الإسلام > القرآن > سور > سورة 74 المدثر > الآية ٣٠ من سورة المدثر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 169 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٠ من سورة المدثر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( عليها تسعة عشر ) أي : من مقدمي الزبانية ، عظيم خلقهم ، غليظ خلقهم .
وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا ابن أبي زائدة ، أخبرني حريث ، عن عامر ، عن البراء في قوله : ( عليها تسعة عشر ) قال إن رهطا من اليهود سألوا رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم ، فقال : الله ورسوله أعلم ، فجاء رجل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فنزل عليه ساعتئذ : ( عليها تسعة عشر ) فأخبر أصحابه وقال : " ادعهم ، أما إني سائلهم عن تربة الجنة إن أتوني ، أما إنها درمكة بيضاء " ، فجاءوه فسألوه عن خزنة جهنم ، فأهوى بأصابع كفيه مرتين وأمسك الإبهام في الثانية ، ثم قال : " أخبروني عن تربة الجنة " ، فقالوا : أخبرهم يا ابن سلام ، فقال : كأنها خبزة بيضاء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما إن الخبز إنما يكون من الدرمك " .
هكذا وقع عند ابن أبي حاتم ، عن البراء ، والمشهور عن جابر بن عبد الله ، كما قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا منده ، حدثنا أحمد بن عبدة ، أخبرنا سفيان ويحيى بن حكيم ، حدثنا سفيان ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر بن عبد الله قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، غلب أصحابك اليوم ، فقال : " بأي شيء؟
" قال : سألتهم يهود : هل أعلمكم نبيكم عدة خزنة أهل النار ؟
قالوا : لا نعلم حتى نسأل نبينا صلى الله عليه وسلم .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفغلب قوم سئلوا عما لا يدرون فقالوا : لا ندري حتى نسأل نبينا ؟
علي بأعداء الله ، لكن سألوا نبيهم أن يريهم الله جهرة " ، فأرسل إليهم فدعاهم .
قالوا : يا أبا القاسم ، كم عدد خزنة أهل النار ؟
قال : " هكذا " ، وطبق كفيه ، ثم طبق كفيه ، مرتين ، وعقد واحدة ، وقال لأصحابه : " إن سئلتم عن تربة الجنة فهي الدرمك " ، فلما سألوه فأخبرهم بعدة خزنة أهل النار ، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما تربة الجنة؟
" فنظر بعضهم إلى بعض ، فقالوا : خبزة يا أبا القاسم ، فقال : " الخبز من الدرمك " .
وهكذا رواه الترمذي عند هذه الآية عن ابن أبي عمر ، عن سفيان ، به ، وقال هو والبزار : لا نعرفه إلا من حديث مجالد .
وقد رواه الإمام أحمد ، عن علي بن المديني ، عن سفيان ، فقص الدرمك فقط .
وقوله: ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) يقول تعالى ذكره: على سقر تسعة عشر من الخزنة.
وذُكر أن ذلك لما أنـزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو جهل ما حدثني به محمد بن سعد قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ...
) إلى قوله: ( وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ) فلما سمع أبو جهل بذلك قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزَنة النار تسعة عشر وانتم الدَّهم، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟
فأوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي أبا جهل، فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له: أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى فلما فعل ذلك به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو جهل: والله لا تفعل أنت وربك شيئا، فأخزاه الله يوم بدر.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) ذُكر لنا أن أبا جهل حين أُنـزلت هذه الآية قال: يا معشر قريش، ما يستطيع كلّ &; 24-29 &; عشرة منكم أن يغلبوا واحدا من خزَنة النار وأنتم الدَّهم (2) ؟
فصاحبكم يحدثكم أن عليها تسعة عشر.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال أبو جهل: يخبركم محمد أن خزَنة النار تسعة عشر، وأنتم الدَّهم ليجتمع كلّ عشرة على واحد.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) قال: خزنتها تسعة عشر.
------------------------ الهوامش: (2) في النهاية لابن الأثير وذكر الآية، الدهم بفتح الدال: العدد الكثير.
قوله تعالى : عليها تسعة عشر أي على سقر تسعة عشر من الملائكة يلقون فيها أهلها .
ثم قيل : على جملة النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها ; مالك وثمانية عشر ملكا .
ويحتمل أن تكون التسعة عشر نقيبا ، ويحتمل أن يكون تسعة عشر ملكا بأعيانهم .
وعلى هذا أكثر المفسرين .
الثعلبي : ولا ينكر هذا ، فإذا كان ملك واحد يقبض أرواح جميع الخلائق كان أحرى أن يكون تسعة عشر على عذاب بعض الخلائق .وقال ابن جريج : نعت النبي - صلى الله عليه وسلم - خزنة جهنم فقال : " فكأن أعينهم البرق ، وكأن أفواههم الصياصي ، يجرون أشعارهم ، لأحدهم من القوة مثل قوة الثقلين ، يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل ، فيرميهم في النار ، ويرمي فوقهم الجبل " .قلت : وذكر ابن المبارك قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن الأزرق بن قيس ، عن رجل من بني تميم قال : كنا عند أبي العوام ، فقرأ هذه الآية : وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر فقال ما تسعة عشر ؟
تسعة عشر ألف ملك ، أو تسعة عشر [ ص: 74 ] ملكا ؟
قال : قلت : لا بل تسعة عشر ملكا .
فقال : وأنى تعلم ذلك ؟
فقلت : لقول الله - عز وجل - : وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا قال : صدقت هم تسعة عشر ملكا ، بيد كل ملك منهم مرزبة لها شعبتان ، فيضرب الضربة فيهوي بها في النار سبعين ألفا .
وعن عمرو بن دينار : كل واحد منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر .
خرج الترمذي عن جابر بن عبد الله .
قال : قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - : هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم ؟
قالوا : لا ندري حتى نسأل نبينا .
فجاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا محمد غلب أصحابك اليوم ; فقال : " وماذا غلبوا " ؟
قال : سألهم يهود : هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم ؟
قال : " فماذا قالوا ؟
" قال : قالوا لا ندري حتى نسأل نبينا .
قال : " أفغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون ، فقالوا لا نعلم حتى نسأل نبينا ؟
لكنهم قد سألوا نبيهم فقالوا أرنا الله جهرة ، علي بأعداء الله !
إني سائلهم عن تربة الجنة وهي الدرمك " .
فلما جاءوا قالوا : يا أبا القاسم كم عدد خزنة جهنم ؟
قال : " هكذا وهكذا " في مرة عشرة وفي مرة تسعة .
قالوا : نعم .
قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ما تربة الجنة " قال : فسكتوا هنيهة ثم قالوا : أخبزة يا أبا القاسم ؟
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الخبز من الدرمك " .
قال أبو عيسى : هذا حديث غريب ، إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث مجالد عن الشعبي عن جابر .
وذكر ابن وهب قال : حدثنا عبد الرحمن بن زيد ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خزنة جهنم : " ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب " .وقال ابن عباس : ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة ، وقوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم .قلت : والصحيح إن شاء الله أن هؤلاء التسعة عشر ، هم الرؤساء والنقباء ، وأما جملتهم فالعبارة تعجز عنها ; كما قال الله تعالى : وما يعلم جنود ربك إلا هو وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها .
وقال ابن عباس وقتادة والضحاك : لما نزل : عليها تسعة عشر قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم !
أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة [ ص: 75 ] جهنم تسعة عشر ، وأنتم الدهم - أي العدد - والشجعان ، فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم !
قال السدي : فقال أبو الأسود بن كلدة الجمحي : لا يهولنكم التسعة عشر ، أنا أدفع بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة ، وبمنكبي الأيسر التسعة ، ثم تمرون إلى الجنة ; يقولها مستهزئا .
في رواية أن الحارث بن كلدة قال أنا أكفيكم سبعة عشر ، واكفوني أنتم اثنين .وقيل : إن أبا جهل قال أفيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد منهم ، ثم تخرجون من النار ؟
فنزل قوله تعالى : وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة أي لم نجعلهم رجالا فتتعاطون مغالبتهم .
وقيل : جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنس المعذبين من الجن والإنس ، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة والرقة ، ولا يستروحون إليهم ; ولأنهم أقوم خلق الله بحق الله وبالغضب له ، فتؤمن هوادتهم ; ولأنهم أشد خلق الله بأسا وأقواهم بطشا .وما جعلنا عدتهم إلا فتنة أي بلية .
وروي عن ابن عباس من غير وجه قال : ضلالة للذين كفروا ، يريد أبا جهل وذويه .
وقيل : إلا عذابا ، كما قال تعالى : يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم .
أي جعلنا ذلك سبب كفرهم وسبب العذاب .وفي تسعة عشر سبع قراءات : قراءة العامة تسعة عشر .
وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وطلحة بن سليمان ( تسعة عشر ) بإسكان العين .
وعن ابن عباس ( تسعة عشر ) بضم الهاء .وعن أنس بن مالك ( تسعة وعشر ) وعنه أيضا ( تسعة وعشر ) .
وعنه أيضا ( تسعة أعشر ) ذكرها المهدوي وقال : من قرأ ( تسعة عشر ) أسكن العين لتوالي الحركات .
ومن قرأ ( تسعة وعشر ) جاء به على الأصل قبل التركيب ، وعطف عشرا على تسعة ، وحذف التنوين لكثرة الاستعمال ، وأسكن الراء من عشر على نية السكوت عليها .
ومن قرأ ( تسعة عشر ) فكأنه من التداخل ; كأنه أراد العطف وترك التركيب ، فرفع هاء التأنيث ، ثم راجع البناء وأسكن .
وأما ( تسعة أعشر ) : فغير معروف ، وقد أنكرها أبو حاتم .
وكذلك ( تسعة وعشر ) لأنها محمولة على ( تسعة أعشر ) والواو بدل من الهمزة ، وليس لذلك وجه عند النحويين .
الزمخشري : وقرئ : ( تسعة أعشر ) جمع عشير ، مثل يمين وأيمن .
{ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } من الملائكة، خزنة لها، غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
( عليها تسعة عشر ) [ أي : على ] النار تسعة عشر من الملائكة ، وهم خزنتها : مالك ومعه ثمانية عشر .
وجاء في الأثر : أعينهم كالبرق الخاطف ، وأنيابهم كالصياصي ، يخرج لهب النار من أفواههم ، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة ، نزعت منهم الرحمة ، يرفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم .
قال عمرو بن دينار : إن واحدا منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر .
قال ابن عباس ، وقتادة ، والضحاك : لما نزلت هذه الآية قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم ، أسمع ابن أبي كبشة يخبر أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم ، أي : الشجعان ، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد من خزنة جهنم قال أبو [ الأشد ] أسيد بن كلدة بن خلف الجمحي : أنا أكفيكم منهم سبعة عشر ، عشرة على ظهري وسبعة على بطني ، فاكفوني أنتم اثنين .
وروي أنه قال : أنا أمشي بين أيديكم على الصراط فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن وتسعة بمنكبي الأيسر في النار ونمضي فندخل الجنة .
فأنزل الله - عز وجل - ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ) .
«عليها تسعة عشر» ملكا خزنتها قال بعض الكفار وكان قويا شديد البأس أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني أنتم اثنين قال تعالى:
سأدخله جهنم؛ كي يصلى حرَّها ويحترق بنارها وما أعلمك أيُّ شيء جهنم؟
لا تبقي لحمًا ولا تترك عظمًا إلا أحرقته، مغيِّرة للبشرة، مسوِّدة للجلود، محرقة لها، يلي أمرها ويتسلط على أهلها بالعذاب تسعة عشر ملكًا من الزبانية الأشداء.
وقوله - تعالى - : ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) أى : على سقر تسعة عشر من الملائكة ، يَلْقَوْن فيها أهلَها .
ثم قيل : على جملة النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها مالك وثمانية عشر ملكا .ويحتمل أن يكون التسعة عشر نقيبا .
ويحتمل أن يكون تسعة عشر ملكا بأعيانهم ، وعلى هذا أكثر المفسرين .
.
وفيه مسائل: المسألة الأولى: المعنى أنه يلي أمر تلك النار، ويتسلط على أهلها تسعة عشر ملكاً، وقيل: تسعة عشر صنفاً، وقيل: تسعة عشر صفاً.
وحكى الواحدي عن المفسرين: أن خزنة النار تسعة عشر مالك، ومعه ثمانية عشر أعينهم كالبرق، وأنيابهم كالصياصي، وأشعارهم تمس أقدامهم، يخرج لهب النار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، يسع كف أحدهم مثل ربيعة ومضر، نزعت منهم الرأفة والرحمة، يأخذ أحدهم سبعين ألفاً في كفه ويرميهم حيث أراد من جهنم.
المسألة الثانية: ذكر أرباب المعاني في تقدير هذا العدد وجوهاً أحدها: وهو الوجه الذي تقوله أرباب الحكمة.
أن سبب فساد النفس الإنسانية في قوتها النظرية والعملية هو القوى الحيوانية والطبيعية.
أما القوى الحيوانية فهي: الخمسة الظاهرة، والخمسة الباطنة، والشهوة والغضب، ومجموعهما اثنتا عشرة.
وأما القوى الطبيعة فهي: الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، وهذه سبعة، فالمجموع تسعة عشر، فلما كان منشأ الآفات هو هذه التسعة عشر، لا جرم كان عدد الزبانية هكذا.
وثانيها: أن أبواب جهنم سبعة، فستة منها للكفار، وواحد للفساق، ثم إن الكفار يدخلون النار لأمور ثلاثة: ترك الاعتقاد وترك الإقرار وترك العمل، فيكون لكل باب من تلك الأبواب الستة ثلاثة والمجموع ثمانية عشر، وأما باب الفساق فليس هناك زبانية بسبب ترك الاعتقاد ولا بسبب ترك القول، بل ليس إلا بسبب ترك العمل، فلا يكون على بابهم إلا زبانية واحدة فالمجموع تسعة عشر.
وثالثها: أن الساعات أربعة وعشرون خمسة منها مشغولة بالصلوات الخمس فيبقى منها تسعة عشر مشغولة بغير العبادة، فلا جرم صار عدد الزبانية تسعة عشر.
المسألة الثالثة: قراءة أبي جعفر ويزيد وطلحة بن سليمان ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ على تقطيع فاعلان، قال ابن جني في المحتسب: والسبب أن الاسمين كاسم واحد، فكثرت الحركات، فأسكن أول الثاني للتخفيف، وجعل ذلك أمارة القوة اتصال أحد الإسمين بصاحبه، وقرأ أنس بن مالك ﴿ تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ قال أبو حاتم: هذه القراءة لا تعرف لها وجهاً، إلا أن يعني: تسعة أعشر جمع عشير مثل يمين وأيمن، وعلى هذا يكون المجموع تسعين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلاَّ ﴾ إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن تكون لهم ذكرى، لأنهم لا يتذكرون، أو ردع لمن ينكر أن تكون إحدى الكبر نذيراً.
و(دبر) بمعنى أدبر، كقبل بمعنى أقبل.
ومنه صاروا كأمس الدابر.
وقيل: هو من دبر الليل النهار إذا خلفه.
وقرئ ﴿ إذ أدبر ﴾ ﴿ إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر ﴾ جواب القسم أو تعليل لكلا، والقسم معترض للتوكيد.
والكبر: جمع الكبرى، جعلت ألف التأنيث كتائها، فلما جمعت فعلة على فعل: جمعت فعلى عليها، ونظير ذلك: السوافي في جمع السافياء.
والقواصع في جمع القاصعاء، كأنها جمع فاعلة، أي: لإحدى البلايا أو الدواهي الكبر، ومعنى كونها إحداهنّ: أنها من بينهن واحدة في العظم لا نظيرة لها.
كما تقول: هو أحد الرجال، وهي إحدى النساء و ﴿ نَذِيراً ﴾ تمييز من إحدى، على معنى: إنها لإحدى الدواهي إنذاراً، كما تقول: هي إحدى النساء عفافاً.
وقيل هي حال.
وقيل: هو متصل بأوّل السورة، يعني: قم نذيراً، وهو من بدع التفاسير.
وفي قراءة أبي ﴿ نذير ﴾ بالرفع خبر بعد خبر ﴿ لأن ﴾ أو بحذف المبتدأ ﴿ أَن يَتَقَدَّمَ ﴾ في موضع الرفع بالابتداء.
ولمن شاء: خبر مقدّم عليه، كقولك: لمن توضأ أن يصلي؛ ومعناه مطلق لمن شاء التقدّم أو التأخر أن يتقدّم أو يتأخر، والمراد بالتقدّم والتأخر: السبق إلى الخير والتخلف عنه: وهو كقوله: ﴿ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ﴾ [الكهف: 29] ، ويجوز أن يكون ﴿ لِمَن شَآءَ ﴾ بدلاً من ﴿ لّلْبَشَرِ ﴾ على أنها منذرة للمكلفين الممكنين: الذين إن شاؤا تقدّموا ففازوا وإن شاؤا تأخروا فهلكوا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ بَدَلٌ مِن سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا: ﴿ وَما أدْراكَ ما سَقَرُ ﴾ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها تَعالى وقَوْلُهُ: ﴿ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ ﴾ بَيانٌ لِذَلِكَ أوْ حالٌ مِن سَقَرَ، والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّعْظِيمِ والمَعْنى لا تُبْقِي عَلى شَيْءٍ يُلْقى فِيها ولا تَدَعُهُ حَتّى تُهْلِكَهُ.
﴿ لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴾ أيْ مُسَوِّدَةٌ لِأعالِي الجَلْدِ، أوْ لائِحَةٌ لِلنّاسِ وقُرِئَتْ بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ.
﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ مَلَكًا أوْ صِنْفًا مِنَ المَلائِكَةِ يَلُونَ أمْرَها، والمُخَصَّصُ لِهَذا العَدَدِ أنَّ اخْتِلالَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ في النَّظَرِ والعَمَلِ بِسَبَبِ القُوى الحَيَوانِيَّةِ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ والطَّبِيعَةِ السَّبْعِ، أوْ أنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَ دَرَكاتٍ سِتٌّ مِنها لِأصْنافِ الكُفّارِ وكُلُّ صِنْفٍ يُعَذَّبُ بِتَرْكِ الِاعْتِقادِ والإقْرارِ، والعَمَلِ أنْواعًا مِنَ العَذابِ تُناسِبُها عَلى كُلِّ نَوْعٍ مَلَكٌ أوْ صِنْفٌ يَتَوَلّاهُ وواحِدَةٌ لِعُصاةِ الأُمَّةِ يُعَذَّبُونَ فِيها بِتَرْكِ العَمَلِ نَوْعًا يُناسِبُهُ ويَتَوَلّاهُ مَلَكٌ، أوْ صِنْفٌ أوْ أنَّ السّاعاتِ أرْبَعٌ وعِشْرُونَ خَمْسَةٌ مِنها مَصْرُوفَةٌ في الصَّلاةِ فَيَبْقى تِسْعَةَ عَشَرَ قَدْ تُصْرَفُ فِيما يُؤاخَذُ بِهِ بِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ يَتَوَلّاها الزَّبانِيَةُ، وقُرِئَ «تِسْعَةَ عَشَرَ» بِسُكُونِ العَيْنِ كَراهَةَ تَوالِي حَرَكاتٍ فِيما هو كاسْمٍ واحِدٍ و «تِسْعَةَ أعْشُرٍ» جَمْعُ عَشِيرٍ كَيَمِينٍ وأيْمُنٍ، أيْ تِسْعَةٌ كُلُّ عَشِيرٍ جَمْعٌ يَعْنِي نَقِيبَهم أوْ جَمْعُ عَشْرٍ فَتَكُونُ تِسْعِينَ.
<div class="verse-tafsir"
{عَلَيْهَا} على سقر {تِسْعَةَ عَشَرَ} أي يلي أمرها تسعة عشر ملكاً عند الجمهور وقيل صنفاً من الملائكة وقيل صفاً وقيل نقيباً
﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ الظّاهِرُ مَلَكًا ألا تَرى العَرَبَ وهُمُ الفُصَحاءُ كَيْفَ فَهِمُوا مِنهُ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ قالَ أبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ ثَكِلَتْكم أُمَّهاتُكم أسْمَعُ أنَّ ابْنَ أبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكم أنَّ خَزَنَةَ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدَّهْمُ أيَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِنهُمْ، فَقالَ لَهُ أبُو الأشَدِّ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ كَلِدَةَ الجُمَحِيُّ وكانَ شَدِيدَ البَطْشِ: أنا أكْفِيكم سَبْعَةَ عَشَرَ فاكْفُونِي أنْتُمُ اثْنَيْنِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلا مَلائِكَةً ﴾ أيْ ما جَعَلْناهم رِجالًا مِن جِنْسِكم يُطاقُونَ وأنْزَلَ سُبْحانَهُ في أبِي جَهْلٍ ﴿ أوْلى لَكَ فَأوْلى ﴾ ﴿ ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِأصْحابِ النّارِ هُمُ التِّسْعَةُ عَشَرَ فَفِيهِ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وكَأنَّ ذَلِكَ لِما في هَذا الظّاهِرِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّهُمِ المُدَبِّرُونَ لِأمْرِها القائِمُونَ بِتَعْذِيبِ أهْلِها ما لَيْسَ في الضَّمِيرِ.
وفي ذَلِكَ إيذانٌ بِأنَّ المُرادَ بِسَقَرَ النّارُ مُطْلَقًا لا طَبَقَةً خاصَّةً مِنها والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِمُ النُّقَباءُ فَمَعْنى كَوْنِهِمْ ﴿ عَلَيْها ﴾ أنَّهم يَتَوَلَّوْنَ أمْرَها وإلَيْهِمْ جِماعُ زَبانِيَتِها وإلّا فَقَدْ جاءَ: «يُؤْتى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَها سَبْعُونَ ألْفَ زِمامٍ مَعَ كُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَها» .
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ التَّمْيِيزَ المَحْذُوفَ صِنْفٌّ وقِيلَ صَفٌّ والأصْلُ عَلَيْها ﴿ تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ صِنْفًا أوْ ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ صَفًّا ويُبْعِدُهُ ما تَقَدَّمَ في رِوايَةِ الحَبْرِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فَإنَّ المُتَبادِرَ أنَّ افْتِتانَهم بِاسْتِقْلالِهِمْ لَهم واسْتِبْعادِهِمْ تَوَلِّي تِسْعَةَ عَشَرَ لِتَعْذِيبِ أكْثَرِ الثَّقَلَيْنِ واسْتِهْزائِهِمْ بِذَلِكَ، ومَعَ تَقْدِيرِ الصِّنْفِ أوِ الصَّفِّ لا يَتَسَنّى ذَلِكَ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ في تَعْلِيلِ جَعْلِهِمْ مَلائِكَةً لِيُخالِفُوا جِنْسَ المُعَذَّبِينَ فَلا يَرِقُّوا لَهم ولا يَسْتَرْوِحُوا إلَيْهِمْ ولِأنَّهم أقْوى الخَلْقِ وأقْوَمُهم بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى وبِالغَضَبِ لَهُ سُبْحانَهُ وأشَدُّهم بَأْسًا.
وفِي الحَدِيثِ: «كَأنَّ أعْيُنَهُمُ البَرْقُ وكَأنَّ أقْوالَهُمُ الصَّياصِيُّ يَجُرُّونَ أشْعارَهم لَهم مِثْلَ قُوَّةٍ الثَّقَلَيْنِ يُقْبَلُ أحَدُهم بِالأُمَّةِ مِنَ النّاسِ يَسُوقُهم عَلى رَقَبَتِهِ جَبَلٌ حَتّى يَرْمِيَ بِهِمْ في النّارِ فَيَرْمِي بِالجَبَلِ عَلَيْهِمْ» .
ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في التَّنْوِينِ إشْعارٌ إلى عِظَمِ أمْرِهِمْ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ ﴾ إلى آخِرِهِ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ وما جَعَلْنا عَدَدَ أصْحابِ النّارِ ( إلّا ) العَدَدَ الَّذِي اقْتَضى فِتْنَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالِاسْتِقْلالِ والِاسْتِهْزاءِ وهو التِّسْعَةُ عَشَرَ فَكَأنَّ الأصْلَ ﴿ وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا ﴾ تِسْعَةَ عَشَرَ فَعَبَّرَ بِالأثَرِ وهو فِتْنَةُ الَّذِينَ كَفَّرُوا عَنِ المُؤَثِّرِ وهو خُصُوصُ التِّسْعَةِ عَشَرَ لِأنَّهُ كَما عُلِمَ السَّبَبُ في افْتِتانِهِمْ وقِيلَ ( إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ )تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأثَرَ هُنا لِعَدَمِ انْفِكاكِهِ عَنْ مُؤْثِّرِهِ لِتَلازُمِهِما كانا كَشَيْءٍ واحِدٍ يُعَبَّرُ بِاسْمِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ ومَعْنى جَعَلَ عِدَّتَهُمُ المُطْلَقَةَ العِدَّةَ المَخْصُوصَةَ أنْ يُخْبِرَ عَنْ عَدَدِهِمْ بِأنَّهُ كَذا إذِ الجَعْلُ لا يَتَعَلَّقُ بِالعُدَّةِ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمَعْدُودِ، فالمَعْنى أخْبَرَنا أنَّ عِدَّتَهم تِسْعَةَ عَشَرَ دُونَ غَيْرِها.
﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ أيْ لِيَكْتَسِبُوا اليَقِينَ بِنُبُوَّتِهِ وصَدَقَ القُرْآنُ لِأجْلِ مُوافَقَةِ المَذْكُورِينَ ذِكْرَهم في القُرْآنِ بِهَذا العَدَدِ وفي الكِتابَيْنِ كَذَلِكَ وهَذا غَيْرُ جَعْلِ المَلائِكَةِ عَلى العَدَدِ المَخْصُوصِ لِأنَّهُ إيجادٌ ولا يَصِحُّ عَلى ما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يَجْعَلَ إيجادَهم عَلى الوَصْفِ عِلَّةً لِلِاسْتِيقانِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ لَيْسَ ( إلّا ) لِلْمُوافَقَةِ وتَكَلَّفَ بَعْضُهم لِتَصْحِيحِهِ بِأنَّ الإيجادَ سَبَبٌ لِلْإخْبارِ والإخْبارَ سَبَبٌ لِلِاسْتِيقانِ فَهو سَبَبٌ بَعِيدٌ لَهُ والشَّيْءُ كَما يُسْنَدُ لِسَبَبِهِ البَعِيدِ يُسْنَدُ لِسَبَبِهِ القَرِيبِ لَكِنَّهُ كَما قالَ لا يَحْسُنُ ذَلِكَ وإنَّما احْتِيجَ إلى التَّأْوِيلِ بِالتَّعْبِيرِ بِالأثَرِ عَنِ المُؤَثِّرِ ولَمْ يَبْقَ الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ الجَعْلَ مِن دَواخِلِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ فَما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ إلى الآخَرِ كَقَوْلِكَ جَعَلْتُ الفِضَّةَ خاتَمًا لِتَزَيُّنٍ بِهِ، وكَذَلِكَ ما جَعَلْتُ الفِضَّةَ ( إلّا ) خاتَمًا لِكَذا ولا مَعْنى لِتُرَتِّبِ الِاسْتِيقانِ وما بَعْدَهُ عَلى جَعْلِ عِدَّتِهِمْ فِتْنَةً لِلْكَفّارِ ولا مَدْخَلَ لِافْتِتانِهِمْ بِالعَدَدِ المَخْصُوصِ في ذَلِكَ، وإنَّما الَّذِي لَهُ مَدْخَلٌ العِدَّةُ بِنَفْسِها أيِ العِدَّةُ بِاعْتِبارِ أنَّها العِدَّةُ المَخْصُوصَةُ والإخْبارُ بِها كَما سَمِعْتَ ولَيْسَ ذَلِكَ تَحْرِيفًا لِكِتابِ اللَّهِ تَعالى ولا مَبْنِيًّا عَلى رِعايَةِ مَذْهَبٍ باطِلٍ كَما تَوَهَّمَ.
