تفسير الآية ٢٥ من سورة النبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 78 النبأ > الآية ٢٥ من سورة النبأ

إِلَّا حَمِيمًۭا وَغَسَّاقًۭا ٢٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 53 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٥ من سورة النبأ من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة النبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

به .

ولهذا قال : ( إلا حميما وغساقا ) قال أبو العالية : استثنى من البرد الحميم ومن الشراب الغساق .

وكذا قال الربيع بن أنس .

فأما الحميم : فهو الحار الذي قد انتهى حره وحموه .

والغساق : هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم ، فهو بارد لا يستطاع من برده ، ولا يواجه من نتنه .

وقد قدمنا الكلام على الغساق في سورة " ص " بما أغنى عن إعادته ، أجارنا الله من ذلك ، بمنه وكرمه .

قال ابن جرير : وقيل : المراد بقوله : ( لا يذوقون فيها بردا ) يعني : النوم ، كما قال الكندي : بردت مراشفها علي فصدني عنها وعن قبلاتها ، البرد يعني بالبرد : النعاس والنوم هكذا ذكره ولم يعزه إلى أحد .

وقد رواه ابن أبي حاتم ، من طريق السدي ، عن مرة الطيب .

ونقله عن مجاهد أيضا .

وحكاه البغوي عن أبي عبيدة ، والكسائي أيضا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ) يقول تعالى ذكره: لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميمًا قد أغلي حتى انتهى حرّه، فهو كالمُهْل يَشْوِي الوجوه، ولا بردًا إلا غَسَّاقًا.

اختلف أهل التأويل في معنى الغَسَّاق، فقال بعضهم: هو ما سال من صديد أهل جهنم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُريب، ومحمد بن المثنى، قالا ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية بن سعد، في قوله: ( حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ) قال: هو الذي يَسيل من جلودهم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: ثنا أبو عمرو، قال: زَعم عكرِمة أنه حدثهم في قوله: ( وَغَسَّاقًا ) قال: ما يخرج من أبصارهم من القيح والدم.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن منصور عن إبراهيم وأبي رَزِين ( إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ) قالا غُسالة أهل النار: لفظ ابن بشار؛ وأما ابن المثنى فقال في حديثه: ما يسيل من صديدهم.

وحدثنا ابن بشار مرّة أخرى عن عبد الرحمن، فقال كما قال ابن المثنى.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين ( وَغَسَّاقًا ) قال: ما يَسِيل من صديدهم.

حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور وأبي رزين، عن إبراهيم مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( غَسَّاقًا ) كنا نحدَّث أن الغَسَّاق: ما يسيل من بين جلده ولحمه.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا الضحاك بن مخلد، عن سفيان، أنه قال: بلغني أنه ما يسيل من دموعهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ( وَغَسَّاقًا ) قال: ما يسيل من صديدهم من البرد، قاله سفيان، وقال غيره: الدموع.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ) قال: الحميم: دموع أعينهم في النار، يجتمع في خنادق النار فَيُسْقَونه والغساق: الصديد الذي يخرج من جلودهم، ما تصهرهم النار في حياض يجتمع فيها فيسقونه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم ( إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ) قال: الغساق: ما يقطر من جلودهم، وما يسيل من نتنهم.

وقال آخرون: الغساق: الزمهرير.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ) يقول: الزمهرير.

حدثنا أبو كُريب وأبو السائب وابن المثنى، قالوا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا، عن مجاهد، في قوله: ( إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ) قال: الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده.

قال: ثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد ( إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ) قال: الذي لا يستطيعونه من برده.

حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، الغساق: الذي لا يستطاع من برده.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر عن الربيع، قال: الغساق، الزمهرير.

حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن أبي جعفر، عن الربيع عن أبي العالية، قال: الغساق: الزمهرير.

وقال آخرون: هو المنتن، وهو بالطَّخارية.

* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن المسيب بن شريك، عن صالح بن حيان، عن عبد الله بن بُرَيدة، قال: الغساق: بالطَّخارية: هو المُنْتِن.

والغساق عندي: هو الفعال، من قولهم: غَسَقَت عين فلان: إذا سالت دموعها، وغَسَق الجرح: إذا سال صديده، ومنه قول الله وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ يعني بالغاسق: الليل إذا لَبِسَ الأشياء وغطاها، وإنما أريد بذلك هجومه على الأشياء، هجوم السيل السائل.

فإذا كان الغسَّاق هو ما وصفت من الشيء السائل، فالواجب أن يقال: الذي وعد الله هؤلاء القوم، وأخبر أنهم يذوقونه في الآخرة من الشراب هو السائل من الزمهرير في جهنم، الجامع مع شدّة برده النتن.

كما حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يعمر بن بشر، قال: ثنا ابن المبارك، قال: ثنا رشدين بن سعد، قال: ثنا عمرو بن الحارث، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: " لَوْ أنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ إلى الدُّنْيا لأنْتَن أهْلَ الدُّنْيا " .

حُدثت عن محمد بن حرب، قال: ثنا ابن لَهِيعة، عن أبي قبيل، عن أبي مالك، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: " أتدرون أيّ شيء الغسَّاق؟

" قالوا: الله أعلم، قال: " هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتن أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق، لأنتن أهل المغرب ".

فإن قال قائل: فإنك قد قلت: إن الغَساق: هو الزمهرير، والزمهرير، هو غاية البرد، فكيف يكون الزمهرير سائلا؟

قيل: إن البرد الذي لا يُستطاع ولا يُطاق يكون في صفة السائل من أجساد القوم من القيح والصديد.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إلا حميما وغساقا استثناء منقطع في قول من جعل البرد النوم ، ومن جعله من البرودة كان بدلا منه .

والحميم : الماء الحار ; قاله أبو عبيدة .

وقال ابن زيد : الحميم : دموع أعينهم ، تجمع في حياض ثم يسقونه .

قال النحاس : أصل الحميم الماء الحار ، ومنه اشتق الحمام ، ومنه الحمى ، ومنه وظل من يحموم : إنما يراد به النهاية في الحر .

والغساق : صديد أهل النار وقيحهم .

وقيل الزمهرير .

وقرأ حمزة والكسائي بتشديد السين ، وقد مضى في ( ص ) القول فيه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِلَّا حَمِيمًا } أي: ماء حارا، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، { وَغَسَّاقًا } وهو: صديد أهل النار، الذي هو في غاية النتن، وكراهة المذاق،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"إلا حميماً وغساقاً"، قال ابن عباس: الغساق: الزمهرير يحرقهم ببرده.

وقيل: صديد أهل النار، وقد ذكرناه في سورة ص.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إلا» لكن «حميما» ماءً حارا غاية الحرارة «وغسَّاقا» بالتخفيف والتشديد ما يسيل من صديد أهل النار فإنهم يذوقونه جوزوا بذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن جهنم كانت يومئذ ترصد أهل الكفر الذين أُعِدَّت لهم، للكافرين مرجعًا، ماكثين فيها دهورًا متعاقبة لا تنقطع، لا يَطْعَمون فيها ما يُبْرد حرَّ السعير عنهم، ولا شرابًا يرويهم، إلا ماءً حارًا، وصديد أهل النار، يجازَون بذلك جزاء عادلا موافقًا لأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً ) والحميم .

هو الماء الذى بلغ الغاية فى الحرارة .

والغساق : هو ما يسيل من جلودهم من القيح والدماء والصديد .

يقا : غسق الجرح - كضرب وسمع - غسقانا ، إذا سالت منه مياه صفراء .

أى : أن هؤلاء الطغاة لا يذوقون فى جهنم شيئا نم الهواء البارد ، ولا من الشراب النافع ، لكنهم يذوقون فيها الماء الذى بلغ النهاية فى الحرارة والصديد الذى يسيل من جروحهم وجلودهم .فالاستثناء فى قوله ( إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً ) ، استثناء منقطع ، لأن الحميم ليس من جنس البرد فى شئ ، وكذلك الغساق ليس من جنس الشراب فى شئ .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أي سبع سموات شداداً جمع شديدة يعني محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الزمان، لا فطور فيها ولا فروج، ونظيره ﴿ وَجَعَلْنَا السماء سَقْفاً مَّحْفُوظاً  ﴾ فإن قيل لفظ البناء يستعمل في أسافل البيت والسقف في أعلاه فكيف قال: ﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً ﴾ ؟

قلنا البناء يكون أبعد من الآفة والانحلال من السقف، فذكر قوله: ﴿ وَبَنَيْنَا ﴾ إشارة إلى أنه وإن كان سقفاً لكنه في البعد عن الانحلال كالبناء، فالغرض من اختيار هذا اللفظ هذه الدقيقة.

