد كان هذا الكلام إيماء إلى الوليد بن المغيرة المشتهر به.
وجاء هذا الوصف بعد فعل ﴿ خلَقْت، ﴾ ليصرف هذا الوصف عما كان مراداً به فينصرف إلى ما يصلح لأن يقارن فعل ﴿ خلقتُ ﴾ أي أوجدتُه وحيداً عن المال والبنين والبسطة، فيغيَّر عن غرض المدح والثناء الذي كانوا يخصونه به، إلى غرض الافتقار إلى الله الذي هو حالُ كل مخلوق فتكون من قبيل قوله: ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتِكم لا تعلمون شيئاً ﴾ [النحل: 78] الآية.
وعطف على ذلك ﴿ وجعلتُ له مالاً ﴾ عطفَ الخاص على العام.
والممدود: اسم مفعول من مَدَّ الذي بمعنى: أطال، بأن شُبهت كثرة المال بسعة مساحة الجسم، أو من مدّ الذي بمعنى: زَاد في الشْيءِ من مثله، كما يقال: مَد الوادي النهرَ، أي مالاً مزيداً في مقداره ما يكتسبه صاحبه من المكاسب.
وكان الوليد من أوسع قريش ثراءً.
وعن ابن عباس: كان مال الوليد بين مكة والطائف من الإِبل والغنم والعبيد والجواري والجِنان وكانت غلة ماله ألف دينار (أي في السنة).
وامتنّ الله عليه بنعمة البنين ووصَفهم بشهود جمع شاهد، أي حاضر، أي لا يفارقونه فهو مستأنس بهم لا يشتغل بالُه بمغيبهم وخوففِ معاطب السفر عليهم فكانوا بغنى عن طلب الرزق بتجارة أو غارة، وكانوا يشهدون معه المحافل فكانوا فخراً له، قيل: كان له عشرة بنين وقيل ثلاثة عشر ابناً، والمذكور منهم سبعة، وهم: الوليد بن الوليد، وخالد، وعمارة، وهشام، والعاصي، وقيس أو أبو قيس، وعبد شمس (وبه يكنى).
ولم يذكر ابن حزم في «جمهرة الأنساب»: العاصي.
واقتصر على ستة.
والتمهيدُ: مصدر مهّد بتشديد الهاء الدال على قوة المَهْد.
والمَهْد: تسوية الأرض وإزالة ما يُقِضُّ جنب المضطجع عليها، ومَهْدُ الصبي تسمية بالمصدر.
والتمهيد هنا مستعار لتيسير أموره ونفاذ كلمته في قومه بحيث لا يعسر عليه مطلب ولا يستعصي عليه أمر.
وأُكد ﴿ مهَّدْتُ ﴾ بمصدره على المفعولية المطلقة ليتوسل بتنكيره لإِفادة تعظيم ذلك التمهيد وليس يطرد أن يكون التأكيد لرفع احتمال المجاز.
ووصف في هذه الآية بما له من النعمة والسعة لأن الآية في سياق الامتنان عليه توطئة لتوبيخه وتهديده بسوء في الدنيا وبعذاب النار في الآخرة، فأما في آية سورة القلم فقد وصفه بما فيه من النقائص في قوله تعالى: ﴿ ولا تطع كل حلاّف مهين ﴾ [القلم: 10] الخ بناء على قول من قال: إن المراد به الوليد بن المغيرة (وقد علمت أنه احتمال) لأن تلك الآية في مقام التحذير من شره وغدره.
و ﴿ ثم ﴾ في قوله: ﴿ ثم يطمع ﴾ للتراخي الرتبي، أي وأعظم من ذلك أنه يطمع في الزيادة من تلك النعم وذلك بما يعرف من يُسر أموره.
وهذا مشعر باستبعاد حصول المطموع فيه وقد صرح به في قوله: والطمع: طلب الشيء العظيم وجعل متعلق طَمعه زيادة مما جعل الله له لأنهم لم يكونوا يسندون الرزق إلى الأصنام، أو لأنّه طمع في زيادة النعمة غير متذكر أنها من عند الله فيكون إسناد الزيادة إلى ضمير الجلالة إدماجاً بتذكيره بأن ما طمع فيه هو من عند الذي كفر هو بنعمته فأشرك به غيره في العبادة.
ولهذه النكتة عُدِل عن أن يقال: يطمع في الزيادة، أو يطمع أن يُزاد.
