الإسلام > القرآن > سور > سورة 78 النبأ > الآية ١٦ من سورة النبأ
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 46 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٦ من سورة النبأ من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( وجنات ) أي : بساتين وحدائق من ثمرات متنوعة ، وألوان مختلفة ، وطعوم وروائح متفاوتة ، وإن كان ذهلك في بقعة واحدة من الأرض مجتمعا ; ولهذا قال : ( وجنات ألفافا ) قال ابن عباس ، وغيره : ( ألفافا ) مجتمعة .
وهذه كقوله تعالى : ( وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) الآية [ الرعد : 4 ] .
وقوله: (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) يقول: ولنخرج بذلك الغيث جنات، وهي البساتين، وقال: (وَجَنَّاتٍ) والمعنى: وثمر جنات، فترك ذكر الثمر استغناء بدلالة الكلام عليه من ذكره.
وقوله: (أَلْفَافًا) يعني: ملتفة مجتمعة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) قال: مجتمعة.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) يقول: وجنات التفّ بعضها ببعض.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) قال: ملتفة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) قال: التفّ بعضها إلى بعض.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) قال: التفّ بعضها إلى بعض.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) قال: ملتفة.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) قال: هي الملتفة، بعضها فوق بعض.
واختلف أهل العربية في واحد الألفاف، فكان بعض نحويي البصرة يقول: واحدها: لَفٌّ.
وقال بعض نحويِّي الكوفة: واحدها: لف ولفيف، قال: وإن شئت كان الإلفاف جمعا واحده جمع أيضا، فتقول: جنة لفَّاء، وجنات لفّ، ثم يجمع اللَّفَّ ألفافا.
وقال آخر منهم: لم نسمع شجرة لفة، ولكن واحدها لفاء، وجمعها لفّ، وجمع لفّ: ألفاف، فهو جمع الجمع.
والصواب من القول في ذلك أن الألفاف جمع لفّ أو لفيف، وذلك أن أهل التأويل مجمعون على أن معناه: ملتفة، واللفاء، هي الغليظة، وليس الالتفاف من الغلظ في شيء، إلا أن يوجه إلى أنه غلظ الالتفاف، فيكون ذلك حينئذ وجها.
قوله تعالى : وجنات أي بساتين ألفافا أي ملتفة بعضها ببعض لتشعب أغصانها ، ولا واحد له كالأوزاع والأخياف .
وقيل : واحد الألفاف لف بالكسر ولف بالضم .
ذكره الكسائي ، قال :جنة لف وعيش مغدق وندامى كلهم بيض زهروعنه أيضا وأبي عبيدة : لفيف كشريف وأشراف .
وقيل : هو جمع الجمع .
حكاه الكسائي .
يقال : جنة لفاء ونبت لف والجمع لف بضم اللام مثل حمر ، ثم يجمع اللف ألفافا .
الزمخشري : ولو قيل جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد لكان وجيها .
ويقال : شجرة لفاء وشجر لف وامرأة لفاء : أي غليظة الساق مجتمعة اللحم .
وقيل : التقدير : ونخرج به جنات ألفافا ، فحذف لدلالة الكلام عليه .
ثم هذا الالتفاف والانضمام معناه أن الأشجار في البساتين تكون متقاربة ، فالأغصان من كل شجرة متقاربة لقوتها .
{ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا } أي: بساتين ملتفة، فيها من جميع أصناف الفواكه اللذيذة.فالذي أنعم عليكم بهذه النعم العظيمة ، التي لا يقدر قدرها، ولا يحصى عددها، كيف [تكفرون به و] تكذبون ما أخبركم به من البعث والنشور؟!
أم كيف تستعينون بنعمه على معاصيه وتجحدونها؟\"
"وجنات ألفافاً" ملتفة بالشجر، واحدها لف ولفيف، وقيل: هو جمع الجمع، يقال: جنة لفا، وجمعها لف، بضم اللام، وجمع الجمع ألفاف.
«وجنات» بساتين «ألفافا» ملتفة، جمع لفيف كشريف وأشراف.
وأنزلنا من السحب الممطرة ماء منصَبّا بكثرة، لنخرج به حبًا مما يقتات به الناس وحشائش مما تأكله الدَّواب، وبساتين ملتفة بعضها ببعض لتشعب أغصانها؟
أما الدليل التاسع على قدرته - تعالى - على البعث ، فنراه فى قوله - تعالى - :( وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَآءً ثَجَّاجاً .
لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً .
وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً ) .والمعصرات - بضم الميم وكسر الصاد - السحب التى تحمل المطر ، جمع معصرة - بكسر الصاد - اسم فاعل ، من أعصرت السحابة إذا أوشكت على إنزال الماء لامتلائها به .
.قال ابن كثير : عن ابن عباس : " المعصرات " الرياح .
لأنها تستدر المطر من السحاب .
.
وفى رواية عنه أن المراد بها : السحاب ، وكذا قال عكرمة .
.
واختاره ابن جرير .
.وقال الفراء : هى السحاب التى تتحلب بالماء ولم تمطر بعد ، كما يقال : امرأة معصر ، إذا حان حيضها ولم تحض بعد .وعن الحسن وقتادة : المعصرات : يعنى السموات .
وهذا قول غريب ، والأظهر أن المراد بها السحاب ، كما قال - تعالى - : ( الله الذي يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السمآء كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ .
.
.
) والثجاج : المندفع بقوة وكثرة ، يقال : ثج الماء - كرد - إذا انصب بقوة وكثرة .ومطر ثجاج ، أى : شديد الانصباب جدا .وقوله : ( أَلْفَافاً ) اسم جمع لا واحد له من لفظه ، كالأوزاع للجماعات المتفرقة .
وقيل : جمع لفيف ، كأشراف وشريف .
أى : وأنزلنا لكم - يا بنى آدم - بقدرتنا ورحمتنا - من السحائب التى أوشكت على الإِمطار ، ماء كثيرا متدفقا بقوة ، لنخرج بهذا الماء حبا تقتاتون به - كالقمح والشعير ..
ونباتا تستعملونه لدوابكم كالتبن والكلأ ، ولنخرج بهذا الماء - أيضا - بساتين قد التفت أغصانها لتقاربها وشدة نمائها .فهذه تسعة أدلة أقامها - سبحانه - على أن البعث حق ، وهى أدلة مشاهدة محسوسة ، لا يستطيع عاقل إنكار واحد منها .
.
وما دام الأمر كذلك فكيف ينكرون قدرته على البعث ، مع أنه - تعالى - قد أوجد لهم كل هذه النعم التى منها ما يتعلق بخلقهم ، ومنها ما يتعلق بالأرض والسموات ، ومنها ما يتعلق بنومهم ، وبالليل والنهار ، ومنها ما يتعلق بالشمس ، وبالسحب التى تحمل لهم الماء الذى لا يحاة لهم بدونه .وبعد إيراد هذه الأدلة المقنعة لكل عاقل ، أكد - سبحانه - ما اختلفوا فيه ، وما تساءلوا عنه
أي سبع سموات شداداً جمع شديدة يعني محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الزمان، لا فطور فيها ولا فروج، ونظيره ﴿ وَجَعَلْنَا السماء سَقْفاً مَّحْفُوظاً ﴾ فإن قيل لفظ البناء يستعمل في أسافل البيت والسقف في أعلاه فكيف قال: ﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً ﴾ ؟
قلنا البناء يكون أبعد من الآفة والانحلال من السقف، فذكر قوله: ﴿ وَبَنَيْنَا ﴾ إشارة إلى أنه وإن كان سقفاً لكنه في البعد عن الانحلال كالبناء، فالغرض من اختيار هذا اللفظ هذه الدقيقة.
وثامنها قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
فإن قلت: كيف اتصل به قوله: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا (6) ﴾ قلت: لما أنكروا البعث قيل لهم: ألم يخلق من يضاف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة الدالة على كمال القدرة، فما وجه إنكار قدرته على البعث، وما هو إلا اختراع كهذه الاختراعات أو قيل لهم: ألم يفعل هذه الأفعال المتكاثرة.
والحكيم لا يفعل فعلا عبثاً، وما تنكرونه من البعث والجزاء مؤدّ إلى أنه عابث في كل ما فعل ﴿ مهادا ﴾ فراشاً.
وقرئ ﴿ مهداً ﴾ ومعناه: أنها لهم كالمهد للصبي: وهو ما يمهد له فينوّم عليه، تسمية للممهود بالمصدر، كضرب الأمير.
أو وصفت بالمصدر.
أو بمعنى: ذات مهد، أي أرسيناها بالجبال كما يرسى البيت بالأوتاد ﴿ سُبَاتاً ﴾ موتاً.
والمسبوت.
الميت، من السبت وهو القطع؛ لأنه مقطوع عن الحركة.
والنوم: أحد التوفيين، وهو على بناء الأدواء.
ولما جعل النوم موتاً، جعل اليقظة معاشاً، أي: حياة في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً ﴾ [النبأ: 11] ، أي: وقت معاش تستيقظون فيه وتتقلبون في حوائجكم ومكاسبكم.
وقيل: السبات الراحة ﴿ لِبَاساً ﴾ يستركم عن العيون إذا أردتم هرباً من عدوّ، أو بياتاً له.
أو إخفاء ما لا تحبون الاطلاع عليه من كثير من الأمور.
وَكَمْ لِظَلاَمِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ ** تُخَبِّرُ أَنَّ المَانَوِيَّةَ تَكْذِبُ ﴿ سَبْعاً ﴾ سبع سموات ﴿ شِدَاداً ﴾ جمع شديدة، يعني: محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الأزمان ﴿ وَهَّاجاً ﴾ متلألئا وقاداً، يعني: الشمس: وتوهجت النار: إذا تلمظت فتوهجت بضوئها وحرها.
المعصرات: السحائب إذا أعصرت، أي: شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، كقولك: أجز الزرع، إذا حان له أن يجز.
ومنه: أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض.
وقرأ عكرمة: ﴿ بالمعصرات ﴾ ، وفيه وجهان: أن تراد الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، وأن تراد السحائب؛ لأنه إذا كان الإنزال منها فهو بها، كما تقول: أعطى من يده درهما، وأعطى بيده، وعن مجاهد: المعصرات الرياح ذوات الأعاصير.
وعن الحسن وقتادة: هي السموات.
وتأويله: أن الماء ينزل من السماء إلى السحاب، فكأنّ السموات يعصرن، أي: يحملن على العصر ويمكنّ منه.
فإن قلت: فما وجه من قرأ.
﴿ مِنَ المعصرات ﴾ وفسرها بالرياح ذوات الأعاصير، والمطر لا ينزل من الرياح؟
قلت: الرياح هي التي تنشئ السحاب وتدرّ أخلافه فصحّ أن تجعل مبدأ للإنزال؛ وقد جاء: أنّ الله تعالى يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى السحاب، فإن صحّ ذلك فالإنزال منها ظاهر، فإن قلت: ذكر ابن كيسان أنه جعل المعصرات بمعنى المغيثات، والعاصر هو المغيث لا المعصر.
يقال: عصره فاعتصر.
قلت: وجهه أن يريد اللاتي أعصرن، أي حان لها أن تعصر، أي: تغيث ﴿ ثَجَّاجاً ﴾ منصباً بكثرة يقال: ثجه وثج نفسه وفي الحديث: «أفضل الحج: العجّ والثجّ» أي رفع الصوت بالتلبية، وصب دماء الهدي.
وكان ابن عباس مثجاً يسيل غرباً، يعني أنه يثج الكلام ثجا في خطبته.
وقرأ الأعرج: ﴿ ثجاجاً ﴾ ومثاجج الماء: مصابه، والماء ينثجج في الوادي ﴿ حَبّاً وَنَبَاتاً ﴾ يريد ما يتقوّت من الحنطة والشعير وما يعتلف من التبن والحشيش، كما قال: ﴿ كُلُواْ وارعوا أنعامكم ﴾ [طه: 54] ، و ﴿ والحب ذُو العصف والريحان ﴾ [الرحمن: 12] .
﴿ أَلْفَافاً ﴾ ملتفة ولا واحد له، كالأوزاع والأخياف.
وقيل: الواحد لف.
وقال صاحب الإقليد: أنشدني الحسن بن علي الطوسي: جَنَّةٌ لِفٌّ وَعَيْشٌ مُغْدِقٌ ** ونَدَامَى كُلُّهُمْ بِيضٌ زُهُرْ وزعم ابن قتيبة أنه لفاء ولف، ثم ألفاف: وما أظنه واجداً له نظيراً من نحو خضر وأخضار وحمر وأحمار، ولو قيل: هو جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد، لكان قولاً وجيها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ﴾ السَّحائِبِ إذا أعْصَرَتْ أيْ شارَفَتْ أنْ تَعْصِرَها الرِّياحُ فَتُمْطِرَ كَقَوْلِكَ: أحْصَدَ الزَّرْعُ إذا حانَ لَهُ أنْ يُحْصَدَ، ومِنهُ: أعْصَرَتِ الجارِيَةُ إذا دَنَتْ أنْ تَحِيضَ، أوْ مِنَ الرِّياحِ الَّتِي حانَ لَها أنْ تَعْصِرَ السَّحابَ، أوِ الرِّياحِ ذَواتِ الأعاصِيرِ، وإنَّما جُعِلَتْ مَبْدَأً لِلْإنْزالِ لِأنَّها تُنْشِئُ السَّحابَ وتَدْرَأُ خِلافَهُ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «بِالمُعْصِراتِ».
﴿ ماءً ثَجّاجًا ﴾ مُنْصَبًّا بِكَثْرَةٍ يُقالُ: ثَجَّهُ وثَجَّ بِنَفْسِهِ.
وَفِي الحَدِيثِ: «أفْضَلُ الحَجِّ العَجُّ والثَّجُّ» أيْ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وصَبُّ دِماءِ الهَدْيِ، وقُرِئَ «ثَجّاجًا» و «مَثاجِجُ» الماءِ مَصابُّهُ.
﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا ﴾ ما يُقْتاتُ بِهِ وما يُعْتَلَفُ مِنَ التِّبْنِ والحَشِيشِ.
﴿ وَجَنّاتٍ ألْفافًا ﴾ مُلْتَفَّةً بَعْضُها بِبَعْضٍ جَمْعُ لَفٍّ كَجِذْعٍ.
قالَ: جَنَّةٌ لَفٌّ وعَيْشٌ مُغْدِقٌ ∗∗∗ ونَدامى كُلُّهم بِيضٌ زُهْرُ أوْ لَفِيفٌ كَشَرِيفٍ أوْ لَفٌّ جُمَعٍ لَفّاءَ كَخَضْراءَ وخُضْرٍ وأخْضارٍ أوْ مُتْلَفَّةٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ.
<div class="verse-tafsir"
{وجنات} بساتين {أَلْفَافاً} ملتفة الأشجار واحدها لف كجذع وأجذاع ولفيف كشريف وأشراف أولا واحد له كأوزاع أو هي جمع الجمع فهي جمع لف واللف جمع لفاء وهي شجرة مجتمعة ولا وقف من أَلَمْ نَجْعَلِ إلى ألفافا والوقف الضروري على أوتادا معاشا
﴿ وجَنّاتٍ ﴾ جَمْعُ جَنَّةٍ وهي كُلُّ بُسْتانٍ ذِي شَجَرٍ يَسْتُرُ بِأشْجارِهِ الأرْضَ مِنَ الجِنِّ وهو السَّتْرُ.
وقالَ الفَرّاءُ: الجَنَّةُ ما فِيهِ النَّخِيلُ، والفِرْدَوْسُ ما فِيهِ الكَرْمُ، وقَدْ تُسَمّى الأشْجارُ السّاتِرَةُ جَنَّةً وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ زُهَيْرٍ: مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا وهو المُرادُ هُنا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألْفافًا ﴾ أيْ: مُلْتَفَّةً تَداخَلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، قِيلَ: لا واحِدَ لَهُ كالأوْزاعِ والأخْيافِ لِلْجَماعاتِ المُتَفَرِّقَةِ المُخْتَلِفَةِ اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: جَمْعُ لُفٍّ بِضَمِّ اللّامِ جَمْعُ لَفّاءَ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ، واسْتُبْعِدَ بِأنَّهُ لَمْ يَجِئْ في نَظائِرِهِ ذَلِكَ؛ فَقَدْ جاءَ خُضْرٌ جُمَعُ خَضْراءَ وحُمْرٌ جُمَعُ حَمْراءَ، ولَمْ يَجِئْ أخْضارٌ جَمْعُ خُضْرٍ، ولا أحْمارٌ جَمْعٌ حُمْرٍ، وجَمْعُ الجَمْعِ لا يَنْقاسُ، ووُجُودُ نَظِيرِهِ في المُفْرَداتِ لا يَكْفِي كَذا قِيلَ.
وقالَ الكِسائِيُّ: جَمْعُ لَفِيفٍ بِمَعْنى مَلْفُوفٍ، وفَعِيلٌ يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، وإنَّما اخْتَلَفَ النُّحاةُ في كَوْنِهِ جَمْعًا لِفاعِلٍ، وفي الكَشّافِ: لَوْ قِيلَ هو جَمْعُ مُلْتَفَّةٍ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الزَّوائِدِ لَكانَ قَوْلًا وجِيهًا انْتَهى.
وإنَّما يُقَدَّرُ حَذْفُ الزَّوائِدِ وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ النُّحاةُ في مِثْلِ ذَلِكَ تَرْخِيمًا؛ لِأنَّ قِياسَ جَمْعِ مُلْتَفَّةٍ مُلْتَفّاتٌ لا ألْفافٌ، واعْتَرَضَهُ في الكَشْفِ فَقالَ فِيهِ: إنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ لِأنَّ تَصْغِيرَ التَّرْخِيمِ ثابِتٌ، أمّا جَمْعُهُ فَلا، لَكِنْ قِيلَ: إنَّ هَذا غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فَإنَّهُ وقَعَ في كَلامِهِمْ ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ لِقِلَّتِهِ، والحَقُّ أنَّهُ وجْهٌ مُتَكَلَّفٌ، وجُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ عَلى أنَّهُ جَمْعُ لِفٍّ بِالكَسْرِ وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِمَعْنى مَلْفُوفٍ، وفِعْلٌ يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ بِاطِّرادٍ كَجِذْعٍ وأجْذاعٍ، وعَنْ صاحِبِ الإقْلِيدِ أنَّهُ قالَ: أنْشَدَنِي الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ: جَنَّةٌ لِفٌّ وعَيْشٌ مُغْدِقٌ ونُدامى كُلُّهم بِيضٌ زُهُرْ وجَوَّزَ في القامُوسِ أنْ يَكُونَ جَمْعَ لَفٍّ بِالفَتْحِ هَذا وفِيما ذُكِرَ مِن أفْعالِهِ تَعالى شَأْنُهُ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ وحَقِّيَّتِهِ مِن أوْجُهٍ ثَلاثَةٍ عَلى ما قِيلَ؛ الأوَّلُ بِاعْتِبارِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ؛ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْشاءِ تِلْكَ الأُمُورِ البَدِيعَةِ مِن غَيْرِ مِثالٍ يَحْتَذِيهِ ولا قانُونٍ يَنْتَحِيهِ كانَ عَلى الإعادَةِ أقْدَرَ وأقْوى.
الثّانِي: بِاعْتِبارِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ فَإنَّ مَن أبْدَعَ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ عَلى نَمَطٍ رائِعٍ مُسْتَتْبِعٍ لِغاياتٍ جَلِيلَةٍ ومَنافِعَ جَمِيلَةٍ عائِدَةٍ إلى الخَلْقِ يَسْتَحِيلُ حِكْمَةً أنْ لا يَجْعَلَ لَها عاقِبَةً.
الثّالِثُ: بِاعْتِبارِ نَفْسِ الفِعْلِ فَإنَّ اليَقَظَةَ بَعْدَ النَّوْمِ أُنْمُوذَجٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ يُشاهِدُهُ كُلُّ واحِدٍ وكَذا إخْراجُ الحَبِّ والنَّباتِ مِنَ الأرْضِ يُعايَنُ كُلَّ حِينٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ فَعَلْنا أوْ ألَمْ نَفْعَلْ هَذِهِ الأفْعالَ الآفاقِيَّةَ الدّالَّةَ بِفُنُونِ الدَّلالَةِ عَلى حَقِّيَّةِ البَعْثِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِهِ فَما لَكم تَخُوضُونَ فِيهِ إنْكارًا وتَسْألُونَ عَنْهُ اسْتِهْزاءً.
<div class="verse-tafsir"
وهي أربعون آية مكية قوله تعالى: عَمَّ يَتَساءَلُونَ وذلك أن النبيّ لما بعث، جعلوا يتساءلون فيما بينهما، ويقولون ما الذي جاء به هذا الرجل.
فنزل عَمَّ يَتَساءَلُونَ يعني: عما ذا يتساءلون.
ثم قال: عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ يعني: يتساءلون عن الخبر العظيم، وهو القرآن كقوله: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: 68] ويقال: معناه عن ماذا يتحدثون، وعن أي شيء يتحدثون.
ثم قال: عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ يعني: خبراً عظيماً.
وقال الزجاج: أصله عَمَّا يَتَسَاءلُونَ ثم بين فقال: عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ يعني: عن أمر النبيّ .
وقيل: عن القرآن.
وقيل عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ يعني: عن البعث والدليل قوله تعالى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً [النبأ: 17] ثم بين لهم الأمر الذي كانوا يتساءلون، وهو البعث.
ثم قال عز وجل: الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ يعني: مصدقاً ومكذباً.
يعني: بالبعث بعضهم مصدق، وبعضهم مكذب.
ويقال: بالقرآن، ويقال: بمحمد .
ثم قال الله تعالى: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ يعني: سيعرفون ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ يعني: سيعرفون ذلك الوعيد، على أثر الوعيد، يعني: سيعلمون عند الموت وفي الآخرة، ويتبين لهم بالمعاينة.
قرأ ابن عامر ستعلمون، بالتاء على وجه المخاطبة.
وقرأ الباقون بالياء، على معنى الخبر عنهم.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَبَإ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، ولَيْسَ فِيها نَسْخٌ ولا حُكْمٌ إلّا ما قالَهُ بَعْضُ الناسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لابِثِينَ فِيها أحْقابًا ﴾ مِن أنَّهُ مَنسُوخٌ، وهو قَوْلٌ خُلِفَ، لِأنَّ الأخْبارَ لا تُنْسَخُ، وإنَّما ذَكَرْنا هَذا القَوْلَ تَنْبِيهًا عَلى فَسادِهِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ ﴾ ﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا ﴾ ﴿ والجِبالَ أوتادًا ﴾ ﴿ وَخَلَقْناكم أزْواجًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا اللَيْلَ لِباسًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا النَهارَ مَعاشًا ﴾ ﴿ وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا ﴾ ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا ﴾ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا ﴾ ﴿ وَجَنّاتٍ ألْفافًا ﴾ أصْلُ "عَمَّ" عن ما، ثُمَّ أُدْغِمَتِ النُونُ بَعْدَ قَلْبِها فَبَقِيَ "عَمّا" في الخَبَرِ وفي الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ حَذَفُوا الألِفَ في الِاسْتِفْهامِ فَرْقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَبَرِ، ثُمَّ مِنَ العَرَبِ مَن يُخَفِّفُ المِيمَ تَخْفِيفًا فَيَقُولُ: "عَمَ"، وهَذا الِاسْتِفْهامُ بِـ "عَمَّ" هو اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ وتَعَجُّبٍ مِنهم.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ وعِكْرِمَةُ، وعِيسى: "عَمّا" بِالألِفِ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "عَمَّهْ" بَهاءٍ، وهَذا إنَّما يَكُونُ عِنْدَ الوَقْفِ.
و"النَبَإ العَظِيمِ" قالَ قَوْمٌ: هو الشَرْعُ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هو القُرْآنُ خاصَّةً، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: هو البَعْثُ مِنَ القُبُورِ.
ويُحْتَمَلُ الضَمِيرُ في "يَتَساءَلُونَ" أنْ يُرِيدَ بِهِ جَمِيعَ العالَمِ، فَيَكُونُ "الِاخْتِلافُ" حِينَئِذٍ يُرادُ بِهِ تَصْدِيقَ المُؤْمِنِينَ وتَكْذِيبَ الكافِرِينَ ونَزَغاتِ المُلْحِدِينَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَرِيدَ بِالضَمِيرِ الكَفّارَ مِن قُرَيْشٍ، فَيَكُونُ "الِاخْتِلافُ" شَكُّ بَعْضٍ وتَكْذِيبُ بَعْضٍ، وقَوْلُهم سِحْرٌ وكَهانَةٌ وجُنُونٌ وغَيْرُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَتَساءَلُونَ" الظاهِرِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِمَ يَتَساءَلُونَ عن هَذا النَبَأِ؟
وقالَ الزَجّاجُ: الكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ، ثُمَّ كانَ مُقْتَضى القَوْلِ أنْ يُجِيبَ مُجِيبٌ فَيَقُولُ: يَتَساءَلُونَ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ، فاقْتَضى إيجازُ القُرْآنِ بِبَلاغَتِهِ أنْ يُبادِرَ المُحْتَجُّ بِالجَوابِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحالُ والمُجاوَرَةُ، اقْتِضابًا لِلْحُجَّةِ وإسْراعًا إلى مَوْضِعِ قَطْعِهِمْ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلْ اللهُ شَهِيدٌ ﴾ ، ولَهُ أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، وقَدْ وقَعَ التَنْبِيهُ عَلَيْها في مَواضِعِها.
وقَرَأ السَبْعَةُ والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ: "كَلّا سَيَعْلَمُونَ" بِالياءِ في المَوْضِعَيْنِ، عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فَظاهِرُ الكَلامِ أنَّهُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ في تَكْذِيبِهِمْ، ووَعِيدٌ لَهم في المُسْتَقْبَلِ، وكَرَّرَ الزَجْرَ تَأْكِيدًا، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كَلّا سَيَعْلَمُونَ، يَعْنِي الكُفّارَ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ، ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ: يَعْنِي المُؤْمِنِينَ عَلى جِهَةِ الوَعْدِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ -فِيما رَوى عنهُ- ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، والحَسَنُ بِخِلافٍ- "كَلّا سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ في المَوْضِعَيْنِ، عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، وكَرِّرْ عَلَيْهِمُ الزَجْرَ والوَعِدَ تَأْكِيدًا، وكُلُّ تَأْوِيلٍ في هَذِهِ القِراءَةِ غَيْرُ هَذا مُتَعَسِّفٌ.
وقَرَأ قَوْمٌ: "كَلّا سَيَعْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى جِهَةِ الرَدِّ والوَعِيدِ لِلْكَفّارِ، ثُمَّ "كَلّا سَتَعْلَمُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى جِهَةِ الرَدِّ عَلى الكُفّارِ والوَعْدِ والمُؤْمِنِينَ، فالعِلْمُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى "سَتَعْرِفُونَ"، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَدَّ.
ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى عَلى آياتِهِ وغَرائِبَ مَخْلُوقاتِهِ وقُدْرَتِهِ الَّتِي يُوجِبُ النَظَرُ فِيها الإقْرارَ بِالبَعْثِ والإيمانِ بِاللهِ تَعالى، و"المِهادُ": الفِراشُ المُمَهَّدُ الوَطْئِ، وكَذَلِكَ الأرْضُ لِبِنْيَتِها، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعِيسى، وبَعْضُ الكُوفِيِّينَ: "مَهْدًا"، والمَعْنى نَحْوُ الأوَّلِ، وشَبَّهَ الجِبالَ"بِالأوتادِ" لِأنَّها تَمْسِكُ وتَثْقُلُ وتَمْنَعُ الأرْضَ أنْ تَمِيدَ، و"أزْواجًا" مَعْناهُ أنْواعًا في ألْوانِكم وصُوَرِكم وألْسِنَتِكُمْ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: مُزْدَوَجَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى.
و"السُباتُ" السُكُونُ، وسَبَتَ الرَجُلُ مَعْناهُ: اسْتَراحَ واتَّدَعَ وتَرَكَ الشُغْلَ، ومِنهُ السُباتُ وهي عِلَّةٍ مَعْرُوفَةٍ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ السُكُونَ أوالسُكُوتَ أفْرَطَ عَلى الإنْسانِ حَتّى صارَ ضارًّا قاتِلًا، والنَوْمُ شَبِيهٌ بِهِ إلّا في الضَرَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "سُباتًا": قِطَعًا لِلْأعْمالِ والتَصَرُّفِ، والسَبْتُ: القَطْعُ، ومِنهُ "سَبْتُ الرَجُلِ شَعْرُهُ" إذا قُطِعَ شَعْرُهُ، ومِنهُ النِعالُ السَبْتِيَّةُ وهي الَّتِي قُطِعَ عنها الشِعْرُ.
و"لِباسًا" مَصْدَرٌ، وكانَ اللَيْلُ كَذَلِكَ مِن حَيْثُ يُغْشِي الأشْخاصَ فَهي تَلْبَسُهُ وتَتَدَرَّعُهُ، ويُقالُ: جَعَلَهُ لِباسًا لِأنَّهُ يَطْمِسُ نُورَ الأبْصارِ ويَلْبَسُ عَلَيْها الأشْياءَ، والتَصْرِيفُ يُضْعِفُ هَذا القَوْلَ لِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ "مَلْبَسًا"، ولا يُقالُ "لِباسٌ" إلّا مِن لَبِسَ الثِيابَ ﴿ وَجَعَلْنا النَهارَ مَعاشًا ﴾ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أو عَلى النَسَبِ، وهَذا كَما تَقُولُ "لَيْلٌ نائِمٌ"، و"السَبْعُ الشِدادُ": السَمَواتُ، والأفْصَحُ في لَفْظَةِ السَماءِ التَأْنِيثُ، ووَصَفَها بِالشِدَّةِ، لِأنَّهُ لا يُسْرِعُ إلَيْها فَسادٌ لِوِثاقَتِها، و"السِراجُ": الشَمْسُ، و"الوَهّاجُ": الحارُّ المُضْطَرِمُ الِاتِّقاِد، المُتَعالِي اللهَبِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ: إنَّ الشَمْسَ في السَماءِ الرابِعَةِ إلَيْنا ظَهْرُها، ولَهَبُها مُضْطَرِمٌ عُلُوًّا.
واخْتَلَفَ الناسُ في "المُعْصِراتِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُقاتِلٌ، وقَتادَةُ: هي السَمَواتُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ: المُعْصِراتُ هى السَحابُ القاطِرَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ العَصْرِ؛ لِأنَّ السَحابَ يَنْعَصِرُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وبِهِ فَسَّرَ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ العنبَرِيُّ القاضِي بَيْتَ حَسّانَ: كِلْتاهُما حَلَبُ العَصِيرِ.....
البَيْتُ.
وَقالَ بَعْضُ مَن سُمِّيَتْ: هي السَحابُ الَّتِي فِيها الماءُ ولَمّا تُمْطِرْ، كالمَرْأةِ المُعْصِرِ، وهي الَّتِي دَنا حَيْضُها ولَمْ تَحِضْ بَعْدُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: قِيلَ لِلسَّحابِ مُعْصِراتٌ مِن حَيْثُ تُغِيثُ، فَهي مِن "العَصْرَةِ" ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "وَفِيهِ يَعْصِرُونَ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ المُعْصِراتُ: الرِياحُ لِأنَّها تَعْصِرُ السَحابَ، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ، وابْنُ عَبّاسٍ والفَضْلُ بْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ: "وَأنْزَلَنا بِالمُعْصِراتِ"، فَهَذا يُقَوِّي أنَّهُ أرادَ الرِياحَ.
و"الثَجّاجُ": السَرِيعُ الِانْدِفاعِ كَما يَنْدَفِعُ الدَمُ عن عُرُوقِ الذَبِيحَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ وقَدْ «قِيلَ لَهُ: ما أفْضَلَ الحَجَّ؟
فَقالَ: "العَجُّ والثَجُّ"» أرادَ: التَضَرُّعَ بِالدُعاءِ الجَهِيرِ وذَبْحِ الهَدْيِ.
و"الحُبُّ": جِنْسُ الحُبُوبِ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ الحَيَوانُ، و"النَباتُ": العُشْبُ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ رُطَبًا لِإنْسانٍ أو بَهِيمَةٍ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى مَوْضِعَ المَنفَعَتَيْنِ.
و"ألْفافًا" جَمْعُ "لُفٍّ" بِضَمِّ اللامِ، و"لُفٌّ" جَمْعُ "لَفّاءَ"، والمَعْنى مُلْتَفّاتُ الأغْصانِ والأوراقِ، وذَلِكَ أبَدًا مَوْجُودٌ مَعَ النَضْرَةِ والرَيِّ، وقالَ قَوْمٌ: "ألْفافًا" جَمْعُ "لِفَّ" بِكَسْرِ اللامِ، واللَفُّ: الجَنَّةُ المُلْتَفَّةُ بِالأغْصانِ، وقالَ الكِسائِيُّ: "ألْفافًا"، جَمْعُ "لَفِيفٍ"، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: ؎ أحابِيشُ ألْفافٍ تَبايَنَ فَرْعُهم ∗∗∗ وجِذْمُهم عن نِسْبَةِ المُتَقَرِّبِ <div class="verse-tafsir"
استدلال بحالة أخرى من الأحوال التي أودعها الله تعالى في نظام الموجودات وجعلها منشأً شبَيهاً بحياة بعد شبيهٍ بموت أو اقتراب منه ومَنْشأ تَخلق موجودات من ذرات دقيقة.
وتلك حالة إنزال ماء المطر من الأسحبة على الأرض فتنبت الأرض به سنابل حبّ وشجراً، وكلأً، وتلك كلها فيها حياة قريبة من حياة الإِنسان والحيوان وهي حياة النمَاء فيكون ذلك دليلاً للناس على تصور حالة البعث بعد الموت بدليل من التقريب الدال على إمكانه حتى تضمحل من نفوس المكابرين شُبَهُ إحالة البعث.
وهذا الذي أشير إليه هنا قد صرح به في مواضع من القرآن كقوله تعالى: ﴿ ونزَّلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد وأحيينا به بلدة ميتاً كذلك الخروج ﴾ [ق: 9 11] ففي الآية استدلالان: استدلال بإنزال الماء من السحاب، واستدلال بالإِنبات، وفي هذا أيضاً منّة على المُعْرضِين عن النظر في دلائل صنع الله التي هي دواع لشكر المنعم بها لما فيها من منافع للناس من رزقهم ورزق أنعامهم، ومن تنعمهم وجمال مَرَائيهم فإنهم لو شكروا المنعم بها لكانوا عندما يَبلغهم عنه أنه يدعوهم إلى النظر في الأدلة مستعدين للنظر، بتوقع أن تكون الدعوة البالغة إليهم صَادقة العَزو إلى الله فما خفيت عنهم الدلالة.
ومناسبة الانتقال من ذكر السماوات إلى ذكر السحاب والمطر قوية.
والمعصرات: بضم الميم وكسر الصاد السحابات التي تحمل ماء المطر واحدتها مُعصرةِ اسم فاعل من: أعْصَرَتْ السحابةُ، إذا آن لها أن تَعْصِر، أي تُنزل إنزالاً شبيهاً بالعَصْر.
فهمزة (أعصر) تفيد معنى الحينونة وهو استعمال موجود وتسمَّى همزة التهيئة كما في قولهم: أجَزَّ الزرعُ، إذا حان له أن يُجزّ (بزاي في آخره) وأُحصد إذا حان وقت حصاده.
ويظهر من كلام صاحب «الكشاف» أن همزة الحينونة تفيد معنى التهيُّؤ لقبول الفعل وتفيد معنى التهيُّؤ لإِصدار الفعل فإنه ذكر: أعْصَرتْ الجاريةُ، أي حان وقت أن تصير تحيض، وذكر ابن قتيبة في «أدب الكاتب»: أركَبَ المُهْرُ، إذا حان أن يركب، وأقطفَ الكَرْمُ، إذا حان أن يُقطف.
ثم ذكر: أقْطَفَ القومُ: حان أن يَقطِفوا كُرومهم، وأنتجت الخيل: حان وقت نَتاجها.
وفي تفسير ابن عطية عند قوله تعالى: ﴿ ألم تر أن اللَّه يزجي سحاباً ﴾ الآية من سورة النور (43)، والعرب تقول: إن الله تعالى إذا جعل السحاب ركاماً جاء بالريح عَصَر بعضُه بعضاً فيخرج الودق منه، ومن ذلك قوله: وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً } ومن ذلك قول حسان: كلتاهما حَلَب العَصير فعَاطني *** بزُجاجة أرخاهما للمفصل أراد حَسَّانُ الخمرَ والماءَ الذي مُزجت به، أي هذه من عصير العنب وهذه من عصير السحاب، فسر هذا التفسير قاضي البصرة عبيد الله بن الحسن العنبري للقومَ الذين حلف صاحبهم بالطلاق أن يسأل القاضي عن تفسير بيت حسان ا ه.
والثّجاج: المُنْصَبُّ بقوة وهو فَعَّال من ثَجّ القاصر إذا انصب، يقال: ثجّ الماءُ، إذا انصبّ بقوة، فهو فِعل قاصر.
وقد يسند الثجُّ إلى السحاب، يقال: ثج السحاب يَثُجّ بضم الثاء، إذا صَبَّ الماءَ، فهو حينئذ فعل متعدّ.
ووصف الماء هنا بالثّجاج للامتنان.
وقد بينت حكمة إنزال المطر من السحاب بأن الله جعله لإنبات النبات من الأرض جمعاً بين الامتنان والإِيماء إلى دليل تقريب البعث ليحصل إقرارهم بالبعث وشكر الصّانع.
وجيء بفعل ﴿ لنخرج ﴾ دون نحو: لننبت، لأن المقصود الإيماء إلى تصوير كيفية بعث الناس من الأرض إذ ذلك المقصد الأول من هذا الكلام ألا ترى أنه لما كان المقصد الأول من آية سورة (ق) هو الامتنانَ جيء بفعل «أنبتنا» في قوله: ﴿ ونزَّلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جناتٍ ﴾ [ق: 9] الآية.
ثم أتبع ثانياً بالاستدلال به على البعث بقوله: ﴿ كذلك الخروج ﴾ [ق: 11].
والبعث خروج من الأرض قال تعالى: ﴿ ومنها نخرجكم تارة أخرى ﴾ في سورة طه (55).
والحَب: اسم جمع حبّة وهي البرزة.
والمراد بالحب هنا: الحب المقتات للناس مثل: الحنطة، والشعير، والسُّلت، والذُّرة، والأرزُّ، والقُطنية، وهي الحبوب التي هي ثمرة السنابل ونحوها.
والنّبات أصله اسم مصدر نبت الزرع، قال تعالى: ﴿ واللَّه أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ [نوح: 17] وأطلق النبات على النابت من إطلاق المصدر على الفاعل وأصله المبالغة ثم شاع استعماله فنسيت المبالغة.
والمراد به هنا: النبات الذي لا يؤكل حبه بل الذي ينتفع بذاته وهو ما تأكله الأنعام والدواب مثل التبن والقُرط والفصفصة والحشيش وغير ذلك.
وجعلت الجنات مفعولاً ل (تخرج) على تقدير مضاف، أي نخل جنات أو شجر جنات، لأن الجنات جمع جَنة وهي القطعة من الأرض المغروسة نخلاً، أو نخلاً وكرْماً، أو بجميع الشجر المثمر مثل التين والرمان كما جاء في مواضعَ من القرآن، وهي استعمالات مختلفة باختلاف المنابت.
ووجه إيثار لفظ ﴿ جنات ﴾ أن فيه إيماء إلى إتمام المنة لأنهم كانوا يحبون الجنات والحدائق لما فيها من التنعم بالظِّلال والثمار والمياه وجمال المنظر، ولذلك أتبعت بوصف ﴿ ألفافاً ﴾ لأنه يزيدها حسناً، وإن كان الفلاحون عندنا يفضلون التباعد بين الأشجار لأن ذلك أوفر لكمية الثمار لأن تباعدها أسعد لها بتخلل الهواء وشعاع الشمس، لكن مساق الآية هنا الامتنان بما فيه نعيم الناس.
وألفاف: اسم جمع لا واحد له من لفظه وهو مثل أوزاع وأخياف، أي كل جنة ملتفة، أي ملتفة الشجر بعضه ببعض.
فوصف الجنات بألفَاف مبنيّ على المجاز العقلي لأن الالتفاف في أشجارها ولكن لما كانت الأشجار لا يَلتفّ بعضها على بعض في الغالب إلا إذا جمعتها جنة أسند ألفاف إلى جنات بطريق الوصف.
ولعله من مبتكرات القرآن إذ لم أر شاهداً عليه من كلام العرب قبل القرآن.
وقيل: ألفاف جمع لِفّ بكسر اللام بوزن جِذْع، أي كل جنة منها لف بكسر اللام ولم يأتوا بشاهد عليه.
وذكر في «الكشاف» أن صاحب «الإقليد» ذكر بيتاً أنشده الحسن بن علي الطوسي ولم يعزه إلى قائل.
وفي «الكشاف» زعم ابن قتيبة: أنه لَفَّاءُ ولُفُّ ثم ألفاف (أي أن ألفافاً جمع الجمع) قال: «وما أظنه واجداً له نظيراً» أي لا يجمع فُعْل جمعاً على أفعال، أي لا نظير له إذ لا يقال خُضر وأخضار وحُمر وأحمار.
يريد أنه لا يخرّج الكلام الفصيح على استعمال لم يثبت ورود نظيره في كلام العرب مع وجود تأويل له على وجه وارد.
فكان أظهر الوجوه أن ﴿ ألفافاً ﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه.
وبهذا الاستدلال والامتنان ختمت الأدلة التي أقيمت لهم على انفراد الله تعالى بالإلهية وتضمنت الإِيماء إلى إمكان البعث وما أدمج فيها من المنن عليهم عساهم أن يذكروا النعمة فيشعروا بواجب شكر المنعم ولا يستفظعوا إبطال الشركاء في الإلهية وينظروا فيما بلغهم عنه من الإِخبار بالبعث والجزاء فيصرفوا عقولهم للنظر في دلائل تصديق ذلك.
وقد ابتدئت هذه الدلائل بدلائل خلق الأرض وحالتها وجالت بهم الذكرى على أهم ما على الأرض من الجماد والحيوان، ثم ما في الأفق من أعراض الليل والنهار.
ثم تصاعد بهم التجوال بالنظر في خلق السماوات وبخاصة الشمس ثم نُزل بهم إلى دلائل السحاب والمطر فنزلوا معه إلى ما يخرج من الأرض من بدائع الصنائع ومنتهى المنافع فإذا هم ينظرون من حيث صَدروا وذلك من رد العجز على الصدر.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ النَّبَإ ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ ﴾ ﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا ﴾ ﴿ والجِبالَ أوْتادًا ﴾ ﴿ وَخَلَقْناكم أزْواجًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا ﴾ ﴿ وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا ﴾ ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا ﴾ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا ﴾ ﴿ وَجَنّاتٍ ألْفافًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ ﴾ يَعْنِي عَنْ أيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُ المُشْرِكُونَ؟
لِأنَّ قُرَيْشًا حَيْثُ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ جَعَلَتْ تُجادِلُ وتَخْتَصِمُ في الَّذِي دَعا إلَيْهِ.
وَفي " النَّبَأ العَظِيم " أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القُرْآنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ .
﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ هو البَعْثُ، فَأمّا المَوْتُ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اخْتَلَفَ فِيهِ المُشْرِكُونَ مِن بَيْنِ مُصَدِّقٍ مِنهم ومُكَذِّبٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: اخْتَلَفَ فِيهِ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ، فَصَدَّقَ بِهِ المُسْلِمُونَ وكَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
﴿ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ لِلْكُفّارِ، قالَهُ الحَسَنُ، فالأوَّلُ: كَلّا سَيَعْلَمُونَ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ في القِيامَةِ، والثّانِي: كَلّا سَيَعْلَمُونَ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ في جَهَنَّمَ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الأوَّلَ لِلْكُفّارِ فِيما يَنالُهم مِنَ العَذابِ في النّارِ، والثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ فِيما يَنالُهم مِنَ الثَّوابِ في الجَنَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: نُعاسًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: سَكَنًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: راحَةً ودَعَةً، ولِذَلِكَ سُمِّيَ يَوْمُ السَّبْتَ سَبْتًا لِأنَّهُ يَوْمُ راحَةٍ ودَعَةٍ، قالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: يُقالُ سَبَتَ الرَّجُلُ إذا اسْتَراحَ.
الرّابِعُ: سُباتًا أيْ قِطَعًا لِأعْمالِهِمْ، لِأنَّ أصْلَ السُّباتِ القَطْعُ ومِنهُ قَوْلُهم سَبَتَ الرَّجُلُ شَعْرَهُ إذا قَطَعَهُ، قالَ الأنْبارِيُّ: وسُمِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ لِانْقِطاعِ الأعْمالِ فِيهِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ السُّباتَ ما قَرَّتْ فِيهِ الحَواسُّ حَتّى لَمَّ تُدْرِكْ بِها الحِسَّ.
﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَكَنًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: غِطاءً، لِأنَّهُ يُغَطِّي سَوادَهُ كَما يُغَطِّي الثَّوْبُ لابِسَهُ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.
﴿ وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا ﴾ يَعْنِي وقْتَ اكْتِسابٍ، وهو مَعاشٌ لِأنَّهُ يُعاشُ فِيهِ.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّهُ زَمانُ العَيْشِ واللَّذَّةِ.
﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا ﴾ يَعْنِي بِالسِّراجِ الشَّمْسَ، وفي الوَهّاجِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المُنِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: المُتَلَأْلِئُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ مِن وهَجِ الحَرِّ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الوَقّادُ، الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الضِّياءِ والجِمالِ.
﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المُعْصِراتِ الرِّياحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ هي الجَنُوبُ.
الثّانِي: أنَّها السَّحابُ، قالَهُ سُفْيانُ والرَّبِيعُ.
الثّالِثُ: أنَّ المُعْصِراتِ السَّماءُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
وَفي الثَّجّاجِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الكَثِيرُ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: المُنْصَبُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ فَثَجَّ أعْلاهُ ثُمَّ ارْتَجَّ أسْفَلُهُ وضاقَ ذَرْعًا بِحَمْلِ الماءِ مُنْصاحِ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الحَبَّ ما كانَ في كِمامِ الزَّرْعِ الَّذِي يُحْصَدُ، والنَّباتُ: الكَلَأُ الَّذِي يُرْعى، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.
الثّانِي: أنَّ الحَبَّ اللُّؤْلُؤُ، والنَّباتُ: العُشْبُ، قالَ عِكْرِمَةُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ قَطْرَةً إلّا أنْبَتَتْ في الأرْضِ عُشْبَةً أوْ في البَحْرِ لُؤْلُؤَةً.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الحَبَّ ما بَذَرَهُ الآدَمِيُّونَ، والنَّباتَ ما لَمْ يَبْذُرُوهُ.
﴿ وَجَنّاتٍ ألْفافًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها الزَّرْعُ المُجْتَمِعُ بَعْضُهُ إلى جَنْبِ بَعْضٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ بِالثَّمَرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّها ذاتُ الألْوانِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها الَّتِي يَلُفُّ الزَّرْعُ أرْضَها والشَّجَرُ أعالِيَها، فَيَجْتَمِعُ فِيها الزَّرْعُ والشَّجَرُ مُلْتَفّاتٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴾ ، قال أبو عبيدة: ملتفة من الشجر، ليس بينها خلال (١) قال الأخفش (٢) (٣) وأنكر أبو العباس الكسر، وقال: لم يسمع شجرة (لَفٌّ)، ولكن واحدها: (لَفَّاء)، وجمعها (لُفٌّ)، وجمع (لُفّ) (أَلْفاف) (٤) قال المفسرون: يعني: بساتين ملتفة النبات والشجر (٥) قال أبو إسحاق: أعلم الله عَزَّ وَجَلَّ بما خلق أنه قادر على البعث فقال: (١) "مجاز القرآن" 2/ 282 بنصه.
(٢) "معاني القرآن" 2/ 727، قال: وواحدها: اللُّفُّ.
(٣) "التفسير الكبير" 31/ 10، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 172، "فتح القدير" 5/ 365.
(٤) "تهذيب اللغة" 15/ 333 (لف).
والصواب في واحد (الألفاف) أن الألفاف جمع لَفّ، أو لفيف، وذلك أن أهل التأويل مجمعون على أن معناه: ملتفة، واللفاء هي الغليظة، وليس الالتفاف من الغلظ في شيء إلا أن يوجه إلى أنه غلظ الالتفاف، فيكون ذلك حينذ وجهاً.
قاله الطبري: "جامع البيان" 30/ 7.
(٥) وإلى معنى هذا القول ذهب: ابن عباس، وقتادة، وسفيان الثوري، وابن زيد، قالوا: ملتفة بعضها ببعض.
انظر: "جامع البيان" 30/ 7.
وبه قال: الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 272، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 437، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 425، وابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 163، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن": 19/ 172.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ أصل عَمَّ عَنْ ما، ثم أدغمت النون في الميم وحذفت ألف ما لأنها استفهامية، وتقديرها: عن أي شيء يتساءلون، وليس المراد بها هنا مجرد الاستفهام، وإنما المراد تفخيم الأمر.
والضمير في يتساءلون لكفار قريش، أو لجميع الناس معناه يسأل بعضهم بعضاً ﴿ عَنِ النبإ العظيم ﴾ هون ما جاءت به الشريعة من التوحيد والبعث والجزاء وغير ذلك، ويتعلق عن النبأ بفعل محذوف يفسر الظاهر تقديره: يتساءلون عن النبأ، ووقعت هذه الجملة جواباً عن الاستفهام وبياناً للمسؤول عنه كأنه لما قال: عم يتساءلون أجاب فقال يتساءلون عن النبأ العظيم.
وقيل: يتعلق عن النبأ بيتساءلون الظاهر، والمعنى على هذا لأي شيء يتساءلون عن النبأ العظيم؟
والأول أفصح وأبرع وينبغي على ذلك أن يوقف على قوله: عم يتساءلون ﴿ الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ إن كان الضمير في يتساءلون لكفار قريش، فاختلافهم أن منهم من يقطع بالتكذيب، ومنهم من يشك أن يكون اختلافهم؛ قول بعضهم سحر، وقول بعضهم شعر وكهانة وغير ذلك، وإن كان الضمير لجميع الناس فاختلافهم أن منهم المؤمن والكفار.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ اختلف في التساؤل.
فمنهم من ذكر أن التساؤل كان عن أمر النبي ، سألوا عن حاله: أهو نبي أم ليس بنبي؟
ومنهم من ذكر أن التساؤل كان عن القرآن: أنه من الله أو ليس من الله ؟
أو يتساءلون فيما بينهم: هل تقدرون على إتيان مثله أم لا؟
وجائز أن يكون التساؤل عن أمر البعث، أو عن التوحيد، كما قال [الله] - - خبرا عنهم: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً ﴾ ؟.
ثم جائز أن يكون هذا السؤال من أهل الكفر، سأل بعضهم بعضا، فاختلفوا فيه، ولم يحصلوا من اختلافهم على إصابة الحق؛ ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ ، ولو كان فيهم مصدق، لكان قد وقع له العلم في ذلك الوقت؛ فلا يحتاج إلى أن يعلم ويبينه عليه.
فإن كان السؤال عن حال الرسول ، فوجه اختلافهم أن بعضهم زعم أنه شاعر، وقال بعضهم: هوساحر، وقال بعضهم: مفتر كذاب، وادعا بعضهم أنه مجنون.
وجائز أن يكون السؤال من الكفرة للمؤمنين.
وإن كان على هذا فما ذكره أهل التفسير فهم بين مصدق ومكذب، يراد بالمكذب الذين صدر عنهم السؤال، ويراد بالمصدق أهل الإسلام الذين سئلوا.
ثم لا يجوز لأحد تحصيل السؤال على جهة واحدة، والقطع عليه بالتوقف الموجب للعلم.
ثم في قوله - -: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً ﴾ جواب عما سبق من السائل؛ [فإن كان السائل] عن أمر الرسالة، فحقه أن يحمل على جهة غير الجهة التي يحمل عليها إذا صرف التساؤل إلى أمر البعث، أو إلى أمر التوحيد أو القرآن.
والأصل فيه أن الله - - بما ذكر من مهاد الأرض، وخلق الأزواج ذكر عباده عظيم نعمه وكثرة إحسانه إليهم؛ ليستأدي منهم الشكر؛ فإذا وقعت لهم الحاجة إلى الشكر، [فيضطرهم ذلك إلى من بين لهم، و] احتاجوا إلى من يعرفهم [الوعد والوعيد] ومحل الشكور، ومحل الكفور، ومحل الموالي، ومحل المعادي؛ إذ وجدوا هذه الدنيا تمن على الأولياء، وعلى الأعداء على حالة واحدة، فاحتاجوا إلى من يعرفهم الوعد والوعيد، وأوجب ما ذكرنا القول بالبعث؛ ليظهر به منزلة الشكور والكفور.
وفي ذكر هذه النعم - أيضا - دلالة الوحدانية؛ لأن الله - - مهد الأرض، فجعلها متمتعا للخق، ومنقلبا لهم، وأخرج منها ما يتعيشون به، وجعل سبب الإخراج ما ينزل من السماء من القطر، فجعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء، فلو لم يكن مدبرهما واحد لانقطع الاتصال، ثم لو أراد أحد أن يعرف المعنى الذي [له] يقع إحياء الأشياء بالماء، لم يصل إليه، ولو أرادوا أن يتداركوا الوجه الذي صلح هذا الطعام أن يكون سببا لدفع الحاجات وقطع الشهوات، لم يقفوا عليه؛ فيكون فيما ذكرنا إزالة الشبه والشكوك التي تعترض لهم في الأمور الخارجة عن تدبيرهم وقواهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ : منهم من ذكر أن هذا وعيد على وعيد، وقد ذكرنا أن حرف الوعيد ما يكرره العرب فيما بينهم للتأكيد، كما يقال: هيهات هيهات، وأولى لك فأولى.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ على علم دلالة، وقوله - -: ﴿ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ على علم المشاهدة والعيان.
ثم قوله - -: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً ﴾ ، أي: بساطا، ﴿ وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً ﴾ ذكر أن الأرض لما خلقت مادت بأهلها، فأرساها الله - - بالجبال؛ لطفا منه، لا أن جعلها سببا للإرساء؛ ألا ترى إلى قوله : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً ﴾ ، فقد جعلها في ذلك الوقت مستمسكة ثابتة مستقرة بدون الجبال؛ فثبت أنها ليست بسبب للإرساء في التحقيق، ويكون فيه تعريف الخلق وجوه الحيل في الأمور إذا تعذر عليهم الوصول إليها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ قيل: ألوانا؛ فيكون في هذا إبطال الحكم بقول القائف؛ لأنهم يستدلون بالتشابه في الألوان، ويحكمون بها، فلو كان الأمر على ما قدروا، لارتفع الاختلاف في الألوان؛ فيكون الخلق كلهم على لون واحد.
وقيل: ﴿ أَزْوَاجاً ﴾ : فرقا شتى؛ ليعرف كل منهم عنصره، ومنتهى أصله.
وقيل: ﴿ أَزْوَاجاً ﴾ ، أي: جعل لكل أحد شكلا من جنسه؛ فجعل للذكر أنثى زوجا من جنسه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ﴾ ، قيل: السبات: التمدد.
وقيل: السبات: النوم الذي لا حركة فيه؛ ولهذا قيل للذي شبه بالميت: مسبوت.
وقيل: السبات: الراحة؛ ولذلك سمى: السبت؛ لأنه يوم راحة وترك العمل في بني إسرائيل.
ثم في إنشاء النوم دليل سلطانه، ودخول الخلق بأجمعهم تحت تدبيره؛ إذ لم يتهيأ لأحد الاحتراز من النوم حتى لا يعتريه؛ بل يقهر الجبابرة فيذلهم، ولا يمكنهم الخلاص عنه بالحيل والأسباب، ثم النوم كأنه من أثقل الأحمال وأشدها، ثم إذا زايل الإنسان، وعاد المرء إلى حال اليقظة، وجد في نفسه خفة وراحة ومن شأن هذا الإنسان: أنه إذا حمل الحمل الثقيل، مسه من ذلك فتور وكلال لا يزول عنه ساعة ما يضع الحمل عن نفسه؛ بل يبقى ذلك الكلال فيه إلى مدة، فمن تدبر في أمر النوم، دله على عظيم شأ،ه وعجائب تدبيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً ﴾ ، فهذا اللباس لباس الأعين لا غير؛ ألا ترى أنه لا يستغنى بلباس الليل عما أخذ عليه من اللباس للصلاة، ولا يعمل الليل عم اللباس المعروف في دفع أذى البرد والحر.
وقال بعضهم: اللباس: السكن؛ كما قال في آية آخرى: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً ﴾ وكأن الذي حملهم على هذا التأويل هو أن تمام السكن والراحة يقع بالنوم؛ فصرفوه إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً ﴾ ، أي: يتعيش فيه، لا أن يكون نفسه معاشا، كما سماه: مبصرا؛ لما يبصر به، لا أنه في نفسه مبصرا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً ﴾ ، أي: السماوات، فذكرهم؛ هذا لينبههم على قدرته وسلطانه؛ فعرفوا أنه فعال لما يريد، قادر على ما يشاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً ﴾ ، فكأن السراج هو الشمس هاهنا، جعلها تتوهج وتتلألأ ما بين السماء والأرض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً ﴾ : منهم من ذكر أن المعصرات هي السحاب التي أنشئ فيها القطر؛ يقال للجارية التي قد دنت حيضتها: معصرة، فشبه السحاب بمعاصر الجواري.
وقيل: سمى السحاب: معصرا؛ لأنه يعصر المطر.
وقيل: هي ذوات الأعاصير؛ يعني: الرياح، كقوله: ﴿ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ ﴾ ، أي: ريح.
وعن الحسن: هي السماوات.
وقال الزجاج: المعصر: هو الذي قد أتى وقت إرسال القطر منه؛ كما يقال: مجرز لما أتى وقت جرازه.
ثم في إنزال الماء من المعصرات تذكير النعم والقدرة والحكمة، وكل وجه من هذه الأوجه الثلاثة يوجب القول بالبعث: فأما وجه تذكير النعم، فهو أن القطر ينزل من السماء متتابعا، ثم الله - - بلطفه يمنع اتصال بعض ببعض والتصاقه، ويرسل كل قطرة إلى الأرض بحيالها، وينزل بعضها على بعض؛ لينتفع بها، ولو التصق بعضها ببعض واصتل، لم يقم لها شيء؛ فكانت تصير سببا للتعذيب والإهلاك، فبفضله ورحمته أنزلها متتابعة؛ لينتفع بها الخلق، ويتمتعوا بها.
وفيه تذكير القوة والحكمة - أيضا - لأنه أنشأ السحاب الثقال، وساقه إلى الموضع الذي قدر أن يرسل القطر هنالك، ومعلوم أن ذلك الإرسال ليس من فعل السحاب؛ لأن السحاب يمتنع عن إرسال القطر حتى ينتهي إلى الموضع الذي أمر بإرسال القطر فيه، ولو كان ذلك للسحاب نفسه، لكان أينما مر يعمل في الإرسال، ولو كان ذا ثقب لكانت الريح متى دختل في الثقب أرسل السحاب ما أنشئ يه من القطر، فإذا لم يوجد ذلك بان أن الله - - بحكمته وقدرته ولطفه هو الذي أنشأ فيه ذلك، ودبر إرساله، لا أن يكون ذلك عمل السحاب، ولو أراد أحد من حكماء الأرض أن يعرف المعنى الذي له صلح ذلك السحاب أن يستمسك فيه القطر، ولا يستمسك في مكان آخر، لم يقف عليه، فذكرهم، ليعلموا أن حكمته ليست على الوجه الذي ينتهي إليه حكم البشر، ولا قدرته مقدرة بقوى البشر؛ بل هو قادر على ما يشاء، فعال لما يريد.
وفيه أن تدبير السماء والأرض والهواء يرجع إلى الواحد القهار؛ إذ لا يتهيأ لأحد أن يمنع القطر المرسل من السماء عن الوصول إلى الموضع الذي أمر أن ينتهي إليه.
والثجاج: القطر المتتابع بعضه على إثر بعض، والثج: الصب؟
والإراقة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً ﴾ : جائز أن يكون ذكر الحب؛ لأن المقصود من زراعة ما يكون له الحب - الحب؛ فذكره؛ لما إليه ينتهى القصد، ويكون ذكر النبات منصرفا إلى ما لا حب له؛ لأن القصد من زراعته النبات لا غير.
وجائز أن يكون منصرفا إلى شيء واحد؛ لأن الذي فيه الحب فيه النبات أيضا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً ﴾ قد ذكرنا أن الجنة هي اسم المكان الملتف بالأشجار، وهي التي اجتمعت فيها الأشجار.
<div class="verse-tafsir"
ونخرج به بساتين مُلْتَفَّة من كثرة تداخل أغصان أشجارها.
<div class="verse-tafsir" id="91.Ml4WZ"