وثامنها قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كَانَ ميقاتا ﴾ كان في تقدير الله وحكمه حدّا توقت به الدنيا وتنتهي عنده؛ أو حدا للخلائق ينتهون إليه ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ ﴾ بدل من يوم الفصل، أو عطف بيان ﴿ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً ﴾ من القبور إلى الموقف أمماً كل أمة مع إمامهم.

وقيل: جماعات مختلفة.

وعن معاذ رضي الله عنه أنه سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا معاذ، سألت عن أمر عظيم من الأمور، ثم أرسل عينيه وقال: تحشر عشرة أصناف من أمّتي: بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون: أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمياً، وبعضهم صماً بكماً، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم: يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشدّ نتناً من الجيف، وبعضهم ملبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم؛ فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس.

وأما الذين على صورة الخنازير: فأهل السحت.

وأما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا، وأما العمي فالذين يجورون في الحكم، وأما الصمّ البكم فالمعجبون بأعمالهم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين هم أشدّ نتناً من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء» وقرئ ﴿ وفتحت ﴾ بالتشديد والتخفيف.

والمعنى: كثرة أبوابها المفتحة لنزول الملائكة، كأنها ليست إلا أبواباً مفتحة، كقوله: ﴿ وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً ﴾ [القمر: 12] ، كأن كلها عيون تتفجر.

وقيل: الأبواب الطرق والمسالك، أي: تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقاً لا يسدّها شيء ﴿ فَكَانَتْ سَرَاباً ﴾ ، كقوله: ﴿ فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً ﴾ [الواقعة: 6] .

يعني أنها تصير شيئاً كلا شيء، لتفرّق أجزائها وانبثاث جواهرها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

.

﴿ إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا ﴾ مَوْضِعَ رَصْدٍ يَرْصُدُ فِيهِ خَزَنَةُ النّارِ الكُفّارَ، أوْ خَزَنَةُ الجَنَّةِ المُؤْمِنِينَ لِيَحْرُسُوهم مِن فَيْحِها في مَجازِهِمْ عَلَيْها، كالمِضْمارِ فَإنَّهُ المَوْضِعُ الَّذِي تُضْمِرُ فِيهِ الخَيْلُ، أوْ مُجِدَّةٌ في تَرَصُّدِ الكَفَرَةِ لِئَلّا يَشِذَّ مِنها واحِدٌ كالمِطْعانِ، وقُرِئَ أنَّ بِالفَتْحِ عَلى التَّعْلِيلِ لِقِيامِ السّاعَةِ.

﴿ لِلطّاغِينَ مَآبًا ﴾ مَرْجِعًا ومَأْوى.

﴿ لابِثِينَ فِيها ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ ورَوْحٌ «لَبِثِينَ» وهو أبْلَغُ.

﴿ أحْقابًا ﴾ دُهُورًا مُتَتابِعَةً، ولَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى خُرُوجِهِمْ مِنها إذْ لَوْ صَحَّ أنَّ الحُقْبَ ثَمانُونَ سَنَةً أوْ سَبْعُونَ ألْفَ سَنَةٍ، فَلَيْسَ فِيهِ ما يَقْتَضِي تَناهِيَ تِلْكَ الأحْقابِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ أحْقابًا مُتَرادِفَةً كُلَّما مَضى حُقْبٌ تَبِعَهُ آخَرُ، وإنْ كانَ فَمِن قَبِيلِ المَفْهُومِ فَلا يُعارِضُ المَنطُوقَ الدّالَّ عَلى خُلُودِ الكُفّارِ، ولَوْ جُعِلَ قَوْلُهُ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً} استثناء منقطع أي لاَ يَذُوقُونَ في جهنم أو في الأحقاب بَرْداً روْحاً ينفس عنهم حر النار أو نوماً ومنه منع البرد البرد وَلاَ شَرَاباً يسكن عطشهم ولكن يذوقون فيها حميماً ماء حاراً حرق ما يأتي عليه وغساقا ماء يسله من صديدهم وبالتشديد كوفي غير أبي بكر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا ﴾ ﴿ إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا ﴾ حالًا مِنَ المُسْتَكِنَّ في ﴿ لابِثِينَ ﴾ فَيَكُونُ قَيْدًا لِلُّبْثِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَلْبَثُوا فِيها أحْقابًا غَيْرَ ذائِقِينَ إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا، ثُمَّ يَكُونُ لَهم بَعْدَ الأحْقابِ لُبْثٌ عَلى حالٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ، وكَذا إنْ جُعِلَ ﴿ أحْقابًا ﴾ مَنصُوبًا بِ: ﴿ لا يَذُوقُونَ ﴾ قَيْدًا لَهُ إلّا أنَّ فِيهِ بُعْدًا، ومِثْلُهُ لَوْ جُعِلَ: ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها ﴾ إلَخْ صِفَةً لِ ﴿ أحْقابًا ﴾ وضَمِيرُ ( فِيها ) لَها لا لِجَهَنَّمَ لَكِنَّهُ أبْعَدُ مِن سابِقِهِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالطّاغِينَ ما يُقابِلُ المُتَّقِينَ فَيَشْمَلُ العُصاةَ والتَّناهِيَ بِالنَّظَرِ إلى المَجْمُوعِ وهو كَما تَرى.

وقَوْلُ مُقاتِلٍ: إنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا ﴾ فاسِدٌ كَما لا يَخْفى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ أحْقابًا ﴾ جَمْعَ حَقِبٍ كَحَذِرٍ مِن حَقِبَ الرَّجُلُ إذا أخْطَأهُ الرِّزْقُ، وحَقِبَ العامُ إذا قَلَّ مَطَرُهُ وخَيْرُهُ، والمُرادُ: مَحْرُومِينَ مِنَ النَّعِيمِ وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ مُعاقَبِينَ فَيَكُونُ حالًا مِن ضَمِيرِ: ﴿ لابِثِينَ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَذُوقُونَ ﴾ صِفَةٌ كاشِفَةٌ أوْ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وهو عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ خَبَرٌ عَنْهُمْ، والمُرادُ بِالبَرْدِ ما يُرَوِّحُهم ويُنَفِّسُ عَنْهم حَرَّ النّارِ فَلا يُنافِي أنَّهم قَدْ يُعَذَّبُونَ بِالزَّمْهَرِيرِ، والشَّرابُ مَعْرُوفٌ، والحَمِيمُ الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ، والغَسّاقُ ما يَقْطُرُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ مِنَ الصَّدِيدِ؛ أيْ: لا يَذُوقُونَ فِيهِ شَيْئًا ما مِن رُوحٍ يُنَفَّسُ عَنْهم حَرُّ النّارِ، ولا مِن شَرابٍ يُسَكِّنُ عَطَشَهم لَكِنْ يَذُوقُونَ ماءً حارًّا وصَدِيدًا.

وفِي الحَدِيثِ: ««إنَّ الرَّجُلَ مِنهم إذا أدْنى ذَلِكَ مِن فِيهِ سَقَطَ فَرْوَةُ وجْهِهِ حَتّى يَبْقى عِظامًا تَقَعْقَعُ»».

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ البَرْدَ الشَّرابُ البارِدُ المُسْتَلَذُّ.

ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: يُسْقَوْنَ مِن ورْدِ البَرِيصِ عَلَيْهِمُ بَرْدًا يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ وقَوْلُ الآخَرِ: أمانِيَّ مِن سُعْدى حِسانٌ كَأنَّما ∗∗∗ سَقَتْكَ بِها سُعْدى عَلى ظَمًا بَرْدا فَيَكُونُ ﴿ ولا شَرابًا ﴾ مِن نَفْيِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ والفَضْلُ بْنُ خالِدٍ ومُعاذٌ النَّحْوِيُّ: البَرْدُ: النَّوْمُ، والعَرَبُ تُسَمِّيهِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُبَرِّدُ سَوْرَةَ العَطَشِ، ومِن كَلامِهِمْ: مَنَعَ البَرْدُ، وقالَ الشّاعِرُ: فَلَوْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكم ∗∗∗ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدا أيْ: وهو مَجازٌ في ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضٍ، ونَقَلَ في البَحْرِ عَنْ كِتابِ اللُّغاتِ في القُرْآنِ أنَّ البَرْدَ هو النَّوْمُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي العالِيَةِ: الغَسّاقُ الزَّمْهَرِيرُ، وهو عَلى ما قِيلَ مُسْتَثْنًى مِن ﴿ بَرْدًا ﴾ إلّا أنَّهُ أُخِّرَ لِتَوافُقِ رُؤُوسِ الآيِ فَلا تَغْفُلْ.

وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ: «غَساقًا» بِالتَّخْفِيفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم ذكر صنعه، ليستدلوا بصنعه على توحيده.

فقال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً يعني: فراشاً ومقاماً.

ويقال: موضع القرار، ويقال: معناه ذللنا لهم الأرض، ليسكنوها ويسيروا فيها.

وَالْجِبالَ أَوْتاداً يعني: أوتدها وأثبتها.

ثم قال: وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً يعني: أصنافاً وأضداداً، ذكراً وأنثى.

ويقال: ألواناً بيضاً، وسوداً، وحمراً وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً يعني: راحة لأبدانكم وأصله التمدد، فلذلك سمي السبت، لأنه قيل لبني إسرائيل: استريحوا فيه.

ويقال: سباتاً يعني: سكوناً وانقطاعاً عن الحركات.

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً يعني: سكوناً يسكنون فيه.

ويقال: ستراً يستر كل شيء وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً يعني: مطلباً للمعيشة وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً يعني: سبع سموات غلاظاً، كل سماء مسيرة خمسمائة عام وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً يعني: وقاداً مضيئة وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ يعني: من السحاب، سمي معصرات لأنها تعصر الماء.

ويقال: المعصرات هي الرياح.

يعني: ذوات الأعاصير.

كقوله: إعصاراً فيه نار.

ثم قال عز وجل: مَاء ثَجَّاجاً يعني: سيالاً ويقال: منصباً كبيراً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً يعني: بالماء حبوباً كثيرة للناس، ونباتاً للدواب من العشب والكلأ وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً يعني: شجرها ملتفاً بعضها في بعض، فأعلم الله تعالى قدرته، أنه قادر على البعث.

فقال: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً يعني: يوم القيامة ميقاتاً، وميعاداً للأولين والآخرين يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً يعني: جماعة جماعة.

وروي في بعض الأخبار عن رسول الله  ، أنه قال: يبعث الله تعالى الناس صوراً مختلفة، بعضهم على صورة الخنزير، وبعضهم على صورة القردة، وبعضهم وجوههم كالقمر ليلة البدر.

ثم قال عز وجل: وَفُتِحَتِ السَّماءُ يعني: أبواب السماء فَكانَتْ أَبْواباً يعني: صارت طرقاً.

قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم وَفُتِحَتِ بالتخفيف، والباقون بالتشديد، وهو لتكثير الفعل، والتخفيف بفتح مرة واحدة.

ثم قال عز وجل: وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ يعني: قلعت من أماكنها فَكانَتْ سَراباً يعني: فصارت كالسراب، تسير في الهواء كالسراب في الدنيا إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً أي: رصداً لكل كافر ويقال: سجنا ومحبسا لِلطَّاغِينَ مَآباً أي: للكافرين مرجعاً، يرجعون إليها.

لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً يعني: ماكثين فيها أبداً دائماً.

والأحقاب وأحدها حقب، والحقب ثمانون سنة، واثنا عشر شهراً، وكل شهر ثلاثون يوماً، وكل يوم منها مقدار ألف سنة مما تعدون بأهل الدنيا، فهذا حقب واحد، والأحقاب هو التأييد كلما مضى حقب، دخل حقب آخر.

وإنما ذكر أحقاباً، لأن ذلك كان أبعد شيء عندهم.

فذكر وتكلم بما تذهب إليه أوهامهم ويعرفونه، وهو كناية عن التأبيد، أي: يمكثون فيها أبداً.

قرأ حمزة لبثين بغير ألف.

والباقون لابثين بالألف، ومعناهما واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

شُكْرُها، والمِهادَ: الفراشُ المُمَهَّدُ، وشَبَّه الجبالَ بالأوتادِ لأنها تمنع الأرض أن تميد بهم.

وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢)

وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً أي: أنواعاً، والسُّبَاتُ: السُّكُونُ، وسَبَتَ الرجلُ: معناه استراحَ، ورُوِّينَا في «سنن أبي داودَ» عن معاذِ بن جبلٍ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَبِيتُ عَلَى ذِكْرِ [اللَّهِ] طَاهِراً فَيَتَعَارُّ مِنَ الليلِ، فَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى خَيْراً مِنْ أمُورِ الدنيا والآخِرَةِ إلاَّ أعطَاهُ اللَّه إياه» ورَوَى أبو داودَ عن بعضِ آلِ أم سلمةَ قال: كان فراشُ النبي صلّى الله عليه وسلّم نحواً مِمَّا يوضَعُ الإنْسَانُ في قبره، وكانَ المسجد عند رأسه، انتهى، ولِباساً مصدرٌ، وكأنَّ الليلَ كذلكَ مِنْ حيثُ يَغْشَى الأشخاص، فهي تلبسه وتتدرعه، والنَّهارَ مَعاشاً على حذفِ مضافٍ، أو على النَّسَبِ، والسبعُ الشدادُ: السمواتُ، والسراجُ: الشمسُ، والوهَّاج:

الحارُّ المضْطَرِمُ الاتِّقادِ المُتَعَالِي اللهبِ، قالَ ابن عباس وغيره: الْمُعْصِراتِ السحائب القاطِرة «١» ، وهو مَأْخوذٌ مِن العَصْرِ لأن السَحابَ يَنْعَصِرُ فيخرج/ منه الماءُ، وهذا قول الجمهور، والثَّجَاج: السريعُ الاندفاعِ، كما يَنْدَفِع الدمُ مِنْ عروقِ الذبيحةِ، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم وَقَدْ قِيلَ له ما أفْضَلُ الحَجِّ؟

فقال: «العَجُّ والثَجُّ» «٢» أرادَ التَّضَرّعُ إلى اللَّهِ تعالى بالدعاء

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا ﴾ ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ فَتَأْتُونَ أفْواجًا ﴾ ﴿ وَفُتِحَتِ السَماءُ فَكانَتْ أبْوابًا ﴾ ﴿ وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا ﴾ ﴿ إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا ﴾ ﴿ لِلطّاغِينَ مَآبًا ﴾ ﴿ لابِثِينَ فِيها أحْقابًا ﴾ "يَوْمَ الفَصْلِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى يَفْصِلُ فِيهِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وبَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، و"المِيقاتُ" مَفْعالٌ مِنَ الوَقْتِ، كَمِيعادٍ مِنَ الوَعْدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَوْمَ يُنْفَخُ" بَدَلٌ مِن "يَوْمَ" الأوَّلِ، و"الصُورُ": القَرْنُ الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ لِبَعْثِ الناسِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ هَذا المَوْضِعُ أنْ يَكُونَ "الصُوَرَ" فِيهِ جَمْعُ "صُورَةٍ" أيْ: يَوْمَ يَرُدُّ اللهُ تَعالى الأرْواحَ إلى الأبْدانِ، هَذا قَوْلُ بَعْضِهِمْ في "الصُوَرِ" وجَوَّزَهُ أبُو حاتِمٍ، والأوَّلُ أشْهَرُ، وبِهِ تَظاهَرَتِ الآثارُ، وهو ظاهِرُ كِتابِ اللهِ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى  ﴾ ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: في "الصُوَرِ" بِفَتْحِ الواوِ.