ومِنهم مَن تَكَلَّفَ لِأمْرِ السَّبَبِيَّةِ عَلى الظّاهِرِ بِما تَمُجُّهُ الأسْماعُ فَلا نُسَوِّدُ بِهِ الرِّقاعَ.
وفِي البَحْرِ ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ ﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ جَعَلْنا ﴾ لا بِـ ﴿ فِتْنَةً ﴾ فَلَيْسَتِ الفِتْنَةُ مَعْلُولَةً لِلِاسْتِيقانِ بَلِ المَعْلُولُ جَعْلُ العِدَّةِ سَبَبَ الفِتْنَةِ.
وفي الِانْتِصافِ يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ ﴾ إلى ما قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ أيْ جَعَلْنا عِدَّتَهم سَبَبًا لِفِتْنَةِ الكُفّارِ ويَقِينِ المُؤْمِنِينَ وذَكَرَ الإمامُ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ الثّانِي ما قَدَّمْناهُ مِمّا اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ والأوَّلُ أنَّ التَّقْدِيرَ ﴿ وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً ﴾ لِلْكافِرِينَ وإلّا ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ قالَ: وهَذا كَما يُقالُ فَعَلْتُ كَذا لِتَعْظِيمِكَ ولِتَحْقِيرِ عَدُوِّكَ فالواوُ العاطِفَةُ قَدْ تُذْكَرُ في هَذا المَوْضِعِ تارَةً وقَدْ تُحْذَفُ أُخْرى.
وقالَ بَعْضٌ أنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ لِيَسْتَيْقِنَ إلَخِ والكُلُّ كَما تَرى وحَمَلَ ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ وقِيلَ المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنِ البَراءِ أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ فَجاءَ فَأخْبَرَ النَّبِيَّ فَنَزَلَ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قالَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ لِأُناسٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ : هَلْ يَعْلَمُ نَبِيُّكم عَدَدَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ؟
فَأخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: هَكَذا وهَكَذا في مَرَّةٍ عَشَرَةٌ وفي مَرَّةٍ تِسْعَةٌ» .
واسْتَشْعَرَ مِن هَذا أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ اليَهُودَ إنَّما كانُوا فِيها وهو اسْتِشْعارٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ السُّؤالَ لِصَحابِيٍّ فَلَعَلَّهُ كانَ مُسافِرًا فاجْتَمَعَ بِيَهُودِيٍّ حَيْثُ كانَ وأيْضًا لا مانِعَ إذْ ذاكَ مِن إتْيانِ بَعْضِ اليَهُودِ نَحْوَ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ ثُمَّ إنَّ الخَبَرَيْنِ لا يُعِينانِ حَمْلَ المَوْصُولِ عَلى اليَهُودِ كَما يَخْفى فالأوْلى إبْقاءُ التَّعْرِيفِ عَلى الجِنْسِ وشُمُولُ المَوْصُولِ لِلْفَرِيقَيْنِ أيْ ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ ﴾ أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ﴾ أيْ يَزْدادُ إيمانُهم كَيْفِيَّةً بِما رَأوْا مِن تَسْلِيمِ أهْلِ الكِتابِ وتَصْدِيقِهِمْ أنَّهُ كَذَلِكَ أوْ كَمِّيَّةً بِانْضِمامِ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ إلى إيمانِهِمْ بِسائِرِ ما أنْزَلَ.
﴿ ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الِاسْتِيقانِ وازْدِيادِ الإيمانِ ونَفْيٌ لِما قَدْ يَعْتَرِي المُسْتَيْقِنَ مِن شُبْهَةٍ ما لِلْغَفْلَةِ عَنْ بَعْضِ المُقَدِّماتِ أوْ طَرَيانِ ما تَوَهَّمَ كَوْنَهُ مُعارِضًا في أوَّلِ وهْلَةٍ ولِما فِيهِ مِن هَذِهِ الزِّيادَةِ جازَ عَطْفُهُ عَلى المُؤَكَّدِ بِالواوِ لِتَغايُرِهِما في الجُمْلَةِ، وإنَّما لَمْ يُنْظَمِ المُؤْمِنُونَ في سِلْكِ أهْلِ الكِتابِ في نَفْيِ الِارْتِيابِ حَيْثُ لَمَّ يَقُلْ ولا يَرْتابُوا لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَبايُنِ النَّفِيَّيْنِ حالًا فَإنَّ انْتِفاءَ الِارْتِيابِ مِن أهْلِ الكِتابِ مُقارِنٌ لِما يُنافِيهِ مِنَ الجُحُودِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ مُقارِنٌ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الإيمانِ وكَمْ بَيْنَهُما وقِيلَ إنَّما لَمْ يَقُلْ ولا يَرْتابُوا بَلْ قِيلَ ﴿ ولا يَرْتابَ ﴾ إلَخِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى تَأْكِيدِ الأمْرَيْنِ لِاحْتِمالِ عَوْدِ الضَّمِيرِ في ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ فَقَطْ والتَّعْبِيرُ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِاسْمِ الفاعِلِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ الحُدُوثِ لِلْإيذانِ بِثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ بَعْدَ ازْدِيادِهِمْ ورُسُوخِهِمْ في ذَلِكَ.
﴿ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أيْ شَكٌّ أوْ نِفاقٌ فَيَكُونُ بِناءً عَلى أنِ السُّورَةِ بِتَمامِها مَكِّيَّةٌ، والنِّفاقُ إنَّما حَدَثَ بِالمَدِينَةِ إخْبارًا عَمّا سَيَحْدُثُ مِنَ المُغَيَّباتِ بَعْدَ الهِجْرَةِ ﴿ والكافِرُونَ ﴾ المُصِرُّونَ عَلى التَّكْذِيبِ ﴿ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ أرادَ اللَّهُ تَعالى أوْ ما الَّذِي أرادَ اللَّهُ تَعالى بِهَذا العَدَدِ المُسْتَغْرَبِ اسْتِغْرابَ المَثَلِ وعَلى الأوَّلِ ماذا مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ اسْمٍ واحِدٍ لِلِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أرادَ ) وعَلى الثّانِي هي مُؤَلَّفَةٌ مِن كَلِمَةٍ ما اسْمُ اسْتِفْهامٍ مُبْتَدَأٌ وذا اسْمُ مَوْصُولٍ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ بَعْدُ صِلَةٌ والعائِدُ فِيها مَحْذُوفٌ ( ومَثَلًا ) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ أوْ عَلى الحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ( هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَة) [اَلْأعْرافِ: 73، هُودٍ: 64] .
والظّاهِرُ أنَّ ألْفاظَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ المَحْكِيِّ وعَنَوْا بِالإشارَةِ التَّحْقِيرَ وغَرَضُهم نَفْيُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ لا الِاسْتِفْهامُ حَقِيقَةً عَنِ الحِكْمَةِ ولا القَدْحُ في اشْتِمالِهِ عَلَيْها مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِصُدُورِ الأخْبارِ بِذَلِكَ عَنْهُ تَعالى، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ أرادَ اللَّهُ مِنَ الحِكايَةِ وهم قالُوا ماذا أُرِيدَ ونَحْوُهُ وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَثَلُ بِمَعْناهُ الآخَرُ وهو ما شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ بِأنْ يَكُونُوا قَدْ عَدُّوهُ لِاسْتِغْرابِهِ مَثَلًا مَضْرُوبًا ونَسَبُوهُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ اسْتِهْزاءً وتَهَكُّمًا.
وإفْرادُ قَوْلِهِ بِهَذا التَّعْلِيلِ مَعَ كَوْنِهِ مِن بابِ فِتْنَتِهِمْ قِيلَ لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْلالِهِ في الشَّناعَةِ وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ إنَّما أُعِيدُ اللّامَ فِيهِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ العِلَّتَيْنِ إذْ مَرْجِعُ الأُولى الهِدايَةُ المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ ومَرْجِعُ هَذِهِ الضَّلالُ المَقْصُودُ بِالعَرْضِ النّاشِئِ مِن سُوءِ صَنِيعِ الضّالِّينَ وتَعْلِيلُ أفْعالِهِ تَعالى بِالحِكَمِ والمَصالِحِ جائِزٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ وجَوَّزَ في هَذِهِ اللّامِ وكَذا الأُولى كَوْنَها لِلْعاقِبَةِ.
﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الإضْلالِ والهِدايَةِ ومَحَلُّ الكافِ في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وأصْلُ التَّقْدِيرِ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ﴿ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ إضْلالًا وهِدايَةً كائِنَيْنِ مِثْلَ ما ذَكَرَ مِنَ الإضْلالِ والهِدايَةِ فَحُذِفَ المَصْدَرُ وأُقِيمَ وصْفُهُ مَقامَهُ ثُمَّ قُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ فَصارَ النَّظْمُ مِثْلَ ذَلِكَ الإضْلالِ وتِلْكَ الهِدايَةِ ﴿ يُضِلُّ اللَّهُ ﴾ تَعالى ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ إضْلالَهُ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ السَّيْءِ إلى جانِبِ الضَّلالِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِآياتِ اللَّهِ تَعالى النّاطِقَةِ بِالهُدى.
﴿ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ هِدايَتَهُ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ الحَسَنِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الآياتِ إلى جانِبِ الهُدى لا إضْلالًا وهِدايَةً أدْنى مِنهُما، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما بَعْدُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ عَلى ما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ ﴿ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ﴾ جَمْعُ جُنْدٍ اشْتَهَرَ في العَسْكَرِ اعْتِبارًا بِالغِلْظَةِ مِنَ الجُنْدِ أيِ الأرْضِ الغَلِيظَةِ الَّتِي فِيها حِجارَةٌ.
ويُقالُ لِكُلِّ جَمْعٍ أيْ وما يَعْلَمُ جُمُوعَ خَلْقِهِ تَعالى الَّتِي مِن جُمْلَتِها المَلائِكَةُ المَذْكُورُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ﴿ إلا هُوَ ﴾ عَزَّ وجَلَّ إذْ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى حَصْرِ المُمْكِناتِ والوُقُوفِ عَلى حَقائِقِها وصِفاتِها ولَوْ إجْمالًا فَضْلًا عَنِ الِاطِّلاعِ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِها مِن كَمْ وكَيْفَ ونِسْبَةٍ.
( وهو ) رَدٌّ لِاسْتِهْزائِهِمْ يَكُونُ الخَزَنَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ لِجَهْلِهِمْ وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ.
وقالَ مُقاتِلٌ هو جَوابٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ أما لِرَبِّ مُحَمَّدٍ أعْوانٌ ( إلّا ) تِسْعَةَ عَشَرَ وحاصِلُهُ أنَّهُ لَمّا قَلَّلَ الأعْوانَ أُجِيبَ بِأنَّهم لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً إنَّما المُوَكَّلُونَ عَلى النّارِ هَؤُلاءِ المَخْصُوصُونَ لا أنَّ المَعْنى ما يَعْلَمُ بِقُوَّةِ بَطْشِ المَلائِكَةِ ( إلّا ) هو خِلافًا لِلطِّيبِي فَإنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ ظاهِرِ الدَّلالَةِ عَلى هَذا المَعْنى واخْتَلَفَ في أكْثَرِ جُنُودِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقِيلَ المَلائِكَةُ لِخَبَرِ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ ( إلّا ) وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أوْ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ» .
.
وفِي بَعْضِ الأخْبارِ «أنَّ مَخْلُوقاتِ البَرِّ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ البَحْرِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ الجَوِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الدُّنْيا والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الثّانِيَةِ وهَكَذا إلى السَّماءِ السّابِعَةِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ الكُرْسِيِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ المَلائِكَةِ الحافِّينَ بِالعَرْشِ والمَجْمُوعُ أقَلُّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما لا يَعْلَمُهُ ( إلّا ) اللَّهُ، وقِيلَ المَجْمُوعُ أقَلُّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى المَلائِكَةِ المُهَيْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُ أحَدُهم أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ أحَدًا سِواهُ والمَجْمُوعُ أقَلُّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَعْلَمُهُ سُبْحانَهُ مِن مَخْلُوقاتِهِ» .
وعَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ مَن مَعَكَ في السَّماءِ؟
قالَ: مَلائِكَتِي، قالَ: كَمْ عِدَتُهُمْ؟
قالَ: اثْنا عَشَرَ سِبْطًا، قالَ: كَمْ عِدَةُ كُلِّ سِبْطٍ؟
قالَ: عَدَدُ التُّرابِ وفِي صِحَّةِ هَذا نَظَرٌ وإنْ صَحَّ فَصَدْرُهُ مِنَ المُتَشابِهِ وأنا لا أجْزِمُ بِأكْثَرِيَّةِ صِنْفٍ فَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ( إلّا ) هو ولَمْ يَصِحَّ عِنْدِي نَصٌّ في ذَلِكَ بَيْدَ أنَّهُ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ الأكْثَرَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ السَّلامُ، وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها مِنَ الآياتِ والأخْبارِ تُشَجِّعُ عَلى القَوْلِ بِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ في الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ جُنُودٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ تَعالى لا يَعْلَمُ حَقائِقَها وأحْوالَها ( إلّا ) هو عَزَّ وجَلَّ ودائِرَةُ مُلْكِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ أعْظَمُ مِن أنْ يُحِيطَ بِها نِطاقُ الحَصْرِ أوْ يَصِلَ إلى مَرْكَزِها طائِرُ الفِكْرِ ( فَأنّى ) وهَيْهاتَ ولَوِ اسْتَغْرَقَتِ القُوى والأوْقاتُ هَذا واخْتَلَفَ في المُخَصَّصِ لِهَذا العَدَدِ أعْنِي تِسْعَةَ عَشَرَ فَقِيلَ إنَّ اخْتِلافَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ في النَّظَرِ والعَمَلِ بِسَبَبِ القُوى الحَيَوانِيَّةِ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ يَعْنِي الحَواسَّ الخَمْسَةَ الباطِنَةَ والحَواسَّ الخَمْسَةَ الظّاهِرَةَ والقُوَّةَ الباعِثَةَ كالغَضَبِيَّةِ والشَّهْوِيَّةَ والقُوَّةَ المُحَرِّكَةَ فَهَذِهِ اثْنَتا عَشْرَةَ والطَّبِيعِيَّةَ السَّبْعَ الَّتِي ثَلاثٌ مِنها مَخْدُومَةٌ وهي القُوَّةُ النّامِيَةُ والغادِيَةُ والمُوَلِّدَةُ وأرْبَعٌ مِنها خادِمَةٌ وهي الهاضِمَةُ والجاذِبَةُ والدّافِعَةُ والماسِكَةُ وهَذا مَعَ ابْتِنائِهِ عَلى الفَلْسَفَةِ لا يَكادُ يَتِمُّ كَما لا يَخْفى عَلى مَن وقَفَ عَلى كُتُبِها.
وقِيلَ: إنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَ دِرْكاتٍ سِتٌّ مِنها لِأصْنافِ الكُفّارِ وكُلُّ صِنْفٍ يُعَذَّبُ بِتَرْكِ الِاعْتِقادِ والإقْرارِ والعَمَلِ أنْواعًا مِنَ العَذابِ تُناسِبُها فَيَضْرِبُ السِّتَّ في الثَّلاثَةِ يَحْصُلُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وعَلى كُلِّ نَوْعِ مَلَكٌ أوْ صِنْفٌ يَتَوَلّاهُ وواحِدَةٌ لِعُصاةِ الأُمَّةِ يُعَذَّبُونَ فِيها بِتَرْكِ العَمَلِ نَوْعًا يُناسِبُهُ ويَتَوَلّاهُ مَلَكٌ أوْ صِنْفٌ وبِذَلِكَ تَتِمُّ التِّسْعَةُ عَشَرَ.
وخُصَّتْ سِتٌّ مِنها بِأصْنافِ الكُفّارِ وواحِدَةٌ بِأصْنافِ الأُمَّةِ، ولَمْ يُجْعَلْ تَعْذِيبُ الكُفّارِ في خَمْسٍ مِنها فَيَبْقى لِلْمُؤْمِنِينَ اثْنَتانِ إحْداهُما لِأهْلِ الكَبائِرِ والأُخْرى لِأهْلِ الصَّغائِرِ أوْ إحْداهُما لِلْعُصاةِ مِنهم والأُخْرى لِلْعاصِياتِ لِأنَّهُ حَيْثُ أُعِدَّتِ النّارُ لِلْكافِرِينَ أوَّلًا وبِالذّاتِ ناسَبَ أنْ يَسْتَغْرِقُوها كُلِّيَّةً ويُوَزَّعُوا عَلى جَمِيعِ أماكِنِها بِقَدْرِ ما يُمْكِنُ لَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ سُبْحانَهُ بِتَعْذِيبِ عُصاةِ الأُمَّةِ بِها أفْرَزَتْ واحِدَةً مِنها لَهم.
وقِيلَ: إنَّ السّاعاتِ أرْبَعٌ وعِشْرُونَ خَمْسَةٌ مِنها مَصْرُوفَةٌ لِلصَّلاةِ فَلَمْ يَخْلُقْ في مُقابَلَتِها زَبانِيَةٌ لِبَرَكَةِ الصَّلاةِ الشّامِلَةِ لِمَن لَمْ يُصَلِّ فَيَبْقى تِسْعَ عَشَرَةَ، وقِيلَ إنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَ دَرَكاتٍ سِتٌّ مِنها لِأصْنافِ الكُفّارِ ولِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ عَذابِهِمْ واسْتِمْرارِهِ ناسَبَ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ ثَلاثَةٌ واحِدٌ في الوَسَطِ واثْنانِ في الطَّرَفَيْنِ فَهَذِهِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وواحِدَةٌ مِنها لِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ ناسَبَ أمْرَ عَذابِهِمْ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ واحِدٌ وبِهِ تَتِمُّ التِّسْعَةُ عَشَرَ وقِيلَ إنَّ العَدَدَ عَلى وجْهَيْنِ قَلِيلٌ وهو مِنَ الواحِدِ إلى التِّسْعَةِ وكَثِيرٌ وهو مِنَ العَشْرَةِ ( إلّا ) ما لا نِهايَةَ لَهُ فَجَمَعَ بَيْنَ نِهايَةِ القَلِيلِ وبِدايَةِ الكَثِيرِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ واَلَّذِي مالَ إلَيْهِ أكْثَرُ العُلَماءِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُ حِكْمَتَهُ عَلى التَّحْقِيقِ ( إلّا ) اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وهو كالمُتَشابِهِ يُؤْمَنُ بِهِ ويُفَوَّضُ عِلْمُهُ إلى اللَّهِ تَعالى وكُلُّ ما ذَكَرَ مِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن وجَّهَ أدْنى نَظَرِهِ إلَيْهِ واَللَّهُ تَعالى الهادِي لِصَوْبِ الصَّوابِ والمُتَفَضِّلُ عَلى مَن شاءَ يَعْلَمُ لا شَكَّ مَعَهُ ولا ارْتِيابَ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ﴿ تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ بِإسْكانِ العَيْنِ وهو لُغَةٌ فِيهِ كَراهَةَ تَوالِي الحَرَكاتِ فِيما هو كاسْمٍ واحِدٍ.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ قُطْبِ وإبْراهِيمُ بْنُ قَتَّةَ «تُسْعَةَ» بِضَمِّ التّاءِ وهي حَرَكَةُ بِناءٍ عَدَلَ إلَيْها عَنِ الفَتْحِ لِتَوالِي خَمْسِ فَتَحاتٍ ولا يُتَوَهَّمَ أنَّها حَرَكَةُ إعْرابٍ وإلّا أعْرَبَ عَشَرَ.
وقَرَأ أنَسٌ أيْضًا «تُسْعَةَ» بِالضَّمِّ «أعْشَرَ» بِالفَتْحِ قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ فَيَجُوزُ أنَّهُ جَمَعَ العَشْرَةَ عَلى أعْشُرٍ ثُمَّ أجْراهُ مَجْرى تِسْعَةَ عَشَرَ وعَنْهُ أيْضًا «تُسْعَةَ» و«عُشَرَ» بِالضَّمِّ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا خالِصَةً تَخْفِيفًا والتّاءُ فِيهِما مَضْمُومَةٌ ضَمَّةَ بِناءٍ لِما سَمِعْتَ آنِفًا.
وعَنْ سُلَيْمانَ بْنِ قَتَّةَ وهو أخُو إبْراهِيمَ أنَّهُ قَرَأ «تِسْعَةَ أعْشُرٍ» بِضَمِّ التّاءِ ضَمَّةَ إعْرابِ والإضافَةِ إلى أعُشْرٍ وجَرِّهِ مُنَوَّنًا وهو عَلى ما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ جَمْعُ عَشْرَةَ وقَدْ صَرَّحَ بِأنَّ المَلائِكَةَ عَلى القِراءَةِ بِهَذا الجَمْعِ مُعْرَبًا أوْ مَبْنِيًّا تِسْعُونَ مَلَكًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَمْعُ عَشِيرٍ مِثْلُ يَمِينٍ وأيْمَنُ.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ أيْ تِسْعَةً مِنَ المَلائِكَةِ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَشِيرٌ فَهم مَعَ أشْياعِهِمْ تِسْعُونَ والعَشِيرُ بِمَعْنى العَشْرِ فَدَلَّ عَلى أنَّ النُّقَباءَ تِسْعَةٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّ دَلالَتَهُ عَلى هَذا المَعْنى غَيْرُ واضِحَةٍ ولِهَذا قالَ ابْنُ جِنِّي لا وجْهَ لِتِلْكَ القِراءَةِ ( إلّا ) أنْ يَعْنِيَ تِسْعَةَ أعْشُرٍ جَمْعُ العَشِيرِ وهم الأصْدِقاءُ فَلْيُراجَعْ.
( وما هي ) أيْ سَقَرُ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ مُجاهِدٍ ﴿ إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ﴾ إلّا تَذْكِرَةٌ لَهم والعَطْفُ قِيلَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ ﴿ وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ ﴾ إلى هُنا اعْتِراضٌ ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمّا قِيلَ ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ زِيادَةً في تَهْوِيلِ أمْرِ جَهَنَّمَ عَقَّبَ بِما يُؤَكِّدُ قُوَّتَهم وتَسَلُّطَهم وتَبايُنَهم بِالشِّدَّةِ عَنْ سائِرِ المَخْلُوقاتِ ﴿ ثُمَّ ﴾ بِما يُؤَكِّدُ الكَمِّيَّةَ وما أكَّدَ المُؤَكَّدَ فَهو مُؤَكَّدٌ أيْضًا.
وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْآياتِ النّاطِقَةِ بِأحْوالِ سَقَرَ، وقِيلَ لِعِدَّةِ خَزَنَتِها والتَّذْكِيرِ والعِظَةِ فِيها مِن جِهَةِ أنَّ في خَلْقِهِ تَعالى ما هو في غايَةِ العَظَمَةِ حَتّى يَكُونَ لِقَلِيلٍ مِنهم مُعَذَّبًا ومُهْلَكًا لِما لا يُحْصى دَلالَةً عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُقَدَّرُ حَقَّ قَدْرِهِ ولا تُوصَفُ عَظَمَتُهُ ولا تَصِلُ الأفْكارُ إلى حَرَمِ جَلالِهِ.
وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْجُنُودِ وقِيلَ لِنارِ الدُّنْيا وهَذا أضْعَفُ الأقْوالِ وأقْواها عَلى ما قِيلَ ما تَقَدَّمَ.
وبَيْنَ «البَشَرِ» هاهُنا و«البَشَرِ» فِيما سَبَقَ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿ لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴾ عَلى تَفْسِيرِ الجُمْهُورِ تَجْنِيسٌ تامٌّ لَفْظِيٌّ وخَطِّيٌّ وقَلَّ مَن تَذَكَّرَ لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً يعني: اترك هذا الذي خلقته وحيداً وفوض أمره إليَّ وهو الوليد بن المغيرة خلقه الله تعالى وحيداً بغير مال ولا ولد وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً يعني: ورزقته مالاً كثيراً قال مجاهد كان له مائة ألف دينار وكان بنوه عشرة وقال بعضهم: كان ماله أربعة آلاف درهم ثم قال عز وجل: وَبَنِينَ شُهُوداً يعني: حضوراً لا يغيبون عنه في التجارة ولا غيرهم وقال بعضهم: ذرني ومن خلقت وحيداً يعني: إنه لم يكن من قريش وكان ملصقاً بهم لأنه ذكر أن أباه المغيرة تبناه بعد ما أتت ثمانية أشهر ولم يكن منه كما قال الله تعالى عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (13) [القلم: 13] وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً يعني: غير منقطع عنه وبنين شهوداً لا يغيبون عنه ولا يحتاجون إلى التصرف وكان له عشرة من البنين وهذا قول الكلبي وغيره وقال مقاتل: سبع بنين وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً يعني: بسطت له في المال والخير بسطاً ويقال: أمهلت له إمهالاً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ يعني: يطمع أن أزيد ماله وولده.
وذلك أنه تفاخر على رسول الله وقال لي: مالاً ممدوداً ولي عشرة من البنين فلا يزال يزداد مالي وبني فنزل ثم يطمع أن أزيد يعني: أن أزيد وهو يعصيني كَلَّا يعني: وهو رد عليه يعني: لا أزيد فما أزداد ماله بعد ذلك ولا ولده ولكن أخذ في النقصان فهلك عامة ماله وولده قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً يعني: مكذباً معرضاً عنها معاندا ثم قال عز وجل: سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً يعني: يكلف في النار صعود جبل من صخرة ملساء في الباب الخامس تسمى سقر فإذا بلغ رأس العقبة دخل دخان في حلقة فيخرج من جوفه ما كان في جوفه من الأمعاء فإذا سقط في أسفل العقبة سقي من الحميم فإذا بلغ أعلاه انحط منه إلى أسفله من مسيرة سبعين سنة وقال مجاهد: سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً يعني: مشقة من العذاب وقال الزجاج: سأحمله على مشقة من العذاب ويقال: سأكلفه الصعود على عقبة شاقة والصعود والكؤود بمعنى واحد ثم ذكر خبث أفعاله الذي يستوجب به العقوبة فقال: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ يعني: إنه فكر في أمر محمد وقدر في أمره وقال ساحر يقول الله عز وجل: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ يعني: فلعن كقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) [الذاريات: 10] .
ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ وذلك حين اجتمعوا في دار الندوة ليدبروا أمر محمد وقالوا: هذه أيام الموسم والناس مجتمعون وقد فشا قول هذا الرجل في الناس وهم سائلون عنه فماذا تجيبون وتردون عليهم فقالوا نقول إنه مجنون وقال بعضهم: إنهم يأتونه ويكلمونه فيجدونه فصيحاً عاقلاً فيكذبونكم فقالوا: نقول شاعر قال بعضهم: هم العرب وقد رأوا الشعراء وقوله: لا يشبه الشعر فيكذبونكم قالوا: نقول كاهن قال بعضهم: إنهم لقوا الكهان وإذا سمعوا قوله وهو يستثني في كلامه المستقبل فيكذبونكم ففكر الوليد بن المغيرة ثم أدبر عنهم ثم رجع إليهم وقال: فكرت في أمره فإذا هو ساحر يفرق بين المرء وزوجه وأقربائه فاجتمع رأيهم على أن يقولوا: ساحر فقتل كيف قدر يعني: كيف قدر بمحمد بالسحر ثم قتل يعني لعن مرة أخرى أي: اللعنة على أثر اللعنة كيف قدر هذا التقدير الذي قال للكفرة إنه ساحر ثُمَّ نَظَرَ يعني: ثم نظر في أمر محمد ثُمَّ عَبَسَ يعني: عبس وجهه أي: كلح وتغير لون وجهه وقال الزجاج: ثم عبس وجهه وَبَسَرَ أي: نظر بكراهة شديدة ثُمَّ أَدْبَرَ يعني: أعرض عن الإيمان وَاسْتَكْبَرَ يعني: تكبر عن الإيمان ثم قال: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ يعني: تأثره من صاحب اليمامة يعني: يرويه عن مسيلمة الكذاب ويقال: معناه: ما هذا الذي يقول: إلا سحر يرويه عن جابر ويسار ويقال عن أهل بابل: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ يعني: ما هذا القرآن إلا قول الآدمي قال الله تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ يعني: سأدخله سقر قال مقاتل: يعني: الباب الخامس وقال الكلبي: هو اسم من أسماء النار وَما أَدْراكَ مَا سَقَرُ تعظيماً لأمرها ثم بين قال: لاَ تُبْقِي وَلا تَذَرُ يعني: لا تبقي لحماً إلا أكلته ولا تذرهم إذا أعيدوا فيها خلقاً جديداً، ويقال: لا تبقى ولا تذر يعني: لا تميت ولا تحيي، ويقال: لا تبقى اللحم ولا العظم ولا الجلد إلا أحرقته ولا تذر لحماً ولا عظماً ولا جلداً أي: تدعه محرقاً بل تجده خلقاً جديدا ثم قال عز وجل: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ يعني: حراقة للأجساد شواهة للوجوه نزاعة للأعضاء وأصله في اللغة التسويد ويقال: لاحته الشمس إذا غيرته وذلك أن الشيء إذا كان فيه دسومة فإذا أحرق اسود ثم قال: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ يعني: على النار تسعة عشر من الملائكة مسلطون من رؤساء الخزنة وأما الزبانية فلا يحصى عددهم كما قال في سياق الآية: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.
وإنما أراد تسعة عشر ملكاً ومعهم ثمانية عشر أعينهم كالبرق الخاطف ويخرج لهب النار من أفواههم فنزعت عنهم الرأفة غضاب على أهلها يدفع أحدهم سبعين ألفاً فلما نزلت هذه الآية قال الوليد بن المغيرة لعنه الله: أنا أكفيكم خمسة وكل ابن لي يكفي واحداً منهم وسائر أهل مكة يكفي أربعة منهم وقال رجل من المشركين وكان له قوة وأنا أكفيكموهم وحدي أدفع عشرة بمنكبي هذا وتسعة بمنكبي الأيسر فألقيهم في النار حتى يحترقوا وتجوزون حتى تدخلون الجنة فنزلت هذه الآية وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً يعني: ما سلطنا أعوان النار إلا ملائكة زبانية غلاظ شداد لا يغلبهم أحد وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ يعني: ما ذكرنا قلة عددهم وهم تسعة عشر إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني: بلية لهم لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وذلك أن أهل الكتاب وجدوا في كتابهم أن مالكاً رئيسهم وثمانية عشر من الرؤساء فبين لهم أنما يقوله النبيّ يقوله: بالوحي وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً يعني: تصديقاً وعلماً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني: يعلموا أنه حق وعدتهم كذلك وَالْمُؤْمِنُونَ أيضاً لا يشكون في ذلك وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني: المنافقين وَالْكافِرُونَ يعني: المشركين مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يعني: بذكر خزنة جهنم تسعة عشر يقول الله تعالى: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ يعني: يخذله ولا يؤمن به أمناً له وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ يعني: يوفقه لذلك وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ يعني: من يعلم قوة جنود ربك وكثرتها إلا هو يعني: الله تعالى ويقال: وما يعلم يعني: لا يعلم عدد جموع ربك إلا الله تعالى: وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ يعني: الدلائل والحجج في القرآن ويقال: ما هي يعني: القرآن ويقال: وما هي يعني: سقر إلا ذكرى للبشر يعني: عظه للخلق ثم أقسم الله تعالى لأجل سقر.
<div class="verse-tafsir"
وأنَّ الخبرَ إنما هُو عَنْ بَعْضِ القدرةِ لاَ عَنْ كُلِّها، ت: صوابُه أنْ يقولَ عَنْ بَعْضِ المقدوراتِ لاَ عَنْ كُلِّها وهذا هو مُرَادُه، ألاَ تَرَاهُ قال في قوله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [البقرة: ٢٥٥] قال: يعني بشيءٍ مِنْ مَعْلُومَاتِه لأنّ علمَه تعالى لاَ يَتَجَزَّأُ، فافْهم رَاشِداً، والسموات كُلُّها عامرةٌ بأَنواعٍ من الملائِكَةِ كلُّهم في عبادَةٍ مُتَّصِلَةٍ وخُشُوعٍ دائمٍ، لا فَتْرَةَ في شيءٍ من ذلك، ولا دَقِيقَةً واحدة، قال مجاهد: والضميرُ في قوله: وَما هِيَ للنارِ المذكورةِ، أي: يُذَكَّرُ بهَا البشرُ فَيَخَافُونَها، فيطيعونَ اللَّه «١» ، وقال بعضهم: قوله:
وَما هِيَ يرادُ بها الحالُ والمخَاطبةُ والنِّذَارَةُ، وأقْسَمَ تعالى بالقَمَرِ وما بَعدَه تَنْبيهاً عَلَى النَّظَرِ في ذلكَ والفكرِ المؤدِّي إلى تعظيمهِ تعالَى وتحصيلِ معرفتِه تعالى مالك الكلّ وقوام الوجود، ونور السموات والأرضِ، لاَ إله إلاَّ هو العزيزُ القهارُ، وأدْبَرَ الليلُ معناه ولّى، وأسْفَرَ الصبح أضَاءَ وانتشرَ ضوؤه، قال ابن زيد وغيره: الضميرُ في قوله: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ لجهنمَ، ويحتملُ أنْ يكُونَ الضميرُ للنِّذَارَةِ وأمْرِ الآخرة فهو للحالِ والقِصَّة «٢» ، - ص-: والكُبَرُ جَمْعُ كُبْرى، وفي ع «٣» : جَمْعُ كبيرةٍ ولَعَلَّه وَهْمٌ من الناسِخ، انتهى.
وقوله سبحانه: نَذِيراً لِلْبَشَرِ قال الحسن: لا نَذِيرَ أدْهَى مِنَ النارِ «٤» ، وقال ابن زيد: نَذِيراً لِلْبَشَرِ هو محمّد صلّى الله عليه وسلّم «٥» .
وقوله سبحانه: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ قال الحسن: هو وعيد نحو قوله: فَمَنْ/ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ «٦» [الكهف: ٢٩] ، ثم قوَّى سبحانه هذا المعنى بقوله: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ: إذ لزم بهذا القول أنَّ المُقَصِّرَ مرتهن بسوءِ عمله، وقال الضَّحَّاكُ: المعنى: كل نفس حَقَّتْ عليها كلمة العذاب، ولا يرتهن تعالى أحدا
سُورَةُ المُدَّثِّرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ آيَةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً ﴾ .
فَأمّا سَبَبُ نُزُولِها، فَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "صَحِيحِيهِما" مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءَ شَهْرًا، فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي نَزَلْتُ فاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الوادِي، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أمامِي، وخَلْفِي، وعَنْ يَمِينِي، وعَنْ شِمالِي، فَلَمْ أرَ أحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا هو في الهَواءِ "يَعْنِي: جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ" فَأقْبَلْتُ إلى خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ ﴿ قُمْ فَأنْذِرْ ﴾ » قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا رَأى جِبْرِيلَ وقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ دَخَلَ إلى خَدِيجَةَ، ودَعا بِماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُوهُ بِقَطِيفَةٍ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ، والأعْمَشُ "المُتَدَثِّرُ" بِإظْهارِ التّاءِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ "المُدَثِّرُ" بِحَذْفِ التّاءِ، وتَخْفِيفِ الدّالِ.
قالَ اللُّغَوِيُّونَ: وأصْلُ "المُدَّثِّرِ" المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ، كَما ذَكَرْنا في المُتَزَمِّلِ، وهَذا في قَوْلِ الجُمْهُورِ مِنَ التَّدْثِيرِ بِالثِّيابِ.
وقِيلَ المَعْنى: يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ، وأثْقالِها.
قالَ عِكْرِمَةُ: دُثِّرْتَ هَذا الأمْرَ فَقُمْ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُمْ فَأنْذِرْ ﴾ كَفّارَ مَكَّةَ العَذابَ إنْ لَمْ يُوَحِّدُوا ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ أيْ: عَظِّمْهُ عَمّا يَقُولُ عَبَدَةُ الأوْثانِ ﴿ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا تَلْبَسْها عَلى مَعْصِيَةٍ، ولا عَلى غَدْرٍ.
قالَ غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ: وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ رَوى هَذا المَعْنى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لا تَكُنْ ثِيابُكَ مِن مَكْسَبٍ غَيْرِ طاهِرٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: طَهِّرْ نَفْسَكَ مِنَ الذَّنْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ أيْ: نَفْسَهُ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
قالَ: المَعْنى: طَهِّرْ نَفْسَكَ مِنَ الذُّنُوبِ، فَكَنّى عَنِ الجِسْمِ بِالثِّيابِ، لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ.
قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ وذَكَرَتْ إبِلًا: رَمَوْها بِأثْوابٍ خِفافٍ فَلا تَرى ∗∗∗ لَها شَبَهًا إلّا النَّعامَ المُنَفَّرا أيْ: رَكِبُوها، فَرَمَوْها بِأنْفُسِهِمْ.
والعَرَبُ تَقُولُ لِلْعَفافِ: إزارٌ، لِأنَّ العَفِيفَ كَأنَّهُ اسْتَتَرَ لَمّا عَفَّ.
والرّابِعُ: وعَمَلَكَ فَأصْلِحْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والخامِسُ: خُلُقَكَ فَحَسِّنْ، قالَهُ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ.
والسّادِسُ: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ وشَمِّرْ، قالَهُ طاوُوسٌ.
والسّابِعُ: قَلَبَكَ فَطَهِّرْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ.
فَإنْ يَكُ قَدْ ساءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ ∗∗∗ فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ أيْ: قَلْبِي مِن قَلْبِكِ.
والثّامِنُ: اغْسِلْ ثِيابَكَ بِالماءِ، ونَقِّها، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والرُّجْزَ فاهْجُرْ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ إلّا أبا بَكْرٍ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ "والرُّجْزَ" بِضَمِّ الرّاءِ.
والباقُونَ بِكَسْرِها.
ولَمْ يَخْتَلِفُوا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: قِراءَةُ الحَسَنِ بِالضَّمِّ، وقالَ: هو اسْمُ صَنَمٍ.
وقالَ قَتادَةُ: صَنَمانِ: إسافٌ، ونائِلَةُ.
ومَن كَسَرَ، فالرِّجْزُ: العَذابُ.
فالمَعْنى: ذُو العَذابِ فاهْجُرْ.
وَفِي مَعْنى "الرِّجْزِ" لِلْمُفَسِّرِينَ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الأصْنامُ، والأوْثانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الإثْمُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: الذَّنْبُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والخامِسُ: العَذابُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الرِّجْزُ في اللُّغَةِ: العَذابُ.
ومَعْنى الآيَةِ: اهْجُرْ ما يُؤَدِّي إلى عَذابِ اللَّهِ.
والسّادِسُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
﴿ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: أعْطِ لِرَبِّكَ وأرِدْ بِهِ اللَّهَ، فَأدَّبَهُ بِأشْرَفِ الآدابِ.
ومَعْنى "لا تَمْنُنْ" لا تُعْطِ شَيْئًا مِن مالِكَ لِتُعْطى أكْثَرَ مِنهُ، وهَذا الأدَبُ لِلنَّبِيِّ خاصَّةً، ولَيْسَ عَلى أحَدٍ مِن أُمَّتِهِ إثْمٌ أنْ يَهْدِيَ هَدِيَّةً يَرْجُو بِها ثَوابًا أكْثَرَ مِنها.
والثّانِي: لا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ تَسْتَكْثِرُهُ عَلى رَبِّكَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: لا تَضْعُفْ عَنِ الخَيْرِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: لا تَمْنُنْ عَلى النّاسِ بِالنُّبُوَّةِ لِتَأْخُذَ عَلَيْها مِنهم أجْرًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ وَلِرَبِّكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِأجْلِ رَبِّكَ.
والثّانِي: لِثَوابِ رَبِّكَ.
والثّالِثُ: لِأمْرِ رَبِّكَ.
والرّابِعُ: لِوَعْدِ رَبِّكَ ﴿ فاصْبِرْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَلى طاعَتِهِ وفَرائِضِهِ.
والثّانِي: عَلى الأذى والتَّكْذِيبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ ﴾ أيْ: نُفِخَ في الصُّورِ.
وهَلْ هَذِهِ النَّفْخَةُ هي الأُولى أوِ الثّانِيَةُ؟
فِيهِ قَوْلانِ ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴾ أيْ: يَعْسُرُ الأمْرُ فِيهِ ﴿ عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾ غَيْرُ هَيِّنٍ ﴿ ذَرْنِي ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [المُزَّمِّلِ: ١١] ﴿ وَمَن خَلَقْتُ ﴾ أيْ: ومَن خَلَقْتُهُ ﴿ وَحِيدًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: خَلَقْتُهُ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يَشْرَكْنِي في خَلْقِهِ أحَدٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «جاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النَّبِيِّ فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ، فَأتاهُ، فَقالَ: يا عَمِّ إنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا، فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرَّضُ لِما قِبَلَهُ، فَقالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا.
قالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، قالَ: وماذا أقُولُ؟
فَواللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمُ بِالأشْعارِ مِنِّي، فَواللَّهِ ما يُشْبِهُها الَّذِي يَقُولُ، واللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ حَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ طَلاوَةً، وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ، مُغْدِقٌ أسْفَلُهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُو ولا يُعْلى.
قالَ: لا يَرْضى عَنْكَ قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ، قالَ: فَدَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ فِيهِ.
فَقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ: يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا.
.
.
﴾ الآياتُ كُلُّها.» وقالَ مُجاهِدٌ: «قالَ الوَلِيدُ لِقُرَيْشٍ: إنَّ لِي إلَيْكم حاجَةً فاجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ، فَقالَ: إنَّكم ذَوُو أحْسابٍ وأحْلامٍ، وإنَّ العَرَبَ يَأْتُونَكُمْ، ويَنْطَلِقُونَ مِن عِنْدِكم عَلى أمْرٍ مُخْتَلِفٍ، فَأجْمِعُوا عَلى شَيْءٍ واحِدٍ.
ما تَقُولُونَ في هَذا الرَّجُلِ؟
قالُوا: نَقُولُ: إنَّهُ شاعِرٌ، فَعَبَسَ عِنْدَها، وقالَ: قَدْ سَمِعْنا الشِّعْرَ فَما يُشْبِهُ قَوْلُهُ الشِّعْرَ.
فَقالُوا: نَقُولُ: إنَّهُ كاهِنٌ، قالَ: إذَنْ يَأْتُونَهُ فَلا يَجِدُونَهُ يُحَدِّثُ بِما يُحَدِّثُ بِهِ الكَهَنَةُ، قالُوا: نَقُولُ: إنَّهُ مَجْنُونٌ، قالَ: إذَنْ يَأْتُونَهُ فَلا يَجِدُونَهُ مَجْنُونًا.
فَقالُوا: نَقُولُ: إنَّهُ ساحِرٌ.
قالَ: وما السّاحِرُ؟
قالُوا: بَشَرٌ يُحَبِّبُونَ بَيْنَ المُتَباغِضِينَ، ويُبَغِّضُونَ بَيْنَ المُتَحابِّينَ، قالَ: فَهو ساحِرٌ، فَخَرَجُوا لا يَلْقى أحَدٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ إلّا قالَ: يا ساحِرُ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ » وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا ﴾ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ولا يَصِحُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا ﴾ في مَعْنى المَمْدُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: كَثِيرًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: دائِمًا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مِقْدارِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ.
والثّانِي: ألْفُ دِينارٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ الفَرّاءُ: نَرى أنَّ المَمْدُودَ: جُعِلَ غايَةً لِلْعَدَدِ، لِأنَّ "ألْفٌ" غايَةٌ لِلْعَدَدِ يَرْجِعُ في أوَّلِ العَدَدِ مِنَ الألْفِ.
والثّالِثُ: أرْبَعَةُ آلافٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ بُسْتانٌ كانَ لَهُ بِالطّائِفِ لا يَنْقَطِعُ خَيْرُهُ شِتاءً ولا صَيْفًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَنِينَ شُهُودًا ﴾ أيْ: حَضَرُوا مَعَهُ لا يَحْتاجُونَ إلى التَّصَرُّفِ والسَّفَرِ فَيَغِيبُوا عَنْهُ.
وفي عَدَدِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: عَشْرَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: ثَلاثَةَ عَشَرَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: اثْنا عَشَرَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: سَبْعَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ ﴿ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴾ أيْ: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ، وطُولَ العُمُرِ، "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ.،قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنْ أزِيدَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لا أفْعَلُ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ المالَ والوَلَدَ حَتّى ماتَ فَقِيرًا "إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا" أيْ: مُعانِدًا.
وَفِي المُرادِ بِالآياتِ هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: الحَقُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: رَسُولُ اللَّهِ ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ سَأحْمِلُهُ عَلى مَشَقَّةٍ مِنَ العَذابِ.
وقالَ غَيْرُهُ: سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ العَذابِ لا راحَةَ لَهُ مِنها.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "الصَّعُودُ": العَقَبَةُ الشّاقَّةُ، وكَذَلِكَ "الكَؤُودُ" .
وفي حَدِيثٍ أبِي سَعِيدٍ «عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾ قالَ: جَبَلٌ مِن نارٍ يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَهُ، فَإذا وضَعَ رِجْلَهُ عَلَيْها ذابَتْ، فَإذا رَفَعَها عادَتْ.
يَصْعَدُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي فِيهِ كَذَلِكَ أبَدًا.» وذَكَرَ ابْنُ السّائِبِ أنَّهُ جَبَلٌ مِن صَخْرَةٍ مَلْساءَ في النّارِ، يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَها حَتّى إذا بَلَغَ أعْلاها أُحْدِرَ إلى أسْفَلِها، ثُمَّ يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَها، فَذَلِكَ دَأْبُهُ أبَدًا، يَجْذِبُ مِن أمامِهِ سَلاسِلَ الحَدِيدِ، ويُضْرَبُ مِن خَلْفِهِ بِمَقامِعِ الحَدِيدِ، فَيَصْعَدُها في أرْبَعِينَ سَنَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ فَكَّرَ ﴾ أيْ: تَفَكَّرَ ماذا يَقُولُ في القُرْآنِ ﴿ وَقَدَّرَ ﴾ القَوْلَ في نَفْسِهِ ﴿ فَقُتِلَ ﴾ أيْ: لُعِنَ ﴿ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ ﴿ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ أيْ: لُعِنَ عَلى أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِنَ الكَلامِ.
وقِيلَ: "كَيْفَ" ها هُنا بِمَعْنى التَّعَجُّبِ والإنْكارِ والتَّوْبِيخِ.
وإنَّما كُرِّرَ تَأْكِيدًا ﴿ ثُمَّ نَظَرَ ﴾ في طَلَبِ ما يَدْفَعُ بِهِ القُرْآنَ، ويَرُدُّهُ، ﴿ ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: أيْ: كَرَّهَ وجْهَهُ وقَطَّبَ.
يُقالُ: بَسَرَ الرَّجُلُ وجْهَهُ، أيْ: قَبَضَهُ.
وأنْشَدُوا لِتَوْبَةَ: وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها قالَ المُفَسِّرُونَ: كَرَّهَ وجَّهَهُ، ونَظَرَ بِكَراهِيَةٍ شَدِيدَةٍ، كالمُهْتَمِّ المُتَفَكِّرِ في الشَّيْءِ ﴿ ثُمَّ أدْبَرَ ﴾ عَنِ الإيمانِ ﴿ واسْتَكْبَرَ ﴾ أيْ: تَكَبَّرَ حِينَ دُعِيَ إلَيْهِ "فَقالَ: ﴿ إنْ هَذا ﴾ أيْ: ما هَذا القُرْآنُ ﴿ إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ أيْ: يُرْوى عَنِ السَّحَرَةِ ﴿ إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ ﴾ أيْ: مِن كَلامِ الإنْسِ، ولَيْسَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ أيْ: سَأُدْخِلُهُ النّارَ.
وقَدْ ذُكِرَ "سَقَرُ" في سُورَةِ [القَمَرِ: ٤٨] ﴿ وَما أدْراكَ ما سَقَرُ ﴾ لِعِظَمِ شَأْنِها ﴿ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ ﴾ أيْ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا إلّا أكَلَتْهُ، ولا تَذَرُهم إذا أُعِيدُوا خَلْقًا جَدِيدًا ﴿ لَوّاحَةٌ ﴾ أيْ: مُغَيِّرَةٌ.
يُقالُ: لاحَتْهُ الشَّمْسُ، أيْ: غَيَّرَتْهُ.
وأنْشَدُوا: يا ابْنَةَ عَمِّي لاحَنِي الهَواجِرُ وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "لَوّاحَةً" بِالنَّصْبِ.
وفي البَشَرِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ بَشْرَةٍ، وهي جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والفَرّاءِ، والزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الإنْسُ مِن أهْلِ النّارِ، قالَهُ الأخْفَشُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ وهم خُزّانُها، مالِكٌ ومَعَهُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ، أعْيُنُهم كالبَرْقِ الخاطِفِ، وأنْيابُهم كالصَّياصِي يَخْرُجُ لَهَبُ النّارِ مِن أفْواهِهِمْ، ما بَيْنَ مَنكِبَيْ أحَدِهِمْ مَسِيرَةُ سَنَةٍ، يَسَعُ كَفُّ أحَدِهِمْ مِثْلَ رَبِيعَةَ ومُضَرَ.
قَدْ نُزِعَتْ مِنهُمُ الرَّحْمَةُ.
فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ أبُو جَهْلٍ: يُخَوِّفُكم مُحَمَّدٌ بِتِسْعَةَ عَشَرَ، أما لَهُ مِنَ الجُنُودِ إلّا هَؤُلاءِ!
أيَعْجَزُ كُلُّ عَشْرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشَ بِواحِدٍ مِنهُمْ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ!
فَقالَ أبُو الأشَدَّيْنِ - قالَ مُقاتِلٌ: اسْمُهُ: أُسَيْدُ بْنُ كِلْدَةَ.
وقالَ غَيْرُهُ: كَلِدَةُ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ: (يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: أنا أمْشِي بَيْنَ أيْدِيكم فَأرْفَعُ عَشْرَةً بِمَنكِبِي الأيْمَنِ، وتِسْعَةً بِمَنكِبِي الأيْسَرِ، فَنَدْخُلُ الجَنَّةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلا مَلائِكَةً ﴾ لا أدَمِيِّيِنَ، فَمَن يُطِيقُهم ومَن يَغْلِبُهُمْ؟!
﴿ وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ ﴾ في هَذِهِ القِلَّةِ ﴿ إلا فِتْنَةً ﴾ أيْ: ضَلالَةً ﴿ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ حَتّى قالُوا ما قالُوا ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ حَقٌّ، لِأنَّ عِدَّتَهم في التَّوْراةِ تِسْعَةَ عَشَرَ ﴿ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴿ إيمانًا ﴾ أيْ: تَصْدِيقًا بِمُحَمَّدٍ إذْ وجَدُوا ما يُخْبِرُهم مُوافِقًا لِما في كِتابِهِمْ ﴿ وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: ولا يَشُكُّ هَؤُلاءِ في عَدَدِ الخَزَنَةِ ﴿ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ النِّفاقُ، ذَكَرَهُ الأكْثَرُونَ، والثّانِي: أنَّهُ الشَّكُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ: وزَعَمَ أنَّهم يَهُودُ أهْلِ المَدِينَةِ، وعِنْدَهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الخِلافُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.
وقالَ: لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ.
وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ.
فَأمّا "الكافِرُونَ" فَهم مُشْرِكُو العَرَبِ، "ماذا أرادَ اللَّهُ" أيْ: أيُّ شَيْءٍ أرادَ اللَّهُ؟، "بِهَذا" الحَدِيثِ والخَبَرِ "مَثَلًا" والمَثَلُ يَكُونُ بِمَعْنى الحَدِيثِ نَفْسِهِ.
ومَعْنى الكَلامِ: يَقُولُونَ: ما هَذا مِنَ الحَدِيثِ "كَذَلِكَ" أيْ: كَما أضَلَّ مَن أنْكَرَ عَدَدَ الخَزَنَةِ، وهَدى مَن صَدَّقَ "يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ" وأُنْزِلَ في قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: أما لِمُحَمَّدٍ مِنَ الجُنُودِ إلّا تِسْعَةَ عَشَرَ: "وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكِ إلّا هُوَ" يَعْنِي: مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ خَلَقَهم لِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ.
وذَلِكَ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ التِّسْعَةَ عَشَرَ مِنَ الأعْوانِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ في وجْهِ الحِكْمَةِ في كَوْنِهِمْ تِسْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا مُحْتَمَلًا، فَقالَ: التِّسْعَةَ عَشَرَ: عَدَدٌ يَجْمَعُ أكْثَرَ القَلِيلِ، وأقَلَّ الكَثِيرِ، لِأنَّ الآحادَ أقَلُّ الأعْدادِ، وأكْثَرُها تِسْعَةٌ، وما سِوى الآحادِ كَثِيرٌ.
وأقَلُّ الكَثِيرِ: عَشْرَةٌ، فَوَقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى عَدَدٍ يَجْمَعُ أقَلَّ الكَثِيرِ، وأكْثَرَ القَلِيلِ.
ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ النّارِ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَما هي إلا ذِكْرى ﴾ أيْ: ما النّارُ في الدُّنْيا إلّا مُذَكِّرَةٌ لِنارِ الآخِرَةِ ﴿ كَلا ﴾ أيْ: حَقًّا ﴿ والقَمَرِ.
﴾ ﴿ واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "إذا أدْبَرَ" وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ "إذْ" بِسُكُونِ الذّالِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَها "أدْبَرَ" بِسُكُونِ الدّالِ، وبِهَمْزَةٍ قَبْلَها.