وكلاّ} ردع وإبطال لطمعه في الزيادة من النّعم وقطع لرجائه.
والمقصود إبلاغ هذا إليه مع تطمين النبي صلى الله عليه وسلم بأن الوليد سيقطع عنه مدد الرزق لئلا تكون نعمته فتنة لغيره من المعاندين فيغريهم حاله بأن عنادهم لا يضرهم لأنهم لا يحسبون حياة بعد هذه كما حكى الله من قول موسى عليه السلام: ﴿ ربّنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربّنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ﴾ [يونس: 88].
وفي هذا الإِبطال والردع إيذان بأن كفران النعمة سبب لقطعها قال تعالى: ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ﴾ [إبراهيم: 7]، ولهذا قال الشيخ ابن عطاء الله: «من لم يشكر النعم فقد تعرَّض لزوالها، ومن شكرها فقد قَيَّدها بعِقَالها».
يجوز أن تكون هذه الجملة تعليلاً للردع والإِبطال، أي لأن شدة معاندته لآياتنا كانت كفراناً للنعمة فكانت سبباً لقطعها عنه إذ قد تجاوز حدّ الكفر إلى المناواة والمعاندة فإن الكافر يكون منعماً عليه على المختار وهو قول الماتريدي والمعتزلة خلافاً للأشعري، واختار المحقّقون أنه خلاف لفظي.
ويجوز أن تكون مستأنفة ويكون الوقف عند قوله تعالى: ﴿ كلاّ ﴾ .
والعنيد: الشديد العناد وهو المخالفة للصواب وهو فَعيل من: عَنَدَ يعنِد كضرب، إذا نازع وجادل الحق البين.
وعناده: هو محاولته الطعن في القرآن وتحيله للتمويه بأنه سحر، أو شعر، أو كلام كهانة، مع تحققه بأنه ليس في شيء من ذلك كما أعلن به لقريش، قبل أن يلومَه أبو جهل ثم أخذه بأحد تلك الثلاثة، وهو أن يقول: هو سحر، تشبثاً بأن فيه خصائص السحر من التفريق بين المرء ومن هو شديد الصلة.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ المُدَّثِّرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِثِيابِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: بِالنُّبُوَّةِ وأثْقالِها، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
﴿ قُمْ ﴾ مِن نَوْمِكَ ﴿ فَأنْذِرْ ﴾ قَوْمَكَ عَذابَ رَبِّكَ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: يا أيُّها الكاتِمُ لِنُبُوَّتِهِ اجْهَرْ بِإنْذارِكَ.
وَيَحْتَمِلُ هَذا الإنْذارُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إعْلامُهم بِنُبُوَّتِهِ لِأنَّهُ مُقَدِّمَةُ الرِّسالَةِ.
الثّانِي: دُعاؤُهم إلى التَّوْحِيدِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِها.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرٌ هي أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ.
﴿ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالثِّيابِ العَمَلُ.
الثّانِي: القَلْبُ.
الثّالِثُ: النَّفْسُ.
الرّابِعُ: النِّساءُ والزَّوْجاتُ.
الخامِسُ: الثِّيابُ المَلْبُوساتُ عَلى الظّاهِرِ.
فَمَن ذَهَبَ عَلى أنَّ المُرادَ بِها العَمَلُ قالَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ: وعَمَلَكَ فَأصْلِحْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (يُحْشَرُ المَرْءُ في ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ ماتَ فِيها يَعْنِي عَمَلَهُ الصّالِحَ والطّالِحَ)» .
ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالثِّيابِ القَلْبُ فالشّاهِدُ عَلَيْهِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ وإنْ تَكُ قَدْ ساءَتْكَ مِنِّي خَلِيقَةٌ فَسَلِي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسِلِ وَلَهم في تَأْوِيلِ الآيَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وقَلْبَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الإثْمِ والمَعاصِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.
الثّانِي: وقَلْبَكَ فَطَهِّرْ مِنَ الغَدْرِ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرِ ∗∗∗ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ.
وَمَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالثِّيابِ النَّفْسُ فَلِأنَّها لابِسَةُ الثِّيابِ، فَكَنّى عَنْها بِالثِّيابِ، ولَهم في تَأْوِيلِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ ونَفْسَكَ فَطَهِّرْ مِمّا نَسَبَكَ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ مِن شِعْرٍ أوْ سِحْرٍ أوْ كِهانَةٍ أوْ جُنُونٍ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ وأبُو يَحْيى عَنْ مُجاهِدٍ.