و"الأفْواجُ": الجَماعاتُ يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا، واحِدُها فَوْجٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ: "وَفُتِّحَتْ"، بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَفُتِحَتْ" دُونَ شَدٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكانَتْ أبْوابًا ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: تَتَفَطَّرُ وتَتَشَقَّقُ حَتّى يَكُونَ فِيها فُتُوحٌ كالأبْوابِ في الجِداراتِ، وقالَ آخَرُونَ -فِيما حَكى مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ -: الأبْوابُ هُنا فَلْقُ الخَشَبِ الَّتِي تُجْعَلُ أبْوابًا لِفَتُوحِ الجُدْارانِ، أيْ تَتَقَطَّعُ السَماءُ قِطَعًا صِغارًا حَتّى تَكُونَ كَألْواحِ الأبْوابِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: تَتَفَتَّحُ في السَماءِ أبْوابٌ لِلْمَلائِكَةِ مِن حَيْثُ يَنْزِلُونَ ويَصْعَدُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكانَتْ سَرابًا ﴾ عِبارَةٌ عن تَلاشِيها وفَنائِها بَعْدَ كَوْنِها هَباءً مُنْبَثًّا، ولَمْ يُرِدْ تَعالى: أنَّ الجِبالَ تَعُودُ تُشْبِهُ الماءَ عَلى بُعْدٍ مِنَ الناظِرِ إلَيْها.

و"مِرْصادًا" مَوْضِعُ الرَصْدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ  ﴾ ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ حَتّى يَجُوزَ عَلى جَهَنَّمَ، فَمَن كانَتْ لَهُ أسْبابُ نَجاةٍ نَجا وإلّا هَلَكَ، وقالَ قَتادَةُ: تَعْلَمُوا أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى الجَنَّةِ حَتّى تُقْطَعَ النارُ، وفي الحَدِيثِ الصَحِيحِ: « "إنَّ الصِراطَ جِسْرٌ يُنْصَبُ عَلى مَتْنِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يَجُوزُ عَلَيْهِ الناسُ، فَناجٍ ومَكْدُوسٍ"»، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "مِرْصادًا" مِفْعالٌ بِمَعْنى راصِدٍ، وقَرَأ أبُو مَعْمَرَ المُنْقِرِيُّ: "أنَّ جَهَنَّمَ" بِفَتْحِ الألِفِ، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِها، و"الطاغُونَ": الكافِرُونَ، و"المَآبُ: المَرْجِعُ، و"الأحْقابُ": جَمْعُ حُقَبٍ بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِ القافِ، وحِقَبٍ بِكَسْرِ الحاءِ، وحَقُبٍ: وضَمِّ القافِ، وهو جَمْعُ حُقْبَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ مُتَمِّمٍ: وكُنّا كَنَدْمانِيَّ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنَ الدَهْرِ حَتّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعا وهِيَ المُدَّةُ الطَوِيلَةُ مِنَ الدَهْرِ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ ويُقالُ لِلسَّنَةِ أيْضًا: حُقْبَةٌ، وقالَ بِشْرُ بْنُ كَعْبٍ: حَدُّها عَلى ما ورَدَ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ، وقالَ هِلالُ الهِجْرِيُّ: ثَمانُونَ سَنَةً، قالا: في كُلِّ سَنَةٍ، ثَلاثَمِائَةٍ وسِتُّونَ يَوْمًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: ثَمانُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وقالَ الحَسَنُ: سَبْعُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وقالَ أبُو أُمامَةَ عَنِ النَبِيِّ  : «إنَّهُ ثَلاثُونَ ألْفَ سَنَةٍ،» وكَثُرَ الناسُ في هَذا، واللازِمُ أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم يَلْبَثُونَ أحْقابًا، كُلَّما مَرَّ حِقْبٌ جاءَ غَيْرُهُ، إلى غَيْرِ نِهايَةٍ، قالَ الحَسَنُ: لَيْسَ لَها عِدَّةٌ إلّا الخُلُودُ في النارِ، ومِنَ الناسِ مِن ظَنَّ لِذِكْرِ الأحْقابِ أنَّ مُدَّةَ العَذابِ تَنْحَصِرُ وتَتِمُّ، فَطَلَبُوا التَأْوِيلَ لِذَلِكَ، فَقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: الحِقْبُ سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفَ سَنَةٍ، وهي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا  ﴾ ، وقَدْ ذَكَرْنا فَسادَ هَذا القَوْلَ.

وقالَ آخَرُونَ: المَوْصُوفُونَ بِاللُبْثِ أحْقابًا هم عُصاةُ المُؤْمِنِينَ.

وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، ما بَعْدَهُ في السُورَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّما المَعْنى: لابِثِينَ فِيها أحْقابًا غَيْرَ ذائِقِينَ بَرْدًا ولا شَرابًا، فَبِهَذِهِ الحالِ يَلْبَثُونَ أحْقابًا، ثُمَّ يَبْقى العَذابُ سَرْمَدًا وهم يَشْرَبُونَ أشْرِبَةَ جَهَنَّمَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "لابِثِينَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وعَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ "لَبِثِينَ" جَمْعُ "لَبِثٍ"، وهي قِراءَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، لِأنَّ فِعْلًا إنَّما يَكُونُ لِما صارَ خَلْقًا كَحَذِرٍ وفَرِقٍ، وقَدْ جاءَ شاذًّا فِيما لَيْسَ بِخَلْقٍ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في ذَلِكَ بَيْتَ لَبِيدٍ: أو مِسْحَلٍ عَمِلٍ عِضادَةَ سَمْحَجٍ ∗∗∗ بِسَراتِها نَدَبٌ لَهُ وكُلُومُ قالَ المُعْتَرِضُ في القِراءَةِ: لا حُجَّةَ في هَذا البَيْتِ لِأنَّ "عَمَلًا" قَدْ صارَ كالخَلْقِ الَّذِي واظَبَ عَلى العَمَلِ بِهِ حَتّى أنَّهُ لِيُسَمّى بِهِ في وقْتٍ لا يَعْمَلُ فِيهِ، كَما تَقُولُ "كاتِبٌ" لِمَن كانَتْ لَهُ صِناعَةٌ وإنْ لَمْ يَكْتُبْ أكْثَرَ أحْيانِهِ، قالَ المُحْتَجُّ لَها: شِبْهُ "لَبَثَ" لدَوامِهِ بِالخُلُقِ لَمّا صارَ اللُبْثُ مِن شَأْنِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن تكون جملة ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ في موضع خبر ثان ل ﴿ إنّ ﴾ من قوله: ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتاً ﴾ [النبأ: 17] والتقدير: إن يوم الفصل إنَّ جهنم كانت مرصاداً فيه للطاغين، والعائد محذوف دل عليه قوله: ﴿ مرصاداً ﴾ أي مرصاداً فيه، أي في ذلك اليوم لأن معنى المرصاد مقترب من معنى الميقات إذ كلاهما محدد لجزاء الطاغين.

ودخول حرف (إنَّ) في خبر (إن) يفيد تأكيداً على التأكيد الذي أفاده حرف التأكيد الداخل على قوله: ﴿ يوم الفصل ﴾ على حد قول جرير: إنّ الخليفة إنَّ الله سربَله *** سِربال مُلْك به تُزجَى الخَواتِيم ومنه قوله تعالى: ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن اللَّه يفصل بينهم يوم القيامة ﴾ كما تقدم في سورة الحج (17)، وتكون الجملة من تمام ما خوطبوا به بقوله: ﴿ يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً ﴾ [النبأ: 18].

والتعبير ب«الطّاغين» إظهار في مقام الإِضمار للتسجيل عليهم بوصف الطغيان لأن مقتضى الظاهر أن يقول: «لكم مئاباً».

ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً عن جملة ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتاً ﴾ [النبأ: 17] وما لحق بها لأن ذلك مما يثير في نفوس السامعين تطلّب ماذا سيكون بعد تلك الأهوال فأجيب بمضمون ﴿ إن جهنم كانت مرصاداً ﴾ الآية.

وعليه فليس في قوله: ﴿ للطاغين ﴾ تخريج على خلاف مقتضى الظاهر.

وابتدئ بذكر جهنم لأن المقام مقام تهديد إذ ابتدئت السورة بذكر تكذيب المشركين بالبعث ولما سنذكره من ترتيب نظم هذه الجمل.