وهَلْ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، أمْ لا؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
يُقالُ: دَبَرَ اللَّيْلُ، وأدْبَرَ.
ودَبَرَ الصَّيْفُ وأدْبَرَ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والأخْفَشِ، وثَعْلَبٍ.
والثّانِي: أنَّ "دَبَرَ" بِمَعْنى خَلَفَ، و"أدْبَرَ" بِمَعْنى ولّى.
يُقالُ: دَبَرَنِي فُلانٌ: جاءَ خَلْفِي، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إذا أسْفَرَ ﴾ أيْ: أضاءَ وتَبَيَّنَ "إنَّها" يَعْنِي سَقَرَ "لَإحْدى الكُبَرِ" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الكُبَرُ، جَمْعُ كُبْرى،مِثْلُ الأُوَلِ، والأُولى، والصُّغَرِ والصُّغْرى.
وهَذا كَما يُقالُ: إنَّها لَإحْدى العَظائِمِ.
قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما أنْذَرَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أوْهى مِنها.
وَقالَ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ: أرادَ بِالكُبَرِ: دَرَكاتِ جَهَنَّمَ السَّبْعَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُ "نَذِيرًا" عَلى الحالِ.
والمَعْنى: إنَّها لَكَبِيرَةٌ في حالَةِ الإنْذارِ.
وذُكِّرَ "النَّذِيرُ"، لِأنَّ مَعْناهُ مَعْنى العَذابِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَنصُوبًا مُتَعَلِّقًا بِأوَّلِ السُّورَةِ، عَلى مَعْنى: قُمْ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لِمَن شاءَ مِنكُمْ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلْبَشَرِ ﴾ "أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ" فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنْ يَتَقَدَّمَ في طاعَةِ اللَّهِ أوْ يَتَأخَّرَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنِ الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنْ يَتَقَدَّمَ في الخَيْرِ، أوْ يَتَأخَّرَ إلى الشَّرِّ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
والرّابِعُ: أنْ يَتَقَدَّمَ في الإيمانِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنْهُ.
والمَعْنى: أنَّ الإنْذارَ قَدْ حَصَلَ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ أقَرَّ أوْ كَفَرَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما سَقَرُ ﴾ ﴿ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ ﴾ ﴿ لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴾ ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ "سَقَرُ" هو الدَرْكُ السادِسُ مِن جَهَنَّمَ عَلى ما رُوِيَ، و"أُصْلِيهِ" مَعْناهُ: أجْعَلُهُ فِيها مُباشِرًا لِنارِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما سَقَرُ ﴾ المَعْنى: لا تُبْقِي عَلى مَن أُلْقِيَ فِيها، ولا تَذَرُ غايَةً مِنَ العَذابِ إلّا أوصَلَتْهُ إلَيْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ"، ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: مَعْناهُ: مُغَيِّرَةٌ لِلْبَشَراتِ، مُحْرِقَةٌ لِلْجُلُودِ مُسَوَّدَةٌ لَها، فـَ "البَشَرُ" جَمْعُ بَشْرَةٍ، وتَقُولُ العَرَبُ: لاحَتِ النارُ الشَيْءَ إذا أحْرَقَتْهُ وسَوَّدَتْهُ، وقالَ الشاعِرُ: لاحَّةُ الصَيْفِ والغِيارُ وإشْفا قٌ عَلى سِقْبَةٍ كَقَوْسِ الضالِّ وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: ..........
∗∗∗ يا بِنْتَ عَمِّي لاحِنِي الهَواجِرَ وَقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: "لَوّاحَةٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "لاحَ يَلُوحُ" إذا ظَهَرَ، فالمَعْنى أنَّها تَظْهَرُ لِلنّاسِ وهُمُ البَشَرُ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وذَلِكَ لِعَظْمِها وهَوْلِها وزَفِيرِها، وقَرَأ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ "لَوّاحَةً" بِالنَصْبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ في المَجْرُورِ، ولا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ المُحِيطُونَ بِأمْرِها، الَّذِينَ إلَيْهِمْ جِماعُ أمْرِ زَبانِيَتِها، وقَدْ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّهم عَلى عَدَدِ حُرُوفِ "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" لِأنَّ بِها تَقْوُوا، ورُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَمِعَتْ هَذا كَثُرَ إلْغاطُهم فِيهِ وقالُوا: لَوْ كانَ هَذا حَقًّا فَإنَّ هَذا العَدَدَ قَلِيلٌ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَؤُلاءِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدُهْمُ، أفَيَعْجَزُ عَشْرَةٌ مِنّا عن رَجُلٍ مِنهُمْ؟
وقالَ أبُو الأشَدِّ الجُمَحِيُّ: أنا أُجْهِضُهم عَلى النارِ، إلى غَيْرِ هَذا مِن أقْوالِهِمُ السَخِيفَةِ، فَنَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ: ﴿ أولى لَكَ فَأولى ﴾ الآيَةُ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ "تِسْعَةَ عَشْرَ" بِسُكُونِ العَيْنِ مِن "عَشْرَ" لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "تِسْعَةُ عَشَرَ" بِرَفْعِ التاءِ، ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَرَأ: "تِسْعَةَ أعُشْرَ"، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً ﴾ تَبْيِينٌ لِفَسادِ أقْوالِ قُرَيْشٍ، أيْ: إنّا جَعَلْناهم خَلْقًا لا قِبَلَ لِأحَدٍ مِنَ الناسِ بِهِمْ، وجَعَلْنا عِدَّتَهم هَذا القَدْرَ فِتْنَةً لِلْكُفّارِ، لِيَقَعَ مِنهم مَنِ التَعاطِي والطَمَعِ في المُبالَغَةِ ما وقَعَ ويَسْتَيْقِنَ أهْلُ -الكِتابِ: التَوْراةِ والإنْجِيلِ- أنَّ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى؛ إذْ يَجِدُونَ هَذِهِ العُدَّةَ في كُتُبِهِمُ المُنَزَّلَةِ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْها مُحَمَّدٌ ولا هو مَن أهْلِها، ولَكِنَّ كِتابَهُ يُصَدِّقُ ما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ وسَلَّمَ؛ إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ حَقٌّ يَتَعاضَدُ، مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما، وبِوُرُودِ الحَقائِقِ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ يَزْدادُ كُلُّ مَن آمَنَ إيمانًا، ويَزُولُ الرَيْبُ عَنِ المُصَدِّقِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ الآيَةُ...
نَوْعٌ مِنَ الفِتْنَةِ لِهَذا الصِنْفِ المُنافِقِ أوِ الكافِرِ، أيْ: جارُوا وضَلُّوا ولَمْ يَهْتَدُوا لِقَصْدِ الحَقِّ، فَجَعَلُوا يَسْتَفْهِمُ بَعْضُهم بَعْضًا عن مُرادِ اللهِ تَعالى بِهَذا المَثَلِ اسْتِبْعادًا أنْ يَكُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: السُورَةُ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ، وإنَّما المَرَضُ في هَذِهِ الآيَةِ الِاضْطِرابُ وضَعْفُ الإيمانِ.
<div class="verse-tafsir"
جملة ﴿ سأُصليه سقر ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن قوله: ﴿ إنه فكّر وقدّر ﴾ [المدثر: 18] إلى آخر الآيات فذكر وعيده بعذاب الآخرة.
ويجوز أن تكون بدلاً من جملة ﴿ سأرهق صعوراً ﴾ .
والإِصلاء: جعل الشيء صالياً، أي مباشراً حرَّ النار.
وفعل صَلِيَ يطلق على إحساس حرارة النار، فيكون لأجل التدَفّئ كقول الحارث بن حِلزة: فتنورتَ نارها من بعيد *** بخزازَى أيَّانَ منكَ الصلاء أي أنت بعيد من التدفئ بها وكما قال حُمَيد بن ثَوْر: لا تصطلي النارَ إلاّ مِجْمَرا أرِجَا *** قد كَسَّرت من يَلْنَجُوجٍ له وَقَصَا ويطلق على الاحتراق بالنار قال تعالى: ﴿ سَيصلَى ناراً ذات لهب ﴾ في سورة أبي لهب (3) وقال: ﴿ فأنذرتكم ناراً تلظَّى لا يصلاَها إلاّ الأشقى ﴾ في سورة الليل (14، 15)، وقال: وسيَصلون سعيراً في سورة النساء (10)، والأكثر إذا ذكر لفعل هذه المادة مفعول ثان من أسماء النار أن يكون الفعل بمعنى الإِحراق كقوله تعالى: ﴿ فسوف نُصليه ناراً ﴾ في سورة النساءِ (30).
ومنه قوله هنا سأُصليه سقر.
وسقر: علَم لطبقة من جهنم، عن ابن عباس: أنه الطبق السّادس من جهنم.
قال ابن عطية: سقر هو الدرك السادس من جهنم على ما روي ا ه.
واقتصر عليه ابنُ عطية.
وجرى كلام جمهور المفسرين بما يقتضي أنهم يفسّرون سقر بما يرادف جهنم.
وسقر ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث لأنه اسم بُقعة من جهنم أو اسم جهنم وقد جرى ضمير سقر على التأنيث في قوله تعالى: لا تُبقي } إلى قوله: ﴿ عليها تسعة عشر.
﴾ وقيل سقر معرَّب نقله في «الإِتقان» عن الجواليقي ولم يذكر الكلمة المعرّبة ولا من أية لغة هو.
و ﴿ ما أدراك ما سقر ﴾ جملة حالية من ﴿ سقر ﴾ ، أي سقر التي حالها لا ينبئك به مُنبئ وهذا تهويل لحالها.
و ﴿ ما سقر ﴾ في محل مبتدإ وأصله سقر مَّا، أي ما هي، فقدّم ﴿ ما ﴾ لأنه اسم استفهام وله الصدارة.
فإن ﴿ ما ﴾ الأولى استفهامية.
والمعنى: أيُّ شيء يدريك، أي يعلمك.
و ﴿ ما ﴾ الثانية استفهامية في محل رفع خبر عن ﴿ سقر ﴾ .
وجملة ﴿ لا تبقي ﴾ بدل اشتمال من التهويل الذي أفادته جملة ﴿ وما أدراك ما سَقر، ﴾ فإن من أهوالها أنها تهلك كل من يصلاها.
والجملة خبر ثان عن سقر.
وحذف مفعول ﴿ تبقي ﴾ لقصد العموم، أي لا تبقي منهم أحداً أو لا تبقي من أجزائهم شيئاً.
وجملة ﴿ ولا تذر ﴾ عطف على ﴿ لا تبقي ﴾ فهي في معنى الحال، ومعنى ﴿ لا تذر، ﴾ أي لا تترك من يلقَى فيها، أي لا تتركه غير مصلي بعذابها.
وهذه كناية عن إعادة حياته بعد إهلاكه كما قال تعالى: ﴿ كلما نَضِجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ [النساء: 56].
و ﴿ لوّاحة ﴾ : خبر ثالث عن ﴿ سقر ﴾ .
و ﴿ لوّاحة ﴾ فعَّالة، من اللّوح وهو تغيير الذات من ألممٍ ونحوه، وقال الشاعر، وهو من شواهد «الكشاف» ولم أقف على قائله: تقول ما لاحكَ يا مُسافِرْ *** يا ابنة عمي لاحني الهَواجِرْ والبشر: يكون جمع بشرة، وهي جلد الإِنسان، أي تغير ألوان الجلود فتجعلها سوداً، ويكون اسم جمع للناس لا واحد له من لفظه.
وقوله: ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ خبر رابع عن ﴿ سَقر ﴾ من قوله: ومعنى عليها} على حراستها، ف (على) للاستعلاء المجازي بتشبيه التصرف والولاية بالاستعلاء كما يقال: فلان على الشرطة، أو على بيت المال، أي يلي ذلك والمعنى: أن خزنة سقر تسعة عشر مَلَكاً.
وقال جمع: إن عدد تسعة عشر: هُم نقباء الملائكة الموكلين بجهنم.
وقيل: تسعة عشر صِنفاً من الملائكة وقيل تسعة عشر صفّاً.
وفي «تفسير الفخر»: ذكر أرباب المعاني في تقدير هذا العدد وجوهاً: أحدها قول أهل الحكمة: إن سبب فساد النفس هو القُوى الحيوانية والطبيعية أما الحيوانية فهي الخمس الظاهرة والخمس الباطنة، والشهوة والغضب، فمجموعها اثنتا عشرة.
وأما القوى الطبيعية فهي: الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة، والغاذية، والنامية، والمولِّدة، فهذه سبعة، فتلك تسعَ عشرة.
فلما كان منشأ الآفات هو هذه التسع عشرة كان عدد الزبانية كذلك اه.
والذي أراه أن الملائكة التسعة عشر موزَّعون على دركات سقر أو جهنمَ لكل دَرك مَلك فلعل هذه الدركات معيَّن كل درك منها لأهل شعبة من شُعب الكفر، ومنها الدرك الأسفل الذي ذكره الله تعالى: ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ في سورة النساء (145) فإن الكفر أصناف منها إنكار وجود الله، ومنها الوثنية، ومنها الشرك بتعدد الإله، ومنها عبادة الكواكب، ومنها عبادة الشيطان والجن، ومنها عبادة الحيوان، ومنها إنكار رسالة الرسل، ومنها المجوسية المانوية والمزدكية والزندقة، وعبادة البشر مثل الملوك، والإِباحيةُ ولو مع إثبات الإله الواحد.
وفي ذكر هذا العدد تحدَ لأهل الكتابين يبعثهم على تصديق القرآن إذ كان ذلك مما استأثر به علماؤهم كما سيأتي قوله: ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ﴾ [المدثر: 31].
وقرأ الجمهور ﴿ تسعة عَشر ﴾ بفتح العين من ﴿ عَشر.
﴾ وقرأ أبو جعفر ﴿ تسعة عشر ﴾ بسكون العين من ﴿ عشْر ﴾ تخفيفاً لتوالي الحركات فيما هو كالاسم الواحد، ولا التفات إلى إنكار أبي حاتم هذه القراءة فإنها متواترة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ يَعْنِي الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيَّ وإنْ كانَ النّاسُ خُلِقُوا مِثْلَ خَلْقِهِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِاخْتِصاصِهِ بِكُفْرِ النِّعْمَةِ لِأذى الرَّسُولِ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: (وَحِيدًا) تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَفَرَّدَ بِخَلْقِهِ وحْدَهُ.
الثّانِي: خَلَقَهُ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ في المُرادِ بِخَلْقِهِ وحِيدًا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَعْلَمَ بِهِ قَدْرَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ فِيما أُعْطِي مِنَ المالِ والوَلَدِ.
الثّانِي: أنْ يَدُلَّهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ يُبْعَثُ وحِيدًا كَما خُلِقَ وحِيدًا.
﴿ وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ألْفُ دِينارٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: سِتَّةُ آلافِ دِينارٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: مِائَةُ ألْفِ دِينارٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: أنَّها أرْضٌ يُقالُ لَها مِيثاقٌ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.
السّادِسُ: أنَّها غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ، قالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
السّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ شِتاءً ولا صَيْفًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّامِنُ: أنَّها الأنْعامُ الَّتِي يَمْتَدُّ سَيْرُها في أقْطارِ الأرْضِ لِلْمَرْعى والسِّعَةِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أنْ يَسْتَوْعِبَ وُجُوهَ المَكاسِبِ فَيَجْمَعُ بَيْنَ زِيادَةِ الزِّراعَةِ وكَسْبِ التِّجارَةِ ونِتاجِ المَواشِي فَيَمُدُّ بَعْضَها بِبَعْضٍ لِأنَّ لِكُلِّ مَكْسَبٍ وقْتًا.
وَيَحْتَمِلُ عاشِرًا: أنَّهُ الَّذِي يَتَكَوَّنُ نَماؤُهُ مِن أصْلِهِ كالنَّخْلِ والشَّجَرِ.
﴿ وَبَنِينَ شُهُودًا ﴾ اخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا عَشَرَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: قالَ الضَّحّاكُ: كانَ لَهُ سَبْعَةٌ وُلِدُوا بِمَكَّةَ، وخَمْسَةٌ وُلِدُوا بِالطّائِفِ.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ شُهُودًا ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم حُضُورٌ مَعَهُ لا يَغِيبُونَ عَنْهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ إذا ذُكِرَ ذُكِرُوا مَعَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهم كُلُّهم رَبُّ بَيْتٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهم قَدْ صارُوا مِثْلَهُ مِن شُهُودِ ما كانَ يَشْهَدُهُ، والقِيامِ بِما كانَ يُباشِرُهُ.
﴿ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُها: مَهَّدْتُ لَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مَهَّدْتُ لَهُ الرِّياسَةَ في قَوْمِهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ مَهَّدَ لَهُ الأمْرَ في وطَنِهِ حَتّى لا يَنْزَعِجَ عَنْهُ بِخَوْفٍ ولا حاجَةٍ.
﴿ ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، كَلّا، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنْ أزِيدَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ (كَلّا) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَلَمْ يَزَلِ النُّقْصانُ في مالِهِ ووَلَدِهِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أنْصُرَهُ عَلى كُفْرِهِ.
﴿ كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا ﴾ في المُرادِ (بِآياتِنا) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: مُحَمَّدٌ ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: الحَقُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَفي قَوْلِهِ (عَنِيدًا) أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُعانِدٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ قَوْلَ الحارِثِيِّ إذا نَزَلْتُ فاجْعَلانِي وسَطًا إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا الثّانِي: مُباعِدٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أرانا عَلى حالٍ تُفَرِّقُ بَيْنَنا ∗∗∗ نَوى غُرْبَةٍ إنَّ الفِراقَ عُنُودُ.
الثّالِثُ: جاحِدٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: مُعْرِضٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا خامِسًا: أنَّهُ المُجاهِرُ بِعَداوَتِهِ.
﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَشَقَّةٌ مِنَ العَذابِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ عَذابٌ لا راحَةَ فِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّها صَخْرَةٌ في النّارِ مَلْساءُ يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَها، فَإذا صَعِدَها زَلَقَ مِنها، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
الرّابِعُ: ما رَواهُ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾ قالَ: (هُوَ جَبَلٌ في النّارِ مِن نارٍ يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَهُ، فَإذا وضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ذابَتْ، وإذا رَفَعَها عادَتْ، وإذا وضَعَ رِجْلَهُ ذابَتْ، وإذا رَفَعَها عادَتْ)» .
ويَحْتَمِلُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ هَذا النَّقْلُ قَوْلًا خامِسًا: أنَّهُ تَصاعُدُ نَفْسِهِ لِلنَّزْعِ وإنْ لَمْ يَتَعَقَّبْهُ مَوْتٌ لِيُعَذَّبَ مِن داخِلِ جَسَدِهِ كَما يُعَذَّبُ مِن خارِجِهِ.
﴿ إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: زَعَمُوا أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ: لَقَدْ نَظَرْتُ فِيما قالَ هَذا الرَّجُلُ فَإذا هو لَيْسَ بِشِعْرٍ، وإنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ وما يُعْلى، وما أشُكُّ أنَّهُ سِحْرٌ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ فَكَّرَ وقَدَّرَ ﴾ أيْ فَكَّرَ في القُرْآنِ فِيما إنَّهُ سِحْرٌ ولَيْسَ بِشِعْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنْ يَكُونَ فَكَّرَ في العَداوَةِ وقَدَّرَ في المُجاهَدَةِ.
﴿ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ عُوقِبَ ثُمَّ عُوقِبَ، فَيَكُونُ العِقابُ تَكَرَّرَ عَلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
الثّانِي: أيْ لُعِنَ ثُمَّ لُعِنَ كَيْفَ قَدَّرَ أنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ ولا كِهانَةٍ، وأنَّهُ سِحْرٌ.
﴿ ثُمَّ نَظَرَ ﴾ يَعْنِي الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وفي ما نَظَرَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَظَرَ في الوَحْيِ المُنَزَّلِ مِنَ القُرْآنِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ نَظَرَ إلى بَنِي هاشِمٍ حِينَ قالَ في النَّبِيِّ إنَّهُ ساحِرٌ، لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهم.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: ثُمَّ نَظَرَ إلى نَفْسِهِ فِيما أُعْطِيَ مِنَ المالِ والوَلَدِ فَطَغى وتَجَبَّرَ.
﴿ ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ ﴾ أمّا عَبَسَ فَهو قَبْضُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وبَسَرَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَلَحَ وجْهُهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ صَبَّحْنا تَمِيمًا غَداةَ الجِفارِ ∗∗∗ بِشَهْباءَ مَلْمُومَةٍ باسِرَةٍ الثّانِي: تَغَيَّرَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ تَوْبَةَ وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورِها.
واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَدْ عَبَسَ وبَسَرَ عَلى النَّبِيِّ حِينَ دَعاهُ.
واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى مَن آمَنَ بِهِ ونَصَرَهُ.
وَقِيلَ إنَّ ظُهُورَ العَبُوسِ في الوَجْهِ يَكُونُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، وظُهُورَ البُسُورِ في الوَجْهِ قَبْلَ المُحاوَرَةِ.
﴿ ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ واسْتَكْبَرَ عَنِ الطّاعَةِ.
الثّانِي: أدْبَرَ عَنْ مَقامِهِ واسْتَكْبَرَ في مَقالِهِ.
﴿ فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ: إنْ هَذا القُرْآنَ إلّا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ فَأخَذَهُ عَمَّنْ تَقَدَّمُهُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّ النُّفُوسَ تُؤْثَّرُ لِحَلاوَتِهِ فِيها كالسِّحْرِ.
﴿ إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ ﴾ أيْ لَيْسَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، قالَ السُّدِّيُّ: يَعْنُونَ أنَّهُ مِن قَوْلِ أبِي اليُسْرِ عَبْدٌ لَبَنِي الحَضْرَمِيِّ كانَ يُجالِسُ النَّبِيَّ ، فَنَسَبُوهُ إلى أنَّهُ تَعَلَّمَ مِنهُ ذَلِكَ.
﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: سَقَرَتْهُ الشَّمْسُ إذا آلَمَتْ دِماغَهُ، فَسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ إيلامِها.
﴿ وَما أدْراكَ ما سَقَرُ ﴾ ﴿ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تُبْقِي مَن فِيها حَيًّا، ولا تَذَرُهُ مَيِّتًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: لا تُبْقِي أحَدًا مِن أهْلِها أنْ تَتَناوَلَهُ، ولا تَذَرُهُ مِنَ العَذابِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: لا تُبْقِيهِ صَحِيحًا، ولا تَذَرُهُ مُسْتَرِيحًا.
﴿ لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُغَيِّرَةٌ لِألْوانِهِمْ، قالَ أبُو رُزَيْنٍ تَلْفَحُ وُجُوهَهم لَفْحَةً تَدَعُهم أشَدَّ سَوادًا مِنَ اللَّيْلِ.
الثّانِي: تَحْرِقُ البَشَرَ حَتّى تَلُوحَ العَظْمُ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الثّالِثُ: أنَّ بَشَرَةَ أجْسادِهِمْ تَلُوحُ عَلى النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّ اللَّواحَ شَدَّةُ العَطَشِ، والمَعْنى أنَّها مُعَطِّشَةٌ لِلْبَشَرِ، أيْ لِأهْلِها، قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ سَقَتْنِي عَلى لَوْحٍ مِنَ الماءِ شَرْبَةً ∗∗∗ سَقاها بِهِ اللَّهُ الرِّهامَ الغَوادِيا.
يَعْنِي بِاللَّوَحِ شِدَّةَ العَطَشِ: ويَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّها تَلُوحُ لِلْبَشَرِ بِهَوْلِها حَتّى تَكُونَ أشَدَّ عَلى مَن سَبَقَ إلَيْها، وأسَرَّ لِمَن سَلِمَ مِنها.
وَفي البَشَرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الإنْسُ مِن أهْلِ النّارِ، قالَهُ الأخْفَشُ والأكْثَرُونَ.
الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ بَشَرَةٍ، وهي جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ هَؤُلاءِ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ وهُمُ الزَّبانِيَةُ، وعَدَدُهم هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ورَوى عامِرٌ عَنِ البَراءِ «أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأهْوى بِأصابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ، فَأمْسَكَ الإبْهامَ في الثّانِيَةِ»، وأخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِهَذا العَدَدِ، وكانَ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأعْدادِ إخْبارًا عَمَّنْ وُكِّلَ بِها وهو هَذا العَدَدُ، ومُوافَقَةً لَما نَزَلَ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ مِن قَبْلُ.
وَقَدْ يَلُوحُ لِي في الِاقْتِصارِ عَلى هَذا العَدَدِ مَعْنًى خَفِيٌّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا، وهو أنَّ تِسْعَةَ عَشَرَ عَدَدٌ يَجْمَعُ أكْثَرَ القَلِيلِ مِنَ العَدَدِ وأقَلَّ الكَثِيرِ، لِأنَّ العَدَدَ آحادٌ وعَشَراتٌ ومِئُونٌ وأُلُوفٌ، والآحادُ أقَلُّ الأعْدادِ، وأكْثَرُ الآحادِ تِسْعَةٌ، وما سِوى الآحادِ كَثِيرٌ وأقَلُّ الكَثِيرِ عَشَرَةٌ، فَصارَتِ التِّسْعَةَ عَشَرَ عَدَدًا يَجْمَعُ مِنَ الأعْدادِ أكْثَرَ قَلِيلِها، وأقَلَّ كَثِيرِها، فَلِذَلِكَ ما وقَعَ عَلَيْها الِاقْتِصارُ واَللَّهُ أعْلَمُ لِلنُّزُولِ عَنْ أقَلِّ القَلِيلِ وأكْثَرِ الكَثِيرِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا ما وصَفْتُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنْ يَكُونَ اللَّهُ حَفِظَ جَهَنَّمَ حَتّى ضُبِطَتْ وحُفِظَتْ بِمِثْلِ ما ضُبِطَتْ بِهِ الأرْضُ وحُفِظَتْ بِهِ مِنَ الجِبالِ حَتّى رَسَتْ وثَبَتَتْ، وجِبالُ الأرْضِ الَّتِي أُرْسِيَتْ بِها واسْتَقَرَّتْ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ جَبَلًا، وإنَّ شُعَبَ فُرُوعِها تَحْفَظُ جَهَنَّمَ بِمِثْلِ هَذا العَدَدِ، لِأنَّها قَرارٌ لِعُصاةِ الأرْضِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، فَحَفِظَتْ مُسْتَقَرَّهم في النّارِ بِمِثْلِ العَدَدِ الَّذِي حَفِظَ مُسْتَقَرَّهم في الأرْضِ، وحَدُّ الجَبَلِ ما أحاطَتْ بِهِ أرْضٌ تَتَشَعَّبُ فِيها عُرُوقُهُ ظاهِرُهُ ولا باطِنُهُ، وقَدْ عَدَّ قَوْمٌ جِبالَ الأرْضِ فَإذا هي مِائَةٌ وتِسْعُونَ جَبَلًا، واعْتَبَرُوا انْقِطاعَ عُرُوقِها رَواسِيَ وأوْتادًا، فَهَذانَ وجْهانِ يَحْتَمِلُهُما الِاسْتِنْباطُ، واَللَّهُ أعْلَمُ بِصَوابِ ما اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ.