الثّانِي: ونَفْسَكَ فَطَهِّرْها مِمّا كُنْتَ تَشْكُو مِنهُ وتَحْذَرُ، مِن قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّالِثُ: ونَفْسَكَ فَطَهِّرْها مِنَ الخَطايا، قالَهُ عامِرٌ.
وَمَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ النِّساءُ والزَّوْجاتُ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ﴾ ولَهم في تَأْوِيلِ الآيَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ونِساءَكَ فَطَهِّرْ بِاخْتِيارِ المُؤْمِناتِ العَفائِفِ.
الثّانِي: الِاسْتِمْتاعُ بِهِنَّ مِنَ القُبُلِ دُونَ الدُّبُرِ، وفي الطُّهْرِ دُونَ الحَيْضِ، حَكاهُما ابْنُ بَحْرٍ.
وَمَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِها الثِّيابُ المَلْبُوسَةُ عَلى الظّاهِرِ، فَلَهم في تَأْوِيلِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ وثِيابَكَ فَأنْقِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ ∗∗∗ وأوْجُهُهم عِنْدَ المَشاهِدِ غُرّانُ الثّانِي: وثِيابَكَ فَشَمِّرْ وقَصِّرْ، قالَهُ طاوُوسٌ.
الثّالِثُ: وثِيابَكَ فَطَهِّرْ مِنَ النَّجاساتِ بِالماءِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وابْنُ زَيْدٍ والفُقَهاءُ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ لا تَلْبَسْ ثِيابًا إلّا [مِن] كَسْبٍ حَلالٍ مُطَهَّرَةٍ مِنَ الحَرامِ.
﴿ والرُّجْزَ فاهْجُرْ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي الآثامَ والأصْنامَ، قالَهُ جابِرٌ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: والشِّرْكَ فاهْجُرْ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: والذَّنْبَ فاهْجُرْ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: والإثْمَ فاهْجُرْ، قالَ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: والعَذابَ فاهْجُرْ، حَكاهُ أسْباطٌ.
السّادِسُ: والظُّلْمَ فاهْجُرْ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ.
كَمْ رامَنا مِن ذِي عَدِيدٍ مِنهُ ∗∗∗ حَتّى وقَمْنا كَيْدَهُ بِالرَّجَزِ.
قالَهُ السُّدِّيُّ: الرَّجَزُ بِنَصْبِ الرّاءِ: الوَعِيدُ.
﴿ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ، قالَ الضَّحّاكُ: هَذا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى رَسُولٍ وأباحَهُ لِأُمَّتِهِ.
الثّانِي: مَعْناهُ لا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ تَسْتَكْثِرْ عَلى رَبِّكَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ لا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ عَلى النّاسِ تَأْخُذُ عَلَيْها مِنهم أجْرًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ لا تُضْعُفْ عَنِ الخَيْرِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا خامِسًا: لا تَفْعَلِ الخَيْرَ لِتُرائِيَ بِهِ النّاسَ.
﴿ وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ ﴾ أمّا قَوْلُهُ (وَلِرَبِّكَ) فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأمْرِ رَبِّكَ.
الثّانِي: لِوَعْدِ رَبِّكَ.
الثّالِثُ: لِوَجْهِ رَبِّكَ.
وَفي قَوْلِهِ (فاصْبِرْ) سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فاصْبِرْ عَلى ما لاقَيْتَ مِنَ الأذى والمَكْرُوهِ قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: عَلى مُحارَبَةِ العَرَبِ ثُمَّ العَجَمِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: عَلى الحَقِّ فَلا يَكُنْ أحَدٌ أفْضَلَ عِنْدِكَ فِيهِ مِن أحَدٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: فاصْبِرْ عَلى عَطِيَّتِكَ لِلَّهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
الخامِسُ: فاصْبِرْ عَلى الوَعْظِ لِوَجْهِ اللَّهِ، قالَهُ عَطاءٌ.
السّادِسُ: عَلى انْتِظامِ ثَوابِ عَمَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ شَجَرَةَ.
السّابِعُ: عَلى ما أمَرَكَ اللَّهُ مِن أداءِ الرِّسالَةِ وتَعْلِيمِ الدِّينِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي نَفَخَ في الصُّورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَلِ المُرادُ النَّفْخَةُ الأُولى أوِ الثّانِيَةُ؟
قَوْلانِ: أحَدُهُما: الأُولى.
والثّانِي: الثّانِيَةُ.
الثّانِي: أنَّ النّاقُورَ القَلْبُ يَجْزَعُ إذا دُعِيَ الإنْسانُ لِلْحِسابِ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنَّ النّاقُورَ صُحُفُ الأعْمالِ إذا نُشِرَتْ لِلْعَرْضِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن الضريس وابن مردويه والنحاس والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة المدثر بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن الأنباري في المصاحف قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن فقال: ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قلت: يقولون ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبدالله عن ذلك قلت له مثل ما قلت.
قال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جاورت بحراء، فلما قضيت جواري فنوديت فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئاً، ونظرت خلفي فلم أرَ شيئاً، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثثت منه رعباً، فرجعت فقلت دثروني فدثروني، فنزلت ﴿ يا أيها المدثر قم فأنذر ﴾ إلى قوله: ﴿ والرجز فاهجر ﴾ » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاماً فلما أكلوا قال: ما تقولون في هذا الرجل؟
فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: ليس بساحر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ليس بكاهن، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم ليس بشاعر، وقال بعضهم: سحر يؤثر، فاجتمع رأيهم على أنه سحر يؤثر فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخرج وقنع رأسه وتدثر، فأنزل الله: ﴿ يا أيها المدثر ﴾ إلى قوله: ﴿ ولربك فاصبر ﴾ .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قال: دثرت هذا الأمر فقم به.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قال: كان متدثراً في قطيف، يعني شملة صغيرة الخمل ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: من الإِثم ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: الإِثم ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه ﴿ ولربك فاصبر ﴾ قال: إذا أعطيت عطية فأعطها لربك واصبر حتى يكون هو الذي يثيبك.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قال: المتدثر في ثيابه ﴿ قم فأنذر ﴾ قال: أنذر عذاب ربك ووقائعه في الأمم وشدة نقمته إذا انتقم ﴿ وثيابك فطهر ﴾ يقول: طهرها من المعاصي وهي كلمة عربية، كانت العرب إذا نكث الرجل ولم يوف بعهده قالوا: إن فلاناً لدنس الثياب، وإذا أوفى وأصلح قالوا: إن فلاناً لطاهر الثياب ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: هما صنمان كانا عند البيت أساف ونائلة يمسح وجوههما من أتى عليهما من المشركين، فأمر الله نبيه محمداً أن يهجرهما ويجانبهما ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط شيئاً لمثابة الدنيا ولا لمجازاة الناس.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ وربك فكبر ﴾ قال: عظم ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: عنى نفسه ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: الشيطان والأوثان.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه: قلنا يا رسول الله كيف نقول إذا دخلنا في الصلاة، فأنزل الله: ﴿ وربك فكبر ﴾ فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نفتتح الصلاة بالتكبير.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قال: النائم ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب باطل ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: الأصنام ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: من الإِثم قال: وهي في كلام العرب نقي الثياب.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: من الغدر، ولا تكن غداراً.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الوقف والابتداء وابن مردويه عن عكرمة أن ابن عباس سئل عن قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: لا تلبسها على غدرة ولا فجرة، ثم قال: ألا تسمعون قول غيلان بن سلمة: إني بحمد الله لا ثوب فاجر ** لبست ولا من غدرة أتقنع وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كان الرجل في الجاهلية إذا كان غدراً قالوا: فلان دنس الثياب.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي رزين ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: عملك أصلحه، كان أهل الجاهلية إذا كان الرجل حسن العمل قالوا: فلان طاهر الثياب.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: وعملك فأصلح.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: لست بكاهن ولا ساحر فأعرض عنه ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: الأوثان ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط مصانعة رجاء أفضل منه من الثواب ﴿ ولربك فاصبر ﴾ قال: على ما أوذيت.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: عنى نفسه.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: ليس ثيابه الذي يلبس.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: خلقك فحسن.
وأخرج ابن المنذر عن يزيد بن مرثد في قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ أنه ألقى على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلا شاة.
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ والرجز فاهجر ﴾ بالكسر.
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ﴿ والرجز فاهجر ﴾ برفع الراء، وقال: هي الأوثان» .
وأخرج ابن المنذر عن حماد رضي الله عنه قال: قرأت في مصحف أبي ﴿ ولا تمنن أن تستكثر ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ يقول: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه، وإنما نزل هذا في النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه، وهي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة والناس موسع عليهم.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط الرجل عطاء رجاء أن يعطيك أكثر منه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تقل قد دعوتهم فلم يقبل مني، عد فادعهم ﴿ ولربك فاصبر ﴾ على ذلك.
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ قال: الصور ﴿ يوم عسير ﴾ قال: شديد.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ قال: فإذا نفخ في الصور.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه وأبي مالك وعامر مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: الناقور الصور شيء كهيئة البوق.
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته يستمع متى يؤمر؟
قالوا: كيف نقول يا رسول الله؟
قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا» .
وأخرج ابن سعد والحاكم عن بهز بن حكيم قال: أمنا زرارة بن أوفى فقرأ المدثر، فلما بلغ ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ خر ميتاً فكنت فيمن حمله.
وأخرج عبد حميد عن قتادة ﴿ فذلك يومئذ يوم عسير ﴾ قال: ثم بين على من مشقته وعسره فقال: ﴿ على الكافرين غير يسير ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ ياأيها المدثر ﴾ وزنه متفعل ومعناه الذي تدثر في كساء أو ثياب وتسميته بذلك كتسميته بالمزمل، حسبما ذكرنا في موضعه.
وقال السهيلي: في ندائه بالمدثر ثلاثة فوائد: الاثنتان اللتان ذكرتا في المزمل وفائدة ثالثة وهي أن العرب يقولون: النذير العريان، للنذير الذي يكون في غاية الجد والتشمير، والنذير بالثياب ضد هذا، فكأنه تنبيه على ما يجب التشمير، وقيل: إن هذه أول سورة نزلت من القرآن: والصحيح أن سورة اقرأ نزلت قبلها ﴿ قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ أي أنذر الناس وهذه بعثة عامة ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ أي عظِّمه، ويحتمل أن يريد قوله: الله أكبر ويؤيد ذلك ما روي عن أبي هريرة أن المسلمين قالوا: بم نفتتح صلاتنا فنزلت: وربك فكبر وقول: وربك فكبر: من المقلوب الذي يقرأ طرداً وعكساً من أوله وآخره ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ فيه ثلاثة أقوال، أحدها أنه حقيقة في تطهير الثياب من النجاسة، واختلف في هذا هل يحمل على الوجوب، فتكون إزالة النجاسة واجبة، أو على الندب فتكون سنة، والآخر أنه يراد به الطهارة من الذنوب والعيوب، فالثياب على هذا مجاز، الثالث: أن معناه لا تلبس الثياب من مكسب خبيث ﴿ والرجز فاهجر ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الرجز الأوثان، روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول عائشة، والآخر: أن الرِجز السخط والعذاب وهذا أصله في اللغة فمعناه اهجر ما يؤدي إليه ويوجبه، الثالث: أنه المعاصي والفجور، قال بعضهم: كل معصية رِجز ﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ﴾ يحتمل قوله: تمنن أن يكون العطاء أو بمعنى المنّ وهو ذكر العطاء وشبهه، أو بمعنى الضعف فإن كان بمعنى العطاء ففيه وجهان، أحدهما: أن معناه لا تعط شيئاً لتأخذ أكثر منه، قال بعضهم: هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ومباح لأمّته، والآخر: لا تعط الناس عطاء وتستكثره، لأن الكريم يستقلُ ما يُعطي وإنْ كثيراً، وإن كان من المنّ بالشيء ففيه وجهان، الأول: لا تمنن على الناس بنبوتك تستكثر بأجر أو مكسب تطلبه، الثاني: لا تمنن على الله بعملك تستكثر أعمالك وتقع لك بها إعجال، وإن كان من الضعف فمعناه لا تضعف عن تبليغ الرسالة وتستكثر ما حملناك من ذلك ﴿ وَلِرَبِّكَ فاصبر ﴾ أي اصبر لوجهه وطلب رضاه، ويحتمل أن يريد الصبر على المكاره والمصائب، أو على إذاية الكفار له، أو على العبادة ﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور ﴾ يعني نُفخ في الصور، ويحتمل أن يريد النفخة الأولى والثانية.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ﴾ : قيل: إن الذي حمل رسول الله على التدثر: أنه كان في بعض طرق مكة إذ سمع صوتا من السماء والأرض؛ فنظر عن يمينه وعن يساره وأمامه وخلفه، فلم ير شيئا، فرفع رأسه فرأى شيئاً؛ ففرق منه، فأتى بيته، وقال: "زملوني"، فدثروه.
فإن صح ما قالوا، وإلا لم يسعهم أن يشهدوا على رسول الله أن الذي حمله على التدثر ما ذكروا من الفرق.
ولأن التدثر ليس مما يسكن به الروع الذي يحل بصاحبه من الصياح.
وذكروا أن أول ما نزل من الوحي قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ﴾ ، فإن صح ما ذكروا، فأول ما أوحي إليه هو الصياح الذي سمعه؛ إذ كان ذلك متقدما على قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ .
وقيل: إن كفار مكة قذفوه بالسحر، وأجمعوا رأيهم على أن ينسبوه إليه، وفشا هذا القول فيهم له؛ فأحزنه ذلك؛ فدخل بيته وتدثر بثيابه، فأمره الله - - أن يقوم فينذرهم بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ ، وعلى هذا التأويل يكون الوحي نازلا قبل نزول هذه السورة، حتى سموه: ساحرا؛ لما يرون منه من الآيات، والله أعلم.
وذكر أن موسى [صلوات الله على نبينا وعليه] قال: "أتاني ربي من طور سيناء، وسيأتي من طور ساعورا، وسيطلع من جبل فاران".
فإن صح هذا الخبر، فمعنى قوله: "أتاني ربي"، أي: أوحى إلي، وقوله: "وسيأتي من طور ساعورا" هو الوحي إلى عيسى ، وقوله: "وسيطلع من جبل فاران" هو القرآن الذي أنزل على نبينا محمد .
وفي هذا الخبر دلالة أن الأخبار التي ورد بها ذكر نزول الرب في كل ليلة إلى سماء الدنيا، هي على نزول أمره إلى ملائكته، أن قولوا: "هل من داع فيجاب؟، هل من مستغفر فيغفر له؟"، فجائز أن يكون رسول الله في أول ما أوحي إليه كان بجبل فاران، وهو جبل من جبال مكة، أو كان ذلك الجبل منسوبا إلى ذلك المكان.
/////////////////ثم في قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ﴾ تثبيت نبوة [نبينا] محمد وآية رسالته، وذلك أن تعريف المرء بما عليه من الثياب ونسبته إليه، لا يخرجه مخر التعظيم والتبجيل، وإنما التبجيل فيما يدعى باسمه أو بكنيته، فلو كان الأمر على ما زعمت الكفرة: أن هذا القرآن ليس من عند الله، وأن رسول الله هو الذي اخترعه من ذات نفسه، لكان لا يعرف نفسه بثيابه، بل يعرفها بما فيه تبجيلها وتعظيمها، فإذ لم يفعل ثبت أنه رسولا حقا، بلغ الرسالة على ما أوحي إليه، وأدى كما أمر، على ما ذكرنا في الآيات التي خرجت مخرج المعاتبة لرسول الله أن فيها تثبيت رسالته؛ نحو قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ ، وغير ذلك من الآيات.
وجائز أن تكون نسبته إلى ثيابه؛ ليعلم الخلق أن لا بأس للمرء أن يعرف أخاه بثيابه.
وجائز أن تكون نسبته إلى الثوب الذي يدثر به يخرج مخرج التعظيم لذلك الثوب؛ لموافقته حال نزول الوحي، وهذا كما ذكرنا: أن إضافة الأشياء إلى الله نحو الجزئيات تخرج مخرج تعظيم تلك الأشياء، كقوله: ناقة الله، ومسجد الله، ورب العرش، [على] تعظيم العرش، وتعظيم أمر الناقة، وتشريف المسجد.
وإضافة الأشياء إليه نحو الكليات، يخرج مخرج تعظيم الله ؛ كقوله: رب العالمين، رب السماوات والأرض وما بينهما.
ثم أذن للمرء أن يسبح في ركوعه، فيقول: "سبحان ربي العظيم"، فيخص نفسه بقوله: "ربي"، والحق في مثله أن يقول "سبحان ربنا"؛ لئلا يخرج ذلك مخرج تعظيم النفس؛ كقوله: "رب العالمين"، و"رب السماوات الأرض وما بينهما"؛ إذ الإضافة من الجانبين على السواء فيما ذكرنا، لكن ذلك الذكر إذا وافق الحالة التي فيها تعظيم الرب ووصفه بالعلو؛ وهي الركوع والسجود، أذن له بأن يأتي بهذا الذكر، وإن خرج ذلك مخرج تعظيم النفس.
فكذلك ذلك الثوب الذي تدثر به النبي إذا وافق [حال] نزول الوحي عظم شأنه من ذلك الوجه؛ فنسب إلى ذلك الثوب.
ثم المرء إنما يتدثر عندما يريد أن ينام، أو عند طلب الراحة، وليست تلك الحالة حالة يستحب المرء مصاحبة الكبراء العظماء ي مثل تلك الحال، فضلا من أن يصحب الملك في مثل تلك الحال؛ فيكون في هذا دلالة أن رسول الله ، لم يطلع على الأوقات التي كان يأتي فيها الوحي، وإذا لم يعلم كان الأمر عليه أصعب وأشد منه إذا بين له؛ لأنه إذا لم يبين له، لزمه أن يصون نفسه في الحالات كلها عن أشياء يستحي مع مثلها الخلوة بالملائكة؛ ولهذا لم يبين لأحد منتهى عمره؛ ليكون أبدا مستعدا للموت؛ فرقا أن يحل به ساعة بعد ساعة، ويكون أبدا على خوف ووجل من ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ خص النذارة دون البشارة، وقد كان هو نذيرا وبشيرا، ففي ذكر النذارة ذكر البشارة وإن أمسك عنها؛ لأن النذارة ليست ترجع إلى نفس الخلائق؛ وإنما النذارة هي تبيين عواقب ما ينتهي إيه حال من التزم الفعل المذموم؛ فإذا استوجب النذارة بالتزامه ذلك الفعل، فقد استوجب البشارة في تركه؛ فثبت أن النذارة بشارة، وفي البشارة نذارة أيضا؛ فاقتصر بذكر إحداهما عن ذكر الأخرى، وليس في قوله: ﴿ قُمْ ﴾ إلزام [قيام]؛ ولكن معناه: قم في إنذار الخلق وبشارتهم، على ما ينتهي إليه وسعك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ : أي: عظم، وتعظيمه: أن يجيبه فيما دعاه إليه، ويطيعه فيما أمره، وأن يتحمل ما ألزمه عمله، فذلك هو تعظيمه لا أن يقول بلسانه: "يا عظيم" فقط.
وجائز أن يكون تأويله: أن عظمه عن المعاني التي قالت فيه الملاحدة من أن لله ولدا، وأن له شريكا، ونزهه عنها.
أو عظم حقه أو شكر نعمه، وهذا كما نقول: إن محبة الله طاعته وائتمار أوامره، لا أن تكون هي شيئاً يعتري في القلب؛ فيصعق منه المرء، ويغشى عليه؛ فكذلك تعظيم الله يكون بالمعاني التي ذكرنا، لا أن يكون بالقول خاصة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ : جائز أن يكون أريد بالثياب نفسه، وتجعل الثياب كناية عنها؛ كما ذكر أن العرب كانت تقول إذا كان الرجل ينكث بالعهد، وليس بذي وفاء: إنه لدنس الثياب؛ وإذا كان له وفاء قالوا: إنه لطاهر الثياب.
فإن كان الخطاب متوجها إلى النفس، فتأويله - والله أعلم -: أن طهر خلقك، وأفعالك، وأقوالك عما تذم عليه.
وجائز أن يكون أريد بها الثياب؛ فيكون قوله: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ متوجها إلى التطهير من النجاسات، وإلى التطهير من الأدناس.
فأما التطهير من الأنجاس، فقد امتحنا جميعا نحن ورسول الله [به].
وأما التطهير من الأدناس، فجائز أن يؤمر به النبي خاصة؛ لأنه كان مأمورا بتبليغ الرسالة إلى الخلق؛ فندب إلى تطهير ثيابه من الدنس؛ لئلا يستقذر، بل ينظر إليه بعين التبجيل والعظمة، وليس هذا على تطهير الثياب خاصه؛ بل أمر يطهر جميع ما يقع له به التمتع من المأكل والمشرب والملبس وغيرها، والله أعلم.
وعن ابن عباس - - أنه قال: أي: لا يلبس الثوب على فخر ولا غدر.
قيل: وكان الرجل إذا كان غادرا في الجاهلية يقال: إنه دنس الثياب.