وجهنم: اسم لدار العذاب في الآخرة.

قيل: وهو اسم مُعرَّب فلعله معرب عن العبرانية أو عن لغة أخرى سامية، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فحسبه جهنم ولبئس المهاد ﴾ في سورة البقرة (206).

والمرصاد: مكان الرصد، أي الرقابة، وهو بوزن مِفعال الذي غلب في اسم آلة الفعل مثل مِضمار للموضع الذي تضُمَّر فيه الخيل، ومنهاج للموضع الذي ينهج منه.

والمعنى: أن جهنم موضع يرصد منه الموَكّلون بها، ويترقبون من يزجى إليها من أهل الطغيان كما يترقب أهل المرصاد من يَأتيه من عدوّ.

ويجوز أن يكون مرصاد مصدراً على وزن المفعال، أي رصداً.

والإِخبار به عن جهنم للمبالغة حتى كأنها أصل الرصد، أي لا تفلت أحداً ممن حق عليهم دخولها.

ويجوز أن يكون مرصاد زنة مبالغة للراصد الشديد الرصد مثل صفة مغيار ومعطار، وصفت به جهنم على طريقة الاستعارة ولم تلحقه (ها) التأنيث لأن جهنم شبهت بالواحد من الرصد بتحريك الصاد، وهو الواحد من الحرس الذي يقف بالمرصد إذ لا يكون الحارس إلا رجلاً.

ومتعلق: مرصاداً } محذوف دل عليه قوله: ﴿ للطاغين مئاباً ﴾ .

والتقدير: مرصاداً للطاغين، وهذا أحسن لأن قرائن السورة قِصارٌ فيحسن الوقف عند ﴿ مرصاداً ﴾ لتكون قرينة.

ولك أن تجعل ﴿ للطاغين ﴾ متعلقاً ب ﴿ مرصاداً ﴾ وتجعل متعلق ﴿ مئاباً ﴾ مقدراً دل عليه ﴿ للطاغين ﴾ فيكون كالتضمين في الشعر إذ كانت بقيةً لِمَا في القرينة الأولى في القرينة المُوالية فتكون القرينة طويلة.

ولو شئت أن تجعل ﴿ للطاغين ﴾ متنازعاً فيه بين ﴿ مرصاداً ﴾ أو ﴿ مئاباً ﴾ فلا مانع من ذلك معنىً.

وأقحم ﴿ كانت ﴾ دون أن يقال: إن جهنم مرصادٌ للدلالة على أن جعلها مرصاداً أمر مقدر لها كما تقدم في قوله: ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتاً ﴾ [النبأ: 17].

وفيه إيماء إلى سعة علم الله تعالى حيث أعدّ في أزله عقاباً للطّاغين.

و ﴿ مئاباً ﴾ : مكان الأوْب وهو الرجوع، أطلق على المقر والمسكن إطلاقاً أصله كناية ثم شاع استعماله فصار اسماً للموضع الذي يستقر به المرء.

ونصب ﴿ مئاباً ﴾ على الحال من ﴿ جهنم ﴾ أو على أنه خبر ثان لفعل ﴿ كانت ﴾ أو على أنه بدل اشتمال من ﴿ مرصاداً ﴾ لأن الرصد يشتمل على أشياء مقصودة منها أن يكونوا صائرين إلى جهنم.

و ﴿ للطاغين ﴾ متعلق ب ﴿ مئاباً ﴾ قدم عليه لإدخال الروع على المشركين الذين بشركهم طغوا على الله، وهذا أحسن كما علمت آنفاً.

ولك أن تجعله متعلقاً ب ﴿ مرصاداً ﴾ أو متنازعاً فيه بين ﴿ مرصاداً ﴾ و ﴿ مئاباً ﴾ كما علمت آنفاً.

والطغيان: تجاوز الحد في عدم الاكتراث بحق الغير والكِبْرُ، والتعريفُ فيه للعهد فالمراد به المشركون المخاطبون بقوله: ﴿ فتأتون أفواجاً ﴾ [النبأ: 18] فهو إظهار في مقام الإِضمار لقصد الإِيماء إلى سبب جعل جهنم لهم لأن الشرك أقصى الطغيان إذ المشركون بالله أعْرضوا عن عبادته ومتكبرون على رسوله صلى الله عليه وسلم حيث أنِفوا من قبول دعوته وهم المقصود من معظم ما في هذه السورة كما يصرح به قوله: ﴿ إنهم كانوا لا يرجون حساباً وكذبوا بآياتنا كذاباً ﴾ [النبأ: 27، 28].

هذا وأن المسلمين المستخفّين بحقوق الله، أو المعتدين على الناس بغير حق، واحتقاراً لا لمجرد غلبة الشهوة لهم حظ من هذا الوعيد بمقدار اقترابهم من حال أهل الكفر.

واللابث: المقيم بالمكان.

وانتصب ﴿ لابثين ﴾ على الحال من الطاغين.

وقرأه الجمهور ﴿ لابثين ﴾ على صيغة جمع لابث.

وقرأه حمزة ورَوح عن يعقوب وأحقاب: جمع حُقُب بضمتين، وهو زمن طويل نحو الثمانين سنة، وتقدم في قوله: ﴿ أو أمضي حقباً ﴾ في سورة الكهف (60).

وجمعه هنا مراد به الطول العظيم لأن أكثر استعمال الحُقُب والأحقاب أن يكون في حيث يراد توالي الأزمان ويبين هذا الآيات الأخرى الدالة على خلود المشركين، فجاءت هذه الآية على المعروف الشائع في الكلام كناية به عن الدوام دون انتهاء.

وليس فيه دلالة على أن لهذا اللبث نهاية حتى يُحتاج إلى دعوى نسخ ذلك بآيات الخلود وهو وهم لأن الأخبار لا تنسخ، أو يحتاج إلى جعل الآية لعصاة المؤمنين، فإن ذلك ليس من شأن القرآن المكي الأول إذ قد كان المؤمنون أيامئذ صالحين مخلصين مجدِّين في أعمالهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ النَّبَإ ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ ﴾ ﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا ﴾ ﴿ والجِبالَ أوْتادًا ﴾ ﴿ وَخَلَقْناكم أزْواجًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا ﴾ ﴿ وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا ﴾ ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا ﴾ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا ﴾ ﴿ وَجَنّاتٍ ألْفافًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ ﴾ يَعْنِي عَنْ أيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُ المُشْرِكُونَ؟

لِأنَّ قُرَيْشًا حَيْثُ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ  جَعَلَتْ تُجادِلُ وتَخْتَصِمُ في الَّذِي دَعا إلَيْهِ.

وَفي " النَّبَأ العَظِيم " أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القُرْآنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ  .

﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ هو البَعْثُ، فَأمّا المَوْتُ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اخْتَلَفَ فِيهِ المُشْرِكُونَ مِن بَيْنِ مُصَدِّقٍ مِنهم ومُكَذِّبٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: اخْتَلَفَ فِيهِ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ، فَصَدَّقَ بِهِ المُسْلِمُونَ وكَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

﴿ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ لِلْكُفّارِ، قالَهُ الحَسَنُ، فالأوَّلُ: كَلّا سَيَعْلَمُونَ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ في القِيامَةِ، والثّانِي: كَلّا سَيَعْلَمُونَ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ في جَهَنَّمَ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الأوَّلَ لِلْكُفّارِ فِيما يَنالُهم مِنَ العَذابِ في النّارِ، والثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ فِيما يَنالُهم مِنَ الثَّوابِ في الجَنَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: نُعاسًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: سَكَنًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: راحَةً ودَعَةً، ولِذَلِكَ سُمِّيَ يَوْمُ السَّبْتَ سَبْتًا لِأنَّهُ يَوْمُ راحَةٍ ودَعَةٍ، قالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: يُقالُ سَبَتَ الرَّجُلُ إذا اسْتَراحَ.

الرّابِعُ: سُباتًا أيْ قِطَعًا لِأعْمالِهِمْ، لِأنَّ أصْلَ السُّباتِ القَطْعُ ومِنهُ قَوْلُهم سَبَتَ الرَّجُلُ شَعْرَهُ إذا قَطَعَهُ، قالَ الأنْبارِيُّ: وسُمِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ لِانْقِطاعِ الأعْمالِ فِيهِ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ السُّباتَ ما قَرَّتْ فِيهِ الحَواسُّ حَتّى لَمَّ تُدْرِكْ بِها الحِسَّ.

﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَكَنًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: غِطاءً، لِأنَّهُ يُغَطِّي سَوادَهُ كَما يُغَطِّي الثَّوْبُ لابِسَهُ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.

﴿ وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا ﴾ يَعْنِي وقْتَ اكْتِسابٍ، وهو مَعاشٌ لِأنَّهُ يُعاشُ فِيهِ.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّهُ زَمانُ العَيْشِ واللَّذَّةِ.

﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا ﴾ يَعْنِي بِالسِّراجِ الشَّمْسَ، وفي الوَهّاجِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المُنِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: المُتَلَأْلِئُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مِن وهَجِ الحَرِّ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الوَقّادُ، الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الضِّياءِ والجِمالِ.

﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المُعْصِراتِ الرِّياحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ هي الجَنُوبُ.

الثّانِي: أنَّها السَّحابُ، قالَهُ سُفْيانُ والرَّبِيعُ.

الثّالِثُ: أنَّ المُعْصِراتِ السَّماءُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

وَفي الثَّجّاجِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الكَثِيرُ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: المُنْصَبُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ فَثَجَّ أعْلاهُ ثُمَّ ارْتَجَّ أسْفَلُهُ وضاقَ ذَرْعًا بِحَمْلِ الماءِ مُنْصاحِ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الحَبَّ ما كانَ في كِمامِ الزَّرْعِ الَّذِي يُحْصَدُ، والنَّباتُ: الكَلَأُ الَّذِي يُرْعى، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.

الثّانِي: أنَّ الحَبَّ اللُّؤْلُؤُ، والنَّباتُ: العُشْبُ، قالَ عِكْرِمَةُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ قَطْرَةً إلّا أنْبَتَتْ في الأرْضِ عُشْبَةً أوْ في البَحْرِ لُؤْلُؤَةً.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الحَبَّ ما بَذَرَهُ الآدَمِيُّونَ، والنَّباتَ ما لَمْ يَبْذُرُوهُ.

﴿ وَجَنّاتٍ ألْفافًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها الزَّرْعُ المُجْتَمِعُ بَعْضُهُ إلى جَنْبِ بَعْضٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ بِالثَّمَرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّها ذاتُ الألْوانِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها الَّتِي يَلُفُّ الزَّرْعُ أرْضَها والشَّجَرُ أعالِيَها، فَيَجْتَمِعُ فِيها الزَّرْعُ والشَّجَرُ مُلْتَفّاتٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا يتساءلون بينهم فنزلت ﴿ عم يتساءلون عن النبإ العظيم ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يتساءلون عن النبإ العظيم ﴾ قال: القرآن.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ عم يتساءلون عن النبإ العظيم ﴾ قال: القرآن.

وفي قوله: ﴿ الذي هم فيه مختلفون ﴾ قال: مصدق به ومكذب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون ﴾ قال: هو البعث بعد الموت، صار الناس فيه رجلين مصدق ومكذب، فأما الموت فاقروا به كلهم لمعاينتهم إياه، واختلفوا في البعث بعد الموت.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ﴾ قال: وعيد بعد وعيد.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ كلا سيعلمون ﴾ الكفار ﴿ ثم كلا سيعلمون ﴾ المؤمنون، وكذلك كان يقرؤها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ألم نجعل الأرض مهاداً ﴾ قال: فرشت لكم ﴿ والجبال أوتاداً ﴾ قال: أوتدت بها لكم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ألم نجعل الأرض مهاداً ﴾ إلى قوله: ﴿ معاشاً ﴾ قال: نعم من الله يعددها عليك يا ابن آدم لتعمل لأداء شكرها.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يخلق الخلق أرسل الريح فنسفت الماء حتى أبدت عن حشفة، وهي التي تحت الكعبة، ثم مد الأرض حتى بلغت ما شاء الله من الطول والعرض، وكانت هكذا تميد، وقال بيده وهكذا وهكذا، فجعل الله الجبال رواسي أوتاداً، فكان أبو قبيس من أول جبل وضع في الأرض.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: إن الأرض أول ما خلقت خلقت من عند بيت المقدس، وضعت طينة فقيل لها: اذهبي هكذا وهكذا وهكذا، وخلقت على صخرة، والصخرة على حوت، والحوت على الماء فأصبحت وهي تميع.

فقالت الملائكة: يا رب من يسكن هذه؟

فأصبحت الجبال فيها أوتاداً، فقالت الملائكة: يا رب أخلقت خلقاً هو أشد من هذه؟

قال: الحديد.

قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من الحديد؟

قال: النار.

قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من النار؟

قال: الماء.

قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من الماء؟

قال الريح.

قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من الريح؟

قال: البناء.

قالوا: فخلقت خلقاً هو أشد من البناء؟

قال: آدم.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وخلقناكم أزواجاً ﴾ قال: اثنين اثنين وفي قوله: ﴿ وجعلنا النهار معاشاً ﴾ قال: يبتغون من فضل الله، وفي قوله: ﴿ وجعلنا سراجاً وهاجاً ﴾ قال: يتلألأ ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: الريح ﴿ ماء ثجاجاً ﴾ قال: منصباً ينصب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والخرائطي في مكارم الأخلاق عن قتادة ﴿ وجعلنا سراجاً وهاجاً ﴾ قال: الوهاج المنير ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: من السماء، وبعضهم يقول من الريح ﴿ ماء ثجاجاً ﴾ قال: الثجاج المنصب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجعلنا سراجاً وهاجاً ﴾ قال: مضيئاً ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: السحاب ﴿ ماء ثجاجاً ﴾ قال: منصباً.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن مجاهد في قوله: ﴿ سراجاً وهاجاً ﴾ قال: يتلألأ.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: السحاب يعصر بعضها بعضاً، فيخرج الماء من بين السحابتين.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قوله: النابغة: تجري بها الأرواح من بين شمال ** وبين صباها المعصرات الدوامس قال: أخبرني عن قوله: ﴿ ثجاجاً ﴾ قال: الثجاج الكثير الذي ينبت منه الزرع قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا ذؤيب يقول: سقى أم عمر وكل آخر ليلة ** غمائم سود ماؤهن ثجيج وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والخرائطي من طرق عن ابن عباس ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: الرياح ﴿ ماء ثجاجاً ﴾ قال: منصباً.

وأخرج الشافعي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والخرائطي والبيهقي في سننه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً ﴾ قال: يبعث الله سحاباً فتحمل الماء من السماء فتمر به السحاب فتدر كما تدر اللقحة، والثجاج ينزل من السماء أمثال العزالي، فتصرفه الرياح فينزل متفرقاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: السحاب ﴿ ماء ثجاجاً ﴾ قال: صباً أو قال كثيراً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ قال: من السماء ﴿ ماء ثجاجاً ﴾ قال: منصباً.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن قتادة في مصحف الفضل بن عباس ﴿ وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة قال في قراءة ابن عباس ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ بالرياح.

وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن مجاهد ﴿ وأنزلنا من المعصرات ﴾ الريح، ولذلك كان يقرؤها: ﴿ بالمعصرات ماء ثجاجاً ﴾ منصباً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ قال: مجتمعة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ قال: ملتفة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ قال: ملتفة بعضها إلى بعض.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ قال: الزرع إذا كان بعضه إلى بعض جنات.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ وجنات ألفافاً ﴾ يقول: جنات التفت بعضها ببعض.

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتاً ﴾ قال: هو يوم عظمة الله، وهو يوم يفصل فيه بين الأولين والآخرين.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً ﴾ قال: زمراً زمراً.

وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب: «أن معاذاً بن جبل قال: يا رسول الله ما قول الله: ﴿ يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً ﴾ ؟

فقال: يا معاذ سألت عن أمر عظيم، ثم أرسل عينيه ثم قال: عشرة أصناف قد ميزهم الله من جماعة المسلمين، وبدل صورهم، فبعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكبين أرجلهم فوق ووجوههم أسفل يسحبون عليها، وبعضهم عمي يترددون، وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم، يسيل القيح من أفواههم لعاباً، يقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشد نتناً من الجيف، وبعضهم يلبسون جباباً سابغات من قطران لازقة بجلودهم.

فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس، وأما الذين على صورة الخنازير فأكلة السحت، والمنكوسون على وجوههم فأكلة الربا، والعمي من يجور في الحكم، والصم البكم المعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقضاة من الذين يخالف قولهم أعمالهم، والمقطعة أيديهم وأرجلهم الذين يؤذون الجيران، والمصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، والذين هم أشد نتنا من الجيف الذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق الله وحق الفقراء من أموالهم، والذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والخيلاء والفخر» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴾ معنى تفسيره في سورة ص (١) (٢) قوله تعالى: ﴿ جَزَاءً وِفَاقًا ﴾ قال مقاتل: يقول وافق عذاب النار الشرك؛ لأنهما عظيمان، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار (٣) (٤) قال الزجاج: أي جُوزوا جزاء وفق أعمالهم (٥) قال الأخفش: يقول: وافق أعمالهم وفاقاً، كما تقول: قاتل قتالاً (٦) وعلى هذا: (وفاقاً) ينتصب انتصاباً (٧) ثم أخبر عنهم فقال: (١) سورة ص: 57، قال تعالى: ﴿ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴾ .

ومما جاء في تفسير الحميم، والغساق -من هذه السورة-: (قال مقاتل: حميم: يعني الحار الذي قد انتهى حره، و"غساقاً" يعني البارد الذي قد انتهى برده، ينطلق بهم من الحر إلى البرد، فتتقطع جلودهم، ويحرق البارد كما يحرق الحار.

وقال مجاهد: هو الذي لا يستطيعونه من برده.

وقال ابن عباس: هو الزمهرير برده، يحرق كما يحرق النار.

وقال الفراء: الغساق هو بارد يحرق حراق الحميم، وقال الزجاج نحواً منه.

وذكر الأزهري أن الغاسق: البارد.

وهناك تفسير ثانٍ لمعنى (غساق)، وهو أنه المنتن.

قال به ابن بريدة، والليث.

وقول ثالث في (الغساق) أنه ما سال من جلود أهل النار، والموافق للغة، يقال: غسقت عينه إذا انصبت، الغساق: الإنصاب).

(٢) أي أنه استثناء منقطع، وهذا في قول من جعل البرد: النوم.

انظر: "البيان في == غريب إعراب القرآن" لابن الأنباري 2/ 490.

(٣) ورد معنى قوله في "تفسير مقاتل" 225/ ب، "الكشف والبيان" 13/ 29/ أ، "معالم التنزيل" 4/ 439، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 179.

(٤) تفسير الإمام مجاهد 695، "جامع البيان" 30/ 15.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 274 نقله عنه بإضافة (جزاء).

(٦) "معاني القرآن" 2/ 727 بمعناه.

(٧) أي أن (وفاقاً) مصدر فعله مضمر، أي فوافق عملهم وفاقاً.

انظر: "غرائب التفسير" 2/ 1297.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ ردع وتهديد ثم كرره للتأكيد ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مِهَاداً ﴾ أي فراشاً، وإنما ذكر الله تعالى هنا هذه المخلوقات على جهة التوقيف ليقيم الحجة على الكفار فيما أنكروه من البعث كأنه يقول: إن الإله الذي قدر على خلقة هذه المخلوقات العظام قادر على إحياء الناس بعد موتهم، ويحتمل أنه ذكرها حجة على التوحيد؛ لأن الذي خلق هذه المخلوقات هو الإله وحده لا شريك له ﴿ والجبال أَوْتَاداً ﴾ شبهها بالأوتاد لأنها تمسك الأرض أن تميد ﴿ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ أي من زوجين ذكراً وأنثى، وقيل: معناه أنواعاً في ألوانكم وصوركم وألسنتكم ﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ﴾ أي راحة لكم، وقيل: معناه قطعاً للأعمال والتصرف.

والسبت: القطع.

وقيل: معناه موتاً؛ لأن النوم هو الموت الأصغر، ومنه قوله تعالى: ﴿ الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مَوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ﴾ [الزمر: 42] ﴿ وَجَعَلْنَا اليل لِبَاساً ﴾ شبهه بالثياب التي تلبس لأنه ستر عن العيون ﴿ وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً ﴾ أي تطلب فيه المعيشة، فهو على حذف مضاف تقديره ذا معاش، وقال الزمخشري: معناه يعاش فيه فجعله بمعنى الحياة في مقابلة السبات، الذي بمعنى الموت ﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً ﴾ يعني السموات ﴿ وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً ﴾ يعني الشمس.

الوهّاج الوقاد الشديد الإضاءة، وقيل: الحار الذي يضطرم من شدة لهبه ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَآءً ثَجَّاجاً ﴾ يعني: المطر.

المعصرات: هي السحاب وهو مأخوذ من العصر؛ لأن السحاب ينعصر فينزل منه الماء أو من العصرة؛ بمعنى الإغاثة.

ومنه: وفيه يعصرون، وقيل: هي السموات وقيل: الرياح والثجَّاج السريع الاندفاع ﴿ لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً ﴾ الحب هو القمح والشعير وسائر الحبوب والنبات هو العشب ﴿ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً ﴾ أي ملتفة وهو جمع لف بضم اللام، وقيل: بالكسر وقيل: لا واحد له ﴿ كَانَ مِيقَاتاً ﴾ أي في وقت معلوم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ اختلف في التساؤل.

فمنهم من ذكر أن التساؤل كان عن أمر النبي  ، سألوا عن حاله: أهو نبي أم ليس بنبي؟

ومنهم من ذكر أن التساؤل كان عن القرآن: أنه من الله  أو ليس من الله  ؟

أو يتساءلون فيما بينهم: هل تقدرون على إتيان مثله أم لا؟

وجائز أن يكون التساؤل عن أمر البعث، أو عن التوحيد، كما قال [الله] -  - خبرا عنهم: ﴿ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً  ﴾ ؟.

ثم جائز أن يكون هذا السؤال من أهل الكفر، سأل بعضهم بعضا، فاختلفوا فيه، ولم يحصلوا من اختلافهم على إصابة الحق؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ ، ولو كان فيهم مصدق، لكان قد وقع له العلم في ذلك الوقت؛ فلا يحتاج إلى أن يعلم ويبينه عليه.

فإن كان السؤال عن حال الرسول  ، فوجه اختلافهم أن بعضهم زعم أنه شاعر، وقال بعضهم: هوساحر، وقال بعضهم: مفتر كذاب، وادعا بعضهم أنه مجنون.

وجائز أن يكون السؤال من الكفرة للمؤمنين.

وإن كان على هذا فما ذكره أهل التفسير فهم بين مصدق ومكذب، يراد بالمكذب الذين صدر عنهم السؤال، ويراد بالمصدق أهل الإسلام الذين سئلوا.

ثم لا يجوز لأحد تحصيل السؤال على جهة واحدة، والقطع عليه بالتوقف الموجب للعلم.

ثم في قوله -  -: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً ﴾ جواب عما سبق من السائل؛ [فإن كان السائل] عن أمر الرسالة، فحقه أن يحمل على جهة غير الجهة التي يحمل عليها إذا صرف التساؤل إلى أمر البعث، أو إلى أمر التوحيد أو القرآن.

والأصل فيه أن الله -  - بما ذكر من مهاد الأرض، وخلق الأزواج ذكر عباده عظيم نعمه وكثرة إحسانه إليهم؛ ليستأدي منهم الشكر؛ فإذا وقعت لهم الحاجة إلى الشكر، [فيضطرهم ذلك إلى من بين لهم، و] احتاجوا إلى من يعرفهم [الوعد والوعيد] ومحل الشكور، ومحل الكفور، ومحل الموالي، ومحل المعادي؛ إذ وجدوا هذه الدنيا تمن على الأولياء، وعلى الأعداء على حالة واحدة، فاحتاجوا إلى من يعرفهم الوعد والوعيد، وأوجب ما ذكرنا القول بالبعث؛ ليظهر به منزلة الشكور والكفور.