وَذَكَرَ مَن يَتَعاطى العُلُومَ العَقْلِيَّةَ وجْهًا ثالِثًا: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَفِظَ نِظامَ خَلْقِهِ ودَبَّرَ ما قَضاهُ في عِبادِهِ بِتِسْعَةَ عَشَرَ جَعَلَها المُدَبِّراتِ أمْرًا وهي سَبْعَةُ كَواكِبَ واثْنا عَشَرَ بُرْجًا، فَصارَ هَذا العَدَدُ أصْلًا في المَحْفُوظاتِ العامَّةِ، فَلِذَلِكَ حَفِظَ جَهَنَّمَ، وهَذا مَدْفُوعٌ بِالشَّرْعِ وإنْ راقَ ظاهِرُهُ.
ثُمَّ نَعُودُ إلى تَفْسِيرِ الآيَةِ، رَوى قَتادَةُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ قالَ أبُو جَهْلٍ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أما يَسْتَطِيعُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنكم أنْ يَأْخُذُوا واحِدًا مِنهم وأنْتُمْ أكْثَرُ مِنهم.
قالَ السُّدِّيُّ: وقالَ أبُو الأشَدِّ بْنُ الجُمَحِيِّ: لا يَهُولَنَّكُمُ التِّسْعَةَ عَشَرَ أنا أدْفَعُ عَنْكم بِمَنكِبِي الأيْمَنِ عَشَرَةً مِنَ المَلائِكَةِ، وبِمَنكِبِي الأيْسَرِ التِّسْعَةَ ثُمَّ تَمُرُّونَ إلى الجَنَّةِ، يَقُولُها مُسْتَهْزِئًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ قال: هو الوليد بن المغيرة أخرجه الله من بطن أمه وحيداً لا مال له ولا ولد، فرزقه الله المال والولد والثروة والنماء ﴿ كلاّ إنه كان لآياتنا عنيداً ﴾ قال: كفوراً بآيات الله جحوداً بها ﴿ إنه فكر وقدر ﴾ قال: ذكر لنا أنه قال: لقد نظرت فيما قال هذا الرجل فإذا هو ليس بشعر وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى، وما أشك أنه سحر، فأنزل الله فيه ﴿ فقتل كيف قدر ﴾ إلى قوله: ﴿ وبسر ﴾ قال: كلح.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ قال: الوليد بن المغيرة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ قال: نزلت في الوليد بن المغيرة ﴿ وحيداً ﴾ قال: خلقته وحده لا مال له ولا ولد ﴿ وجعلت له مالاً مدوداً ﴾ قال: ألف دينار ﴿ وبنين ﴾ قال: كانوا عشرة ﴿ شهوداً ﴾ قال: لا يغيبون ﴿ ومهدت له تمهيداً ﴾ قال: بسطت له من المال والولد ﴿ ثم يطمع أن أزيد كلا ﴾ قال: فما زال يرى النقصان في ماله وولده حتى هلك ﴿ إنه كان لآياتنا عنيداً ﴾ قال: معانداً عنها مجانباً لها ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ قال: مشقة من العذاب.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ قال: الوليد بن المغيرة ﴿ وبنين شهوداً ﴾ قال: كانوا ثلاثة عشر ﴿ ثم يطمع أن أزيد كلا ﴾ قال: فلم يولد له بعد يومئذ ولم يزدد له من المال إلا ما كان ﴿ إنه كان لآياتنا عنيداً ﴾ قال: مشاقاً.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ الآيات، قال: هو الوليد بن المغيرة بن هشام المخزومي وكان له ثلاثة عشر ولداً كلهم رب بيت، فلما نزلت ﴿ إنه كان لآياتنا عنيداً ﴾ لم يزل في إدبار من الدنيا في نفسه وماله وولده حتى أخرجه من الدنيا.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وجعلت له مالاً ممدوداً ﴾ قال: ألف دينار.
وأخرج عبد بن حميد عن سفيان ﴿ وجعلت له مالاً ممدوداً ﴾ قال: ألف ألف.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والدينوري في المجالسة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن قوله: ﴿ وجعلت له مالاً ممدوداً ﴾ قال: غلة شهر بشهر.
وأخرج ابن مردويه عن النعمان بن سالم في قوله: ﴿ وجعلت له مالاً ممدوداً ﴾ قال: الأرض.
وأخرج هناد عن أبي سعيد الخدري في قوله: ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ قال: هو جبل في النار يكلفون أن يصعدوا فيه، فكلما وضعوا أيديهم عليه ذابت، فإذا رفعوها عادت كما كانت.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوه لك، فإنك أتيت محمداً لتعرض لما قبله.
قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً.
قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر أو أنك كاره له.
قال: وماذا أقول؟
فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا برجزه ولا بقصيده مني، ولا بشاعر الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله إن لقوله: الذي يقول لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلوا وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته.
قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه.
قال: فدعني حتى أفكر.
ففكر.
فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره فنزلت ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ .
وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في الحلية وعبد الرزاق وابن المنذر عن عكرمة مرسلاً.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم جمع الوليد بن المغيرة قريشاً فقال: ما تقولون في هذا الرجل، فقال بعضهم: هو شاعر، وقال بعضهم: هو كاهن، فقال الوليد: سمعت قول شاعر وسمعت قول الكهنة، فما هو مثله.
قالوا: فما تقول أنت؟
قال: فنظر ساعة ﴿ ثم فكر وقدر فقتل كيف قدر ﴾ إلى قوله: ﴿ سحر يؤثر ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر فسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجباً لما يقول ابن أبي كبشة فوالله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي من الجنون، وإن قوله: لمن كلام الله فلما سمع النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبأن قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل قال: والله أنا أكفيكم شأنه.
فانطلق حتى دخل عليه بيته.
فقال للوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدقة؟
فقال: ألست أكثرهم مالاً وولداً فقال له أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه.
فقال الوليد: تحدث بهذا عشيرتي فوالله لا أقرب ابن أبي قحافة ولا عمر ولا ابن أبي كبشة وما قوله: إلا سحر يؤثر فأنزل الله: ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ إلى قوله: ﴿ لا تبقي ولا تذر ﴾ .
وأخرج ابن جرير وهناد بن السري في الزهد وعبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ عنيداً ﴾ قال: جحوداً.
وأخرج أحمد وابن المنذر والترمذي وابن أبي الدنيا في صفة النار وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصعود جبل في النار يصعد فيه الكافر سبعين خريفاً ثم يهوي وهو كذلك فيه أبداً» .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن أبي سعيد قال: إن ﴿ صعوداً ﴾ صخرة في جهنم إذا وضعوا أيديهم عليها ذابت، فإذا رفعوها عادت واقتحامها ﴿ فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة ﴾ [ البلد: 14] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: صعود صخرة في جهنم يسحب عليها الكافر على وجهه.
وأخرج ابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس قي قوله: ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ قال: جبل في النار.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ صعوداً ﴾ قال: جبلاً في جهنم.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ قال: صخرة ملساء في جهنم يكلفون الصعود عليها.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ قال: مشقة من العذاب.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ عبس وبسر ﴾ قال: قبض ما بين عينيه وكلح.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي رزين ﴿ إن هذا إلا سحر يؤثر ﴾ قال: يأثره عن غيره.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: ﴿ سقر ﴾ أسفل الجحيم، نار فيها شجرة الزقوم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لا تبقي ولا تذر ﴾ قال: لا تحيي ولا تميت.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ لا تبقي ﴾ إذا أخذت فيهم لم تبق منهم شيئاً، وإذا بدلوا جلداً جديداً لم تذر أن تباردهم سبيل العذاب الأول.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ لا تبقي ولا تذر ﴾ تأكله كله، فإذا تبدى خلقه لم تذره حتى تقوم عليه.
وأخرج ابن المنذر عن ابن بريد ﴿ لا تبقي ولا تذر ﴾ قال: تأكل اللحم والعظم والعرق والمخ ولا تذره على ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لواحة للبشر ﴾ قال: حراقة للجلد.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ لواحة للبشر ﴾ قال: تلوح الجلد فتحرقه فيتغير لونه فيصر أسود من الليل.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي رزين ﴿ لواحة للبشر ﴾ قال: تلوح جلده حتى تدعه أشد سواداً من الليل.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عليّ عن ابن عباس ﴿ لواحة ﴾ محرقة.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن البراء أن رهطاً من اليهود سألوا رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فنزل عليه ساعتئذ ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ .
وأخرج الترمذي وابن مردويه عن جابر قال: قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟
قال: هكذا وهكذا في مرة عشرة وفي مرة تسعة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: لما نزلت ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ قال رجل من قريش يدعى أبا الأشدين: يا معشر قريش لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع عنكم بمنكبي الأيمن عشرة وبمنكبي الأيسر التسعة، فأنزل الله: ﴿ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما سمع أبو جهل ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم، فأوحى الله إلى نبيه أن يأتي أبا جهل فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له: ﴿ أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ قال: ذكر لنا أن أبا جهل حين أنزلت هذه الآية قال: يا معشر قريش ما يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا واحداً من خزنة النار وأنتم ألدهم؟.
وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث من طريق الأزرق بن قيس عن رجل من بني تميم قال: كنا عند أبي العوام فقرأ هذه الآية ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ فقال: ما تقولون أتسعة عشر ملكاً أو تسعة عشر ألفاً؟
قلت: لا بل تسعة عشر ملكاً، فقال: ومن أين علمت ذلك؟
قلنا: لأن الله يقول: ﴿ وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ﴾ قال: صدقت هم تسعة عشر ملكاً بيد كل ملك منهم مرزبة من حديد له شعبتان فيضرب بها الضربة يهوي بها في جهنم سبعين ألفاً بين منكبي كل ملك منهم مسيرة كذا وكذا.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ قال: جعلوا فتنة.
قال: قال أبو الأشدين الجمحي: لا يبلغون رتوتي حتى أجهضهم عن جهنم.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ﴾ قال: قال أبو الأشدين: خلوا بيني وبين خزنة جهنم أنا أكفيكم مؤنتهم.
قال: وحدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف خزان جهنم فقال: «كأن أعينهم البرق وكأن أفواههم الصياصي يجرون أشفارهم لهم مثل قوة الثقلين، يقبل أحدهم بالأمة من الناس يسوقهم، على رقبته جبل، حتى يرمي بهم في النار فيرمي بالجبل عليهم» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ﴾ أنهم يجدون عدتهم في كتابهم تسعة عشر ﴿ ويزداد الذين آمنوا إيماناً ﴾ فيؤمنوا بما في كتابهم من عدتهم فيزدادوا بذلك إيماناً.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ﴾ قال: يستيقن أهل الكتاب حين وافق عدد خزنة النار ما في كتابهم.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ﴾ قال: يجدونه مكتوباً عندهم عدة خزنة النار.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيماناً ﴾ قال: صدق القرآن الكتب التي خلت قبله التوراة والإِنجيل أن خزنة جهنم تسعة عشر ﴿ وليقول الذين في قلوبهم مرض ﴾ قال: الذين في قلوبهم النفاق والله أعلم.
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو ﴾ قال: من كثرتهم.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج مثله.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق ابن جريج عن رجل عن عروة بن الزبير أنه سأل عبدالله بن عمرو بن العاص أي الخلق أعظم؟
قال: الملائكة.
قال: من ماذا خلقت؟
قال: من نور الذراعين والصدر.
قال: فبسط الذراعين.
فقال: كونوا ألفي ألفين.
قيل لابن جريج: ما ألفي ألفين؟
قال: ما لا يحصى كثرته.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة الإِسراء قال: «فصعدت أنا وجبريل إلى السماء الدنيا، فإذا أنا بملك يقال له اسماعيل، وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك منهم جنده مائة ألف، وتلا هذه الآية ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو ﴾ » .
أخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ وما هي إلا ذكرى للبشر ﴾ قال: النار.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة مثله.
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿ والليل إذا دبر ﴾ فجعل الألف مع إذا.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن الزبير أنه كان يقرأ: ﴿ والليل إذا دبر ﴾ .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن سعيد بن جبير أنه قرأها: ﴿ دبر ﴾ مثل قراءة ابن عباس.
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن أنه قرأها: ﴿ إذ ﴾ بغير ألف ﴿ أدبر ﴾ بألف.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون قال: إنها في حرف أبي وابن مسعود ﴿ إذا أدبر ﴾ يعني بألفين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والليل إذا أدبر ﴾ قال: دبوره ظلامه.
وأخرج مسدد في مسنده وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿ والليل إذا أدبر ﴾ فسكت عني حتى إذا كان من آخر الليل وسمع الأذان الأول ناداني: يا مجاهد هذا حين دبر الليل.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ والصبح إذا أسفر ﴾ قال: إذا أضاء ﴿ إنها لإِحدى الكبر ﴾ قال: النار.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ إنها لإِحدى الكبر ﴾ قال: النار.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي رزين ﴿ إنها لإِحدى الكبر نذيراً للبشر ﴾ قال: هي جهنم.
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الأمل عن حذيفة قال: ما من صباح ولا مساء إلا ومنادٍ ينادي: يا أيها الناس الرحيل الرحيل، وإن تصديق ذلك في كتاب الله ﴿ إنها لإِحدى الكبر نذيراً للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم ﴾ قال: الموت ﴿ أو يتأخر ﴾ قال: الموت.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ﴾ قال: من شاء اتبع طاعة الله ومن شاء تأخر عنها.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ لمن شاء منكم أن يتقدم ﴾ قال: في طاعة الله ﴿ أو يتأخر ﴾ قال: في معصية الله.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ﴾ تعظيم لها وتهويل ﴿ لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ ﴾ مبالغة في وصف عذابها، أي لا تدع غاية من العذاب إلا أذاقته إياها أو لا تبقي شيئاً ألقي فيها إلا أهلكته وإذا أهلك لم تذره هالكاً بل يعود للعذاب ﴿ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ ﴾ معنى لوّاحة: مغيِّرة، يقال: لوّحه السفر إذا غيره والبَشَر جمع بَشَرة وهي الجلدة، فالمعنى أنها تحرق الجلود وتسودها.
وقيل: لواحة من لاح إذا ظهر، والبشر الناس أي تلوح للناس، وقال الحسن: تلوح لهم من مسيرة خمسمائة عام.
﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ يعني الزبانية خزنة جهنم، فقيل: هم تسعة عشرة ملكاً، وقيل: تسعة عشر صفاً من الملائكة، والأول أشهر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ الرجز ﴾ بضم الراء: يزيد وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والآخرون: بالكسر ﴿ تسعة عشر ﴾ بسكون العين لتوالي الحركات: يزيد والخراز عن هبيرة ﴿ إذا ﴾ بسكون الذال ﴿ أدبر ﴾ من الإدبار: نافع ويعقوب وحمزة وخلف وحفص والمفضل.
الباقون ﴿ إذا ﴾ بالألف ﴿ دبر ﴾ من الدبور.
﴿ مستنفرة ﴾ بفتح الفاء: أبوجعفر ونافع وابن عامر والمفضل ﴿ تخافون ﴾ بتاء الخطاب: ابن مجاهد والنقاش عن أبي ذكوان ﴿ وما تذكرون ﴾ على الخطاب: نافع ويعقوب.
الوقوف: ﴿ المدثر ﴾ ه لا ﴿ فأنذر ﴾ ه لا ﴿ فكبر ﴾ ه ك ﴿ فطهر ﴾ ه ك ﴿ فاهجر ﴾ ه ك ﴿ تستكثر ﴾ ه ك ﴿ فاصبر ﴾ ه ط وقد يجوز الوقوف على الآيات قبلها إلا على الأولى ﴿ الناقور ﴾ ه لا ﴿ عسير ﴾ ه ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ وحيداً ﴾ ه لا ﴿ ممدوداً ﴾ ه ك ﴿ شهوداً ﴾ ه ك ﴿ تمهيداً ﴾ ه ك ﴿ أن أزيد ﴾ ه ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ عنيداً ﴾ ه ط للإبتداء بالتهديد ﴿ صعوداً ﴾ ه ك للإبتداء بأن ﴿ وقدر ﴾ ه لا ﴿ قدر ﴾ ه لا ﴿ نظر ﴾ ه لا ﴿ وبسر ﴾ ه ك ﴿ واستكبر ﴾ ه ك ﴿ يؤثر ﴾ ه ك ﴿ البشر ﴾ ه ﴿ سقر ﴾ ه لا ﴿ ما سقر ﴾ ه ط لتناهي الإستفهام ﴿ ولا تذر ﴾ ه م لأن التقدير هي لواحة مع اتحاد المقصود ﴿ للبشر ﴾ ط للآية ولأن ما بعده من تمام المقصود ﴿ عشر ﴾ ه ط ﴿ ملائكة ﴾ ص لاتفاق الجملتين مع استقلال كل منهما بنفي واستثناء ﴿ كفروا ﴾ لا لتعلق اللام ﴿ والمؤمنون ﴾ لا لذلك ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ للبشر ﴾ ه قد يوصل على جعل ﴿ كلا ﴾ ردعاً والوقف على ﴿ البشر ﴾ دون ﴿ كلا ﴾ صواب لأنه تأكيد القسم بعدها ﴿ والقمر ﴾ ه ﴿ إذ أدبر ﴾ ه لا ﴿ أسفر ﴾ ه لا ﴿ الكبر ﴾ ه ﴿ للبشر ﴾ ه ﴿ يتأخر ﴾ ه ط ﴿ رهينة ﴾ ه لا ﴿ اليمين ﴾ ه ط على تقديرهم في جنات يتساءلون فيها.
والوقف على ﴿ جنات ﴾ أولى لعدم الإضمار ﴿ سقر ﴾ ه ﴿ المصلين ﴾ ه ﴿ المسكين ﴾ ه ﴿ الخائضين ﴾ ه ك ﴿ الدين ﴾ ه لا ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ الشافعين ﴾ ه ج للإبتداء بالاستفهام به ﴿ معرضين ﴾ ه لا لأن ما بعده صفتهم ﴿ مستنفرة ﴾ ه ط ﴿ قسورة ﴾ ه ط ﴿ منشرة ﴾ ه ط ﴿ كلا ﴾ للردع عن الإرادة ﴿ الآخرة ﴾ لا على جعل ﴿ كلا ﴾ بمعنى حقاً تذكرة} ج للشرط مع الفاء ﴿ ذكره ﴾ ه ﴿ الله ﴾ ه ﴿ المغفرة ﴾ ه.
التفسير: "روى جابر بن عبد الله أن النبي قال: كنت على جبل حراء فنوديت يا محمد إنك رسول الله، فنظرت عن يميني ويساري فلم أر شيئاً، فنظرت فوقي فرأيت الملك قاعداً على عرش بين السماء والأرض فخفت ورجعت إلى خديجة فقلت: دثروني وصبوا عليّ ماء بارداً، ونزل جبرائيل وقال ﴿ يا أيها المدثر ﴾ " وروى الزهري مثله، وقريب منه ما قيل: إنه تحنث في غار حراء فقيل له ﴿ يا أيها المدثر ﴾ المغطى بدثار اشتغل بدعوة الخلق، فالسورة على هذا من أوائل ما نزل.
وقيل: سمع من قريش ما كرهه كما يجيء حكايته عن الوليد فاغتنم فتغطى بثوبه مفكراً فأمر أن لا تدع إنذارهم وتصبر على أذاهم.
وقيل: أراد يا أيها المدثر بدثار النبوة مثل لباس التقوى.
والدثار ما فوق الشعار، والشعار الثوب الذي يلي الجسد قال " الأنصار شعار والنار دثار " قوله ﴿ قم ﴾ أي من مضجعك أو قيام عزم وتصمم.
وقوله ﴿ فأنذر ﴾ متروك المفعول لئلا يختص بأحد نحو " فلان يعطي " أي فافعل الإنذار وأوجده وقيل: أراد فحذر قومك من عذاب الله إن لم تؤمنوا.
قوله ﴿ وربك فكبر ﴾ أي عظم ربك مما يقول عبدة الأوثان، أو من أن يأمرك بالإنذار من غير حكمة وصلاح عام.
وعن مقاتل: وهو نفس التكبير.
يروى أنه لما نزل قال النبي : الله أكبر فكبرت خديجة وفرحت وأيقنت أنه الوحي وقد يحمل على تكبير الصلوات ولا يبعد أن يكون للنبي في أول الأمر صلوات مخصوصة والفاآت في ﴿ فكبر ﴾ وما يتلوها لتلازم ما قبلها وما بعدها كأنه قيل: مهما كان من شيء فلا تدع تكبيره.
وقوله ﴿ وثيابك فطهر ﴾ في تفسيره وجوه أربعة: أحدها أن يترك كل من لفظي الثياب والتطهير على ظاهره.
فعن الشافعي أن المراد الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس والأقذار ولا ريب أن هذا هو الأصل إلا أن في غير حال الصلاة أيضاً لا يحل إستعمال النجس أولا يحسن فقبح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثاً.
وروي أنهم ألقوا على رسول الله سلى شاة فرجع إلى بيته حزيناً وتدثر ثيابه فقيل ﴿ يا أيها المدثر قم فأنذر ﴾ ولا تمنعك تلك الناهية عن الإنذار.
﴿ وربك فكبر ﴾ عن أن لا ينتقم منهم ﴿ وثيابك فطهر ﴾ عن تلك النجاسات والقاذورات الثاني: الثياب حقيقة والتطهير كناية عن التقصير لان العرب كانوا يطولون ثيابهم ويجرون أذيالهم.
وقال علي : قصر ثيابك فإنه أتقى وأبقى وأنقى.
وقيل: تطهيرها أن لا تكون مغصوبة ولا محرمة بل تكون مكتبسة من وجه حلال.
الثالث: عكسه فعبر عن الجسد بالثياب لاشتماله على النفس.
وكان العرب لا يتنظفون وقت الإستنجاء فأمر النبي بالتنظيف.
الرابع: أن يكون كل من اللفظين مجازاً قال القفال: إنهم لما لقبوه بالساحر شق عليه ذلك فرجع إلى بيته وتدثر فكان ذلك إظهار جزع وقلة صبر فأمر بحسن الخلق وتهذيب الأخلاق أي طهر قلبك عن الصفات الذميمة كقطع الرحم وعزم الإنتقام والسآمة من الدعوة إلى دين الله لأجل أذى القوم.
وهذا بعد منا سبته لخطابه بالمدثر مجاز مستعمل يقال: فلان طاهر الجيب نقي الذيل إذا كان بريئاً من المثالب.
ويقال: المجد في ثوبيه والكرم في برديه وذلك أن الثواب كالشيء الملازم للإنسان فجعل طهارته كطهارته، ولأن الغالب أن من طهر باطنه طهر ظاهرة.
وقيل: هو أمر بالإحتراز عن الآثام والأوزار التي كان يقدم عليها قبل النبوة.
وهذا تأويل من حمل قوله ﴿ ووضعنا عنك وزرك ﴾ على آثام الجاهلية: وقيل: معناه نساءك طهرهن.
وقد يكنى عن النساء بالثياب هن لباس لكم.
قوله ﴿ والرجز فاهجر ﴾ هو بالكسر والضم العذاب والمراد اهجر ما يؤدي إليه من عبادة الأوثان وغيرها أي أثبت على هجره مثل أهدنا، وهذا يؤكد تأويل من حمل قوله ﴿ وثيابك فطهر ﴾ على تحسين الأخلاق والإجتناب عن المعاصي ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ لا تعط مستكثراً رائياً لما أعطيته كثيراً بل يجب أن تستحقرها وترى أن للأخذ حرمة عليك بقبول ذلك الإنعام، وهذا نهاية الكرم على أن الإستكثار ينبيء على المنة وهي مبطلة للعمل كما قال ﴿ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ فقوله ﴿ تستكثر ﴾ مرفوع والجملة في موضع الحال منصوباً، ويجوز أن يكون الأصل لأن تستكثر فحذف اللام ثم " أن " وأبطل عملها كما روي " ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى" بالرفع.
واختار أبو علي الفارسي الوجه الأول إلا أنه قال: تأويله لا تمنن مقدراً الإستكثار كما في قول القائل: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً.
وأقول: هذا التأويل مما لا حاجة إليه لأن طلب الكثرة مقرون بالإعطاء بخلاف الصيد غداً.
وذهب جم غفير من المفسرين إلى أنه نهى عن الإستقراض وهو أن يهب شيئاً طامعاً في أن يأخذ أكثر منه فيكون نهى تنزيه لأنه جاء في الحديث " "المستغزر يثاب من هبته" " ويجوز أن يكون نهي تحريم خاصاً برسول الله لأن منصبه يجل عن طلب الدنيا خصوصاً بهذا الوجه، ومنهم من حمله على الرياء فيكون نهي تحريم للكل والمن معنى.
وقال القفال: يحتمل أن يكون المقصود النهي عن طلب العوض زائداً أو مساوياً أو ناقصاً.
أما الزائدة فطاهر.
وأما المساوي والناقص فلأن طالب العوض كاره أن ينتقص المال بسبب العطاء فكأنه يطلب الكثرة.
ويجوز أن يقال: إنما حسنت هذه الإستعارة لأن الغالب أن الثواب يكون زائداً على العطاء فسمي طلب الثواب إستكثاراً حملاً للشيء على أغلب أحواله، وكما أن الأغلب أن المرأة ذات الولد إنما تتزوج للحاجة إلى من يربى ولدها فسمي الولد ربيباً، ثم اتسع ولد المرأة ربيباً.
وإن كان كبيراً خارجاً عن حد التربية أمر أن يكون عطاؤه خالياً عن انتظار العوض والتفات النفس إليه كيف كان حتى يقع خالصاً لوجه الله ويكون صابراً محتسباً.
وعن الحسن وغيره أنه لما أمره الله بإنذار القوم وتكبير الرب وتطهير الثياب وهجران الرجز قال ﴿ ولا تمنن ﴾ على ربك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما تفعله بل اصبر على ذلك كله ويؤكده قوله بعد ذلك ﴿ ولربك فاصبر ﴾ أي استعمل الصبر في مظانه خالصاً لوجه ربك وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي كالمستكثر لذلك بأمر الله.
وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك لتستكثر أي لتأخذ منهم على ذلك أجراً فيكثر مالك.
وقال مجاهد: لا تمنن أي لا تضعف من قولك " حبل من " أي ضعيف ومنه " منّه السير " أي أضعفه.
والمعنى لا تضعف أن تستكثر من هذه الأوامر ووجه الرفع ما مر في قوله " أحضر الوغى" قوله ﴿ فإذا نقر ﴾ الفاء للتسبيب كأنه قال: اصبر على التكاليف المعدودة وعلى أذى المشركين فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم وتلقى عاقبة صبرك والفاء في ﴿ فذلك ﴾ للجزاء.
وانتصب ﴿ إذا ﴾ بما دل عليه الجزاء لأن المعنى: فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين " فاعول " من النقر كالهاضوم من الهضم، يشبه أن يكون البناء للآلة لأن الهاضوم ما به يهضم.
فالناقور ما ينقر به وهو الصور باتفاق المفسرين، فكأنه آلة النقر أي النفخ وذلك أن النفخ سبب حدوث الصوت في المزامير كما أن النقر سبب الحدوث في الآلات ذوات الأوتار.
قال الجوهري في الصحاح ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ أي نفخ في الصور.
وقد يلوح من كلام الإمام فخر الدين الرازي في التفسير الكبير أن النقر غير النفخ.
وهكذا من كلام الحليمي في كتاب " المنهاج " وذلك أنه قال: جاء في الأخبار أن في الصور ثقباً بعدد الأرواح كلها فإذا نفخ فيه للإصعاق جمع بين النقر و" النفخ " لتكون الصيحة أهول وأعظم.
وإذا نفخ فيه للإحياء لم ينقر فيه.
واقتصر على النفخ لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها ويظهر من فحوى كلامه أنه حمل هذا النقر على أنه مقرون بالنفخة الأولى بعد أن أثبت المغايرة.
ومن المفسرين من ذهب إلى أن النفخة الثانية أهول لأنه أخبر أن ذلك الوقت شديد على الكافرين، والإصعاق ليس بشديد عليهم ولذلك يقولون ﴿ يا ليتها كانت القاضية ﴾ أي يا ليتنا بقينا على الموتة الأولى.
قلت: لا دليل في هذا لأن الإصعاق شديد عليهم لا محالة، ثم إذا جاءت النفخة الثانية رأوا من الأهوال ما تمنوا حالة الإصعاق.
أو نقول: مبدأ الشدة من حين الإصعاق ثم يصير الأمر بعد ذلك أشد لأنهم يناقشون في الحساب وتسود وجوههم وتتكلم جوارحهم إلى غير ذلك من القبائح والأهوال، فلذلك يحتمل أن يكون إشارة إلى النقر ويتم الكلام بتقدير مضاف أي ﴿ فذلك ﴾ النقر ﴿ يومئذ ﴾ نقر ﴿ يوم عسير ﴾ فالعامل في ﴿ يومئذ ﴾ هو النقر.
ويجوز أن يكون إشارة إلى اليوم و ﴿ يومئذ ﴾ مبني على الفتح ولكنه مرفوع المحل بدلاً منه كأنّه قيل: فيوم النقر يوم عسير وقوله ﴿ غير يسير ﴾ تأكيد كقولك " أنا محب لك غير مبغض" وفائدته أن يعلم أن عسرة على الكافرين ولا يرجى زواله كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا، أو يراد أنه عسير على الكل لأن أكثر الأنبياء يقول: نفسي نفسي والولدان يشيبون إلا أن الكافر يختص بمزيد العسر بحيث يكون اليسر منفياً عنه رأساً ويعلم هذا من تقديم الظرف.
روى المفسرون أن الوليد بن المغيرة الخزومي وجماعة من صناديد قريش كأبي جهل وأبي لهب وأبي سفيان والنضر بن الحارث وأمية بن خلف والعاصي بن وائل اجتمعوا وقالوا: إن وفود العرب يجتمعون في أيام الحج ويسألوننا عن أمر محمد فكل منا يجيب بجواب آخر؛ فواحد يقول مجنون.
وآخر يقول: كاهن وآخر يقول: شاعر فتستدل العرب باختلاف الأجوبة على كون هذه الأجوبة باطلة، فهلموا نجتمع على تسمية محمد باسم واحد.
فقال واحد: إنه شاعر فقال الوليد: سمعن كلام عبيد بن الأبرص وكلام أمية بن أبي الصلت وكلامه ما يشبه كلامهما.
فقال الآخر.
وهو كاهن.
فقال الوليد: إن الكاهن يصدق تارة ويكذب أخرى ومحمد ما كذب قط.
فقال آخر: إنه مجنون فقال الوليد: المجنون يخيف الناس وما يخيف محمد أحداً قط فقام الوليد وانصرف إلى بيته فقال الناس: صبأ الوليد فدخل أبو جهل وقال: مالك يا أبا عبد شمس؟
هذه قريش تجمع لك شيئاً زعموا أنك احتجت وصبأت فقال الوليد: مالي إليه حاجة ولكني فكرت في أمر محمد فقلت: إنه ساحر لأنه يفرق بين الرجل ووالده ومواليه وما الذي يقوله إلا سحر يأثره عن مسيلمة وعن أهل بابل.
فأجمعوا على تلقيب محمد بهذا اللقب وفرحوا بذلك وعجبوا عن كياسته وفكره ونظره ثم إنهم خرجوا ونادوا بمكة إن محمداً لساحر، فلما سمع رسول الله ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته حزيناً فتدثر بقطيفة وأنزل الله ﴿ يا أيها المدثر قم فأنذر ﴾ الآية.
ثم إنه هدد الوليد وسلى نبيه بقوله ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ وهو كقوله في المزمل ﴿ فذرني والمكذبين ﴾ وقوله ﴿ وحيداً ﴾ من غير شكة أحد أو من " مفعول " خلقت المحذوف أي خلقته وهو وحيد فريد لا مال له ولا ولد.
ويجوز أن يكون نصباً على الذم والمراد أذم وحيداً بناء على أن الوليد كان يلقب بالوحيد فإن كان علماً فلا إشكال، وإن كان صفة على ما روى أنه كان يقول أنا الوحيد بن الوحيد ليس لي في العرب نظير ولا لأبي نظير، وهو إستهزاء به وتهكم بحسب ظنه واعتقاده نحو ﴿ ذق أنك أنت العزيز الكريم ﴾ فيفيد أنه ليس وحيداً في العلو والشرف ولكنه وحيد في الخبث والدناءة والكفر.
وقيل: إن ﴿ وحيداً ﴾ مفعول ثان قال أبو سعيد الضرير: الوحيد الذي لا أب لهفيكون طعناً في نسبه كما في قوله ﴿ عتل بعد ذلك زنيم ﴾ وفي المال الممدود وجوه أظهرها أنه المال الذي يكون له مدد يأتي منه الخير بعد الخير على الدوام كالزرع والضرع وأنواع التجارات، ولهذا فسره عمر بن الخطاب بغلة شهر بشهر.
وقال ابن عباس: هو ما كان له بين مكة والطائف من صنوف الأموال.وعلى هذا يكون المال الممدود إما بمعنى المدد كما قلنا، أو بمعنى امتداد مكانه.
وقريب منه ما روى مقاتل أنه كان له بستان بالطائف لا تنقطع ثماره صيفاً ولا شتاءً.
ومن المفسرين من قدر المال الممدود فقال: ألف دينار أو أربعة آلاف أو تسعة آلاف أو ألف ألف فهذه تحكمات لا أصل لها إلا أن تكون رواية صحيحة أن مال الوليد على أحد هذه الأعداد وحينئذ يمكن أن يقال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وفي قوله ﴿ وبنين شهوداً ﴾ وجوه: أحدها أنهم حضور معه بمكة لا يفارقونه لاستغنائهم عن الكسب وطلب المعاش فهو مستأنس بهم يغر محزون بفراقهم.
الثاني أنهم رجال يشهدون معهم بمكة في المجامع والمحافل.
الثالث أنهم من أهل الشهادات في الحكومات يسمع قولهم ويعتد بهم.
وأما عددهم فعن مجاهد: عشرة وقيل: ثلاثة عشر وقيل: سبعة كلهم رجال: الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص وقيس وعبد شمس.
قال جار الله: أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام وعمارة.
قلت: إنه أبقى الوليد بن الوليد في حوزة الكفرة وهو مسلم حسن الإسلام مشهور الصحبة كما ذكره رشيد الدين الوطواط في رسالته، وصاحب سر السلف سيد الحفاظ أبو القاسم فيه أن الوليد بن الوليد ابن المغيرة كان من المستضعفين حبسه المشركون فدعا النبي في قنوته: اللهم أنج الوليد ابن الوليد وعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام.
ثم قدم المدينة فتوفى بها فكفنه رسول الله في قميصه وكانت أم سلمة تندبه.
أبكى الوليد بن الوليد بن المغيرة *** أبكى الوليد بن الوليد أخا العشيرة وقال ابن الأثير في أحاديث رسول الله مؤلف كتاب " جامع الأصول ": هو الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي أخو خالد بن الوليد، أسر يوم بدر كافراً وفداه أخواه خالد وهشام، فلما فدى أسلم فقيل له: هلا أسلمت قبل أن تفتدي؟
فقال: كرهت أن تظنوا أني أسلمت جزعاً من الإسار فحبسوه بمكة وكان النبي يدعو له في القنوت مع من يدعو له من المستضعفين بمكة ثم أفلت من أيديهم ولحق بالمدينة.
والعجب من جار أنه ذكر في سورة الزمر في تفسيره قوله ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ أن الوليد أسلم وأسلم معه نفر هاجروا ثم إنه أبقاه ههنا في بقية الكفار.
قوله ﴿ ومهدت له تمهيداً ﴾ أي وبسطت له الجاه العريض والرياسة في قومه فأتممت عليه نعمتي المال والجاه، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا حتى جعلوه دعاء الخير فيما بينهم قائلين " أدام الله تأييدك وتمهيدك " أي بسطتك وتصرفك في الأمور.
وكان الوليد من وجهاء قريش وصناديدهم ولذلك لقب بالوحيد وريحانة قريش.
ومعنى " ثم " في قوله ﴿ ثم يطمع أن أزيد ﴾ استبعاد وتعجب من طمعه وحرصه على الزيادة بعد أن لم يعرف حق بعض ما أوتي.
قال الكلبي ومقاتل: ثم يرجو أن أزيد في ماله وولده وقد كفر بي.
وقيل: إن تلك الزيادة في الآخرة كأن يقول إن كان محمد صادقاً فما خلقت الجنة إلا لي.
ثم قال الله ﴿ كلا ﴾ حتى افقتر ومات فقيراً.
ثم علل الرجع على وجه الاستئناف كأن قائلاً قال: لم لا يزداد؟
فقال: لأنه ﴿ كان لآياتنا عنيداً ﴾ معانداً والكافر لا يستحق المزيد ولا سيما إذا كان كفره أفحش أنواعه وهو كفر العناد، ومما يدل على أن كفره كفر عناد بعدما حكينا عنه ما روي أن الوليد مر برسول الله وهو يقرأ حم السجدة فرجع وقال لبني مخزوم: والله لقد سمعت آنفاً من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن.
إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى، ولا ريب أن من عرف هذا القدر ثم زعم أن القرآن سحر فإنه يكون معانداً، والعنيد هو الذي كان العناد خلقه وديدنه فلشدة عناده وصفه الله به.
وتقديم الظرف يدل على أن عناده كان مختصاً بآيات الله وإن كان تاركاً للعناد في سائر الأمور.
وفي جمع الآيات إشارة إلى أنه كان منكراً للتوحيد والنبوة والبعث وغير ذلك من دلائل الدين ومعجزاته ولهذا أوعده الله أشد الوعيد قائلاً ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ أي سأصعده عقبة شاقة المصعد وفيه قولان: أحدهما الظاهر وهو ما روي عن النبي " الصعود جبل من نار يصعد فيه خمسين خريفاً ثم يهوي فيه كذلك أبداً " وعنه " يكلف أن يصعد عقبة من النار كلما وضع عليها يده ذابت فإذا رفعها عادت وإذا وضع رجله ذابت فإذا رفعها عادت " الثاني إنه مثل لما سيلقى من العذاب الشاق الصعب الذي لا يطاق كما مر في قوله ﴿ يسلكه عذاباً صعداً ﴾ ثم فسر كيفية عناده بقوله ﴿ إنه فكر ﴾ ماذا يقول في القرآن ﴿ وقدر ﴾ في نفسه كلاماً ﴿ فقتل كيف قدر ﴾ وهذا الكلام مما ينطق به العرب عند التعجب والإستعظام يقولون: قتله الله ما أشجعه.
وقاتله ما أشعره، وأخزاه ما أظرفه.
والمراد أنه قد بلغ المبلغ الذي حق له أن يحسد فيدعى عليه والمعنى في الآية التعجب من قوة خاطره.
أنه كيف استنبط هذه الشبهة في أمر محمد بحيث وافق غرض قريش كما حكينا وهي بالحقيقة ثناء على طريق الإستهزاء.
ومعنى ﴿ ثم ﴾ الداخلة في تكرير الدعاء الدلالة على أن التعجب في الكرة الثانية أبلغ من الأولى، أو هي حكاية لما كرره من قوله تعالى ﴿ قتل كيف قدر ﴾ ويجوز أن يكون التقدير الأخير تقديراً للتقدير أي ينظر فيه بتمام الإحتياط فهذا ما يتعلق بأحوال قلبه.
ثم وصفه بأحوال ظاهره قائلاً ﴿ ثم نظر ﴾ في وجوه القوم ﴿ ثم عبس وبسر ﴾ قال الليث: عبس عبوساً إذا قطب ما بين عينينه فإن أبدى عن أسنانه في عبوسه قيل: كلح ﴿ واستكبر ﴾ عن الإيمان ويحتمل أن يقال: قدر ما يقوله ثم نظر فيه احتياطاً والدعاء بينهما اعتراض، ثم قطب في وجه النبي ثم أدبر عن الحق واستكبر عنه.
ومعنى " ثم " في هذه الأفعال سوى فعل الدعاء الثاني المهلة.
والفاء في قوله ﴿ فقال ﴾ للدلالة على أنه كما تولى واستكبر ذكر هذه الشبهة، أو أن الكلمة لما خطرت بباله بعد التفكر لم يتمالك أن نطق بها من غير تراخ.
وقوله ﴿ يؤثر ﴾ من الأثر بالسكون الرواية كما مر أو من الإيثار أي هو مختار على جميع أنواع السحر.
قوله ﴿ إن هذا إلا قول البشر ﴾ جار مجرى التوكيد من الجملة الأولى ولهذا لم يتوسط العاطف بينهما.
أراد بذلك أنه ملفوظ من كلام غيره.
ومن تأمل في هاتين الجملتين عرف أنه حكاية كلام مفتخر غير خاف عليه وجوه الحيل ودفع الحق الصريح ولذلك جازاه الله بقوله ﴿ سأصليه سقر ﴾ ولعله بدل من قوله ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ ثم قال ﴿ وما أدراك ما سقر ﴾ والمراد التهويل: ثم بينه بقوله ﴿ لا تبقي ولا تذر ﴾ قال بعضهم: معناهما واحد والتكرير للمبالغة.
وقال آخرون: لا بد من الفرق: فروى عطاء عن ابن عباس أنها لا تبقي من الدم واللحم والعظم شيئاً فإذا أعيدوا خلقاً جديداً فلا تترك إحراقهم وهكذا أبداً.
وقيل: لا تبقي من المستحقين للعذاب إلا عذبتهم، ثم لا تذر من أبدان أولئك المعذبين شيئاً إلاّ أحرقته.
وقيل: لا تبقى على شيء ولا تذر من قوتها شيئاً إلا استعملته والتقدير هي لا تبقى بدليل قوله خبراً بعد خبر ﴿ لواحة ﴾ ويجوز أن يكون هذا خبراً لمبتدأ آخر.
قال أكثر المفسرين: هي من لاحه العطش ولوحه أي غيره وذلك أنها تسود البشرة وهي أعلى الجلود بإحراقها.
واعتراض الحسن والأصم بأن وصفها بالتغيير لا يناسب بعد قوله ﴿ لا تبقى ولا تذر ﴾ نعم لو عكس الترتيب لاتجه لأنها تغير البشرة أولاً ثم تفنيها، فمعنى لواحة لماعة من لاح البرق ونحوه يلوح إذا لمع والبشر بمعنى الإنسان وذلك أنها تظهر لهم من مسيرة خمسمائة عام.
ثم بين أن عدد الخزنة الموكلين عليها ﴿ تسعة عشر ﴾ فترك المميز فقيل صنفاً.
والأكثرون شخصاً مالك وثمانية عشر أعينهم كالبرق وأنيابهم كالصياصي يجرون أشعارهم يخرج اللهب والنار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة يسع كف أحدهم مثل ربيعة ومضر، نزعت الرأفة والرحمة منهم يأخذ أحدهم سبعين ألفاً في كفه ويرميهم حيث أراد من جهنم.
وذكر العلماء في تخصيص هذا العدد وجوها فقال المتشرعون: هذا مما لا يصل إليه عقول البشر كأعداد السموات والأرضين والكواكب وأيام السنة والشهور.وكأعداد الزكاة والكفارات والصلوات.
وقيل: إن العدد على وجهين: قليل وهو من الواحد إلى التسعة، وكثير وهو من العشرة إلى ما لا نهاية، فجمع بين نهاية القليل وبداية الكثير.
وقيل: إن ساعات اليوم بليلته أربع وعشرون، خمس منها تركت لأجل الصلوات الخمس والباقية لكل منها يعذب من يضيعها في غير حق الله.
وقيل: إن أبواب جهنم سبعة، وله للفساق زبانية زبانية واحدة بسبب ترك العمل، ولكل من الأبواب الباقية ثلاثة أملاك لأن الكفار يعذبون لأجل أمور ثلاثة: ترك الاعتقاد وترك الإقرار وترك العمل.
قال الحكيم: إن فساد النفس الإنسانية في قوتها النظرية والعملية هو بسبب استعماله القوى الحيوانية والطبيعية لا على وجهها.
والقوى الحيوانية الشهوة والغضب.
والحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة.
والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، فلما كان منشأ الإفادة هذه القوى التسع عشر لا جرم كان عدد الزبانية كذلك.
يروى أنه لما نزلت الآية قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم؟
فقال المسلمون: ويحكم أتقاس الملائكة بالحدادين أي السجانين؟
وجرى هذا مثلاً في كل شيئين لا يسوىّ بينهما وأنزل الله ﴿ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ﴾ أي وما جعلناهم رجالاً من جنسكم يطاقون ويرحمون فإن الجنسية مظنة الرأفة ولذلك جعل النبي من جنس الأمة ليكون بهم رؤفاً رحيماً.
ولا استبعاد في كون الملائكة في النار غير معذبين بناء على القول بالفاعل المختار، ولعلهم غلبت عليهم النارية فصارت لهم طبعاً كالحيوانات المائية.
وقوله ﴿ وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ﴾ الآية.
هو على مذهب أهل السنة ظاهر، وأما على أصول المعتزلة فقال الجبائي: المراد بالفتنة تشديد التعبد، استدلوا به على كمال قدرة الله وقال الكعبي: هي الإمتحان فيؤمن المؤمن بالمتشابه ويفوض حكمة التخصيص بهذا العدد إلى الخالق، والكافر يعترض عليه.
وقال: بعضهم: أراد ما وقعوا فيه من الكفر بسبب إنكارهم والتقدير إلا فتنة على الذين كفروا، وحاصله يرجع إلى ترك الألطاف.
وأجيب عن هذه التأويلات بأن تنزيل المتشابهات لا بد أن يكون له أثر في تقوية داعية الكفر وإلا كان إنزالها كلا إنزال.
ومع هذا الترجيح لا يحصل الإيمان ألبتة وهو المعنى بالإضلال.
واعلم أن في الآية دلالة على أنه جعل افتتان الكافر بعدد الزبانية سبباً لأمور أربعة: أولها ﴿ ليستيقن ﴾ ثانيها ﴿ ويزداد ﴾ ثالثها ﴿ ولا يرتاب ﴾ رابعها ﴿ وليقول ﴾ وفيه إشكال.
قال جار الله: ما جعل افتتانهم بالعدد سبباً ولكنه وضع ﴿ فتنة ﴾ موضع ﴿ تسعة عشر ﴾ تعبيراً عن المؤثر باللفظ الدال على الأثر تنبيهاً على أن هذا الأثر من لوازم ذلك المأثر.
وقال آخرون: تقديره وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للكافرين وإلا ليستيقن كما يقال: فعلت كذا لتعظيمك ولتحقير عدوك.
قالوا: والعاطف يذكر في هذا الموضع تارة ويحذف أخرى.
وأما سبب إستيقان أهل الكتاب فهو أنهم قرؤا هذا العدد في كتابهم ولكنهم ما كانوا واثقين لتطرق التحريف إلى كتابهم.
فلما سمعوا ذلك في القرآن تيقنوا بصحة نبوة محمد لأنه أخبرهم بما في كتابهم من غير سابقة دراسة وتعلم.
ولأنه أخبر كفار قريش بهذا الأمر الغريب من غير مبالاة باستهزائهم وتكذيبهم فعرفوا أنه من قبيل الوحي وإلا لم يجترىء على التكلم به خوفاً من السخرية.
وأما زيادة إيمان المؤمنين فحمل على آثاره ولوازمه ونتائجه.
وأما نفي الارتياب عن أهل الكتاب والمؤمنين بعد إثبات الاستيقان وزيادة الإيمان لهم فمن باب التوكيد كأنه قيل: حصل لهم يقين جازم بحيث لا يحصل بعده شك وريب.
فإن الذي حصل له اليقين قد يغفل عن مقدمة من مقدمات الدليل فيعود له الشك.
وفيه أيضاً تعريض بحال من عداهم كأنه قيل: وليخالف حالهم حال المرتابين من أهل الزيغ ولكفران، وأما الذين في قلوبهم مرض فهم أهل النفاق الذين أحدثوا بعد ذلك لأن السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق وإنما حدث بالمدينة، ففي الآية إخبار بالغيب وقد وقع مطابقاً فكان معجزاً.
واللامات في الأمور الأربعة للغاية عند الأشاعرة، والمعتزلة يسمونها لام العاقبة وقد مر في مواضع.
وقوله ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ إلى قوله ﴿ من يشاء ﴾ قد مر في " البقرة".
وجعل مثل هذا العدد مثلاً لغرابته حيث لم يقل عشرين وسواه والمعنى أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب مع أنهم منكرون له من أصله.
والكاف في ﴿ كذلك ﴾ منصوب المحل أي مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل ويهدي.
قوله ﴿ وما يعلم جنود ربك ﴾ إشارة إلى أن ما عليه عدد الخزنة لا يعلم حكمته ولا حكمة ما عليه كل جند من العدد إلى حين الأبد إلا الله كما يقوله أهل الحق وقد مر.
وقيل: إن القوم قد استقلوا ذلك العدد فقال في جوابهم: هبوا أن هؤلاء تسعة عشر إلا أن لكل واحد من الأعوان والجنود ما لا يحصيهم إلا الله ﴿ وما يعلم جنود ربك ﴾ لفرظ كثرتها ﴿ إلا هو ﴾ فلا يعسر عليه تتميم الخزنة عشرين وأزيد ولكن له في هذا العدد حكمة اختص هو بمعرفتها.
قوله ﴿ وما هي إلا ذكرى ﴾ متصل بوصف سقر.
وقوله ﴿ وما جعلنا أصحاب النار ﴾ إلى ههنا اعتراض أي وما سقر وصفتها إلا موعظة للناس.
ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الآيات المشتملة على هذه المتشابهات وهي ذكرى لجميع العالمين وإن لم ينتفع بها إلا أهل الإيمان وقوله ﴿ كلا ﴾ قيل: إنكار لأن يكون للكفار ذكرى لأنهم لا يتذكرون أو ردع لمن ينكر أن تكون إحدى الكبر نذيراً، أو ردع لقول أبي جهل وأصحابه أنهم يقدرون على مقاومة خزنة النار، أو ردع لهم عن الإستهزاء بالعدة المخصوصة.
وقد مر أنه يجوز أن يكون بمعنى حقاً تأكيداً للقسم بعده.
قال الفراء: دبر وأدبر بمعنى واحد كقبل وأقبل.
روى بعضهم أن ابن عباس كان يعيب قراءة الثلاثي ويقول: إنما يدبر ظهر البعير.
وفي صحة الرواية نظر لأن القراآت السبع كلها متواترة.
قال الواحدي: والقراءتان عند أهل اللغة سواء ومنه أمس الدابر.
وعلى هذا يكون دبور الليل وإدباره وإسفار الصبح أي إضاءته كشيء واحد.
قال أبو عبيدة وابن قتيبة: هو من دبر الليل النهار إذا خلفه.
ثم قال ﴿ إنها ﴾ أي إن سقر التي جرى ذكرها ﴿ لإحدى ﴾ البلايا أو الدواهي ﴿ الكبر ﴾ جمع الكبرى.
قال جار الله: جعلت ألف التأنيث كتائها فكما جمعت " فعلة " على " فعل " جمعت " فعلى " عليه.
ونظير ذلك" السوافي " في جمع " السافياء " وهو التراب الذي يسفيه الريح.
" والقواصع " في جمع " القاصعاء " كأنها فاعلة.
وقال المفسرون: المراد من الكبر دركات جهنم وهي سبع: جهنم ولظى والحطمة وسعير وسقر والجحيم والهاوية.
فعلى هذا معنى كون سقر إحداهن ظاهر.
وقال أهل المعاني: أراد أنها من بين الدواهي واحدة في العظم لا نظير لها ﴿ ونذيراً ﴾ تمييز من إحدى أي إنها لإحدى الدواهي إنذاراً كما تقول: هي إحدى النساء عفافاً وقيل ﴿ نذيراً ﴾ حال ومن غريب التفسير أن ﴿ نذيراً ﴾ متصل بأول السورة أي قم فأنذر نذيراً.
ثم قال ﴿ لمن شاء ﴾ السبق أو هو خبر وما بعده وهو ﴿ أن يتقدم أو يتأخر ﴾ مبتدأ كقولك لمن توضأ أن يصلي أنه مطلق لمن شاء السعي إلى الخير أو التخلف عنه.
" أو " للتهديد كقوله ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ لمن شاء ﴾ بدلاً من قوله ﴿ للبشر ﴾ أي إنها منذرة للذين إن شاؤا تقدموا ففازوا وإن شاؤا تأخروا فهلكو.
واستدلال المعتزلة على أن العبد مختار ظاهر، والأشاعرة يحملونه على التهديد أو على أن فاعل شاء هو الله أي لمن شاء الله منه التقدم أو التأخر.
سلمنا أن الفاعل ضمير عائد إلى من لكن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله لقوله ﴿ وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ﴾ .
ثم أكد المعنى المتقدم بقوله ﴿ كل نفس بما كسبت رهينة ﴾ أي ليس لامرىء إلا جزاء عمله كما مر نظيره في " الطور " قال النحويون: التاء في رهينة ليست للتأنيث لأن " فعيلاً " بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي إسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم.
وأقول أيضاً: يحتمل أن تكون التاء للمبالغة ﴿ إلا أصحاب اليمين ﴾ فإنهم فكوا رقابهم عن الرهب بسبب أعمالهم الحسن كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق.
قال الكلبي: هم الذين كانوا على يمين آدم.
وقال ابن عباس: هم الملائكة.
وعن علي وابن عمر: هم الأطفال.
قال الفراء: هذا القول أشبه بالصواب لأن الولدان لم يكتسبوا إثماً يرتهنون به، ولأنه ذكر فيهم أنهم يتساءلون عن حال المجرمين وهذا إنما يليق بالولدان الذين لايعرفون موجب دخول النار والأولون حملوا السؤال على التوبيخ والتخجيل.
قال في الكشاف: معنى التساؤل عنهم أنهم يسأل بعضهم بعضاً عن حالهم.
أو يتساءلون غيرهم عنهم كقولك " دعوته أنا وتداعيناه نحن ".
ثم زعم أن الوجه في قوله ﴿ ما سلككم ﴾ على الخطاب مع أن سياق الكلام يقتضي الغيبة هو أنه حكاية قول المسؤلين لأن المسؤلين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين فيقولون قلنا لهم ما سلككم ﴿ في سقر ﴾ وقال غيره: المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم، فلما رأوهم قالوا لهم ما سلككم؟
وأقول: ولو فرض التكلم مع المجرمين زال الإشكال أي يتساءلون عن حال المجرمين أي عن حال أنفسهم وليس فيه إلا وضع المظهر مكان الضمير.
وهذا التكرار مما جاء في القرآن وغيره من فصيح الكلام شائعاً ذائعاً كقوله ﴿ فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا ﴾ " أن يسألوا الحق يعطي الحق سائله".
وإذا جاز ذلك مع التصريح بهما فكيف لم يجز وأحدهما محذوف؟
وهذا من غرائب نظم القرآن وفصاحته غير بعيد، والمعنى ما أدخلكم في هذه الدركة من النار؟
فأجابوا بأن ذلك لأمور أربعة: أحدها ترك الصلاة، والثاني ترك إطعام المسكين.
قال العلماء: يجب أن يحمل هذان على الصلاة والصدقة الواجبتين وإلا لم يجز العذاب على تركهما.
الثالث الشروع في الأباطيل مع أهلها كإيذاء أهل الحق وكل ما لا يعني المسلم.
الرابع التكذيب بالبعث والجزاء إلى حين عيان الموت وأمارات ظهور نتائج أعمال المكلف عليه، وقد يستدل بالآية على أن الكفار معذبون بفروع الشرائع كما يعذبون بأصولهما كالتكذيب بيوم الدين.
وإنما أخر لأنه أعظم الذنوب أي إنهم بعد ذلك كله يكذبون بهذا الأصل كقوله ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ ويجوز أن يكون سبب التأخير أنه آخر الأصول فأوّلها المبدأ وآخرها المعاد.
وأيضاً أراد أن يرتب عليه قوله ﴿ حتى أتانا اليقين ﴾ وهو آخر حالات المكلف فلو قدم لم يحسن معنى ولا لفظاً لوقوع الفصل بين المعطوفات.
قال في الكشاف: يحتمل أن كل واحد منهم دخل النار لمجموع هذه الأربع، أو دخلها بعضهم ببعضها والباقون بسائرها أو بكلها.
قلت: إنهم جميعاً مستوون في الدركة والظاهر أنهم دخلوها بمجموع الأمور، ثم بين غاية خسرانهم بقوله ﴿ فما تنفعهم شفاعة الشافعين ﴾ وفيه دليل على أن غيرهم تنفعهم الشفاعة وذلك لغير الفساق عند المعتزلة، وفائدة الشفاعة زيادة درجاتهم أو العفو عن صغائرهم، ثم وبخهم بقوله ﴿ فمالهم عن التذكرة ﴾ أي عن القرآن الذي هو سبب الموعظة ﴿ معرضين ﴾ حال نحو مالك قائماً ﴿ كأنهم حمر مستنفرة ﴾ من قرأ بكسر الفاء فمعناه الشديدة النفار كأنها تطلب النفار من نفوسها، وفي تشبيههم بالحمر مذمة ظاهرة ونداء عليهم بالبلادة والغباوة وعدم التأثر من مواعظ القرآن بل صار ما هو سبب لاطمئنان القلوب موجباً لنفرتهم، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ولا سيما إذا رابها ريب ولهذا وصف الحمر بقوله ﴿ فرت من قسورة ﴾ وهى إسم جمع للرماة أو إسم جنس للأسد وهو القهر والغلبة، وقال ابن عباس: هي ركز الناس وأصواتهم.
وعن عكرمة: ظلمة الليل.
ومن قرأ بفتح الفاء فهي المحمولة على النفار.
ورجح بعضهم قراءة الكسر بناء على أن الفرار يناسب النفار.
ذكر المفسرون أنهم قالوا لرسول الله: لا نتبعك حتى تأتي لكل واحد منا بكتب من السماء بصحف عنوانها من رب العالمين.
إلى فلان ابن فلان نؤمر فيها باتباعك.
وروى بعضهم أنهم قالوا: إن كان محمداً صادقاً فليصبح عند رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءة وأمنة من النار فأنكر الله فقال: ﴿ بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتي صحفاً منشرة ﴾ أي قراطيس منتشرة تقرأ كسائر الصحف، أو منتشرة على أيدي الملائكة أنزلت ساعة كتبت قبل أن تطوى.
وقيل: كانوا يقولون: بلغنا أن بني إسرائيل كان الرجل منهم يصبح مكتوباً على رأسه ذنبه وكفارته فائتنا بمثل ذلك.
فعلى هذا المراد بالصحف الكتابات الظاهرة المكشوفة.
ثم زجرهم عن اقتراح الآيات فقال ﴿ كلا بل لا يخافون الآخرة ﴾ فلذلك أعرضوا عن التذكرة.
ثم وصف القرآن بأنه موعظة بليغة وتذكر شاف ﴿ فمن شاء ذكره ﴾ وتذكير الضمير ههنا وفي إنه بتأويل الذكر أوالقرآن.
ثم بين السبب الأصلي في عدم التذكرة قائلاً ﴿ وما يذكرون إلا أن يشاء الله ﴾ واستدلال الأشعري به ظاهر، والمعتزلة حملوه على مشيئة القسر والإلجاء.
ثم ختم السورة بذكر ما ينبىء عن كمال الهيبة وهو صفة القهر الذي بسببه يجب أن يتقى، وصفه اللطف الذي به يجب أن يرجى، والله الموفق للصواب وإليه المصير والمآب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ ﴾ : ﴿ نُقِرَ ﴾ : أي: نفخ، و ﴿ ٱلنَّاقُورِ ﴾ : الصوور، وهي كلمة كتب الأولين ذكرها هنا، ﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ .
فجائز أن يحمل هذا كله على التحقيق؛ فتتحقق الصيحة والزجرة والنقرة، ثم تعقبها الساعة.
وجائز أن يكون هذا على التمثيل؛ فيكون فيه إخبار عن سهولة ذلك الأمر وهونهه على الله ؛ لأن اللمحة والزجرة والنفخة والنقرة أمر سهل، لا يشتد على أحد.
أو يكون على تقصير الوقت على الذين ينفخ فيهم الروح، أي: الأرواح ترد عليهم في قدر النفخة، والزجرة، والصيحة؛ خلافا لأمر النشأة الأولى؛ لأنه في النشأة الأولى إنما نفخ فيه الروح بعد كونه نطفة في بطن أمه أربعين يوما، ثم علقة، ثم مضغة كذلك القدر من المدة، ثم نفسخ فيه الروح بعد مدد وأوقات، وفي النشأة الأخرى ينفخ [الروح] بالقصر من المدة، وذلك قدر النفخة والزجرة والصيحة واللمحة، والله أعلم.
وإنما قلنا بأن التأويل قد يتوجه إلى التمثيل دون التحقيق، وإن ذكر في بعض الأحاديث تثبيت الصور والناقور؛ لأنها من أخبار الآحاد، وخبر الواحد يوجب علم العمل، ولا يجوب علم الشهادة، وفي تحقيق الصور والناقور ليس إلا الشهادة؛ لذلك لم يحصل الأمر على التحقيق والقطع لئلا نقطع الحكم على الشهادة.
ثم قد ذكرنا أن قوله: "إذا" جواب سؤال واقع عن تبيين وقت؛ كأنه قيل له: فاصبر إلى أن ينقر في الناقور.
أو يكون جوابا لقوله: ﴿ قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ ، أي: أنذرهم عما يحل بأهل الشر من العذاب بنقر الناقور.
أو يكون جوابا لقوله: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ﴾ إذا نقر في الناقور.
أو كان السؤال واقعا عن أمر، لم يشر إلى ذلك الأمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى ٱلْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾ ذلك اليوم يوم رحمة للمؤمنين؛ إذ في ذلك اليوم يكرمون، وينالون عظيم الدرجات من ربهم، ولكن الله - عز وجل - ذكر ذلك اليوم في غير آي من كتابه، والأحوال لتي تكون فيه، وإن كانت تلك الأحوال تنزل على غير المؤمنين، فمرة سما: واقعة، ومرة، قارعة، ومرة: حاقة، وإنما يقع العذاب على الكفرة، ويحق عليهم؛ فذلك سماه: عسيرا، وإن كان هو عسيرا على فريق، يسيرا على غيرهم.
وجائز أن يكون عسيرا على الخلائق أجمع، بعض هول ذلك اليوم يشمل الفرق كلها، كما قال: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ ﴾ ، ثم إن المؤمنين تفرج عنهم الأهوال بما يأتيهم من البشارات والكرامات عن الله ، ويبقى عسره على أصحاب النار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾ .
ذكر أن هذه الآية نزلت في شأن الوليد بن المغيرة، والأصل أن الأنباء التي ذكرت عن الأنبياء المتقدمة في المخاطبات التي جرت بينهم وبين الفراعنة فيها إبانة أنها جرت بينهم وبين الآحاد منهم، وذلك أن فرعون كل نبي كان واحدا، وكان من سواه يصدر عن رأيه، وينتهي إلى تدبيره؛ فكان يستغني عن مخاطبة من سواه، وقد كثرت فراعنة نبينا محمد ، فكا نكل واحد منهم يدعي الرياسة لنفسه، ويمتنع عن متابعة غيره، والصدور عن رأيه والانقياد له، منهم أبو جهل، ومنهم الوليد بن المغيرة، ومنهم أبو لبه، وغيرهم؛ فكان رسول الله يحتاج إلى أن يخاطب كلا في نفسه، ومن احتاج إلى مخاطبة أقوام، وإجابة كل واحد بحاليه، كان الأمر عليه أصعب من الذي احتاج إلى مخاطبة واحد؛ ففي هذا أن المحنة على رسولنا - عليه الصلاة والسلام - كانت أكبر مما امتحن بها من تقدمه من الرسل، عليهم السلام.
ثم قوله: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾ فيه أن رسول الله كان يمنعه عن شيء حتى يقول له: ﴿ ذَرْنِي ﴾ ، ولكن هذا الكلام مما يتكلم به على الابتداء من جهة إظهار القوة؛ يقول الرجل الآخر: "خل بين وبين فلان"، و"دعني وإياه" من غير أن يكون سبق منه المنع؛ فيريد به إظهار القوة من نفسه: أنه كافيه، وقادر على دفع شره عن نفسه؛ فيكون في قوله: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾ دعاء من الله إياه إلى ألا يتعرض له، ولا يجازيه بصنيعه؛ فإن الله يكفيكه، ويدفع عنك شره.
أو يكون فيه نهي عن أبن يدعو عليه بالهلاك والثبور، ويصبره [إلى] أن يأتيه أمر الله ؛ فيكون [في] هذا مسلاة لرسول الله ، وذلك أن المتنازعين إذا تنازعا في شيء، وحدث بينهما شر، فانتصب ثالث في نصر أحدهما خلف الأمر على المنصور، ويفرح لذلك، ويسلو به، فإذا كان الله هو الذي يقوم بنصر المصطفى - عليه الصلاة والسلام - ويكفيه عن عدوه، كان ذلك أكثر في التسلي والتفرج؛ فيكون في هذا تمكين من الصبر الذي دعي إليه بقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ، وبقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ...
﴾ الآية [القلم: 48].
ثم قوله: ﴿ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: خلقته وحدي، ولم يكن لي في الخلق ناصر ومعين ولا مشير.
وجائز أن يكون معناه: أي: خلقته وحيدا، لا ما لله، ولا ولد؛ فيكون في هذا [وعيد و]تخويف لذلك اللعين، أي: كيف لا يخاف أن يعاد إلى الحالة التي كان عليها يوم خلق بلا مال ولا ناصر؛ كقوله: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .
وقوله - -: ﴿ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً ﴾ : قيل: ﴿ مَالاً مَّمْدُوداً ﴾ ، أي: مالا لا ينقطع، بل يكون له مدد.
وذكر عن مجاهد أنه قال: كان ذلك ألف دينار.
وقال السدي: ﴿ مَالاً مَّمْدُوداً ﴾ ثلاثة عشر ألفاً.
وقيل: أراد به ما جعل له من الضياع بالطائق، تثمر في السنة مرتين.
ولكن عندنا المال الممدود هو المتتابع الذي لا ينقطع مدده، والذي لا ينقطع مدده لا يقع تحت الإحصاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَنِينَ شُهُوداً ﴾ : أي: حضورا، لا يغيبون، ويكون فيه وجهان من الحكمة: أحدهما: أن ماله قد كثر؛ حتى لم يحتج إلى تفريق أولاده في الجمع والاكتساب؛ بل كان يأتيه سمحا، لا يحتاج إلى تكلف أسباب الجمع.
والثاني: أن غاية ما يراد ويتمنى ويلتمس من البنين هو أن يستأنس بالنظر إليهم، ويستعين بهم، ويستنصر إذا احتاج إلى ذلك؛ ففيه أنه قد نال مناه، ووصل إليه ما ترغب إليه النفوس من كثرة الأموال والأولاد؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً ﴾ ، أي: بسطت له في الدنيا بسطا.
وقيل: التمهيد: هو التمكين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ ﴾ .
فجائز أن يكون طمعه منصرفا إلى الزيادة في الآخرة؛ كقوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ، فحسبوا أنهم إذ ساووا أهل الإيمان في الدنيا يساوونهم في الآخرة لو كانت الآخرة حقا؛ فكذلك هذا اللعين حسب أن يبسط عليه نعيم الآخرة كما بسط عليه نعيم الدنيا؛ فكان قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ردا عليه.
فإن كان على هذا، ففيه أعظم الدلالة على إثبات رسالة محمد ؛ لأنه أخبر أن ليس له نصيب في الآخرة؛ وإنما يحرم النصيب إذا ختم على الكفر كما قال، فكان.وهذا إخبار منه عن أمر الغيب، فصدق خبره، وخرج الأمر حقا كما قال؛ فثبت أنه بالله علمه.
وجائز أن يكون طمعه الزيادة في الدنيا؛ فقطع عليه طمعه بقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ .
وذكر أن ماله بعد نزول هذه الآية أخذ في الانتقاص إلى أن أهلكه الله ، ولم يزد شيئاً؛ فيكون في هذا - أيضا - ما في الأول من إثبات الرسالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً ﴾ : في هذا تصبير لرسول الله ؛ لأن الله أكثر نعمه عليه، ثم ذلك المعلون مع كثرة نعم الله عليه وإحسانه إليه، عاند، ولم يطعه في أوامره؛ فكيف ترجو أنت منه في معاملته إياك مع معاملتك إياه بما يخالف مراده وهواه؟
فيكون فيه ما يدعوه إلى الصبر.
والعناد: هو مخالفة الحق عن علم بظهور الحق؛ فيكون قوله: ﴿ إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً ﴾ : أنه بعد علم وإحاطة ويقين عاند آيات الله، وخالف أمر رسوله، واستكبر.
والمكابر هو الذي يكابر عقله، فيخالف ما يثبته عقله بالأقوال أو بالأفعال.
ثم في قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ ﴾ إبطال قول من قال: إن الله لا يفعل بعباده إلا ما هو الأصلح لهم؛ لأن قوله: ﴿ أَنْ أَزِيدَ ﴾ لا يخلوا إما أن تكون الزيادة التي كان يطمعها خيرا له، وفي شرط الله - - عندهم أن يزيده، وفي قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ قطع طمعه للزيادة؛ فيصير بحرمان الزيادة عنه جائزاً؛ فكيف حصل آية رسالته من الوجه الذي هو جور عندكم.
وإن كان حرمان الزيادة خيرا له وأصلح؛ فكيف جعل الحرمان - أيضا - علما لنوبته، وكان عليه أن يحرمه طعلى زعمكم.
وفي قراءة عبد الله بن مسعود - -: (ثم يطمع أن يزيد).
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ﴾ : جائز أن يكون على تحقيق الصعود، وهو العقبة التي يشتد الصعود عليها؛ كما ذكره بعض أهل التأويل، فيكلف الصعود عليها.
وجائز أن يكون على التمثيل؛ وذلك لأن الصعود في الشاهد مما يشق على المرء، والهبوط مما يسهل على المرء الانحدار عنه.
فإن كان على هذا، ففيه أن يصيبه في الآخرة مما يشتد ويشق على نفسه تحمل ذلك.
ثم يقال للمعتزلة في هذه الآية وفي قوله: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ : إن في هذا وعيدا من الله بأن يصليه سقر، وسيرهقه صعودا، فأراد الله أن يصدق خبره، وينجز وعده، أو أراد أن يكذب خبره، ويخالف وعده؟
فإن قلتم بالثاني، فقد نسبتموه إلى الكذب، وإلى خلف الوعد؛ ومَن هذا وصْفُه فهو سفيه جاهل، لا يصلح أن يكون إلها.
وإن قلتم: بلى، أراد أن يصدق خبره، وينجز وعده، قلنا لكم: أراد أن ينجز وعده مع دوامهم على الكفر، أو عند انقلاعهم عنه؟
فإن زعمتم أنه إنما أراد أن يصليهم سقر على الخروج من الكفر، فهذا منه جور؛ لأنه يصليهم سقر بشيء لا إرادة لهم فيه.
وإن سلمتم أنه أراد إصلاءهم سقر إذا داموا على الكفر واستقروا عليه، فقد لزمكم أن تقولوا: إن الله أراد من كل أحد ما علم أنه يختاره، ويكون منه.
ويقال لهم: إن الله يقول: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ ﴾ ، ولو كان الأمر على ما زعمتم: أنه يريد من كل كافر أن يسلم، ويؤمن به، ويريد الكافر أن يكفر به، ويعاديه، فإذن قد أراد أن يكون له ولي من الذل؛ لأنه يريد أن يواليه مع اختيار الكافر في معاداته، الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴾ .
قال الفقيه [- رحمه الله -]: إن فراعنة رسول الله اعتقدوا معاندة الحق، واعتقدوا صد الناس عن سبيل الله وأن يطفئوا نوره، فأرادوا أن يجمعوا على أمر ينسبونه إلى رسول الله على وجه ينفقون عن أنفسهم سمة الجهل وتهمة الكذب في ذلك، على ما ذكروا أن الوليد جمع أصحابه، فقال: إن هذه أيام الموسم، وإن الناس سائلوكم عن هذا الرجل؛ فماذا تقولون؟
فقال بعضهم: نقول: هو شاعر؛ قال: إنهم قد سمعوا الشعر، وما قوله بقول شعر.
وقال بعضهم: نقول: هو كاهن؛ فقال: إن الكهانة معروفة عند العرب، وإذا سمعوا قوله عرفوا أنه ليس بكاهن؛ فيكذبونكم.
وقال بعضهم: نقول: هو كذاب؛ فقال: إنا اختبرناه فما أخذنا عليه كذبة قط.
فقال بعضهم: نقول: هو مجنون.
فقال: إذا نظروا إليه علموا أنه ليس بمجنون، فأعيا عليهم، ففكر في نفسه وقدر، فقال: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ : ما هذا الذي أتى به إلا سحر يؤثره عن غيره - أي: يرويه - فاتفقت كلمتهم على تسميته: ساحرا، وقالوا: الساحر يفرق بين اثنين، وقد وجد منه التفريق بين الآباء والأولاد وبين ذوي الأرحام؛ رجاء أن يصلوا إلى مرادهم من صد الناس عن سبيل الله وإطفاء نوره؛ مكرا منهم، وهو كقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ .
ووجه رجوع المكر إلى أنفسهم ذكروا فيه أوجها: أحدها: رجوع المكر إلى أنفسهم: أن الله أظهر سوء صنيعهم برسول الله ، وجعله آية تتلى إلى يوم القيامة؛ فيكون فيه ظهور كذبهم، وإلحاق العار بهم إلى يوم التناد، وتوارد اللعن.
والثاني: أن الكبراء إذا اجتمعوا في مكان للتدبير، اتصل بهم أوساطهم واختلط بهم صغارهم فيقع لجملتهم العلم بالذي وقع عليه التدبير واتفقت عليه الكلمة، وإذا وقفوا على تدبيرهم جملة، انتشر علم ذلك في الآفاق، فيقف الناس على كذبهم وافتعالهم، فيتحقق عند ذلك جهلهم بحال رسول الله ، ويصير كذبهم شائعا في الخلق ظاهرا من الوجه الذي أرادوا نفي سمة الجهل عن أنفسهم؛ ويتحقق عند الناس كذبهم؛ فلا يركنوا إلى قولهم ولا يتلفتوا إلى إخبارهم عن حاله؛ إذ قد تبين جهلهم بحاله؛ فيكون ذلك سببا لترغيب الناس إلى الإسلام ودعائهم إليه، لا أن يكون سببا للصد عن سبيل الله؛ فصار المكر راجعا إليهم.
ثم قوله: ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ ﴾ ، أي: فكر في الأمر الذي أراد إحكامه، أو فكر في الكلمات التي ألقوها فيما بينهم، أيها أليق برسول الله فينسب إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدَّرَ ﴾ يخرج على هذا أيضا.
وقوله: ﴿ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ ، قيل: لعن، واللعن هو الإبعاد عن رحمة الله ، وقد ظهر الإبعاد؛ لأن مادة ماله قد انقطعت في الدنيا، وأخذ ما كان اجتمع عنده في الانتقاص إلى أن أهلكه الله ، ثم ساقه إلى النار خالدا فيها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ ، أي: كيف لم يستح عن تقديره الذي قدر من تسميته رسول الله : ساحرا، وقد علم أنه في إنشاء ذلك الاسم كاذب؟
أو كيف اجترأ على الله ، وتجاسر وهو يعلم أنه رسول حق، فعاند آياته، واجترأ على ذلك، ولم يخف نقمة الله ؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ فلعنه مرتين، وقد ظهر أثر اللعن فيه في الدنيا والآخرة جميعا؛ لأن الله فضحه بما أظهر كذبه للخلائق، فبقي ذلك العار إلى آخر الأبد وأبعده من رحمته؛ حيث أخذ ماله في الانتقاص، وانقطعت مادة ماله، فهذا أثر اللعن في الدنيا، ووعد أن يصليه سقر، وأن سيرهقه صعودا، وذلك خزيه ولعنه في الآخرة، فظهرت، إحدى اللعنتين في الدنيا وتلحقه الثانية في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ نَظَرَ ﴾ جائز أن يكون نظر في كلمات القوم التي ألقوها فيما بينهم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴾ جائز أن يكون الذي حمله على العبوس والبسور هو ما ألقوا إليه المختلف من الكلمات، فعبس وجهه عليهم؛ لما في اختلافهم ظهور كذبهم.
أو يكون الذي دخل عليه من شدة الغيظ في أمر رسول الله أهمه وأحزنه، حتى أثر ذلك في وجهه، فعبس لذلك وجهه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ ﴾ : يحتمل أن يكون أدبر عن أولئك القوم الذين اجتمعوا للتدبير، واستكبر عليهم.
أو أدبر عن طاعة الله ، واستكبر على رسوله؛ حيث أعرض عنه، ولم يجبه إلى ما دعاه إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ : أي: هذا الذي أتى به محمد مما يؤثر من أفعال السحر.
أو هذا الذي يخبر أنه أتى به من عند الله هو سحر يؤثر عمن تقدمه، ولكن قال هذا على علم منه أنه ليس بسحر.
قال الفقيه - رحمه الله -: ولو كان الذي أتى به محمد سحرا كما قرفوه به، فهو لا يخرج من أن يكون حجة له في صدق مقالته وإثبات رسالته؛ لأنه لا وجه لمعرفة السحر من طريق الرأي والتدبير، وإنما سبيل الوصول إليه الإتقان والتلقن عن الغير، وقد علما أن رسول الله لم يلقنْه أحد، ولا يوجد منه الاختلاف إلى من عنده علم ذلك، فوقع لهم الإيقان: أنه بالله علم لا بأحد من الخلائق؛ فيصير الذي قرفوه به من أعظم الحجة، ولكن الله طهره عن السحر، ونزهه عن ذلك، وأمره بمعاداة السحرة حتى قال رسول الله : "اقتلوا كل ساحر وساحرة" ، وقال: "توبة الساحر ضربة بالسيف" ثم الأصل أن الساحر يفرق بين الاثنين، ويعمل سحره في التفريق على وجه لا يوقف على سبب التفريق، وكان سبب تفريق رسول الله ظاهرا؛ لأنه كان يأتيهم بالحجج؛ فيعلم من أمعن النظر فيها صدّقه فيما يدعي من الرسالة فيؤمن به، ومن ترك النظر فيها، ولم يعط من نفسه النصفة ترك الإيمان به؛ فبطل أن يكون تفريقه كتفريق السحر.
وأن كلاًّ منهم لو تفكر فيما جاء به محمد ، وأمعن النظر فيه، حمله ذلك على الإيمان به، والتصديق لرسالته؛ فيصير الذي جاء به محمد سبب [الاجتماع والألفة]، لا أن يكون سبب التفريق بين الأحبة.
ثم الأصل أن الساحر بغيته وقصده من سحره نيل الجاه عند العظماء والرؤساء واستفادة السعة في الدنيا، ورسول الله ، لم يكن يطلب بما أتى به الجاه عند الرؤساء، بل عاداهم، وأظهر الخلاف لهم، فدعا الخلق إلى الزهادة في الدنيا لا إلى الاستكثار منها، فكيف يجوز أن ينسب إلى السحر، وقد أتى بما يضاد فعل السحرة؟.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ ﴾ : قد علم أنه ليس بقول البشر؛ لما عجز البشر عن إتيان مثله، وقال: ﴿ إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً ﴾ ؛ فثبت أنه على العلم منه بأنها آيات عاند.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ .
السقر: لون من العذاب.
وقيل: السقر: هي الدركة الخامسة.
وقيل: السقر: من أبواب جهنم، ومعناه: سأدخله جهنم من باب السقر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ ﴾ : يحتمل: أي: لا تبقي [له] حياة يتلذذ بها، ولا تذره يهلك فيستريح، بل يبقى أبدا في الهلاك، كما قال : ﴿ فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ ﴾ .
ويحتمل: لا تبقي له جلدا ولا لحما و لا عظما، بل تنضج جلده وتأكل لحمه، وتسكر عظمه، ولا تذره على تلك الحال كسير العظم، مأكول اللحم، نضيح الجلد، بل يعاد جلده ولحمه وعظمه فتحرقها كذلك أبدا، ولا تُبقي له روحا ولا تذره فيهرب منها؛ فيتخلص من عذابها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ ﴾ : قيل: فيه بوجوه: قيل: ﴿ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ ﴾ ، أي: محرقة للجلد، فالبشر: الجلد، فجائز أن خص الجلد بالتلويح؛ لأن الجلد من الإنسان هو الظاهر؛ فيكون ظاهر الإحراق مؤثراً فيه؛ فخصه بالذكر لهذا؛ كما سمي الإنسان: إنسانا؛ لظهوره لكل من هو من أهل الروية، وسمي الجن جنا: لاستتاره عنم ليس من جنسه، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ .
وقيل: ﴿ لَوَّاحَةٌ ﴾ ، أي: ظاهرة للبشر؛ كقوله : ﴿ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ﴾ ، أي: [تظهر لهم] وتلوح، فينظرون إليها، ويتيقنون بالعذاب.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ لَوَّاحَةٌ ﴾ ؛ لأن النار تأكل جلودهم ولحومهم؛ فتظهر عظامهم وتلوح عند ذلك، ثم تبدل جلودا ولحوما، [أبدا] على هذا مدار أمرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ : روي عن ابن عباس - - أنهم خزنة جنهم مع كل واحد من الأعوان ما لا يحصى، وذكر أن ستة منهم يقودون الكفرة إلى النار، وستة يسوقونهم، وستة يضربونهم بمقامع من الحديد والنيران، والآخر هو الخازن الأكبر، وهو مالك يأمرهم بما أمر هو به.
ويحتمل: أن يكون في السقر تسعة عشر دركا، وقد سلط على كل درك ملك؛ وذلك لأن جهنم ذات حد في نفسها؛ لأن الله وعد أن يملأها من الجنة والناس، ولو لم ترجع إلى حد، لكان لا يتحقق امتلاؤها بالقدر الذي ذكر.
ويحتمل: أن يعذب فيها بتسعة عشر لونا من العذاب، قد وكل كل واحد منهم أن يعذب بنوع من ذلك، والأصل: أنه الله حكيم بعلم أن في كل فعل من أفعاله حكمة عجيبة، ولكن لا كل حكمة يوصل إليها بالعقل، وينتهى إلى معرفتها بالتدبير؛ ألا ترى أن الله جعل في الماء معنى يحيا به كل شيء، ولو أراد أحد أن يتكلف استخراج المعنى الذي به صلح أن يكون طبيعة موافقاً لإحياء كل شيء لا يمكنه ذلك، وجعل في الطعام ما يعذي وينمي، ولو أراد أحد أن يتعرف المعنى الذي يقع به الاغتذاء والإنماء لم يتدارك؛ وكذلك جعل في العدد الذين سماهم حكمة، ولكنا لا نصل إلى تعرفتها بعقولنا وتدبرنا.
وزعمت الباطنية أن في ذكر الأعداد التي عليها تركيب العالم تعريف الأعداد المجعولة في الروحانيات.
فيقال لهم: من جعل الأعداد التي عليها تركيب العالم أولى بأن يتعرف بها الأعداد المجعولة في الروحانيات من أن تجعل الأعداد التي في الروحانيات [علماً لاستدراك] المجعولة في الجسدانيات؟
ثم يسألون عن الأعداد المجعولة في الروحانيات لأي معنى جعلت؟
وأي حكمة فيها؟
فليس جوابهم بعد هذا إلا العجز والاعتراف بالجهل، فليقروا بالجهل من الابتداء من غير أن يتكلفوا استخراج ما يوجب عن حقيقة كان فيه ظهور عجهزهم، والله أعلم.
والأصل عندنا ما ذكرنا: أن أهل التوحيد اعتقدوا أن الله حيكم، وأنه لا يجوز أن يخرج فعله عن حد الحكمة؛ لأن الذي يحمل الإنسان على الخروج عن حد الحكمة في الشاهد أحد معان ثلاثة: إما الجهل.
وإما العجز.
وإما الحاجة.
والله عالم لا يجهل، وقوي لا يلحقه عجز عن وفاء ما وعد، وغني لا تمسه حاجة؛ فانتفت عنه الأسباب التي لديها يقع الخروج عن حد الحكمة، فثبت أنه لا يجوز أن يخرج فعله عن حد الحكمة، لكنهم إذا لم يعرفوا الحكمة بعقولهم، ولم يتداركوها بتدبيرهم، ظنوا أنه لا حكمة فيه، وأنكروا أن يضاف ذلك إلى الله ، فأهل الدهر أنكروا البعث، وأنكروا الصانع؛ لما رأوا أشياء في الشاهد هي في الظاهر خارجة مخرج العبث؛ وفعل الحكمة لا يخرج مخرج العبث، فنفوا بهذا أن يكون للأشياء صانع، ومن بني بناء، ثم نقضه، ثم أعاده إلى الحالة التي كان عليها قبل النقض، لم يكن حكيما، بل كان جاهلا سفيها، فقاسوا أمر البعث على ذلك، وظنوا أنه خارج مخرج العبث؛ إذ ليس فيه إلا الإعادة إلى الحالة التي كان عليها قبل الموت.
وما ذكرنا من الاعتبار هو الذي حمل الثنوية على القول بإلهين اثنين: أنهم رأوا في الشاهد خيرا وشرا، وصلاحا وفسادا، وظلمة ونورا، ولا يجوز أن يكون جوهر الظلمة والنور واحدا، ولا يجوز - أيضا - أن يكون فعل الحكيم يخرج على الاختلاف والتناقض، فقد بنوا بهذا أن خالق الشر والخير مختلف.
وبهذا أنكرت المعتزلة خلق أفعال العباد؛ لأن الفعل يكون مرة خيرا ومرة شرا، ومرة صلاحا ومرة فسادا، ولا يجوز أن يكون الشر مضافا إلى الله ، ولا أن يكون الفساد منسوبا إليه؛ فأنكروا أن يكون لله - - في أفعال العباد صنع.
وأهل التوحيد سلموا الأمر إلى الله ، وفوضوا العلم إليه في كل ما جاء عنه - جل وعز - وإن لم يتداركوا ما فيه من الحكمة بعقولهم؛ لوجودهم أشياء هي خارجة أن يتداركوها بعقولهم، ويقفوا عليها بعلومهم، كا ذكرنا من مر الماء: أنه قد جعل فيه معنى، ذلك المعنى يحيي الاشياء، ولو أرادوا أن يعرفوا ذلك المعنى بالعقول والآراء، لم يمكنهم ذلك؛ وكذلك في هذا الطعام، وفي الأشياء المشروبة موجود، ثم لم يجد بهذا إنكار المياه وسائر الأطعمة والأشربة؛ فكذلك لا يجب إنكار العدد الذين سماهم الله من الملائكة، ولا إنكار البعث، ولا إنكار كل شيء لم يقفوا على حكمته بعقولهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً ﴾ : فلقائل أن يقول في هذا: إنه لم يجعل أصحاب النار إلا ملائكة، لم يوجد فيها إنسي ولا جني، فكيف قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ ﴾ ، وهو لم يجعل أصحاب النار إلا ملائكة.
[والجواب: أن تأويله:] أي: ما جعلنا على أصحاب النار إلا ملائكة يعذبون أهلها بها، لا أن يكون الملائكة تمسهم النار، ويتأذون بها.
وي هذا دلالة على أن من قرأ مكان قوله : ﴿ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ ﴾ : "أصحاب النار" في صلاته لا تفسد؛ لأنه ليس في نسبة أصحاب الجنة [إلى] أصحاب النار إيجاب عذاب عليهم؛ كما لم يكن في قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً ﴾ إيجاب عذاب على الملائكة واستحقاقهم، والله أعلم.
وإنما خصهم بذلك - والله أعلم - لأنهم خلقوا يسخطون ويغضبون لله ، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لم يميلوا إلى أحد، ولم يرحموا بما رأوا عليه من العذاب في معصية الله وخلافهن ليسوا على طباع الإنس والجن أن قلوبهم ربما تميل وترحم من لا يستحق الرحمة.
وذكر أهل التأويل أن قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً ﴾ رد على أولئك الكفرة الذين قالوا: "إنا لنكفي هؤلاء العدة - حين سمعوا ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ - فنغلب عليهم، ونخرج من النار"، فأخبر أنهم ليسوا برجال أمثالكم، إنما هم ملائكة، ووصف الملائكة، وقد روى في الأخبار من هول خلقهم، وعظمهم، وشدة بأسهم وبطشهم، وأن لهب النيران يخرج من أفواههم، وأن بنيتهم لا تحتمل الحرق والآلام، ولي يسعلى ما عليه بنية البشر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : الفتنة: قد يتكلم بها على وجهين: فتذكر الفتنة ويراد بها المحنة التي فيها الشدة.
وتذكر ويرادج بها العذاب.
فإن كان يراد بها العذاب، فمعناه: أنه جعل العدد الذي ذكر فتنة للكفرة؛ وهو كقوله: ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ ﴾ ، أي: يعذبون.
وإن كان يراد بها المحنة، فتخرج على وجوه: أحدها: أي: ما جعلنا ذكر عددهم إلا لافتتان الذين كفروا، أي: من علم الله منه أنه يكفر بآيات الله ، جعل ذلك سببا لفتنته إذا كان في علم الله أنه ممن يبتغي الفتنة، فأما من علم أنه ينظر في آيات الله مسترشدا، فلم يزده ذلك إلا إيمانا وتصديقا]؛ إذ علموا أن لله أن يمتحنهم بأنواع المحن، فآمنوا به، وسلموا ذلك لله ؛ فيكون في جعل عدتهم تسعة عشر شدة على الكفرة، إذ كان سبب كفرهم؛ فلذلك سمى المحنة على هذا الوجه فتنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ بمعنى: على الذين كفروا.
ثم جائز أن يكون ذلك على حدوث الكفر، وهو في قوم قد آمنوا به، فلما سمعوا هذا زعموا أن لا حكمة في هذا العدد، وليس هذا العدد بأولى [من] أن يجعلوا أصحاب النار من العشرين أو من الثمانية عشرة، فكفروا به؛ وهو كقول موسى - -: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ ﴾ ، وذلك على حدوث إضلال لهم لم يكن من السامري موجود، لا أن الإضلال متقدم بغيرها.
وجائز أن تكون فتنتهم هي أنهم ازدادوا بذكر هذا العدد كفرا إلى كفرهم؛ لأنهم نظروا إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء، ولم ينظروا إليه بعين التبجيل والتعظيم، فازدادوا بذلك كفرا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً ﴾ : الاستيقان والزياة واحد؛ لأن في الاستيقان زيادة إيمان، وفي الزيادة استيقان، فمعناه: ليستيقن الذين أوتوا الكتاب [و] الذين آمنوا.
ووجه استيقانهم: أنهم يجدون هذا العدد موافقا للعدد الذي في كتابهم؛ فيحملهم ذلك على الاستيقان أنه من عند الله .
ويحتمل أن يراد به أهل الكتاب الذي ليم يؤمنوا إذا وجدوا ذلك موافقا لما في كتبهم؛ فيستيقنون: أنه إنما يخبر عن الله ، ويرتفع عنهم الارتياب؛ ليكون أدعى لهم إلى الإيمان به، إن أراد منهم الإيمان، وأقرب إلى إلزام الحجة عليهم، إن لم يرد منهم الإيمان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً ﴾ ، أي: [أي:]تصديقا على ما سبق منهم من التصديق بالجملة، وكذلك روي عن أبي حنيفة - رحمه الله - في قوله : ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ ، وفي كل موضع ذكر فيه الزيادة في الإيمان: أن معنى الزيادة فيه: أنهم زادوا بالتفسير تصديقا على تصديقهم بالجملة؛ لأنهم إذا وحدوا الله ، وآمنوا به، فقد أقروا بأن له الخلق الأمر كله، وفي الإقرار بأن له الخلق إيمانٌ بالرسل وتصديق منه إياهم بجميع ما أنزل عليهم من الكتب عن الله ؛ فصار بإيمانه معتقداً بكل الرسل على الإشارة إليه، فإذا آمن بالرسول والكتاب المنزل إليه، فقد أتى بزياة تصديق على ما وجد منه من التصديق بالجملة.
وجائز أن تكون الزيادة منصرفة إلى الثبات والاستقامة؛ لأن الإيمان له حكم التجدد في كل وقت؛ إذ المؤمن في كل وقت مأمور باجتناب الكفر، وإذا اجتنب الكفر، فقد أتى بضده، وهو الإيمان؛ فثبت أن الإيمان له حكم التجدد في كل وقت، وإذا كان كذلك، استقام صرف الزيادة إلى الثبات والقرار عليه، فإن شئت فسم الدوام على الإيمان: زيادة، وإن شئت فسمه: إيمانا، وإن شئت فسمه: ثباتا، وفي الكتاب ما يطلق جواز هذا كله؛ قال الله : ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ فندبهم إلى الإيمان بعدما آمنوا، وما ذلك إلا الثبات على ما هم عليه، وقال: ﴿ يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ وهو الإيمان، وقال في آية أخرى: ﴿ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ فجعل دوامهم على الإيمان واستقامتهم عليه إيمانا.
وقال : ﴿ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً ﴾ قال أبو داود: إيماناً مع إيمانهم فاطلق فيه اسم الزيادة، واسم الثبات، واسم الإيمان.
وإن كانت الزياة منصرفة إلى الأعمال، فهو عندنا على الزياة من جهة الفضيلة والكمال، لا إلى الزيادة في عينه؛ لأن الشيء إذا استحق الزيادة بغيره فاستحقاقه يقع من جهة الفضيلة والكمال؛ ألا ترى إلى قول رسول الله : "صلاة في مسجدي هذا تعادل ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" ومعلوم أنه لم يرد به التفاضل من جهة العدد؛ إذ هو يأتي بأعين الأفعال التي يلزمه إتيانها في غير ذلك؛ فكانت الزيادة منصرفة إلى الكمال والفضل، لا إلى الزيادة من جهة العدد.
وكذلك قال: "صلاة في جماعة تفضل على صلاة المرء وحده بخمس وعشرين درجة" ، ولم يرد به الزيادة من جهة العدد؛ وإنما أريد به الزيادة من جهة الفضل والشرف والكمال، وكذلك الزيادة التي تقع للإيمان من الأعمال الصالحة، إنما هي من جهة الفضيلة والشرف؛ إذ الأعمال ليست من جنس الإيمان؛ إذ الإيمان هو التصديق، وذلك غير موجود في الأفعال؛ فثبت أن زيادته من الوجه الذي ذكرنا دون غيره.
وقوله - -: ﴿ وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً ﴾ : في هذا الفصل كلام بيننا وبين المعتزلة، فهم يزعمون أن تلك العدة - وهي عدة الملائكة - جعلت محنة لأهل الإسلام، وأهل الكتاب، وأهل الكفر، وللذين في قلوبهم مرض؛ ليؤمنوا بها، ويستسلموا لها لا ليكفر بها من كفر، ويقول: ﴿ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً ﴾ ؟
ولكن لما وجد منهم ذلك القول نسب الجعل إليه، لا أن خلقوا لذلك الوجه؛ وهو كقوله : ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ نسب إليهما الالتقاط وإن كان الالتقاط لغير ذلك الوجه، وكذلك قال: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً ﴾ ، ومعلوم أن الإملاء لم يكن لازدياد الإثم، ولكن هم لما ازدادوا إثما، نسب الإملاء إليه، وإن لم يكن الإملاء لذلك الوجه، وكذلك يقال في الكلام السائر: لدوا للموت وابنوا للخراب ولا أحد يبني للخراب؛ ولكن مصيره لما كان إلى الخراب نسب البناء إليه، وإن لم يكن البناء لذلك الوجه ويقال: يسرق السارق لتقطع يده، ومعلوم أنه ليس يسرق للقطع، ولكن بسرقته إذن لزمه القطع ولأجلها ما قطع، نسب الفعل إليه، وإن كانت السرقة لغير ذلك الوجه؛ فكذلك العدة التي ذكرت في الآية جعلت الفتنة بجهة واحدة، وهي التي ذكرناها، لكنه لما وجد من الكفرة ما ذكرنا نسب الخلق إلى ذلك الوجه، لا أن كان الجعل لذلك.
ولكنا نقول: لو كان الأمر على ما زعموان أدى ذلك إلى إسقاط الربوبية؛ إذ في الحكمة: من عمل عملا يريد غير الذي يكون، أوجب ذلك بالعواقب، أو جعل عابثا في فعله، ومن هذا وصفه، لم يصلح أن يكون إلها، بل يكون جاهلا سفيها؛ ألا ترى أن من بنى شيئا يعلم أنه لا يكون - كان ذلك منه عبثا، وإذا كان غير الذي يريده كان جاهلا به.
فإذا ثبت هذا فنقول: لو أراد الله من الكافر غير الذي كان منه، لكان فعله خارجا مخرج الخطأ، أو العبث؛ فثبت أن الله - عز وجل - شاء لكل فريق ما علم أن يكون منهم؛ فإذا علم عبده أنه يؤثر الضلال على الهدى، فقد شاء له الضلال، وإذا علم أنه يؤثر فعل الخير، شاء له ذلك، ووفقه له، وهداه إليه.
والجواب عن قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ ، فمعناه: ليكون لهم في علم الله عدوا وحزنا، لا أن كان الالتقاط منهم لذلك الوجه؛ بل لو علموا أنه يصير لهم عدوا وحزنا لم يلتقطوه، ولكنهم جهلوا ما ينتهي إليه العاقبة؛ فالتقطوه؛ رجاء أن ينتفعوا به.
ولا يجوز أن تخفى على الله عواقب الأشياء؛ فيكون فعله في الابتداء لغير ذلك الوجه.
وقولهم: لدوا للموت وابنوا للخراب فهذا يتكلم به في موضع التذكير والدعاء؛ لئلا يحرص المرء في بناء الأبنية، بل يزهد عنه، ولا يجوز أن يخفى على الله أمر؛ فيخرج الأمر فيه مخرج التذكير؛ فثبت أنه على التحقيق، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً ﴾ : فالمثل يذكر معنى البيان؛ كقول القائل: "أمثل لك صورة كذا" يريد أن أبين لك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ ، فهذا كله تفسير قوله : ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً...
﴾ الآية، أي: يضل به من كان في عمله أنه يختار الضلال، واختياره الضلال هو أن ينظر في آيات الله بعين الاستهزاء والاستخفاف، ومن كان نظره في آيات الله ما ذكرنا، أضله الله ، وزاده غواية، ومن نظر في [آيات الله] بعين الاستهزاء والاسترشاد، واستقبلها بالتبجيل والتعظيم لها، وفقه الله ، ومن عليه بالهداية؛ وهو كقوله : ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ وغير ذلك، والله الموفق.
وقالت المعتزلة: قوله: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ ﴾ ، أي: يسميه: ضالا، أو يحكم عليه بالضلال إذا ضل، لا أن يكون الله - - يضله، ويشاء ضلالته.
فيقال لهم: إذا كان الله يريد أن يؤمن به، وذلك إرادته في كل أحد عندكم فتسميته أياه: ضالا، وحكمه بالضلال وهو يريد أ، يهتدي - جور منه، وفيه تحقيق كذبه، جل الله عن أن يلحقه وصف الجور في فعله، أو ينسب إلى الكذب.
وقال أبو بكر الأصم: تأويله: أن الله - - ينصب طريقا، مَن سلكه أفضى به إلى الهداية، ومن زاغ عنه صار إلى الضلال، ولا يتهيأ لأحد من الخلائق أن ينصب مثله.
فنقول: لو كان التأويل على ما زعم لكان حقه أن يقال: "كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء"؛ فلما قال: ﴿ مَن يَشَآءُ ﴾ ، و"مَنْ" يعبر به عن الأشخاص العقلاء [لا] عن الطريق التي لا يعقل، ثبت أن الذي قاله ليس بشيء يعتمد عليه.
[ثم] الأصل أن قوله: ﴿ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ من صفات الربوبية، وفيه امتحداح الرب - - بالفعل لما يريد، فلو لم يكن مريدا منهم ما قد كان، ولم يرد كون ما علم أنه يكون، سقط الامتداح، وخرج عن أن يكون من صفات الربوبية؛ فثبت أن الله شاء لكل فريق ما علم أن يكون منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ : فالجنود هو اسم للجماعة التي ينتقم بها، وينتصر بها.
وجائز أن يكون قوله : ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ﴾ منصرفاً إلى الملائكة، التي هي أصحاب النار، ليس ما جعله من خزنة النار عدداً قليلاً؛ لقلة جنوده، ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ ، أي: [لا يعلم] مقادير قواهم وأحوالهم إلا الله؛ فمعناه: لا يعلم جنود ربك، أي: لا يعلم قوة هؤلاء الجنود وبطشهم وهيبتهم إلا هو.
ثم يجوز أن يكونوا سلطوا على تعذيب أهل النار؛ على جهة الامتحان للملائكة؛ كما امتحن بعضهم بإيصال التحف والكرامات إلى أهل الجنة، وكما امتحن بعضهم في الدنيا يقبض الأرواج، وبعضهم باستنزال الأمطار، وغير ذلك.
وجائز أن يكون تسليطهم على أهل النار على جهة الثواب والجزاء لهم؛ لأنهم يتلذذون بما يعذبون أهل النار، وينتقمون من أعداء الله ؛ لأن المرء في الشاهد إذا وصل إلى الانتقام من عدوه، تلذذ به وتنعم.
ويحتمل أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ ، أي: وما يعلم كثرة جنود ربك إلا هو.
ويحتمل: وما يعلم السبب الذي به يجعل الجنود، ويصلحون للانتقام إلا هو؛ إذ هو القادر على أن يجعل أضعف شيء من خلقه جند ينتقم به من أعدائه، كما في قصة البعوض في زمن نمرود، وغير ذلك من إرسال الطير إلى أصحاب الفيل، وإمطار الحجارة على قوم لوط، ونحو ذلك.
ويحتمل أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ﴾ ، أي: لا يعلم ما الذي يتخذ الله جنداً للانتقام من الأعداء إلا هو؛ ألا ترى أن الله - - انتقم من بعض الأعداء بالغرق، وهم قوم فرعون وقوم نوح - - وأهلك بعضا منهم بالرياح، واتخذها جنودا عليهم، وأهلك بعضهم بالخسف؛ فيكون في هذا إيجاب المراقبة من حلول النقمة والسخطة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ ﴾ : جائز أن يكون منصرفا إلى السقر أنها ذكرى للبشر، أي: موعظة وتذكيرا لهم ما إليه مرجع إمورهم.
وجائز أن يكون منصرفا إلى عدة الملائكة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ ﴾ : قيل: حقّاً.
وقيل: هو على الردع والتنبيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْقَمَرِ * وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ ﴾ .
فهذا في موضع القسم؛ وقد ذكرنا أن القسم؛ لتأكيد ما قصد إليه بالذكر، وإدبار الليل بمجيء النهار، فجائز أن يكون ذكر آخر الليل يقتضي ذكر أوله، وذكر أول النهار يقتضي ذكر النهار كله؛ فيكون القسم بهما قسما بالليل كله، والنهار كله.
ثم الليل إذا أقبل عملت ظلمته في ستر الأشياء كلها بساعة لطيفة، وكذلك النهار إذا أقبل عمل في دفع الظلمة عن الخلائق جملة بساعة لطيفة ما لو اجتهد المرء في جميع عمره - وإن طال - على عد تلك الأشياء؛ ليحيط علما بجملتها، لم يتمكن منه، وإذا كان لليل من السلطان ما ذكرنا، ولإقبال النهار من الأمر ما ذكرنا، وكان الذي ذكرنا أمرا مشاهدا معاينا، ولو أريد معرفة ما فيهما من الحكمة: أنه لأي معنى ما صلح أن يكون الليل سترا عن درك أعين الأشياء، واستقام أن يكون النهار مزيلا للستر؟
لم يقدر عليه؛ فيكون فيه إبانة أنه لا يجب إنكار كل ما لا يوصل إلى درك الحكمة فيه بالعقول والآراء؛ فيكون فيه إيجاب التصديق بالأنباء التي يأتي بها الرسل، وإن كان فيها ما لا يوقف على الحكمة المجعولة فيها بالآراء.
وفيه أن منشئ الليل والنهار واحد، وأن الخلائق بجمتلهم تحت سلطانه وتدبيره، يحكم فيهم ما يشاء، ويفعل ما يريد.
وجائز أن يكون القسم منصرفا إلى الوقتين اللذين وقع عليهما الذكر، وهما إدبار الليل، وإسفار الصبح؛ فيكون فيهما ما في الأول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَسْفَرَ ﴾ ، أي: أضاء، وانتشر.
وقوله: ﴿ إِذْ أَدْبَرَ ﴾ ، أي: ذهب.
وحكي عن الكسائي أنه قال: إن "دبر" لغة قرشية، يقولون: ذهب كالأمس الدابر، أي: الذاهب، فيقولون: دبر في الأيام والشهور والسنين، ولا يقولون في غير ذلك: لا يقولون: دبر الرجل، ودبر الأمر؛ ولكن يقال: أدبر.
وفي حرف ابن مسعود (إذا دبر)، وفي الحروف ﴿ إِذْ أَدْبَرَ ﴾ ، والمعروف ﴿ إِذْ أَدْبَرَ ﴾ كما قلنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ ﴾ قيل: يعني: السقر.
ثم عذاب أهل النار ألوان، وفي جهنم دركات، والسقر: إحدى دركاتها؛ إذ هي لون من ألوان العذاب؛ فصارت هي من إحدى الكبر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَذِيراً لِّلْبَشَرِ ﴾ .
فمنهم من صرف النذارة إلى السقر، ومنهم من صرفها إلى رسول الله ، وهو كقوله : ﴿ وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ ، فمنهم من قرأ (لتنذر) بالتاء، وصرف النذارة إلى النبي .
ومنهم من قرأ بالياء، وصرفها إلى القرآن.
ثم الأصل أن ما خرج مخرج الأفعال مضافاً إلى الأشياء اللاتي ليست لهن أفعال، فهو يقتضي أمرين: أحدهما: ذكر الأحوال التي تقع لديها مما لو لم يكن ذلك سبباً لم تحدث تلك الأحوال من غير أن يكون علة لها؛ فنسبت إليها إذا صارت سبباً؛ لحدوث تلك الأحوال، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ ، وحياة الدنيا لا تغر أحدا، ولكنهم اغتروا بزينتها، فنسب إليها الغرور لما كانت سببا لتغريرهم.
والثاني: أنها أنشئت على هيئة لو كانت من أهل التغرير، لكانت تغر، فنسب إ ليها الغرور لذلك.
وقال في قصة إبراهيم - - ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ ، والأصنام ليست ممن ينسب إليها الإضلال؛ لأنه لا فعل لها، ولكن عبادها لما ضلوا بها، نسب الإضلال إليها، وهي - أيضا - على صورة لو كانت لها أفعال لكان يقع منها الإضلال؛ فنسب إليها الإضلال؛ للوجهين اللذين ذكرناهما؛ فكذلك النذارة إضيفت إلى النار هاهنا؛ لأنه عند ذكرها تقع النذارة؛ فأضيفت إليها لذلك.
أو خلقها على هيئة لو كانت من أهل النذارة، لكانت نذيرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴾ : قيل: هو على التهديد كقوله: ﴿ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ ، وذلك إنما يكون على إثر المبالغة في العظات، وتذكير عواقب الأمور، وقد بالغ [في] ذلك في هذه السورة وبين عواقب أمور العباد.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴾ قيل: أن يتقدم إلى طاعة الله، أو يتأخر إلى معصية الله .
والأصل: أن المرء جبل على حب المنافع لنفسه والخيرات، وعلى بغض الشر والمضار، ومن أحب شيئا طلبه، ومن أبغض شيئا اجتنبه، وهرب منه، وإذا طلب [شيئاً] تقدم إليه، وإذا هرب من شيء تأخر عنه؛ فكنى عن الطلب بالتقدم وعن الهروب بالتأخر؛ فقيل في تأويل قوله - عز وجل -: ﴿ يَتَقَدَّمَ ﴾ أي: [إلى] طاعة الله، تجدي إليه المنافع في الآخرة، وتجلب إليه المحاسن أو يتأخر عن طاعته؛ إذ في الإعراض عن طاعته إيقاع النفس في المهالك وأنواع الشدائد.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴾ ، معناه، يتقدم، ويتأخر بتخليق الله فعل التقدم والتأخير منه؛ فيكون فعلا له وكسبا؛ لوجوده في حيز قدرته، وخلقا لله ؛ فيكون مثل قولنا، لا حجة علينا، في إضافته التقدم والتأخر إلينا، والله الموفق.
<div class="verse-tafsir"
عليها تسعة عشر ملكًا، وهم خَزَنتها.
<div class="verse-tafsir" id="91.oWwRB"