وقال الحسن: خلقك فحسِّنه.
وقال بعضهم: أي: قصر ثيابك ولا تطولها؛ فتقع أطرافها على الأرض؛ فتصيبها النجاسات، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ ﴾ : فالرجز: اسم للمأثم، واسم لما يعذب عليه؛ فيكون منصرفا إلى ما تتأذى به النفس وتتألم به كالسبة في أنها اسم لما يتأذى به ولما تتألم عليه النفس؛ فقال الله ا: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ﴾ ، فالمأثم اسم لم تتأذى به النفس، فهو اسم للأمرين: [العذاب وما تتألهم به] جميعا.
وصرف أهل التأويل الرجز إلى المأثم هاهنا.
وذكر قتادة أنه كان بمكة صنمان: إساف، ونائلة، فكان من أتى عليهما من المشركين مسح وجوههما، فأمر الله - عز وجل - نبيه أن يعتزلهما بقوله: ﴿ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ ﴾ .
وقيل - أيضاً -: بأن المشركين قالوا للنبي : لو مسحت وجوههما، لكنا نؤمن لك ونتبعك؛ فأنز الله : ﴿ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ ﴾ ، أي: فاهجر عبادة الأوثان.
وقيل: الرجز: العذاب.
فجملته ترجع إلى ما ذكرنا: أنه اسم للعذاب، ولما يعذب عليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ﴾ : قال مجاهد والحسن: تأويله: ألا تستكثر عملك، فتمن به على ربك؛ على التقديم والتأخير.
فإن كان التأويل هذا، فالمراد من الخطاب غير رسول الله وإن كان هو المذكور في الخطاب؛ إذ لايتوهم أن يكون رسول الله يمن على ربه، ولا أن يستكثر عمله لله ؛ لأن هذا النوع من الصنيع لا يفعله واحد من العوام الذي خُصَّ بأدنى خير؛ فكيف يتوهم على رسول الله صلى لله عليه وسلم؟!
ولأن الامتنان على الله من فعل المنافقين؛ قال الله : ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ ﴾ .
ويجوز أن يكون الخطاب له، وإن كان هو معصوما من ذلك؛ لقوله: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ﴾ ، ونحوه، وهذا كما ذكرنا أن العصمة لا تمنع وقوع النهي؛ إذ العصمة [لا] نتفع بها [إلا] مع ثبات النهي، فإذا لم يكن فلا فائدة في العصمة.
وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ﴾ ، أي: لا تعطيه عطية تلتمس بها أفضل منها في الدنيا من الثواب، نهى عن اكتساب الأسباب التي يتوصل بها إلى استكثار المال في الدنيا من التجارة وغيرها، إلا القدر الذي لا بد له منه، وتقع إليه الحاجة؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ ، فإذا نهى عن مدعينيه إلى ما متعوا؛ ففي اكتساب أسباب المال أحق؛ ثبت أن الله نهاه عن اكتساب ذلك وجمعه، وجعل رزقه - - من الوجه الذي لا يبلغه حيل البشر، وهو الفيء والغنيمة، ثم نهى عن إمسكاه وادخاره لنفسه؛ بل أمر أن يصرفه في أمته بقوله - -: "ما لي من هذا المال إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" وقال الله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ...
﴾ الآية [الحشر: 7]، وذكر أن رسول الله كان لا يدخر لغد، وقال : ﴿ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾ فثبت أنه كان منهيا عن اكتساب الأسباب التي يتوصل بها إلى اكتساب الأموال، وإلى الجمع؛ فنهي عن العطايا التي يلتمس بها أفضل منها في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ ﴾ : في هذا دعاء إلى إخلاص الصبر لله ، وإلى الصدق فيه.
وفي قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ دعاء إلى نفس الصبر.
وجائز أن يكون هذا - أيضا - على الأمر بالصبر؛ فيكون على التقديم والتأخير؛ كأنه يقول: فاصبر لربك، أي: اصبر على ما تؤذى، ولا تجازهم بصنيعهم؛ فإن الله يكفيهم؛ فيكون في هذا إبانة أن رسول الله قد امتحن بالأمور التي تكرهها نفسه، وتشتد عليها؛ فدعاه الله إلى الصبر على تحمل المكاره، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ليس الأمر كما تصوّر، إنه كان معاندًا لآياتنا المنزلة على رسولنا مكذبًا بها.
<div class="verse-tafsir" id="91.3lLBx"