وفي ذكر هذه النعم - أيضا - دلالة الوحدانية؛ لأن الله -  - مهد الأرض، فجعلها متمتعا للخق، ومنقلبا لهم، وأخرج منها ما يتعيشون به، وجعل سبب الإخراج ما ينزل من السماء من القطر، فجعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء، فلو لم يكن مدبرهما واحد لانقطع الاتصال، ثم لو أراد أحد أن يعرف المعنى الذي [له] يقع إحياء الأشياء بالماء، لم يصل إليه، ولو أرادوا أن يتداركوا الوجه الذي صلح هذا الطعام أن يكون سببا لدفع الحاجات وقطع الشهوات، لم يقفوا عليه؛ فيكون فيما ذكرنا إزالة الشبه والشكوك التي تعترض لهم في الأمور الخارجة عن تدبيرهم وقواهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ : منهم من ذكر أن هذا وعيد على وعيد، وقد ذكرنا أن حرف الوعيد ما يكرره العرب فيما بينهم للتأكيد، كما يقال: هيهات هيهات، وأولى لك فأولى.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ على علم دلالة، وقوله -  -: ﴿ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ﴾ على علم المشاهدة والعيان.

ثم قوله -  -: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً ﴾ ، أي: بساطا، ﴿ وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً ﴾ ذكر أن الأرض لما خلقت مادت بأهلها، فأرساها الله -  - بالجبال؛ لطفا منه، لا أن جعلها سببا للإرساء؛ ألا ترى إلى قوله : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً  فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً  لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً  ﴾ ، فقد جعلها في ذلك الوقت مستمسكة ثابتة مستقرة بدون الجبال؛ فثبت أنها ليست بسبب للإرساء في التحقيق، ويكون فيه تعريف الخلق وجوه الحيل في الأمور إذا تعذر عليهم الوصول إليها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ قيل: ألوانا؛ فيكون في هذا إبطال الحكم بقول القائف؛ لأنهم يستدلون بالتشابه في الألوان، ويحكمون بها، فلو كان الأمر على ما قدروا، لارتفع الاختلاف في الألوان؛ فيكون الخلق كلهم على لون واحد.

وقيل: ﴿ أَزْوَاجاً ﴾ : فرقا شتى؛ ليعرف كل منهم عنصره، ومنتهى أصله.

وقيل: ﴿ أَزْوَاجاً ﴾ ، أي: جعل لكل أحد شكلا من جنسه؛ فجعل للذكر أنثى زوجا من جنسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ﴾ ، قيل: السبات: التمدد.

وقيل: السبات: النوم الذي لا حركة فيه؛ ولهذا قيل للذي شبه بالميت: مسبوت.

وقيل: السبات: الراحة؛ ولذلك سمى: السبت؛ لأنه يوم راحة وترك العمل في بني إسرائيل.

ثم في إنشاء النوم دليل سلطانه، ودخول الخلق بأجمعهم تحت تدبيره؛ إذ لم يتهيأ لأحد الاحتراز من النوم حتى لا يعتريه؛ بل يقهر الجبابرة فيذلهم، ولا يمكنهم الخلاص عنه بالحيل والأسباب، ثم النوم كأنه من أثقل الأحمال وأشدها، ثم إذا زايل الإنسان، وعاد المرء إلى حال اليقظة، وجد في نفسه خفة وراحة ومن شأن هذا الإنسان: أنه إذا حمل الحمل الثقيل، مسه من ذلك فتور وكلال لا يزول عنه ساعة ما يضع الحمل عن نفسه؛ بل يبقى ذلك الكلال فيه إلى مدة، فمن تدبر في أمر النوم، دله على عظيم شأ،ه وعجائب تدبيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً ﴾ ، فهذا اللباس لباس الأعين لا غير؛ ألا ترى أنه لا يستغنى بلباس الليل عما أخذ عليه من اللباس للصلاة، ولا يعمل الليل عم اللباس المعروف في دفع أذى البرد والحر.

وقال بعضهم: اللباس: السكن؛ كما قال في آية آخرى: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً  ﴾ وكأن الذي حملهم على هذا التأويل هو أن تمام السكن والراحة يقع بالنوم؛ فصرفوه إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً ﴾ ، أي: يتعيش فيه، لا أن يكون نفسه معاشا، كما سماه: مبصرا؛ لما يبصر به، لا أنه في نفسه مبصرا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً ﴾ ، أي: السماوات، فذكرهم؛ هذا لينبههم على قدرته وسلطانه؛ فعرفوا أنه فعال لما يريد، قادر على ما يشاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً ﴾ ، فكأن السراج هو الشمس هاهنا، جعلها تتوهج وتتلألأ ما بين السماء والأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً ﴾ : منهم من ذكر أن المعصرات هي السحاب التي أنشئ فيها القطر؛ يقال للجارية التي قد دنت حيضتها: معصرة، فشبه السحاب بمعاصر الجواري.

وقيل: سمى السحاب: معصرا؛ لأنه يعصر المطر.

وقيل: هي ذوات الأعاصير؛ يعني: الرياح، كقوله: ﴿ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ  ﴾ ، أي: ريح.

وعن الحسن: هي السماوات.

وقال الزجاج: المعصر: هو الذي قد أتى وقت إرسال القطر منه؛ كما يقال: مجرز لما أتى وقت جرازه.

ثم في إنزال الماء من المعصرات تذكير النعم والقدرة والحكمة، وكل وجه من هذه الأوجه الثلاثة يوجب القول بالبعث: فأما وجه تذكير النعم، فهو أن القطر ينزل من السماء متتابعا، ثم الله -  - بلطفه يمنع اتصال بعض ببعض والتصاقه، ويرسل كل قطرة إلى الأرض بحيالها، وينزل بعضها على بعض؛ لينتفع بها، ولو التصق بعضها ببعض واصتل، لم يقم لها شيء؛ فكانت تصير سببا للتعذيب والإهلاك، فبفضله ورحمته أنزلها متتابعة؛ لينتفع بها الخلق، ويتمتعوا بها.

وفيه تذكير القوة والحكمة - أيضا - لأنه أنشأ السحاب الثقال، وساقه إلى الموضع الذي قدر أن يرسل القطر هنالك، ومعلوم أن ذلك الإرسال ليس من فعل السحاب؛ لأن السحاب يمتنع عن إرسال القطر حتى ينتهي إلى الموضع الذي أمر بإرسال القطر فيه، ولو كان ذلك للسحاب نفسه، لكان أينما مر يعمل في الإرسال، ولو كان ذا ثقب لكانت الريح متى دختل في الثقب أرسل السحاب ما أنشئ يه من القطر، فإذا لم يوجد ذلك بان أن الله -  - بحكمته وقدرته ولطفه هو الذي أنشأ فيه ذلك، ودبر إرساله، لا أن يكون ذلك عمل السحاب، ولو أراد أحد من حكماء الأرض أن يعرف المعنى الذي له صلح ذلك السحاب أن يستمسك فيه القطر، ولا يستمسك في مكان آخر، لم يقف عليه، فذكرهم، ليعلموا أن حكمته ليست على الوجه الذي ينتهي إليه حكم البشر، ولا قدرته مقدرة بقوى البشر؛ بل هو قادر على ما يشاء، فعال لما يريد.

وفيه أن تدبير السماء والأرض والهواء يرجع إلى الواحد القهار؛ إذ لا يتهيأ لأحد أن يمنع القطر المرسل من السماء عن الوصول إلى الموضع الذي أمر أن ينتهي إليه.

والثجاج: القطر المتتابع بعضه على إثر بعض، والثج: الصب؟

والإراقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً ﴾ : جائز أن يكون ذكر الحب؛ لأن المقصود من زراعة ما يكون له الحب - الحب؛ فذكره؛ لما إليه ينتهى القصد، ويكون ذكر النبات منصرفا إلى ما لا حب له؛ لأن القصد من زراعته النبات لا غير.

وجائز أن يكون منصرفا إلى شيء واحد؛ لأن الذي فيه الحب فيه النبات أيضا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً ﴾ قد ذكرنا أن الجنة هي اسم المكان الملتف بالأشجار، وهي التي اجتمعت فيها الأشجار.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا يذوقون إلا ماءً شديد الحرارة، وما يسيل من صديد أهل النار.

<div class="verse-tafsir" id="91.pgDGL"

مزيد من التفاسير لسورة النبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده